Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
[٧٦٣]
محمد بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن المبارك بن محمد المهتدي بالله بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهديِّ بن المنصور بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله بن أبي حفصٍ العباسيُّ.
هكذا نسب لي نفسه.
شيخ رأيته بمدينة إربل في جمادى الأولى، سنة سبع وعشرين وستمائة. وذكر لي، أنَّه كان بالموصل معلّم صبيّة لكتب العامة، ثم ترك صنعة التعليم، وعاد إلى وطنه بغداد، فصار بها يؤدّب أولاد أمرائها بالخط.
أنشدني لنفسه، يمدح القاضي شهاب الدين أبا المناقب محمود بن أحمد بن بختيار الزنجاني: [من البسيط]
علوُّ مجدك أجرى السَّعد في الأفق ... فأبشر بيمن وإقبال على نسق
واسعد به يا شهاب الدين وابق لنا ... يا أبيض الوجه والإحسان والخلق
لأنت مولى إذا عدَّت مناقبه ... فبلَّجتك ضياء الصُّبح في الفلق
سامي المناقب محسود المراتب محـ ... ـمود العواقب محمولٌ على الحدق
/٧٠ ب/ إن قال أو صال أو سالت عوارفه ... لدى المرا والوغى والنائل الغدق
كالغيث .... كالعضب مندلق ... واللَّيث منطلق والغيث مندفق
أغنت عوارفه فقرى وعاش بها ... أهلي ومات بها ضدِّي من الفرق
فما اصطبحت بكأس من عوارفه ... إلاَّ وقد بثَّ في جلباب مندفق
كم نلت ما رمت من إنعام راحته ... فنال أقصى المنى في ملكه وبقي
في ظل مالكنا رقاً وموسعنا ... رزقاً ومنذنا .... من العلق
النَّاصر الملك الدَّاعي إلى الرَّشد النَّاهي عن الفند الهادي إلى الطرق
خليفة الله ظل الله ناصر ديـ ... ـن الله أحمد كهف الواهن الفرق
لا زال عصمة ملهوفٍ وكعبة معـ ... ـروف يحجُّ إليها كل مرتزق
стр. 1962
[٧٦٤]
محمد بن عليِّ بن شمَّاس بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الحسن الإربيليُّ.
وقد تقدم شعر والده، وشعر أخيه.
أخبرني أنه؛ ولد في شهر ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وهو الأكبر من أولاد الوزير أبي الحسن علي بن شماس. وهو حسن المذاكرة بأيام الناس وأخبارهم، وقال أشعاراً غير أنَّها ذهبت، ولم يظهر لي منها شيء.
ومن شعره، يهجو علي بن /٧١ أ/ النفيس. كان من أولاد نصارى رومايا، قرية من بلد قلعة ألقى من أعمال الموصل.
وكان قديماً من الجزيرة العمرية. وكان هذا المهجو بإربل قد استولى على مملكة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – وحكم فيها، واستفحل أمره، وظلم الناس ظلماً فاحشاً حتى غلب على السلطان مظفر الدين، وانقاد له في جميع ما يأمره وينهاه، وحصل أموالاً جمّة، ومات على أقبح موتة، وأراح الله المسلمين من ظلمه. فأنشدني أو عبد الله فيه لنفسه: [من الخفيف]
قد كرهت الولاء لمّا تسمَّى ... بعليٍّ هذا الوضيع الرَّذيل
إنَّ يوماً يكون فيه رفيعاً ... عند هذا الورى ليوم ثقيل
إنَّ ملكاً يكون فيه مشيراً ... مثله في الأنام ملكٌ علي
ما احتيال ............... ..........................
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
بكت عيني حذار البين حتَّى ... جرت بعد الدُّموع لها الدِّماء
وعوِّدت التئام الشَّمل جهدي ... وليس لصحبةٍ أبداً بقاء
стр. 1963
[٧٦٥]
/٧١ ب/ محمَّد بن عليِّ بن يحيى بن محمد بن الحسن بن يوسف بن عبيد الله، ابو عبد الله بن أبي الحسن الشلمانيُّ.
كان ولده من قرية من قرايا فنك، تدعى شلما، من عمل الجزيرة العمرية. وقد سبق شعره أبيه في موضعه.
وأبو عبد الله ذو طبع في الشعر، إلا أن شعره ضعيف؛ لكونه لم يشتغل بالعربية. نزل إربل، وتولّى بها عملاً، ثم حبس، وطالت مدته في الحبس.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى من الحبس، يشكو حاله، وما يلاقي من الضائقة والفاقة: [من الخفيف]
شرف الدين لا برحت بإحسا ... نك تحيي من كان ميتاً كسيرا
أنت بحرٌ والبحر يمنح ما يأ ... تيه درّاً ولؤلؤاً منثورا
إن أكن في الحديد أصبحت فرداً ... عاري الجسم جائعاً مكسورا
فلي الله ثمَّ أنت ومن كنـ ... ـت له مسعداً فعزَّ ظهيرا
قيَّدتني أطواق إحسانك لمَّا ... ضنَّ من كنت أرتجيه نصيرا
وملكت القياد منِّي فأصبحـ ... ـت بجدواك منعماً محصورا
قست ما كان من زماني فلم أحـ ... ـظ ..... منكم هباً منثوراً
[٧٦٦]
/٧٢ أ/ محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن ثابت بن مزاحم بن عياش بن وديعة، أبو عبد الله الموصليُّ.
تقدّم شعر أبيه، وكان من النيل.
стр. 1964
وكانت ولادة محمد بالموصل، في منتصف ذي القعدة يوم الاثنين ضاحي نهار سنة ثمانين وخمسمائة.
شاب ضعيف العينين، وقد وخطه الشيب، مربوع. سمّى نفسه شاعر أهل البيت. يلحن في إنشاده.
وحكى أنه وقف على منجم طرقي، فأراد أن يعبث به، فقال: نجّم لي، وذكر غير اسمه، واسم أمّه.
فقال له المنجم: قل الصحيح.
فقال: فقلت له، اسمي الحقيقي.
فقال: أنت تكون تجمع ألواح الصبيان، وتصر معلماً.
قال: فكنت بعد ذلك بمدّةٍ طويلة كما قال.
وكان يؤدّب الصبيان بالموصل.
وهو شاعر غزير الشعر، طبعه مجيب في النظم، مدح أهل البيت – صلوات الله عليهم – بقصائد شتى، اشتهرت عنه، وترك التأديب، ثم اشتغل بالتنجيم، وعرف منه طرفاً جيداً وكتب التقاويم الحسنة.
أنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها مولانا وسيدنا الإمام المفترض الطاعة على كافة الأنام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور – رحمه الله تعالى -.
/٧٢ ب/ يقول فيها: [من السريع]
وربَّ عنس صرت في ظهرها ... جائلة في مهمه الأنهر
لا تشتكي فرط وجى لا ولا ... ترعى من الحوذان والعرعر
جاريه كالطَّير في جوِّها ... لغامها من طحلب أخضر
تؤمُّ بي نحو إمام النَّدى ... خليفة الله أبي جعفر
الظَّاهر الأنساب من هاشمٍ ... رب الجبين الواضح الأزهر
стр. 1965
هو الإمام النَّبويُّ الذي ... عنصره من أشرف العنصر
وإلى أمور الدين عن جدِّه ... العبَّاس بل عن أحمد المنذر
حامي حمى البطحاء والرُّكن والـ ... ـحطيم والكعبة والمشعر
واللاَّبس البردة والحامل الـ ... ـقضيب والرَّاقي على المنبر
ذو التاج والمغفر لا .... ... ..... بربِّ التاج والمغفر
من في فناه مهبط الوحي والتَّبجيل والتَّفضيل والمفخر
من نور رب العرش أنواره ... كذاك لا تخفى على المبصر
مالك أعناق ملوك الورى ... منشي زمام الرِّمم الدُّثَّر
ذو الجحفل الجرَّار والعسكر الساري من الأملاك في عسكر
/٧٣ أ/ تخفق في الآفاق راياته ... باسم منصور ومستنصر
إذا جرت في معرك خليه ... بغير هام الشُّوس لم تعثر
توسم في الأرض المحاريب فالثغور باللَّثم لها تمتري
يظل من فوق الثَّرى دونها ... يسجد وجه الملك الأصفر
سيوفه مذ لم تزل والقنا ... بالدَّم غن يدع بها يقطر
وبيضه حمرٌ وأرماحه ... سمرٌ بغير الهام لم تثمر
حاز على عشر بحار وفي كل الورى سبع من الأبحر
وحيث جادت كفُّنه بالحيا ... فالعارض الهتَّان لم يذكر
يغني بعيد الدار بالوابل الـ ... ـمدرار من مثر ومن مقتر
يعلم ما في السرِّ وحياً من اللـ ... ـه وقد يخبر بالمضمر
أضحت به بغداد كالخلد للسَّاكن والدِّجلة كالكوثر
فنشرها أذكى من المسك للنَّاشق والكافور والعنبر
خليفة الله الذي حبُّه ... في اليوم ينجيني وفي المحشر
من لا يواليك غداً في لظى ... يكبُّه الله على المنخر
فقت على كيوان في رتبة الـ ... ـفخر وجاوزت مدى المشتري
/٧٣ ب/ وأصبح المرِّيخ في هوَّةٍ ... منك على الأعداء كالقسور
فارق وطل واسعد وسد وابتهل ... وعش ودم واسم وجد وافخر
стр. 1966
وأنشدني لنفسه، وقد أهدى إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى، تقويماً، وكتب على ظهره: [من الطويل]
ولما رأيت الشعر ليس ببالغ ... علاك وأهل الأرض أنت رئيسها
منحتك بالأفلاك تجري سعودها ... إليك وتجري في الأعادي نحوسها
وأنشدني لنفسه فيه أيضاً، وقد لسعته عقرب في قدمه: [من السريع]
يا شرف الدين الذي لم يزل ... يجوده يوجد أهل العدم
قد فاقت العقرب فخراً كما ... قد فاق من قبل منك القدم
وأنشدني لنفسه، مبدأ قصيدة: [من مجزوء الكامل]
يا مائساً تحت الغلائل ... أمن الشَّمول هي الشَّمائل
أزرت لحاظك بالسيو ... ف ولين قدِّك بالذَّوابل
إن شئت قتلي في هوا ... ك فحبذا ما أنت فاعل
/٧٤ أ/ شفَّيت بي منك الحوا ... سد واللَّوائم والعواذل
يا أيُّها الرِّيم الذي مرعاه قلبي لا الخمائل
لا حبذا واش غدا ... عنِّي إليك الزُّور ناقل
كم ذا أميل إليك من ... وجد وعنِّي أنت مائل
لا تحملن سيفاً فلحـ ... ـظك ناب عمَّا أنت حامل
لك من خفونك والحشا ... طول المدى رامٍ ونابل
حازت لحاظك ما وعى ... الملكان من سحرٍ ببابل
ويح النَّسيم لو أنَّه ... أدَّى إليك لي الرسائل
لبعثت في طيَّاته ... منِّي إلى الحبِّ الرَّسائل
وأنشدني لنفسه: [من المتقارب]
مدحتك لا طعاماً في نداك ... وفي جود مثلك من يطمع
ولكن بشحِّك لمَّا سمعت ... أردت أحقِّق ما أسمع
وأنشدني أيضاً لنفسه، في غلام لابس أحمر: [من الكامل]
ومهفهف كالغصن قامته ... بخصره ما بي من السَّقم
стр. 1967
/٧٤ ب/ لم أنسه لمّا بدا قمراً ... يختال في ثوب من العنم
وحواسدي حولي وقد بهتوا ... من حسنه في ذلك الصَّنم
فأجبتهم والدَّمع يكسب من ... جفنيَّ في خدَّيَّ كالدِّيم
لم يكف أن دمي بوجنته ... حتَّى تسربل كلُّه بدمي
[٧٦٧]
محمد بن المبارك بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن المظفر، أبو سعد بن أبي الفتح الشهر زوريُّ الموصليُّ.
من أبناء القضاة الشهرزوريين.
أخبرني أنه ولد بالموصل، في سلخ جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – وحفظ فصولاً في الوعظ، وقال أشعاراً مختارة، ووعظ الناس بالمسجد الجامع برهةً من الزمان. وكان يحصر مجلسه عالم كثرٌ من الرؤساء، والفقهاء، وأكابر البلد. وكان حسن الصوت في إنشاد الشعر، ذا قبول تام عند الناس؛ فبقي مدة يسعد المنبر، ويتكلم على الناس، ويعظهم، ويظهر التدين والنسك على سيرة مرضية، وطريقة حميدة؛ فعند ذلك جذبه المولى الملك الرحيم إلى خدمته، واختاره لمنادمته، وأنعم [عليه]، /٧٥ أ/ وقربه إليه، وصار أحد ندمائه، ومخصوصاً من بين جلسائه، وتزيّا بزي الأجناد.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدين، عضد الإسلام والمسلمين، تاج الملوك شرف السلاطين، غياث الملهوفين، ملك أمراء الشرق والغرب بهلوان جهان خسروا إيران اج أرسلان إينانج قتلغ بك أتابك صغرك تكين بلكا، أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ثبت الله أركان دولته – وأسبغ عليه ظل نعمته، ويهنئه بالنيروز: [من البسيط].
لمَّا تبدَّى الكثيب الفرد والعلم ... أهدى السَّلام فماد البان والسلم
وظلَّ يلثم خدَّ الأرض معترفا ... بسكر ما أسلفت أيَّامها القدم
أيَّام لهو تقضَّت وهي حافلةٌ ... بالوصل لا سامٌ فيها ولا ندم
стр. 1968
ونحن في صفو عيش ما به رمقٌ ... الدَّار دانيةٌ والشمل ملتئم
لله كم من لبانات قضيت بها ... أيَّام لم يهتضمني الشيب والهرم
فاليوم لا عثرتي فيها تقال ولا ... يرعى لديَّ بها إلٌ ولا ذمم
لا درَّ درُّ الغواني كم حشا تركوا ... مقتروحةً حشوها من جورهم ألم
يوفون بالعهد ما دام الشَّباب لنا ... غضّاً وما مسَّنا الإملاق والعدم
/٧٥ ب/ صحوت يا صاح من سكر الشَّباب وقد ... أضاء صبح مشيب ليس ينكتم
وعدت أدأب في نيل الفخار ولي ... عزمٌ يقصِّر عنه الصارم الخدم
أرى المعالي مراماً ليس يدركه ... إلا فتى بذيول العزم يلتزم
باتت تعنفني في الحرص لائمتي ... تقول ما الحرص يجدي إذ جرى القلم
فقلت أرجوا زماني أن يبلِّغني ... مراتباً ليس تسموا نحوها الهمم
وكيف لا أترجَّى الخير في زمن ... أبو الفضائل في العادل الحكم
ملكٌ سما في سماء المجد مرتدياً ... ثوباً له العدل سلكٌ واحلجا علم
وفي مدائح بدر الدين مالكنا ... تحير اللَّوذعيُّ المصقع الفهم
إن قيل ليثٌ، فليث الغاب في وجلٍ ... أو قيل غيثٌ فليست تمرع الدِّيم
يا أيُّها الملك المرجوُّ نائلة ... ومن تخاف سطاه العرب والعجم
فضحت حاتم طيَّ بالنَّدى فغدا ... إليك ينتسب الإحسان والكرم
لله أنت فكم شيَّدت من رتب ... ومن جنان نعيم دونها إرم
أما وحقِّ أياديك التي ملكت ... رقَّ الأنام وحسبي ذلك القسم!
إني على قدم الإخلاص قد علقت ... كفِّي بعروة أمن ليس تنفصم
جعلتها لي ملاذاً أستجير به ... من الحوادث أنَّى زلَّت القدم
/٧٦ أ/ لا زال ربعك أمن المستجير به ... تؤمُّه من أقاصي أرضها الأمم
تسعى إلى بابك الميمون كل ضحى ... تطوف سبعاً بركنيه وتستلم
يكبرون إذا لاحت بشائره ... كأنه بينهم في الحرمة الحرم
تهنَّ واسعد بذا النَّيروز حين أتى ... مبشراً بسعود ليس تنصرم
ودم على رغم من يشناك في نعمٍ ... العدا في إثرها نعم
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من مجزوء الرمل]
стр. 1969
يا رعى الله أناساً ... ما رعوا عقد ذمامي
فرَّقوا بالهجر ما ... بين جفوني والمنام
وكسوا جسمي سقاماً ... فوق ما بي من سقامٍ
ومنها:
يا فتاة الحيِّ حيَّا ... أرضكم صوت الغمام
كم قتيل لك أمسى بين أطناب الخيام
راعها الشيب وقد لا ... ح بفودي كالثَّغام
فأجابت عبراتي ... وهي تهمني بانسجام
لم .... غير ... هجرانك عاماً بعد عام
/٧٦ ب/ ومنها:
باكر الرَّاح سحيراً ... قبل تغريد الحمام
واله بالكأس وذرما ... قيل فيها من أثام
فعروس الكرم لا تجـ ... ـلى على غير الكرام
سكنت في الدَّنِّ حتَّى ... سئمت طول المقام
ثمَّ جاءت تورد الأنـ ... ـباء عن سامٍ وحام
وأنشدني لنفسه، يمدح بعض الأمراء، ويعتذر إليه من أمرٍ جرى له:
[من السريع]
دم نافذ الأحكام والأمر ... في دولة مشدودة الأزر
ورتبه بالسعد مقرونه ... تسمو على العيُّوق والنسر
ونحن في ظل حماك الذي ... نلقى به غائلة الدهر
نرتع من قربك في روضة ... أزهارها أبهى من الزَّهر
يطربنا ذكرك فوق الَّذي ... يبلغ منَّا طرب الخمر
ينشر من وصفك بين الورى ... حسن ثناء طيِّب النَّشر
/٧٧ أ/ إنَّ أياديك التي طوَّقت ... أجيادنا جلَّت عن الحصر
ما سمع الناس ولا أبصروا ... مثلك في بدوٍ ولا حضر
стр. 1970
تقني وتفني للندى والعدا ... فأنت للنفع وللضر
أضحى عماد الدين كنز لنا ... نرجوه في عسر وفي يسر
يقضي له الخطِّيُّ يوم الوغى ... على العدا بالجدِّ والنَّصر
إن عبس الفتيان يوم الرَّدى ... رأيته مبتسم الثغر
يا واهب الجرد العتاق استمع ... شكواي لمَّا خانني صبري
لله ما بتُّ رهيناً به ... من شدَّة الشَّوق إلى الصَّقر
أضحت مواعيدك عندي بلا ... شكٍّ يماريها ولا عذر
فأجمع به شملي على حالة ... ترضيك بالحمد وبالشكر
وكنت الهو برشيق غداً ... يسطو على العنقاء والنَّسر
رجوته كيما أسلي به ... طول هموم أحرجت صدري
فما دنا لي الدَّهر في قربه ... فأبتزه منِّي بالقهر
غادرني باليأس لمَّا غدا ... عند بهاء الدِّين في الأسر
وليس يسلي الهمَّ من بعده ... شيءٌ سوى إحسانك الغمر
/٧٧ ب/ لم يك تأخيري لغير الذي ... أبديه يا مولاي من عذري
وذاك أنَّ الكأس لمَّا رمى ... منِّي بالصَّدِّ وبالهجر
جنى على رجليَّ لمَّا جنت ... عليه بالدَّوس وبالكسر
لا زلت في عزٍّ منيع الحمى ... ما غرَّد الصَّادح في الفجر
[٧٦٨]
محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. الشريف أبو الغنائم بن أبي الفتح الحائري، المعروف بابن الجعفرية.
من مشهد الحسين بن علي – صلوات الله عليهما وسلامه -.
وهو شاعر مطيل، كثير الأشعار، متبجح لسنٌ، هدار ذو مديح وهجاء، وصاف
стр. 1971
لنفسه. يفد إلى بغداد يجتدي وجوه الحضرة بها، ويمدحهم.
لقته بمدينة السلام، سنة أربع وعشرين وستمائة؛ وهو شيخ كبير السن، طويل أسمر، ذو جسم عبل. وخبرت أنه ولد سنة أربع أو ثلاث وسبعين وخمسمائة؛ وذكر أن والده كان فيهاً /٧٨ أ/ على مذهب الإمامية، وكان جده نقيباً علاّمة وقته في الأدب، وعلم العربية والفقه.
أنشدني لنفسه يفتخر: [من الطويل]
مرامي قريضي لا تطيش نبالها ... وأسياف فهمي مرهفات نصالها
ولي خاطرٌ كالعضب أخطر من ظباً ... مهنَّدة بتر حديد صقالها
تطأطئ دوني رأس كل معاندٍ ... وعيل بعزمي من عداه احتيالها
ومنها:
وإنِّي لأبكار القوافي لمالكٌ ... ,مذهب غيري نقصها وانتحالها
سأدعى فريد العصر فضلاً وحكمةً ... أقلِّد خصمي عثرةً لا يقالها
فلوذوا بسلمى تسلموا من خواطري ... وإلا دهاكم بالهجاء عضالها
سلوا شعراء الملك عنِّي فإنَّني ... إذا أنسيت يوم الفجار تخالها
أنا ابن علي والبتول وحبذا ... فخارٌ إذا الأعياض قام سجالها
أبي خير خلق الله بعد محمَّد ... لقد حلَّ من أنساب قومي جلالها
فإن تنسبوني تخبروا لي أرومةً ... كثيراً معانيها قلالاً مالها
بسبق أبي قامت شريعة دينكم ... فباد لدينا حرمها وحلالها
/٧٨ ب/ وما زال طلاَّع الثنايا وموقع الـ ... ـمنايا باحران شديد ضلالها
لنا يوم خمٍّ والعهود عليكم ... بحب أبينا لا تجدُّ حبالها
ونحن ورب البيت أكرم أسرةٍ ... تسود علاً نسوانها ورجالها
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
ما عن أجرع رملةٍ وعقيق ... إلا ولؤلؤ مقلتيَّ عقيق
стр. 1972
أوهزَّ خفَّاق النسيم أراكةً ... إلا عرا منِّي الغرام خفوق
إنِّي وإن عنف الوشاة وراش لي ... بالصَّدِّ سهم سلوِّه المعشوق
لمتيَّمٌ بهوى الأحبَّة وآلهٌ ... إلى العقيق وساكنيه مشرق
يا أهل رامة إن جفا عرصاتكم ... ودق الغمام وصوبه المدفوق
فأنا الوفيُّ فلا لديَّ عهودكم ... رممٌ ولا ودِّي لكم ممذوق
كم في بيوتكم جداية ربرب يصبي الحليم جمالها الموموق
في عطفها هيفٌ وفي الحاظها ... سحرٌ بألباب الرجال علوق
الثَّغر عن خصر الرُّضاب منضدٌ ... فالدُّرُّ ثغرٌ والسُّلافة ريق
[٧٦٩]
محمد بن محمد بن إبراهيم /٧٩ أ/ بن الحسين بن سراقة، أبو القاسم بن أبي عبد الله الأنصاري الشاطبيُّ.
كانت ولادته فيما أخبرني – من لفظه – بشاطبة، في شهر الله رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وهو شاب طويل، أبيض اللون، تعلوه صفرة، خفيف العارضين، نحيف البدن.
ذكر لي أنه من أبناء القضاة الفقهاء، حفظ القرآن الكريم، وتفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس – ﵁ – رحل إلى مدينة السلام في طلب الحديث، فلقي بها جماعة من مشايخها العلماء؛ كأبي حفص عمر بن كرم بن الحسن
стр. 1973
الدينوري، وأبي علي الحسن بن المبارك بن محمد الزبيدي، وأبي الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن بكران الداهري، وغيرهم من هذه الطبقة.
قدم إربل، ونزل بدار حديثها، وقرأ على شيخنا أبي الخير بدل بن أبي المعمر بن إسماعيل التبريزي، كتباً كثيرة من الأحاديث والتفسير.
شاهدته بها في ربيع الأول سنة ستٍّ وعشرين وستمائة؛ فوجدته رجلاً فاضلاً، متنسكاً عاقلاً، مسالماً ذا دين وعفاف وبشر، ووقار على منهاج المتقدمين من العلماء، مواظباً على الاشتغال بالعلم وتلاوة وقراءة القرآن /٧٩ ب/ ثم إنَّه جيّد المعرفة بمعاني الشعر، صالح الفكر في حل التراجم، له شعر حسن.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
إلى كم أمنِّي النَّفس ما لا تناله ... فيذهب عمري والأماني لا تقضى؟
وقد مرَّ لي خمسٌ وعشرون حجَّةً ... ولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى؟
وأعلم أنِّي والثَّلاثون مدَّتي ... حر بمغاني اللَّهو أوسعها رفضا
فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ... ووجدي إلى أوب من العشر قد أفضى؟
فيا ربِّ عجِّل لي حياةً لذيذةً ... وإلاَّ فبادر بي إلى العمل الأرضي
стр. 1974
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض ملوك المغرب: [من الطويل]
لقاؤك عيدٌ بالنَّجاح بشير ... وتقبيل يمنى راحتيك حبور
بهاؤك في لحظ المواسم موسمٌ ... ونشرك في ريَّا العبير عبير
وما عادنا من عيدنا غير وافد ... يحول عليه الحول ثم يزور
له أملٌ في لثم لقياك مدركٌ ... وطرفٌ بها يرنو إليك قرير
سرى نحوكم مذ عام أول جاهداً ... يجوب عراص البيد وهي شهور
فبشراه وفي النفس ملء فؤادها ... سروراً وإن أعيت وطال ميسر
/٨٠ أ/ وناجيت نفسي والهوى يبعث الهوى ... وطال بي التسويف وهو غرور
أأترك موسى ليس بيني وبينه ... سوى ليلة إنِّي إذن لصبور!
فملت بودِّي وأنحياشي وهمَّتي ... إليك وفيها عن سواك نفور
وأيقنت أني إن أخذت بحبلكم ... على ريب دهري من الثَّناء أجير
هما منثنى الأعناق نحو علائه ... كمالٌ بأهواء النُّفوس جدير
ومنها:
ينوب عن الدُّر النَّفيس كلامه ... وما ناب عن جدوى يديه بحور
إذا صفرت أيدي السَّحاب فكفُّه ... سحابٌ بآفاق السَّماح درور
[٧٧٠]
محمد بن يوسف بن أبي سعد بن يونس بن فيروز، أبو عبد الله التلعفريُّ الفرّاء.
أخبرني أنه ولد بتلعفر، بمحلة بني سعد، في المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتوفي بالموصل في العشر الآخرة من شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ودفن خارج البلد غربيه، بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد، تجاه باب الميدان – رحمه الله تعالى-.
стр. 1975
كان مقامه بالموصل، يتردد إلى فضلائها، ويختلف إلى أدبائها لطلب الإفادات.
/٨٠ ب/ وكان يحفظ مقطعات من الشعر، ويذاكر بها ويشعر، وله طبع يساعده في المنظوم، ومدح جماعة من أهل الموصل. وكان يخلط في شعره ألفاظاً عاميّة، ويستعملها كثيراً في أثناء كلامه؛ فتأتي لائقة في مواضعها، وربّما تكلّف لنفسه يداعب رجلاً يعرف بالحكيم الفقاعي، يبيع الفقاء. وكان يتدين، وإذا سمع موعظةً بكى وتواجد، ويظهر خوفاً وخشية من الله – – رحمه الله تعالى: [من المنسرح]
لم يبك هذا الحكيم مستمعاً ... إلا أقمنا له معاذيرا
لأنَّه من كرام معشره ... حاز التُّقى والسَّداد والخيرا
ما فيه من خصلة يعاب بها ... وعرضة لن يزال مستورا
قالوا: نراه يبكي إذا عرضت ... موعظةٌ ما تظنُّه زورا
فقلت: هذا البكاء متفقٌ ... عليه قد قدَّروه تقديرا
يبكي فلوس الفقَّاع منتحباً ... إذ لم تكن كلُّها دنانيرا
وأنشدني أيضاً لنفسه، في رجل يلقب بزنباط، وكان من أخل الخير /٨٠ أ/ والديانة. وكان يكثر الصياح في الصلاة تواجداً. وكان من أبغض الناس صياحاً، وربما كان في الصلاة، فيقرأ الإمام آيةً من القرآن، فيزعق زعقات متوالية، فيشوش على الناس صلاتهم لكثرة صياحه، ومقت صوته. وكان الحكيم الفقاعي – رحمهما الله تعالى – يحتذي بحذوه في التواجد: [من المنسرح]
كم صاح زنباط في الصلاة وكم ... خر صريعاً ما بين صفَّين
واليوم قد أصبح الحكيم لنا ... يحطُّه في السَّماع رخَّين
وأنشدني أيضاً لنفسه في زنباط – رحمه الله تعالى -: [من البسيط]
وقفت يوماً أصلِّي والصَّلاة بها ... يمحِّص الله ذنب المجرم الخاطي
ثم انثنيت إلى الصف الأخير على ... أن ليس ذلك من عزمي وأشراطي
فقيل أول صفٍّ لم تركت وقد ... علمت فيه ثواباً غير منحاط
فقلت زنباط فيه وهو مستمعٌ ... وإنني أتخشى صوت زنباط
وأنشدني قوله من أبيات، يرثي بها طير حمام، ويستعير لها ألفاظاً، /٨١ ب/ من
стр. 1976
ألفاظ المطيرين، واصطلاحاتهم، مبدأها: [من الخفيف]
عين سحِّي بدمع جفن هتون ... واسعدي عبد بالبكا والحنين
واندبي طيره الذي قطُّ لا يعـ ... ـرف إلا بالسَّابق المجنون
كان أوفى الحمام في العلم الا ... ول سبقاً بفوتها كل حين
كان لون خفَّق المناصف ما ... احتاج إلى حمل وغدا مكين
كان سهل التسريح ما خطر الترحيل يوماً له كدس الظنون
وأنشدني أيضاً لنفسه، في إنسان يعمل الخل، يعرف بالمؤذن، فقال له رجل: ما بال خلك يا مؤذن ما له طعم؟ فسئل محمد بن يوسف الفراء أن ينظم في ذلك شيئاً، فصنع هذه الأبيات: [من الكامل]
نصح المؤذِّن من له عزم ... وثواب كل نصيحة غنم
في حال ذوق الخل قال له: ... ما بال خلك ما له طعم؟
لا توهمنَّ الناس إنَّك قد ... أصلحته ما ينفع الوهم
الخل أدمٌ أي فائدة ... فيه إذا لم يصلح الأدم؟
/٨٢ أ/ وشروه منك بغير تجربةً ... خطأٌ ولم يحدث بذا رسم
يا عاذلي في شرح قصّته ... خفض عليك فحربه سلم
قل للمؤذِّن لا يغرُّك أن ... حمدوك قومٌ حمدهم ذمُّ
يكفيك فعلك بالزبيب فقد ... أحسدت ما قد أصلح الكرم
درياقنا عنب الكروم وما ... دبرت منه كأنَّه سمُّ
لا تعزلنَّ نقيع أوَّله ... فعليك إن أعزلته إثم
فاقبل نصيحتنا تبترَّ وإن ... خالفت مالك في السما نجم
وأنشدني لنفسه من قصيدة، يقول فيها من أبيات: [من الخفيف]
وعلى جيرة نعمت زماناً ... بهم من خليلة وخليل
كل بيضاء لدنه القدِّ تحكي ... الغصن في لينه وفي التعديل
ذات ثغرٍ كالأقحوان كأنَّ الـ ... ـخمر فيه قد شيب بالزنجبيل.
стр. 1977
يخجل الغصن قدها كلَّما ما ... ست دلالاً عن فوق ردف ثقيل
حجلها صامتٌ ونطق نطاق الـ ... ـخصر منها ما بين قال وقيل
ما بدت في الظلام إلا وقلنا ... طلعة البدر ما لها من أفول
/٨٢ ب/ بي غرامٌ وحرُّ شوق إلى ... رشف لمى من رضابها المعسول
فيه إن أعوز الدَّواء شفاءٌ ... من سقام المضنى الكئيب العليل
واصلت وهي جارة الجنب حتى ... ما نبا الربع آذنت بالرحيل
وأبى طيفها يزور لأنِّي ... لم أذق لذَّة الكرى في مقيل
يا آخلاَّي هل على كثرة اللَّوَّام من عثرة الهوى من مقيل
غدرت فاعتمدت بالصَّادق الوعـ ... د زعيم الجيوش إسماعيل
الأمير المهذَّب الأصيد الذَّر ... ب الذَّكي النَّدب الكريم النبيل
جئته أشتكي من العلم لمَّا ... شاع في الناس ذكره بالجميل.
وأنشدني لنفسه يهنئ بعض الرؤساء بولده: [من الوافر]
سعدت بطلعة الولد السعيد ... وعشت الدهر في عيش رغيد
تأمَّل أن تعيش بلا نظيرٍ ... يفوق كما يفوق على الوجود
ومنها:
فأنتم أكمل الرؤساء منكم ... يحقَّق سبق وعد من وعيد
إذا ما الخطب أضحى مدلهمّاً ... يضيء بحسن رأيكم السَّديد
/٨٣ أ/ وقد عرف الملوك بأن فيكم ... نصائح ما عليها من مزيد
عتبت على الرئيس حسن لمَّا ... تباعدت وهو أقرب من وريد
عتبت عليه لمَّا صدَّ عنِّي ... وما عوِّدت منه بالصُّدود
ومن شيم المحبِّ إذا تمادى ... به المحبوب تذكار العهود
تهنَّ بطلعة الولد المفدَّى ... سعدت به وبالشَّهر الجديد
وقال أيضاً: [من الخفيف]
شغل الحزم بالعنوة عنَّا ... كل ريم إذا مشى يتثنَّى
بدر تم بنوره يخجل البد ... ر ويخجل الشمس حسنا
стр. 1978
سحر عينيه علَّمت بابل السحـ ... ـر وقد أشبه الغزال الأغنَّا
من فنون الجمال فيه ويزدا ... د من الحسن كلَّما ماس فنَّا
عوَّدونها الوصال منهم فأضحوا ... بعد إقبالهم يولُّون عنَّا
أوقع الحزم بيننا بعد قرب ... نار حرب ضرامها ليس يفنى
ويك ما جرم من أباحك في ... المراد نقيتم ولم تخض منَّا
وشيوخ الفتيان قالوا جميعاً ... لا يعنّى من ليس يقنص دفنا
ويك هلاَّ استأذنت في ذاك طرخا ... ن والأشيخ الفتوة يمنا
/٨٣ ب/ جعل الخزم ذا الفتوَّة صيداً .. ليس يخفي مقاصد الخزم عنا
وادَّعى أنها صيانة عرضٍ ... ينطوي في بلوغه ما تمنَّى
خيروه وليس يخفى عليه ... حال علق إذا عليه تجنّي
كلَّما شدَّ امرداً بسراويـ ... ـل نهارا نجلُّه نحن وهنا
قد تعجبَّبت حيث مالوا إليه ... وهو منَّا أشدُّ فسقاً وأزنى
قل لمن رامه رفيقاً لعمري ... عن قليل محبة المرد تفنى
فقصارى ما نلت يا صاحب منهم ... فهو نصف اسم كل شيء مثنَّى
إنما أنت فاعلٌ والمفاعيل ... كثيرٌ والخزم حرف لمعنى
[٧٧١]
محمد بن يوسف بن مكارم بن منصور بن عبد الله بن منصور بن علويٍّ، أبو عبد الله الشيباني الموصلي المؤدب.
شاب أسمر قصير، نزل في عارضيه الشيب. كان يؤدّب الصبيان في المكتب بالموصل، ثم ارتبطه الأمير أمين الدين أبو المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، لتأديب ولده الأصغر.
وهو شاعر فطن مجيد، ذو فكرة نادرة، وبديهة في الشعر حاذرة. كان النظم طلوع يديه، والقوافي /٨٤ أ/ مسلمة أزمتها إليه، يتصرف في القريض، كيف ما أراد من غير فكرٍ ولا استعداد. مدح جماعة من رؤساء مدينته وأمرائها.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد
стр. 1979
الإسلام والمسلمين، محي العدل في العالمين، جلال الملوك والسلاطين بهلوان جهان طغر لبك مكا أتابك أبا الفضل غرس أمير المؤمنين – خلّد الله دولته – ويذكر القنطرة والشباك، بالباب العمادي. وكان في الحكومات بين الناس: [من الوافر]
ألا يا أيها الملك الرَّحيم ... بعدلك ذا الصراط المستقيم
بثثت العدل فالعنقاء تلفى ... ولا يلفى لمخلوق ظلوم
وجدت فلا نرى إلا غنياً .. ز فمنذ وجدت قد عدم العديم
بنورك .... دين الله ضاءت ... دياجي الظُّلم والليل البهيم
سليل الجود أنت فليس يأتي ... بمثلك بعدها الدَّهر العقيم
فدمت أبا الفضائل لا رأينا ... يتيماً في الفصائل يا يتيم
طويت حديث طيٍّ في العطايا ... وقال كريمهم هذا كريم
كسرت نصيحةً في العدل كسرى ... كما سفَّهت أحنف يا حليم
/٨٤ ب/ تهاب الأسد بأسك خادراتٍ ... في الأرحام يقدمها الوجوم
وتخشاك الهوام بكلِّ أرض ... فلو أكلت لما ضرَّ السموم
ولو ملكٌ توهَّمك احتوته ... همومٌ جمَّةٌ وعراه لوم
سلوفك لا تفارقها الغواشي ... وبأسك في الوغى عنها يقوم
فلو جرَّدت عضباً يوم حرب ... إذن عمَّ الورى موتٌ عميم
ودهرٌ كلُّه يومان بؤسٌ ... لمن عادى وللراجي نعيم
وكل الناس في يوميك إمَّا ... سليمٌ بالمنيَّة أو سليم
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الرجز]
بين أراك المنحنى وضاله ... مهفهفٌ كالغصن في اعتداله
بدر دجى إذا بدا مقرطقاً ... يخجل بدر التمِّ من جماله
تخال كثبان النقا إذا انتشى ... معتدلاً ترتج في سرباله
حاز جميع الحسن فهو كاملٌ ... أعيذه بالله من كماله
يتشاقه قلبي وطرفي فإذا ... رأيته أطرقت من صلاله
ميل الصدغين .... لم يفق ... في حبه قلبي من بلباله
/٨٥ أ/ لا يعرف العطف على عشَّاقه ... بل الجفا والصدُّ من خصاله
стр. 1980
يغضب طوراً ويصدُّ تارةً ... ظلماً فكم يعمه في ضلاله
رضيت يا قوم بأنِّي عاشقٌ ... له بما يرضاه من فعاله
يا ليت شعري هل تعود ليلةٌ ... قضيتها بالسفح في وصاله
إذ بتُّ أدني الورد من خدوده ... غضا وأسقى الورد من سلساله
وكنت لا أرضى الوصال عفَّةً ... واليوم أشتاق إلى خياله
لم أنس إذ زار بغير موعد ... والنسر قد أطلق من عقاله
فلم نزل في غبطة حتى انقضى ... الليل ولاح الصباح في خلاله
كوجه تاج الدين والمولى الذي عم جميع الخلق من نواله
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الرجز]
ما سنحت ببابل نعاجه ... إلا أبان ....................
ولا تذكرت ظباء عالجٍ ... إلا وأبدى كمدي اعتلاجه
من كل معسول الرُّضاب أشنب ... الذُّ في مخِّ الطلى مجاجه
أهيف ممشوق القوام مائل الـ ... ـعطف يزين ردفه ارتجاجه
مرنانه حاجبه ونبله ... لحاظه ومهجتي اماجه
/٨٥ ب/ يلجُّ في هجري فإن عاتبته ... زاد على تعتبي لجاجة
بدرٌ له قلوبنا منازلٌ ... وحبرات عبقر أبراجه
أعزَّه الحسن كدين أحمدٍ ... أعزَّه المولى الحسين تاجه
وأنشدني أيضاً من شعره، فلا غلام اسمه حسن، وقد قال له: هل عشقت أحسن مني؟ فأنشده بديهة: [من الخفيف]
بأبي شادنٌ أغنُّ غضيض الـ ... ـطرف لدن القوام حلو التثنِّي
عربيُّ الألفاظ من آل خا .... قان سما حسنه على كل حسن
بابليُّ الألحاظ معجز هارو ... ت بسحر الجفون في كل فنِّ
يتجنَّى عليَّ من غير جرمٍ ... فهو عذب الجنى ومرُّ التجنَّي
ليست أنساه قائلاً: بحياتي ... هل تعشقت قطُّ أحسن مني
стр. 1981
قلت: دع ما مضى فلست أرى مثـ ... ـلك حسناً يا غاية المتمنِّي
[٧٧٢]
محمَّد بن فضلون بن أبي بكر الحسين بن محمد بن وهب بن صالح بن يوسف بن عمر بن عبد الله /٨٦ أ/ بن عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الله العقريُّ.
من أبناء الأكراد، والعقر قلعة حصينة مشهورة، يقال لها: عقر الحميديَّة جيل من الأكراد، ببلد الموصل.
شاب طويل أحول، مائل إلى الشقرة، ضئيل البدن نحيفه.
أخبرني أنه ولد بها في جمادى الأولى سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة. وبلغني أنه كان مريضاً بالموصل، فتوجه نحو أهله إلى العقر، فأدركته منيته بموضع يعرف برأس النا عور؛ فدفن هنالك، وقبره به على تلعة من الأرض؛ وذلك في أواخر ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة – تغمده الله برحمته ورضوانه إنه جواد كريم-.
وكان من الفضلاء في كل علم، فقيهاً شافعياً، مناظراً، أديباً، نحوياً، شاعراً، متفنناً، لقي علماء الأدب والفقه، وأخذ عنهم، وسمع عليهم الحديث، وصنّف كتباً منها: كتاب "الرموز الشرقية على الكنوز الخفية" في علم الأصول. وكتاب في الفرائض، وغير ذلك.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
بي من فراقك وحشةٌ وصبابةٌ ... ابين لجنبي أن يلائم مضجعاً
وغضضت من بصري ففيه تورعٌ ... عن رؤية الدُّنيا إلى أن يرجعا
/٨٦ ب/ ولقد ذممت الصَّبر قبل دفاعه ... والشوق قد قرع الفؤاد فأوجعا
стр. 1982
وحمدت بعدك إذ أعاتب أدمعي ... فمر المعين فقد نزفت الأدمعا
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الكامل]
وصل الكتاب فكان عند وروده ... روحاً تردد في حشاشة هالك
فطفقت أنشد في الجوانح كلها ... لا يعدم المملوك جود الممالك
وأنشدني من شعره: [من الوافر]
أبثُّك أن من شيم اللَّيالي الـ ... ـعنيفة أن تجور على اللهيف
كمثل الخلط أقوى ما تراه ... يصب أذاه العضو الضعيف
وأنشدني قوله: [من الطويل]
تمكن الحب من قلبي يعذبني ... ولا محالة أن الحب تعذيب
فهل كمثلي محبٌّ لا يفيق هوى ... أم هل كمحبوبي الفتَّان محبوب
هويت من لو رآه العاذلون أمـ ... ـضَّني فيهم عذلٌ وتأنيب
/٨٧ أ/ كأنَّما قدُّوه والتِّيه يعطفه ... رمحٌ قد اضطربت منه الأنابيب
وفي لواحظه سفيان لو شهرا ... على .... لأضحى وهو مغلوب
وأنشدني قوله: [من الطويل]
وفيت بوعدي والموانع جمَّةٌ ... واختلفت منك الوعد من غير مانع
وما ذاك إلا أن عندك نفرةً ... وعندي هوىً كالنَّار بين الأضالع
فكن كيف ما تهوى جفاءً ورقَّةً ... فإنك عندي في أعزِّ المواضع
متى تجن ذنباً يقتضي عنك سلوةً ... ففي وجهك المحبوب أكرم شافع
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من المتقارب]
قرأت كتابك فازداد بي ... إليك اشتياقي وهاج التياعي
عسى من رمانا ببعد الديار ... يمنُّ علينا بقرب اجتماع
стр. 1983
وأنشدني من شعره: [من الطويل]
ولو أنني حمَّلت كتبي بعض ما ... يلاقيه قلبي من فراقك والصَّدِّ
لما وصلت إلا وفي صفحاتها ... ندوبٌ من الهمِّ المبرِّح والوجد
وأنشدني لنفسه، ما كتب به إلى صديق له في صدر رقعة، يشفع فيها لبعض الشعراء: [من الكامل]
/٨٧ ب/ كرمت طباعك كالخلائق روضةً ... والكف غيثٌ دائمٌ الهطلان
وتناقل المدَّاح وصفك بينهم ... لا زلت ممدوحاً بكل لسان
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء عتاباً: [من الطويل]
أليس عجيباً أنني لك شاكرٌ ... محبٌ وأمسي موغر الصدر باكيا
وكانت ظنوني في علاك جميلةً ... فغادرتها والله يعلم ما هيا
أتعمر جسراً باطِّراحك جانبي ... وتهدم بي قصراً من الذكر عاليا
وترقد عنِّي ملء جفنيك ملغياً ... حقوقي وقد نبَّهت فيك القوافيا
وجدت لساني عن كلام يسؤكم ... كليلاً وإن كان الحسام اليمانيا
وجاء أذاكم مرةً بعد مرةٍ ... فصادف مني صابراً متغاضيا
فلا تحوجوني اقتفي غير مذهبي ... وأنوي لكم غير الذي كنت ناويا
وما ضرَّكم أن تستديموا مودَّتي ... عليكم وأن تشروا بمال ثنائيا
وأنشدني أيضاً لنفسه في المعنى: [من الطويل]
إذا زدت شكراً زدتموني أذيَّةً ... فبت ولي قلبٌ يقلَّب في العتب
وما زلَّتي فيما أرى غير حبكم ... فهل عندكم أن تغفروا زلَّة الحب
/٨٨ أ/.
/٨٨ ب/ وأنشدني لنفسه يصف الثلج: [من الطويل]
عدمت رواء الثلج أن بياضه ... سوادٌ إذا النيران لم تتضرم
كأني وقد أرعدت عند وقوعه ... فؤاد جبانٍ خاف من وقع لهذم
стр. 1984
هو المشتري المذموم في كل شتوةٍ ... ولكنه في الصيف غير مذمم
[٧٧٣]
محمد بن عمر بن عليِّ بن سعد الله بن يوسف بن إسماعيل، أبو حامدٍ المعروف بابن الحديثي.
شيخ ربعة، نقي الشيبة، ضعيف العينين جداً.
أخبرني أنه ولد بحديثة الموصل – وهي بليدة على دجلة، بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى – وقيل إنها كانت .... ولاية الموصل، منتصف شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
ونشأ بإربل، وحفظ القرآن الكريم، وتوجه إلى الموصل، فقرأ تجويداً على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريّان النحوي، ثم عاود إربل، وختم عليه القرآن خلق كثير. وكان يتولى بإربل لسطانها الملك المعظم مظفر الدين –﵁ – الوقوف والحشرية وارتفاع الخاص، والنظر في /٨٩ أ/ أملاكه، ولم يكن له شعر طائل.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الأثير أبي محمد الحسن الموصلي العمراني، وهو يومئذ يتولى الإشراف بديوان إربل: [من الكامل]
قل للأثير بن الأثير ومن له ... بين الورى الإجلال والإعظام
بعلاك يا ابن عليٍّ الشرف الذي ... يعلو ويقصر دونه بهرام
إن ضاع حقِّي عند غيرك لم يضع ... للمسلمين بحوزتيك ذمام
.. بك يا محمد التقى ... والفضل والقرآن والإسلام
[٧٧٤]
محمد بن ثروان بن سلطان بن حسّان المعروف بهياسٍ، يكنّى أبا عليٍّ.
رجل عبل اليدين، متكهل أسمر اللون، ضعيف البصر. وكان يخضب لحيته، ثم
стр. 1985
ترك الخضاب، ولم يستعمله؛ كان أبوه من أهل هيت.
وأبو علي ولد بالموصل سنة ثماني وسبعين وخمسائة. وكانت صنعته في ابتداء أمره الحياكة، ثم مال إلى الشعر، وأحبّه من صغره، وصحب أدباء وقته من أهل الموصل، وامتدح بها جماعة.
نزل إربل، وأقام بها برهة /٨٩ ب/ من الزمان يتكسّب بشعره الوزراء والأمراء؛ ولما رأى من لؤم أهل هذا الزمان، ورفضهم الفضائل والآداب، وتقاعسهم عن المكرمات، وكساد سوق القريض، غسل ديوان شعرهن واعتنى بحفظ الحكايات والملح والمحاضرات، وأخبار الناس والتواريخ، وحين مات مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – وجاءت الدولة المستنصرية، فارق إربل، ورحل إلى بلاد الشام؛ فنزل محروسة حلب في أيام الملك العزيز غياث الدين، فامتدحه، فأجازه وجعله أحد شعراء دولته، وقرر له جراية وجامكية، تصل إليه في رأس كل شهر.
ولما توفي الملك العزيز، وتولى السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف – خلد الله ملكه – لم يغير عليه شيئاً، ومدحه وأنعم عليه:
أنشدني لنفسه، يمدح الملك المنصور عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه: [من الطويل]
لقد هاج لي رند الحجاز بنشره ... جوىً خلت حرَّ النار من دون حره
واذكرني عهداً بنعمان سالفاً ... على أنني ما زلت مغرىً بذكره
خذوا من حديثي ما لكم فيه عبرةٌ ... لمعتاد أوجاع الهوى مستمره
/٩٠ أ/ ولا تطلبوا من مغرم القلب سلوةً ... فميقات ما تبغونه يوم حشره
كفى قلبي المحزون كثرة وجده ... غداة استقلوا عند قلَّة صبره
ألفت الغضا مما أبثُّ له الجوى ... كألفة ودٍّ بين قلبي وجمره
وطال على الليل حتى ظننته ... سميري من الأحزان من فقد فجره
وأهيف معسول الشمائل طرفه ... يفيض على هاروت تيّار سحره
يحار ضياء الصبح من صبح وجهه ... ويغرق جنح الليل في ليل شعره
стр. 1986
رضيت بما يرضاه في السُّخط والرِّضا ... واعترضت عن زيد الملام وعمره
أيا قاتل المشتاق من غير زلَّة ... لك الله ما أغناك عن حمل وزره
لئن خمت عهدي أن غدرت بذمَّتي ... وكل أخي حسن يدل بعذره
وساعدك الدهر الخؤون معانداً ... وكل أخي فضل شكا صرف دهره
فلي ولصرف الدهر والدهر وقفةٌ ... لدى الملك المنصور علماً بنصره
فتى تعجز الأسماع عن حدِّ مدحه ... وتعيى ذوو الأفهام عن بثِّ شكره
يميت ويحيي سيفه وبنانه ... كأن الرجا والبؤس يأتي بأمره
إذا ما لجا عافٍ إلى يسر كفه ... بمتربةٍ أنساه أيام عسره
أنشدني لنفسه يمدح: [من المديد]
/٩٠ ب/ يا نديمي هزَّني الفرح ... ودعاني للهوى المرح
فاسقني خمراً إذا مزجت ... خلت منها النار تنقدح
سترت في الدَّنِّ فاحتجبت ... وهي في الكاسات تفتضح
مذ أتى المنثور منتظماً ... نبذت ما بيننا السُّبح
وغذا القنديل منكسفا ... وتلالا خلفه القدح
ومن مديحها، يقول:
يا مليكاً عن تفضُّله ... تقصر الأوصاف والمدح
والذي بالعدل مغتبقٌ ... وهو بالإحسان مصطبح
ذهب .... وقد ... جاءت اللذَّات والملح
بك نلقى العيد تهنئةً ... أنت عيد الناس والفرح
وأنشدني لنفسه، يمدح السلطان الملك الناص صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن محمد – صاحب حلب المحروسة أدام الله أيامه – ويهنئه بعيد النحر:
من لي بإيناس نومي النافر ... وبالحبيب المفارق الهاجر
/٩١ أ/ وبالوصال الذي نعمت به ... نهباً كظلٍّ أتى به طائر
يا غادراً غادر المحب لقىً ... وراقداً عن أسيره الساهر
стр. 1987
لا تسل الناس ما منيت به ... وسل بحالي خيالك الزائر
قدك قد حير الرماح وقد .... أعجز هاروت طرفك الساحر
كم يجحد الحق عند سفك دمي .... وفوق خديك شاهد حاضر
افعل بقلبي الذي تشاء فما ... زال جليدا على الأذى صابر
ظبي من الترك تاركي مثلًا ... معتدل عند حكمه جائر
اسمر من صده غلا سمرًا ... حديث وجدي والحزن لي سامر
يعذر من جن في محبته ... وماله في سلوه عاذر
يا روضة بالحمى [ ... ] ... بين صريم النقا إلى حاجز
لا تحزني إن وعدتك غادية ... فسوف يكفيك جفني الماطر
أو نائل المالك الذي نصر الإ ... سلام حقا فسمي الناصر
صلاح دين الإله والمورد العذب ... لبادي العفاة والحاضر
يسمو بجودٍ وسؤددٍ وندى ... كفٍّ وأصل مؤثل طاهر
أبلج ماضي الجنان يعتمد الإ ... حسان والعدل واهبٌ غافر
/٩١ ب/ أصبح يحكي المسيح نائله ... وأصبح الناس كلُّهم عازر
يا ظاهر الفضل في الملوك لقد ... أحييت ذكر العزيز والظاهر
يا ضاحك الوجه والخلال إذا ... جاء زماني بوجهه الباسر
أصبحت للملك جبهةً وغدا ... الأملاك عند القياس كالحافر
جوذك كالبحر عند زخرته ... ليس له عائمٌ ولا جازر
سيفك قد مهَّد البلاد وقد ... طهرها من معاند غافر
ما خالف القول عند مدحك بيـ ... ـن الناس لا صادقٌ ولا فاجر
عنترةٌ في اللقاء دونك والـ ... ـطائي عمَّا ترومه قاصر
يا بحر يا ليث يا مقدم ... في الملك وإن كان عصره آخر
ويا جوازاً أضحى بحليته ... كل جواز مقصِّراً عاثر
تهنَّ بالعيد شاكراً أنعم الله إله لخلقه فاطر
وصلِّ وانحر كما أمرت فلا ... زلت على الخالق ناهياً آمر
стр. 1988
فأنت عيد الأنام والفرحة الـ ... ـكبرى فدم سالماً إلى حاشر
لا زلت تلقى مناك في السلم والـ ... حرب سليماً مؤيداً ظافر
وأنشدني لنفسه، في غلام له شامتان في شفته، إذا أطبقهما انظمتا، فتصيران كأنهما واحدة، وإذا تبسم انقسمتا: [من المنسرح]
يا صنماً بات للورى صنما ... وجائراً بالمحبِّ إذ حكما
ومن له مقلةٌ صوارمها ... تقل عمداً وما تريق دما
وورد خد يزيده وعك التـ ... ـقبيل حسني نضارة ونما
وليل خال على مقبَّله ... كأنَّما ثغره به ختما
يشبعه صمته ويقسمه ... برق ثناياه كلَّما ابتسما
وأنشدني أيضاً لنفسه، ما كتبه إلى كمال الدين بن مهاجر الموصلي: [من الطويل]
ألا يا كمال الدين نفعك حاضر ... وغيرك يأتي نفعه بعد ضره
تجود بأموال سعيت لكسبها ... وغيرك يعطي من مكاسب غيره
وأنشدني أيضاً لنفسه في قصيدة: [من الخفيف]
ألا يا كمال الدين نفعك حاضر ... وغيرك يأتي نفعه بعد ضره
تجود بأموال سعيت لكسبها ... وغيرك يعطي من مكاسب غيره
وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة: [من الخفيف]
خوِّلوا جفنه القريح رقاده ... فعسى طيفكم يزور وساده
واقنعوا منه بالذي فعل الهجـ ... ـر فقد أمرض الصدور فؤاده
/٩٢ ب/ كأن حظي الشقاء منكم على الو ... د وغيري بكم ينال السعاده
فارحموا عاشقاً بكم ذا اعتقادٍ ... أفسد الحب دينه واعتقاده
قد لقيتم مرادكم منه بالهجر ... متى بالوصال يلقى مراده
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من البسيط]
أبيت في لجج التذكار منك وبي ... حالان مختلفان: اليأس والأمل
لا يهتديني طيفٌ مذ هجرت ولا يزورني المبينان الكتب والرسل
أسائل الدار من وجد عليك فلم ... يجبني المقفران الربع والطلل
قد كنت في دعة قبل الغرام وقد ... ضاقت بي الأقصيان السهل والجبل
تصادمٌ كلما سلَّت لواحظه ... لم يعمل القاتلان البيض والأسل
стр. 1989
وإن بدا ريقه في كأس ساربه ... لم يحمد الأطيبان الخمر والعسل
مهفهفٌ من بني الأتراك معتدلٌ ... لديه يختصمان الخصر والكفل
أخفى هواه ويخفى لوعتي حرقٌ ... يهيجه المزعجان اللَّوم والعذل
عندي له عقدودٍ لا انفصام له ... وعنده الأقبحان الغدر والملل
وأنشدني من شعره: [من الطويل]
ألم يكفكم ذلِّي بفقد حبيبي ... وشاهد أسقامي وفرط شحوبي
/٩٣ أ/ إلى أن أطلتم في الملام فليتكم ... عذلتم .... القلب غير كئيب
أجيراننا ما كنت في حفظ عهدكم ... خؤوناً ولا في ذكركم غريب
نزحتم دموعي إذ نزحتم فلم أفز ... لدعوة ضرِّي بعدكم بمجيب
فهلاَّ تركتم بعد صبري ذخيرةً ... لساعة بين أو لعين رقيب
فواعجباً يشتاق قلبي لحاظكم ... وما برؤه من جرحها بقريب
ليعجب أرباب الهوى كيف يدَّني ... فؤاد مصاب من سهام مصيب
أقول وقد مالت بقلبي صبابةٌ ... تؤجِّج وجدي أو تزيد لهيب
سقى الله أرض الغائبين غمامةً ... وردَّ إلى الأوطان كل غريب
[٧٧٥]
محمد بن فاخر بن شجير بن أبي الهيج، أبو عبد الله البغدادي.
شاب أشقر، أبيض اللون، مشرب بحمرة، من شباب مدينة السلام؛ فيه دماثة وطلاقة، ويترامى إلى قرض الأشعار، والتحفظ منها، ويتشبه بشعراء مصره، ويسلك نهجهم في سهولة الألفاظ، وخفّة أرواح المعاني، وتارة يسلك مذهب العرب في أقوالهم وجزالتهم.
سألته عن ولادته، فقال: ولدت في ... سنة اثنتني وتسعين وخمسمائة، واستئنشدته من شعره، فأنشدني /٩٣ ب/ لنفسه مبدأ قصيدة: [من الطويل]
стр. 1990
خليليَّ عوجا بالمطيِّ على الحمى ... لنقضي لبانات لنا ونسلِّما
وميلا إلى الشِّعب التِّهاميِّ سحرةً ... فالبشعب قد أصبحت صباً متيَّما
وما كنت أدري أن شعب تهامة ... يصير ثراه لي مزاراً ومثلما
فلا تعذلاني في هواي جهالةً ... فلو بكما بعض الذي بي عذرتما
رجوتكما أن تسعداني على الهوى ... فخاب الذي قد كنت أرجوه منكما
وإن كنتما أغريتما بملامتي ... ذراني ووجدي واذهبا حيث شئتما
فإني رأيت الصبر عني ظاعناً ... ووجدي بليلي في جانبي مخيِّما
فتاةٌ قضيب البان يحسد قدَّها ... ودعص النقا من دونها قد تظلَّما
لها مبسمٌ عذبٌ تخال رضابه ... مجاجة نحل أو رحيقاً مختَّما
وبي ظمأٌ يذكي المياه ضرامه ... ويطفي برشف الظلم من ذلك اللُّما
ولولا وشاة الحي لا درَّ درُّهم ... نزلت وسرَّحت المطيَّ المخرَّما
وإني لأجفوا لادار لا عن ملالة ... ولكنني أخشى الرَّقيب المذمَّما
إلى م قعودي لست أنهض للعلا ... تعلَّل آمالي بليت وعلَّما
وحتى م لا أسعى لها سعي ماجد ... بعزم يفلُّ المشرفيَّ المصمَّما
/٩٤ أ/ عصبت على الآمال إلا ارتياحةً ... تنازعني للمجد قلباً مقسما
ولا حملتني الخيل إن لم أردَّها ... سواهم قد أودى بنا وبها الظَّما
ولا رفعت ناري لتجلب طارقاً ... ولا حملت كفِّي الوشيج المقوَّما
ولا أخذت عنِّي الرُّواة قصائداً ... ولا شمت في يوم الكريهة مخذما
إذا أنا لم أبلغ من المجد غايةً ... يقصر عن إدراكها كل من سما
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من مجوء الكامل]
ارح المطيَّ من الرسيم ... وذر التعلُّل بالرُّسوم
وانزل بحانات المطيرة ... خاطباً بنت الكروم
واستجل بكراً شتِّتت ... يوماً بها شمل الهموم
صفراء في كاساتها ... حمراء في كفِّ النَّديم
يملي عليك هديرها ... ما كان في الزَّمن القديم
نصبت شباك مواقعٍ ... صادت بها عقل الحليم
стр. 1991
من كفِّ معتدل القوام ... بوجهه ماء النَّعيم
مثل الصباح جبينه ... والفرع كالليل البهيم
برعت ماحسنه فليـ ... ـس تحدُّ بالشِّعر النَّظم
/٩٤ ب/ والرَّوض يكسره النَّدى ... ويفيقه مر النسيم
والزَّهر يضحك شامتاً ... لبكاء أجفان الغيوم
[٧٧٦]
محمد بن قرطايا بن عبد الله، أبو العباس بن أبي الوفاء الإربليُّ.
كانت ولادته في شهر رمضان، سنة ستٍّ وستمائة.
وقد تقدم شعر أخيه.
وهو أمير ذو منظر ورواء وجمال رائع وبهاء. ولم يزل يتولع بصناعة القريض، ويصرف همّته إلى إنشائه، حتى صدر عن خاطره ما استحسن معناه، واستجلى مغزاه.
لقيته بإربل، وكان يومئذ في خدمة سلطانها مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – رحمه الله تعالى– فلما مات مظفر الدين، سافر أبو العباس إلى حلب، وخدم مليكها الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي – رحمه الله تعالى – وتقدم لديه، ونادمه وأنعم عليه إنعاماً وافراً، فحينئذ توفي الملك، أقرّ على ما هو عليه.
اجتمعت به بحلب بمنزلة بالحاضر السليماني في سنة أربع وثلاثين وستمائة، وترددت إليه ثلاث مرات، فآخر مرة كنت عنده جالساً؛ وذلك يوم الاثنين في رجب سابع عشر. فتشكى من كسل اعترضه، وثقل في جسمه، فأشاروا عليه بالفصد، ففصد من ساعته، ونهضت من عنده، ودعوت به بالسلامة، فأعقب ذلك الفصد /٩٥ أ/
стр. 1992
مرض انصبّ علين، من إسهال وحمى، وعولج ولم يزل يعالجه الأطباء، وأحواله تتناقص، إلى أن توفي يوم الأحد الثالث والعشرين من التاريخ، في الشهر المذكور. ودفن يوم الاثنين قبلي البلد بالمقابر المعروفة بالمقام – رحمه الله تعالى-.
لقد كان شاباً كيّساً ساكناً، ومما أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أما واشتياقي عند خطرة ذكركم ... وذا قسمٌ لو تعلمون عظيم
لأنتم وإن عذبتموني بهجركم ... على كل حال جنَّةٌ ونعيم
سلمتم من الوجد الذي بي عليكم ... ومن مهجة فيها أسىً وكلوم
ولا ذقتم ما ذقت منكم فلي بكم ... رسيس غرامٍ مقعدٌ ومقيم
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
أقدُّك هذا أم هو الغصن الرَّطب ... وطرفك هذا أم هو الصَّارم العضب
أيا بدر تم فيك للعين نزهةٌ ... وللقلب تعذيبٌ ولكنَّه عذب
خف الله في قتل الكئيب وعده ... بالوصال عسى نارٌ بمهجته تخبو
ولا تجهلن ما بي وإن تك جاهلاً ... سقاني به الجوزاء والأنجم الشُّهب
وأنشدني أيضاً من شعره: [من المنسرح]
/٩٥ ب/ بورد خدَّيك إنه قسم ... صلني فقد شفَّ جسمي السَّقم
يا صنما ضلَّ فيه عابده ... كم من دم قد أرقت يا صنم
منحتني بالخيال مختلساً ... يا ليت عمري بأسره حلم
لله من غادر محاسنه ... شتى من العاشقين تنتقم
يقول قومٌ كأنَّه غصنٌ ... من أين للغصن ريقه الشَّبم
أفديه نشوان فوق وجنته ... نورٌ ونارٌ في القلب تضطرم
يا لائمي فيه خلِّ ويحك عن ... عذلي فلومي في حبِّه ألم
стр. 1993
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الرجز]
قد أزف البين وآن السُّرى ... تباً لجفني إن دنا الكرى
وكيف يأتي النوم جفن امرئ ... لولا حنينٌ في الحشا لن يرى
يا حاوي الظَّعن رويداً فقد ... روَّيت من دمعي يبيس الثرى
كأنَّما العيس أنيخت على ... جفني فلمَّا أن أثيرت جرى
رفقاً بصبَّ هجركم قاصمٌ ... من صبره الواهي عقود العرى
فما يخون العهد فيكم ولا يغادر الحبَّ لخطبٍ عرا
ومنها يقول:
لله قومٌ قد أراقوا دمي ... بكل طرف فاتر أحورا!
أودعتني سقماً وحمَّلتني ... في الحبِّ ما يعجز عنه حرا
آهاً لعيشٍ كان لي بالغضا ... غضاً وعودي بالحمى مثمرا
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الكامل]
يا أيها الشَّاكي السلاح وطرفه ... عن سهمه وحسامه يغنيه
الضَّبُّ أولى أن يكون مدرَّعاً ... لسهام مقلتك التي ترميه
[٧٧٧]
محمد بن غازي بن علي بن محمد بن أبي سعدٍ، أبو بكرٍ الموصليُّ المعروف بالفقاعيِّ.
أخبرني أنه ولد بالموصل سنة تسع وخمسين وخمسمائة، في محلة شاطئ النهر، وتوفي بدمشق في رجب سنة تسع وعشرين وستمائة.
رأيته شيخاً كبيراً، أسمر أبيض اللحية، فقيهاً، يتعلّق بخدمة الملكة خاتون بنت أيوب بن شاذي، بإربل. وكان شربدارها.
стр. 1994
أنشدني لنفسه، يمدح الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي؛ من جملة أبيات أولها: [من الكامل]
/٩٦ ب/ يا صاحبي بين الأراك ولعلع ... أرح المطيَّ به وذرها ترتعي
إن المسافة والدِّيار بعيدةٌ ... أين الأراك من اللوى والأجرع؟
وإذا اكتفيت من رعيها ورأيتها ... قد اتفقت من وردها في المشرع
أقصد بها نحو الغدير لأنني ... يوم الفراق ملأته من ادمعي
كم قد سفحت مدامعي في أربع ... عبثت بها أيدي الرياح الأربع
ومن العجائب أنني أسقي الحيا ... من مدمعي ولظى الجحيم بأضلعي
وحمامة سجعت على بان الحمى ... سحراً فقلت لها كذلك فاسمعي
حزني لحزنك في الهوى يا هذه ... لو كان يجدي في الرُّسوم تخضُّعي
والله ما هجعت جفوني بعدهم ... فكأنَّما شوك القتاد بمضجعي
ما ذاك إلا أن يوم وداعنا ... قالت أميمة لي بقلبٍ موجع
لا تنس صحبتنا بعيد فراقنا ... فاجبتها: لا والبطين الأنزع
ويقول في مديحها: /
يا أيها الملك المغيث أنا الذي ... أثنى ولست عن الثَّناء بمقلع
ووعدتني بالخير يا خير الورى ... وطعمت فيه فلا تخيِّب مطمعي
وأنشدني أنها قوله من أخرى: [من البسيط]
/٩٧ أ/ قفا قليلاً بربع الدار من أضم ... كيما أبث إلى ذات اللُّما ألمي
قد رقَّ لي حاسدي ممَّا بليت به ... وعاذلي قد رثى لمَّا رأى سقمي
كيف الخلاص من البلوى وقد تلفت ... روحي وقد صار خصمي في الهوى حكمي
يا نازلين بأرض الخيف عبدكم ... من بعد بعدكم عيناه لم تنم
يهيم شوقاً ووجداً كلما صدحت ... بالجا ..... ورقاءٌ على علم
ما هبَّت الرِّيح يوماً من دياركم ... إلا ذكرت ليالينا بذي سلم
أين العهود التي بيني وبينكم ... أيام حبل التَّداني غير منصرم
أطمعتموني إلى أني هويتكم ... فما حصلت على شيءٍ سوى ندمي
стр. 1995
وأنشدني لنفسه، يهجو بعض القضاة: [مجزوء الكامل]
قاض يقول لضيفه ... الخبر في بيتي وديعه
والماء أصبح عندنا ... مالا تجوِّزه الشَّريعه
فاحتل لنفسك في قرىً ... فالأرض مخصبةٌ وسيعه
[٧٧٨]
محمد بن شعيف بن عبيد بن المجلّى بن عبد الله التميميُّ البصريُّ، أبو عبد الله.
شاب/٩٧ ب/ قصير، أسمر اللون، تعلو لونه صفرة.
ورد من إربل إلى مدينة الموصل، في أواخر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة؛ وأقام بها أشهراً. وكان مدة مقامه يستنسخ بها كتاب: "المثل السائر"، ويتردد إلى مصنِّفه أبي الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الكاتب الجزري. يقرأه عليه، فحين فرغ من نسخه وقراءته، سافر إلى إربل في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
وكان شاباً ذكياً، شاعراً خبيرا ًبالشعر، بصيراً بمعانيه، حافظاً للقرآن العظيم، شدا طرفاً صالحاً من الأدب واللغة. وكان عاقلاً ديناً، ذا سكون وصلاح، وحسن صحبة. سألته عن ولادته، فقال: ولدت في جمادى الآخرة بالبصرة سنة اثنتين وستمائة.
أنشدني لنفسه، يمدح بهاء الدين أرغش .... ، وأنشده إياها بالبصرة: [من المنسرح]
دارت على دار ميَّة الدِّيم ... تسحُّ طوراً بها وتنسجم
وكلما ناح غيمها وبكى ... بدت ثغور الرِّياض تبتسم
دارٌ أديرت على كؤوس الـ ... ـلَّهو دهراً والشَّمل ملتئم
/٩٨ أ/ من كل فتَّانة إذا برزت ... توهَّم القوم أنَّها صنم
يا منية القلب في تودُّدها ... وطرفها في الوفاء متهم
стр. 1996
ينجاب ستر الدُّجى إذا سفرت ... عن وجهها والظَّلام مرتكم
لا يدرك الواصفون بهجتها ... وصفاً ووصَّاف حسنها الأمم
مضى الزمان الذي نعمت به ... كما يرى فيه المنام محتلم
كأنما الدَّهر كان يحسدني ... عليه إذ ذاك فهو ينتقم
أصار حظِّي إلى الحضيض فما ... ينفعني إن تسامت الهمم
. الفتى كاملاً ويسعد من ... ليس له في فضيلة قلم
وددت لو كانت الحظوظ على ... أقدار فضل الأنام تنقسم
تالله لولا رجاء خيرٍ فتى ... أضحت ترجِّيه العرب والعجم
ملكٌ أضاءت لنا بدولته الدُّ ... نيا وقد أحدقت بها الظُّلم
ما كنت ذا مطمعٍ بأ، يصبح الدَّ ... هر وبيني وبينه ذمم
فلست أخشى من حادث وبها الدِّ ... ين لي ملجاً ومعتصم
ما لامرئٍ أصبحت تعانده الأ ... يَّام إلا ج نابه حرم
ومنها:
/٩٨ ب/ يا من غدوا بأعلى الزمان به ... لمَّا غزتنا أحداثه الحطم
أحييت بيت القريض فابتدرت ... قالته حيث أنت تزدحم
علمت أن الأموال يذهبها الدَّ ... هر ويبقى عليه ما نظموا
تكرم للمدح ما مدحت إذا ... ما راح قومٌ له وقد لؤموا
من لم ير المدح عنده شرفاً ... فذاك عندي وجوده عدم
ألم ير الشعر في الذين مضوا ... ينشر من فضلهم وهم رمم
ما كان لولا القريض في سالف الدهر زهيرٌ يعني به هرم
كان متى ما رآه جاد له ... حتى أبى الجود وهو يغتنم
وأين من أرغش النَّدى هرمٌ ... وهل تساوى الملوك والخدم
يمنح فوق الذي نؤمِّله ... وينهب المال وهو مبتسم
كأن أخلاقه لسائله ... ماءٌ أذالته مزنةٌ شبم
قد ألف البذل منذ قام به ... فنفسه لا يمسُّها سأم
ومنها:
стр. 1997
يا واحد المجد والعلاء ومن ... يعزى إليه السَّماح والكرم
/٩٩ أ/ إليك يهدى قلائداً نظمت ... لجيد علياك شاعرٌ فهم
مؤيَّدٌ بالصَّواب منطقه ... فكل قول يقوله حكم
يرجو بها عندك الغناء فقد ... أودى به مذ أصابه العدم
وأمرك اليوم بالنَّوال له ... كالبرء وافى من غاله السقم
لازلت ذا عزَّة يذلُّ لها ... كل عزيز بأنفه شمم
مقتدراً ما بقي الزمان على ... الأعداء تعفو عنهم وتنتقم
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الشرف عبد الصمد بن محمد بن المجلّى النصيبي: [من البسيط]
لله ما شرفت الدِّين [الذين] شرفت ... أفعاله فهو حال بالثَّنا كاسي
ما إن رأيت على إفراط تجربتي ... للناس أكرم طبعاً منه في الناس
فأجابه عبد الصمد بن محمد، عنها في الحال بديهة: [من البسيط]
سوى مكارم شمس الدِّين من ظهرت ... أنواره فهي فينا ضوء مقباس
ومن غدا نظمه من لطف صنعته ... أشهى إلى الرُّوح من مشمولة الكاس
وأنشدني لنفسه في طلوع /٩٩ ب/ القمر على دجلة: [من المنسرح]
كأنما دجلةٌ لناظرها ... إذ رفع الليل ثوبه الأسود
ثوب لجينٍ معرَّكٌ رقم الـ ... ـبدر طرازاً له من العسجد
وأنشدني لنفسه، يهجو الصدر علي بن أبي الفرج الواسطي: [من المتقارب]
أعن عزمةٍ ما الدِّيار الدِّيار ... ولا الأهل أهلٌ ولا الجار جار
وسقها تتابع أرسالها ... كما ريع بالقفر وحشٌ مثار
فقد أدرك البين ثاراته ... ولم يدرك العام للشِّعر ثار
وإن تقلقلها قد يفيد سروراً إذا لم يسرَّ القرار
أرتك صروف النَّوى بالشِّام ... نوائب لم يغن منها حذار
فإن سهادك فيها كثيرٌ ... وإن رقادك فيها غرار
وما إن حصلت على طائلٍ ... مقيم التَّثبُّط والاصطبار
стр. 1998
فلا صاحب صاحبٌ حافظٌ للعهود ... ولا من يقال لديه العثار
وكلب تعرَّض لي نابحاً ... وإنَّ دواء الكلاب الحجار
طغى أن صبرت على شرِّه ... وصبري هوانٌ به واحتقار
/١٠٠ أ/ ولو كان ذا شهرة في الورى ... لعاجله من يديَّ البوار
هممت به ثم الفيته ... حقيراً ففاء إليَّ الوقار
متى ما يجازي الشَّريف الوضيع ... في الأمر حاكى النِّجار النِّجار
على أنني من أناس هم ... لدى السِّلم ماءٌ وفي الحرب نار
فيا ابن اللئيمة ما قدر ما ... يغالب عصف الرِّياح الغبار
فهل أنت إلا الصُّدير الذي له العار في واسط الشَّنار
خدمت المغنِّين حتى كبرت ... وكان شعارك بئس الشعار
وها أنت ذو أبنة لا يزال ... يكون بها حيث كنت الفجار
وهل كنت في جمع قوم ولا ... يكون الجراب عليهم يدار
فصار نصيبك مما يدقُّ ... فذلك من غير خمر خمار
عجبت لع مري لتفضيل قومٍ ... مقامك فيهم على القوم عار
قمرت بإفكك البهائم ... وداؤك منذ نشأت القمار
فظنوا بينهم صالحاً ... وأنت حليف المخازي قدار
ونلت بجهلك في بلدة تساوى الرَّصاص بها والنَّضار
إلى أن دعيت بنحويِّهاً ... وأولى بذا الاسم منك الحمار
/١٠٠ ب/ وقال فيه أيضاً يهجوه: [من البسيط]
حوى الَّلآمة ثوبٌ أنت لابسه ... وباء بالعار مخلوقٌ تجالسه
صدير أنت الذي لو قيس من شبه ... لما تعدَّى حماراً من يقايسه
سمع القفا لا يردُّ السَّائلين وإن ... يركب على الأير يوماً فهو فارسه
يذل جبناً فإن ... من درِّه ذل عنه من يمارسه
ما إن يلام على فحشاء يفعلها ... بطيب فرعٍ إذا طابت مغارسه
стр. 1999
وقال فيه أيضاً، وهو يرقص: [من الرجز]
انظر إلى فعل الصُّدير الذي ... بفعله دل على نقصه
لمَّا تثنَّى بيننا راقصاً ... ذكرت فعل الدُّب في رقصه
فلا نرى أعظم من حمقه ... ولا نرى أحقر من شخصه
وقال فيه يهجوه: [من الكامل]
ما لي غفلت عن الصُّدير فلم يزر ... نعلي قفا الكلب اللئيم خلائقه
حسب الخمول يكفُّني عن صفعه ... وهوانه فسرت إليَّ بوائقه
ما إن تسلِّمه حقارة قدره ... منِّي وما للكلب إلى خانقه
إني أمرؤٌ يخشى إذا ما زمجرت ... سحب الحقائد رعده وبوارقه
/١٠١ أ/ وقال فيه أيضاً: [من الكامل]
من يبلغ الملك المعظم بعد إبـ ... ـلاغ إليه تحيَّةً وسلاما
من عبده وربيب نعمته الذي ... ملأ العراق بمدحه والشَّاما
إن الصُّدير إذا سألت وجدته ... يلغي الجميل ولكفر الإنعاما
ففعاله ينبي بأن جدوده ... وأبوه كانوا في الفعال لئاما
قد أطلق الجهل المضلُّ لسانه ... في الإفك حتى ما يفيق ...
أبداً يرى من نحو إربل ذاكراً ... أشياء تحدث للفتى أوهاما
[٧٧٩]
محمَّد بن عبد الرحيم بن عليِّ بن أبي منصور بن جعفر بن أحمد بن علي بن الحسين بن الحسن الهيتي الأنصاري.
شاب قصير، أحمر اللون. زعم أنه ولد قيس بن سعد بن عبادة.
وكانت ولادته بهيت في الثاني والعشرين من شعبان سنة ستمائة، ونشأ بالشام، وأصله من ديار مصر، يشعر ويقصد الناس بشعره.
أنشدني لنفسه من قصيدة: [من الخفيف]
لهو قلبي أين الصَّديق الصَّدوق ... ليوالي أو الشقيق الشفيق
стр. 2000
خانني فيهما الزمان فخالفـ ... ـت انفرادي لمَّا دها التَّفريق
/١٠١ ب/ فذر اللوم يا عذولي على الوحـ ... ـدة قد دلَّني لها التَّوفيق
كل خل نراه لمع سراب ... يتراءى للعين منه بروق
إن يكن يرتجيك فهو مصاف ... أو تكن ترتجيه فهو مذوق
خبث الدهر فاجتنبه وأهليـ ... ـه فما عندهم لخيرٍ طريق
ومن مديحها يقول:
.. من أبي السَّعادات سعداً ... لم يشبه مدى الزَّمان حريق
ماجدٌ إن عراك خطبٌ يكن عو ... نك في كشفه وأنت ......
وجوادٌ يجري براحته بحـ ... ـر نوالٍ فيه الأنام غريق
[٧٨٠]
محمد بن ياقوت بن أبي نصر بقن المقلّد بن الحارث، أبو محمدٍ.
زعم أنهم يرجعون في النسب إلى عبد القيس. وكان والده من المحرزة، أخذ أبوه وعمه وعمته نهباً، ووردوا الحلة المزيدية، بسقي الفرات، فأخذهم أبو الفضائل محمد بن خشرم ورباهم، فسمى والده ياقوتاً، وسمى عمّه لؤلؤاً، وسمّى عمته خيزراناً.
وكان مولد محمد هذا بالعامرين من أرض العراق، بعد السبعين وخمسمائة، ونشأ بإربل، واعتنى بسماع حديث /١٠٢ أ/ رسول الله ﷺ فسمع كثيراً منه على المشايخ، الذين قدموا إربل.
أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
وقالوا: مرارة هذا الغراب ... خضابٌ وهيهات رجع الشَّباب
يعود إذا رجع القارظان ... وما لهما أبداً من إياب
وأعجب ممن يحبُّ الحياة ... ومن دونها كلُّ صعبٍ وصاب
وفي عصرنا لا أرى من يلذ ... بطيب الطعام وبرد الشراب
следующие страницы →