Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
ينجاب ستر الدُّجى إذا سفرت ... عن وجهها والظَّلام مرتكم
لا يدرك الواصفون بهجتها ... وصفاً ووصَّاف حسنها الأمم
مضى الزمان الذي نعمت به ... كما يرى فيه المنام محتلم
كأنما الدَّهر كان يحسدني ... عليه إذ ذاك فهو ينتقم
أصار حظِّي إلى الحضيض فما ... ينفعني إن تسامت الهمم
. الفتى كاملاً ويسعد من ... ليس له في فضيلة قلم
وددت لو كانت الحظوظ على ... أقدار فضل الأنام تنقسم
تالله لولا رجاء خيرٍ فتى ... أضحت ترجِّيه العرب والعجم
ملكٌ أضاءت لنا بدولته الدُّ ... نيا وقد أحدقت بها الظُّلم
ما كنت ذا مطمعٍ بأ، يصبح الدَّ ... هر وبيني وبينه ذمم
فلست أخشى من حادث وبها الدِّ ... ين لي ملجاً ومعتصم
ما لامرئٍ أصبحت تعانده الأ ... يَّام إلا ج نابه حرم
ومنها:
/٩٨ ب/ يا من غدوا بأعلى الزمان به ... لمَّا غزتنا أحداثه الحطم
أحييت بيت القريض فابتدرت ... قالته حيث أنت تزدحم
علمت أن الأموال يذهبها الدَّ ... هر ويبقى عليه ما نظموا
تكرم للمدح ما مدحت إذا ... ما راح قومٌ له وقد لؤموا
من لم ير المدح عنده شرفاً ... فذاك عندي وجوده عدم
ألم ير الشعر في الذين مضوا ... ينشر من فضلهم وهم رمم
ما كان لولا القريض في سالف الدهر زهيرٌ يعني به هرم
كان متى ما رآه جاد له ... حتى أبى الجود وهو يغتنم
وأين من أرغش النَّدى هرمٌ ... وهل تساوى الملوك والخدم
يمنح فوق الذي نؤمِّله ... وينهب المال وهو مبتسم
كأن أخلاقه لسائله ... ماءٌ أذالته مزنةٌ شبم
قد ألف البذل منذ قام به ... فنفسه لا يمسُّها سأم
ومنها:
стр. 1997
يا واحد المجد والعلاء ومن ... يعزى إليه السَّماح والكرم
/٩٩ أ/ إليك يهدى قلائداً نظمت ... لجيد علياك شاعرٌ فهم
مؤيَّدٌ بالصَّواب منطقه ... فكل قول يقوله حكم
يرجو بها عندك الغناء فقد ... أودى به مذ أصابه العدم
وأمرك اليوم بالنَّوال له ... كالبرء وافى من غاله السقم
لازلت ذا عزَّة يذلُّ لها ... كل عزيز بأنفه شمم
مقتدراً ما بقي الزمان على ... الأعداء تعفو عنهم وتنتقم
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الشرف عبد الصمد بن محمد بن المجلّى النصيبي: [من البسيط]
لله ما شرفت الدِّين [الذين] شرفت ... أفعاله فهو حال بالثَّنا كاسي
ما إن رأيت على إفراط تجربتي ... للناس أكرم طبعاً منه في الناس
فأجابه عبد الصمد بن محمد، عنها في الحال بديهة: [من البسيط]
سوى مكارم شمس الدِّين من ظهرت ... أنواره فهي فينا ضوء مقباس
ومن غدا نظمه من لطف صنعته ... أشهى إلى الرُّوح من مشمولة الكاس
وأنشدني لنفسه في طلوع /٩٩ ب/ القمر على دجلة: [من المنسرح]
كأنما دجلةٌ لناظرها ... إذ رفع الليل ثوبه الأسود
ثوب لجينٍ معرَّكٌ رقم الـ ... ـبدر طرازاً له من العسجد
وأنشدني لنفسه، يهجو الصدر علي بن أبي الفرج الواسطي: [من المتقارب]
أعن عزمةٍ ما الدِّيار الدِّيار ... ولا الأهل أهلٌ ولا الجار جار
وسقها تتابع أرسالها ... كما ريع بالقفر وحشٌ مثار
فقد أدرك البين ثاراته ... ولم يدرك العام للشِّعر ثار
وإن تقلقلها قد يفيد سروراً إذا لم يسرَّ القرار
أرتك صروف النَّوى بالشِّام ... نوائب لم يغن منها حذار
فإن سهادك فيها كثيرٌ ... وإن رقادك فيها غرار
وما إن حصلت على طائلٍ ... مقيم التَّثبُّط والاصطبار
стр. 1998
فلا صاحب صاحبٌ حافظٌ للعهود ... ولا من يقال لديه العثار
وكلب تعرَّض لي نابحاً ... وإنَّ دواء الكلاب الحجار
طغى أن صبرت على شرِّه ... وصبري هوانٌ به واحتقار
/١٠٠ أ/ ولو كان ذا شهرة في الورى ... لعاجله من يديَّ البوار
هممت به ثم الفيته ... حقيراً ففاء إليَّ الوقار
متى ما يجازي الشَّريف الوضيع ... في الأمر حاكى النِّجار النِّجار
على أنني من أناس هم ... لدى السِّلم ماءٌ وفي الحرب نار
فيا ابن اللئيمة ما قدر ما ... يغالب عصف الرِّياح الغبار
فهل أنت إلا الصُّدير الذي له العار في واسط الشَّنار
خدمت المغنِّين حتى كبرت ... وكان شعارك بئس الشعار
وها أنت ذو أبنة لا يزال ... يكون بها حيث كنت الفجار
وهل كنت في جمع قوم ولا ... يكون الجراب عليهم يدار
فصار نصيبك مما يدقُّ ... فذلك من غير خمر خمار
عجبت لع مري لتفضيل قومٍ ... مقامك فيهم على القوم عار
قمرت بإفكك البهائم ... وداؤك منذ نشأت القمار
فظنوا بينهم صالحاً ... وأنت حليف المخازي قدار
ونلت بجهلك في بلدة تساوى الرَّصاص بها والنَّضار
إلى أن دعيت بنحويِّهاً ... وأولى بذا الاسم منك الحمار
/١٠٠ ب/ وقال فيه أيضاً يهجوه: [من البسيط]
حوى الَّلآمة ثوبٌ أنت لابسه ... وباء بالعار مخلوقٌ تجالسه
صدير أنت الذي لو قيس من شبه ... لما تعدَّى حماراً من يقايسه
سمع القفا لا يردُّ السَّائلين وإن ... يركب على الأير يوماً فهو فارسه
يذل جبناً فإن ... من درِّه ذل عنه من يمارسه
ما إن يلام على فحشاء يفعلها ... بطيب فرعٍ إذا طابت مغارسه
стр. 1999
وقال فيه أيضاً، وهو يرقص: [من الرجز]
انظر إلى فعل الصُّدير الذي ... بفعله دل على نقصه
لمَّا تثنَّى بيننا راقصاً ... ذكرت فعل الدُّب في رقصه
فلا نرى أعظم من حمقه ... ولا نرى أحقر من شخصه
وقال فيه يهجوه: [من الكامل]
ما لي غفلت عن الصُّدير فلم يزر ... نعلي قفا الكلب اللئيم خلائقه
حسب الخمول يكفُّني عن صفعه ... وهوانه فسرت إليَّ بوائقه
ما إن تسلِّمه حقارة قدره ... منِّي وما للكلب إلى خانقه
إني أمرؤٌ يخشى إذا ما زمجرت ... سحب الحقائد رعده وبوارقه
/١٠١ أ/ وقال فيه أيضاً: [من الكامل]
من يبلغ الملك المعظم بعد إبـ ... ـلاغ إليه تحيَّةً وسلاما
من عبده وربيب نعمته الذي ... ملأ العراق بمدحه والشَّاما
إن الصُّدير إذا سألت وجدته ... يلغي الجميل ولكفر الإنعاما
ففعاله ينبي بأن جدوده ... وأبوه كانوا في الفعال لئاما
قد أطلق الجهل المضلُّ لسانه ... في الإفك حتى ما يفيق ...
أبداً يرى من نحو إربل ذاكراً ... أشياء تحدث للفتى أوهاما
[٧٧٩]
محمَّد بن عبد الرحيم بن عليِّ بن أبي منصور بن جعفر بن أحمد بن علي بن الحسين بن الحسن الهيتي الأنصاري.
شاب قصير، أحمر اللون. زعم أنه ولد قيس بن سعد بن عبادة.
وكانت ولادته بهيت في الثاني والعشرين من شعبان سنة ستمائة، ونشأ بالشام، وأصله من ديار مصر، يشعر ويقصد الناس بشعره.
أنشدني لنفسه من قصيدة: [من الخفيف]
لهو قلبي أين الصَّديق الصَّدوق ... ليوالي أو الشقيق الشفيق
стр. 2000
خانني فيهما الزمان فخالفـ ... ـت انفرادي لمَّا دها التَّفريق
/١٠١ ب/ فذر اللوم يا عذولي على الوحـ ... ـدة قد دلَّني لها التَّوفيق
كل خل نراه لمع سراب ... يتراءى للعين منه بروق
إن يكن يرتجيك فهو مصاف ... أو تكن ترتجيه فهو مذوق
خبث الدهر فاجتنبه وأهليـ ... ـه فما عندهم لخيرٍ طريق
ومن مديحها يقول:
.. من أبي السَّعادات سعداً ... لم يشبه مدى الزَّمان حريق
ماجدٌ إن عراك خطبٌ يكن عو ... نك في كشفه وأنت ......
وجوادٌ يجري براحته بحـ ... ـر نوالٍ فيه الأنام غريق
[٧٨٠]
محمد بن ياقوت بن أبي نصر بقن المقلّد بن الحارث، أبو محمدٍ.
زعم أنهم يرجعون في النسب إلى عبد القيس. وكان والده من المحرزة، أخذ أبوه وعمه وعمته نهباً، ووردوا الحلة المزيدية، بسقي الفرات، فأخذهم أبو الفضائل محمد بن خشرم ورباهم، فسمى والده ياقوتاً، وسمى عمّه لؤلؤاً، وسمّى عمته خيزراناً.
وكان مولد محمد هذا بالعامرين من أرض العراق، بعد السبعين وخمسمائة، ونشأ بإربل، واعتنى بسماع حديث /١٠٢ أ/ رسول الله ﷺ فسمع كثيراً منه على المشايخ، الذين قدموا إربل.
أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
وقالوا: مرارة هذا الغراب ... خضابٌ وهيهات رجع الشَّباب
يعود إذا رجع القارظان ... وما لهما أبداً من إياب
وأعجب ممن يحبُّ الحياة ... ومن دونها كلُّ صعبٍ وصاب
وفي عصرنا لا أرى من يلذ ... بطيب الطعام وبرد الشراب
стр. 2001
[٧٨١]
محمد بن مكارم بن ابي العلاء بن علي بن أبي العلاء بن محمدٍ أبو عبد الله.
زعم أن جده أبا العلاء من قرية بدجيل، تدعى: "الداودية"، وانتقل إلى نواحي إربل، وسكن قرية فيها، تعرف باللهثيَّة، فولد محمد بها، ونشأ وترامى إلى نظم القريض، وقصد نهج الشعراء، فيما يتوخونه، ومدح .... ناحيته والمقدمين بها، ولم يكن يمتاح أحداً لرفده. وهو يتحرى من اللحن، ويعرف مواقع الخطأ في كلامه، ويقيم أوزان شعره.
أنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي ﵀: [من المنسرح]
/١٠٢ ب/ رفقاً فهذي الرُّسوم والطَّلل ... تخبر أن الأحباب قد رحلوا
وقف معي بالدِّيار تندبها ... لعلَّ بالنَّوح تذهب العلل
أما ترى الدَّار وهي خاليةٌ ... وقد نأت عن عراصها الحلل
والبين قد شتَّ شمل ساكنها ... وللردى في ربوعها عمل
فالصبر مذ حيث فارقوا رحلت ... جيوشه ثم خيَّب الأمل
فبعدهم لا سقى العقيق حياً ... ولا جرى فيه وابلٌ هطل
بانوا فمن بعد بينهم هجرت ... طيب الكرى إذ باعدوا المقل
تالله لو بعض ما حملت من الـ ... ـوجد برضوى تضعضع الجبل
من قيس ليلى، من بشر هند، ومن ... عروة، من بدر، نعم ما فعلوا
أنا الذي في الغرام هان علـ ... ـيَّ الموت إن قاطعوا وإن وصلوا
ويقول في مديحها:
وغير جود المولى اللَّبيب فلا ... يحسن فيه المديح والغزل
الفاضل المنعم السَّموح ومن ... عطاء معنٍ في جوده وشل
стр. 2002
والاريحيِّ الذي مكارمه ... يفرق منهنَّ السَّهل والجبل
والكامل الماجد الخلائق ... والإحسان ما شاب جوده بخل
/١٠٣ أ/ عمَّت عطاياه كل ناحيةٍ ... وسار في جوده له المثل
إمام هذا الأنام في أدب ... أوفرهم نائلاً إذا بذلوا
مولاي يا أوحد الزَّمان ندىً ... ويا جواداً باهت به الدُّول
يا شرف الدين منتهى أملي ... دم في سرورٍ ما سارت الإبل
وأنشدني لنفسه يتغزل: [من الرجز]
يا قمراً أراق دمعي ودمي ... ظلماً بسلسال الرُّضاب الشَّبم
ويا غزالاً ناظراه سلِّطا ... على تلاف المغرم المتيَّم
لحظم أمضى في القلوب فتكه ... تالله من حدِّ الحسام المخذم
يا من بمعسول اللما من ريقه ... أسكرني وزاد في تألُّمي
لولاك ما عرفت ما طعم الهوى ... يا قاتلي ومتلفي ومسقمي
أفديك من بدر دجا تكاملت ... أنواره من لجب ليل مظلم
على قوامٍ كالقضيب أهيفٍ ... ريَّان من ماءٍ الصِّبا منعَّم
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من المنسرح]
مفهفٌ كالقضيب معتدلٌ ... في وجهه لمحةٌ من الحور
كأنَّما الخال فوق وجينته ... نقطة مسكٍ من فوق كافور
/١٠٣ ب/ لما أنشدني أبو عبد الله هذين البيتين، قلت له: أخذت البيت الثاني من قطعة لشاعر، يعرف بابن الستري، من شعراء واسط، ويلقب بالخفّ، ثم أنشدته الأبيات، وهي:
الجور منسوبٌ إلى الحور ... عذاره أفنى معاذيري
الجور من حكم فتى جائرٍ ... منتسب الجدِّ إلى جور
ذي طرَّةٍ طيِّر عقلي بهاً ... وشارب أخضر مطرور
كأنما الخال على خدِّه ... نقطة مسكٍ فوق كافور
فلما سمع هذه الأبيات، أقسم بالله أنَّه لما يسمعها أبداً، فعجبت من اتفاق
стр. 2003
خاطريهما على المعنى.
[٧٨٢]
محمد بن منصور بن دبيس بن أحمد بن درعٍ، أبو عبد الله بن أبي المنى المعروف بابن الحداد.
شاب خفيف اللحية لم تستتم، يعلو لونه صفرة.
أخبرني أنه ولد سنة ثلاثة وستمائة، صحب أبا إسحاق إبراهيم بن المظفر بن البرني الواعظ /١٠٤ أ/ وسمع عليه الأحاديث، وأخذ عنه شيئاً من الفصول الوعظيّة. وهو شاب ينسخ ويعظ ويشعرن.
أنشدني لنفسه، يمدح مولانا المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شهريار الشام، بهلوان جهان ألب قتلغ طغرلتكين بلكا أتابك أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ثبت الله دولته بمحمد وآله أجمعين-: [من البسيط]
بدرٌ متى قابلته الشَّمس تنكسف ... وغصن بان له من قدِّه هيف
ريمٌ رمى لحظه عن قوس حاجبه ... سهماً يصيب الحشا قلبي له هدف
فالورد من خدِّه باللَّحظ يقتطف ... والخمر من ريقه المعسول نرتشف
مولاي كل جمال الناس متصفٌ ... إلا جمالك ممَّا ليس يتصف
كأن وجهك يا من لا شبيه له ... في الحسن صبحٌ تبدَّى فوقه سدف
ما بال جيدك عنِّي اليوم منعطفاً ... الخصر منك بمرِّ الرِّيح ينعطف
تهوى الصُّدود وأهوى الوصل يا أملي ... فنحن مؤتلفٌ فيه ومختلف
يا حاضراً في الحشا مذ غبت عن بصري ... وجدي مقيمٌ وصبري عنك منصرف
أخفي هواك وفرط الوجد يظهره ... وأنكر الحب والآماق تعترف
لجَّ العواذل في عذلي ولو وجدوا ... لبعض وجدي عليه في الهوى تلفوا
/١٠٤ ب/ لاموا وقد علموا تركي ملامتهم ... كأنهم جهلوا بالعدل ما عرفوا
стр. 2004
يا من كلفت به طفلاً فشيبني ... منه الصدود ومنِّي الوجد والكلف
يا ممرضي بالجفا أنت الطبيب فعد ... وداوني بوصالي إنني دنف
أفنيت فيك حياةً ما بلغت بها ... منك المنى وزماناً ما له خلف
يا منية القلب كم أدنوا وتبعدني ... حتى متى تنثني عنِّي وتنحرف
أسرفت في الهجر إفراطاً كراحة بد ... ر الدين من شأنها في بذلها السَّرف
ملكٌ سجيته بذل النَّدى أبداً ... فكل جود تعدَّى جوده كلف
عمَّ الورى جوده الظَّامي فما أحدٌ ... إلا بجود ندى كفَّيه معترف
فكل دان له من رفده طرفٌ ... وكل قاصٍ له من جوده تحف
بحرٌ خضمٌّ جميع الناس وارده ... فكلُّهم صادرٌ عنه ومغترف
إن قايسوه بعمرو في شجاعته ... أو حاتم في الندى ضلُّوا بما وصفوا
كأن كف المنايا طوعه فلذا ... عدَّت لأرواح من عاداه تختطف
يا من له ذلَّت الأبطال صاغرةً ... والأقوياء لديه هيبةً ضعفوا
يا مالكاً طاعة الرحمن طاعته ... فينا نقر به طوعاً ونعترف
لله سرٌ لطيفٌ فيك أودعه ... ما فيه شكُّ ولا ريبٌ ولا خلف
/١٠٥ أ/ يا من تعمُّ على الدنيا مواهبه ... ومن مناقبه تملى بها الصُّحف
يا درَّة غرَّة الأيَّام فاخرةٌ ... بها فكل الورى من دونها صدف
جلت صفاتك عن حصر الأنام فعن ... إدراك بعض معاني كنهها صدفوا
لا زلت ترقى بجدٍ في صعود علاً ... ما دامت النيرات السبع تختلف
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
يا وصولي ومصرمي ... ومصحِّي ومسقمي
هل تريحنَّ من جفا ... ك كصبٍّ متيِّم
مزج الحب في هوا ... ك بلحمي وأعظمي
لا أطيع العذول فيـ ... ـك وأصغي للوَّمي
فتكت مقلتاك بالـ ... ـقلب فتك ابن ملجم
لست من بعد فتكها ... في الهوى بالمسلِّم
ومنها:
стр. 2005
هل مهيني بهجره ... وهو بالوصل مكرمي
بان صبري بينه ... وهو بالصَّبر ملزمي
/١٠٥ ب/ أنت بالهجر قاتلٌ ... لامرئٍ غير مجرم
أي قاضٍ قضى وأفـ ... ـتاك في قتل مسلم
أو نبيٍّ مشرِّعٍ ... حل في شرعه دمي
أيسر الوجد في هوا ... ك من الوجد معدمي
يا قليل البكا على كثير التبسم
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الطويل]
جنى وتجنَّى في الهوى من ألفته ... وأعرض عني ليته ما عرفته
جفا فجفا جفني لذيذ رقاده ... حبيبٌ فقدت الصبر لمَّا فقدته
وأفرد في هجرانه وملاله ... بلا سبب منِّي وجرم فعلته
وأسلمني للنَّائبات وللأسى ... وقاطعني في الحب لمَّا وصلته
فلمَّا رأى وجدي به وصبابتي ... وصحَّة صدق الودِّ فيما زعمته
أتى زائراً من غير سابق موعدٍ ... فأهلاً به من زائر ل عدمته
فباعد عن قلبي الهموم بقربه ... وبلغني بالوصل ما كنت رمته
وأنشدني أيضاً لنفسه من أبيات: [من الخفيف]
/١٠٦ أ/ هاج ما عنده من الأشواق ... لسنى لاح من .... العراق
مرَّ وهناً ولم يلمَّ بصب ... مستهام متيَّم مشتاق
مدنف فارق الأحبَّة كرهاً ... فهو من بعد بعدهم في سياق كلَّما فرَّ وجده عاودته ... برحٌ من لواعج الأشواق
قد بكاني العذول مما أقاسي ... ورثى لي الحسود مما ألاقي
كمدي فيكم قديمٌ وودِّي ... لكم دائمٌ على العهد باقي
وأنشدني لنفسه، يعتذر عن الوداع: [من الطويل]
تؤنبني لما تركت وداعها ... وتنكر ما أبديته من تتجلُّدي
تقول بدمع العين توديع ذي هوىً ... على زعمه حلف الصَّبابة مكمد
стр. 2006
فقلت لها: إني جزعت فلم أطق ... وداعاً له تمتدُّ عند النَّوى يدي
ولم أدر من جدٍ وفرد صبابةٍ .. .أفي يومنا هذا التَّفرُّق أم غد
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الوافر]
رمتني حين صدَّت بالدواهي ... فتاة أمرضتني والدواهي
فتاةٌ تخجل الأغصان قدّاً ... تقل بطلعة ....
لها نغمٌ ينوب عن المثاني ... ويغني السَّمع عن صوت الملاهي
/١٠٦ ب/ فلو نادت به ميتاً رميماً ... اجاب كما يجيب ندا الإله
تخال الشَّمس إذا سفرت لميل ... علينا طالعاً في نون كاهي
تقوِّق أسهماً تصمي الحشاياً ... فليس لرميها أبداً تناهي
قتيلٌ لا يقاد بها قتيلٌ ... فبالقتلى وكثرتهم تباهي
لهوت بها حياتي وهي عنِّي ... بفرط الهجر والإعراب لاهي
تعاهدني فلم تف لي بعدٍ ... أنا الوافي لها بالعهد لاهي
أقابل عزَّها منِّي بذل ... كما ذلِّي تقابله بجاه
إذا ما استحسنت عيناي مرأى ... رأيت خيالها فيه تجاهي
فركن الودِّ من قلبي مشيدٌ ... لها أبداً وركن الصبر واهي
تصد وتدَّعي السلوان منِّي ... فكيف ولي عن السلوان ناهي
وكم لجَّ العواذل في هواها ... ولاموا بالزَّواجر والنواهي
وكيف الصبر عنها والتَّسلي ... وقد ملكت قيادي والمنى هي
ألا هي ليس لي عنها اصطبارٌ ... إليك المشتكى منها إلهي
وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من الكامل]
لو أن طيفك كان من عوَّاده ... ما كان قد أودى الهوى بفؤاده
/١٠٧ أ/ أنت الطبيب فداو من أمرضته ... واعطف عساه ينال بعض مراده
يا أيها الرَّشا الذي أصفيته ... ودِّي ولم يسمح ببعض وداده
أنت الذي شهرت لواحظ طرفه ... غضباً حداد البيض دون حداده
وجعلتني حلف اشتياق ينقضي ... عمري ولا يأتي على إنقاده
من منصفي من ظالمٍ وجوارحي ... أنصاره والقلب من أجناده
стр. 2007
يذكي غراماً كل نار أججت ... بين الضلوع فتلك قدح زناده
طيب الحياة بقربه ووصاله ... والموت من هجرانه وبعاده
غصنٌ وما للغصن مثل قوامه ... يزري على مياده
وأنشدني أيضاً قوله، من جملة أبيات أولها: [من البسيط]
ته كيف شئت فما لي عنك مصطبر ... فصفو عيشي مذ فارقتني كدر
عنيت بالهجر عن وصلي فذبت أسى ... صلني فإني إلى لقياك مفتقر
أنت الذي تخجل الأغصان قامته ... وإن تبدَّى لبدر التَّم يستتر
سلبتني النَّوم فاردده عليَّ عسى ... يسري الخيال على كسري فينجبر
[٧٨٣]
محمد بن يحيىُّ بن معَّنَّصر /١٠٧ ب/ بن أبي مضر بن يكساس بن علي بن أبي عليٍّ، أبو عبد الله المغربي القسنطينيُّ.
هو من قسنطينة الهوى، من بلاد المغرب.
شاهدته شاباً أسمر اللون، لطيف الخلقة، بمدينة إربل، في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة، متفقهاً وفيه ديانة وصلاح.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
إن جزت بالعرصات من يبرين ... فاشرح غراماً كاد أن يبريني
لأهيل ذاك الحي وابثث عندهم ... وجدي وبعض صبابتي وأنيني
وقل الميتيَّم عن هواكم ما سلا ... دنفٌ وبالعبرات غير ضنين
يحني جوانحه على جمر الغضا ... ويئن أنه عاشقٍ محزون
مذحل بالحدباء قد علق الضَّنى ... بفؤاده وأسيغ كأس منون
стр. 2008
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الكامل]
لو كنت تعلم ما يجنُّ فؤادي ... لأخذت في وصلي وترك عنادي
لكنَّ قلبك من ألمَّ به الهوى ... فجهلت ما يلقاه قلبي الصَّادي
[٧٨٤]
محمد بن محمد بن يوسف /١٠٨ أ/ بن قليج بن تكين خان بن محمود خان، أبو عبد الله الموصليُّ، المعروف بابن آيدغدي.
وقد تقدم شعر أخيه:
كانت ولادته، فيما أخبرني – من لفظه – يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وتوفي بالموصل يوم ....... سنة ثلاثين وستمائة.
وكان جندياً مدة، ثم ترك الجنديّة، ولبس الفوط، ولزم الأثر، وسلك طريق التصوف، وتنقل في الأمصار، ومال إلى مصاحبة أصحاب الأحوال والدين. وكان شيخاً، أشقر نقي الشيبة، عرضها ملء بدنه، مربوعاً.
أنشدني لنفسه: [من مجزوء الوافر]
سقى الوسميُّ إذ وكفا ... زمان سبيبة وكفى
مضى ومضى لذيذ العمـ ... ـر فيه وخلَّف الأسفا
فكم باكرت فيه الحا ... ن رقَّ سلافها وصفا
مدامٌ تستبيح حمى الـ ... ـهموم وتسعد الدنفا
أطال الواصفان لها ... فكانت فوق ما وصفا
стр. 2009
[٧٨٥]
محمد بن يونس بن أبي البركات /١٠٨ ب/ بن إبراهيم بن أبي القاسم، أبو عبد الله الموصلي.
عنده طرف صالح من علم العربية، ويحفظ صدراً جيداً من الشعر الحسن، ويشعر. أقام بإربل مدة، يمدح أهلها ويرتزقهم، فسئموه لكثرة إلحاحه وسؤاله إياهم.
وكان شاباً أسمر اللون، مقرون الحاجبين، رقيق الحال، مجازفاً صعلوكاً، وسخ الثياب، زري الهيأة، لا دين له، كثير الهذيان؛ وأكثر ما كان يحصل له من نفقة يخرجه على الصبيان. لقبه أهل إربل خمارويه، فبسط لسانه فيهم، وتناول بالتقطع أعراضهم؛ فبغضوه بغضاً شديداً، وكانت سيرته معهم سيرة غير جميلة.
أنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – أيده الله – ويذكر إنعامه عليه، بكسوة: [من الطويل]
ألا أيهذا الصَّاحب المنعم الذي ... تجمَّع فيه الفضل وهو مفرَّق
لقد نلت من عزِّ المعالي مكانةً ... تسامت فأدنى شلوها ليس يلحق
وأحييت ميت الجود بعد مماته ... وكسنه لحدٌ من الحزن ضيق
فها هو باق ما بقيت وإنه ... لحيٌّ على مرِّ الأهلَّة يرزق
علاً .... لقد غدا ... كأن لم يكن منٌّ [من] الدهر يخلق
/١٠٩ أ/ وعطَّرت نشراً كل طيب يحدُّه ... ويحصره غربٌ فسيحٌ ومشرق
فما الظن بالرَّوض الأنيق مباكراً ... بقطر غ مامات وبالمسك يسحق
وحل حلولاً في عروقك كلِّها ... دمٌ وندىً فيه الرَّجاء مصدِّق
وإجماع من ضمَّ الوجود ومن حوى ... بأن الندى من ذلك الدم أسبق
متى أمَّه القوم العفاة فعيشه ... على أرض آمال لهم تتدفَّق
أمولاي .... أوليتني من مضيعة ... بأطواقها جيدي المبين مطوَّق
ومن بعضها هذا الذي أنا لابسٌ ... أينكر ضوء الصُّ بح والصُّبح مشرق!
الا إنه ثوبٌ .... وجوده ... عليَّ بما شرَّفتني منك ينطق
تطرِّز طرزاً من علاك جميلةً ... لمنظرها الأوفى بهاءٌ ورونق
стр. 2010
ولم يرني إلاَّك مذ كنت عارياً ... وثوبي على مرِّ الدُّهور ممزَّق
فما وفِّقوا أن يفعلوا ما فعلته ... لأنك من دون الجميع موفَّق
قدم لابساً ثوب البقاء مطرَّزاً ... بطرزتنا ما تعفى مطوَّق
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]
قسماً بصبح جبينه ... وبليل طرَّة شعره
وبطرفه السَّاجي الكحيـ ... ـل وما حوى من سحره
/١٠٩ ب/ وبخدِّه الضَّرج الأسيـ ... ـل وسالفيه ونحره
وبريقه العذب الشهـ ... ـيِّ وعقد لؤلؤ ثغره
وبلين غصن قوامه الـ ... ـغضِّ الرَّشيق وخصره
إني قتيلٌ في هوا ... هـ بسيف مؤلم هجره
ما ضرَّه لو رقَّ لي ... أو فكَّني من أسره
حاز القلوب هوىً كما ... حاز الجمال بأسره
وأنشدني أيضاً قوله: [من المديد]
مالكي يا غوث مشبهه ... عزَّ عن كونٍ فلم يكن
غنجٌ في طيِّ ناظره ... سرُّ سحر شيب بالفتن
جل عن علم يحيط به ... لغبيٍّ كان أو فطن
أبداً ما زال ناظره ... ذاك وسناناً بلا وسن
فتنت بالحسن صورته ... كل مخلوقٍ مدى الزَّمن
حسنه أعدى ولا عجبٌ ... كل ظبيٍ غيره حسن
كل عقَّارٍ له وثنٌ ... وهو في دين الهوى وثني
[٧٨٦]
محمد بن مكيِّ بن عبد الملك /١١٠ أ/ بن أبي حرب بن حمدان أبو عبد الله الإربليُّ.
شاب أسمر، قصير، نزل الشيب بعارضيه.
أخبرني أنه ولد في أوائل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
стр. 2011
اعتني بسماع حديث رسول الله ﷺ ، فرحل في طلبه إلى بغداد سنة ثلاث عشرة وستمائة. وسمع رجال الحديث بها، وكتب عنهم.
ولقي في رحلته أصحاب أبي الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموتي، وأصحاب أبي بكر محمد بن عبيد الله بن نصر بن الزّاغوني، وأصحاب أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري – قاضي البيمارستان – وأصحاب أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد السلال الوراق، وغيرهم من هذه الطبقة بمدينة السلام.
وهو يسلك طريق التصوف، ويخالط المتصوفة والفقراء، ولم يكن أحد من أبناء جنسه يشابه حسن خطه. وله أشعار في مديح، وغزل، وهجاء، وغير ذلك.
أنشدني لنفسه في قصيدة أولها: [من الخفيف]
غير مجد إن عنَّف العذَّال ... أقصروا في ملامهم أو أطالوا
أنا لا أسمع الملام ولا يو ... جد عندي في حبِّ حبِّي ملاك
ومحالٌ أن يسمع الهجر في الهجـ ... ـر محبٌّ فلا عليه الوصال
/١١٠ ب/ يا عذولي نكب هديت فعندي ... قد تساوى فيه الهدى والضلال
غير أني التذُّ ذكراه شوقاً ... فلقلبي لذكره بلبال
مذ جفاني جفا الرُّفاد جفوني ... فاللَّيالي القصار فيه طوال
لم تدر قط سلوةٌ في ضميري ... وليت ذاك ينال
وقلاني دمعي كوجنته الحمـ ... ـراء قان سحابه هطال
بأبي ثم بي وأهلي وصحبي ... أهيفٌ لحظ طرفه بتَّال
ذو قوامٍ لدن وجفن سقيم ... ذا اعتدال به وهذا اعتلال
مخطف الخصر أهيفٌ حصر الريـ ... ـق سلال بذا وذا سلسال
ومن مديحها قوله:
فهو مالٌ لمن يروم نداه ... وهو للذخر والطريد مال
وهو رب العرض المصون ولكن ... عرض المال من يديه يذال
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
أغرى ملامك مستهاماً مغرماً ... لما ذكرت حديث سكَّان الحمى
стр. 2012
وقدحت من زند الملام ..... ناراً تزيد مدى الزمان تضرُّما
ومنها قوله:
/١١١ أ/ يا شاكي اللحظات دونك أعزلاً ... من صبره لمَّا جفوت متيَّما
يجد الحياة بغير قربك مغرماً ... والقتل منك لدى التوصل مغنما
قطَّعت بالهجران حبَّة قلبه ... فعسى يصير لي التَّداني مرهما
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى النقيب محيى الدين أبي طاهر حيدر الحسيني الموصلي – أدام الله إقباله -: [من السريع]
مولاي محيي الدين يا ماجداً ... فاق جميع الخلق إحسانا
ومن إذا ما فاه من طقه ... يعجز بالتِّبيان سحبانا
أخلاقك الغرُّ التي قد صفت ... عن كدر الشُّبهة إيمانا
لم قبلت مذق كذوب سعى ... زوراً وتحريفاً وبهاتانا
مولاي إن الدَّهر قد حطَّ من قدري فساداً لي وعدوانا
مال لجاجاكي يذل الألى ...........................
وقال قولاً أنت من أهله ... وأسأل الرَّحمن غرفانا
وهو بضدِّ العقل يغري الذي ... يبدي إلى الحلم وقد مانا
فهذه حال أمرئ خانه ... زمانه سراً وإعلانا
/١١١ ب/ أفرده بالرغم عن صحبه ... وعن ذويه الزُّهر طغيانا
والآن وفَّيت [إلى] صاحب ... بصرف صرف الدَّهر إذ خانا
وقد تخيَّلت نجاحي به ... إذ أنت أولى عنه من صانا
فاسلم ودم في غبطة لا تني ... ما غرَّد القمريُّ ألحانا
وقال أيضاً: [من الكامل]
أرج النَّسيم سرى بعرف البان ... فأثار وجدي نشره وسجاني
أهدى السرور شذاه لمَّا أن سرى ... وانى الخطى سحراً لقلبي العاني
وروى حديث الرَّوض يسند ربَّه ... متواتراً عن مرسل الهتَّان
وافى معنبره الذَّكيُّ مقدِّماً ... جيش الربيع مبشراً بأمان
стр. 2013
وترنَّمت عجم الطُّيور فأفصحت ... بغرائب الألحان في الأغصان
والظل ينثر درَّه في دوحها ... فبكل فرعٍ منه عقد جمان
فحدائق الأزهار من نوَّارها ... قد أحدقت بغرائب الألوان
من أخضر خضل وأصفر فاقعٍ ... في أبيض يقق وأحمر قاني
والنَّرجس الغضُّ المضعَّف ناظرٌ ... نحو البنفسج لطيره الولهان
والجدول الموَّار يرعد خيفةً ... مذ سلَّ فيه البرق عضب يماني
/١١٢ أ/ خفَّت حواشيه بوشي جواهر الـ ... ـمنثور في قطع [من] الريحان
وله: [من الكامل]
هل للمتيَّم والمطيُّ تساق ... من راحم أم للقاء وفاق؟
ظعن الفريق فما البقاء بنافعٍ ... من بعدهم ..... براه فراق
سفحت نجيعاً من جفوني إذ سروا ... في سفح رامة دمعها الآماق
لما استقل بها الحداة تنصُّها ... أودى بها الوخدان والإعناق
عرض الوجيف لحومها بمدى السُّرى ... فدماؤها بيد الذَّميل تراق
فكأنَّما الأرسان من جذب البرى ... مخبوءةٌ في مثلها الأعناق
فغدت تميل من الكلال نحافةً ... إذ حمِّلت ما لا يكاد يطاق
وبأيمن العلم المطلِّ على الحمى ... رشأله حبُّ القلوب نطاق
كالبدر إلا أنه في تمِّه ... لا يعتريه لدى الكمال محاق
بهر الدجى فرعاً وأزرى بالضحى ... من نور بهجة وجهه إشراق
حاز القلوب له الجمال فما لها ... من أسره طول المدى إطلاق
وله: [من الطويل]
أراق دمي بين الرُّبى والمعالم ... تذَّكر أيَّام مضت كالمواسم
/١١٢ ب/ تقضَّت حميدات بصحبة معشر ... شذا ذكرهم بين الورى كاللَّطائم
أسكان نجدٍ إن مضناكم غداً ... بكم مفرداً ما إن له من مساهم
стр. 2014
توحَّد فيكم حبَّه عن مشارك ................. ومزاحم
إذا هبَّ من تلقائكم نشر نسمةً ... جرت عبراتي كالغيوث السواجم
ويخفق قلبي إن سرى البرق خافقاً ... وما ذاك إلا أنه كالمياسم
هبوا الصَّبَّ رشداً من صباح لقاكم ... فقد ظلَّ في ليل من البعد عاتم
وقد أخذت منه التَّنائف حقَّها ... بوخذ المهارى والمطيِّ الرَّواسم
فعهد الصِّبا ولَّى وعهد وصالكم ... كأنَّما كانا كأحلام نائم
وأنَّهما كانا ألذ من المنى ... وأحلى من التهويم في جفن نائم
وله: [من مجزوء الكامل]
عرف النَّسيم عساك تسرح ... خبري بلطف حين تسرح
وتبلِّغ الأشواق في ... ضمن السلام لهم وتنضح
فل ذاك مضناكم غدا ... بالوجد والبرحاء مطرح
وإليكم إنسانه ... ما زال باللَّحظات يطمح
يأبى خلائق حاله ... فإلى م بالهجران تسمح
/١١٣ أ/ منحته الصَّد المذيـ ... ـب ومن سواه الوصل تمنح
ويجدَّ فيك غرامه ... وبه طوال الدَّهر تمزح
يا عاذلاً فيه قبحـ ... ـت ووجه عذلك منه أقبح
اللَّوم ينجح في فتى ... بحر الغرام عليه يطفح
ولئن تجنَّى أو جنى ... فالقلب عنه ليس يبرح
ما زلت أكتم جمرة الـ ... ـبرحاء في صدري وتلفح
حتى تبدى فيه العذا ... ر على صفا الخدِّ الملوَّح
فأذعت تبريحي وقد ... برح الخفاء به وبرَّح
طرفي غداة ترحُّلي ... لا زال بالعبرات يسفح
стр. 2015
[٧٨٧]
محمد بن الحسين بن أبي بكر بن الحسين بن أحمد، أبو الحسين الشروبيُّ النتاج الموصليُّ.
المعروف بشاعر الصحابة؛ لأنه استفرغ معظم أشعاره في صحابة رسول الله ﷺ وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
وهو شاعر أميّ لم يعرف الخط /١١٣ ب/ ولا القراءة، وله شعر كثير في الصحابة وأهل البيت – صلوات الله عليهم وسلامه – يقوله بصحة طبعه، وسلامة غريزته، وأنشأ مقامةً سمّاها: "روضة المناظل ورياضة الخاطر"، أودعها نكتاً لطفية، وملحاً طريقة.
أنشدني لنفسه، يمدح صحابة رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين -: [من الكامل]
يا دمنتين لرزينب ورباب ... أسقيتما صاباً فؤادي الصَّابي
كم لي أبثُّ الوجد في ظليكما ... فعساكم أن تأذنا بجوابي
أنكرتما حالي وقد عاينتما ... منِّي المشيب مبرقعاً بخضاب
هيهات بالتعليل تبرأ علَّتي ... ويعود لي زمن الصِّبا بتصابي
نزلا بقلبي المفجعان كلاهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
يا صاحبي إن لم تكن عونا على ... حكم الهوى ما أنت من أصحابي
ذرني وما ضمَّت عليه جوانحي ... وترائبي إن كنت من أترابي
كم ذا تجرِّعني الملام أما كفى ... ما احمرَّ من ماء الجفون شرابي
طالت ليالي الهجر بعد فراقهم ... فكأنَّما أضحين كالأحقاب
وترى الخيال وقال عند رحيلهم ... قولاً أنست به الغداة عتابي
/١١٤ أ/ أسقيك من ماء الجفون لعلَّة ... تبديه من فرحٍ ليوم غياب
من كل فاتنة بطرف فاترٍ ... قتلت بسيف اللحظ في الأعراب
قطعوا القفار فأقفرت من بعدهم ... من الدِّيار وقطِّعت أنيابي
стр. 2016
وتيمَّموا شيح العذيب وما دروا ... أن العذيب موَّكلٌ بعذابي
وفلى الفلاة بكل حرف جسرةٍ ... تطوى لها البيداء طيَّ كتاب
يبغون خير الناس بعد محمد ... مولى دخرت ولاءه لحسابي
مولىً إذا الجهَّال عافوا فضلةً ... نطقت بسؤدده ذوو الألباب
لزم النبي بكفِّه بين الملا ... وأقامه للناس في المحراب
سمَّاه صدِّيقاً وأعمل رأيه .. ز يوم التقى الجمعان بالأحزاب
خلقا جميعاً من ترابٍ واحد ... وتلحَّفا موتا بفرد تراب
هذا الفرات العذب ..... من الظما ... ....... لمع سراب
واخطب غداً دار النَّعيم مخلَّداً ... فيها بحب سلالة الخطَّاب
مولى تجلب بالتُّقى دون الورى ... فجعلت عقد ولائه جلبابي
وله الفضيلة بالحجاب لنسوة الـ ... ـمختار حتى ..........
إن كان دأب الملحدين هجاؤه ... فلقد جعلت له المدائح دابي
/١١٤ ب/ ولأصحبن الرَّكب حسن تيحَّة ... تنجو بها عند الصِّراط ركابي
لقباب عثمان الشهيد لأنه ... نورٌ تبرقع عنهم بقباب
قصدوه بالسهم المميت جهالةً ... وتأوَّلوا عنه بغير صواب
جادت أنامله بما ضنّوا به ... حتى دعي بالماجد الوهَّاب
ولقد ذخرت مدائحاً في حيدر ... تنفى الظُّنون بها عن المرتاب
بابٌ لدار العلم يا طوبى لمن ... علقت يداه بحبِّ ذاك الباب
أعطاه ربُّ العرض منه فضيلةً ... قصرت لكتبتها يد الكتَّاب
خطبٌ يخاف الموت من سطواته ... في يوم معتركٍ ويوم خطاب
وله اتصالا نسبه وولادةٍ ... بأعزِّ منتقلٍ من الأصلاب
نسبٌ بمولده العريق وولده ... نسبٌ يفوق به على الأنساب
وبحبهم يرجوا الأديب تخلصاً ... في عصره من سيء كذاب
طالت به أيدي الضَّلال كما بها ... قصرت يد الأزلام والأنصاب
وأنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفى – أيده الله: [من الكامل]
стр. 2017
ربعٌ كسته يد الغمام ربيعا ... ودعا فلبَّاه النَّسيم مطيعا
/١١٥ أ/ وسرت إليه من الجنوب جنائبٌ ... نشَّرن رايات الرِّياض جميعا
وتنفَّست سحراً رباه فعلَّمت ... نشر الربيع وغيره التَّضويعا
وهمت عليه من الجار سحائبٌ ... من كل جوهرة تسحُّ دموعا
ورأى البنفسج ضوء برق خاله ... عضباً بأذيال السَّحاب لموعا
خاف .... بالحسام فصاع من ... قضب الزَّبرجد للقاء دروعا
ومنها في المديح:
ولقد طفقت مسائلاً من بعد ما ... جرِّعت سمَّ الحادثات نقيعا
عن زاخر عذب الورود وشامخٍ ... أضحى عن اللاَّاجي إليه منيعا
أو كعبة للقاصدين فلم أجد ... إلا ابن موهوب لتلك جموعا
ودعاه أهل الرشد لمَّا عاينوا ... شرفاً به .... مريعا
من يشتري طيب الثناء بماله ... وسواه ظل بضدِّ ذاك مبيعا
لله كم ميتٍ ثوى من فاقةٍ ... دهر فأحياه نداه سريعا
وكتب إليه أيضاً: [من المنسرح]
يا شرف الدين إنني رجلٌ ... ما دار في خاطري ولا حسي
أنك يا عدَّتي ويا أملي ... تجعلني كالمقيم في الحبس
/١١٥ ب/ أظلُّ أشكو إليك من نفر ... كل مريدٍ في صورة الإنس
إن عيالي أتوا على أثري ... وأصبحوا في طريقهم عرسي
على دينٌ وليس لي ذهبٌ ... كلاّ ولا قدرتي على فلس
فكان هذا جزاء مدحكم ... أصبح بالذل مثلما أمسى
أو كيف ..... فيمن فضائله ... أشرف شيء يحلُّ في طرس
حرام بختي فلو ضربت به ... بحراً شكا قعره من اليبس
وكتب إليه أيضاً: [من الطويل]
أيا شرف الدِّين المحبب عزّ النَّدى ... فإن النَّدى من جود كفَّيك يستجدي
стр. 2018
وأتيتك أشكو صرف دهرٍ وعيلةً ... وصالهم عندي أمرُّ من الصَّدِّ
كأنَّهم .... في منىً ... عراةٌ بلا إحرام فضلاً عن الوفد
وقد مسَّهم بردٌ شديدٌ وليس لي ... يضمُّهم إلا حصيرٌ من البردي
وقال يمدح عماد الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن محمود بن بلدجي الفقيه الحنفي المدرس /١١٦ أ/ الموصلي: [من الكامل]
لو شام بارق رامةٍ حادي السرى ... ما مال بالعيس الشام وعوَّرا
أو لو تفهَّمت السَّحاب وصوبها ... بندى عماد الدِّين ما مطر الثَّرى
يغني عن المزن البالد بنيله ... وعن الصَّباح بوجهه أن يسفرا
وتكلَّف الشُّعراء فاضل جوده ... شكراً يجل عن الثنا أن يحصرا
متعوِّدُ بذل اللُّهى لعفاته ... قبل السؤال معوِّدي لبس الفرا
فعليه دفع القرِّ عنِّي في الشِّتا ... وعليَّ بثُّ صنيعه بين الورى
وأنشدني في إنسان، يلقب غرس الدين، أصابه سهم: [من الخفيف]
لا تظنُّوا .... بمولاي غرص الـ ... ـدِّين إذ لم يردَّ سهماً تعدَّى
إنما السهم قاصدٌ وهو قد عا ... هد قدماً أن لا يخيِّب قصدا
[٧٨٨]
محمد بن سعيد بن هاشم بن عبد الواحد بن أحمد بن هاشمٍ؛ أبو المعالي بن أبي البركات الأسدي، المعروف بابن الخطيب.
من أبناء الخطباء، وبيت الخطابة /١١٦ ب/ بحلب المحروسة.
كانت ولادته فيما أخبرني من لفظه سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
وهو شاب ذو رواء ومنظر لطيف الشكل، جميل الخلقة، يعاني الكتابة الإنشائية ويتزيّا بزيّ الجند.
رأيته متعلقاً بخدمة الأمير نصرة الدين أبي منصور مروان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بحلب، كاتب إنشاء؛ وربما نظم شيئاً من الشعر
стр. 2019
على سبيل الولع.
أنشدني بنفسه، وكتب لي بخط يده، في النقيب أبي الفتوح المرتضى الحسيني، حين ردّت النقابة إليه، وكان قبل ذلك معزولاً: [من الرجز]
يا سيِّداً في المجد يقتدى به ... ويستفاد العلم من آدابه
ومن هو الظَّاهر في إحسانه ... إليَّ والطَّاهر في أحسابه
هنأك الله بها نقابةً ... تقضي على الحاسد با كتئابه
سيادةٌ عادت إلى معدنها ... وسؤددٌ صار إلى أربابه
تبسَّم الدَّهر لها طلاقةً ... ومال بالعجب على إعجابه
والدَّهر قد أنشد مسروراً بها ... قول امرئ أحسن في خطابه:
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به
[٧٨٩]
محمد بن عليِّ بن حامد بن إبراهيم بن الحسن بن عليٍّ، أبو بكرٍ المعروف بابن الماشطة الإربليُّ.
كانت ولادته بإربل، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه. له شعر صالح في الغزل، والمعاتبة، والمدح، والهجاء، ومعظمه في الألغاز والأحاجي. وكان يتولى بإربل في عهد الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – أعمالاً شتى.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
لحا الله حماماً أرتني صروفها ... بعيني فيها ضدَّ ما أتمنَّاه
أرتني من لا قدرةٌ لي بأن أرى .... ما بين الأنام محيّاه
وأنشدني لنفسه في حكيم يلقب "الشمس ختن الرحبى" وكان طبيباً حاذقاً في صنعته. وكان قد كثر الموت بدمشق: [من الخفيف]
قيل لي زاد في فناء جلِّق المو ... ت فعيشٌ بربعها لا يطيب
قلت هذا لغظ أيوجد ميتٌ ... في فناها والشمس فيها طبيب
стр. 2020
/١١٧ ب/ وأنشدني لنفسه، يهجو طبيباً ذميّاً اسمه معافى كان بدمشق: [من الكامل]
من شاء ينظر في الورى ضد اسمه ... فينظرنَّ إلى معافى يكتفي
طبٌّ إذا عاد المريض تزايدت ... أمراضه وإذا تجنَّبه شفي
[٧٩٠]
محمد بن منير بن البطريق بن منير بن عسكر بن أحمد بن يحيى بن الحسن، أبو بكر بن أبي النجم العجليُّ.
زعم أنه من بني عجل بن لجيم، وكتب نسبه بخط يده. وجدت فيه خللاً، يجب إصلاحه، فلذلك لم أربع فيه شيئاً أكثر من ذلك من أجداده.
وكانت ولادته ومنشؤه بالجزيرة العمرية، وخرج عنها حدثاً، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقدم الموصل، وجعل نفسه سائقاً لصبيان المكتب. وتولّع بالأدب، وقول الشعر، وتردد إلى الشيخ أبي الحرم؛ فقرأ عليه أدباً وشعراً.
ثم اشتغل بالتأديب، وصار معلّماً، ورزقه الله قريحة في القريض؛ فقال منه كثيراً، ثم ترك التعليم، واستأجر دكاناً في الصفارين، فبقي فيها مدة، ثم عاد وفتح حانوتاً /١١٨ أ/ في قيسارية البّز، وصار بزازاً، ومع ذلك لم يترك صنعة الشعر طلباً لحطام الدنيا، وشدّه حرصه عليه، والاستجداء به، والاستماحة والارتزاق؛ فحصل رزقاً صالحاً.
وكان يجمع بين التجارة والاستجداء بالشعر للملوك والأمراء والصدور والوزراء، ونفقت سوقه، ومشت أحواله.
стр. 2021
وهو شاعر يضرب في الأرض ببنات أفكاره، ويركب آماله إلى إدراك أوطاره، أشعر من ذلك في وقته، ذو قدرة على إنشاء الكلام ونحته؛ حسن الشعر صنعة، تنقاد له القوافي الشرّد وتطيعه. وكان كثيراً ما يصف أشعاره إذا أنشدها، ويطرب لها إذا أوردها، متفنن في أنواع القريض وضروبه، لم يجر أحد معه من الشعراء في أسلوبه، يفوقهم في قوله لفظاً ومعنىً، ويبر عليهم فصاحة وحسناً.
وكان رجلاً قد طبعت طبيعته على الأخذ، وجبلت طينته على الشحذ، من أشرس الناس خلقاً، وأدناهم نفساً، سيء العشرة، ضيق العطن، كثير اللجاج، وكانت طباعه فيها جفاءٌ، وأخلاقه فيها شراسة.
ثم تاب عن قول الشعر، والاستجداء به، وحجّ إلى بيت الله الحرام، سنة ثلاثين وستمائة /١١٨ ب/ قصد زيارة النبي ﷺ ونظم قصيدة في النبي ﵇، وتوقف عالم عظيم لسماعها. ثم قال بعد أن فرغ من إنشادها على قبره ﷺ وذلك في أوائل المحرم من سنة إحدى وثلاثين: يا رسول الله! لكل ضيف قرى، ولكل مادح ثواب، ولكل قاصد حرمة. وقد قصدتك، ومدحتك ووصفتك؛ فأسألك أن يكون قراي شفاعتك على الله الجنة والمغفرة وبعدها لم يسترفد بالشعر.
ثم قدم الموصل فمكث بها قليلاً، وخرج منها في تجارة متوجهاً إلى بلاد الشام، فطلع عليه التتر الملاعين، فاستأصلوا ما كان يملكه، ثم رجع إلى سنجار، فأنعم عليه كمال الدين بن مهاجر بفروة، كانت على جسمه، ورحل إلى حلب، فنزل في بعض مدارسها مرتزقاً جامكية تصل إليه، وأدّب جماعة من أولاد أمرائها.
ثم عنّ له السفر إلى دمشق، فسكنها، وكتب بها الشروط، ومات بها في أواخر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وست مائة في المدرسة العادلية.
ولو حلفت بالله تعالى، إنني سمعت ديوانه من لفظه، إلاَّ القليل منه لم أكن حانثاً في يميني، لكثرة ما كان /١١٩ أ/ ينشدني فكان قد استعرت منه ديوان شعره، فعلقت منه ما يصلح إثباته في الكتاب من المقطعات. وأنشدته ثم طلبه بعد ذلك، فأعطيته إياه، فلما طلبته ما طلني به، وسافر إلى دمشق، ولم يعده إليّ، فبقي عندي الشيء اليسير من شعره، فأثبته ورحل إلى دمشق، فما عدت رأيته بعد ذلك. وكان إذا أنشد
стр. 2022
شعره يتعجب، ويكثر التعجب، لكثرة ما كنت أستنشده من أشعاره ويبالغ في وصف شعره غاية المبالغة، ويمدح.
وكانت ولادته تخميناً سنة خمس أو ست وسبعين وخمسمائة، فاستوفى إحدى وستين سنة. فمن شعره: [من الوافر]
بزاهر آس خدِّك بالشَّقيق ... ودائر كأس ثغرك بالرَّحيق
عميد هوى قضيت عليه عمداً ... يهزُّ قضيب بانتك بالرَّشيق
نأيت مع الغريق فبان شوقاً ... يغرِّق نفسه إثر الغريق
ورجَّح بالأغاني في المغاني ... وبكَّى بالعقيق كالعقيق
وطاف على الرُّقاد عساه يحظى ... بزور زيارة الطَّيف الطَّروق
فصلت عليك بظهر سرجي ... ولست لشرط ذلك بالمطيق
لأن جليل ما بي منك يبدو ... بمرأى ذلك الفرق الدقيق
/١١٩ ب/ وأنشدني لنفسه، يهجو ابن صباح الشاعر: [من المنسرح]
يا ابن صباح وتلك عنزٌ ... تدور حول القمدِّ دورا
كان قياساً لو جئت جديّاً ... بل كنت بغلاً فجئت ثورا
وقال أيضاً فيه يهجوه: [من مخلّع البسيط]
قالوا: رأينا فتى صباحٍ ... يمشي وفي رأسه قرون!
فقلت: كفُّوا، فتلك عنزٌ ... ونصلها هكذا يكون
وقال في فخر الدين عثمان – مقدم الدولة السلطانية بمصر -: [من الطويل]
أعثمان مت قتلاً بسيف محمدٍ ... وتحقيق هذا أنه ابن أبي بكر
مدحناك لا نرجو نداك وإنما ... حجىً لامرئ يرجو ندىً من صفا صخر
ولكن تصدَّقنا عليك بشكرنا ... لأن بك الفقر المكبَّ إلى الشكر
стр. 2023
وكنَّا سمعنا المال تعطى زكاته ... بمصرٍ فأعطينا الزكاة على الشِّعر
وأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين، وعضد الإسلام /١٢٠ أ/ والمسلمين، تاج الملوك شرف السلاطين، قامع الكفرة والمتمردين، أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين – أسعد الله جدّه، وقصم عدوه وضدّه، بمحمد وآله الطاهرين -: [من الطويل]
قليلٌ على إثر الحبيب المودِّع ... إذا كان من قاني دمي سيل أدمعي
رأى جزعي يوم الفراق فلامني ... خليلي ومن يعرض له البين يجزع
وليس بصبٍّ من نأى عنه حبُّه ... إذا فرَّ وآوى اللبيب لمضجع
وإني للمفجوع بالبين بغتةً ... وإن لم أزل أحيا بقلب مفجَّع
ولي في حمول الظّعن ريمٌ إذا نأى ... أقام هواه من فؤادي بمرتع
يذاد الكرى عن مقلتي بعد بعده ... فيرجع قلبي للحنين المرجَّع
ويلويه فرط الوجد في كل ما لوى ... فأجرع سيل الدَّمع في كل أجرع
ولائمةٍ تلحى وتعلم أنني ... أمينٌ النُّهى لا يدخل العذل مسمعي
ترغِّبني في الاغتراب لعلَّها ... تمتَّع من كسبي بوفر مجمَّع
فقلت لها واستعجلتها أمينة ... تخبِّر عن قلبٍ من الدهر موجع
/١٢٠ ب/ إليك فما عقلي لمثلك لعبةٌ ... وغير [ي] بدمع العين والشَّجو فاخدعي
أرى بائعاً من ماء وجهي وشارباً ... رضاك بوصف السائل المتضرِّع
قنعت فنلت العزَّ من غير مانعٍ ... ومن يطلب العزَّ الممنَّع يقنع
وإني حلبت أشطر الدهر يافعاً ... وأصبحت شرَّاباً عليه بأنقع
ولست بسال النَّوال سوى فتىً ... يفوت سؤال جوده وتضرُّعي
سأصنع خير الشِّعر في كل ساعةٍ ... لوصف صنيف منه غير مصنَّع
لبدرٍ يرى في كل وقت مكمّلاً ... إذ البدر بدر بعد عشرٍ وأربع
فتى سفرت بين اسمه غرَّة العلا ... وأفعاله الحسنى بتاجٍ مرصَّع
طويل نجاد السيف للخطب والندى ... محل قرى منه بباعٍ موسَّع
فتى شاع ذكراً في السَّماحة والوغى ... بجود يدٍ تهمي وقلبٍ مشيَّع
إذا أورد الأمر المهرول لم يفت ... بديهة عزمٍ منه لم تنبع
стр. 2024
يقضِّي أقاضي ليلة غير هاجعٍ ... لينظر في أحوال قاصين هجَّع
عليمٌ بخافي السِّر حتى تخاله ... تطلعه جهراً ولم يتطلَّع
حليمٌ إذا ما الطِّيش زعزع يذبلاً ... أطاف بطود منه لم يتزعزع
تقاصر أعناق الكرام إذا بدا ... لهم عن مهيب أريحيٍّ سميدع
/١٢١ أ/ يراعون فكر في الندى ساعة الندى ... لندب بديهيِّ السَّماحة أروع
لقد منيت منه الخطوب بباسلٍ ... شجاعٍ متى يبرز له الخطب يصرع
يخوض الوغى فرداً بوجه كأنه ... سنى قمر في رأس ليث مقنَّع
يحاذر يلقى الذَّمِّ إلا مدرَّعاً ... وقد يرد الهيجاء غير مدرَّع
بصير بصيد القرن غير مخادعٍ ... خبيرٍ بوضع السَّيف في كل أخدع
مليك قلى أحوال أملاك عصره ... فردَّ لنا أيام كسرى وتبَّع
ملوكٌ تفدَّى كفُّهم بأكفِّهم ... وما هامهم منها فداءٌ لإصبع
حوى قصبات السَّبق في الفصل دونهم ... ...... على أعقاب حسرى وظلَّع
ملوكٌ رأوا الدينار رباً فأجمعوا على سجَّد منهم لديه وركَّع
أضاعوا حدود الله فاعتصموا الورى ... وولُّوا عليهم كل ..... مجدَّع
حووا صدقات الناس قسراً وزاحموا ... عليها وصدُّوا دونها كل مدقع
وكفَّوا عن الميراث كل يتيمة ... وعمُّوا بظلم منهم كل مرضع
لك الله! يا معطي الرَّغائب دونهم ... ومن دونه المظلوم غير مدفَّع
فعش أبداً واستخدم القهر مالكاً ... متى تدعه يسمع مجيباً ويسرع
ولا زالت الأعياد ترهى أهلةً ... بنور هلال بين عينيك مطلع
/١٢١ ب/ تملَّ العلا واستجل منها غريبةً ... تغور بصافي الورد في كل مشرع
لها نسبٌ مني عريق نجاره ... إذا الشِّعر أخزى نسبةً كل مدَّعي
وإني كثير العجب من كل ناقص ... يزاحم أهل الفضل في كل مجمع
يرى بارزاً فيهم بشعر مبرقعٍ ... ووجه بالاستحياء غير مبرقع
يسابق حظِّي جهله فيفوته ... فليس يرى بعدي بجاء ولا معي
إذا كنت في فضلي عليه مقدَّماً ... فما حزني إن أخَّر الحظُّ موضعي
وما كان مثلي في جنابك مائلاً ... به الشعراء في المكان المرفَّع
стр. 2025
وغير جهول منبر الحمد أنني ... أجلُّ خطيبٍ في معالكي مصقع
وحاشى نداك الفائض الغمر أن يرى ... وفي قسمه مثلي بحظٍ مضيَّع
وقال أيضاً، يمدحه – خلّد الله سلطانه -: [من الطويل]
نفديك بالآباء يا من صفاته ... تشابه معنىً لاسمه وتشاكل
وننظمها في الشعر علماً بأنَّها ... عقودٌ لأعناق ........ ومراسل
إليك تشكَّى أن تصير أواخراً ... حساني وهنَّ السَّابقات الأوائل
فضائل يحبوها أبوها بصدِّه ... ويصرفها عن حقِّها وهو عادل
/١٢٢ أ/ وليس بعدل موحشاتٌ نوافرٌ ... تؤخَّر عنها آنساتٌ أواهل
عواطل يكسوها حلّياً بسمعه ... وأثنى ومنه حالياتي عواطل
وهنَّ الجواري المنشآت وإن يكن ... لأعلامها بحرٌ فإنَّك ساحل
وقال أيضاً، على طرز ابن الحجاج في الخلاعة والسُّخف: [من المجتث]
قد جاءنا رمضان ... وقد مضى شعبان
وقد علت نار قلبي ... وما ببيتي دخان
وقد مضى لمغيبي ... عن عيبتي إحسان
بان الكرى عن جفوني ... لمّا عن العين إحسان
كأنه من عيالي ... إذ كان لي حيث كانوا
عقلي بأمِّ عيالي ... مدلَّةُ ولهان
وهي التي قتلتني ... بالشَّوق لا الولدان
أيرى طوال الليالي ... كناظرٍ يقظان
يراقب الشخص منه ... كأنَّه ديدبان
/١٢٢ ب/ لا يرتضي بسواها ... فدهره غضبان
كأنَّما عنده من ... عهودها أيمان
стр. 2026
أروى قدوداً تثَّنى ... كأنَّها أغصان
فتلك جنَّة عدن ... وهنَّ حورٌ حسان
إذا حواهنَّ يوماً ... لنرزهة بستان
تبسمت عن ثغور ... كأنَّها الأقحوان
ينفرن منِّي وعنديّ ... من الصِّبا عنفوان
يرين شخصي لفقري ... كأنه شيطان
فإن أشارت إليهـ ... ـنَّ من يميني بنان
صدفن عنها كأنَّ الإ ... عدام فيها سنان
يا رب .... سؤلها ... ..... الخلافة شان
مازحتها فأجابت: ... تنحَّ يا صفعان
مانيك مثلي إذا ما ... مجنت بي مجَّان
فليس ينفق عندي ... من رأسك الهذيان
فقلت ... عندي من فطنتي ....
/١٢٣ أ/ ومن مصاغ القريض الرَّ ... قيق لي ديوان
فقالت: أقصد بلالاً ... بالشِّعر يا غيلان
وأم أكرة رأسي ... من رجلها الصَّولجان
فقمت أقصد ربعاً ... فيه المنى والأمان
فصانني من أذاها ... فعرض مثلي يصان
[٧٩١]
محمد بن محمود بن المبارك بن جبريل، المؤدّب الإبربليُّ.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أصدقائه، يشفع له، أن يوصل قصيدةً، نظمها في الصاحب شرف الدين أبي البركات، إليه: [من المنسرح]
يا أيها السيد الكمال ومن ... جود أياديه يخجل المطرا
ومن يظل اليراع مفتخراً ... به على غيره إذا سطرا
إني أرجيك أن توصِّل لي ... قصيدةً قد نظمتها دررا
стр. 2027
في شرف الدَّين والعلاء ومن ... نواله للعفاة قد غمرا
واسلم ودم لا برحت في نعمٍ ... ما جنَّ جنح الظَّلام واعتكرا
[٧٩٢]
محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عليِّ / ١٢٣ ب/ بن موهوب بن إسماعيل، المعروف بابن زبيدة أبو بكرٍ الجزريُّ القيسي الواعظ الفقيه الشافعيُّ المدرّس.
عالم فاضل، متفنن مناظر أصولي.
أخبرني؛ أنه ولد في ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، بالجزيرة العمرية، وانتقل إلى الموصل، وهو بها مقيم.
أنشدني لنفسه: [من مخلَّع البسيط]
يحسدني كلُّ من رآني ... اركب في موكب الأمير
وليس يدري بأنَّ بغلي ... يبيت شهرًا بلا شعير
[٧٩٣]
محمَّد بن أحمد بن عبد الصّمد بن بدران بن حامد بن حمدان بن عليٍّ الغيداويُّ السّلميُّ البوازيجيُّ، أبو أحمد.
شيخ أسمر اللون، ربعة من الرجال، من أهل البوازيج.
لقيته بمدينة إربل، يوم الاثنين العشرين من شعبان من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، بدار حديثها المظفرية؛ ذكر أنه حفظ كتاب الله تعالى وأقام بنظامية بغداد اثني عشر عامًا، يتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ = /١٢٤ أ/ ويقول أشعارًا سخيفة، وربّما وقع له فيها أبيات لا بأس بها.
стр. 2028
وأخبرني، أنه ولد بالبوازيج ثالث عشر رجب سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
وزهَّدني في صحبة النَّاس خائن ... قليل الحياجم الخنا والمعائب
يعرِّض عرضي للِّئام سفاهًة ... ويوقعني من جهله في المعاطب
ويؤيسني من كلِّ حرٍّ طلبته ... ويطمعني في نيل أحمق كاذب
دعوني أروض النفَّس في ذمِّ معشر ... هم اللُّؤم محض مذ غدو بالمثالب
فما علقت كفِّي بخلٍّ يسرُّني ... مباديه إلاَّ ساءني في العواقب
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
مولاي لا تتعبن قلبي بهجرك لي ... فالهجر يظهر ما يخفى على النَّاس
والصدُّ مرُّ وشكواى أمرُّ إلى ... من لا يرقُّ لذلٍّ قلبه القاسي
وأنشدني لنفسه، صدر كتاب: [من الكامل]
وافى كتابك فابتهجت له ... وشكرت ما أوليت من نعم
وطفقت الثم عند رؤيته ... شوقًا إليك مواقع القلم
وأنشدني لنفسه، يهجو جماعة /١٢٤ ب/ ببغداد، إذ شرعوا في أذاه، وذكر أنَّهم كانوا يتعاشرون، وصدر منهم أشياء لا تليق في حقّه، منهم: ابن الأبله الشاعر، وابن ورد كاتب السلّة، وابن البيّع، والزهري المحدّث: [من السريع]
قل لفتى البيّع ما هكذا ... أوصاك لمَّا درج الوالد
أن تعشق المرد ولا ينتهي ... عن الخنا شيطانك المارد
إن دمت يا ثكل أبيه كذا ... سيذهب الطَّارف والتَّالد
ولابن ورد خبر مطرف ... يعلمه الغائب والشَّارد
فيه من الوصلة ما إنَّه ... يطيعه الشَّارد والوارد
ونحوه كيف تأمَّلته ... ونجوه بين الورى واحد
والحجَّة المغرور كنز البغا ... فقد دهانا شعره البارد
стр. 2029
ثلاثة رابعهم كلبهم ... قد لعن السَّائق والقائد
[٧٩٤]
محمَّد بن الحسن بن جامع بن عليِّ بن أبي كامل /١٢٥ أ/ بن أبي طالبٍ، أبو عبد الله الإربلي.
وقد سبق شعر عمّه أبي الفضل الياس بن جامع – في الجزء الأول من الكتاب -.
وأبو عبد الله رجل حافظ للقرآن العزيز، ضعيف العينين، نزل في عارضيه البياض.
رأيته بمدينة إربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته، فلم يتحققها، غير أنه قال: لي الآن خمسون سنة. وكان سؤالي له في التاريخ الذي مرِّ ذكره.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – رحمه الله تعالى-: [من الطويل]
شكوت الَّذي لاقيت من نوب الدَّهر ... وما نالني بعد الثَّراء من الفقر
إلى بعض إخواني الَّذين أودُّهم ... كشفت له حالي وأظهرته سرِّي
فجاوبني جذلان من غير غمَّة ... لك الخير بارد .... الصَّدر
إلى شرف الدِّين الوزير فإنَّه ... قدير على إصراف عسرك باليسر
أبي البركات الأريحي الَّذي سما ... بمعروفه قدرًا على الأنجم الزُّهر
هو الصَّاحب المغرى بتفريق ماله ... على الطَّارق الملهوف في السر والجهر
جواد إذا ضنَّ الغمام بقطره ... فجود ندى كفَّيه يغني عن القطر
وزير فريد بالعفاف وبالتقى ... وبالحلم والعلم الغزير وبالبر
/١٢٥ ب/ له همَّة فوق الثُّريَّا يحلُّها ... وآراؤه أمضى من البيض والسُّمر
стр. 2030
[٧٩٥]
محمَّد بن بدر بن الحسين بن مقبل بن السمين، أبو الفرج بن أبي النجم الليليُّ البصريُّ.
من أبناء المتصرّفين، ومن بيت رئاسة.
ذكر لي، أنه ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، بقرية تدعى قرية فاطمة، وهي في مستغرق أجم ومياه، فوق قرية تسمى الشُّرطة من أعمال واسط. ونشأ بالعقر، قرية بنواحي البصرة.
شاهدته بإربل رجلاً قد وخطه الشيب، طويلاً، أزرق العينين، عبل البدن، في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، يتولى التصرف في نواحي الخاص. وسألته على من اشتغل؟ زعم أنه لم يشتغل بشيء من العلوم، وإذا أنشد قلَّ أن يلحن في إنشاده؛ ومما أنشدني لنفسه ما كتبه إلى مخدومه وهو إذ ذاك زعيم البصرة: [من البسيط]
لم يبق شأنك في عيني لذي خطر ... شأنًا ولا رفعًة تسمو لمرتفع
من أين للنَّجم نور البدر حين بدًا ... وللوحوش جميعًا هيبة السَّبع
/١٢٦ أ/ فكلُّ من يدَّعي العلياء غيرك في ... لبس ومن يتبنَّى المجد فهو دعي
فاسلم على رغم من يشناك في دعة ... من الحوادث يا ذا الحلم والورع
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض الصدور، وقد انقطع عنه، فبلغه عنه عتب:
[من البسيط]
إن غبت عنك فإنِّي بالدُّعا لهج ... وبالثناء على علياك معكوف
وإن حضرت فما أزداد تبصرًة ... لأنَّ قلبي إلى تلقاك مصروف
ألفت حبَّك إذ أوليتني نعمًا ... كثرًا ومن ولي الإحسان مألوف
وأنشدني لنفسه إلى بعض أصدقائه: [من البسيط]
لئن كفرت أياديك الجسام وما ... أوليتنيه من الإحسان والنِّعم
стр. 2031
فلا جرى لي في طرس العلا قلم ... ولا سعت لي إلى كسب الثَّنا قدمي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
يا مليح الصُّدود يا حسن الإعـ ... ـراض والهجر يا جميل التَّثنِّي
كم أعاني الغرام فيك وكم أحـ ... ـمل عبء الهوى بضعف ووهن
أترى السُّقم ما اشتفى من نحو لي ... والجفاء الممض ما نال منِّي
وأنشدني له، وكتب بها إلى بعض الأمراء جوابًا: [من الطويل]
/١٢٦ ب/ ومن أين لي عمر يقوم بمدح ما ... تعهَّدتني فيه من الطَّول والبرِّ
ولو كان عمري عمر نوحٍ لضاق بي ... وقصَّر عن شكري صنائعك الغرِّ
فحسبي من نعماك ما قد منحتني ... وحسبك منِّي ما يضوع وما يسري
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أقاربه جوابًا عن شيء كاتبه به، وعاتبه عليه:
[من الكامل]
شرخ الشَّباب مضى وريعان الصِّبا ... ولَّى وما ظفرت يداي بطائل
والغانيات صددن حيث رأينني ... غرض الحوادث والزَّمان المائل
والأقربون تفرَّقت آراؤهم ... عنِّي وصدَّ معاشري ومواصلي
فعلام أجزع للخطوب وصرفها ... ولأيِّما حالٍ تهيج بلابلي
وأنشدني أيضًا لنفسه، ما كتبه إلى بعض أودائه، وقد سأله أمرًا في ضمن توليةٍ تقدّمت له في حقّه إلى بعض الصدور: [من الطويل]
صرفت هواي عنك حيث قذفتني ... إلى لجَّة التَّيار والأسد الورد
وقابلت مدحي والثناء بضدِّه ... وجازيت ودِّي بالجفاء وبالصَّدِّ
وألفيت عنِّي غير ما أنا فاعل ... ولم ترع لي حقَّ الولاء ولا الودِّ
/١٢٧ أ/ وما كنت لولا فرط حبِّيك عاجزًا ... عن القول والعذر المبيِّن والرَّدِّ
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه: [من المديد]
يا جلاء العين إن مرهت ... ودواء القلب إن مرضا
стр. 2032
ما الِّذي أثنى هواك ومن ... لو كيد العهد قد نقضا
أدلال منك يا سكني ... أم جفاء فيك قد عرضا
أم صدود قد ثناك وما ... خلت حبل الودِّ منقرضا
لم ألم دهري على مضض ... كلَّه ما زال لي مضضا
كم سقاني من حوادثه ... غصصًا مأهولًة جرضا
فابق في شهر الصِّيام ودم ... واقضه .... ومفترضا
بسعود دائم وعلاء ... ومجد بالمنى نهضا
ثمَّ عش لي ما بدا فلق ... بحواشي الجوِّ معترضا
[٧٩٦]
محمَّد بن عبد الله بن عمر بن سعد بن العجليِّ الموصليّ.
سألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثماني وستمائة في ذي القعدة بالموصل.
أنشدنا /١٢٧ ب/ لنفسه: [من الكامل]
وافى يهزّ قوامه سكر الصِّبا ... كالغصن إذ مرَّت به سحرًا الصِّبا
فالنَّمل عارض لقلبي فاطر ... والنور مبسمه وحاجبه سبا
وأنشدنا أيضًا لنفسه: [من الكامل]
أفديه من قمر فتنت بحسنه ... ولقد أبى أن يعرف الإحسانا
فجننت حتَّى صادني في حبِّه ... ممَّا لقيت من الهوى سرطانا
وأنشدنا أيضًا له: [من الرجز]
أمير حسن رمحه قوامه ... وطرفه يغني عن البواتر
وخدُّه وصدغه وطرفه ... عن عاملٍ ومشرفٍ وناظر
стр. 2033
[٧٩٧]
محمَّد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشمٍ، أبو عبد الرحمن بن أبي طاهر الأسديُّ الحلبيُّ الخطيب.
من بيت خطابة وعلم. وكان والده [انتهت] إليه خطابة المسجد الجامع بحلب.
وتولّى أبو عبد الرحمن مكانه في الخطابة، والصلوات الخمس. شاهدت الخطيب هذا بمدينة حلب، بمسجدها الجامع ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في رجب سنة ستين وخمسمائة.
وتوفي بحلب عصر يوم الاثنين السادس من ربيع الأول /١٢٨ ب/ [ودفن] في يوم الثلاثاء بمقبرة الجبيل، شمال البلد – رحمه الله تعالى، وتغمده برحمته ورضوانه – في سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وهو من عدولها المتميزين؛ شيخ حسن فاضل، دمث الأخلاق، حافظ للقرآن الكريم. ذكر لي أنه سمع جملة من الحديث النبوي. روى عن والده وغيره، واستجزته فأجازني جميع مروياته، وله أشعار، أنشدني منها من الملك الظاهر غياث الدين
стр. 2034
غازي بن يوسف، صاحب حلب – رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
حيَّت سليمى فاحيت مغرمًا دنفا ... ثمَّ استقلَّت فأفنت قلبه أسفا
وغادرته غريمًا للغرام بها ... وعوَّصته صدودًا زائدًا وجفا
ها قد وهى صبره يا ظاعنين وقد ... أمسى لنا بكم بالسُّقم ملتحفا
وانهلَّ من وابل الأجفان زاخره ... شوقًا إليكم خبايا دمعه نزفا
أحبابنا بان صبري يوم بينكم ... لهفًا على طيب عيش لي بكم سلفا
لله أيَّامنا والشَّمل مشتمل ... وحادث الدَّهر عنَّا صرفه صرفا
يا آمري الصَّبر إنِّي بعد بعدهم ... والله استعذب التعذيب والتَّلفا
ويا مكلِّفي السُّلوان حسبك بي ... يكفيك ما حلَّ بي من فقدهم وكفى
/١٢٩ أ/ وحقِّ سالف عيش مرَّ لي بهم ... ما لذَّ عيش ولا ورد الحياة صفا
يا قاتل الله يوم البين كم كبد ... ذابت وكم مدمع فيه دمًا ذرفا
دعني بوجدي على فقد الفريق وإن ... أعيى وبرَّح بي التبريح واعتسفا
يا صاح يا صاح من وجدي ومن حرقي ... وكنه حال على التحقيق ما عرفا
هذي منازل من أهوى فدع عذلي ... لا عذر إن لم أمت في رسمها شعفا
داء لقلب المعنَّى الصَّبِّ ليس له ... سوى مديح غياث الدِّين قطُّ ...
يعطي رغائب آمال إليه سرت ... غرائب الجود حتَّى يوهم السرفا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الهزج]
بنفسي معرض عنَّا ... وكم من عاشق غنَّى
ولم يعطف على صبٍّ ... صبا شوقًا ولا عنَّا
أأحبابي لئن غبتم ... فقلببي لكم مغنى
فلا أبصرت أحلى منـ ... ـكم لفظًا ولا معنى
فكم يبكي معنَّا كم ... إذا ما ليله جنَّا
ويبدي فرط وجد من ... رآه قال: قد جنَّا
يناديكم بناديكم ... وإن واش وشى كنَّى
/١٢٩ ب/ ترى يجتمع الشَّمل ... بمن يهوى كما كنَّا
وأنشدني أيضَا لنفسه في غلام اسمه لؤلؤ: [من الرمل]
стр. 2035
يا لقومي من غريرٍ ... جعل الإعراض ثغره
بدر تمٍّ فوق غصنٍ ... إسمه يشبه ثغره
следующие страницы →