Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
فلا جرى لي في طرس العلا قلم ... ولا سعت لي إلى كسب الثَّنا قدمي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
يا مليح الصُّدود يا حسن الإعـ ... ـراض والهجر يا جميل التَّثنِّي
كم أعاني الغرام فيك وكم أحـ ... ـمل عبء الهوى بضعف ووهن
أترى السُّقم ما اشتفى من نحو لي ... والجفاء الممض ما نال منِّي
وأنشدني له، وكتب بها إلى بعض الأمراء جوابًا: [من الطويل]
/١٢٦ ب/ ومن أين لي عمر يقوم بمدح ما ... تعهَّدتني فيه من الطَّول والبرِّ
ولو كان عمري عمر نوحٍ لضاق بي ... وقصَّر عن شكري صنائعك الغرِّ
فحسبي من نعماك ما قد منحتني ... وحسبك منِّي ما يضوع وما يسري
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أقاربه جوابًا عن شيء كاتبه به، وعاتبه عليه:
[من الكامل]
شرخ الشَّباب مضى وريعان الصِّبا ... ولَّى وما ظفرت يداي بطائل
والغانيات صددن حيث رأينني ... غرض الحوادث والزَّمان المائل
والأقربون تفرَّقت آراؤهم ... عنِّي وصدَّ معاشري ومواصلي
فعلام أجزع للخطوب وصرفها ... ولأيِّما حالٍ تهيج بلابلي
وأنشدني أيضًا لنفسه، ما كتبه إلى بعض أودائه، وقد سأله أمرًا في ضمن توليةٍ تقدّمت له في حقّه إلى بعض الصدور: [من الطويل]
صرفت هواي عنك حيث قذفتني ... إلى لجَّة التَّيار والأسد الورد
وقابلت مدحي والثناء بضدِّه ... وجازيت ودِّي بالجفاء وبالصَّدِّ
وألفيت عنِّي غير ما أنا فاعل ... ولم ترع لي حقَّ الولاء ولا الودِّ
/١٢٧ أ/ وما كنت لولا فرط حبِّيك عاجزًا ... عن القول والعذر المبيِّن والرَّدِّ
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه: [من المديد]
يا جلاء العين إن مرهت ... ودواء القلب إن مرضا
стр. 2032
ما الِّذي أثنى هواك ومن ... لو كيد العهد قد نقضا
أدلال منك يا سكني ... أم جفاء فيك قد عرضا
أم صدود قد ثناك وما ... خلت حبل الودِّ منقرضا
لم ألم دهري على مضض ... كلَّه ما زال لي مضضا
كم سقاني من حوادثه ... غصصًا مأهولًة جرضا
فابق في شهر الصِّيام ودم ... واقضه .... ومفترضا
بسعود دائم وعلاء ... ومجد بالمنى نهضا
ثمَّ عش لي ما بدا فلق ... بحواشي الجوِّ معترضا
[٧٩٦]
محمَّد بن عبد الله بن عمر بن سعد بن العجليِّ الموصليّ.
سألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثماني وستمائة في ذي القعدة بالموصل.
أنشدنا /١٢٧ ب/ لنفسه: [من الكامل]
وافى يهزّ قوامه سكر الصِّبا ... كالغصن إذ مرَّت به سحرًا الصِّبا
فالنَّمل عارض لقلبي فاطر ... والنور مبسمه وحاجبه سبا
وأنشدنا أيضًا لنفسه: [من الكامل]
أفديه من قمر فتنت بحسنه ... ولقد أبى أن يعرف الإحسانا
فجننت حتَّى صادني في حبِّه ... ممَّا لقيت من الهوى سرطانا
وأنشدنا أيضًا له: [من الرجز]
أمير حسن رمحه قوامه ... وطرفه يغني عن البواتر
وخدُّه وصدغه وطرفه ... عن عاملٍ ومشرفٍ وناظر
стр. 2033
[٧٩٧]
محمَّد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشمٍ، أبو عبد الرحمن بن أبي طاهر الأسديُّ الحلبيُّ الخطيب.
من بيت خطابة وعلم. وكان والده [انتهت] إليه خطابة المسجد الجامع بحلب.
وتولّى أبو عبد الرحمن مكانه في الخطابة، والصلوات الخمس. شاهدت الخطيب هذا بمدينة حلب، بمسجدها الجامع ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في رجب سنة ستين وخمسمائة.
وتوفي بحلب عصر يوم الاثنين السادس من ربيع الأول /١٢٨ ب/ [ودفن] في يوم الثلاثاء بمقبرة الجبيل، شمال البلد – رحمه الله تعالى، وتغمده برحمته ورضوانه – في سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وهو من عدولها المتميزين؛ شيخ حسن فاضل، دمث الأخلاق، حافظ للقرآن الكريم. ذكر لي أنه سمع جملة من الحديث النبوي. روى عن والده وغيره، واستجزته فأجازني جميع مروياته، وله أشعار، أنشدني منها من الملك الظاهر غياث الدين
стр. 2034
غازي بن يوسف، صاحب حلب – رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
حيَّت سليمى فاحيت مغرمًا دنفا ... ثمَّ استقلَّت فأفنت قلبه أسفا
وغادرته غريمًا للغرام بها ... وعوَّصته صدودًا زائدًا وجفا
ها قد وهى صبره يا ظاعنين وقد ... أمسى لنا بكم بالسُّقم ملتحفا
وانهلَّ من وابل الأجفان زاخره ... شوقًا إليكم خبايا دمعه نزفا
أحبابنا بان صبري يوم بينكم ... لهفًا على طيب عيش لي بكم سلفا
لله أيَّامنا والشَّمل مشتمل ... وحادث الدَّهر عنَّا صرفه صرفا
يا آمري الصَّبر إنِّي بعد بعدهم ... والله استعذب التعذيب والتَّلفا
ويا مكلِّفي السُّلوان حسبك بي ... يكفيك ما حلَّ بي من فقدهم وكفى
/١٢٩ أ/ وحقِّ سالف عيش مرَّ لي بهم ... ما لذَّ عيش ولا ورد الحياة صفا
يا قاتل الله يوم البين كم كبد ... ذابت وكم مدمع فيه دمًا ذرفا
دعني بوجدي على فقد الفريق وإن ... أعيى وبرَّح بي التبريح واعتسفا
يا صاح يا صاح من وجدي ومن حرقي ... وكنه حال على التحقيق ما عرفا
هذي منازل من أهوى فدع عذلي ... لا عذر إن لم أمت في رسمها شعفا
داء لقلب المعنَّى الصَّبِّ ليس له ... سوى مديح غياث الدِّين قطُّ ...
يعطي رغائب آمال إليه سرت ... غرائب الجود حتَّى يوهم السرفا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الهزج]
بنفسي معرض عنَّا ... وكم من عاشق غنَّى
ولم يعطف على صبٍّ ... صبا شوقًا ولا عنَّا
أأحبابي لئن غبتم ... فقلببي لكم مغنى
فلا أبصرت أحلى منـ ... ـكم لفظًا ولا معنى
فكم يبكي معنَّا كم ... إذا ما ليله جنَّا
ويبدي فرط وجد من ... رآه قال: قد جنَّا
يناديكم بناديكم ... وإن واش وشى كنَّى
/١٢٩ ب/ ترى يجتمع الشَّمل ... بمن يهوى كما كنَّا
وأنشدني أيضَا لنفسه في غلام اسمه لؤلؤ: [من الرمل]
стр. 2035
يا لقومي من غريرٍ ... جعل الإعراض ثغره
بدر تمٍّ فوق غصنٍ ... إسمه يشبه ثغره
стр. 2036
[٧٩٨]
محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن علوان بن أبي بكرٍ، المعروف والده بالأستاذ، أبو المكارم الأسديُّ الحلبيُّ.
هو ابن عم القاضي زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي، قاضي حلب.
أبو المكارم فقيه شافعي المذهب، مترسل مدرس، يدرس الفقه بالمدرسة الأسدية، ثم أضيف إليه النظر في التركات الحشرية. وهو رجل فاضل عالم بالعربية والأدب، شاعر مجيد، حسن الشعر، مليح الكلام في نظمه ونثره، جليل القدر.
لقيته بحلب يوم السبت خامس رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة، وأخبرني أنَّه ولد يوم السبت خامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وأنشدني لنفسه يمدح القاضي أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، /١٣١ أ/ ويهنِّيه بولاية القضاء مدينة حلب. وكتب بالولاية منشور، ولاّه ذلك الملك ... غياث الدين محمد بن غازي – رحمه الله تعالى – واتفق يوم ذلك .... ثلج كثير، وأعقبه غيث متدفق، فقال: [من الكامل]
يا حاكم الدّنيا وواحد عصره ... دم للزمان فأنت مالك أمره
أيَّام مجدك كلُّها أعياده ... وكذا لياليه ليالي قدره
لحظات عدلك لا يقوم بشكرها ... نظم الشَّكور ونظمه في عمره
ألبست أكرم ملبسٍ لكنَّه ... بك عاد يرفل في ملابس فخره
стр. 2037
ثوب حكى الفلك المسخَّر لونه ... وحكت ضياءك فيه طلعة بدره
وأتاك تقليد القضاء .... بعقود .... لا هيًا عن درِّه
وركبت مركوبًا تودُّ الرِّيح لو ... كانت تنوب بمرِّها عن مرِّه
وطلبت للتدريس في مغنًى شكا ... ظلمًا عرته فكنت غرَّة فجره
اليوم عاد أبو المحاسن حاكم الـ ... ـحكام غير مروَّع في قبره
وغدت عيون الحكم وهي قريرة ... والدَّست وهو مسلَّم من ذعره
أكرم يذا اليوم الَّذي قد عمَّنا ... برًّا فحقَّ لنا القيام بشكره
/١٣١ ب/ كنَّا نذرنا صومه لكنَّه ... عيد فليس يصام فيه بنذره
زين البريَّه يا أجلَّ محكَّم ... أضحى العلاء بأسره في يسره
يا من إذا ما المشكلات استكلفت ... أبدت كواكبها دياجي حبره
طلت البريَّة بالنساء والسَّنى ... فلك الفخار بحدِّه وبقصره
يا ثالث العمرين والقمرين في ... إنصافه بين الأنام وقدره
... موافق ومخالف ... وموحِّد ومبالغ في كفره
وأفادك الإجماع ما قلِّدته ... يا معلمًا بالسِّرِّ .... جهره
وسخا الغياث على الورى بك حاكمًا ... فسخا الغمام على الأنام بقطره
وكسا النِّثار الجوَّ عريان الثَّرى ... حلل البياض وكان فاقد طمره
فتساوق الغيثان في شأويهما ... وأطاب بشرى الخافقين بنشره
وأجاد ذكر مناقب القاضي الَّذي ... قد صغِّر الخبر العظيم بخبره
أبقى الإله لنا العزيز محمَّدًا ... ملك الزَّمان ونور ناظر دهره
فلقد كسا الإنصاف ثوبًا معلمًا ... يبقى على حدث الزَّمان بذكره
/١٣٢ أ/ وسعى لنظم الملك سعي جدوده ... وأبيه والملك العزيز بمصره
ورعى رعيَّته ولم ينزلهم ... هملاً بما بذل أمرؤ من تبره
أرضى الخلائق والإله بحكم من ... يرضي الإله بنهيه وبأمره
وحبا القضاء بمن غدا أولى به ... فحباه رب العالمين بنصره
стр. 2038
وأعاد ملك الأرض طوع يمينه ... والحادثات قصيرًة عن قصره
وجزاه خير جزائه فلقد سمت ... نعماه عن نظم الثَّناء ونثره
/١٣٢/ب.
/١٣٣ أ/.
[٧٩٩]
محمَّد بن إياس بن عبد الله، أبو عبد الله الحرَّانيُّ.
كان والده مولى هبة الله بن .... .
كان شابًا كيسًا، دمثًا حسن المعاشرة، يميل إلى الفضل والأدب، ويعاني حفظ الأشعار الرائقة، ورّبما نظم منه شيئًا. وكان حافظًا للقرآن العزيز، كثير التلاوة له، خير الطباع، ذا تودد إلى الناس، وله ثروة من الدنيا.
كان سافر البلاد تاجرًا، سافر قطعة من بلاد العجم. إلى بلاد العراق إلى الديار المصرية؛ فهجم الخوارزمية على حرّان، فأخذوا الموجود من ماله، فقلّ ما بيده، ونزل حلب فصار يضارب للناس، وساءت حاله؛ ثم مرض في أثناء ذلك ونقل إلى البيمارستان، فأقام به مدّيدة. وتوفي به في يوم الجمعة رابع عشر صفر، ودفن ظاهر المدينة، بتربة بني العجمي شمالي البلد في سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا ساكني مصر في قلبي لبعدكم ... نار اشتياق بفيض الدَّمع تتَّقد
ما إن ذكرت ليالينا الَّتي سلفت ... إلاَّ تبادر دمع العين يطرد
ولست أشكو فقد السَّقام بكم ... لأنَّه كان لمَّا كان لي جسد
/١٣٤ أ/ أخذه من قول أبي الطيب المتنبي:
стр. 2039
(وشكيَّتي فقد السَّقام لأنَّه ... قد كان لمَّا كان لي أعضاء)
[٨٠٠]
محمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن مالكٍ، أبو عبد الله الطائيُّ.
من أهل جيّان، مدينة من مدن المغرب.
استوطن محروسة حلب؛ شاب فاضل، حافظ للقرآن الكريم، يشدو طرفًا من علم العربية.
أنشدني لنفسه ملغزًا باسم وهو سلمان: [من البسيط]
بغير ذكر اسم من أهوى بلفظ سل ... فيطمع الضَّبُّ في المأمول مرتقبا
стр. 2040
ويعقب اليأس باقي اللَّفظ منه كما ... يقول .... حدثت النفس أي كذبا
وأنشدني لنفسه ملغزًا في الشكر: [من الكامل]
ما اسم بإجماع البريَّة واجب ... وإذا يخف مصحَّفا فحرام
وإذا تثقِّله لدى تصحيفه ... فهو الحلال الحلو كيف يرام
وأنشدني أيضًا له يلغز بالمال: [من الخفيف]
إسم هذا الَّذي ألفت هواه ... فعل قلبي يسمى إذا هو فعل
/١٣٤ ب/ كلُّه في آخر أحرفه باد ... وإذا ما عكسته حين تتلو
وإذا صار أوَّلاً منه ثان ... فهو معنى ما آمل عنه يسلو
وإذا أوال تأخَّر منه ... فهو وصف لكلِّ من عنه ضلُّوا
وأنشدني أيضًا لنفسه في امرأة اسمها عين، يلغز بها: [من الطويل]
عجبت للفظ في اكتمال حروفه ... يبين معنًى ثلثه عنه يعرب
وفي الثُّلث الثَّاني دلالات أربع ... وفي الثُّلث الباقي دليلان فاعجبوا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى نجم الدين أبي الفضل الياس بن الياس الإربلي، الفقيه الشافعي: [من المجتث]
وفتية صدقت فيـ ... ـهم الأماني ظنونا
وناولتهم يداها ... من الأيادي فنونا
وحاولوا أن ينالوا ... وجه التَّهاني المصونا
لكن لإدراك هذا ... بالنَّجم هم يهتدونا
ففض ختم رضاهم ... لكي يقرُّوا عيونا
стр. 2041
[٨٠١]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن يحيى /١٣٥ أ/ بن طاهر بن محمَّد بن عبد الرحيم بن محمَّد بن إسماعيل بن نباتة، أبو الفتح بن أبي الحسن القرشيُّ العبسي.
وجدّه الخطيب عبد الرحيم بن محمد، هو المشهور بالخطابة، وبيت العلم والفضل بميافارقين.
وأبو الفضل رجل نبيه القدر من ذوي الهيات الكبراء الأماثل، حفظ القرآن الكريم، ونظر في شيء من الأدب، وله نظم ونثر، لم يقصر في إنشائهما.
تقدّم في دولة الملك الأشرف شاه أرمن أبي الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب بخلاط، سنة تسع وستمائة، وميّزه على نظرائه حتى كاد يجري مجرى الوزراء عنده، وسار معه إلى حرّان، ومنها إلى دمشق، وبقي في خدمته إلى أن مات الملك الأشرف.
نزل مدينة حلب في سنة خمس وثلاثين وستمائة قاصدًا ديار بكر، فلقيته بها في شهر صفر سنة ستٍّ وثلاثين، فألفيته شيخًا حسنًا كيسًا، نقي الشيبة. وذكر لي أنَّه ولد في ربيع الأول بماردين سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه، ما كتبه في ضمن شكايته إلى ولده أبي عبد الله معاذ:
[من الطويل]
وما روضة فاحت مجامر نورها ... سحيرًا وقد بات السَّحاب يجوده
/٢٧٢/ تبسَّم في أقطارها الزَّهر بعد أن ... بكتها بروق ساعدتها رعودها
بأحسن عندي من كتاب سطوره ... يضاهي عقود الغانيات نضيدها
إذا ما قرأناه يود جليسنا ... لما قد حوت ألفاظه لو نعيدها
معاذ لقد أقررت عيني بشمه ... .... السَّبق طرًّا حميدها
стр. 2042
وصدقت لي فيك المخيلة فاغتدت ... وقد سال واديها وأورق عودها
وأنشدني لنفسه إليه أيضًا: [من الطويل]
أتاني كتاب منك لمَّا فضضته ... تضوَّعت الآفاق من نشره عرفا
وأقرأني عنك السَّلام كأنَّما ... حباني به نعمى وخوَّلني عرفا
كأنَّ به قسًا يقصُّ بلاغًة ... غدت لبديع القول بين الورى صحفا
فما الأمن بعد الخوف أعقبه الغنى ... لذي فاقة مذ كان كان لها حلفا
وإطلاق مأسور وأوبة غائب ... ويرشفا الموصوب من بعد ما أشفى
واسعاف دهر بالسعادة لامرئ ... بلاه بصرفٍ لا يطيق له صرفا
بأحسن عندي .... من وقوعه ... .........................
فأنهلني من درِّ معناه قرقفًا ... وشنَّفني من درِّ ألفاظه سنفا
فألصقته بالقلب أنعى سقاه ... وأرشف بالتَّقبيل أسطره رشفا
/١٣٦ أ/ فأطفأ نارًا كنت أحسب أنَّها ... بغير التَّلاقي ليس تخبو ولا تطفا
وأنشدني أيضًا لنفسه، في الملك الأشرف: [من الكامل]
موسى الكريم حكى الكليم بخلَّة ... هي للمحامد والـ .... يؤلّف
فعصا الكليم غدت تلقَّف سحرهم ... وندى الكريم لفقرنا يتلقف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المنسرح]
الملك الأشرف الَّذي بهرت ... صفاته النَّيِّرين إشراقا
سما سماء العلا لمحتده ... وراق خلقًا وراق أخلاقا
أخطأ من قاس جوده بحيًا ... هيهات قد بذَّه وقد فاقا
ذاك تسحُّ المياه مزنته ... وكتب هذا تسحُّ أرزاقا
وأنشدني ما كتبه إلى ولده المذكور: [من الطويل]
كتابك وافاني ودمعي مطلق ... وقلبي أسير في يدي البين موثق
ولي زفرات ما تني في أتقادها ... تكاد لنيران البسيطة تحرق
стр. 2043
فأطلق من أسري وأخمد لوعتي ... وعاد به صفوًا شرابي المرنَّق
فأفديه من طرسٍ كأنَّ سطوره ... جمان ومعناه سلاف معتَّق
/١٣٦ ب/ سما فوق ألفاظ البريَّة لفظه ... فمن أفقه شمس البلاغة تشرق
كتاب به رعت الكتابة واغتدى ... به فرقي من فرقة الحب يفرق
فأقسم بالقوم الألى بولائهم ... غدًا لذوي السَّبق المخفِّين أسبق
لذكرك أحلى من جنى النَّحل في فمي ... ونشرك من عرف اللَّطيمة أعبق
[٨٠٢]
محمَّد بن عيِّاش بن صباوة بن أبي بكر بن عبد العزيز بن رضوان بن عياش بن رضوان بن منصور بن دويد بن صالح بن زيد بن عمرو بن الزبّار بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب، أبو الفضل بن أبي البقاء النحوي الأديب العرَّمانيُّ.
وعرَّمان قرية كبيرة من أشهر قرى صرخد من عمل حوران من نواحي دمشق.
كان والده يتولّى قضاء الثغور الشامية؛ وولده هذا درس علم النحو والعربية على الشيخ أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي، وأتقن معرفة هذا الشأن، وتمهَّر فيه على أبناء زمانه، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁. وأخذ منه جملة وافرة، إلاَّ أنَّه غلب عليه علم الأدب والإعتناء به.
لقيته بحلب المحروسة، وهو ساكن /١٣٧ أ/ بالمدرسة النوريّة المنسوبة إلى بني عصرون. وتأكدت بيننا صحبة؛ وهو شاب فاضل كيّس، بارع في فنّه، حسن الذكاء، جميل المناظرة، واسع الحفظ لأشعار المحدثين، وغيرها من أشعار العرب، كثير الدعابة والهزل، مائل إلى المزاح بكليته، فيه سماحة، وله نفس؛ وهو مع ذلك يجيد قول الشعر، ويحكم معانيه.
стр. 2044
وأنشدني منه كثيرًا له، ومما أنشدني لنفسه، يمدح موسى بن محمد بن موسى القمراوي: [من البسيط]
أصبحت علاَّمة الدُّنيا بأجمعها ... تشدُّ نحوك من أقطارها النُّجب
بان على كبد الجوزاء منزلًة ... تحفُّها من خلال حولها الشُّهب
ما نال ما نلت من فضل ومن شرف ... سراة قوم وإن جدٌّوا وإن طلبوا
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
ولما اكتسى بالشَّعر توريد خدِّه ... وما خاله ألاَّ يزول إلى حال
وقفت عليه ثمَّ قلت مسلِّمًا: ... (ألا أنعم صباحًا أيُّها الطلل البالي)
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]
وجه صفا ماء الجما ... ل به وشبَّت فيه ناره
/١٣٧ ب/ وكأنَّ خطَّ أبن العديـ ... ـم على حواشيه عذاره
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من مجزوء الكامل]
قد زخرفت في وجهه ... للنَّاس جنَّات النَّعيم
وكأنَّ خطَّ عذاره الـ ... ـمنسوب خطُّ ابن العديم
وأنشدني أيضًا من قوله [أتمَّ به] البيت الأول: [من الطويل]
وسمراء رود حجَّبوها بأسمر ... يماثلها في اللَّون واللِّين والقدٍّ
جفت فجفا جفني الكرى بجفائها ... كأنَّهما كانا لهجري على وعد
стр. 2045
وأنشدني أيضًا له: [من الطويل]
خميس كمثل البحر عبَّ عبابه ... أوائله ليست لهنَّ أواخر
له تحت أطباق الأراضي زلازل ... ومن فوق أفلاك النُّجوم زماجر
وأنشدني أيضًا له: [من مجزوء الرجز]
يا مالكي أمسيت من ... وجدي به متيَّما
سقام جفنيك الَّذي ... أغرى بجسمي السَّقما
ونار حدَّيك بها ... وقعت في جهنَّما
من منصفي من شادن ... مهفهف عذب اللَّما
[حكَّمته في مهجتي ... فجار لما حكِّما
كأنَّ عقد لؤلؤ ... في ثغره قد نظما
قد رقم الحسن له ... في عارضيه أرقما
نمَّ بسرِّ حسنه ... حين بدا منمنما
وسلَّ من جفونه ... من اللِّحاظ مخذما
وفوق الهدب بقو ... سي حاجبيه أسهما
وهزَّ لدنًا ذابلاً ... من قدَّه مقوَّما
فاعترضت من دونه ... يمنعه أن يلثما
تحميه ممَّن رامه ... وحقَّ للثغر الحمى]
/١٣٨ أ/ وأنشدني لنفسه يصف الشمس: [من البسيط]
والشَّمس مصفرَّة في الغرب قد نشرت ... شعاعها في تفاريق من السُّحب
كأنَّما السُّحب أعلام مورَّدة ... والشَّمس من تحتها ترس من الذَّهب
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الرجز]
стр. 2046
وشادن شاد هو الشَّـ ... ـمس ضحًى بل أحسن
قد جمعت في خلقه ... لناظريه الفتن
يودُّ جسمي أنَّه ... حين يغنِّي أذن
في مجلس فيه لنا ... أحسن ما يستحسن
ما تشتهيه الأنفس ... وما تلذُّ الأعين
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
يا صاحٍ دع عذل العوا ... ذل في معتَّقة الرَّحيق
صرفًا تلهّب في الكؤو ... س كأنَّها لهب الحريق
ممَّا تخيَّرها المسيـ ... ـح ذخيرًة للجاثليق
وكأنَّها ذوب من الـ ... ـياقوت لا ذوب العقيق
يسعى عليك بها غزا ... ل كالغزالة في الشروق
/١٣٨ ب/ رشا رشيق قوامه ... أحلى من الغصن الرَّشيق
جلَّت بدائع حسنه ... عن وصف ذي الذِّهن الدَّقيق
لك كلَّما نادمته ... سكران من خمر وريق
أو ما ترى وشي الرُّبى ... أربى على الوشي الأنيق
كم فيه من زهر يرو ... ق الطَّرف في غصن وريق
لما تخلَّله النسيـ ... ـم ومسَّه مسَّ الشَّفيق
لثمت ثغور للأقا ... ح به خدودًا للشقيق
وكأنَّ نرجسه مدا ... هن من لجين للخلوق
وكأنَّ زهر بهاره الـ ... تعقيان أو خدُّ المشوق
والجوُّ في سلك مطـ ... ـرَّزة بمذهبة البروق
فاشرب وصل منها صبو ... حك وكلَّ يوم بالغبوق
وتسلَّ عن كلِّ الأنا ... م فليس فيهم من صديق
стр. 2047
وله أيضًا: [من الخفيف]
إدَّعى مفتي الأنام رئيس الـ ... ـشَّام زين الإسلام قاضي القضاة
أنَّ ذا الصاحب الوزير ابن حرب ... ذا المعالي والأنعم السَّابقات
/١٣٩ أ/ ناشر العدل في الرَّعية طاوي الـ ... ـظُّلم عنها موفَّق العزمات
ثابت القلب واثب في لظى الحر ... ب مخوف الثَّبات والوثبات
خاضب الأبيض المهنَّد والأسـ ... ـمر في الرَّوع من نجيع الكماة
والشُّهود العدول عدل وفضل ... ونوال كالأبحر الزَّاخرات
وعجيب أن أدَّعي ما أرى النَّا ... س أقرُّوا به وبالبيٍّنات
وقال أيضًا: [من السريع]
أنشد عزُّ الدِّين أشعاره ... فما شككنا أنَّها درُّ
وما عجبنا أنَّها مخرج ... للدِّر منه وهو البحر
وأنَّ أوصاف الوزير الَّذي ... يفرق من صولته الدَّهر
قد أكسبت أشعارّه بهجًة ... يخجل منها الشمس والبدر
وقال أيضًا: [من الوافر]
وما لي لا أحيِّي دار ليلى ... وأحبس في معالمها ركابي
واعتنق التراب لعلَّ قلبي ... يسكِّن حرَّه برد التراب
وقد سلفت لنا فيها بليلى ... ليال مثل ريعان الشَّباب
[٨٠٣]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن أحمد /١٣٩ ب/ العربيُّ، أبو عبد الله، الشيخ العارف الحاتمي الطائيُّ من ذرية عبد الله بن حاتم الطائيِّ.
стр. 2048
كانت ولادته بمدينة مرسية، في أيام الأمير أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيس، سنة ستين وخمسمائة. وكانت وفاته يوم الثاني والعشرين من ربيع الآخر
стр. 2049
بدمشق، ودفن بجبل قاسيون بتربة القاضي ركن الدين، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
سمع الحديث على أبي عبد الله محمد بن عبيد الله الحجري، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، وأبي الحسين يحيي بن الضائع السَّبتي، ومحمد بن قاسم بن عبد الكريم ... ، وجماعة سواهم. وكان أهله أجنادًا في خدمة المستولين على البلاد، وبقي مدّة جنديًا، ثم رجع عن الجندّية في سنة ثمانين وخمسمائة.
وحدثني من لفظه، قال: كان سبب انتقالي عن الجندية، وبنذي لها وسلوكي هذه الطريقة، وميلي إليها، أنني خرجت صحبة مخدومي الأمير أبي بكر يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بقرطبة، قاصدين المسجد الجامع، فنظرته في ركوع وسجود وخشوع، كثير الابتهال إلى الله – – فخطر لي خاطر، أن قلت في نفسي: إذا كان هذا ملك البلاد خاضعًا /١٤٠ أ/ متذللاً، يضع هذا بين يدي الله تعالى – – فما الدنيا بشيء، ففارقته من ذلك اليوم، وما عدت رأيته أبدًا؛ ثم لزمت هذه الطريقة.
وهو رجل له قدم في الرياضة والمجاهدة، وكلام على لسان أهل التصُّوف، موصوف بالتقدّم والمكانة عند جماعة من أهل هذا الشأن، وله أصحاب مريدون وتلامذة، وصنّف تصانيف كثرة، وتواليف جمًّة، سكن بلاد الروم؛ ملطية، وقونية، وطاف البلاد، ودخل بغداد، ثم سكن بأخرةٍ دمشق. وله كلام حسن في الحقيقة يأتيه من غير اشتغال بالعلم.
وقد رزقه الله تعالى خاطرًا متوقدًا، فانثال عليه هذا الكلام إنثيالاً، ووفق في إستنباطه توفيقًا عجيبًا، ما حير العقول عند سماعه، وسلب القلوب في إيراده.
شاهدته بمحروسة حلب، في يوم الأربعاء سادس ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ شيخًا يخضّب، وقرأت عليه جميع ما تضمنته هذه الأوراق وأنشدنيها؛ فمن شعره على طريق العارفين: [من الطويل]
ألا يا حمامات الأراكة والبان ... ترفّقن لا تندبن بالنَّوح أشجاني
стр. 2050
/١٤٠ ب/ ترفَّقن لا تندبن بالنَّوح والبكا ... خفيَّ صباباتي ومؤلم أحزاني
ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع ... يشير بعنُّاب ويومي بأجفان
ومرعاه ما بين الترائب وفي الحشا ... فيا عجبًا من روضة وسط نيران
لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيتًا لأصنام وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحبِّ أنَّى توجَّهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
قالت: عجبت لصبٍّ من محاسنه ... يختال ما بين أزهار ببستان
فقلت: لا تعجبي ممَّا ترين فقد ... أبصرت نفسك في مرآة إنسان
ومن نظمه في المقامات من الفتوحات المكية في التوبة، وأنشدنيه:
الإعتراف متاب كلِّ محقِّق ... وبه إله الحقِّ يشرح صدره
رضي الإله عن المخالف مثلمًا ... رضي الإله عن الموافق أمره
ماذا .... ينال مناله ... لاسيَّما إن كنت تعرف سره
من عين منتبه ينال مخالف ... ما ناله من كنت تجهل قدره
/١٤١ أ/ وقال أيضًا، وأنشدنيه: [من الطويل]
هبوط مكان لا هبوط مكانة ... لتلقى به حورًا وملكًا مخلَّدا
كما قال من أغواه صدقًا لكونه ... رآه كلامًا من إله مسدَّدا
стр. 2051
وقال في الخلوة، فأنشدنيه: [من الطويل]
خلوت بمن أهوى فلم يك غيرنا ... ولو كان غيري لم يصحَّ وجودها
إذا أحكمت نفس شرط انفرادها ... فإن نفوس الخلق طرًّا عبيدها
ولو لم تكن في نفسها غير نفسها ... لجادت بها جودًا على من يجيدها
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن العربي، قال: كنت أطوف بالبيت، فطار قلبي، وهزَّني حال أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، وذلك بالليل، فحضرتني أبيات، فأنشدتها، أسمع بها نفسي ومن يليني، ولو كان هناك أحد، وهي: [من مشطور المديد]
ليت شعري هل دروا ... أيَّ قلب ملكوا؟
/١٤١ ب/ وفؤادي لو درى ... أيَّ شعب سلكوا
أتراهم سلموا ... أم تراهم هلكوا؟
حار أرباب الهوى ... في الهوى وارتبكوا!
فلم أشعر إلاّ بضربة بين كتفيّ بكفٍّ ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم، لم أر أحسن وجهًا، ولا أعذب منطقًا، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنًى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت زمانها ظرفًا وأدبًا، وجمالاً ومعرفة، فقالت: يا سيدي! كيف قلت؟ فقلت:
ليت شعري هل دروا ... أيّ قلبٍ ملكوا؟
فقالت: عجبًا منك، وأنت عارف زمانك، تقول مثل هذا! . ليس كل مملوك معروف، وهل يصح الملك إلاّ بعد المعرفة، وتمنّي الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق، فكيف يتجوز مثلك؟ قل يا سيدي، فماذا قلت بعده؟ فقلت:
وفؤادي لو درى ... أيّ شعبٍ سلكوا
فقالت: يا سيّدي! الشعب الذي بين الشعاب والفؤاد، وهو المانع / ١٤٢ أ/ له من المعرفة به، فكيف يتمنّى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه؟ والطريق لسان صدق،
стр. 2052
فكيف يتجوز مثلك يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت:
أتراهم سلموا ... أم تراهم هلكوا؟
قالت: أما هم فسلموا، ولكن عنك يبقى أن تسأل نفسك، هل سلمت أم هلكت يا سيدي؟ فما قلت بعده؟ فقلت:
حار أرباب الهوى ... في الهوى وارتبكوا
فصاحب، وقالت: واعجبًا كيف تبقى للمشغوف فضلة، يحار بها والهوى شأنه التعميم، يحذر الحواس، ويذهب العقول، ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة هنا، أو من هنا باق فيجاور الطريق لسان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق، قلت: يا ابنة الخالة ما اسمك؟ قالت: قرّة العين، فقلت: لي، ثم سلّمت وانصرفت؛ ثم إنّي عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها، فرأيت لها من لطائف المعارف، ما لا يصفه واصف.
وحدثني بمدينة حلب في يوم الأربعاء سادس ربيع الأول سنة خمس وثلاثين /١٤٢ ب/ قال: كنت مجاورًا بمكّة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فرأيت في منامي رسول الله ﷺ قاعدًا على الدكمة التي تلي باب أجياد الأقرب إلى باب الحزورة، ووجهه مستقبل الركن اليماني، ورجل يقرأ عليه كتاب البخاري، وهو محمد بن خالد الصدفي التلمساني، وأنا قاعد بين يديه ﷺ قد ضربت بذقني على ركبته ﷺ أتطلع في وجهه، فقلت له: يا رسول الله! المطلقة ثلاثًا في مجلس واحد، هل يرجع طلاقها إلى واحدة، أو هي ثلاث كما قال؟ فقال لي رسول الله ﷺ : هي ثلاث كما قال، لا تحلّ حتى تنكح زوجًا غيره، فقلت له: يا رسول الله إنَّ بعض العلماء يردّها إلى واحدة، فقال لي ﷺ : هؤلئك حكموا بما وصل إليهم، وأصابوا. قلت له: يا رسول الله: ما أريد في هذه المسألة إلا ما تدين الله تعالى أنت به، ما لو وقع منك، فعلت به. فقال لي: هي ثلاث كما قال لا تحلّ له، حتى تنكح زوجًا غيره، يرددها ثلاثًا، ثم بسط يديه، ودعا بهذه الكلمات: اللهم أسمعنا خيرًا، وأطلعنا خيرًا /١٤٣ أ/ ورزقنا الله العافية، وأدامها لنا، وجمع الله قلوبنا على التقوى، ووفّقنا لما يحبّه ويرضاه، .... ، واستيقظت.
وحدثني أيضًا أبو عبد الله بن العربي، قال: رأيته ﷺ في هذا التاريخ، فقلت له:
стр. 2053
يا رسول الله، الله تعالى يقول: ﴾ والمطلقات يتربَّصبن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ﴿والقرء عند العرب من الأضداد، يطلقونه على الحيض وعلى الطهر، وأنت أعرف بما أنزل عليك، فما أراد الله بالقرء هنا؟ فقال لي ﷺ : إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وكلوا مما رزقكم الله قلت: يا رسول الله، فإذًا هو الحيض، فتبسم وقال لي: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء، وكلوا مما رزقكم الله فعاودت عليه، فإذًا هو الحيض يا رسول الله؟ فأعاد علي وهو يبتسم: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها وكلوا مما رزقكم الله، واستيقظت.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن العربي لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ عوجا بالكثيب وعرِّجا ... على لعلع واطلب مياه يلملم
/١٤٣ ب/ فإنَّ بها من قد علمت ومن لهم ... صيامي وحجِّي واعتماري وموسمي
محصَّبهم قلبي لرمي جمارهم ... ومنحرهم نفسي ومشربهم دمي
فيا حادي الأجمال إن جئت حاجرًا ... فقف بالمطايا ساعًة ثمَّ سلِّم
وناد القباب الحمر من جانب الحمى ... تحيَّة مشتاق إليكم متيَّم
فإن سلَّموا فاهد السَّلام مع الصَّبا ... وإن سكتوا فارحل بها وتقدّم
إلى نهر عيسى حيث حلّت ركابهم ... وحيث الخيام البيض من جانب الفم
وكاد بدعد والرَّباب [وزينب] ... وهند وسلمى ثمَّ لبنى وزمزم
وسلهنَّ هل بالحلبة الغادة الَّتي ... تريك سنى البيضاء عند التَّبسُّم
وأنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الطويل]
سلام على سلمى ومن حلَّ بالحمى ... وحقَّ لمثلي رقَّة أن يسلِّما
وماذا عليها أن تردَّ تحيَّة ... علينا ولكن لا احتكام على الدّمى
стр. 2054
سروا وظلام اللَّيل أرخى سدوله ... فقلت لها صبًا غريبًا متيَّيما
أحاطب به الأشواق شوقًا وأرصدت ... له راشقات النَّبل أيًّان يمَّما
فأبدت ثناياها وأومض بارق ... ولم أدر من شقَّ الحنادس منهما
وقالت أما يكفيه أنِّي بقلبه ... يشاهدني في كلِّ وقتٍ أما أما
/١٤٤ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
وزاحمني عند استلامي أوانس ... أتين إلى التطواف معتجرات
حسرن عني أنوار الشُّموس وقلن لي: ... تورَّع فموت النَّفس في اللَّحظات
فكم قد قتلنا بالمحصب من منى .... نفوسًا أبيّات لدى الجمرات
وفي سرحة الوادي وأعلام رامة ... وجمع وعند النفر من عرفات
ألم تر أن الحسن يسلب من له ... عفاف فيدعى سالب الحسنات
فموعدنا بعد الطواف بزمزم ... لدى القبة الوسطى لدى الصَّخرات
هنالك من قد شفَّه الوجد يشتفي ... بما شاءه من نسوة عطرات
إذا خفن أسدلن الشُّعور فهنَّ من ... غدائرها في ألحف الظُّلمات
وأخبرني إبن العربي، قال: أنشدني بعض الفقراء، بيتًا مفردًا، لا يعرف أخًا، وهو:
[من الكامل]
كلُّ الَّذي يرجو نوالك أمطروا ... ما كان برقك خلَّبًا إلاَّ معي
فأعجبني مغزاه، وقفوت معناه، فعملت أبياتًا، جعلته واحدًا منها:
[من الكامل]
قف بالطُّلول الدَّارسات بلعلع ... واندب أحبَّتنا بذاك البلقع
/١٤٤ ب/ قف بالدِّيار ونادها متعجبًا ... منها بحسن تلطّف بتفجُّع
عهدي بمثلي عند بانك قاطفًا ... ثمر القدود وود روض أينع
كلُّ الَّذي يرجو نوالك أمطروا ... ما كان برقك خلَّبًا إلاَّ معي
قالت: نعم! قد كان ذاك المتلقى ... في ظلِّ أفناني بأخصب موضع
стр. 2055
إذ كان برقي من بروق مباسم ... واليوم برقي لمع هذا اليرمع
فاعتب زمانًا مالنا من حيلًة ... في دفعه ما ذنب منزل لعلع
فعذرتها لمَّا سمعت جوابها ... تشكو كما أشكو بقلب موجع
وسألتها لمَّا رأيت ربوعها ... مسرى الرِّياح الذَّاريات الأربعاء
هل أخبرتك رياحهم بمقيلهم؟ ... قالت: نعم، قالوا: بذات الأجرع
حيث الخيام البيض تشرق للَّذي ... تحويه من تلك الشُّموس الطُّلَّع
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من مجزوء الرجز]
بين النَّقا ولعلع ... ظباء ذات الأجرع
ترعى بها في خمر ... خمائلاً وترتعي
ما طلعت أهلَّةً ... بأفق ذاك المطلع
إلاَّ وددت أنَّها ... من حذر لم تطلع
/١٤٥ أ/ ولا بدت لامعًة ... من برق ذاك اليرمع
إلاَّ اشتهيت أنَّها ... لما بنا لم تلمع
يا دمعتي وانسكبي ... يا مقلتي لا تقلعي
وأنت يا حادي أتَّئد ... فالنَّار بين أضلعي
قد فنيت ممَّا جرى ... خوف الفراق أدمعي
فارحل إلى وادي اللِّوى ... مربعهم ومصرعي
إنَّ به أحبَّتي ... عند مياه الأجرع
ونادهم: من لفتًى ... ذي لوعة مودِّع
رمت به أشجانه ... بهماء رسم بلقع
يا قمرًا تحت دجى ... خذ منه شيئًا ودع
стр. 2056
وزوِّديه نظرًة ... من خلف ذاك البرقع
أو علِّليه بالمنى ... عساه يحيى ويعي
ما هو إلاَّ ميِّت ... بين النَّقا ولعلع
فمت يأسًا وأسى ... كما أنا في موضعي
ما صدقت ريح الصَّبا ... حين أتت بالخدع
/١٤٥ ب/ قد تكذب الرِّيح إذا تسمع ما لم تسمع
وأنشدني أيضًا: [من الوافر]
أطارح كلَّ هاتفة بأيك ... على فنن بأفنان الشُّجون
فتبكي إلفها من غير دمع ... ودمع الحزن يهمل من جفوني
أقول لها وقد سمحت جفوني ... بأدمعها تخبِّر عن شؤوني:
أعيذك بالَّذي أهواه علم ... وهل قالوا: بأفياء الغصون
وقال، وأنشدنيه: [من الكامل]
عند الكثيب من جبال زرود ... صيد وأسد من لحاظ الغيد
صرعى وهم أبناء ملحمة الوغى ... أين الأسود من العيون السُّود
قتلت بهم لحظاتهنَّ وحبَّذا ... تلك الملاحظ من بنات الصِّيد
وقال وأنشدنيه: [من الطويل]
ثلاث بدور لم يزنَّ بريبة ... خرجن إلى التَّنعيم معتجرات
حسرن عن أمثال الشُّموس إضاءًة ... وليس بالإهلال معتمرات
وأقبلن يمشين الرُّويدا كمثل ما ... تمشي القطا في الحف الحبرات
وقال، وأنشدنيه: [من البسيط]
стр. 2057
/١٤٦ أ/ نفسي الفداء لبيض خرَّد عرب ... لعبن بي عند لثم الرُّكن والحجر
ما تستدُّل إذا ما تهت خلفهم ... إلاَّ بريحهم من طيِّب الأثر
ولا دجى بي ليل ما به قمر ... إلاَّ ذكرتهم فصرت في القمر
وإنَّما حين أمشي في ركابهم ... فاللَّيل عندي مثل الشَّمس في البكر
غالزت من غزلي منهنَّ واحدًة ... حسناء ليس لها أخت من البشر
إن أسفرت عن محيَّاها أرتك سنًى ... مثل الغزالة إشراقًا بلا غر
الشَّمس غرَّتها واللَّيل طرَّتها ... شمس وليل معًا من أعجب الصُّور
فنحن في اللَّيل في ضوء النَّهار به ... ونحن في الظُّهر في ليل من الشَّعر
وقال وأنشدنيه: [من البسيط]
بين الحشا والعيون النُّجل حرب هوى ... والقلب من أجل ذاك الحرب في حرب
لمياء لعساء معسول مقبَّلها ... شهادة النَّحل ما تلقي من الضَّرب
ريَّا المخلخل ديجور على قمر ... في خدِّها شفق غصن على كثب
حسناء حالية ليست بغانية ... تفترُّ عن برد ظلم وعن شنب
تصدُّ جدًّا وتلهو بالهوى لعبًا ... والموت ما بين ذاك الجدِّ واللَّعب
ما عسعس اللَّيل إلاَّ جاء يعقبه ... تنفُّس الصُّبح معلومٌ من الحقب
/١٤٦ ب/ ولا تمرُّ على روض رياح صبًا ... يحوي على كاعبات خرَّد كعب
إلاَّ أمالت ونمَّت في تنسمها ... بما حملن من الأزهار والقضب
سألت ريح الصَّبا عنهم لتخبرني ... قالت: وما لك في الأخبار من أرب
في الأبرقين وفي برك الغماد وفي ... برك الغميم نزلت الحيَّ عن كثب
لا تستقلُّ بهم أرض فقلت لها ... أين المفر وخيل الشَّوق في الطَّلب
هيهات ليس لهم معنًى سوى خلدي ... فحيث كنت يكون البدر فارتقب
أليس مطلعها وهمي ومغربها ... قلبي فقد زال شؤم البان والغرب
ما للغراب نعيق في منازلنا ... وما له في نظام الشَّمل من ندب
стр. 2058
وقال، وأنشدنيه: [من السريع]
حمامة البان بذات الغضا ... ضاق لما حمَّلتنيه الفضا
من ذا الذي يحمل شجو الهوى ... من ذا الَّذي يجرع مرَّ القضا
أقول من وجد ومن لوعة: ... يا ليت من أمرضني مرَّضا
مرَّ بباب الدَّار مستهزئًا ... مستخفيًا معتجزًا معرضا
ما ضرني تعجيره إنَّما ... أضرّ بي من كونه أعرضا
وقال وأنشدنيه: [من الرجز]
/١٤٧ أ/ يا حادي العيس بسلع عرِّج ... وقف على البانة بالمدرَّج
ونادهم مستعطفًا مستلطفا ... يا سادتي هل عندكم من فرج
برامة بين النَّقار وحاجر ... جارية مقصورة في هودج
يا حسنها من طفلة غرَّتها ... تضيء للطارق مثل السرج
لؤلؤة مكنونة في صدف ... من شعر مثل سواد السَّبج
كأنَّها شمس ضحًى في محمل ... قاطعة أقصى معالي الدَّرج
إن حسرت برقعها أو سفرت ... أزرت بأنوار الصَّباح الأبلج
ناديتها بين الحمى ورامة ... من لفتى حلًّ بسلع يرتجي
من لفتًى متيَّه في مهمه ... مولًّه مدلَّه العقل شجي
من لفتى دمعته مغرقة ... أسكره خمر بذاك الفلج
من لفتًى زفرته محرقة ... تيَّمه جمال ذاك البلج
قد لعبت أيدي الهوى بقلبه ... فما عليه في الَّذي من حرج
وقال وأنشدنيه: [من الطويل]
стр. 2059
ألا يا نسيم الرِّيح بلِّغ مها نجد ... بأنِّي على ما يعلمون من العهد
/١٤٧ ب/ وقل لفتاة الحيِّ موعدنا الحمى ... غديَّة يوم السَّبت عند ربي نجد
على الرَّبوة الحمراء من جانب الضُّوى ... وعن أيمن الأفلاج والعلم الفرد
فإن كان حقًّا ما تقول وعندها ... إلىَّ من الشَّوق المبرِّح ما عندي
إليها ففي حرِّ الظهَّيرة نلتقي ... بخيمتها سرًّا على أصدق الوعد
فتلقي ونلقي ما نلاقي من الهوى ... ومن شدَّة البلوى ومن ألم الوجد
أأضغاث أحلام أبشرى منامة ... أنطق زمان كان في نطقه سعدي
لعلَّ الَّذي ساق الأماني يسوقها ... عيانًا فيهدى روضها لي جنى الورد
وقال وأنشدنيه: [من الطويل]
ألا هل إلى الزُّهر الحسان سبيل ... وهل لي على آثارهنَّ دليل
وهل لي بخيمات اللِّوى من معرَّس ... وهل لي إلى ظلِّ الأثيل مقيل
فقال لسان الحال يخبر أنّها ... تقول تمنَّ ما إليه سبيل
ودادي صحيح فيك يا غاية المنى ... وقلبي من ذاك الصَّحيح عليل
تعاليت من بدر على القلب طالع ... وليس له بعد الطُّلوع أفول
فديتك يا من عزَّ حسنًا ونخوًة ... فليس له بين الحسان عديل
فروضك مطلول ووردك يانع ... وحسنك معشوق عليه قبول
/١٤٨ أ/ وزهرك بسَّام وغصنك ناعم ... تميل له الأرواح حيث يميل
وظرفك فتَّان وطرفك صارم ... به فارس البلوى عليَّ يصول
وقال وأنشدنيه: [من المتقارب]
لظبية ظبى صارم ... تجرِّد من طرفها السَّاحر
وفي عرفات عرفت الَّذي ... تريد فكم أك بالصَّابر
وليلة جمع جمعنا بها ... كما جاء في المثل السَّائر
يمين الفتاة يمين فلا ... تكن تطمئنُّ إلى غادر
стр. 2060
منى بمنى نلتها ليتها ... تدوم إلى الزَّمن الآخر
تولَّعت في لعلعٍ بالَّتي ... تريك سنى القمر الزَّاهر
رمت رامًة وصبت بالصَّبا ... وحجَّرت الحجر بالحاجر
وشامت بريقًا على بارقٍ ... بأسرع من خطرة الخاطر
وغاضت مياه الغضا من غضى ... بأضلعه من هوى ساحر
وبانت ببان النَّقا فانتقت ... لآلي مكنونه الفاخر
وآضت بذات الأضا القهقري ... حذارًا من الأسد الخادر
بذي سلم أسلمت مهجتي ... إلى لحظها الفاتك الفاتر
/١٤٨ ب/ حمت بالحمى ولوت باللِّوى ... كعطفة جارحها الكاسر
وفي عالج عالجت أمرها ... لتفلت من مخلب الطَّائر
خورنقها خارق للسَّما ... فيسمو اعتلاًء على النَّاظر
[٨٠٤]
محمَّد بن عليِّ بن [محمد بن] يوسف بن قليج بن تكين خان بن محمود خان بن إيل خان، أبو عبد الله بن أبي الحسن الموصليُّ.
من مولّدي الترك، وقد قدّمت شعر والده وعمّه في مكانهما، كان في زمن أبيه ذا نعمة وافرة، وجاه بسيط، متعلقًا بخدمة الملك العادل نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي، المستولي على الموصل.
وكان أميرًا جليلاً، مذكورًا في زمانه، يخالط أهل الأدب والحديث، ويغشاه جماعة من الفضلاء.
أخبرني، أنه ولد بالموصل، يوم الخميس سادس عشر رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فلما توفي والده؛ تناقصت أحواله، وضعف أمره، وترك ما كان عليه،
стр. 2061
وصار فقيرًا، يلبس الصوف، وينتقل في البلاد ويخترقها.
شاهدته /١٤٩ أ/ بمدينة حلب؛ وهو شيخ، والفقر مؤثّر عليه، والحاجة قد مسَّته، والدَّهر قد أناخ عليه بكلكله، وله عيال، وهو على أشدّ ما يكون من الفقر والفاقة؛ وربما استجدى بأشعاره، وارتزق بها كبراء حلب، ويقنع منهم بالنزر الطفيف.
ورأيته من المدعين في معرفة الحديث وسماعه، ويقول المقطعات من الشعر، تلجئه إلى ذلك الحاجة والضرورة.
أنشدني لنفسه، وقد عمل أربعين حديثًا، وأهداها إلى بعض الملوك من بني أيوب:
[من الطويل]
وإنِّي في حملي كتابًا وضعته ... وأودعته النَّثر المفصَّل والشِّعرا
إلى ملك في العلم واحد عصره ... كمهد إلى شمس النَّهار سنى الشِّعرى
وأنشدني لنفسه، وقد اقترح عليه في هذا الرويّ والقافية، فعمل ذلك ارتجالاً:
[من الكامل]
أفديهم من نازحين وحبُّهم ... دان على مرِّ الزَّمان مخيِّم
إن لاح برق هاج لي تذكارهم ... فكأن نارًا في فؤادي أضرموا
أو هبَّت النسمات من واديهم ... وجَّهت وجهي نحوهم فأسلِّم
/١٤٩ ب/ يا مرسلين على البعاد تحيَّةً ... أحيوا بها ميت الجوى حييتم
من لي بليلات قصار باللِّوى ... ولَّت وسماري الأعزَّة أنتم
قسمًا بعقد عهودكم وودادكم ... ولقد محضت الصِّدق فيما أقسم
ما راق طرفي غيركم ومسامعي ... إلاَّ حديثكم إذا ما قلتم
ومن العجائب أنَّني أشتاقكم ... ومن العيان إلى الضَّمير نقلتم
وعلى دياركم تحيَّة ذاكر ... عصر الصِّبا الماضي بها وعليكم
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الطويل]
ولمَّا أتى من نحو أرضكم الرَّكب ... ولم يأتني منكم سلام ولا كتب
ولا مبلغ في الوفد عنكم رسالًة ... يداوي بذكراها تباريحه الصَّبُّ
стр. 2062
بكيت وما يجدي البكاء مع النَّوى ... إلى أن جرى في الشَّرق من عبرتي غرب
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الكامل]
ملك يجلُّ عن المديح كما علا ... قدماه نسرًا في الفخار وفرقدا
عمَّ البسيطة خيره ونواله ... للمعتفين وبأسه قهر العدا
لم يبق في الدُّنيا نداه معدمًا ... يبغي النَّوال ولا سطاه ملحدا
والله ثمَّ إليه اشهد صادقًا ... وكفى على قول امرئ أن يشهدا
/١٥٠ أ/ ما أبصرت في الحرب عين مثله ... بل لا ولا رتب الممالك سيِّدا
تفديه أرواح الملوك وحسبها ... شرفًا بذلك أن تكون له فدا
هذا الَّذي بالزُّهر من أيَّامه ... أضحى الزَّمان متوَّجًا ومقلّدًا
إنزل بناديه وناد فلم يخب ... والله من نادى المليك محمَّدا
أنا ضامن إن زرته لك منحًة ... ترضي الوليَّ بها وتردي الحسَّدا
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
بكيت كما يبكي الغريب صبابًة ... على وطن أقوى وغابت شموسه
وناجيت نفسي بالعتاب فلم تصخ ... وقد سئمت ربعًا تولَّى أنيسه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وفي مصر للآداب سوق تجارة ... لدى أهلها الغرِّ الكرام كرام
إذا استعرضوا نظم الكلام ونثره ... يهون عليهم للعقود نظام
وأنشدني لنفسه، يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي – ﵁ – بإربل: [من الخفيف]
قال لي قائل وقد رمت أهجو ... إربلاً لازلت هجَّاًء سخيفا
كيف تهجو مصرًا حوى شرف الديـ ... ـ ـن الوزير البرَّ التَّقيَّ العفيفا
/١٥٠ ب/ قلت أهجو غير الصَّديق عنادًا ... قال: ما أرتضيك تهجو الكنيفا
وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام أعمى: [من الوافر]
يقول عواذلي أعشقت أعمى؟ ... وأغريت اللَّوائم والعواذل
فقلت: عشقت منه كل معنًى ... يخبِّر إذ وعاه كلُّ عاقل
стр. 2063
رأى جفنيه قد فتن البرايا ... بسحرهما وأعيت سحر بابل
فأرسل مرسل الصُّدغين منه ... فأبطل سحرها والسِّحر باطل
وأنشدني لنفسه، وكان محبوسًا بقلعة إربل: [من الطويل]
كأنِّي في سجني وضيق فنائه ... وقد تركوني فيه مرتهنًا وحدي
دفين جفاه أهله وحميمه ... وغادره الحفَّار في ظلمة اللَّحد
وأنشدني لنفسه في حمام: [من السريع]
ضدَّان في حمَّامكم هذه ... سكَّانها بينهما قد شقوا
كأنَها قلبي في حرِّه ... وماءها قلب الَّذي أعشق
وأنشدني أيضًا لنفسه في أوائل شهر ربيع الأوّل، بمحروسة حلب سنة خمس وثلاثين وستمائة: [من الكامل]
/١٥١ أ/ عد عن ملام المستهام وزجره ... فمتى يفيق من الغرام وسكره
أو ما ترى الحدق المراض وسحرها ... جاءت تقيم لديك واضح عذره
إن شئت لم أولاً ...... بقلبه ... أودى الفريق مع الفراق وصبره
وإذا بدا برق فليس وميضه ... إلاَّ زناد قادح في صدره
أو هبَّ من نجد نسيم بارد .... أذكى بذاك البرد خامد جمره
صاح يميل من الدَّلال كأنَّه ... ثمل برقَّة ريقه وبخمره
وعلى العقيق ممنَّع يوم النَّوى ... فضحت مدامعه قلائد نحره
لو لم يكن من ريقه ثملاً لما ... بالصَّدِّ عربد ظالمًا وبهجره
كم أطلق الدَّمع المصون وقد غدا ... قلب المحبِّ مقيَّدًا في أسره
أفديك من مذك سعيرًا بالحشا ... عند الوداع ببارد من ثغره
آهًا لساعات التواصل بالنَّقا ... ولطيب أيام الشَّباب وعصره
أيَّام أسحب في مراتع رامة ... ذلَّ المذلِّ بنهيه وبأمره
كم متُّ من شوقي على روض الحمى ... فيعود ينشرني النسيم بنشره
يا سعد حدِّث عن منى أو ركبه ... فالنَّوم نفرَّه بصارخ نفره
وإذا وصلت الشِّعب ناد بأهله ... ..... راسخ صخره
стр. 2064
من ذا يحرِّم وصل مضطرِّ الهوى ... ..... محرم هجره
/١٥١ ب/ الذي يجازي كل حافظ عهده ... أم شيمة الحبِّ الجزاء لعذره
يا صاح قبل الحبِّ حلوًا كنت لم ... أحفل بمن غمرته لجَّة بحره
ما زلت أولع بالهوى متعرِّضًا ... حتَّى بليت بحلوه وبمرِّه
وأنشدني أيضًا من شعره قوله: [من الطويل]
أما مخبر اين استقلُّوا ويمَّموا ... وفي أيِّ دار بعد نعمان خيَّموا
وكم حلَّلوا قتلي على الخيف وانثنوا ... عن العهد والوصل المحلَّل حرَّموا
وقد ذبحوا في عيني النَّوم بعدهم ... فمن ذاك في أجفانها يسفح الدَّم
أيا جيرة الوادي إلى م أعاتب الطُّـ ... ـلول وصمُّ الصَّخر لا يتكلَّم
نقضتم على الرَّمل العهود ومن بنا ... على الرَّمل أمسى كيف لا يتهدَّم
وأرضيتم الواشي وأسخطت عذَّلي ... وخالفت ........
وحقِّ ليالينا القصار بوصلكم ... وعهد حفظناه لكم وأضعتم
إذا بارق من أرضكم لاح خلته ... لهيب سعير بين جنبي يضرم
وإن نسمة هبَّت من الشِّعب سحرًة ... توحَّمت طوعًا نحوها فأسلَّم
ويطربني عذل العذول ومن نأى ... محبًا لذكرى حبِّه يتألَّم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
/١٥٢ أ/ لا أوحش الله من كتب إذا وردت ... كأنَّما نشرت من طيها الفرجا
أكرم بها ومبهديها وحاملها ... فقرَّة العين لي فيها وألف رجا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى القاضي الإمام بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب – أيده الله تعالى-: [من المنسرح]
يا سيِّدًا لم تزل مراكبه ... راكبًة فوق منكب الشِّعرى
علوت قدرًا على المدائح بل ... ..... بوصفك الشِّعرا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
لو كنت شاهدت يوم البين موقفنا ... أبصرت منِّي ما أبدى لك العجبا
روحي مضت وبقي الجثمان بعدهم ... لقًى يقلِّبه بين الثِّياب هبا
стр. 2065
وكلَّما صعدت ..... الضلوع ... ............ صغته ذهبا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى أخيه، بعد تهاجر كان بينهما: [من الكامل]
قدِّمت قبلك وافتديت بمهجتي ... يا ذا الَّذي من غير جرم يعتب
أولست تعلم أنَّ عتبك ظالمًا ... ممَّا جناه النَّحل عندي أعذب
/١٥٢ ب/ وأنشدني لنفسه، يلغز باسم: [من السريع]
لو صحَّ لي من منيتي زورة ... تسخن منها عين واشيه
كنت أسمه من بعد عكس إذا ... صار أخير الإسم ثانيه
هذا اسم من أهواه لكنَّني ... خوفا عليه لا أسمِّيه
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
كأنَّما الرَّاح في الإبريق كامنة ... وقد بدا نورها للكأس فانصدعا
وأنشـ ....... [من المجتث]
إن سرَّ بالعيد قوم ... فما سررت بعيدي
وكيف يفرح عان ... مهدَّد بوعيد
يودُّ أن ينظر الأهـ ... ـل نظرًة من بعيد
وليس يعطي مناه ... من كان غير سعيد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا نسمة هبَّت لنا من دياركم ... بكيت وإن برق من الغور أو مضا
ومنَّيت نفسي رجعًة لوصالكم ... وهيهات أن يدني من العيش ما مضى
/١٥٣ أ/ وكان دمًا دمعي ولكنَّ عبرتي ... يصعِّدها حزني فينهلُّ أبيضا
стр. 2066
[٨٠٥]
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن سجمان البكري – من بكر بن وائل – الشريشي الأندلسي.
كان مولده تقديرًا في سنة ستمائة؛ سمع الحديث الكثير بالأندلس، وديار مصر، والحجاز، والشام، وبغداد. واستظهر القرآن الكريم، وقرأ علم الأدب والعربية على جماعة. ترَّبى بالأندلس، وقرأ فقه الإمام مالك – ﵁.
أنشدني لنفسه، يلتمس من إنسان كتاب "التلقين" على مذهب الإمام مالك بن أنس – ﵁ – فمنعه، وكان قبل ذلك قد أعاره إياه، ثم كتب له رقعة يعتذر إليه في المنع: [من البسيط]
ما إن وجدت أطال الله عمرك لي ... وللمكارم توليها وتنشرها
من منعكم منِّي التَّلقين موجدًة ... عليك في النَّفس أطويها وأسطرها
قد طال ما كان عندي وانتفعت به ... وكم لكم من أياد لست أحصرها
وفي الضَّمير لكم ودُّ ومنزلة ... منع الحوائج ممَّا لا يغيِّرها
/١٥٣ ب/ إذ الصداقة صحَّت من أخي ثقة ... على صفاء فما شيء يكدِّرها
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
لقد سار فينا سيرًة عمريَّةً ... وأذهب عنَّا الجور فالعد قائم
стр. 2067
إذا ما انتضى للخطب يقظان عزمه ... غدت عزمات الدَّهر وهي نوائم
ففي الحرب للأعداء بالقهر قاصم ... وفي السِّلم للأموال بالرِّفق قاسم
لكلِّ بيوت الله بالعلم عامر ... وكلِّ بيوت الشِّرك والجهل هادم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
هلاَّ عليك كما كلفت جميلا ... إن تولي الصَّبَّ المشوق جميلا
يا واصلي بالهجر إنَّك قاتلي ... هلاَّ بوصلك أن يكون وصولا
أيحلُّ قتل الصَّبِّ في شرع الهوى ... لا والَّذي قد أنزل التَّنزيلا
حزني من الجفن العليل فإنَّه ... قد صيَّر الجسم الصَّحيح عليلا
يا مالكًا رقَّ الأنام بحسنه ... ما بال طرفك للعبيد قتولا
أو ما ترقُّ لمدنف ومتيَّم ... أضحى بحبِّك هائمًا مخبولا
أضناه طول الشَّوق حتَّى إنَّه ... ما إن يبين لمبصريه نحولا
ألف السُّهاد مع الضَّنى فجفونه ... ما إن تذوق من المنام قليلا
/١٥٤ أ/ يرعى النجوم إلى الصَّباح وينثني ... حتَّى المساء بذكركم مشغولا
فوحقِّ حسنك والصَّبابة إنَّني ... ما خفت موتي بالهوى مقتولا
لكن أخاف عليك إن أتلفتني ... إذ كان شخصك في الفؤاد نزيلا
هذا دمي لك يا ظلوم أبحته ... أو ما تخاف لدى الحساب جليلا
أقسمت أنَّك في جمالك واحد ... ما إن أرى لك في الملاح مثيلا
[٨٠٦]
محمَّد بن عبد القاهر بن هبة الله بن عبد القاهر بن عبد الواحد بن يوسف ابن النصيبيِّ، العدل الأمين، أبو عبد الله بن أبي المعالي.
أخبرني أنه ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
стр. 2068
سمع الحديث النبوي كثيرًا؛ بحلب، ودمشق، ومصر، وبغداد. وهو من بيت مذكور بحلب معروف، وهو عدل من عدولها وقبره بها، وتولى عدّة أعمال منها؛ خزن مال الأيتام والنظر فيه، وغير ذلك، وأفادني كثيرًا من رواياته.
رأيته شيخًا حسنًا صحيح الرواية، جيّد المعرفة، أنشدني لنفسه يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة /١٥٤ ب/ بحلب المحروسة، بجامعها سنة خمس وثلاثين وستمائة، قال: أنشدنا قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن شداد – ﵁ – قال: أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم على صعد: [من مجزوء الرمل]
قلت للزلمة جودي ... لا تمرِّي بلهاتي
وبخفي خلِّ حلقي ... فهو دهليز حياتي
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
نظرت إلى الدُّنيا الغرور بعَّزة ... وغفلة مشغول بها يتجاهل
وكيف أرى دارًا لذيذ نعيمها ... وأطمع أن أحظى به غير زائل
وضيعت دارًا للخلود معدَّةً ... بلذَّات دار أكملت للرذائل
ولمَّا رأيت الأقدمين تقدَّموا ... ولم يحصوا إلاَّ على غير طائل
رجعت إلى النَّفس اللَّجوج ألومها ... وقلت لقد ضيَّعت حقًّا بباطل
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرمل]
كم عدٍّو لي من ظهري وكم ... من حميم لم تلده لي أمِّي
وكذا الخال وبال قاله ... قبل هذا كلُّ ذي فهم وعلم
فاحذر الأخوة والإبن وكن ... من بني الأعمام في همٍّ وغم
/١٥٥ أ/ وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إنَّ حمَّامنا الحمام لمن را ... م نعيمًا من غير ضرٍّ وبؤس
هي مثل الموت المنغِّص للَّذا ... ت بين بردٍ ويبس
стр. 2069
[٨٠٧]
محمَّد بن يحيي بن محمَّد بن هبة الله بن أبي جرادة أبو المفاخر بن أبي الفتح العقيليُّ.
من أهل حلب وأبناء أجلتها وقضاتها وأكابرها، فضلاً وعلمًا.
سمع الكثير من الحديث النبوي، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة – ﵁ – وأتقن صدرًا جيدًا منه، وناظر وتكلم مع الفقهاء، وقرأ أنموذجًا صالحًا من علم العربية، على الشيخ الفاضل موفق الدين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي، وأتقنه معرفة.
وهو شاب كيس دمث الأخلاق، جميل الخطاب، حلو المحاضرة، وربما جادت قريحته بشيء من الشعر على سبيل الرياضة فيجيد فيما يأتي به.
أنشدني لنفسه، كتبها إلى يونس بن المرتضى الشاعر: [من الطويل]
/١٥٥ ب/ ولابد أن يعلو بك الفضل رتبًة ... يجلُّ عن التَّحديد في الطُّول والعرض
وأتلو على رغم الزَّمان وكيده ... ﴾ كذلك مكَّنَّنا ليوسف في الأرض ﴿
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
وردت خباها والرَّقيب مهوِّم ... فهبَّت سريعًا قبَّح الله نعله
تعرَّف حالي فانصرفت ... ... ولي مصدر .... أضمر الفعل قبله
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
قالت: طرقت بيوت الحيِّ في غسق ... ثمَّ اهتديت إلينا، قلت: بالقمر
تبسَّمت فأضاء الخدر فاستترت ... عن النَّواظر في سحب من الشَّعر
وأنشدني أيضًا قوله: [من الكامل]
سرَّحت طرفي في رياض محاسنٍ ... عرف النَّسيم بنشرها متأرج
стр. 2070
فالقدُّ غصن، واللَّواحظ نرجس ... والخدُّ ورد، والعذار بنفسج
[٨٠٨]
محمَّد بن محمَّد بن حنين بن عمر بن أبي سعيد العربيُّ، البصريُّ المولد، الواسطي المنشأ، النحويُّ.
أخبرني أنَّه ولد في سنة إثنتين وستمائة.
شاب ألحى، ربع القامة، ذو فنون من العلم والأدب، حفظ القرآن المجيد، /١٥٦ أ/ وتفقه على مذهب الشافعي، وأخذ علم النحو عن أبي الفتح محمد بن أبي الفتح الواسطي، وأبي الحسن علي بن عدلان بن علي النحوي الموصلي، بمدينة السلام، وغيرها وعلى خاطره من النكت الأدبية، وعنده كيس ولطافة، ودماثة أخلاق.
ولمّا انحدرت صحبة الأمير الكبير العادل ركن الدين، إلى بلد البطائح، واستقر بها المقام، أبلغ أنَّ بواسط رجلاً فاضلاً، وأنَّه قد انحدر إلى قرية تدعى: "بأم عبيدة"؛ فأرسل في استدعائه، فأقبل إليه، فرآه كاملاً في كل فضل، فندبه على تأديب ولده الأمير شهاب الدين أبي الفضل عيسى – بلّغه الله تعالى فيه ما يتمناه – وقررّ له جامكية، ورتب له جاريًا يكفيه ويفضل عنه، في رأس كل شهر، وأصعد صحبته إلى مدينة السلام، وقربه وأدناه، وأنعم عليه.
أنشدني لنفسه، ليلة الجمعة الثانية عشر [ة] من شعبان، ببلد البطائح من الأعمال الواسطية، سنة تسع وثلاثين وستمائة، من قصيدة منها: [من الخفيف]
دمت ما دامت الفواعل أسما ... ًء صراحًا واشتدَّ جرس الطَّاء
وتمكَّنت ما تمكَّنت الألـ ... ـفاظ حال الإعراب لا في البناء
. ما ارتفع الفا ... عل أو ضمَّ خالد في النِّداء
/١٥٦ ب/ ثمَّ لازلت في دسوتك منصو ... بًا كزيد في حالة الإغراء
следующие страницы →