← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

يا بني صقر شرفتم أنفسًا ... فهي عن كلِّ دنيِّ القدر تعزف قسمًا إنِّي بكم ذو كلف ... لست في ودِّي لكم بالمتكلِّف وإذا ما غبت عنكم لم تكن ... جفوةٌ لكنَّني عنكم مخفِّف ولقد جئتكم معتذرًا ... واعتقادي أن نجم الدِّين منصف لم أخل وهو صفِّيي أنَّه ... يتوخَّى الظلم في أمري ويعسف /٢٠٩ أ/ وعفيف الدِّين أولاكم بأن ... يتحامى القصد في عتبي ويسرف قال في مدح فراخي إنِّها ... تشبه الوزَّ إذا ما كان مخلف وإلى السَّيِّد تهدى وهو بالـ ... ـفضل منها لعفيف الدِّين متحف إن يكن عتبكم لي ديدنًا ... فبما أجنيه من جرم وأسلف يا أبا طالب صفحًا عن أخ ... ماله عن حبًّكم ما عاش مصرف وستأتيك فراخي عاجلًا ... منجز الوعد بها غير مسوِّف ثمَّ إنِّي أسأل الله الذي ... هو بالقدرة فينا متصرِّف أن نرى يا مالكي جهة ... أنت فيها العدل والمملوك مشرف [٨٣٨] محمد بن عليِّ بن المسلّم بن محمد بن الحسين بن مراجل أبو عبد الله الكندي. من أهل حماة ومن بيت مشهور بها. شيخ أشقر أزرق العينين، يتصرّف في الأعمال. أخبرني أنه ولد ضحوة نهار يوم الأحد ثالث شوال سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. لم يكن عنده يقّوم به لسانه من علم النحو، ويلحن إذا أنشد، وله طبع يطاوعه في قول الشعر. أنشدني بحلب لنفسه في أوائل محرم سنة خمسين وستمائة، ما/٢٠٩ ب/ كتبه إلى السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف- خلّد الله ملكه-: [من الوافر] أيا ملكًا ترنِّحه القوافي ... ويطربه من الشِّعر النسيب

стр. 2137

أمانع أن أراك لسوء حظِّي ... وأبعد إنَّ ذا شيءٌ عجيب ولكنِّي سأنشد بيت شعر ... تحنُّ إلى معانيه القلوب: (إذا كان المحبُّ قليل حظً ... فما حسناته إلاًّ ذنوب) وأنشدني أيضًا لنفسه فيه- أعزّ الله نصره-: [من الطويل] أيا ابن العزيز النَّاصر الملك الَّذي ... إذا جار دهرٌ فهو بالجود بنصف على بابك الميمون حلَّت رحالنا ... وقد مسَّنا ضرٌّوها أنت يوسف وأنشدني لنفسه يهنّئ بالصيام: [من الخفيف] لا أهنِّيك بالصِّيام لأنِّي ... قد تركت الهنا ليوم العيد إنَّما التَّهنئات بالأكل والشُّر ... ب وصوت المثنى وضرب العود لا بصوم قد قرَّح الكبد حتَّى ... تراك العود فيه مثل العود وأنشدني لنفسه يرثي ولده عبد المحسن- رحمة الله تعالى-: [من الكامل] /٢١٠ أ/ عن عظم أحزاني بكم لا أنثني ... أبدًا ومالي بعدكم عيش هني أمَّلت أن سأنال كلًّ مأربي ... بكم فخيَّبني الزَّمان وصدَّني ولسوف أندبكم وأعلن بالبكا ... حتى أصير جوار عبد المحسن وأنشدني قوله فيه أيضًا: [من الكامل] يا بدر قد عظمت عليك رزيَّتي ... وتوقَّدت نيرانها في أضلعي ما كنت أرجو أن أكون مشيِّعا ... لك للمقابر بل تكون مشيَّعي ولئن جرى دمعي دمًا فيحقُّ لي ... أنا صاحب البلوى وغيري المدًّعي وأنشدني لفنسه في السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين، وقد رمى طيرًا، يسمّى الكيَّ: [من الوافر] كويت قلوب من عاداك كيّاً ... بصرع الكيِّ لمَّا إن تهيَّا فلا زالت سعودك سابقات ... ونجمك في العلا أبدًا مضيَّا ملكت النَّاصر السُّلطان عدلًا ... طويت به بساط الأرض طيَّا وسهم لم يفوَّق يوم حزب ... فأخطأ لا ومولانا عليَّا كأنَّ مجرَّة الأفلاك قوسٌ ... بكِّفك أو بنادقه الثريَّا

стр. 2138

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف] /٢٠١٠ ب/ وتقنطر به فديناك يا بغـ ... ـل إلى السَّهل من أعالي الحزون وإذا ما نجا ولا سلَّم اللـ ... ـه فإيَّاه يا كلاب الجون وأنشدني لنفسه في السيف والقلم: [من البسيط] إنَّ المقادير لا ترتدُّ حكمتها ... وقد تساوت في أحكامها الأمم إذا رأيت سيوف الهند قاطعًة ... ما ذاك إلَّا قد خطَّة القلم [٨٣٩] محمد بن عمر بن حافظ بن خليفة، يكنّى أبا عبد الله السَّعديُّ، الفقيه الحنفيُّ المدرس المعروف بابن العقّادة. من أهل حماة. نزل والده حلب واستوطنها، إلى أن توفي بها. وكان فقيهًا حنفيًا، تولّى بها تدريس المدرسة التي بظاهر المدينة، ولمّا مات قاتم ولده هذا مقامه في التدريس، وفوّض إليه ما كان إلى والده. وكان أبو عبد الله؛ شابًا أشقر، ربعة من الرجال، ذكيًا فاضلًا، عنده بشر وسكون، جيّد المعرفة بعلم النحو والعربية والأدب وقول الشعر الحسن. ويكتب خطًا في غاية الجودة، وكان فقيهلااً، مجوّداً مناظرًا، اجتمعت به غير مرة، وحضرت معه بحلب، واقتضيته شيئًا من شعره؛ /٢١١ أ/ فكان يعدني ويجيبني إلى ذلك، ولم يتفق إنشاد شيء من أشعاره، ثمّ مرض في أثناء ذلك، وتوفي يوم المجمعة سابع عشر جمادي الأولى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن قريبًا من مشهد الخضر، بمقام إبراهيم الخليل- ﵇ قبلي المدينة ظاهرها- رحمة الله تعالى-. وأخبرني أنَّه ولد في سنة اثنتين وستمائة، وبعد موته صار إلىَّ كراسة من شعره، تتضمن غزلًا ومدحًا، وغير ذلك وهي بخطه.

стр. 2139

ومما نقلته من خطّ يده، قوله في الغزل: [من الطويل] ومعتدل كالغصن قد غادر الورى ... على خطر من قدِّه حين يخطر إذا مارنت منه اللَّواحظ وانثنى ... حمى حسنة عنَّا حسامٌ وأسمر وإن صال يبغي نصرةً فغضنفرٌ ... كما أنَّه إن نصَّ جيدًا فجؤذر وإن حلَّ في أرض ومرَّت بها الصَّبا ... تنفَّس فيها عن بر الأرض عنبر وإن فاه بعض العاشقين بذكره ... تضوَّع مسكٌ بالَّذي فاه أذفر ومن بك هذا طيب ذكراه غائبًا ... فكيف يكون ذكره حين يحضر من الُّرك مسكىُّ السَّوالف ليِّن الـ ... ـمعاطف معسول المراشف أحور تطيب برؤياه النُّفوس وإنَّما ... بأنفاس ريَّاه الجيوب تعطَّر /٢١١ ب/ وليلة وافى والدُّجى مثل شعره ... وطلعته فيها كم الصُّبح تزهر فقلت: وفيت الآن وعدم في الهوى ... فقال: ومثلي في الهوى كيف يعذر إليك قطعت البيد من رمل حاجر ... أخوض الدُّجى إذ بالقنا الخيل تعثر فبتُّ ولي من ورد خدَّيه موردٌ ... ومن صدره أفديه بالنَّفس مصدر ولي من سجاياه الشَّهَّية جنَّةٌ ... لها من ثناياه البهَّية كوثر وقلت له [لا] زلت مستعذب الجنا ... ولا برحت أسد الشَّرى منك تحذر ويفديك منِّي في هواك تصبُّري .. وإن كان ما لي في هواك تصبُّر وقال أيضًا: [من الطويل] وطلق المحيَّا لا يرام وإنَّما ... هو الشَّمس لكن دارة البدر داره قريبٌ مدًى مرضاه سهلٌ خداعه ... بعيد ... مرآة صعبٌ مزاره نفورٌ ولم تظفر حبائل حبِّه ... بحبَّة قلب الصَّب لولا نفاره تعلقته ما طعم محبِّه فيضحى ... وتقريب المحبِّ شعاره وقلت: إذا خطَّ سلوته ... فزاد هيامي حين خطًّ عذاره وقال أيضًا: [من الطويل] تعلَّقته ما اشتاقه رمل عالج ... غرامًا وما ضمَّنته سلعٌ وحاجر /٢١٢ أ/ حرمت الرِّضا إن كنت منذ ألفته ... تأملته أوراءه لي ناظر

стр. 2140

إذا زارني أطرقت منه مهابًة ... وأمَّا إذا ما أزورَّ عنِّي فظاهر وقال أيضًا: [من الوافر] وأحر ساحر اللَّحظات أحوى ... شهىِّ المجتنى طلق المحيَّا ألمَّ بنا فأغنى حين عنَّى ... وأحيانا جميعًا حين حيَّا وجاد براحه واللَّيل داج ... فقلت براح قد طلعت عليَّا وشجَّ الرَّاح من فيه بريق ... فشجَّ لنا الحميَّا بالحميَّا وطاف بها على الأحياء يبغي ... نهاب نفوسهم حيّا فحيَّا فأحيا كفُّه من كان ميتًا ... بها وأمات من قد كان حيَّا فأسكرنا وأذكرنا حديثًا ... قديمًا في ربي نجد تهيَّا فبتُّ لنشر نشر حديث علوى ... على التَّذكار يطوي القلب طيَّا أغفِّر في الثَّرى خدِّي لعفرا ... وأروى الأرض من دمعي لريَّا وأستجدي الرَّباب مرور يوم ... على دار الرَّباب ودار ميَّا فشملي صار ثقل بنات نعيشٍ ... بهنَّ وكان شملي كالثريَّا وقال أيضًا: [من البسيط] /٢١٢ ب/ في أيِّ شرع وقد كلِّفت ذكراك ... حبًا نسيت محبًا ليس ينساك لو لم تكوني سواد العين منه لما ... أصار منه سويدا القلب مأواك من بالتقالي وعن عطف على كلف ... مغرًى بحبِّك أغراك وأعراك صوني معنَّاك عن معناك بارزًةٌ ... فقد أذبت معنَّاك بمعناك لا تصدعي القلب تبدي منه سرَّ هوًى ... أودعتنيه فما في القلب إلَّاك منعتنا طيب رؤياك على أمم ... منَّا ولا تمنعينا طيب ريَّاك أنت المغيرة ريم الرَّمل مقتلة ... عيناك عيناه أو عيناه عيناك بالقلب أدركت منك الحسن مكتتمًا ... وإنَّما الطَّرف أدراك بإدراكي لولا الهوى ما هوى قلبي لديك جوًى ... أزاله عنِّي يومًا ذكر مهواك أفتيت بالفتك في قلبي وفي جسدي ... أفديك من فيهما بالفتك أفتاك

стр. 2141

وجرت في قلب صبٍّ أنت جاريةٌ ... أجارك الله من بالجور جاراك نبِّئت هجرك عن أمن العداة وما ... ظننت هجرك إلَّا خوف أعداك ألست ظبي كناس من بني أسد ... فكيف رحت وأسد الغاب تخشاك يثني تثنِّيك عن غصن الأراك كما ... عن لامع البرق تثنينا ثناياك إنَّ الَّذي خلق الإنسان من علق ... من أطيب الطيب في الأحشاء أنشاك /٢١٣ أ/ ألم تري لنسيم الرِّيح رائحةً ... تضوع مسكًا إذا ما صافحت فاك ماذا عليك وفيك الحسن أجمعه ... لو كان حسنك مقرونًا بحسناك سقى العهاد بأكناف الأبيرق من ... بأن الحمى معهدًا فيه عهدناك ردِّي حديثك عن حزوى علىّ فما ... أحلى حديثك عن حزوى واحلاك فلست أنسى برمل الرَّملتين وقد ... بتُّ الملمَّ بما تقبيل ألماك إذ كلُّ عين إلينا غير ناظرة ... وكلُّ عين علينا طرفها باكي وربما ليلة بالجزع بتُّ بها ... وأنت ترعين في قلبي وأرعاك والحيُّ أساده تبدو ثعالبها ... بكلِّ أبيض ماضي الحدِّ فتَّاك أهدى الأمان إلى من ذرى إضم ... إلىَّ في هضبات الخيف أهداك نعم وجبّى الجبا وادي مني فبه ... نلت المنى إذ تمشَّى القلب يلقاك أهلاً بطيفك خاض اللَّيل محتقراً ... هول الفيافي ليقرينا تحاياك حيا فأحيا فحيَّاه الإله وأحـ ... ـياه خيالًا وحيَّاك وأحياك ألمَّ واللَّيل في قيد الصَّباح فما ... ألمَّ بالصَّبَّ حتَّى أمَّ مغناك لو امتطيت إلينا شوق أنفسنا ... إليك أسراك شوقًا نحو أسراك قد ملَّ جفني طيب النَّوم فيك جفًا ... فهل ألمَّ بطيب النَّوم جفناك /٢١٣ ب/ هل للَّيالي المواضي أن تعود لنا ... يومًا فتجمعنا دارٌ وإيَّاك عليك منِّي سلام الله ما برحت ... براح تخفي حياءٌ من محيَّاك ونقلت من خطِّة قوله، ما كتبه على ظهر كتاب الهداية في فقه أبي حنيفة- رضي

стр. 2142

الله عنه –وكان قبيل موته بأيام يسيرة، فسبحان الحي الذي لا يموت -: [من البسيط] يا ناظرًا فيه يجني من حدائقه ... ثمار ما أنا فيه غارسٌ ساقي أفني قريبًا وتبقى في الورى حقبًا ... فأذكر بها ذلك الفاني بذا الباقي وقال أيضًا: [من الطويل] منحناكم منَّا الوداد كرامًة ... لكم ومنعنا غيركم ودَّنا ضنَّا دعيناكم حفظًا وملنا إليكم ... رضًا فاعدلوا فينا ولا تعدلوا عنَّا وإن نقل الواشون عنَّا إساءًة ... فقد نقلوا ضدًّ الَّذي علموا منَّا وقوله: [من الطويل] نسيم الصَّبا إن زرت برقة ثهمد ... فبلِّغ سلامي منزل السَّيف أحمد /٢١٤ أ/ وإن لم يجب من جانبيه سوى الصَّدى ... فروِّبما الدَّمع مربعه الصَّدي وقفت به أشكو إليه وإنَّني ... لأشكو صباباتي إلى غير مسعد بقلب جريح حلف وجد مجدَّد ... وطرف قريح إلف جفن مسهًّد فهذا إن استجديته سلوةً أبي ... وهذا إن استنجدته الدَّمع ينجد وقد ساعدتني فيه سعدانهٌ متى ... أعدُّ لييلات الوصال تعدَّد وشتان ما بين القرينين شادنٌ ... وشاد من الورق الحمام مغرِّد فيا غضَّ عيش غاض ماء حياته ... سقاك الحيا من كلَّ وطفاء مرعد وعودي لنا يا ليلة الجزع عودةً ... وإن لم تعودي فاجملي القول أو عدي وفي الحيِّ خال من جوى القلب راقدٌ ... ومن يخل يومًا من جوى الحبِّ يرقد فصيحٌ يرى قسَّ الفصاحة الكنًا ... جوادٌ يرينا حاتم الجود مجتدي بهيُّ المحيَّا لو تراءى ليوسف ... لما قطعت في يوسف الحسن من يد همامٌ إذا ما همَّ أن يحضر الوغًي ... أراك الحسام مغمدًا غير مغمد إذا ما رمى عن رأيه سدَّد العدا ... ومن يرم عن رأيًّ سديد يسدَّد وإن كرَّ بالرُّمح الرُّدينيِّ طاعنًا تر الأسد الضَّاري يكرُّ باسد

стр. 2143

ومن حذري أكني بحيِّ كنانة ... وإن كنت أعزوه إلى الشُّم من عدي /٢١٤ ب/ أطعت فإن أتهمت أتهم صبابًة ... إليك وإن تنجد فديتك أنجد يفنِّدني عنك العذول وربما ... يزيد الهوَّى قول العذول المفنِّد ومرتحل يدنيه خرصٌ متثقَّفٌ ... ويصحبه حدُّ الحسام المهَّند يريك من الدُّرِّ النَّظيم وضدَّه ... بمبسمه النَّدِّى ومنطقه النَّدي سرى لا يرى في الله لومة لائم ... على نضره دين النَّبيِّ محمد وجرَّد في الله الحسام الَّذي به ... يريق دم الأعداء غير مجرد حسامًا له إن سلَّ هامت إلى العدا ... مضاربه أو صلَّ للهام تسجد فشيَّب من أفوادهم كلَّ أسود ... وسوَّد منهم وجه كلِّ مسوَّد وطرَّف منهم كلَّ طرف منرجس ... وخدَّد منهم كلَّ خدًّ مورَّد فأظهر دين الله كلُّ موحِّد ... ومكَّن بطن اللَّحد من كلِّ ملحد تيمَّمته سرّاً على قصد أنَّني ... أودِّعه جهرًا فما خاب مقصدي وزوَّدني شوقًا إليه وإنَّما ... تزوَّد منِّي عبرتي وتجلُّدي وأوهمت يمناه وقبَّلت صدغه ... وعدت وغدران الصًّبابة موردي وسار إذا استهدى به خباطٌ رأي ... هداه ومن يستهد بالبدر يهتد تولَّى تولَّى الله حفظ جنابه ... وسلَّمه أنَّي يروح ويغتدي /٢١٥ أ/ وقال أيضًا: [من الطويل] وأهيف يحكي الرُّمح إن ماس قدُّه ... بدا حسبنا جيبه إذ بدا شرقاً أغنَّ كحيل الطَّرف ذي نفرة فلم ... يخلَّ لريم الرَّمل خلقًا ولا خلقا جعلت له يومًا يميني وسادًة ... وما كنت أرجو أن أذوق له نطقا فضاجعني كالغصن بل غصن النَّقا ... وأرشفني كالخمر بل خمرة حقّا فعانقت من جثمانه الرُّكن عندما ... تعلَّقت من صدغيه بالعروة الوثقى وقبَّلت منه الخدًّ والثَّغر باسمًا ... فقابل طرفي منهما الورد والبرقا فلولا ذكت أنفاسنا وتصاعدت ... لأبصرتنا إذ ذاك في عرقٍ غرقي

стр. 2144

وقال أيضًا: [من الوافر] وخطِّي القدِّ خوطيِّ التَّثِّني ... رحيقي الرِّيق درِّيِّ الثَّنايا له من لحظة السَّاجي سهامٌ ... ولكن من حواجبه حنايا فإن لحظ القلوب يروم رميًا ... تثبَّت أن تكون له رمايا وفي أجفانه سيفٌ جرازٌ ... تمنَّاه هوادينا هدايا إذا ما راضه للسبي يومًا ... رضينا أن نكون له سبايا أيا من حاز حسن النَّاس جمعًا ... وجاز الحدَّ في كرم السَّجايا /٢١٥ ب/ رعاياك القلوب وأن جارٌ ... لها فأجر جوارك والرَّعايا ولا تصدع فؤادي تبد منه ... سرائرك المصونات الخفايا وحسنك قد وليت به علينا ... قضاء الحبِّ فاعدل في القضايا أمانًا منك يا سؤلي أمانًا ... فقد جرَّعتني غصص المنايا فلا بعدت يداك عن الأيادي ... ولا قربت خطاك من الخطايا وقال أيضًا: [من البسيط] من منصفي أو مجيري من صدودفتًي ... عذب التذلُّل في العشاق قد فتكا مهفهف من بني الأتراك معتدل ... سبى النُّفوس فما أبقى ولا تركًا ظبيٌ ولكنه يحميه إن صبًت ... منه العيون لا ساد الورى شركًا يذود عن شفتيه من لواحظه ... مهندٌ من فنون السِّحر قد سبكا ملكته ثغر قلبي إذ غدا ملكًا ... لكنَّه جار فيه عندما ملكًا وشمس راح بدت في كفِّ بدر ... ... من الزُّجاجة قد صاغوا لها فلكا لها نجوم حباب قد طفت دررًا ... فأطفأت بذكاها بهجًة لذكًا صفت فلمَّا السَّاقي أنامله ... قبضٌا على كاسها كانت له حبكا قم يا نديمي إلى الكاسات معتنمًا ... عيشًا ودع عنكز من صلَّى ومن نسكا /٢١٦ أ/ فإنَّ من قال: إنَّ الله ذو بخل ... أن يغفر الذَّنب إحسانًا فقد أفكا أما ترى طائر الأغصان من شجنٍ ... مرنِّحًا عذبات البان حين حكى

стр. 2145

فانظر فقد أسبل الرَّاووق أدمعه ... لمَّا رأى دم دنَّ الخمر قد سفكا خمرٌ يدور بها بدرٌ علا غصنا ... من الأراك نضيرًا ليِّنًا حركا معقرب الصُّدغ لو لاحت معاطفه ... ليوسف الحسن يومًا ظنَّه ملكا وقال أيضًا: [من البسيط] رسمٌ لعزَّة قد أقوت مغانيه ... راحت سحاب الغودي وهي تسقيه ولو رضيت بما تذري الجفون له ... لقلت: ليت جفوني من غواديه وقفت ناديه أدعوه وأسأله ... عن ساكنيه وأسقيه وأسقيه ساويته في البلى، لا في الهوى فغدا ... بحاله وهو يبكيني وأبكيه أحلَّ ناديك حيٌّ من بني مطر ... أم حلًّ فيك الحيا يومًا عزاليه صمتًا كأن ما غدت واديه غاديةٌ ... ولا أنثنت في مغانيه غوانيه أليَّةً بلييلات لنا سلفت ... وغضِّ عيش تولَّى في نواحيه إذ منزل الحيِّ طلق الثَّغر باسمه ... ومورد اللَّهو عذب الماء صافيه فهو الزَّمان الَّذي لو كان غانيًة ... لنا عقود جمان في تراقيه /٢١٦ ب/ يا موقدي جمر قلبي يوم فرقتهم ... ماذا على طفيكم لو طاف يطفيه أنتم تسليتم عنِّي ببعضكم ... محبُّكم عن هواكم من يسلِّيه أحبابنا لو علمتم ما نكابده ... من الغرام بكم أو ما نقاسيه أرفدتمونا فديناكم بمألكة ... تبري المريض وإن كانت لتبريه رحلتم عن جريح القلب موجعًه ... ونمتم عن قريح الجفن داميه فالوجد يرفعه شوقًا ويخفضه ... والشَّوق ينشره وجدًا ويطويه ودَّعتمونا فأودعنا ركابكم ... منَّا قلوبًا بنار الشَّوق تهديه عدلتم عن فؤادي إذ غدا لكم ... دارًا فهلَّا عدلتم سادتي فيه أقسمت لو كنت أدري قبل بينكم ... ما بعده لصحبت لرَّكب هاديه وقوله من جملة أبيات: [من المتقارب] هي الدَّار من حاجر دار أسما ... فبلَّ المنازل رسمًا فرسما

стр. 2146

وسلِّم على بان وادي العذيب ... فثمَّ أعيلام أطلال سلمى وقل لأصيحابنا ينثرون ... من لؤلؤ الدَّمع ما كان نظما على دار نعم بوداي الأراك ... فإنَّ لنعم على القوم نعمى وقفت لأسمع نوح الحمام ... ولكن بأذًن عن العذل صمَّا /٢١٧ أ/ أهيم إذا ذكر أسم الحبيب ... كأنِّي أرى الإسم عين المسمَّى وأهيف كالبدر عند التَّمام ... من الشَّمس أعلى مكانًا وأسمى رشًا ودَّه حجله فاستسرَّ ... وعاداه منه النِّطاق فنَّما وقال أيضًا: [من البسيط] وأهيف القدِّ عذب اللَّفظ ساخره ... أغنَّ ساحر لحظ العين ساجيه معقرب الصدع ريميًّ تلفته ... مخصَّر الخصر خوطي تثًّنيه يسبيك بالجيد منه وهو عاطله ... حسنًا فكيف إذا ما كان حاليه رنا وأغضى فقلت: المسك من دمه ... وجفنه الغمد لا ريبٌ ينافيه يا أضلعي لا تجنِّيه محافظًة ... فإنَّه بك قد أودى تجِّنيه وقال أيضًا: [من البسيط] قلبي بصدِّك عنِّي كم تعذبه ... تيهًا ووجهك عنِّي كم تحجِّبه يا بدرتمًّ يفوق الشَّمس مطلعه ... عذاره وقلوب النَّاس مغربه ويا غزال كناس من مهابته ... لا تستطيع أسود الغاب تصحبه قد راح قلبي له مرعًى فلا عجبٌ ... أن راح ماء حياتي وهو مشربه من قال في الحبِّ إنَّ البدر يشبهه ... فأنَّ في الحبِّ أوصافًا تكذبه /٢١٧ ب/ يعزى إلى العرب العرباء منطقه ... واللَّحظ منه إلى الأتراك منسبه من أين للبدر عيناه وطرَّته ... وعارضاه وخدَّاه وأشنبه أما وجفنيه شمس الأفق لو منحت ... باية النُّطق أضحت وهي تعتبه أفدي الَّذي طيفه ما زراني كرمًا ... إلَّا انثنى ولوى عينيَّ يركبه يروم تقليب قلبي في محبَّته ... أفديه من أين لي قلبٌ يقلِّبه؟ أملي تجنِّيه ظلمًا زادني ألمًا ... وإنما أصل آلامي تجنُّبه فيا حبيبًا حباني بالهوى وهو ... عنِّي ليخبر أن الغدر مذهبه

стр. 2147

ويا رشًا راش سهم الصَّدِّ مقتصدًا ... لصبَّ حتَّى عليه ضاق مذهبه ويا غزالًا غزاني حين غازلني ... بمرهف من غريب السِّحر مضربه من لي أراك وعين البحر راقدةٌ ... والوصًل يقظان خلو القلب طيِّبه حتَّى أبوح بسر كنت أكتمه ... خوفًا وأعرب شوقًا كنت أغربه وله من جملة أبيات: [من المتدارك] لصدودك همت إليك صدى ... ولهجرك واصلت السُّهدا وغرامٌ فيك أكابده ... قد أتلف قلبي والكبدا فإلى م تعاندني عبثًا ... وبلحظك جرحي قد عندا /٢١٨ أ/ وتقلِّب قلبًا منصدعًا ... بهواجر هجرك متَّقدا علِّقت غزالًا من أسد ... يصطاد بمقلته الأسدا قد حلَّ ذؤابته فأضً ... ـل وأبرز طلعته فهدى وإذا ما افترَّ تحار العيـ ... ـن أثغرًا تنظر أم بردا يا أحمد دونك سفك دمي ... لا إثم عليك ولا قودا قسمًا بسميِّك لا أسكنـ ... ـت سواك فديتك لي خلدا إن متُّ بحبِّك يا مولا ... ي وعيشك كنت من السُّعدا وحديث سميِّك صلى اللـ ... ـه عليه بذلك قد شهدا من مات محّبًا بالكتما ... ن عفيفًا كان من الشُّهدا يا قلب عليك جميًل الصَّبـ ... ـر وإن يك صبرك قد نفدا فلصرف زمانك منصرفٌ ... ولمدة هذا الهجر مدى وارقد لعدوِّك مضطجعًا ... إن كان عدوُّك ما رقدا وقال أيضًا: [من البسيط] إذا ذكرتك فاضت أدمعي وذكت ... نيران وجدي وزادت فيك أشجاني وبتُّ ملقًي على فرش الضَّنى فلقد ... قد نافرت فيك طيب النَّوم أجفاني /٢١٨ ب/ عان بذا السُّقم أرعى في مدى سهري ... من أنجم الأفق نجمًا ليس يرعاني من مبلغ التاركي في حبِّة مثلًا ... ينسى به ذكر ما قيسٌ وغيلان أنَّي دنا أو تناءى رقةً وجفًا ... مغرًى بحبِّيه في سرِّى وإعلاني

стр. 2148

[٨٤٠] محمد بن عمر، أبو عبد الله الغماريُّ. من أهل ميورقة من البلاد الأندلسية رأيت من شعره ما مدح به المولى الصاحب الوزير الكبير العالم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيبانّي بحلب- أدام الله تمكينه-: [من مجزوء الرجز] هل للِّقاء من موعد ... بأغيد المقلَّد أما تراني من هوا ... ك في المقيم المقعد وأنت عنِّي ملته ... في حسنك المجدَّد تلعب بي لعب الصِّبًا ... بقدك المؤوَّد مهما تشكَّيت لك الـ ... ـوجد تقل إلى غد فلا أنا بمقصر ... وأنت لست مسعدي لحظك لي مثاقفٌ ... عن خدِّك المزرَّد /٢١٩ أ/ وقد جمعت نفرة الـ ... ـظَّبي وبطش الأسد وليس لي منك حمًى ... إلَّا حمى المؤيَّد فقال لي: كن آمنًا ... وابشر بنيل المقصد إن المؤيَّد الَّذي استنجدت خير منجد أشهر أهل الأرض في ... مكارم وسؤدد أقدمهم في شرف الأ ... صل وطيًب المحتد أطولهم يدا ندًى ... أقولهم في مشهد أعزُّهم جارًا وأو ... فاهم بحسن الموعد أما رأيت فضله ... يروى بكلِّ بلد وأنَّه ينطق عن ... بحر علوم مزبد أما سمعت مدحه ... في فم كلِّ منشد هو الكبير قدره .. في صورة المقتصد!

стр. 2149

كم من يدله على ... هذا الورى كم من يد؟ دامت له النِّعمة والـ ... ـسَّعد دوام الأبد [٨٤١] محمد بن عيسى بن نظام الملك، الأمير. من أهل بغداد. يقول في الوزير أبي الثناء محمود بن محمد بن مقدار الحرّاني من قصيدة أولها: [من الوافر] فؤادي فيك زمُّوالا النِّياقا ... وشوقي دعدع الحادي وساقا وصبري عنك يا تامور قلبي ... قضى وتجلُّدي بلغ السِّياقا جلاك لي الفراق فصرت شوقًا ... إلى رؤياك أشتاق الفراقا ومنها يقول: فسائلي الفراق عن اغتماضي ... وقلبي فانشدي عنه الرِّفاقا تخبِّرك الرَّكائب أيَّ دمع ... أرقت بها وأيَّ دم أراقا وأنَّ الرَّبع منك دعا دموعي ... فلبَّته بوادرها اشتياقا [٨٤٢] محمد بن عياش بن صباوة بن أبي بكر بن عبد العزيز بن رضوان بن عياش بن رضوان بن منصور بن دويد بن صالح بن زيد بن عمرو بن الزبار بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن /٢٢٠ أ/ تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة أبو الفضل بن أبي البقاء النحويُّ الأديب العرمانُّي.

стр. 2150

وعرَّمان قريةٌ كبيرةٌ من اشهر قرى صرخد من عمل حوران من الولاية المشهورة بدمشق. دخل حلب وسكنها مدةً من الزمان، وسافر إلى بغداد، ثم رجع عنها إلى إربل، وأقام بها أيامًا قلائل، ثم رحل عنها ونزل الموصل، وتوجه إلى حلب، واستقر بها مقامه، واستوطنها وسكن المدرسة النورية المنسوبة إلى بني عصرون. وكان يختلف إلى أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد [الله] بن الجبراني النحوي المقرئ، يقرأ عليه وعلى الشيخ الموفق أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي؛ علم العربية والأدب، وأتقن معرفة هذا الشأن، وتمهر فيه على أبناء زمانه، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ إلا أنه غلب عليه علم الأدب والإعتناء به. وكان واسع الحفظ لأشعار المحدثين وغيرها من أشعار العرب. وكان ذكيًا متوقدًا، جاري اللسان، ولم يدع جنسًا من أجناس الشعر، وفنًا من فنونه إلاّ واستظهر /٢٢٠ ب/ منه جملًة وافرًة. وكان يسر ديوان أبي تمام والحماسة، وشعر أبي الطيب المتنبي، ويجيد قول الشعر، وهو منه على طبعة متوسطة. وكان قادرًا على إنشائه، يقوله لهوى قلبه، ولا يرتزق به كعادة الشعراء اللذين يستميحون بأشعارهم، ويقصدون بها، وكان يعزّ نفسه عن الإسترفاد، وكان نظمه عليه سهلًا، وكان ضنينًا به لا يرى إثباته إلَّا يطرحه ويلغبه. وكان يصنع الأشعار ويعزيها إلى الكبراء من أهل حلب، وأولى الثروة الذين كان يغشاهم ليتبجح عندهم بذلك وتنفق سوقه، وربما عثر لشاعر بأبيات فيسلخها، ويغير ألفاظها، ويبدّلها ثم ينتحلها. وكان شابًا قصيرًا، لطيف الخلقة، منزعج العينين، شعره يضرب إلى منكبيه.

стр. 2151

يتزيّا بزي المغاربة، وإذا نطق بالقاف جعلها كافًا. وكان خفيف الرأس، ناقص العقل، مبدّد الأحوال، سوداوي المزاج، تعتريه السوداء، ذا هوج وسرعة غضب، وربما أفضى به ذلك إلى ضرب من ضروب الجنون. وكان يسرف في المزاج والمداعبة. /٢٢١ أ/ إنسان سوء، قلَّ أن سلم أحدٌ من شرِّه ولسانه، وقد جعل هجيراه الوقيعة في أعراض الناس وتلقيبهم، ولم يترك أحدًا من الأماثل بحلب إلَّا وأظهر له لقبًا ونبزه به. يفعل ذلك على سبيل الإنبساط والمجانة، وكنت في بعض الأوقات ألومه على ذلك وأعنفه، فكان يقول لي: أنا أحبُّ اللعب والهزل. وكان مع ذلك شديد الميل إلى المرد الصباح الوجوه، مغرًى بمعاشرتهم والاختلاط بهم. وكان يذهب مذهب الباشطاريًة، ويتعاطى الرُّجلة والشجاعة وركوب الخيل والمسابقة بها، وما نازعه أحدٌ في شيء ما إلاّ وشهر عليه سكينًا، وتوعّده بالفتك. وكان قد رفض جنب الله تعالى، ولم يخل في زمانه من هوًى يعلق بقلبه، ويستحوذ على ذهنه ولبّه، ويضمنه شرح أحواله، ويذكر ذلك في أقواله، ويصف ما يلقاه من تباريح الهوى، ويجده من شدّة الجوى، والشكوى والغرام، والصبابة والهيام، والجفاء والبعاد، والشوق والسُّهاد. ولم يزل بالغلمان الملاح مشعوفًا، مستهترًا بهنَّ معروفًا؛ ذوي القدود الرشاق، والخصور الدقاق/ ٢٢١ ب/ والطور المصفَّفة، والوجنات المترَّفة، وميله إلى هوى نفسه، هو الذي أودى به إلى رمسه؛ لا جرم عاد عليه وباله، ومات أشنع موته، وخسر الدنيا والآخر. وكان يظهر التدين، وفعل الخير، وباطنه بخلاف ذلك، وما ظهر لي منه، شهد الله تعالى ألاّ استقامة الأحوال، وسلوك السَّمت الحسن، حتّى خبِّرت أنَّه هوى صبيًا أمرد بالمدرسة العصرونَّية، وأحبهّ حبًا مفرطًا، والصبيُّ يكرمه، وينفق عليه، ويعاشره أجمل عشرة تكون بين الأصدقاء، ولم يعلم الصبيُّ ما في نفسه إلى ليلة من ليالي شهر رمضان، وهي الرابعة عشر [ة] منه بعد صلاة عشاء الآخرة، وثب على الصبيّ خلسًة فضربه بسكين كانت معه معدَّةً فجرحه ثلاث جراجات، فنزل شخص آخر من المدرسة المقيمين بها، فضربه ضربتين ثم انهزم وصعد إلى بيته الذي يسكن به في علوّ المدرسة،

стр. 2152

وقفل عليه الباب، فسمع شخصًا من المدرسة، يقول: قتل العرَّماني إثنين، فخاف على نفسه الصلب، فذبح نفسه! وبقي على صلاة الصبح، فجاء غلمان الوالي، فكسروا /٢٢٢ أ/ الباب، وألقوه من دركاة المدرسة، فبقى إلى ضاحي نهار يوم الإثنين، ثم دفنوه بمقبرة الجبيل وذلك في سنة خمس وأربعين وستمائة – سامحه الله تعالى- وعمره يومئذ في حدود الربعين أو نيّف عليها بيسير. وما أنشدني لنفسه، وكتبه لي بخطّه: [من الكامل] يا صاح دع عذل العوا ... ذل في معتَّقة الرَّحيق صرفًا تلهًّب في الكؤو ... س كأنها لهب الحريق ممَّا تخيَّرها المسيـ ... ـح ذخيرةً للجاثليق وكأنَّها ذوبٌ من الـ ... ـياقوت لا ذوب العقيق يسعى عليك بها غزا ... لٌ كالغزالة في الشروق رشاٌ رشيق قوامه ... أحلى من الغصن الرَّشيق جلَّت بدائع حسنة ... عن وصف ذي الذِّهن الدَّقيق لك كلَّما نادمته ... سكران من خمر وريق أوما ترى وشي الرُّبى ... أربي على الوشي الأنيق كم فيه من زهر يرو ... ق الطَّرف في غصن وريق /٢٢٢ ب/ لمَّا تخلَّله النَّسيـ ... ـم ومسَّه مسَّ الشَّفيق لثمت ثغورٌ للأقاح ... به خدودًا للشقيق وتأرَّجت نفحاته ... كتأرُّج المسك السًّحيق وكأنَّ نرجسه مدا ... هن من لجين للخلوق وكأنَّ زهر بهاره ... العقيان أو خدُّ المشوق والجوُّ في حلل مطرًّ ... زة بمذهبه البروق فاشرب وصل منها صبو ... حك كلَّ يوم بالغبوق وتسلَّ عن كلِّ الأنام ... فليس فيهم من صديق

стр. 2153

وأنشدني لنفسه في الزهد، والرجوع إلى الله – : [من المجتث] ياربِّ يا من إليه ... كلُّ الأمور تصير يا من على كلِّ شيء ... هو القوىُّ القدير إرحم بعفوك واغفرً ... ذنبي فأنت الغفور فليس لي من عذاب ... إن لم تجرني مجير وأنشدني لنفسه، يستدعى صديقًا له: [من مجزء الكامل] /٢٢٣ أ/ قم يا كمال الدِّين نغـ ... ـنم طيب ذا اليوم المطير بمدامة قد عتِّقت ... من عهد كسرى أردشير يهدي إليك نسيمها ... أرج الخزامي والعبير رقَّت فما في كأسها ... منها سوى إشراق نور كادت تطير فعاقها ... شبكٌ من الدُّرِّ النَّثير يسقيكها ذو قرطق ... أبهى من القمر المنير فإذا سقاك ثلاثة ... صرت الأمير على الأمير ونشرت كلَّ فضيلة ... طويت من الفضل الغزير فتعال فاشربها تسًـ ... ـرٌّ فليس شيءٌ كالسُّرور وأنشدني لنفسه يمدح: [من مجزوء الرجز] يا ملكًا إنعامه ... عمَّ جميع البشر وبأسه في الرَّوع أمـ ... ـضى من مضاء القدر هبَّ إلى الرَّاح فقد ... هبًّ نسيم السَّحر وغنَّت الطَّير فأغـ ... ـنت عن سماع الوتر /٢٢٣ ب/ والجوُّ يجلى في رد ... اء فاختيٍّ عطر كأنَّه معترضًا ... دخان عود نضر وطلُّه مثل اللآ ... لي في عيون الزَّهر والأرض من رياضها ... في حلل من حبر فقم إلى مدامة ... صافية من كدر

стр. 2154

كأنَّها ياقوتةٌ ... قد رصِّعت بالدُّرر يسعى بها قضيب با ... ن مثمرٌ بالقمر حيَّر غزلان النَّقا ... بجيده والحور يسقيكها ومثلها ... من ريق فيه الخصر ولا تزل في نعمة ... ممتَّعًا بالعمر وأنشدني لنفسه: [من المديد] وبديع الحسن ليس له ... غير قتلي في الهوى إرب فعلت أحاظه بي ما تفعل الهنديَّة القضب وشفائي لو يجود به ... ما حواه ثغره الشَّنب ريقه صهباء صافيةٌ ... وثناياه لها حبب /٢٢٤ أ/ عجبي من نار وجنته ... في مياه الحسن تلتهب إن بدا في الشَّمس من خجل ... بستور الحجب تحتجب كملت في الحسن صورته ... فإليه الحسن ينتسب كلُّ راحاتي به تعبٌ ... ويح من راحاته التَّعب وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل] أأحبابنا والله ما العيش بعدكم ... لذيذٌ ولا الصَّبر الجميل جميل ولا راق طرفي في الورى حسن منظر ... ولا تأق قلبي صاحبٌ وخليل ولولا نسيمات القبول تزورني ... لها أرجٌ من نشركم وقبول لما عشت من شوق إليكم مبرِّج ... بقلبي طول الدَّهر ليس يزول زعمتم بأن البعد شهرٌ وقد مضى ... فما للنوى تلوى بكم وتطول وأنشدني أيضًا لنفسه الشمس: [من البسيط] والشَّمس مصفرَّةٌ في الغرب قد نشرت ... شعاعها في تفاريق من السُّحب كأنَّما السُّحب أعلامٌ مورَّدٌ ... والشَّمس من تحتها ترسٌ من الذَّهب

стр. 2155

وأنشدني من شعره أيضًا: [من مجزوء الكامل] /٢٢٤ ب/ وجهٌ صفا ماء الجما ... ل به وشبَّت فيه ناره وكأنَّ خطَّ أبن العديـ ... ـم على حواشيه عذراه وأنشدني لنفسه في المعنى أيضًا: [من مجزوء الكامل] قد زخرفت في وجهه ... للنَّاس جنَّات النَّعيم وكأنَّ خطَّ عذاره الـ ... ـمنسوب خطُّ ابن العديم وأنشدني لنفسه، وقد سمع هذا البيت: [من الطويل] وسمراء رود حجَّبوها بأسمر ... يماثلها في اللَّون واللَّين والقدِّ فقال تمامًا له: [من الطويل] جفت فجفا جفني الكرى بجفائها ... كأنَّهما كانا لهجري على وعد وأنشدني أيضًا قوله، يصف الجيش: [من الطويل] خميسٌ كمثل البحر عبَّ عبابه ... أوائله ليست لهنَّ أواخر له تحت أطباق الأراضي زلازلٌ ... ومن فوق أفلاك النُّجوم زماجر وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرجز] يا مالكًا أمسيت من ... وجدي به متيَّما سقام جفنيك الَّذي ... أغرى بجسمي السَّقما /٢٢٥ أونار خدَّيك بها ... وقعت في جهنَّما من منصفي من شادن ... مهفهف عذب اللَّما حكَّمته في مهجتي ... فجار لمَّا حكم حكًّما كأن عقدي لؤلؤٍ ... في ثغره قد نظِّما

стр. 2156

قدر رقم الحسن له ... في عارضيه أرقما نمَّ بسرِّ حسنه ... لمَّا بدا منمنما وسلَّ من جفونه ... من اللِّحاظ مخذما وفوَّق الهدب بقو ... سي حاجبيه أسهما وهزَّ لدنًا ذابلًا ... من قدَّه مقوَّما فاعترضت من دونه ... يمنعه أن يلثما تحميه ممَّن رامه ... وقَّ للثغر الحمى وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرجز] وشادن شاد هو الشـ ... ـمس ضحى بل أحسن قد جمعت في خلقه ... لناظريه الفتن يودُّ جسمي انَّه ... حين يغنَّي أذن /٢٢٥ ب/ في مجلس فيه لنا ... أحسن ما يستحسن ما تشتهيه الأنفس ... وما تلذُّ الأعين وأنشدني له في غلام التحى: [من الطويل] ولمَّا اكتسى بالشَّعر توريد خدِّه ... وما حالةٌ إلاَّ تؤول إلى حال وقفت عليه ثمَّ قلت مسلِّمًا: ... (ألا أنعم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي) وأنشدني لنفسه: [من الطويل] يعادي فلان الدِّين قومٌ لو أنَّهم ... لأخمصه تربٌ لكان لهم فخر ولكنَّهم لم يذكروا فتعمَّدوا ... عداوته حتى يكون لهم ذكر وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر] ومالي لا أحيِّي دار ليلى ... وأحبس في معالمها ركابي واعتنق التراب لعلَّ قلبي ... يسكَّن حرَّة برد التَّراب وقد سلفت لنا فيها بليلى ... ليالٍ مثل ريعان الشَّباب

стр. 2157

وأنشدني لنفسه: [من السريع] أنشد عزُّ الدِّين أشعاره ... فما شككنا أنَّهادرُّ وما عجبنا أنَّه مخرجٌ ... لدُّرِّ منه وهو البحر /٢٢٦ أ/ وأنَّ أوصاف الوزير الَّذي ... يفرق من صولته الدَّهر قد أكسبت أشعاره بهجةً ... يخجل منها الشَّمس والبدر وأنشدني لنفسه في الفقيه الإمام نجم الدين موسى بن محمد القمراوي يمدحه: [من البسيط] أصبحت علاَّمة الدُّنيا بأجمعها .... تشدُّ نحوك من أقطارها النجب بأن على كبد الجواز منزلة ... تحفُّها من خلال حولها الشُّهب ما نال ما نلت من فضل ومن شرف ... سراة قوم وإن جدُّوا وإن طلبوا وأنشدني لنفسه يمدح الوزير عبد المحسن بن محمد بن الواحد بن حرب الحلبي، وزير الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف: [من الخفيف] إدَّعى مفتي الأنام رئيس الـ .... ـشَّام زين الإسلام قاضي القضاة أنَّ ذا الصَّاحب الوزير بن حرب ... ذا المعالي والأنعم السَّابقات نشار العدل في الرَّعيَّة طاوي الـ ... ـظلم عنها موفَّق العزمات خاضب الأبيض المهنَّد والأسمر ... في الرَّوع من نجيع الكماة /٢٢٦ ب/ والشُّهود العدول عدلٌ وفضلٌ ... ونزالٌ والأبحر الزَّاخرات وعجيبٌ أن أدَّعي ما أرى النَّا ... س أقرُّوا به وبالينات وأنشدني لنفسه وقد رأى شيئاً من شعر الصاحب الوزير الكبير العالم مؤيد الدين أبي نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أسعده الله تعالى-: [من الطويل] وقفت على شعر الوزير ابن يوسف ... فقلت شمالٌ صافحته شمول

стр. 2158

تداف من السِّحر الحلال كأنَّها ... نجوم سما ما لهنَّ أفول فللَّه أبياتٌ اتتنا بديهة ... وذاك على الفضل العزير دليل بخطَّ كنوَّار الحدائق جاده ... من المزن وكاف السَّحاب هطول سطور كوشي الرَّوض حسنًا أجادها ... بنانٌ بأرزاق العباد كفيل لك الله مولى شدَّ أزري وساعدي ... وقام بنصري والرَّمان خذول وقابلني إقباله عندما انثنى ... وأعرض عنِّي صاحبٌ وخليل فلست أبالي بالخطوب وظلُّه ... علىَّ على مرِّ الزًّمان ظليل فما خاب في الدُّنيا أمرؤٌ هو قصده ... ولا شملته ذلَّةٌ وخمول /٢٢٧ أ/ فدام لإسداء المكارم ما شدا ... حمامٌ وهبَّت شمال وشمول ونقلت من خطهّ، قوله بعد موته – رحمة الله تعالى- ما كتبه إلى الأمير الكبير العالم السعيد صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب- أدام الله سعادته- من حلب إلى الرُّها، يتشوقه ويستوحش له: [من الطويل] تجنَّي فقلبي من تجنَّيه يخفق ... حبيبٌ غريب الحسن ألمى ممنطق تبسَّم عن عذب الثَّنايا كأنَّها ... جمانٌ شذاها من شذا المسك أعبق ووسنانه أمضى شبًا من سنانه ... وقامته من قامة الرُّمح أرشق زها ورد خدَّيه باس عذاره ... فظلَّ به قلب الشَّقيق يشقَّق عسى هجعهٌ يا طرف علًّ خياله ... يزور إذا نام الرَّقيب ويطرق وكيف يزور الطَّيف لو ساعد الكرى ... من دونه بحرٌ من الدَّمع معرق ترى يرعوي عن هجره ويعود لي ... زمانٌ مضى لي منه بالوصل مونق ليالي لا ألوي على عذل عاذل ... بسمعي وغصن العيش ريَّان مورق /٢٢٧ ب/ وكأس الهوى صرفًا تدار وبيننًا ... حديثٌ كوشي [الروض] حسنًا منمَّق فلا عذر لي إن لم يروَّض بأدمعي ... من الحزن حزنٌ بالعقيق وأبرق وحتَّى متى أبلى أسى ببعاده ... أمالي مجيزٌ مجيزٌ في هواه ومشفق بلى إنَّ لي في ظلَّ يوسف ملجأ ... يشرِّد عنِّي الخطب والخطب محنق فتًى فات كلَّ العالمين إلى العلا ... بعزم يباري البرق سعيًا فيسبق فمن حاتمٌ في جوده وأبن مامة ... ومن عامرٌ في بأسه والمحرق

стр. 2159

وقد علم الآقوام أنَّك منهم ... بفعل النَّدى والبأس أولى وأليق وأضرب بالبيض الصَّوارم في الوغى ... وأطعن بالسُّمر اللَّدان وأحذق وكم معرك للموت جأشك رابطٌ ... به وبه هام الكماة تفلَّق تشقُّ به بحرًا من الدَّم مزبدًا ... بجيش به آذيُّه المتدفِّق على سابح نهد يريك نشاكه ... كأنهَّ به منه على الأين أولق فكيف أراك الدَّهر منك مساءة ... ومازال منك الدَّهر يخشى ويفرق لقد ساءني ما كان منه فأقبلت ... به عبرتي من لوعة تترقرق ويسألني عن حالتي من لقيته ... فأذهل عن ردِّ الجواب وأطرق ومادت به شمُّ الحبال مخافًة ... وكادت به روح المكارم تزهق /٢٢٨ أ/ ولكنًّه ولَّى وأعقب صحَّة ... مجدَّدة ليست مدى الدًّهر تخلق كما يكسف الشَّمس ساعة ... وعاد إليها نورها يتألَّق فشكر لمن عافاك من كلِّ مؤلم ... ومن كلِّ مكروه يسوء ويقلق وأبلغت عتبًا عنك أضرم ذكره ... حشاي بنار تستنير فتحرق وما كان تركي الكتب إلاًّ لأنَّه ... تعذَّر عندي من إليك يشرَّق وإلاَّ فمن يشتاق مثلي على النَّوى ... إليك ومن يحنو عليك ويشفق ويبقى على مرِّ الجديدين دائمًا ... جديدًا له عهدٌ وثيقٌ وموثق وجدت على قرب الدِّيار وبعدها ... كما جاد هطَّال من المزن مغدق بقيت بقاء النَّيرات مخلَّدًا ... وأنوارها من نور وجهك تشرق فللفضل والإفضال والبأس والنَّدى ... وللدين والدُّنيا ببقياك رونق وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف] يا غنّيًا عنِّي وما لي غنى عنـ ... ـه إلى كم يكون هذا الجفاء قد رثى [لي] الحسَّاد من سوء حالي ... وبكى رحمة لي الأعداء وقال أشعارًا كثيرة تفرقت وذهبت، كان ينفذها إلى معارفه واصدقائه.

стр. 2160

[٨٤٣] /٢٢٨ ب/ محمد بن عابد بن محمد، أبو المكارم الكرمانُّي الصوفيُّ الزرنديُّ أخبرني الصاحب الوزير أبا البركات المستوفي- ﵁ إجازة، قال: ورد إربل غير مرّة. ثم وردها في جمادي الآخرة سنة ست عشرة وستمائة، واجتمعت به في رجب. وكان الشيخ أبو نصر عمر بن محمد السُّهروردي، كتب له بخطّه إلى الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي [بن] بكتكين يثني عليه بما حكايته. "شهاب الدين الكرماني متفنن في العلوم، ويعرف المذهب والخلاف والحديث والتفسير والنحو واللغة. ومع ذلك هو ذو دين، وله النظم والنثر والترسل، ويصلح للتدريس والقضاء، وأن يبعث رسولًا. غير أنَّ بعض الناس تقبله بعض الطباع، وتأباه بعض الطباع فإن قبله الطبع بشيء من ذلك بقدر أن يقيم، وإلاّ فلينعم عليه بعوده إلى بلاده". فأحببت الإجتماع به لهذه الأوصاف المنسوبة إليه، فوجدت ثناءه عليه، أكثر مما نسبه إليه. وناولني ورقة يمدح بها أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، وقرأتها تهنئة بشهر رجب المذكور. وأولها: "حسبي الله كافيًا ومعينا" [من الكامل] /٢٢٩ أ/ رجبٌ أتى في حرمة وجمال ... متبخترًا في مشية المختال باب المليك مظفَّر الدِّين الَّذي ... سبق الملوك بجوده الهطَّال المحسن المطعام والمقدام من ... أضحى بسؤدده عديم مثال وصلاته وصلاته وصلاته ... مع حسن أخلاق ويمن فعال كالرَّمل او قطر السَّماء وعدِّها ... إيهون عدُّ قطاره ورمال يختار شأو المكرمات ووصفه ... قد فات كلَّ مجوِّد قوَّال ليبشِّر السُّلطان بعد قدومه ... ببقائه ألفًا من الأحوال

стр. 2161

في رفعه وجلاله ومكانة ... ونفاذ أمر نافذ الأحوال يا أيُّها السلُّطان والملك الَّذي ... فاق الخلائق في خلال جلال أعجزت أرباب المكارم والعلا ... بفضائل جلَّت عن الأمثال وجمعت شمال الدِّين بعد تشتُّت ... ونفيت عنه شعب كلِّ ضلال وصرفت عن حرماته قصد العدا ... بكتائب الأجناد والأبطال ورفعت أمر الشَّرع أرفع منزل ... ودفعت أهل الطَّبع بالأبطال ونصبت أعلام الهدى بسياسة ... وظبات أسياف وطعن عوالي قال: وهي أبيات كثيرة، وعقبها بكلام منثور ... الحاجة في إيراد ذلك. [٨٤٤] /٢٢٩ ب/ محمد بن غزة بن أبي الفتح بن سالم بن غرة بن مرة أبو عبد الله المري ثم العمريُّ الكلابيُّ. من أهل حرّان أخبرني أنه ولد بها في شهر شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. شيخ أشقر، عبل الجثة، قرأ طرفًا من مذهب الإمام الشافعي –﵁ على الضياء عثمان الزرزاريّ. رأيته بحلب، وهو ينوب محتسبها محي الدين أبا صالح عد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن العجمي، عنه في الحسبة. ومن يرى شكله وهيأته يحسبه معلم صبيان المكتب لرقاعته وحماقة في رأسه، ويتعاطى الفضائل، ويدّعي قول الشعر، وليس عنده من الذي يدّعيه شيء، بل يغلب على طباعه الحماقة والعاميّة. وزعم أنَّ له شعراً كثيرًا. ومما أنشدني لنفسه بحلب في شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة: [من الكامل] لو سار طيب خيالكم أو زارا ... لحملت من ثقل الهوى أوزارا لكنَّه كان الطَّليق من الجوى ... فجفا ولو يسري لفكَّ أسارى

стр. 2162

ولقد أقول لبارق من بارق ... بوميضه لمَّاورى وتوارى /٢٣٠ أ/ يا أيُّها البرق الَّذي بخفوقه ... أهدى إلى قلبي الخفوق وسارا أبكيت طرفي حين تبسم في الدُّجى ... فلذاك أجريت الدُّموع غزارا بالله قل هل عند من خلَّفته ... علمٌ بما جرَّ الفراق وجارا أم هل ترى أنسوا لصحبه ذاكر ... يتمثَّل الأوطان والأوطارا يا حار روِّح بالمطيِّ من السُّرى ... نفسًا فإنَّ دليلها قد حارا وأرفق بأبناء الغرام فإنَّهم ... من خمر كاسات الفراق سكارى قد طلَّقوا لذًّاتهم فنهارهم ... فكرٌ وأمَّا ليلهم فسهارى من كلِّ مطبوع على دين اللهوى ... وكفاهم هذا المقام فخاراً أنضاء شوق تستقلُّ بحملهم ... أنضاء سوق كالقسىِّ تبارى للنوح تحسبهم حمائم أيكة ... صارت لهم أكوارها أوكارا وكأن أحداج المطيِّ وهم بها ... أبرأج حسن أطلعت أقمارا وأنشدني أيضًا لنفسه إملاءً: [من الطويل] إذا مغرمٌ صبٌّ خلا من معينة ... فنجدته دمعٌ جرى من معينه ولم يك معتاضًا عن الحبِّ شأنه ... إذا عزَّ لقياه بفيض شؤونه! /٢٣٠ ب/ ولا تعذل المشتاق فيمن يحبُّه ... فعذلك يغريه بفرط جنونه وما ينفع الذَّال جذب شماله ... وقد أكد الميثاق أخذ يمينه أقام على دعواه عند عذوله ... براهين تنفي شكَّة بيقينه محاسن من يهوى فعاد عذيره ... خلّها بها عن وهمه وظنونه يموت ويحيا كلَّما شام بارقًا ... تألَّق من سهل الحمى وحزونه يذَّكره وصلًا مضى كحقوقه ... وظلمة هجر بعده كسكونه فلا تلما صبًا مشوقًا إلى الحمى ... ينوح على أوطاره لشجونه فإنَّ به ورق الحمائم في الضُّحى ... تنوح على كثبانه وغصونه وأنشدني أيضًا قوله إملاًء من لفظه: [من الوافر] ترفَّق في ملامك يا ملوم ... فما إعراضه حالٌ تدوم يريك قساوةَّ ويلين سرّاً ... كذا الأغصان من ميل تقوم

стр. 2163

أبثُّ إليه شكواي ويبدي الـ ... ـتَّجاهل وهو بالشَّكوى عليم بديعٌ في الجمال إليه يصبو ... ببهجة حسنه الرَّجل الحليم عدتني صحَّتي لصحيح طرف ... وأعداني به الجفن السَّقيم /٢٣١ أ/ وخدَّد مهجتي خدٌّ أسيلٌّ ... فبالأحشاء من كلفي كلوم أنست بنار خدَّيه كأنَّي ... لفرط صبابتي موسى الكليم أزال مدامعي من بعد صون ... فناثرها له ثغرٌ نظيم وأهوى قدَّه الخطَّار عجبًا ... إذا ما مال لا القدُّ القويم شكوت عقاربًا لدغت فؤادي ... ومادَّبت بوجنته تقيم عجبت ولا سليمٌ من هواه ... يذوق كرى ولكنَّي السَّليم وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط] ما رمت عن عاذلي وجدًا أكتِّمه ... اإلاَّ بوادر دمع العين تعلمه أنَّى يفيق من البلوى به دنفٌ ... وصحَّة الحبِّ والأشواق تسقمه بدرٌ له من ضياء الحسن أنوره ... ومن حنادس ليل الشَّعر مظلمة عجبت كيف سبى قلبي تمايله ... وأقتل الرَّمح في الهيجا مقوَّمه فلو ترى حين أشكو وهو يبسم من ... دمعي على صحن خدِّي كيف أسجمه فما السَّحاب سوى جفنيَّ هاطلةً ... ولا البروق به إلاَّ تبسمه يا باخلاً ظنَّ أنَّ الطَّيف يطرقني ... فصدَّه في السُّرى عنِّي توهمه /٢٣١ ب/ ما ضرَّ أنَّ خيالاً منك ترسه ... وكان يحظى به في النَّوم مغرمه وأنشدني أيضًا لنفسه، مما قاله في الغزل، مبدأ قصيدة: [من الطويل] سلاسل برق لاح والرَّكب متهم ... تقيَّد في رؤياه صبٌّ متَّيم ويخفق منه قلبه لخفوقه ... ويبكى لذكرى حبِّه وهو يبسم ومن عجب نارٌ على البعد أوقدت ... بأحشائه نار الأسى تتضرَّم أراقبها حتَّى الصَّباح لعلَّه يرى نسمة من نحوها تتنسَّم ويرجع إمَّا منه تهدي تحية ... إليهم وإمَّا بالتحًّية منهم

стр. 2164

خليليَّ كفَّا ليس عذلي ينافع ... وهيهات يصغى في الملامة مغرم ولا تعذلا ما كان أشهى لسمعه ... أحاديث تروى في المحبَّة عنهم فها رجبٌ سمعي وصبري لبينهم ... غدا صفرًا والنُّوم عنِّي محرَّم فيا مالكي في القلب منك نويرةٌ ... وفي جفن عيني من هواكم متمِّم وأنشدني لنفسه أيضًا عزلًا: [من الطويل] أفي الفتك أمضى لحظة أم مهنَّد ... حسامٌ غدا في العاشقين يجرَّد /٢٣٢ أ/ وغصن النَّقا فوق الكثيب إخاله ... وشمس الضُّحى أم وجهه يتوقَّد أحاط عليه مقفلٌ من عذاره ... عجبت له، أنَّى له وهو أغيد؟ وأعجب منه قاتلي وهو آمنٌ ... على نفسه والخدُّ منه مزرَّد حكى مدمعي في الخِّد رقَّة خدِّه ... ولكنَّه من لونه يتورَّد وثغرًا له في فيه أضحى منضَّدًا ... فمن أجله دمعي عليه مبدَّد رنا فسقى من لحظة الخمر صحبه ... فأعجب به صاح علىَّ يعربد نظلُّ سكارى لا نفيق من الهوى ... إذا ما انقضى سكرٌ لنا يتجدَّد تخيلته في خاطري فرأيته ... فمن عظم إجلالي له ظلت أسجد فكم حاسد أو عاذل عاد عاذرًا ... إذا ما رأى الحسن الَّذي فيه أحسد يروم صلاحي بالملا وما درى ... إلى العذل عنه في الحبَّة يفسد وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل] ذكر الحبيب لدى الكئيب شجون ... وكذا الملام لدى الغرام جنون مثل النَّسيم يزيد نيران الغضا ... لهبًا ويظهر ما بهنًّ دفين ظبيٌ رأى قلتي بلحظ عيونه ... أثَّرن في قلبي فهنَّ عيون /٢٣٢ ب/ لو لم تكن قضبًا تريق دماءنا ... ما قيل أغطية اللَّحاظ جفون لا تحسبن خالًا يلوح بخدِّه ... لكنَّ إثمي للأنام يبين

стр. 2165

إسودَّ فيه دمي ليبقى شاهدًا ... منه عليه في الحساب يكون يحكي القضيب إذا عتبت بميله ... حينًا ويعطفه على اللِّين أهوى لما يرضى وإن حتفي به ... ما عزَّ عندي ما عليه يهون أشكوه أم أشكو إليه وكيف لي ... لو أنَّه عند العتاب يلين إنِّي وإيَّاه قتيلٌ في الهوى ... ومبرَّاٌ في فعله وضمين وأنشدني لنفسه أيضًا، وكان قد رحل من حلب إلى البيرة: [من الطويل] أأحبابنا غبتم فأدناكم الهوى ... بقلبي فأنتم نازحون دواني يمثِّلكم قلبي فأنظركم به ... كأن لم تزل أشخاصكم بعياني ركبتم لحيني مركب الصَّدِّ جامحًا ... وشوقي إليكم آخذٌ بعناني وعوَّضتم عن قربكم ببعادكم ... فجودوا فما لي بالفراق يدان جنيت على روحي البعاد برحلتي ... كذا كلُّ جان للقطعية جاني /٢٣٣٢ أ/ يقلُّ اصطباري كلَّما زاد موهنًا ... وميض بريق بالشِّام شجاني على حلب مسراه في ظلمة الدُّجى ... كلمع ثغور أو فرند يماني خليليَّ من ذكر الحمى وطويلعٌ ... دعاني فذكر الاسفريس دعاني الأسفريس: محلّة بحلب. به منزلٌ فيه من الرِّيم آنسٌ ... نفورٌ إذا ما رمته لتداني حكى مدمعي ما ضمَّه من قلائد ... منظَّمة من لؤلؤ وجمان ولكنَّه لمَّا تلوَّن في الهوى ... تلوَّن مني فهو أحمر قاني عجبت له سكني فؤادي وما اعتنى ... بإسكانه من شدَّة الخفقان وأنشدني أيضًا من شعره في إنسان كبير الأنف: [من السريع] لو أن فرعون على أنفه ... لم يبن عالي الصَّرح هامان وحلَّ كسرى في ذرى حزبه ... وقد حوى الإيوان إيوان وجلَّ من أبدع في أنفه ... إذ هو على الصَّنعة برهان

стр. 2166

[٨٤٥] محمد بن غسَّان بن غافل بن نجاد بن غسّان بن غافل بن نجاد بن ثامر بن رفاعة بن نجاد بن محمد بن كامل بن محمد بن نجاد، أبو عبد الله الأنصاريُّ. من أهل دمشق. حكى محمد بن جامع الدمشقي، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن غسّان الدمشقي الأنصاري، قال: رأيت في المنام كأنّي في بستان كنّا نملكه في المزّة، وفيه جوزةٌ كبيرة. وكان والدي وأعمامي كثيراً ما يتغدون تحتها، فقلت: لا إله إلاّ الله هذا موضع أبي وأعمامي! ، فسمعت قائلاً ينشدني من أصل الجوزة، أسمع صوته ولا أرى شخصه، وهو يقول: [من الطويل] أيا منزل الأحباب هل فيك مخبر ... يخبِّرني أم هل نرى فيك منجدا عفوت فأعمى رسمك الموت والبلى ... وأقفرت حتَّى لا أرى فيك مسعدا أحبَّه قلبي فرَّق الدَّهر بيننا ... فلا تشمتوا بالبين أشرار حسًّدا بعدتم فذاب الجسم بعد بعادكم ... وأخليتم الأوطان أشمتم العدا فعودوا يعود الوصل بعد قطيعة ... فهيهات راح اليوم فاصبر إلى غدا فأنكرت آخر البيت، فسمعته يقول: هذا إقواءٌ.

стр. 2167

[٨٤٦] /٢٣٤ أ/ محمد بن فضل الله بن أبي بكر، أبو عبد الله الخطيب النيسابوريُّ. كان يتولّى الخطابة الريّ. وجدت له بخطّه نظمًا ونثرًا عربيًا وفارسيًا. ومما نقلت من شعره العربي، قوله وليس هو مختار شعره، ويغلب على أقواله العجمة والعجرفة. وهو القائل: [من الرمل] هبَّ ريح الشَّوق من برح النَّوى ... حين لاح البرق في وسط اللِّوى لوعة الأشواق دعني أشتكي ... أوقدت في أضلعي نار الجوى صرت من كأس الرَّدى في سكرة ... وغرامي دار بي دور النَّوى أنأ في الحزن صدَّت سلوتي ... عزم الأيام ضرِّي نوى حبَّذا آثار أنفاس الصَّبا ... آه من حالات لوعات الهوى وقال أيضًا: سقيًا لعهودنا الخوالي ... إذا عهد معهد الوصال العين على مني رواه ... تبكي وتذرف كاللآلي القلب بحبِّه يباهي ... إلًّا بهواه لا يبالي لمَّا برقت وميض طيف ... أيقنت مخايل الخيال /٢٣٤ ب/ أدي قمرًا إذا تجلَّى ... كالبدر أضاء في اللَّيالي أمسيت وهجره سلوِّى ... أصبحت ووصله سؤالي وقال أيضًا: [من الخفيف] طلع الصُّبح هات يا صاح ... رغم أنف العذول والَّلاحي قهوًة كالزُّلال صافية ... هي والله روح أرواح

стр. 2168

هيَّ في الجام أنجمٌ طلعت ... شعشعت نورها كمصباح لا تقف في إبتغاء مطلوبي ... واسع في حاجتي بإنجاح سدَّ باب الهموم فافتتحن ... بمفاتيح دور أقداح إغتنم في الصَّباح كأس طلًا ... فمضى الصُّبح أيُّها الصَّاحي أنا في الصُّبح عند ندماني ... راحتي في الصَّبوح والرَّاح وقال يهجو قاضيًا: [من السريع] قاض لنا في الفعل ممقوتًا ... في البغي والعدوان جالوتا بالجهل والنُّقصان معروفًا ... قد صار بالخذلان منعوتا في طلب الأير له همَّةٌ ... من شوقه لا زال مبهوتا [يبخل بالمال ولا يوتى ... لكنَّه في خلقه يوتى] [٨٤٧] /٢٣٥ أ/ محمد بن أبي الفتح بن أبي بكر أبي الفتح بن الحسين، أبو عبد الله، الأشترُّ الأصل، المصريُّ المولد والمنشأ. ذكر أنَّه من أولاد مالك بن الأشتر. أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الأشبيلي بحلب، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الأشتري لنفسه: [من الكامل] لو صحَّ في شرع الغرام وفاك ... لرشفت من شعفي لماك وفاك فعلام تعتمدين قتل متَّيم ... أترى نهاك عن الوصال نهاك ماذا يضرُّك لو مننت بنظرة ... ماذا يضرك لو جفيت جفاك حلَّلت قتل الصَّبِّ وهو محرَّم ... فبلحظك الفتَّال من أفتاك لولاك ما ملك الغرام حشاشتي ... وأذاب جسمي عامداً لولاك أهوى الأراك وما الأراك بمنزلي ... لكن لعلَّ على الأراك أراك

стр. 2169

واغضُّ عن ظبيات كاظمة الحمى ... طرفي وقلبي لا يحبُّ سواك فبغزِّ عزِّك يا سعاد بذلًّتي ... بنحول جسمي بالَّذي عافاك بعظيم ما في القلب منك بحقِّ من ... بالحسن قد حلاَّك إذا حلاَّك لا تتركيني عبرًة لأولي الهوى ... وترفَّقي يا هذه بفتاك /٢٣٥ ب/ وتعطَّفي من قبل قول مراقب ... لله يحسن في فلان عزاك إن كان سفك دمي بغير جناية ... وتلاف روحي في الهوى برضاك فاستغنمي فرص الزَّمان وذاك أنًّـ ... ـا يا سعاد وما ملكت فداك وبكلِّ ما شئت إفعلي بي إنَّني ... بخطاك يا لميا غفرت خطاك وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله قوله: [من البسيط] خف الصَّديق وكن منه على حذر ... ولا تقل جاءني هذا على نسق فالمرء يشرق بالماء الزُّلال إذا ... طورًا وطورًا به ينجو من الشَّرق وأنشدني، قال أنشدني لنفسه في صديق: [من الكامل] لا تعجبنَّ إذا دهتك مصيبةٌ ... من صاحب عكفت عليه ذئابه واحذر مصافاة الصَّديق فرَّبما ... عانت على غرق الغريق ثيابه وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل] قال الحبيب لصاحبي: صف داءه ... أبه جنونٌ؟ قال: لا، بل مغرم بك بات يحلم ليله فأجابه ... أوما كفاه ينام حتَّى يحلم لو كان في الدَّعوى محبّاً صادقاً ... ما كان يفني العاشقون ويسلم وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من المتقارب] /٢٣٦ أ/ يقولون لي: جلِّقٌ جنَّةٌ ... مزخرفةٌ للورى مفتنه فقلت وما إن بها محسنٌ ... يرى للغريب ولا محسنة إذا قطع الماء منها غدت ... كأربابها جيفةً منتنه

стр. 2170

[٨٤٨] محمد بن أبي الفخر بن أحمد، أبو حامد الكرمانيُّ الصوفيُّ الشيخ الزاهد. ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- ﵁ في تاريخه، وقال: ورد إربل غير مرَّة. وكان أوّل ما وردها معه جماعة من العجم، ونزل بالقبَّة الشمالية من المسجد الجامع يسرة الداخل من الباب الشمالي، وزاره الناس وعليه جبَّة صوف، واجتمع بالفقير إلى الله تعالى ابي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى- في مجلس سماع، وأراد الحج في تلك السنة، فزوّده ومن معه، واكترى لهم الظهر إلى مكة، سائرين وقافلين بجملة من مال ثم صار في آخر قدماته خاصًا بأسراره ينفذه رسولًا إلى الأطراف، وصار له خول ودواب كثيرة. وكان شيخ رباط الجنينة مشارك عمّاله في النظر معهم على حاصله، فحوسب فبقي عليه مال أطلقه له الفقير إلى الله تعالى أبو سعيد كوكبوري بن /٢٣٦ ب/ علي، وخرج من إربل فهو في ديار بكر وما والاها شيخ مشايخ ربطها. كان يحب أن يكون في ألقابه علم الهدى. أخبرني أنَّه ولد ببردسير سنة إحدى وستين وخمسمائة، يروي عن الشيخ أبي الغنائم غنيمة بن المفضل السجاسي، وهو صاحب خرفة في التصوّف. وسجاس قرية من قرى سهرورد بين زنجان وهمذان. هذا آخر كلامه. وقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي ثالث شعبان سنة خمسين وثلاثين وستمائة ودفن بجانبها الغربي بالشونيزى، جوار قطب الدين الأبهري- رحمهما الله تعالى- صار إلى قطعةٌ من شعره إلاّ أنَّ فيها لحنًا، وقد أثبتُّها هاهنا تبركاً بذكره،

стр. 2171

صنعها على نهج ذوي الأحوال والمعارف، أنشدنيها شيخ الشيوخ عماد الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن أبي عصرون التميمي- أيده الله تعالى- بحلب قال: أنشدني الشيخ الصالح العابد أبو حامد محمد بن أبي الفخر الكرماني لنفسه: [من مخلع البسيط] في الشِّدَّة والرَّخا جميعًا ... أرجوك ولم يخب رجائي /٢٣٧ أ/ يا سمع جئت مستجيرًا ... أدعوك لتستجيب دعائي أفنيت لحبّكم وجودي ... كي يحصل في الفنا بقائي ما كان ولا يكون حاشا ... إلاَّ لرضاكم رضائي ياربَّ محمد أجرني ... من مخرقتي ومن ريائي إن يحسن أويسي صنعًا ... حالي معكم على السَّواء ما حلت ولا أحول يومًا ... عن باب مناك يا منائي [٨٤٩] محمد بن القاسم بن هبة الله بن القاسم بن لعي بن محمد بن الحريريِّ، أو عبد الله بن أبي الحريريِّ أبو عبد الله بن أبي محمد الطبيب الحكيم. من أهل دنيسر. كان والده ممّن يشار إليه في زمانه في علم الطب والمداواة، وله الإصابة في الإنذار في غالب أوقاته. وابنه هذا قرأ على الشيخ المهذّب أبي الحسن علي بن أحمد بن هبل البغدادي الخلاطي بالموصل شيئًا من كتابه "المختار". ورحل إلى بغداد، فظهر له بها القبول عند الناس، وعالج بها خلقًا كثيرًا بالأدوية، وبعمل اليد. ثم رحل منها إلى بلاد العجم.

стр. 2172

قال صاحب كتاب "حلية السريين من خواص الدنيسريين": /٢٣٧ ب/ أنفذ كتابه إلينا من نيسابور، بأنَّه يقرأ على الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي المعروف بابن الخطيب. وله خطٌّ مليح. كتب على [خطٌ] الأمير أمين الدين أبي الدُّر ياقوت بن عبد الله الموصلي زمن اشتغاله بالطب على إبن هبل، وتقدّم بعلمه عند الملوك والسلاطين، ورغبوا في استخدامه، لاسيما في دولة الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب، فإنَّه حظي لديه، وصنّف له كتابًا سمّاه: "الروضة" على وضع "كليلة ودمنة" وكتاب "البلغة". ومع ذلك له مشاركة قويّةٌ في الفنون الأدبية، وقرض الشعر. وله خاطرٌ سريع في إرتجاله، ويدٌ طولى في صناعته، هذا آخر كلامه. أنشدني الشيخ الحافظ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن القاسم بن الحريري لنفسه بسنجار في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة، وأنشدها الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب –رحة الله تعالى- ونظم ذلك بديهةً: [من الكامل] /٢٣٨ أ/ يا أيُّها الملك الَّذي بعلومه أصبحت بين يديه كالمتعلِّم أبدعت فيما قلت حتَّى لم يقل أبداً بأنَّ الفضل للمتقدِّم وأنشدني أيضًا في التاريخ المذكور، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه يمدح الملك الأشرف- رحمة الله تعالى-: [من الكامل]

стр. 2173

أهدي لمولانا دعاء صالحًا يدعو به في الصُّبح بعد صلاته وسوى الدُّعاء فلست أملك غير ما ... أحويه من صدقاته وصلاته [٨٥٠] محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أحمد بن محمد بن سعيد، أبو عبد الله الأمديُّ. قال الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- ﵁ في تاريخ إربل: ويعرف بالرشيد الدمشقي، وسألته عن مولده؟ فقال: بامد، فقلت له: في أي سنة؟ فقال: ما هو معيَّن، إنما أنا في حدود عشر الثمانين. وحدثني أنَّه قرأ الخلاف والفقه، وسافر إلى خراسان وغيرها، وسمع في صغره شيئًا من الحديث، ولم يكن من مطلوبه، إنَّما سمعه في جماعة سمعوه. وذكر أنَّه لقي أبا بكر يحيى بن سعدون القرطبي وغيره. لزم /٢٣٨ ب/ طريقة أهل التصوّف، وقال بمذهبهم، وهو- كما ذكر – ورد إربل غير مرّة. وأنشدني من شعره في سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وستمائة؛ برباط الجنينة المعمور. وكان فقيهًا حنفيًا إمامًا مقدمًا في مذهبهم، أنثى على علمه بعض الحنفيّة ثناءً كثيراً. وكان نحويًا عالمًا بالنحو. ثم قال: أنشدني لنفسه، وذكر إنه عملها في بلاد العجم، وقد عاجله الشيب: [من الكامل] ما شبت من كبر ولكن شيَّبت ... رأسي شدائد للمتون قواطع لو أنَّ بعض مصائبي يمني بها ... ويذوق شدَّتها غلامٌ يافع لنضالها برد الشًّبيبة واغتدى ... للشيب في فوديه نجمٌ طالع والنَّاس في اللأواء حين تعدُّهم ... رجلان: ذو صبر، وآخر جازع فاصبر على مضض الحوادث إنَّها ... ميزان عدل خافضٌ أو رافع ولتعلمن أن البلاء لأهله ... كالسَّبك للإبريز مؤٍذ نافع

стр. 2174

[٨٥١] محمد بن محمد بن أحمد، أبو عبد الله البرزيُّ. من أهل وسط. ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي –﵁ في تاريخه، وقال: ورد إربل في العشر الأولى من شعبان /٢٣٩ أ/ سنة أربع عشرة وستمائة. وكان يسأل الناس معرضًا لا يعف عن أحد ملك أو سوقه، رفيعٍ أو وضيعٍ أنشدني أبو عبد الله البرزي لنفسه: [من البسيط] لو لم تهج بالجوى المذكي بلابله ... ما لجَّ باللَّم والتعنيف عاذله صبٌّ إذا قال: هذا الشَّوق قد ذهبت ... عنِّي أواخره عادت أوائله يا مصلتًا من قراب اللَّحظ سيف هوًى ... مهنَّداً لا يريد السِّلم حامله هذا اللًّي أولعت عيناك في دمه ... ظلمًا لآيَّة حال أنت قاتله واهيف كقضيب البان ما انعطفت ... أعطاف سمر القنا لولا شمائله يكاد يوهيه ممَّا فيه من ترف ... مرُّ النَّسيم وتدميه غلائله كالماء لو باشرته كفُّ مغتبق ... لسال ما قبضت منه أنامله قالت لنا عينه سحري بلبتكم ... فأين هاروتكم أم أين بابله يا من أمانيُّ عيني إن تراه ومن ... مالي سوى قربه وصلاً أحاوله ما ذاق طعم حياة من تفارقه ... ولا يذوق حمامًا من تواصله ولا يلذُّ الكرى في ليله ملكٌ ... بات أبن أرتق محمودٌ يصاوله وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط] /٢٣٩ ب/ ثنى عنان هواه بعدما جمحا ... وراجع الحلم عن جهل الصِّبا فصحا فما تتيَّمه سحر الجفون ولا ... يروقه الخدُّ محمرّاً إذا وضحا وقلَّما تسكب الأطلال عبرته ... ولا الغريق أجدَّ البين منتزحاً ما كان أوَّل مغرور بصبوته ... ثابت إليه أنأةٌ بعد ما مرحاً ولا بأوَّل من أصغى إلى عذل ... أذنًا وطاوع من في الحبِّ قد نصحا

стр. 2175

سجيةٌ عقدت بالمجد همَّته ... تهوى العلا وتعاف اللَّهو والقدحا صمِّم إذا رمت من أمر مزاولة ... وقدِّم الحزم تردده وإن جمحا وعش وأنت عزيزٌ أو فهمت كرمًا ... إن كنت حرّا ولا تقنع بما سنحا فالمرء لا ترهب الأيَّام سطوته ... ما لم يكن لزناد العزِّ مقتدحا سأرحل العنس عن أرض أقيم بها ... بين اللِّئام قليل الحظِّ مطَّرحا وأعسف البيد ترمي بي جوانبها ... بحرًا من الكيل نعطو أكلها طفحا لا يهتدي النَّجم فيه لين مسلكه ... ولا يلين لساريه إذا التمحا وربما بات فيه البدر حلف سرًى ... فغاله بعد مسراه وما برحا تركت للفقر يطوي كلَّ مأربة ... وللمطيِّ تباري المشية السُّجحا ما لي أعلِّل نفسي بالمنى سفهًا ... وأحلب الحظَّ حلبًا مجحدًا وتحا /٢٤٠ أ/ وفي القوافي وفي عرض الفلاسعةٌ ... تعدي على الهمِّ إمَّا جلَّ أو فدحا وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا قوله: [من المنسرح] خذها عروسًا إليك تجلى ... ما نتجت مثلها الخواطر من لقط غر إلا فمن ذا ... يقابل اللَّيث بالجاذر وقال يهجو الهذّب أحمد الواسطي المنبوز بمدلويه: [من الخفيف] أحمد الواسطيُّ أكذب خلق اللـ ... ـه في نطقه إذا ما فاها لعن الله نطفةً صيغ منها ... فهو في قبحه الشَّنيع تناهي إن رأى خلَّة تسرُّ لخل ... صدًّ عنها أو زلةً أفشاها [٨٥٢] محمد بن محمد بن محمد بن أبي حنيفة، أبو القاسم بن أبي عبد الله بن الفرضيِّ. كا إربلي المولد والمنشأ، بغدادي الوالد والأصل. أستشهد بدمياط في
следующие страницы →