← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أخبرني أنه ولد آخر سنة ثلاث وستمائة، وهو من أشهر بيت بالموصل وأقدمه. وكان يقول الشعر منذ كان حدثًا، وطاوعه طبعه في نظمه، ورزق منه حظًا لم يرزقه أحد من أبناء جنسه وأقرانه. ورحل عن الموصل سنة إحدى وعشرين وستمائة إلى بلاد الشام، وسكن دمشق واتصل بالملك الناصر صلاح الدين أبي المكارم داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب سلطانها، وصار من جملة شعرائه، وأخص جلسائه ومدحه بعدة قصائد واكتسب منه رزقًا صالحًا، وسار في صحبته إلى الديار المصرية. ثم فارق خدمته سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ينتقَّل في البلاد ويمدح الملوك، وكبراء الأنام، وحظُّه فوق شعره. شاهدته بالموصل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة شابًا جميلًا، وأنشدني لنفسه يمدح المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين أبا الفضائل حسام أمير المؤمنين – أعّز الله أنصاره وشيّد فخاره – من /١٩٥ أ/ قصيدة مطلعها: [من الطويل] إلى م السُّرى هل مطلع الشَّمس قصدنا ... فقلت لها بل قصدنا مطلع البدر إلى ملك لولا مواهب كفِّه ... لظلَّ بنو الآمال عن منهج البرِّ مليك إذا ما المزن ضنَّ بدرِّه ... يجود علينا مزن كفَّيه بالدُّرِّ قريب النَّدى في السِّلم من كلِّ وافد ... بعيد المدى في الحرب من كلٍّ ذي غمر فما حجبت أبوابه دون سائل ... ويحجب في يوم الوغى بالظُّبا البتر جزيل الجدى مردي العدا موضح الهدى ... بعيد المدى داني النَّدى وافر الوفر

стр. 247

مفيد الورى قطب الوغى أسد الشَّرى ... قليل الكرى جم القرى هاطل الدَّرِّ بطيءٌ عن الثَّغر الشَّهيِّ بروده ... سريع إلى الحصن الممنَّع والثَّغر إذا قطَّب الجاني ..... بأسه ... تلقَّاه منه العفو في حلل البشر له الصَّوت في النَّادي، له الصِّيت في النَّدى ... له الرأي بعد الرَّأي والأمر ... ألا أيَّها الملك الَّذي حد َّحده ... فأصبح نسر الطَّرف منه على النَّسر لقد قمت للدين الحنيف بعزمة ... أقامت قلوب المشركين على ذعر فضلت ملوك الأرض طرًّا بأربع ... غدا فخرها يسمو على كلِّ ذي فخر: فبأسك للباغي وعرضك للثنا ... وعفوك للجاني وجودك للفقر /١٩٥ ب/ فما مخدر شهم النِّضال مذرَّب النِّصال تراع الأسد منه على صعر بأمنع بأسًا منك في حومة الوَّعى ... إذا الحرب ماست في غلائلها الحمر وما روضة غناء مرَّت بها الصَّبا ... عبيرية الأرجاء مسكيَّة النَّشر بأعطر من أبكار مجدك كلَّما ... جلين على الأسماع في حلل الشِّعر وما شامخ لو شاء رقَّ على الحيا ... مواهبه سام على الأنجم الزُّهر بأثبت حلمًا منك لا طائش الحجى ... ولا مانع الحسنى ولا حرج الصَّدر وما الغيث منهلُّ العزالي سحابه ... يسحُّ بها في الودق منبجس القطر بأسمح كفًا منك في حالة النَّدى ... إذا هطلت كفَّاك بالنَّائل الغمر وإن كنت يوم الرَّوع في العين واحدًا ... فأنت من الإقدام في جحفل مجر ألا أيَّها الملك الرَّحيم الَّذي غدت ... خلائقه أبهى سناءً من الزَّهر مدحتك من قبل احتلامي منطقًا ... على صغر في السِّنِّ لا صغر القدر فعلَّمني مدحيك ما أنا قائل ... من السَّائرات الزُّهر والمدح الغر فأكرم ملك صافحتني هباته ... وأوَّل ملك سار في مدحه شعري وقد جئت صفر الرَّاحتين مؤمِّلًا ... سحاب ندى ينهل بالبيض والصُّفر ولا زلت محروس الجناب مؤيدًا ... يطالعك التأييد من حلل النَّصر /١٩٦ أ/ فبأسك للطَّاغي وجدواك للنَّدى ... ويمناك لليمنى ويسراك لليسر وأخبرني أبو الطيب أنه كان بسنجار مقيمًا؛ فجاء البشير من الموصل بإبلال

стр. 248

الملك الرحيم بدر الدين من المرض الذي لحقه، وركوبه للناس؛ فعملت هذه القصيدة بسنجار، وقصدته إلى الموصل فاستحسنها، وأسنى لي الجائزة، وأوّلها: [من البسيط] وافى البشير بما كنَّا نحاوله ... ونال أقصى المنى من بات يأمله وأسفر البدر في لألاء غرَّته ... فأشرقت بمحيَّاه منازله تكاملت في بروج العزِّ أسعده ... وتمَّ في أعين النُّظَّار كامله وغير نكر ذا ما البدر عاوده ... تمامه وزها بالسَّعد آفله بدا فأخمد نار الشِّرك مطلعه ... من بعد ما عمَّت الدُّنيا زلازله ولاح كالرُّمح أهداه مثقَّفه ... أو صفحة السَّيف هزَّته صياقله فريح جيش الرَّدى من بعد ما شرعت ... إلى وجوه معاليه عوامله وفاه كلُّ لسان كان ذا خرس ... في مجده بالَّذي قامت دلائله /١٩٦ ب/ من بعد ما كتم الأخبار ناقلها ... وجمجم القول في علياه قائله فليسخ بالمال للقصاد مانحه ... وليوف بالنَّذر للرَّحمان باذله وليهن ذا الدِّين والدُّنيا وساكنها ... نصر من الله قد لاحت مخايله إذ صح للملك كافيه وكافله ... وقام بالعبء حاميه وحامله ملك الملوك الَّذي لولاه ما اتَّضحت ... سبل السَّماح ولم تسلك مجاهله أبو الفضائل والملك الذي سمقت ... به على الفلك الأعلى فضائله ملك سمت بالنَّدى والبأس همَّته ... فليس في الأرض من خلق يماثله حامي المماليك خوَّاض المهالك مغور المعارك لا تلوي عواسله لولاه ما طابت الدُّنيا ولا حسدت ... أواخر الدَّهر لولاه أوائله له من المدح حاليه وعاطره ... وللمعادين خاليه وعاطله أنرقب الغيث في أرض أنأمله ... من بعد ما هطلت فينا أنامله يا راكب القفر خوف الفقر منتجعًا ... يطوي السَّباسب كالبازيِّ بازله عرج على ساحة الحدباء تلق بشها ... غيث السماح الذي يغنيك وابله وثق بنيل المنى إن زرت ساحتها ... فثم داني النَّدى ما خاب سائله حتَّى إذا عدت في الرَّكب الَّذي رحلت ... قيلة الخطو من ..... رواحله

стр. 249

/١٩٧ أ/ قل للملوك دعوا كسب الثَّناء له ... فما تليق به إلَّا شمائله هل فيكم من له جود كنائله ... أم فيكم من سجاياه تساجله يا مالك الأرض قصدي أنت مانحه ... بالنُّجع منك وحبلي أنت واصله وأنشدني لنفسه أيضًا بحلب المحروسة في العشر الوسطى من جمادى الآخرة بالحاضر السليماني سنة خمس وثلاثين وستمائة يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله – صاحب الموصل -: [من الطويل] حكاه من الغصن الرَّطيب وريقه ... وما الخمر إلَّا وجنتاه وريقه هلال ولكن أفق قلبي محلُّه ... غزال ولكن سفح دمعي عقيقه وأسمر يحكي الأسمر اللَّدن قدُّه ... عذار أشقا قلب المحبِّ رشيقه على خدِّه جمر من الحسن مضرم ... يشبُّ ولكن في فؤادي حريقه أقرَّ له من كلِّ حسن جليله ... ووافقه من كلِّ معنى دقيقه بديع التَّثنِّي راح قلبي أسيره ... على أن دمعي في الغرام طليقه على سالفيه للعذار جديده ... وفي شفتيه للسُّلاف عقيقه /١٩٧ ب/ يهدِّد منه الطَّرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الرِّيق من لا يذوقه على مثله يستحسن الصبُّ هتكه ... وفي حبِّه يجفو الصَّديق صديقه من التُّرك لا يصبيه وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوَّير تشوقه ولا حلَّ في حي تلوح قبابه ... ولا سار في ركب يساق وسيقه ولا بات صبًّا بالفريق وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه له مبسم يسبي المدام بريقه ... ويخجل نوَّار الأقاحي بريقه تداويت من حرِّ الغرام بثغره ... فأضرم من ذاك الحريق رحيقه إذا خفق البرق اليمانيُّ موهنًا ... تذكَّرته فاعتاد قلبي خفوقه حكى وجهه بدر السَّماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس: هذا شقيقه! وأشبه زهر الرُّوض حسنًا وقد بدا ... على عارضيه آسه وشقيقه رآني خيالًا حين وافى خياله ... فأطرق من فرط الحياء طروقه

стр. 250

وأشبهت منه الخصر سقمًا فقد غدا ... يحمِّلني كالحصر ما لا أطيقه فما بال قلبي كلُّ حبِّ يهيجه ... وحتَّى م طرفي كل حسن يروقه فهذا ليوم البين لم تطف ناره ... وهذا فبعد البعد ما جفَّ موقه ولله قلبي ما أشدَّ عفافه ... وإن كان طرفي مستمرًّا فسوقه /١٩٨ أ/ أرى النَّاس أضحوا جاهليَّة ودِّه ... فما باله عن كلِّ قلب معوقه فما فاز إلاَّ من يبين صبوحه ... شراب ثناياه ومنها غبوقه وآخر يسعى للمواهب والنَّدى ... هدته إلى الملك الرَّحيم طريقه إلى بحر جود يغرق الوفد فيضه ... ويحمده في كلِّ وقت غريقه إلى الغيث أحيا بالحيا كلَّ وجهة ... فما أخلفت للشَّائمين بروقه وكيف يقاس الغيث منه بنائل ... يسحُّ بمال لا بماء دفوقه إلى كسرويٍّ عدله ونجاره ... يعزُّ على كسرى الملوك لحوقه إلى سائق في حلبة الجود والنَّدى ... شا النَّاس مأمون العثار سبوقه إلى والد للجود برٍّ بأهله ... يعزُّ على غرِّ المساعي عقوقه إلى واجب في كلِّ أرض مديحه ... كما وجبت في ساكنيها حقوقه إلى واهب الجرد الجياد يؤمُّها ... نداه ومعطي الذَّود يرغو أفيقه إلى جوهر أعيا البحار فريدة ... إلى نيِّر عمَّ البلاد شروقه مليك إذا كرَّرت أوصاف مجده ... فسحقًا لنشر المسك يهدى سحيقه يفوق على صيد الملوك مكارمًا ... وما فيهم من حاله من يفوقه لهم من حديث المكرمات كذوبه ... ولكن لبدر الدِّين منه صدوقه /١٩٨ ب/ بديع المعاني مشرق الوجه طلقه ... جزيل النَّدى سامي النِّجار عريقه يسوق جزيلات العطايا إلى فتىً ... غدا نحوه حسن الرَّجاء يسوقه أفاد ندى كفَّيه حتَّى عدوَّه ... ويعظم أن يلحاه فيه صديقه إذا وثق الغرُّ الملوك بخائن ... فليس بغير المشرفيِّ وثوقه لقد سبق الآجال ماضي حسامه ... فخلِّق لكنَّ الدِّماء خلوقه به اتَّسعت لي كل أرض نزلتها ... وفرِّج لي من كلِّ أمر مضيقه أطاع لساني فيه للقول حرُّه ... وساعدني للشِّعر فيه رقيقه

стр. 251

فلي عنده من كلِّ جود جزيله ... وعندي له من كلِّ مدح أنيقه أيا ملكًا ينهلُّ حلمًا ونائلًا ... فما النَّاس إلى حرُّه ورقيقه رآك أمير المؤمنين لملكه ... حسامًا ونهج الحرب قد عمًّ ضيقه فقمت بما يهوى الإمام ولم تزل ... تقوم بأمر ما سواك مطيقه وكنت له بدرًا تنير سماؤه ... سناك وليل الشِّرك داج غسوقه وأعليت ركن المجد حتَّى لقد بدا ... لنا وهو مرفوع العماد وثيقه حميت دماء المسلمين وصنتها ... وكم من دم للجود فيهم تريقه فجودك ما في النَّاس من ليس عبده ... وسيفك ما في الأرض إلاَّ عتيقه /١٩٩ أ/ وعزمك قد جاز السَّماء سموُّه ... وقدرك قد أعيا النُّجوم سموقه وخلقك صب بالجميل جماله ... وخلقك مغزى بالوفاء خليقه ولولاك مات الشِّعر صبرًا ولم تقم ... لكسب العطايا والمحامد سوقه تكلَّم لكن في علاك صموته ... وأخرس لكن عن سواك نطوقه فما سار إلاَّ من نداك دليله ... وجودك يا خير الملوك رفيقه فلا زلت محروس الجناب مؤيَّدًا ... وعيشك تهمي بالأماني بروقه وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة ربيعيّة: [من الكامل] قدم الرَّبيع منيرةً أزهاره ... فافترَّ عند قدومه نوَّاره وترنَّحت لسرورها أغصانه ... وتعانقت للقائها أشجاره روض حكى خدَّ الحبيب شقيقه ... لما حكى خدَّ المحبِّ بهاره أسدى صنائعه إليه بساطه ... ومضى ففاز بحسنه آذاره لو لم يجد بالدُّرِّ درُّ سحابه ... ما زان درهم زهره ديناره حجَّ السُّرور إليه في ركب الصَّبا ... واللَّهو لما أن رمين جماره طلعت نجوم النَّجم فيه وقابلت ... زهر السَّماء بمثلها أزهاره أفضى إلى واشي النَّسيم بسرِّه ... فبدت لنا من طيبه أسراره /١٩٩ ب/ ضحكت ثغور أقاحه لمَّا بكت ... عين السَّماء وجادها مدراره جاد السّماء فأسرفت أنواؤه ... زهر الرَّبيع فأشرقت أنواره لمَّا رقصن به الغصون وغنَّت الورق الحمام وصفَّقت أنهاره

стр. 252

خلع السَّحاب عليه حلَّة روضه ... وغدا ومن حبِّ الغمام نثاره فأقرَّ وشي الغانيات لوشيه ... وأعارهنَّ الطِّيب منه عراره فاشرب على الرَّوض الأريض كأنَّما ... نقل الغناء عن الغريض هزاره واعقر به لؤم الدِّنان فخير ما ... عقرت على ضيف الرَّبيع عقاره في مجلس أضحى المفوَّه أخرسًا ... عن وصفه وتكلَّمت أطياره خضل البنان شدا على أغصانه ... قمريَّة فتمايلت أقماره خمرًا تخال بكأسها لمَّا بدت ... جمرًا ومن طافي الحباب شراره نار وفي خدِّ النَّديم لهيبها ... حلي وفي كفِّ المدير سواره يسعى بها لدن القوام ممنطق ... لم أنسه فيهيجني تذكاره رشأ من الأتراك لا آباؤه ... قيس ولا عدنان يبلغ داره ما الغصن إلاَّ ما أراه قوامه ... والحقف إلاَّ ما حواه أزاره خجلت غصون البان خيفة قدِّه ... ورنا فريع لمقلتيه صواره /٢٠٠ أ/ فله من الغصن النَّضير قوامه ... وله من الرَّشأ الغرير نفاره ما هزَّ أسمر رمحه وقوامه ... إلاَّ ثنى خطِّيَّه خطَّاره جنب وخمر ثغره ورضابه ... ورد وآس خدُّه وعذاره يرنو بلحظ جاهل سخَّاره ... بالعاشقين وعالم سحَّاره ماض غرار جُّفونه طرد الكرى ... عنِّي فما زار الجفون غراره ما خاف في يوم الكريهة ضارب ... أضحى كصارم جفنه بتَّاره وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] إلى م أرى الغرام به غريمي ... وفي م ندامتي فيه نديمي؟ وحتَّى م البكاء بكلِّ ربع ... كأنَّ عليَّ رسمًا للرُّسوم أخاف عليَّ من غرق بدمع ... فأحبسه فأغرق في الهموم أحنُّ إلى الصَّريم لأجل ظبي ... يعير الظَّبي غزلان الصَّريم

стр. 253

وأنثر درَّ دمعي من غرامي ... بواضح درِّ مبسمه النَّظيم هلال ما اعتراني السُّقم إلَّا ... غرامًا منه بالجفن السَّقيم سليم القلب من كلفي ووجدي ... أبيت عليه في ليل السَّليم أقام قيامتي منه قوَّامٌ ... يريك معاطف الغصن القويم /٢٠٠ ب/ وخصَّ الحسن وجنته بخالٍ ... يفوق به الأنام على العموم أيا قمرًا رعاني السُّقم فيه ... وعلَّم مقلتي رعي النُّجوم بسحر الجفن رعت كليم قلبي ... وكيف نفوذ سحر في كليم وأسهرني لديك رقيم خدٍّ ... فواعجبًا أأسهر بالرَّقيم وألقى من خدودك في جحيمٍ ... وفرقك كالسِّراط المستقيم سباك الخمر حين سببيت عقلي ... ليمزج مثل ريقك لي نديمي ولولا الخمر مثل لماك طيبًا ... لما ملنا إلى بنت الكروم ولو لم تشبه الغزلان لحظًا ... لما شمنا برامة لحظ ريم جهلت فبان عن جسدي فؤادي ... وأقبح ما يرى جهل الحليم وإنِّي إن رضيت سواه خلًا ... لمختار الشَّقاء على النَّعيم وماحكم الحمام على المعنَّى ... بأصعب من مفارقة الحميم أميل إذا ذكرتك للتَّصابي ... كميل الغصن من مر النَّسيم ويبكيني بعادي كلَّ وقتٍ ... بكاء البحتريِّ على نسيم وأنشدني أيضًا له من أبيات: [من الكامل] ألف الملال فمال عن ميثاقه ... رشا فراق النَّفس دون فراقه /٢٠١ أ/ عذب اللَّمى حلو الخلال كأنَّما ... خلقت مراشف فيه من أخلاقه جوَّال حلي الخصر أخرس صبه ... عن ذكره السُّلوان نطق نطاقه يفتر عن عذب المراشف واضحٍ ... مرُّ الصَّبابة دون حلو مذاقه يشفي لماه سليم عقرب صدغه ... فينوب منه الرِّيق عن درياقه دقَّت معاني حسنه ولقدِّه ... عبث الأنام من القنا بدقاقه وسنان يقلقني توعُّد طرفه ... ويودُّه قلبي على إقلاقه يهوى المطال ولو بأيسر موعدٍ ... ويصدُّ حتَّى الطَّيف عن مشتاقه

стр. 254

وقف الجمال على محاسن وجهه ... حتى ظننَّا الحسن من عشَّاقه يا محرقًا قلبًا أقام بربعه ... ألَّا كففت جفاك عن إحراقه اطلقت أدمع عينه يوم النَّوى ... وفؤاده وحكمت شدَّ وثاقه رفقًا بصبِّك إن أردت بقاءه ... يكفيه ما يلقاه من أشواقه أسهرته وأسلت مقلته دمًا ... أترى ذبحت النَّوم في آماقه وأنشدني لنفسه، وقد نفذ له السلطان الملك الكامل خلعًا وخيلًا، وأنشده ذلك ارتجالًا: [من السريع] /٢٠١ ب/ يا أيُّها الملك الَّذي مدحه ... يعجز عن إدراكه القائل طلت ملوك الأرض في جودهم ... وعمَّهم من كفِّك النَّائل ما كلُّ ما يأتيك منهم لما ... أسلفت يا خير الورى طائل لأنَّك البدر فلا غرو أن ... زانك من اوصافك الكامل وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من الطويل] تبدت فأود بالقضيب اعتدالها ... وأربى على نقص الهلال كمالها وفاهت من الدرِّ الثَّمين بمثله ... فأزرى على السِّحر الحرام حلالها فما الحسن إلَّا ما حواه لثامها ... وما الغصن إلَّا ما أراه اختيالها من التُّرك في رشق السِّهام وإنَّها ... ليعزى إلى حي هلال هلالها تصول بميَّاد القوام بمثله ... يكرُّ إلى قتل الرِّجال رجالها وما الصَّعدة السَّمراء إلّا قوامها ... فصعب على غير الجليد اعتقالها نأت دارها عنِّي وفي القلب شخصها ... فحمَّلني ثقل الغرام احتمالها ولو لم تكن بدر السَّماء لما غدا ... إلى القلب بعد الطَّرف منِّي انتقالها فذلِّلت في حبِّي لها فتذلَّت ... ..... في الغرام دلالها ومن عجب أخشى مع الهجر بعدها ... وما ..... يرجى في الدُّنوِّ وصالها /٢٠٢ أ) وما هي إلَّا الشَّمس يدنو منارها ... ويبعد عن أيدي الرِّجال منالها من البيض وافاها النَّعيم فعمَّها ... وزيَّنها في زينة الحسن خالها وأنشدني لنفسه مما كتبه إلى محيي الدين يوسف بن زبلاق الكاتب الهاشمي

стр. 255

الموصلي وقد آذاه فرس بحافره: [من الوافر] ألا يا خير من يرجى نداه ... ومن عمَّ البريَّة بالنَّوال ومن إن هزَّ في الجلَّي يراعًا ... خضعن لحدِّه سمر العوالي ومن إن غاص في بحرٍ المعاني ... خجلن لحسن منطقه الَّلآلي أتيتك عائدًا وكفين حالًا ... تعاد لأجلها في كلِّ حال [فبابي منذ خفت عليك بال ... وحالي من مصابك غير حالي] ورحت وبيت فكري في اشتغالً ... عليك ونار قلبي في اشتغال وأقسم ما برحلك نيل طرفً ... وذهنٌ ظنَّ ذلك في ضلال ولكن داس أخمصها الثَّريَّا ... وجاز مدى الكواكب في المعالي وطال على الهلال فلم ينله ... فنال الثَّأر منه أخو الهلال فأجابه محيي الدين الكاتب بديهًا: [من الوافر] أيا ربَّ البلاغة في المعاني ... ومرضيَّ المكارم والمعالي /٢٠٢ ب/ ومولى كلِّ إحسانٍ وبرِّ ... ومطلق كلِّ شكر من عقال ومن أربى على الفصحاء قولًا ... وزاد على الأكرام في الفعال لقد خوَّلتني نعمًا أضاءت ... نجوم سعودها في ليل حالي فمنك علمت تحبير القوافي ... وعنك بقيت محمود المقال أأحمد إنَّ مجدك حيث أهوى ... عليٌّ عن نظيرٍ أو مثال فما أرجو من الرَّحمان شيئًا ... سوى أنِّي أراك رخيًّ بال معافي الجسم مكبوت الأعادي موقًى من معاندة اللَّيالي وأنشدني لنفسه في غلام قصر شعره: [من الكامل] قصَّرت شعرك كي تقلَّ ملاحةً ... فكساك أبهى الحسن وهو مقصَّر وقطعته ليقلَّ عنَّا شرُّه ... والأيم أقتله القصير الأبتر

стр. 256

وأنشدني لنفسه في المعنى: [من المجتث] قصَّرت شعرك حتَّى ... أميل عنك كميلك وضاع فيه سؤالي ... لمَّا علقت بذيلك جعلته بعد ما كان ... مثل ليلي كليلك وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل] /٢٠٣ أ/ حللت من الملك العزيز براحة ... غدا لثمها عندي أجلُّ الفرائض وأصبحت مفترَّ الثَّنايا لأنَّني ... حللت بكفٍّ بحرها غير رائض وقبَّلت سامي خدِّه بعد كفِّه ... فلم أخل في الحالين من لثم عارض وأنشدني لنفسه بمدينة السلام في شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة يمدح الأمير العالم الكبير الأصفهسلار ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا –أعز الله أنصاره وأعلى مناره-: [من مجزوء الكامل] بلمى مراشفك العذاب ... قد لذَّ لي مرُّ العذاب لك ريقةٌ مثل المدا ... م ومبسمٌ مثل الحباب يا صاحب الخدِّ الَّذي ... حاكى فؤادي في التهاب لا تحسبن سمعي يصيـ ... ـخ إلى العواذل في العتاب وجدي مقيمٌ واكتئابي في محبَّتك اكتئابي والهجر دأبك في الهوى ... يا قاتلي والوجد دابي من لي بأهيف قدُّه ... ريَّان من ماء الشَّباب /٢٠٣ ب/ صاحي الفؤاد تخاله ... نشوان من خمر الرُّضاب كلفي به في الحبِّ لا ... كلفي بزينب والرَّباب قمرٌ سعى فمدامعي ... للبعد عنه في انسكاب منهلَّة كنوال ركن الدَّين أوسحِّ السحاب ملكٌ غدا بحر النَّوال ... بكفِّه طامي العباب عذب الشَّراب لوارديه ... وغيره لمع السَّراب

стр. 257

معطي الرَّغائب للعفاة ... وواهب الخيل العراب ألف السَّماح فربعه ... بالوفد مأهول الجناب جمُّ الفواضل والقرى ... عالي المضارب والقباب فهو اللَّبيب الأريحيُّ ... وصاحب الحسب اللُّباب ملك له منن كأطواق الحمائم في الرِّقاب صعب الحجاب ودونه ... لوفوده سهل الحجاب ليثٌ يصول بعزمه ... بأسًا على الأسد الغضاب غيثٌ تكفَّل كفُّه ... ريَّ الأباطح والشِّعاب فتراه مرجوَّ النَّدى ... أبدًا ومخشيَّ العقاب /٢٠٤ أ/ يا ماجدًا أوصافه ... أسنى اجتلابي واحتلابي يا عاقر الكوم المنيفات الذُّرى مثل الهضاب يا من إلى أبوابه ... دون الورى نصُّ الرِّكاب أنزلتني من ظلِّ بابك في الأنيس المستطاب ومنحتني من بعض جودك ما يجلُّ عن الحساب وأعدت لي من لطف برِّك حسن أيَّام التَّصابي لقياك مأمولي وما ... يرضيك من أسنى طلابي وحماك مقصودي وبأبك ... إذ يجور الدهر نابي أنسيتني وطني وأغناني ... نوالك عن صحابي فأتيت محمود السُّرى ... ورجعت مشكور الإياب غردًا بمدحك لا أحايي ... في هواك ولا أحابي وبك استطلت من الزَّمان على نوائبه الصِّعاب يا من مواهب كفِّه ... في غير جدواها ارتيابي المجد ناب بمدحه ... عنِّي فأحسن في المناب ومن العجائب أنَّ نظم الدُّرِّ ناب عن السِّخاب /٢٠٤ ب/ إذ قال منتدبًا لمجدك ... بالدُّعاء المستجاب لا زلت تختطف العدا ... بشهاب عزم غير نابي

стр. 258

فالضدُّ شيطانٌ وانت ابن الشِّهاب أبو الشِّهاب وكناك صار أبا شجاعٍ ... والكنى عين الصَّواب لمَّا غدوت بصعدة ... مثل الشُّجاع بألف ناب وسقيت من ضرب الملاحم ... للعطاش على ظراب وبكى على بغراس حين ... أخفننها حصن الخوابي وغدوت في كلِّ العلوم ... مكمِّلًا فصل الخطاب ولديك مسند أحمدٍ ... يروي صفاتك في كتاب ولك الوجيز من النِّظام مهذبًا سهل الجواب ولك الفصيح من الكلام إذا بدا ما في الوطاب إيضاح لفظك مجملٌ ... ومفصلٌ في كلِّ باب لا زال مجدك سالمًا ... في الدَّهر من عارٍ وعاب وقال أيضًا بمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين /٢٠٥ أ/ -خلّد الله دولته ونشر بالنصر ألويته-: [من الكامل] ورد الحياء بوجنتيك نضير ... ته ما لحسنك في الأنام نظير يا مضعفي من وجنتيه بمضعف ... جوريُّه أبدًا عليَّ يجوز حتى م أحرم من رضابك خمرةً ... ما ذقتها وأنا بها مخمور غادرت دمعي بعد بعدك مطلقًا ... فعلام قلبي في يديك أسير دانت لدولتك القلوب محبَّةً ... لا شكَّ إنَّك في الملاح أمير وغدت تطيعك للجمال عساكرٌ ... أبدًا بهنَّ على القلوب تغير ما قابلت جيش التصبُّر من فتًى ... إلا وعاد وقلبه مكسور مخضرُّ عارضك الصَّقيل وخمرة الخدِّ الأسيل ..... تشهير أصبحت يا ملك الملاحة آمرًا ... في العاشقين وغيرك المأمور تعطي المحاسن من تشاء محكَّمًا ... في الحسن تخلع وشيه وتعير فالقد رمحٌ فيه وجهك طلعةٌ ... والشَّعر منه لواؤك المنشور شهرت صوارم مقلتيك على الورى ... فحديثها في فتكها مشهور وسمت بوجهك للمحاسن دولةٌ ... خدَّامها دون الملاح كثير

стр. 259

في الخدِّ ريحانٌ وثغرك جوهر ... والخال عنبر دونه كافور /٢٠٥ ب/ وبجيش حسنك فوق خدِّك عارضٌ ... بالمسك أثبت خطُّه المسطور يدعو النُّفوس إلى هواك بحاجبٍ ... أبدًا بتعذيب النُّفوس يشير وحميت ثغرك باللِّحاظ كما حمى ... دين الهدى المستنصر المنصور القائم المهديُّ صفوة رِّبه ... في العالمين وهديه والنُّور مولًى إذا جار الزَّمان على الورى ... فنداه من جور الزَّمان يجير خضعت لدولته الملوك فما لهم ... من بأسه إلَّا حماه مجير القهر محتومٌ على أعدائه ... فعدوُّه من نفسه مقهور نزلت ملائكة السَّماء بنصره ... فله المهيمن حافظ ونصير فلديه من آي الكتاب كتائبٌ ... وعليه من سير النُّبوَّة سور بدرٌ أقلُّ عطائه لك بدرةٌ ... حبرٌ أنامل راحتيه بحور مبتسِّمٌ للقاصدين فبشره ... بندى يديه لقاصديه بشير هو مطلق العأني الأسير وعنده ... أنَّ الكثير من النَّوال يسير أخلاقه وندى يديه لوفده ... والعام أغبر روضةٌ وغدير ليث تحاذره اللُّيوث مهابةً ... غيثٌ على مرَّ الزمان مطير سدِّت ثغور المسلمين بعزمه ... فتبسَّمت للنَّصر منه ثغور /٢٠٦ أ/ طودٌ إذا عاذ المسيء بحلمه ... فالذَّنب منه بعفوه مغفور أبدًا تخفُّ له الشَّوامخ خيفةً ... ويكاد يذبل يذبل وثبير طالت مكارمه الكرام فقد غدا ... عنه لسان الشُّكر وهو قصير من معشر أحسابهم ووجوههم ... في اللَّيل للسَّاري تكاد تنير المنقذين من الضَّلال ومن لهم ... غررٌ تكاد لها النُّجوم تغور وهم البحور إذا الموارد اعوزت ... وهم إذا خيف الضَّلال بدور وهم ظهور اللَّاجئين وفي الوغى ... فهم القلوب وفي النَّديِّ صدور فقرًى تقرُّ به العيون وأربعٌ ... يعشو إلى نيرانها المقرور أحيا أمير المؤمنين زمانهم ... فهم وإن غاب الشُّخوص حضور ولهم من المستنصر بن محمَّد ... بحرٌ نمير ندى يديه يمير

стр. 260

فمن الخليفة عنهم خلفٌ لهم ... لكن تخالف أعصرٌ ودهور وافى أخيرًا في الزَّمان ..... ... ما ضرَّه في عصره التَّأخير هو أوَّل في المكرمات وجوده ... ختم الكرام فجاء وهو أخير طولًا أمير المؤمنين على الورى ... وعلًا فدون محلِّك التَّأثير ولآل ربِّ العربش أمر عباده ... فجميع ملك غير ملكك زور /٢٠٦ ب/ سارت بسيرتك الرَّكائب في العلا ... فعلى زمانك نضرةٌ وسرور ودعا تبسُّمك العفاة إلى النَّدى ... فسفور وجهك للعفاة سفير فتهنَّ بالشَّهر الَّذي في مثله ... أبدًا يضاعف سعيك المشكور حتَّى يعود عليك في أمثاله ... صومٌ غدا متقبَّلًا وفطور فتملَّ بالعيد السَّعيد فإنَّه ... دون الأنام إلى علاك يشير طالت فضائله الفضائل رتبةً ... فالمدح في تقصيره معذور لو رام يمدحكم جريرٌ بالغًا ... أقصى المدائح ما أطاق جرير وأنشدني لنفسه في [غلام] يعرف بالسكَّر، وكان صبيًا مليحًا جميلًا حين اختط عذاره، اسمه حسن: [من مخلّع البسيط] الحاظ عينيك فاتنات ... جفونها الوطف فاترات للغصن من قدِّك انفتال ... والظَّبي من جيدك التفات والثَّغر كالثَّغر في امتناع ... يحميه من لحظك الرُّماة حيَّات صدغيك قاتلاتٌ ... فما لملسوعها حياة فرَّق بيني وبين صبري ... منك ثنايا مفرَّقات يا حسن صدُّه قبيح ... فجمع شملي به شتات /٢٠٧ أ/ الشَّمس لو حاكمتك حسنًا ... قضت عليها لك القضاة قد كنت لي واصلًا ولكن ... عداك عن وصلك العداة يا بدر تمٍّ له عذارٌ ... بحسنه تمَّت الصِّفات

стр. 261

منمنم الوشي في هواه ... يا طالما نمَّت الوشاة نبات خدٍّ حلَّاك حسنًا ... والحلو في السُّكَّر النَّبات وأنشد لغزًا في الشبابة وهو: [من الطويل] وناطقة خرساء باد شحوبها ... وتكنَّفها عشرٌ وعنهنَّ تخبر يلذُّ إلى الأسماع رجع حديثها ... (إذا سدَّ منها منخرٌ جاش منخر) فقال: [من الطويل] نهاني النُّهى والحلم عن وصل مثلها ... (فكم مثلها فارقتها وهي تصفر) وقال أيضًا، وكتبه إلى بدر الدين ابان الرومي كاتب الإنشاء بالديوان العزيز يذكر برسمه من الوزير نصير الدين بن الناقد سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من الكامل] /٢٠٧ ب/ يا أيُّها البدر المنير ومن له ... أعلى المراتب فى النَّدى والباس أنت الَّذي فضل الأنام فذكره ... بين الأنام معطَّر الأنفاس لولا ذكاؤك لم يقل في شعره ... يومًا حبيبٌ في ذكاء إياس حاشاك أن أنسى لديك ولم أكن ... أبدًا لشكرك في المحافل ناسي فإلى متى السترى يغدوا منشدي ... (ما في وقوفك ساعةً من باس) كن مذكر المولى الوزير بشاعرٍ ... جزل المدائح في بني العبَّاس فمن العجائب والحلاوة نسبتي ... أنِّي أذوق مرارة الإفلاس وأنشدني لنفسه في الأمير ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا –أيده الله- ويعرض في ذلك بذكر الموفق بن أبي الحديد: [من الوافر] اركن الدِّين يا أسنى البرايا ... وأسمى النَّاس في كرم وجود وخير فتًى له مننٌ وجودٌ ... يطوِّق بالمواهب كلَّ جيد

стр. 262

يخوِّفني الموفَّق كل وقت ... ويأمرني بتجويد القصيد وقلت له قصائد حين تجلى ... كنثر الدُّرِّ في نظم العقود فلنت أأذكرت وغير بدعٍ ... إذا لان الحلاوة للحديد /٢٠٨ أ/ وقال أيضًا: [من الطويل] علمت بأنَّت صائرون إلى الفنا ... وما يتساوى عالمٌ وجهول وأنَّا وإن عشنا زمانًا فإنَّنا ... إلى الموت من بعد البقاء نؤول على الشَّمس منَّا رحمةٌ ما دجا الدُّجى ... وما حان من شمس النَّهار أفول فتًى كان أهلًا للجميل وفعله ... فما صبرنا عنه الغداة جميل ولسنا مخاريقًا على فقد هالك ... وظلُّ أمير المؤمنين ظليل وما ضرَّنا أعمارنا أن تقاصرت ... وعمر أمير المؤمنين طويل وأنشدني لنفسه يمدح الملك الصالح ركن الدين عز الإسلام، وفخر الأنام جلال الدولة ناصر أمير المؤمنين إسماعيل بن المولى الملك الرحيم بدر الدين –شيّد الله قواعد دولته بمحمد وعترته-: [من الكامل] هل للمتيَّم عن هواه عدول ... وشهود ادمعه عليه عدول يغريه تفنيد الوشاة وربما ... اغرى المحب مفنِّدٌ وعذول يا لائمي فيمن كلفت بحبِّه ... هيهات عذلك في الغرام يطول /٢٠٨ ب/ ألزمتني بالصَّبر عنه تجلُّدًا ... والصَّبر إلَّا عن هواه جميل كيف التَّستُّر في الغرام وفاضحني ... دمعٌ على الخدِّ الأسيل يسيل وبليَّتي لدن القوام يزينه ... خصر كجسمي في هواه نحيل نطق النِّطاق بشرح حالي عنده ... لما صمتن أساورٌ وحجول يحمي بعسَّال القوام إذا انثنى ... لدن المعاطف ثغره المعسول ظبيٌ عن الصَّبِّ الكئيب نفاره ... غصنٌّ عن الهجران ليس يميل جهلت على قلبي رماة جفونه ... فعلام يفتك بالعليم جهول ورنا عن اللَّحظ الكحيل تزينه ... سنةٌ فجفني بالسُّهاد كحيل في خدِّه زهرٌ يزيد غضاضة ... لا يعتريه على الزَّمان ذبول جوريُّ ورد مضعفٌ قبَّته ... كلفًا فضاعف حسنه التقَّبيل

стр. 263

أرجو ازديار الطَّيف منه تعلُّلًا ... لو كان ينفع حبَّه التَّعليل أو كيف ينعم بالزِّيارة مانع ... أم كيف يسمح بالخيال بخيل ما لي إليه وقد تناءت داره ... إلَّا نسيمات العشيِّ رسول ولذاك يطربني النَّسيم إذا انبرى ... فكأنَّ أنفاس الشَّمال شمول رشا به تحيا الصَّبابة مثلما ... أحيا لنا الآمال إسماعيل /٢٠٩ أ/ الصَّالح الملك الجليل ومن به ... يرجى دفاع الخطب وهو جليل الألمعيُّ يحلُّ كلَّ عظيمةٍ ... عقل البليغ بمثلها معقول فإذا اختبرت ذكاءه في مشكل ... طرد ..... ذهنه المصقول ملكٌ لديه من السَّخاء مخايل ... وعليه للشَّرف الرَّفيع ديل ذرب اللِّسان يحار في أوصافه ... فهم البليغ إذا رآه يقول حلو الشَّمائل في السَّماح مذرَّب ... جمُّ الفضائل في الفخار أصيل فالغيث منه يصوب في يوم النَّدى ... واللَّيث منه على العداة يصول يقظ إذا شغل الجهالة خدنه ... بالمكرمات ..... مشغول ضمنت لنا عنه النَّجابة أنَّه ... يسمو على أترابه ويطول ملكٌ تبيَّن في أسرَّة وجهه ... أنَّ الممالك نحوه ستئول ألقى تمائمه النُّهى فاستبشر ... السَّيف الصَّقيل بأنَّه المحمول ونضا ملابس للصِّبا متدرِّعًا ... حكمًا فسرَّ التَّاج والإكليل حاز الفصاحة والسَّماح فلفظه ... جزل وجود ندى يديه جزيل ما همُّه في ناهد بل همُّه ... نهد المراكل زانه التَّحجيل كلَّا ولا البيض الرِّشاق شجونه ... لكن شجاه الأبيض المصقول /٢٠٩ ب/ لهج على صغر بكلِّ بديعة ... عظمت فحار لحلِّها المعقول شبلٌ من الأسد الَّذي أظفاره ... في يوم مغزاه قنًا ونصول فله من البيض الصَّوارم جنَّةٌ ... وله من السُّمر اللَّهاذم غيل ومجدِّل اللَّيث الهزبر يمدُّه ... كفٌّ ازب وساعدٌ مجدول

стр. 264

ملكٌ له السَّيف المهنَّد صاحبٌ ... أبدًا ومن زاكي الخيول خليل ما إن يلذُّ بسمعه يوم الوغى ... إلَّا صليل صوارم وصهيل كلفٌ بعيد المكرمات فقلبه ... لا تطَّبيه الغادة العطبول طودٌ يخفُّ إلى المكارم عطفه ... لكن سطاه على العداة ثقيل كرم الأبوَّة ضامنٌ بسموِّه ... من فوق كلِّ متوَّج وكفيل فيكفِّيه ماء السَّماحة هاطلٌ ... وبوجهه ماء الحياء ..... أبدى شمائل من أبيه فحلبه ... بولاء آل محمَّد موصول فهم له سفن النَّجاة إلى الهدى ... وهم الوسائل عنده والسُّول يا أيُّها الملك الَّذي شهدت له ... بالبأس سمر لهاذم ونصول أنت الَّذي ترجى لكلِّ ممنَّع ... صعب المراس وجودك المأمول وعليك للملك الرَّحيم شواهدٌ ... نطقت بأنَّ عدوَّك المخذول /٢١٠ أ/ وسموت فالمثني عليك مقصِّرٌ ... أبدًا وباعك في السَّماح طويل وأنشدني لنفسه، وكان قد خلع عله الملك العزيز محمد بن عبد الملك الظاهر غازي ابن يوسف– صاحب حلب- خلعة صفراء فلم يرضها فكتب إليه: [من الكامل] يا أيُّها الملك الَّذي شهدت له ... بالمكرمات شوارد الأخبار والمقتني حسن الثَّناء وخير من ... زفَّت إليه عرائس الأفكار ما كنت أرجو أن تكون ملابسي ... إلَّا كما ألبست من أشعاري أبستكم حلل الثَّناء قشيبةً ... كالرَّوض جيد بعارض مدرار فعلام ألبس من فواضل جودكم ... ما لا يليق بهمَّتي وفخاري صفراء آذن لونها لمًّا أتت ... بقصةر حجَّتها عن الأعذار قابلتها بيد القبول وإنَّما ... شعري تأبى أن تكون شعاري فرددتها ولسان حالي منشدٌ ... (ما في قعودك عاريًا من عار) وكتب إلى محيي الدين محمد بن سعيد بن أبي النداء الجزري الوزير، وكان قد

стр. 265

أمر مشرفه /٢١٠ ب/ على المطبخ أن يحمل إليه طعامًا وكان أحول فقصَّر فيه: [من الطويل] أيا ماجدًا تلفى السَّماحة والحجى ... وبدر الدُّجى والبأس ما بين ثوبيه أأشكو إليك الباقلانيَّ لائمًا ... وقد رحت محتاجًا إلى برِّ كفَّيه يجيء إلينا بالقليل يظنُّه ... كثيرًا وليس الذَّنب إلَّا لعينيه ومن سوء حظِّي أنَّ رزقي مقدَّرٌ ... براحة شخصٍ ينظر الشَّيء مثليه وأنشدني لنفسه في إنسان يدّعي معرفة العروض: [من الطويل] وقالوا غدا نجل الجنيد مصنِّفًا ... عروضًا وبعض النَّاس أفضل من بعض يقطِّع أعراض البسيط وإنَّما ... يقطِّعه أهل البسيطة في العرض لقد رميت بالثَّلم والخرم دبره ... كما رميت كفَّاه بالكفِّ والقبض وقال فيه: [من السريع] قالوا غدا ابن الجنيد منفردًا ... ما مثله في العروض من أحد وقصدنا فكُّ دابره ... وهو بسيط يفكُّ بالوتد وله فيه من أبيات: [من الوافر] /٢١١ أ/ أريناه الطَّويل وقد أرانا ... بسيطًا شكل دائرة المذال نقطِّعه بأسباب خفافٍ ... على الأسماع وهو من الثِّقال [١١٧] أحمد بن بوران بن سنقر بن عبد الله، أبو عليِّ بن أبي أحمد الموصليُّ، النقاش الدهان. أخبرني أنَّه ولد بالموصل في سابع عشر رجب سنة ستّ وتسعين وخمسمائة. شاب من الأذكياء في صناعة التزويق والنقش وتصوير المدور والكتب وتذهيبها، فاق في ذلك على أهل زمانه لا يماثله أحد فيما يخترع من غرائب التزاويق، وبدائع التصاوير، ويكتب خطًا مليحًا، ويرجع في الشعر إلى صحّة طبع، وسلامة قريحة في المنظوم.

стр. 266

أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك وشرف السلاطين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين- أنفذ الله أمره- ويذكر الجوسق الذي أنشأه بظاهر البلد بالرضاصي /٢١١ ب/ ويصف ما فيه من التزاويق والتماثيل والبرك والبساتين وغير ذلك: [من الطويل] تبلج صبح الملك بعد ظلامه ... وبدِّل عن تقطيبه بابتسامه وجمَّع أشتات التَّهاني نظيمةً ... وشتَّت عشقد الهمِّ بعد انتظامه وأصبحت الدُّنيا تطير بأهلها ... سرورًا فقرَّت عينها بدوامه بملك أقام الدِّين بعد اعوجاجه ... وأنصفه من بعد طول اهتضامه ألا فأنظروا هل نال مثل مناله ... مليكٌ مضى أو همَّ مثل اهتمامه يشيد بناءً لا ترام لغيره ... شواهده في عزمه ومرامه تخبِّرنا أن ليس قصدٌ كقصده ... وليس غرامٌ بالعلا كغرامه هي الدَّار لا دارٌ سواها فقف بها ... ترى منظرًا باليمن حسن ابتسامه تطوف بها الأملاك من كلِّ جانبٍ ... كما طاف إبراهيم حول مقامه فلا يوان لا إيوان كسرى ببابلٍ ... لما قد حواه من فنون رخامه إذا ما رنا طرفٌ ليدرك شأوه ... يعود كليلًا دونه لم يسامه .. فيها البرُّ والبحر عامرًا ... بحيتانه في عامر بنعامه تلاعب فيها الضَّبُّ والنُّون دائبًا ... فمن سابحٍ أو سائحٍ في إكامه /٢١٢ أ/ ترى الرَّوض ما أبدى رفيع سقوفها ... لطائف من نوَّاره وثغامه تميس غصونًا لم يمسن وما شدت ... على الأيك منها طائرات حمامه فكم من نديم أوطأ الكأس كفَّه ... ولكنَّه لم يرتشف من مدامه وهيفاء امست يوجع العود ضربها ... وما هو عنها مفصحٌ بكلامه وريمٍ رماه نابل فأصابه ... وما ذعرت ألَّافه من بغامه وكم من هزبر فاغرٍ فاه طالبٍ ... كميًا على طرف ثنى بلجامه ومن باذل ما نيط حبل عقاله ... ولا سابقٍ يلوى بجرِّ زمامه وفتيان صدق من قوارير كوِّنوا ... فكل يرى عن حلمه لاحتكامه صفوا عن يد الأكدار فالسِّر عندهم ... مذاع ولمَّا يحمدوا باكتتامه

стр. 267

فكلٌّ ترى من جاءه من ورائه ... جليًّا كمن قد جاءه عن أمامه لدى بركة حفَّت بوشي حدائقٍ ... يخجِّل زهر الرَّوض حسن نظامه تدرُّ ضروعًا لا يملُّ رضيعها ... ولا هي تدعوه أليم فطامه تدافق فيها الماء من كلِّ جانب ... فيطرب من تصفيقه وانتظامه إذا انبعت فوَّارة منه منبعًا ... تخال ..... ما فوَّقت من ..... يروع العذارى الحاليات نثيره ... فتدرك كلٌّ عقدها بالتزامه /٢١٢ ب/ فمن كامل التَّثمين لاقى مسدَّسًا ... فوافق في التَّربيع عند لحامه كأن مدار القطب وجه بساطها ... ترى الشُّهب من وحدانه وتؤامه تصدِّق إن قلت السَّماء لأنَّه ... يرى البدر فيها كاملًا في تمامه مليكٌ براه الله للنَّاس رحمةً ... بقوم تحدِّي حلِّه وحرامه فللبرِّ والحسنى بنان يمينه ... كما ضمن الآجال حدُّ حسامه به ختم الله الكرام لأنَّه ... رأى كلًّ خير فضله بختامه تواضع في عزٍّ وصار محاربًا ... وجاد احتسابًا عند إقتار عامه رأى منه تحت الملك ما لم يحلُّه ... سليمان في أطياره وهوامه فأشرف في الآفاق نورٌ مملَّكٌ ... سنى البدر في الظَّلماء تحت لثامه فعلَّم منه اللَّيث بأسًا وجرأةً ... كما علَّم الأنواء فيض سجامه كميٌّ أذاق التُّرك يوم نزاله ... من الموت كأسًا مرة من زؤامه حمى حوزة الإسلام بالبيض والقنا ... فما ذمَّ دهرًا داخلٌ في ذمامه وما حفظت أهل الثُّغور ثغورها ... بغير مواضي حدِّه واعتزامه فللذئب برٌّ زائدٌ من شراكه ... وللنَّاس حظٌّ زائدٌ من طعامه هنيئًا نداماه لقد نلتم به ... على قصر الجوزاء نيل سنامه /٢١٣ أ/ بلغتم به أقصى الأماني فحبُّكم .. بمن جرع الأعداء كأس حمامه جوادٌ به بلِّغت ما كنت آملًا ... فأصبح حظِّي ناقهًا من سقامه يجود بلا منٍ ولا لي موعدٌ ... إذا الغير خلَّاب بلمع جهامه فمن أجل ذا لم يشك للبين مركبي ... مجاذبه من نسعه وزمامه وما خاب طرفٌ فاز منه بنظرةٍ ... ولو شامه إنسانه في منامه

стр. 268

فبورك بنيانًا وبورك ساكنًا ... وبوَّأه الرَّحمان دار سلامه ولا زال مأهول الجناب مؤيَّدًا ... ممرَّ اللَّيالي دائمًا بدوامه وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط] سلاه هل عدَّ قتلي بالصُّدود رضا ... أم ساخطًا كان في أمرٍ عليَّ قضى كلَّفت قلبي لديه الصَّبر معترفًا ... ..... كلَّما عاينته انتقضا إني لأعجب من طرف التَّجلُّد في ... هواه يعثره وجدي إذا ركضا وعارضٍ من جفوني كلَّما نظرت ... عيناي بارق ثغر منه معترضا أما وليل كحظِّي من ذوائبه ... على صباح كفرق في الجبين أضا لا كنت ممَّن يرى في الحبِّ مبتذلًا ... عنه ولو جار أو أبغي له عوضا [١١٨] أحمد بن إبراهيم بن أحمد /٢١٣ ب/ بن هبة الله بن الحسين بن الحسن، أبو العباس بن أبي إسحاق الموصليُّ. من أبناء الرؤساء المتصرفين بالموصل. أصل آبائه من الجزيرة العمرية، وانتقلوا إلى الموصل وتولوا بها الأعمال الجليلة لبني أتابك؛ وهبة الله جده يعرف بالعفيف وبه يعرف بيتهم. وأبو العباس أخبرني أنه ولد في شهر صفر سنة اثنتين وستمائة، ونشأ في طاعة الله تعالى، والتمسك بآثار النبي ﷺ مع سداد وصلاح، وحفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري، والنقيب أبي الفتوح حيدر بن محمد بن عبيد الله الحسيني، وصحبة مدّة. واستدعى إلى ديوان الاستيفاء بعد موت والده فما أصاب وأعرض عن ذلك ورعًا وتدينًا ونزاهة نفس. ثم تولّى خزانة كتب المدرسة المولوية السلطانية البدرية المطلّة على دجلة- عمّرها الله ببقاء منشئها-. وهو من سروات الناس وأمثالهم، وأماجد أهل بيته وأفاضلهم، ذو دين وافر، ونسك ظاهر /٢١٤ أ/ كثير الخير، واسع النفس، مهذَّب الأخلاق؛ له بلاغة في

стр. 269

خطابة، وحسم عبارة، وخط رائق، وشعر مستحلى، ولم يكن يؤثر إظهار شيء من أشعاره، ولا يسمح عليّ بها فحيث طالع هذا الكتاب وتأمله قراءة شرَّفني ببيتين من قيله، وهما: [من الكامل] وجمعت أرباب الفضائل والنُّهى ... في سفرك الحسن الأنيق الكامل وسلكت أجمل مسلكٍ في رصفه ... فوقيت لؤم العائب المتجاهل [١١٩] أحمد بن ملاعب بن علويٍّ أبو عليٍّ الإربليُّ أصله من الموصل. شاب ملء بدنه، عبل الجسم، أسمر. يحفظ من الحكايات المستظرفة، والنوادر الغريبة جملة. وكان كيسًا مطبوعًا مازحًا فيه دماثة ومداعبة، ولم يكن نظم الشعر من شيمته إلا [أنَّه] يقوله طبعًا. كان يتولى في الدولة الظاهرية عملًا، فحين جاءت الدولة المستنصرية عزل عما كان عليه، وصار يكتب القصص بالأجر، واستشهد بإربل حين دخلها التتار- خذلهم الله تعالى- سنة أربع وثلاثين وستمائة. /٢١٤ ب/ أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- ﵀: [من الخفيف] كان ظنِّي متى قصدت عليًا ... في مهمٍّ يبرُّ لي مقصودي خاب ظنِّي فما عليَّ جناحٌ ... إن تواليت بعدها ليزيد وأنشدني لنفسه في قرد رآه راكب كلب، وناس يطوفون به الدروب والأسواق يتكسبون عليه رزقًا: [من الوافر] واعجب ما رأيت ركوب قردٍ ... على كلب يطوف به المغالق وماذا بالعجيب فكم رأينا ... كلابًا بحتها دهمٌ سوابق وأنشدني لنفسه، وكتبه إلى شرف الدين أبي البركات المستوفي- رحمه الله تعالى-: [من الطويل]

стр. 270

أيا شرف الإسلام قد مسَّني الضُّرُّ ... فلا جلدٌ من بعد هذا ولا صبر أجرني فقد أضحى الزَّمان معاندي ... وحسبي بلا منة أيسره الفقر وماذا احتيالي قد بليت بأربعٍ ... بها حسدي مضني وقد نفد العمر وحيدٌ ومعيول وطول مطالةٍ ... دهاني تماديها وقد خانني الدَّهر /٢١٥ أ/ وكم لي أسلِّي النَّفس عما أصابني ... على مضض منِّي إذا هاج بي الفكر أقول: اصبري بالله يا نفس واعلمي ... بأن ابن موهوب لنا في الورى ذخر رئيسٌ كبيرٌ عالمٌ سيِّدٌ معًا ... كريم حليمٌ صائمٌ قائمٌ حبر له عزمات في النَّوال متى دنا ... أخو عسرة مغناه حلَّ به اليسر فلو حاتمٌ في الجود باقٍ بعصره ... لكان له عبدًا لديه ولا فخر ولو أنَّ كسرى عاش فينا بعدله ... لبان لنا من عدله أنَّه كفر ومنها: فخذها عروسًا طفلةً فجهازها ... مديحك والإحسان منك لها المهر وعش وأبق في عيشٍ رغيدٍ ورفعةٍ ... مدى الدَّهر ما لاح السَّما وبدا البدر وأنشدني لنفسه، وهو مما قاله على لسان مسعط: [من الكامل] أيا عدَّة المولود إذ هو يشتكي ... ظماءً فأورده زلال الماء ومن العجائب أنَّه يشتاقني ... أدنو إليه فينثني ببكاء [١٢٠] أحمد بن جعفر بن الحسن بن علوان /٢١٥ ب/ بن حمزة بن سويدة التكريتيُّ الأصل. شيخ رديء العينين، عاميّ لم يعرف ما يقوّم به لسانه، بغدادي المولد والمنشأ والدار. وهو دلّال الكتب وبائعها. لقي جماعة من شعراء العراق وروى عنهم شيئًا من أشعارهم. وكان كثير التردد إلى الموصل، ويقيم بها. ثم رحل عنها إلى بغداد في تجارة الكتب، ولم تحمد طريقته مع الناس في معاملته؛ وربما يصدر عن خاطره أبيات قريبة. وأنا أستبعد هذا الشعر منه لكونه عاميًا لم يقرأ من الأدب شيئًا؛ سئل عن مولده، فقال: في سنة ستين وخمسمائة.

стр. 271

وروى الحديث عن أبي القاسم سعيد بن أبي المكارم بن بركة النحاس، وسماعه صحيح. أنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل] قدم المعين فأشرقت ... بغداد إذ قدم المعين فأمارنا بالبرِّ حتَّى خلت ممنهله معين قد كان حظِّي حين وافى منه أحسن ما يكون وبحست منه الجانبين ... وذاك عندي لا يهون وأنشدني أحمد بن جعفر بن الحسن /٢١٦ أ/ الكتبي لنفسه: [من الخفيف] ذهب العمر بالمنى والتَّقاضي ... وبصدِّ الحبيب والإعراض وتولَّى عصر الشَّباب وما ... نلت مرادي منه ولا أنا راضي وتبدلت بعد بهجة لوني ... باصفرارٍ ولمَّتي بالبياض أفأرجو من بعد هذا بقاءً ... إقض يا دهر فيَّ ما أنت قاضي [١٢١] أحمد بن أبي شجاع بن أحمد بن أبي البدر الدمشقيُّ، المعروف بالذهبيِّ. نسب إلى بني تميمٍ نفسه، وادَّعى أن الحيص بيص الشاعر هو جدُّه من قبل الأمّ. وأشعاره ضعيفة جدًا، قليل الحظ من العربية ومعرفتها. وفي شعره لحن فاحش. يتشيّع ويقصد الناس بأقواله؛ وهو دميم الصورة، خفيف اللحية والعارضين، قبيح الهيأة، يفرط في الفحش، كثير الكذب، ..... في ذاته. أنشدني لنفسه؛ وهو أصلح شعره، يستدعي صديقًا له: [من الخفيف] نحن في مجلسٍ حكى الرَّوض تفويفًا وما في الرِّيَّاض ما هو فيه /٢١٦ ب/ نرجس الأعين المراض وتفَّاح خدودٍ الحاظنا تجتنيه وروامش سوسنٍ يخجل الخيريَّ في صبغه الَّذي يبديه ونديمٌ قد اكمل الله للأنفس فيه جميع ما يشتهيه

стр. 272

ومدامٌ أرقُّ من دمعة الصَّبِّ وشاد ألجٌ من عاذليه لم يفته ممَّا تجرُّ المسرَّات إليه إلَّا حضورك فيه وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام وضع في فمه درهمًا: [من السريع] وشادن قابلت في ملعبٍ ... وهو بعقلي تائهٌ يلعب فقلت لمَّا اختال كالغصن لا ... أجيء من وجد ولا أذهب فافترَّ تيهًا فبدا درهمٌ ... في فيه لي مبسمه يحجب فقلت هذا منظرٌ لم يجد ... في النَّاس منه قبله أعجب عضَّ على حقفٍ نقًا فوقه ... بدر دجًى في وسط كوكب وأنشدني لنفسه في غلام اسمه موسى بخدِّه خال: [من السريع] واهيف القدِّ على خدِّه ... خال على سفك دمي عونه /٢١٧ أ/ فهو كموسى والعصا لحظه ... وقلب من يهواه فرعونه وأنشدني لنفسه: [من الطويل] سقى ليلةً بتنالها في مسرَّة ... وقد غفل الواشي ونام المراقب أقبِّل وردًا فوق خدٍّ وعارضًا ... أسيلًا عليه العنبر الرَّطب ذائب وأرشف ريقًا كالأقاحي وأجتلي ... هلالًا أنابت عن دجاه الذَّوائب ذهلت به حتَّى توهَّمت أنَّني ... من الوجد في وادٍ من الحلم ذاهب وحتًّى حسبت البدر يدنو صبابةً ... وكادت بأن تهوي إلينا الكواكب وأنشدني قوله: [من المنسرح] وزائر ٍكالهلال واللَّيل قد ... جرَّ على الخافقين أذياله حسبته حيث زارني قمر التَّمِّ له من عذاره هاله وأنشدني له: [من الطويل] لبست جديد الحيِّ لمَّا تعرَّضت ... علائق ودٍّ قبله وعهود وها أنا لمَّا أخلق العذر ..... ... تعرَّض منِّي جفوة وصدود وقد كان قلبي لم يطعني على القلى ... وها هو طوعي اليوم كيف أريد

стр. 273

وأنشدني لنفسه: [من الوافر] /٢١٧ ب/ وذي هيفٍ من الأتراك وجدي ... برشف رضابه وبوجنتيه ولكني أحاذر حيث يرنو ... مهاجمة الرَّدى من مقلتيه أقول قد ثناه التيه لينًا ... وجاذبني تأوُّدُّه إليه فوا أسفي على عمر أقضِّي ... بجفوته وواحربي عليه رمى ورنا فكان اللَّحظ أودى ... بقلب الصَّبِّ ممَّا في يديه وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف] زارني خلسةً من الرُّقباء ... بعد مطلٍ مبرقعًا بالحياء غير أنَّا لمَّا اندفعنا إلى بثِّ شكاةٍ من لوعةٍ وعناء أبعدتنا عين الرَّقيب ..... ... نتشاكى باللَّحظ والإيماء وأنشدني قوله أيضًا: [من مخلّع البسيط] وددت لو زارني حبيبي ... ولو خيالٌ بلا رقيب فوالَّذي بالهوى ابتلاني ... ووَّكل القلب الوجيب ما قلت: أيأتي الحبيب إلَّا ... جاء رقيبي بلا حبيب [١٢٢] أحمد بن داود بن بلال /٢١٨ أ/ بن معالي الإربليُّ، أبو العباس الخطيب المقرئ. شاهدته كهلًا ضعيف النظر، إحدى عينيه نادرة. وهو دلال الكتب بمدينة إربل؛ من أهل العلم والقرآن وسمع الحديث كثيرًا على جماعة. أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- ﵀: [من الطويل] ألا أيها المولى الَّذي سار ذكره ... واثقلني دون البريَّة برُّه أهنِّيك بالعام الجديد وإنَّما ... يهنَّي بك العام الجديد وعشره

стр. 274

[١٢٣] أحمد بن اسفنديار بن الموفق بن أبي عليٍّ، أبو المكارم بن أبي الفضل البغداديُّ الواعظ الصوفُّي. وسيأتي شعر والده في موضعه من هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى-. كانت ولادته في الثامن والعشرين من رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي بعد منصرفه من بغداد في أوائل شهر ذي القعدة من سنة تسع وثلاثين وستمائة. شاهدته ببغداد؛ وهو متقدم الصوفية /٢١٨ ب/ برباط الإرجوانية، وهو كهل حسن يروى عن أبي محمد إسماعيل بن أحمد الكاتب، وبالإجازة عن أبي الفرج بن كليب وغيرهما من المشايخ البغداديين. وكان حافظًا للقرآن الكريم، صحيح السماع والإجازة، واشتغل بفن الوعظ على أبيه؛ ولديه فضل وأدب، وقال الشعر ودوّن لنفسه ديوانًا يشتمل على مجلدتين، ولم يودعه هجوًا البتة. وذكر لي- في سنة ثلاث وعشرين وستمائة- أنَّ شعره يبلغ عشرة آلاف بيت.

стр. 275

وكان شيعي المذهب، غاليًا في الولاء. أنشدني لنفسه يوم الأحد الحادي عشر من شهر رمضان بالجانب الشرقي من مدينة السلام بالرباط المقدم ذكره، وذلك في سنة تسع وثلاثين وستمائة، يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه-: [من البسيط] قضى لك الله بالتَّأييد والظَّفر ... ما لاح في الأفق ضوءٌ من سنى القمر خليفة الله يا من نور نائله ... جلَّى غمامة فقر البدو والحضر .. مربع الإسلام منهمرًا ... من جنودك الغمر يغنيه عن المطر إحسأن مستنصر بالله منتصر ... لله معتضد بالله مقتدر /٢١٩ أ/ فلو رأى زمن المنصور صوب ندى ... المنصور لم يبق من ضرٍّ ولم يذر إمام حقٍّ رآه الله خير بني العبَّاس من آمرٍ منهم ومؤتمر فناط حكم بني الدُّنيا بهمَّته القدسيَّة الحدس والأوهام والنَّظر تفويض راضٍ لما أولاه من كرم ... مأثور سيرته المحمودة الأثر خليفةٌ زيَّنت أنباء سيرته ... محاسن الكتب والآثار والسِّير مصوَّرٌ في مقرِّ القدس من صورٍ ... جلَّت لتقديسها من عنصر الصُّور في خلق يوسف في أخلاق أحمد في ... حكم المسيح المصفَّى من أذى الكدر فجاء أغنى بني الدُّنيا بسؤدده ... عن أن تعرَّف بالأوضاح والغرر ينسي بإحسانه الأجواد من مضر ... وبالسِّياسة ما قد قيل عن عمر كأنَّه في معاني فضله ملكٌ ... وإن تصوَّر في ملك من البشر فيا أبا جعفر عمِّرت منتصبًا ... في سدَّة الملك أقصى منتهى العمر ولا برحت لآفاق العلا فلكًا ... يهدي سنى نوره للشَّمس والقمر ولا عدتك تهاني العيد وافدةً ... ما هزَّت الرِّيح ميَّادا من الشجر وعشت عيدًا لأعياد البريَّة ما ... ترنَّمت ساجعات الورق في الشَّجر ولا خلا منك دست الملك ما فرق الفصيح ما بين لفظ الغمر والغمر /٢١٩ ب/ ولا ألمَّت بربعٍ أنت ساكنه ... إلمامهٌ من مجاري حادث الغير

стр. 276

ولا برحت لبرج المجد نيِّره ... العلويَّ ما طاف وفد الله بالحجر وأنشدني أيضًا لنفسه في مولانا أمير المؤمنين، وذكر أنه أنشدها بالمدرسة التاجيّة في يوم الغدير. وكان قد صادف ذلك اليوم مجلس الوعظ: [من مجزوء الكامل] لا تسق بالقدح الصَّغير ... من كان ذا خطرٍ كبير إنَّ الأكابر للأكابر ... والأصاغر للصَّغير وأدر كؤوسك لا عدمتك ... من أخي نظرٍ مدير حمراء يشرف من زجاجتها سنى القمر المنير جلَّت محاسن وصفها ... عن أن تشبَّه بالخمور بكرًا إذا نطقت حكت ... ما كان في قدم الدُّهور كانت ولم يخطر وجود الكون في نفس الضَّمير يهدي إلى قلب الحزين ... حديثها روح السُّرور قدسيَّة الأوصاف مشرع ودرها العذب النَّمير يجلو العمى وينير بالإيمان أوعية الصُّدور /٢٢٠ أ/ فإذا انتشيت من المدام ومست في حلل الحبور وأرتك أنوار الهدى ... بخلًا لدى النَّظر البصير فاحلف بمن ظهرت خصائص فضله يوم الغدير وعلا على كتف النَّبيِّ الصَّادق البرِّ الطَّهور وأباد عمرًا بالحسام ... المقصل العضب الطَّرير وشفى بقتله مرحب ... في خيبر قلت البشير إنَّ الندَّى المستنصريًّ ... ندى يجلُّ عن النَّظير جود الخليفة لا يقايس ... بالحيا الهامي الغزير أنَّى وكيف وفضله ... القدسيُّ عن كرمٍ وخير ومواهب المنصور للإسلام ... كالحامي النَّضير

стр. 277

مولى يخاف سطاه قلب الباسل الأسد الهصور فاسلم امير المؤمنين من الردَّى حتى النُّشور في دولةٍ أساسها ... تعلو على الفلك الأثير تبنى دعائمها برأي وليِّك المولى الوزير النَّاصح البرِّ الوفيِّ ... الصَّادق العفِّ الضَّمير /٢٢٠ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه في المستنصر بالله، وأنشدها بالبدرية الشريفة من لفظه: [من الخفيف] لست أخشى جور الزَّمان وإن جار إذا كان عدَّتي المنصور فإليه تعزى المناقب والفضل وعنه يروى النَّدى والخير كالمعالي حيث استقرَّ استقرَّت ... والأيادي تصير حيث يصير جدَّد الله ملكه ألف عامٍ ... يتوالى للخلق فيه السُّرور وأرانا فيه المنى ووقانا ... في معالي حلاله المحذور وجرت بالَّذي تنشَّا المقادير وواتاه بالمنى المقدور أنا أدعو والله يعلم صدقي ... في ولائي وما يجنُّ الضَّمير يا إمام الهدى الَّذي للمعالي ... بمعاني آرائه تدبير رجبٌ قد أتى يبشِّر بالنَّصر فنعم الآتي ونعم البشير فتملَّ الزَّمان وأبق لدهر ... أنت فيه مؤيَّدٌ منصور فبكم يجبر الكسير وينفكَّ الأسير العاني ويغني الفقير وقال أيضًا: [من الكامل] /٢٢١ أ/ مالي ألام على الهوى وأعنَّف ... ما في العواذل في اللَّوائم مصنف أيلام صبٌّ وجده متوقِّدٌ ... وسحاب مدمعه يسحُّ ويذرف صبٌّ إذا ذكر الحمى وعهوده ... لحمى العقيق ورامة يتأسَّف حيران لا ينفكُّ مذ شحط النَّوى ... بالظَّاعنين عن اللِّوى يتلهَّف يرعى النُّجوم كأنَّه لطلوعها ... وغروبها مترصِّدٌ متكلِّف شوقًا يهيِّجه إذا جنَّ الدُّجى ... نشوان من خمر الملاحة مخطف رشا لواحظ طرفه سحريَّة ... وبفيه لو بذل المراشف قرقف

стр. 278

رشا به عرف الملاحة مثلما ... بشحوبي الوجد المبرِّح يعرف [١٢٤] أحمد بن الحسن بن عمر بن محمدٍ، أبو الفضل الأسفرايينيُّ. نزيل ملطية من بلاد الروم. شاب أشقر؛ شاهدته بالمدرسة النورية بحلب المنسوبة إلى بني عصرون، وقد وردها صحبة القاضي تاج الدين يوسف بن عبد الصمد بن أبي بكر التبريزي حين وافى رسولًا من سلطان البلاد الرومية، وذلك في شهر ربيع الأول /٢٢١ ب/ سنة سبع وثلاثين وستمائة. وأنشدني لنفسه ما تضمنت هذه شيئًا من شعره. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت ليلة الجمعة رابع جمادي الأولى سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وشعره لم تكن عليه طلاوة، وتظهر فيه العجمة والتكلف، فمما أنشدني له قوله: [من الطويل] نسيم الصَّبا عرِّج على ملطَّية ... وبلِّع سلامي أهلها وتحيَّتي وخصِّص بفرط الشَّوق من بينهم سربهم ... غزالًا أراني البعد عنه منيَّتي وقل بلسان الذُّلِّ يا غاية المنى ... يقول فلانٌ حلَّ فيك رزيَّتي تمرُّ وفي عيني خيالك غدوتي ... وتمسي وفي قلبي هواك عشيَّتي نسيت وطول العهد منسي عهودنا ... وإنِّي على الحالين اخلصت نيَّتي وعنك على بعد المزار روايتي ... ومنك وإن طال البعاد رويَّتي نسين الصَّبا تأبى القبول تخيُّرًا ... وإلَّا فها روحي إليك هديَّتي

стр. 279

[١٢٥] أحمد بن عليِّ بن أبي المكارم بن مسعود بن حمزة الموصليُّ، البغداديُّ الأصل، أبو العباس. حفظ القرآن على والده، وعنده صدر حسن من العربية؛ /٢٢٢ أ/ ومولده سابع صفر سنة ثماني وتسعين وخمسمائة. أنشدني قوله: [من الطويل] وإنِّي لأولى من تفيَّأ ظلَّكم ... وأحرى من استصنعتموه مدى الدَّهر لأنشر ديوان المدائح فيكم ... ولا طيَّ بعد النَّشر إلَّا إلى الحشر فإحسانكم عندي تليدي وطارفي ... ومعروفكم يسري مع العسر واليسر [١٢٦] أحمد بن أبي القاسم بن أحمد بن أبي القاسم بن نصر بن سعيد، أبو العباس المعروف والده بالجزار الموصلي، وأحمد يلقب كشاجم. وهو شاب معاشر مسترفد بقوله لا غير، ينظم الشعر في الهجو والمدح والغزول وغير ذلك. وخبرت أنَّه يتهم في أشعاره، وينتحل أشعار الناس ويسرقها والله أعلم صحة ذلك؛ وليست له حرفة يعتمد عليها سوى التكسب بالشعر والاستجداء. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة خمس وتسعين وخمسمائة بالموصل. وأنشدني لنفسه يمدح الملك الأشرف- ﵀: [من الكامل] /٢٢٢ ب/ دانت لطاعة أمرك الأقدار ... وجرى بما تختاره المقدار وبيمن سعدك أيُّها الملك الَّذي ... أحيا العلا فلك السُّعود يدار فاحكم على الدُّنيا فإنَّك مدركٌ ... منها بجدِّك كلَّ ما تختار ومن القضاء بما تشاء فإنَّه ... لك والزَّمان وأهله الأنصار فاسعد بملكك والَّذي أوتيت من ... نعمٍ بها تستعبد الأحرار واسلم إلى يوم الحساب محكَّمًا ... في العالمين إذا ألمَّ بوار

стр. 280

وأنشدني لنفسه يمدح بعض الرؤساء: [من الخفيف] حكَّمته لحاظه في القلوب ... فحمته من كلِّ لحظٍ مريب رشا كالهلال وجهًا وكالغصن ... قوامًا وردفه كالكثيب بابليُّ الجفون في وجنتيه ... جنَّة القلب في دماء القلوب أيُّها الهائم الَّذي ظلَّ في الحبِّ ضلالًا يلومني في الحبيب أنا صبٌّ به كئيبٌ وكم في ... يده من فؤاد صبٍّ كئيب ما احتيالي والخصم قاضٍ وعندي ... مرضٌ دلَّه عليَّ طبيبي يا أخلَّاي هل مجيبٌ خليُّ البال من حرِّ لوعةٍ ووجيب يستميل الحبيب أو يرجى لواش بنا أو يغضُّ لحظ الرقيب /٢٢٣ أ/ وغزال تراه في اللَّيل بدرًا ... في قضيب يسعى بشمس الغروب كلَّما رمت سلوةً عنه وافى ... حسنه سافعًا بفنٍّ غريب زارني والظَّلام داجٍ فأغنى ... عن سراجٍ بكأسه المقطوب وسقاني إلى الصَّباح من الرَّاح ومن ريقه بكأس وكوب حبَّذا ما مضى لنا من زمان الوصل واللَّهو بالحمى والكثيب حيث غصن الشَّباب غضٌّ وريقٌ ... ناعمٌ لم تصبه عين المشيب والصِّبا شافعٌ إلى كلِّ خودٍ ... كقضيب الأراك رؤد ٍكعوب لو تراءت للشَّمس غابت وإن لم ... يدعها للمغيب وقت المغيب تنفث السِّحر من جفون مراض ... فاتكات بكلِّ سهم مصيب لم تذق خمرةً وتسطو بقدٍّ ... من حميَّا كأس النَّعيم شروب فعلها بالعقول أفعال تاج ... الدِّين بالفقر والعدا والخطوب الوزير الَّذي يحلُّ بنو القافة من ... ظلِّه بناد رحيب يبسم الثَّغر من محيَّاه بالآمال ... والنُّجح في الزَّمان القطوب كلَّما جاد جاد من فيض نعمى ... راحتيه فيض السَّحاب السّكوب جلَّ من أن يحدَّ وصفًا فأضحى ... في الورى واحدًا بغير ضريب /٢٢٣ ب/ ينثني عطفه إذا سمع المدح ... وطيب الثَّناء مثل الطَّروب وكأنَّ المديح إذ صار فيه ... نشر زهرٍ أو نشر مسكٍ وطيب

стр. 281

منحته الورى ولاءً وحبًا ... وحبته طبعًا صفاء القلوب ذو يد تغمر الوفود بجودٍ ... طافح دافقٍ غزير القليب ومتى أجدب الزَّمان أنخنا ... منه آمالنا بربع خصيب ملبسي من مناقب المجد عارٍ ... في بني الدَّهر من جميع العيوب عالمٌ بالأمور والدَّهر والغامض من كلِّ كائنٍ والغيوب عزمه في الزَّمان يفعل ما يعجز عن فعله شفار القضيب فات ريح الجنوب سبقًا وهل فات سواه في السَّبق ريح الجنوب نافذ الأمر في الحروب إذا ما ... نبت الزُّرق والظُّبي في الحروب أيَّها السَّائق الَّذي يقطع البيد وجوب الفلابحثِّ النِّيب ناد للمكرمات مولاي بدر الدِّين تظفر منه بجود صبيب وسحاب هام وطود أشمٍّ ... وسميع لكلِّ داعٍ مجيب أيُّها المالك الَّذي أصحب الآمال قصدي في مشهد ومغيب أنا عبدٌ لكم بودٍّ صريحٍ ... محكم في الأنام غير مشوب /٢٢٤ أ/ فانظر الآن في ولاء محبٍّ ... صادقً في الثَّناء غير كذوب وافتقدني عمًّا عهدت بجودٍ ... من أياديك دافق الشُّؤبوب وابق واسلم ما لاح نجمٌ وما هلَّ هلال في ظلِّ عيشٍ رطيب وله: [من الكامل] امدد إليَّ يد السَّماح لأنها ... عونٌ على السَّراء والضَّراء تولى مواليك النَّوال وتارةً ... بالبيض تفتك في طلى الأعداء وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة: [من السريع] وانتحب الرَّاووق في مجلس ... وطاف في المجلس ساق براح وقال عند السُّكر مستهترًا ... بالرَّاح: هذا وقتها لا براح وحنَّ مستاقٌ إلى أهله ... وأحيت الجود الأكفُّ السِّماح ودام في الأرض مهبُّ الصَّبا ... واستظرف النَّاس حديث السَّماح

стр. 282

وناحت الورق وراق الصَّبا ... وشقَّ جيب اللَّيل كفُّ الصَّباح وأمَّل الجود فتى فاقة ... وتاه مثلي بالوجوه الصِّباح وأنشدني لنفسه في الشيطان الشاعر، وقد توجه عن الموصل /٢٢٤ ب/ قاصدًا مدينة إربل: [من الوافر] سرى الشَّيطان عن بلدٍ رحيبٍ ... إلى ضنك وجانب خير مالك فقلت مقارقًا جنَّات عدنٍ ... يمهِّد منزلًا في قرب مالك وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط] باكر إلى كأس راحٍ بات يمزجها ... بريقه ثمل الأعطاف نشوان في خلقه روضةٌ بالنُّور مشرقةٌ ... وفي خلائقه حسنٌ وإحسان فثغره أقحوانٌ أشنبٌ عطرٌ ... وخدُّه الورد والتَّعذير ريحان وجفنه جفن بيض الهند مصلتةً ... سنان قامته الهيفاء وسنان علا على رأسه شاشٌ حوى عجبًا ... فيه لعاشقه كفرٌ وإيمان [١٢٧] أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن باوك بن عبد الله بن شاكلٍ الإربليُّ الأصل. من أبناء الأكراد ومن بيت فقه وعلمٍ. شاب قصير يتزيّا بزي الأجناد. أخبرني أنه ولد بالجزيرة العمرية يوم الخميس آخر النهار ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع /٢٢٥ أ/ وتسعين وخمسمائة، ولم يكن عنده ما عند أهله من الفقه. أنشدني هذه الأبيات يرثى بها بعض بني عمه، وليس هي من صالح الشعر؛ غير أنَّ في أبياتها أبياتًا قريبة. رأيته بالموصل في رجب سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأنشدني لنفسه: [من الكامل] عظم المصاب فعزَّ فيه عزائي ... وتبدَّلت عبراتنا بدماء

стр. 283

ومنها يقول: وتصرَّمت لفراقه نار الجوى ... وتأجَّجت في القلب والأحشاء واستوحشت لمَّا خلت أوطانه ... منه وحلَّ الأنس بالصَّحراء يا أيُّها الجدث الَّذي صفحاته ... صدفٌ لستر الدُّرة الغرَّاء أتراك تعلم ما حويت وما ثوى ... بك من عفافٍ وافر وجباء لله قبرٌ طيُّ سرِّ ضميره ... أصل الفخار وسيِّد العلماء يا راحلًا أبقى الغرام مخيِّمًا ... عندي وبان بسلوتي وعزائي قد كنت قرَّة كلِّ طرٍف ناظرٍ ... فاليوم صرت قذًى لعين الرَّائي أتفقَّد الأحياء بعدك لا أرى ... هيهات مثلك قطُّ في الأحياء يا ليت شعري كيف حالك أنت في ... ضيق اللُّحود ووحشة الظَّلماء /٢٢٥/ فعليك رضوان الإله ورحمةٌ ... تأتيك في الإصباح والإمساء مولاي إبراهيم والشَّرف الَّذي ... أضحى تحمل سائر الوزراء اصبر على هذا المصاب تجمُّلًا ... فالصبر محمودٌ على الضَّراء وأنشدني أيضًا: [من الكامل] يا أيُّها الأسد الَّذي بفعاله ساد الورى ... بالعدل والإنصاف الدِّين ثمَّ الملك شخصٌ أنت منه كالنُّهى ... وهو المحلُّ الوافي ولأنت أكرم من مشى في عصرنا فوق الثَّرى ... من ناعلٍ أو حافي إنِّي جزعت من الزَّمان ومن شماتات العدا ... إذ لم يكن لي شافي حتَّى انتميت إلى من التجى ... من جور دهرٍ جافي فامنن عليَّ بما يساعدني على دهرٍ جنى ... قدمًا على الأشراف من افخر الملبوس يا أسد الشَّرى ... تعلو به أوصافي وتهنَّ بالشَّهر الأصمٍّ وعش متى هبَّت صبا ... برغيد عيشٍ صافي

стр. 284

[١٢٨] أحمد بن محمّد بن أبي الحسن بن بوبا، أبو العباس الإربليُّ. كان والده كرديًا من قرية /٢٢٦ أ/ بنواحي إربل اسمها "حريرا". اشتهر اسمه بعباس وبه يعرف عند أهل بلده .. هكذا أملى عليَّ نسبه وخبّرني باسمه. وهو فقيه حنفي مناظر, قرأ الفقه على جماعة من أئمة الفقهاء الحنفية, ودرس علم الأصول والخلاف والمنطق؛ وهو مع ذلك صالح عفيف الفرج, يحبّ الخمول, قليل المخالطة لأبناء هذا الزمان. وكان بيني وبينه صحبة بمدينة إربل أيام إقامتي بها. أنشدني لنفسه من قصيدة يقول منها: [من الكامل] رفعوا القباب على المطيَّ وأزمعوا ... ووضعت من أسفي على كبدي يدي صاحوا النَّوى فوقفت في آثارهم ... أبكي الطُّلول وأندب البان النَّدي أخذوا بأكناف اللِّوى في سيرهم ... وأخذت أخذة حائرٍ لا يهتدي سلُّوا من الحدق السُّيوف وأغمدوا ... بين الجوانح جمرةً لم تخمد [١٢٩] أحمد بن غزّي بن عربيّ بن غزي بن جميل بن نبيل بن هندامٍ, أبو العباس الموصليُّ الربعيُّ .. هكذا نسب لي نفسه لما سألته عنه. شاب ثط /٢٢٦ ب/ ربعة مائل إلى السمرة, من أنشا المواصلة. كان خبّازًا في مبدأ شأنه شخص هو وابوه وأهله إلى ديار مصر فسكنوها مدة لما وقع الغلاء بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة؛ فتعلم بها طرفًا من العربية, وتأدّب وأخذ

стр. 285

نفسه بضاعة الشعر, ونظم منه ما استحلاه الأدباء, واستملحه الفضلاء. وفيه ذكار حسن, وله بديهة جيدة إلّا أنه كثير الإعجاب بقوله لا يرى أحدًا فوقه من أبناء زممانه يطرب إذا أنشد أشعاره في وصفها والثناء عليها, والإسهاب في نعت معانيه, والمدح لجودة ألفاظه ومعانيه. ومن شعره ما أنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من الكامل] وحياة ووجهك لا أردت بديلا ... أبدًا عليك ولا أطعت عذولا ديني هواك فكن بهذا واثقًا ... من يشتهي عن دينه تحويلا يا منكرًا سفك الدِّماء بلحظه ... يكفيك خدُّك شاهدًا ودليلا والله ما أرضاك أمرٌ في الهوى ... إلَّا وكان على الرَّضا محمولا بأبي غزال لم يزل بصدوده ... سمحًا عليَّ وبالوصال بخيلا /٢٢٧ أ/ وأغنَّ ما للكحل في أجفانه ... خطٌّ وتحسب جفنه مكحولا حنق اللِّحاظ على القلوب كأنَّما ... قتلت لعينيه القلوب قتيلا في خصره معنًى دقيقٌ لم يزل ... خطب الغرام به عليَّ جليلا ووراءه ردفٌ ثقيلٌ زادني ... عبئًا على عبء الصُّدود ثقيلا عقد البنود فما رآه حازمٌ ... إلا وأصبح عزمه محلولا وتقلَّد السَّيف المهنَّد مغمدًا ... وسطا بسيف لحاظه مسلولا أمسى قليل الحظِّ منه وما أرى ... حظِّي من العذَّال فيه قليلا وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] تظنُّ الحبَّ سهلًا يا خليلي ... وتحسب ناره نار الخليل وما تدري بما يلقى محبٌّ ... من الأحزان في اللَّيل الطَّويل أما من منصف من جور ظبيٍ ... على قتل الضَّراغم مستطيل أشدُّ عليَّ من شوق عزيز ... رأي حكمًا على دمعٍ ذليل وأحكم فيَّ من نوب اللَّيالي ... وجور الدَّهر في مال البخيل معنِّفتي على سقم بجسمي ... دعيني ما يهمُّك من نحولي أما والحسن خلفه مستهامٍ ... بورد الخدِّ والطَّرف الكحيل
следующие страницы →