Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
كيف لي أقطع الزمان وأيَّا ... مي بمرآك كلها يوم جمعه
/٢١٥ أ/ والعفيف هذا؛ هو أبو طالب عقيل بن الحسن بن عقيل بن صقر من أهل حلب، ومن بيت مشهور بها. شيخ حسن طويل أسمر اللون، ممتع الحديث، فكه المجلس جيد ني نفسه؛ عده مروءة وفية تودد وحسن عشرة لمعارفه وأصدقائه.
وكان يخدم متصرفاً للأمراء، ثم لزم بيته وواظب على الصلوات الخمس ويترامى إلى نظم القريض، ويتعاطي فيه. يفعل ذلك مزاحاً وانبساطاً، وله ذوق قريب ني قوله وتركيب أوزانه، ويقول شعراً ملحوناً، نازل الطبقة، وكانت بيه وبين أبي جعفر بن القيسراني الكاتب المنشئ صحبة قديمة، وصداقة وكيدة.
وكان أبو طالب يحبّ أن يكاتب أبا جعفر بالأشعار ويجاوبه عنها ويداعبه ويماجنه بالأبيات النادرة؛ ولولا سقوط شعر أبي طالب واللحن الذي يقع ني أثنائه، لأوردت منه شيئاً في كتابي هذا. وكنت أفردت له ترجمةً بذاتها لما كان بيني وبيه من أكيد الصحبة والاجتماع؛ لكنَّه من الهذيان / ٢١٥ ب/ الذي لا يعتدُّ به. ومن أصلح ماله من النظم توله من أبيات كثيرة، كتبها إلى بعض أصدقائه: [من مجزوء الخفيف]
نقذ الورق والورق والورق ... ففؤادي قد احترق
لا تدعني أصيح مثـ ... ـل السمامين طق طلق
وكانت وفاة العفيف أبي طالب ليلة الجمعة خامس عشر ذي القعدة سنة خمسين وستمائة، ودفن بمقبرة الجبيل شمالي القلعة بكرة يوم الجمعة بتربة مخصومة بهم - رحمة الله تعالي - وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في سنة خمس وسبعين وخمسمائة بحلب.
ثم نرجع إلى ذكر أبي جعفر بن القيسراني. كتب المخلص عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم التميمي إلى أبي جعفر عند عوده من دمشق، واتفق وصوله إلى حلب قبل عيد الأضحى بيومين وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة.
/٢١٦ أ/ دم يا أبا جعفر مالاً لذي أمل ... يرجو نداك وعش للفضل والجود
ما عدَّ غيرك إلا واغتدت غرراً ... أفعالك البيض في أفعاله السود
اناي ارتحالك عنَّا كلَّ صالحه ... نادى إليها وأقصى كلَّ مقصود
стр. 2417
لا ردَّ دونك باب الخير فاتحه ... فباب فضلك عنَّا غير مردود
فأجابه أبو جعفر بهذه الأبيات ٠ وأنشدنيها: [من البسيط]
أمخلص الدَّين قد أوليتني مننا ... ما شكر أيسرها عندي بمحمود
وقف منك على نظمٍ أدار على ... سمعي وفهمى ولبَّي بنت عنقود
لقد ملكت به ودِّي الصَّريح كما ... أوردتني منه بحراً غير مورود
منحتني منه جوداً ما برحت إلى ... نفائس من حلاه ثانياً جيدي
والله يعلم أشواقي إليك وما ... جنت يد البعد من همِّى وتسهيدي
وما نثرت بذاك القطر من دررٍ ... عليك في كلَّ نادٍ منه مشهود
ويوم القي محيَّاك الجميل فذا ... ك اليوم عيدي من حسن به عيدي
بقيت للفضل تبديه فأنت له ... كالماء للعود بل كالنَّار للعود
/٢١٦ ب/ ومن نثره ما كتبة إلى الصاحب الإمام كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدَّرس العقيلي - أسعده الله تعالى - من حمص عند توجهه إلى خدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازى - خلَّد الله ملكه – بدمشق، يعرّفه بوصوله:
"أدام الله نعمة المجلس السامي كمال الدين؛ ولا زالت محامده مفروضة، ومننه على الأعناق مفضوضة، والمسار على سمعة وقلبه الشريف معروضة، ولا برحت يده بالإحسان مبسوطة، وأيدي الحوادث عنه مقبوضة.
الخادم ينهي أنَّه سطر خدمته هذه من حمص وقد هبَّ عليه من /٢١٧ أ/ حمص، وقدم عليه من نسيم الاقتراب من الخدمة الشريفة السلطانية ما أحيا روحه، وبعث إليه مسيحة، وهاج أشواقه وتباريحه، واستشعرت نفسه سعادة المثول بأبوابها، واستنار جبينه لما سيباشره من ترابها، وتيقن أعتاب دهره عند تقبيله عتباتها، ونجاح سعيه بوقوفه في مواقف عبيدها وأهل موالاتها، والله تعالى يقرب له ميقات الاستسعاد بمرأى عظمتها التي تخشع لها البصار، وتخضع لها
стр. 2418
الأقدار، ويستسرّ لأنوارها الأقمار، وتتوجه الوجوه والنيات إلى كعبة كرمها، ويحلّ الرجاء بأرجاء حرمها، وتترفع الأقدار باستنزال ديم فضلها ونعمها ليسترجع الخادم بصره وبصيرته منها بنطره، ويشم لما حلَّ حالة من سماء إحسانها ديمة ثَّرة، ويرد بحر كرمها الذي يقذف بدر الأنعام من معدنها، وتأخذها بقوة، ويأمر قومة أن يأخذوا بأحسنها، ويشافه /٢١٧ ب/ بالدعاء والإخماد والإبتهال إلى الله تعالى، في أن يمدّ ظلّ سلطانها على العباد والبلاد، وأن يمتع الخليقة منه بتلك الخليقة، التي هي ألذّ في الأجفان وأندى على الأكباد، ويفوز بخدمة المجلس التي هي مادة أنسه، وراحة نفسه، ومشاهدة محيّاه الذي له فيه مغًنى عن قمره وشمسة، فإنَّ مسألة الشوق إليه قد أخذت بحقّها، ومسافة الصبر قد الجأته إلى أضيق طرقها. وكيف به لو أعارته الريح إليه جناحاً؟ أو لو زويت له الأرض فغدا على خدمته غدّواً ورواحاً؟ وسطرها ونفسه تعد، ويده من حجلة التأخر ترتعد. وما يدري بماذا يعتذر؟ ولا ماذا ينظر وينتظر؟ غير أنَّ نفسه واثقة بأنَّ سلطاننا - خلّد الله ملكه - شريف الطبع، كريم الصنع. لا يناقش في هذا الحساب، ولا ينافس إلاَّ في الثواب، وأنَّة إلى عادته في الأحسان أجنح، وأنَّ سجاياه الشريفة أندى وأسجح، ملكَّه الله الليالي خولاً، والأيام /٢١٨ أ/ عبيداً، وجدّد له في كل يوم جديد ملكًا جديداً، وأغنى الدنيا به عمَّن سواه كما أغنى جار البحر عن [أن] يتيمم صعيداً، وحرس نعمة المولى وأبقاها، وضاعف له أسباب السعادة وأولاها، وعطف على مكارم أخلاقه أعنَّة الثناء وثناها - إن شاء الله تعالى –".
ومما كتبة إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين عزَّ نصره - بعد عوده من مصر، وقد بلغة عتب منه بانقطاع كتبة عنه:
"أعز الله سلطان المقرّ الأشاف الأعظم السلطاني، وزاده اقتداراً وأعقبه ظفراً وانتصاراً، وأوسع الدنيا بملكه افتخاراً، وحاطه بمعقباته
стр. 2419
الحافظات ليلاً ونهاراً، وجعل ملائكة نصره أعواناً وأنصاراً؛ ولا زالت الأقدار لأوامره معليةً، ولبعيد آماله مدنية، ولعقائل الممالك إليه مهدية /٢١٨ ب/ والى طاعته في كل مراد ومرام متهديّةً.
يقبل الأرض خدمةً يعتقدها فرضاً، ويلثم العتبات الشريفة التي لا يرضى لها السماء أرضاَ، وينهي مواصلته أيام مولانا بأدعيته التي يرضى وظائفها، وينشر صحفائها. واستفتاحه أبواب القبول بدوامه على ذلك واستمراره، ومحافظته عليه في أناء ليلة وأوقت نهاره. والله تعالى يسمع ويجيب إنَّه سميع مجيب، ويقسم بالله العظيم، وبحق نعمة مولانا وحقوقها عظيمة، وكفارتها معلومة أنَّ المملوك لم يؤخر مطالعاته عن الأبواب العالية إلاَّ استصغاراً لنفسه عن هذا المقام، وإجلالاً لعظمة مولانا التي تتضاءل عندها همم الملوك العظام، وتهيبا أن يخاطب مقرّ الشرف والعظمة بما يستمدُّه من خاطر بهمّ بعده عن الخدمة الشريفة مكدود، وقلب مُحلأ عن موارد السعاداتً مطرود، وجنان تبهره أنوار تلك العظمة /٢١٩ أ/ التي إذا حاول من قلمه سجوداً، بآيات حمدها قال جبينه أنا أحقّ منه بالسجود.
وعنده والله من الأسف لبعده عن الخدمة الشريفة ما لا تتخيلله الأوهام، ومن الأشواق إلى تعفير وجهة في مواطئ أقدام مولانا ما لا يطيق حصره (ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام)
ولئن أخَّره سوء حظّه، فإنه يتذمَّم إلى حلم مولاناً وعفوه بأنَّ له في ولاء الدولة القاهرة القدم المتقدمة، وعقيدة الإخلاص المستحكمة، وأنَّه مملوكها الذي ما نشأ إلاَّ في خدمة أبوابها، ولا شام غيث إحسان إلاَّ من سحابها، ولا فغر إلاَّ بالدُّعاء لأيامها فمًا، ولا أجرى في غير طاعتها قلماً ولا قدماً، ولا عرف غير سلطان الله تعالى وسلطانها
стр. 2420
منعماً. وآماله فيها تتأكد على الدوام، وتزداد اشتداداً على تراخي الأيام، والله سبحانه يبلغه من خدمة مولانا ما يبلغه رضاه، ويفوز منه بسعادتي دنياه وأخراه. ويخلد ملك مولانا، ويضر الإسلام /٢١٩ ب/ بنصره، ويجعل أمره ني عباده وبلاده من أمره، ويسعد ممالك الآفاق بما يطلعه عليها من أنوار بدره وأضواء فجره، يغني آمال الأولياء بما يفذفه لقريبها من درّ بحره، ويبعه إلى بعيدها من متراكم قطره، والأمر أعلى - إن شاء الله تعالى –".
ومما كتبه إلى السطان الملك الأشرف شاه أرمن مظفَّر الدين أبي الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمة الله تعالى - وكان قد أبلَّ من مرض ناله - على لسان السطان الملك العزيز غياث الدين أبي المظفر غازي بن يوسف بن أيوب - رحمة انه تعالى:
"يقبل الأرض بالمقَّر الأشرف العالي المولويّ السُّطاني الملكي الأشرفي الشاهي - أعز الله سلطانه - ولا زالت ٢٢٠ أ/ الأيام مستبشرةً بعافيته، والآمال صحيحةً بصحته، الإسلام مستعلياً بسلامته، والأقدار متقاصرةً عن نيل قدرته، والدنيا مقبلة أبداً بإقبال دولته، والتوفيق موافقاً لمماليك وأهل مودَّته، والحياة معرضةً، عن أعدائه وأضداده وحسدته. خدمةً يجدّدها علي اختلاف أحواله وطاعةً يتسربل منها ملابس إقباله، وينهي مواصلته أيام مولانا بالدعاء واختياله ني حلل السَّراء، واختصاصه بعظم الهناء، لما منَّ الله تعالى علي الإعلام والمسلمين والدنيا والدين من عافية مولانا التي أشرقت الآفاق بأنوارها، وسلامته التي عمَّت القلوب بمسارها، وصخته التي صحت بها زواجر الإقبال، واعتدال مزاجه الشرف الذي قضي للزمان وأهله بالاعتدال. ووقاية الله - تعالي - ذلك الجسم الذي هو من لطفه مجسم وإشراق شمس تلك العزَّة أضاء بها شقَّ الأمل الذي /٢٢٠ ب/ كان أظلم فالحمد لله على هذه النعمة التي لا يدانيها الشكر، ولا يقوم بحقّها الوصف والنشر، وهو المحمود على لطفه
стр. 2421
بالمملوك حيث لم يبلغه خبر التياث مزاج مولانا إلا مقترنا بخبر عافيته، وكمال سلامته؟ ولولا ذلك لتفرقت أفلاذ كبده، وبرز قلبه إشفاقًا من جلده وجلده.
وهو من كل الكرم أكرم، والله تعالى يصرف عن مولانا كل مكروه، وينّور بعافيته القلوب والوجوه، ويضفي على جسمه شعار الصحة، ويخصه بالعمر الجديد المديد الفسحة، ويهدي إلى خاطره الشريف ما يهديه إلى خواطر أوليائه وممالكيه من الفرحة، ويبلغ المملوك عنه أطيب الأنباء، ويجعل الناس كلهم فداءً له من الأولياء والأعداء. والمملوك يسأل تشريفه بأوامر مولانا ونواهيه، والله تعالى يوزعه شكر أياديه، ويوفقه لحيازة مراضيه - إن شاء الله تعالى –".
[٩١٨]
يحيي بن سعيد بم المبارك بن عليّ بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم بن عباّد بن عصام بن الفضل بن ظفر بن غلاَّب بن حمد بن شاكر بن عياض بن حصن بن رجاء بن أبي بن شبل بن أبي اليسر كعب الأنصاري – صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلن – بن عمرو بن المنهال بن عديِّ بن طريف بن عبيد بن شرَّاد بن زيد بن حامد بن لبيد بن الأشجع بن الحارث بن ربيعة بن ضبَّة بن جندب بن مرثد بن جشم بن ثعلبه بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زبد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الأزدي.
стр. 2422
نقل هذا السب من خط تلميذ أبية، أبي الدُّر ياقوت بن عبد الله الكاتب الموصليّ - رحمة الله تعالى -
أبو زكريا بن أبي محمد النحويُّ، المعروف والده بابن الدَّهَّان.
كانت ولادة يحيى قبل موت أبية بثمانية أيام. وكان موت أبية /٢٢١ ب/ يوم الأحد غرَّة شوال من سنة تسع وستين وخمسمائة بالموصل.
وكانت وفاة يحيى هذا - بها أيضاً – في سنة ست عشرة وستمائة، ودفن على أبيه بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد – ﵁ – ونشأ وأحبَّ الاشتغال بالعلم والأدب، ولم يزل راغباَ في تحصيله، مائلاً إليه بكلَّيته
وصحب الشيخ أبا المحرم مكيّ بن رياّن الماكسي النحوي تلميذ والده، ولازمة إلى أن توفي ودرس عليه أدباً كثيراً، واستفاد منه علماً وافراً؛ نحواً وعربية وعروضاً ولغةً وأشعاراً قديمة حتى تميَّز وبرع في ذلك على أقرانه. وكان يرجع إلى جودة فهم وذكاء وفطنة، ونسخ بحطّه كتباً كثيرة أدبية.
وكان فقيراً مملقاً متعذراً عليه القوت، واتصل بالأتابك عزّ الدين أبي الفتح مسعود بن أرسلان شاه بن سعود بن مودود - رحمة الله تعالي - صاحب الموصل، وولاّء التقدمّ في الرباط، وصار شيخ الشيوخ به، وحظي لديه، واكتسب منه رزقاً صالحاً، وولاّه بدر الدير أبو الفضائل لؤلؤ بن عبد الله خازناً /٢٢٢ أ/ لخزانة كتب المدرسة التي أنشأها على دجلة، وألَّف عدة مجاميع باسم الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاء تحتوي على أشعار رقيقة غزليّة. وكان الناس يتجنبونه لما يرون في من المتكُّبر والتيه وشراسة الخلق والفظاظة. وكان مع ذلًك شاعراً سهل الشعر، صاحب قصائد ومقطعات.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي الإربليَّ بها ﵁ قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن سعيد بن المبارك النحوي ابن الدّهان لنفسه:
[من الطويل]
وقائلة أصبحت في النَّاس شاعراً ... وقد كان يخلو من أماثلك العصر
стр. 2423
فقلت لها: يا ويب غيرك قرَّضي ... ملامك عنَّي واهدي أنَّى لك العذر
فإنَّي وان الفيت حني هابطا ... لذو همَّة من دون قمتها النسر
وما جلُّ فخري بالقريض ونظمه ... ولست أمراً أسرى فضائله الشَّعر
ولكنَّني شرفت نثري بمدحه ... فأحببت أن يسمو به النَّظم والنَّثر
ومن كان بكرا للفضائل واجداً ... لها فخليق أن تزف له البكر
/٢٢٢ ب/ وأنشدني أبو محمد عبد الله بن عمر بن سعدي البوازيجي الأنصاري بحلب - رحمة الله تعالى - قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن معيد بن الدهَّان النحوي بالموصل لنفسه ما كتبة إلى الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل - على ظهر كتاب أهداه له يتقاضى رسماً كان له عليه في النيروز:
[من المنسرح]
مولاي يا سيَّد الملوك ويا ... أعظم من يلتجيه ملهوف
قد حان رسمي فانعم عليَّ به ... فأنت بين الأنام موصوف
ونقلت من خطه شعره من صدر كتاب ألغه وسمّاه "نتائج القرائح" خدم به الملك القاهر عّز الدين أبا الفتح /٢٣٣ أ/ مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود صاحب الموصل - رحمة الله تعالى -: [من السريع]
هل لغرامي فيك من آخر ... أم هل على صدَّك من ناصر
يا رَّبة الخدر الَّتي أصبحت ... فاتكة بالأسد الخادر
رقَّي لمن أصبح في وجده ... بحبكّم كالمثل السَّائر
ولا تظُّني بي سلواً فما ... يخطر غيرك في خاطر
واهاً لقلبي كيف ملَّكته ... غزيرةً ساحرة النَّاظر
خلية عن فرط وجدي بها ... راقدةً عن جفني السَّاهر
تبدي إذا ما طلعت طلعهً ... غراء مثل القمر الباهر
فإن تثنت فلها قامة ... تقد قدَّ الغصن الناضر
وافرة الحسن فواحسرتا ... واحربا من حسنها الوافر
قاسيةً لم ترث لي من جوى ... قلبي ولا من دمعي الهامر
كأنمَّا ما علمت أننَّي ... عبد الجواد الملك القاهر
стр. 2424
القيل عزِّ الدِّين ربِّ العلا ... معطي اللُّهي حلف النَّدى الغامر
/٢٢٣ ب/ نجل الملوك الصِّيد خير الورى ... الزَّاري على الأوَّل والآخر
مولاي يا ابن الأكرمين استمع ... مديح نحويكّم الشاعر
فإن يكن قصَّر فيه فما ... له سوى عفوك من غافر
لا زلت في عزٍّ منيع الذُّرى ... تكفُّ كفَّ الزَّمن الجائر
ليس لما تجبر من كاسرٍ ... ولا لما تكسر من جابر
وقال أيضاً: [من البسيط]
قالوا: إلى م تعاني الحبَّ قلت لهم ... ما دمت حيّاً ودام الحسن في النَّاس
كم تبت يوماً فيثني همتَّي رشا ... له عذار على الخدَّين كالآس
إذا كلفت بمن تهوى وكان له ... وجه مليح فما بالحب من باس
وقال أيضاً: [من البسيط]
مازلت أطلب من دهري لقاءكم ... حتَّى إذا ما تدانى الشَّمل واجتمعا
مدَّت إلينا صروف المحادثات يداً ... أوهت قوى الوصل حتى صار منقطعا
فما أكتسبت سوى حزن أكابده ... عمري فليت التَّداني لم يكن وقعا
وقوله يتذكر /٢٢٤ أ/ الصَّبا ويتأسَّف عليه: [من الوافر]
وعهدي بالصِّبا زمناً وقدِّي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب
فصرت الآن منحنيا كأنَّي ... أفتِّش في التُّراب على شبابي
[٩١٩]
يحيي بن سعيد بن محمد بن سعيد بن أحمد بن إبراهيم بن الحارث بن سليم بن أبي تمامٍ القاضي، أبو المجد بن أبي الوفاء التكريتيُّ.
من ربيعة، قاضي ماردين.
стр. 2425
حدثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، وقال: قاضي ماردين؛ هو يحيي بن سعيد، قدم حلب رسولاً في سنة ثلاث عشرة وستمائة، ونزل بخانكاه الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن محمود بن زنكي بن آقسنقر ﵁ واجتمعت به وسمعت عليه شيئاً من الحديث، وأملى عليّ من شعره.
وهو شيخ حسن مفت فقيه من بيت الحديث والفقه، سمع ببغداد شهدة بنت الأبري، والرضي أبا الخير أحمد بن إسماعيل /٢٢٤ ب/ بن يوسف بن محمد بن العباس القزويني، وبالموصل خطيبها أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد عبد القاهر بن الطوسي، وصدر الدين شيخ الشيوخ أبا القاسم عبد الرحيم بن إسماعيل بن أحمد بن محمد النيسابوري. وكان مدرساً بمدرسة أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي.
سألته عن ولادته، فقال: في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وخمسمائة بتكريت، وبلغتنا وفاته ونحن بحلب في ذي الحجة من سنة عشرين وستمائة، وتوفي بماردين؛ وقيل توفي ليلة الاثنين تاسع ذي القعدة.
وقد ذكره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الفقيه الشافعي الموصلي في كتاب "طبقات الفقهاء الشافعية". وقال: ولد القاضي أبو المجلد بتكريت، وتفقه بها مدَّة وتوجه إلى الموصل وتفقه بها مدَّة على الشيخ أبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الفقيه المدّرس بها يومئذ. وأعاد له الدرس بالمدرسة الفخرية على دجلة مدَّة طويلة.
ثم توجَّه إلى ماردين وأقام بها وولي التدريس /٢٢٥ أ/ والقضاء بها زماناً طويلاً، وتعين فيها للتدريس والفتوى والقضاء. وكانت له المناظرة بجامعها. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، عفيفاً في ولايته.
ثم قال: وذكر لي من أثق به؛ أنه لما عزم على الحج صعد المنبر يوم الجمعة، وقال: يا أهل ماردين قد ولية عليكم القضاء مدَّة طويلة، فأسألكم بالله: إنَّ من كانت له علي مظلمة أن يقوم يطالبني بها فإن كانت من مال قضيتها، وإن كانت بسبب السلطان
стр. 2426
تداركتها منه، وإن عجزت عن ذلك تضرعت عليه في عفوها عنّي. فضجَّ الناس بالبكاء وارتفعت أصواتهم بالأيمان المؤكدة أنَّه ليس فينة من له منك شكوى ولا يتخلفك مكروه؛ فنبلغ ذلك صاحب ماردين فعظمت مكانته عنده؛ وحجَّ في تلك السنة. وكان هو الرسول إلى ديوان الخلافة وغيره من الملوك عن صاحب ماردين، هل اآخر كلامه.
أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم بن أبي جرادة بحلب - أيده الله تعالى - قال: أنشدنا / ٢٢٥ ب/ القاضي يحيى بن سعيد بن أبي تمام التكريتي لنفسه هذه الأبيات يرثي بها أخاه فخر الدين أبا الفخر وقد توفي بتكريت في سنة أربع وثمانين وخمسمائة:
[من الطويل]
أيا نازلي أرض العراق لقيتما ... رشاداً ولا لاقاكما الدَّهر ذاعر
ولا زلتما في غبطة وسلامة ... تجيء بكم في القادمين بشائر
إذا جئتما تكريت في اللَّيل اهدياً ... سلامي إلى قبر سقته بواكر
ثواه فتًى لا يخلف الدَّهر مثله ... إلى أن ينادي في البرية حاشر
أبى الدَّهر أن يحيا أبو الفخر بعدما ... تولَّت من الدَّهر الخؤون مفاخر
بجانبها الغربي غيَّب بدره ... ولا غزو أن الغرب [للبدر] ساتر
سقى الله قبراً ضمَّ عقلاً وعفَّة ... غماماً ملثّاً قطره متواتر
ولا زال مخضر الجوانب مونقاً ... تمدُّ إليه من بعيد نواظر
وقولاً له إنَّي فقيد لفقده ... كأن فؤادي عند ذكراه طائر
وانك إن غيبِّت عن عين ناظري ... فلست بعيدا أن تراك البصائر
كفى بي حزناً أنَّ فقدك سالبي ... رقادي وأنَّ الجفن مني لماطر
/٢٢٦ أ/ إذا مات أهل الفضل واندرس العلا ... وضمَّ سراة العالمين مقابر
وصار أخو الآداب والعقل والحجى ... وراجي حياة عمره متقاصر
فلا حبِّرت للكاتبين محابر ... ولا نصبت للخاطبين منابر
ولو أنَّ بالمقدار حولاً وقوة ... لما حكمت في العالمين مقادر
ولكَّنه الكأس المدار على الورى ... ليشربه بالموت باد وحاضر
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني القاضي أبو المجد قوله: [من الطويل]
إذا كان عودي ناظراً وشبيبتي ... لها رونق في نفسها وبهاء
стр. 2427
وما نلت ما أمَّلته من وصالكم ... فمن لي إذا أستولى علىَّ فناء
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتبها إلى صديق له: [من الطويل]
وإنَّي لمشتاق إليك وأنَّني ... لأعلم أنَّ الشوق لي منك أكثر
لأنَّ الَّذي اشتاقه منك حاضر ... بقلبي ومن تشتاقه ليس يحضر
وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من المنسرح]
/٢٢٦ ب/ لو أنَّ كتبى إليك واصلة ... بقدر شوقي ما أحصي عددا
لأنَّ ظنَّي أنَّى متى ولعت ... بى كفُّ دهري كون لي عددا
وأنشدني، قال: أنشدني له: [من الوافر]
ألا يا كعبة الإحسان طرّأ ... ومن هو في معانيه جماعة
لئن قصَّرت في قصدي وحجي ... إليك فشرط حجِّي الإستطاعة
وأنشدني، قال: أنشدني أبو المجد بن أبي الوفاء لنفسه: [من الوافر]
دكرتك والحجيج له ضجيج ... علي عرفات في يوم الوقوف
وأرسلت الدُّعاء وظلت أرجو ... إجابته من البرِّ العطوف
ومازالت ضلوعي في أجيجٍ ... وما برحت دموعي في وكوف
إلي أن قيل لي في ... نلت المنى وأمنت من أمر مخوف
وأنشدني قال: أنشدني القاضي يحيي بن سعيد من شعره: [من الكامل]
/٢٢٧ أ/ ضحك الرَّبيع وغنَّت الأطيار ... وتمايلت بيد الصَّبا الأشجار
وجرت علي زهر الرَّياض نسائم ... نسجت رقيق ثنائها الأسحار
وأنشدني/ وقال: أنشدني لنفسه: [من المنسرح]
سقتك دار السَّلام غادية ... صوب نداها تجود مزنته
فيك إمام الهدي ومن خجلت ... شمس الضُّحي مذ بدت أسرَّته
من طبَّق الأرض بالسَّماح ومن ... علت علي النَّيِّرين همَّته
هو الإمام الَّذي به انتصر الدِّ ... ين وقامت للدين حجَّته
стр. 2428
أحمد من أحمد عواقبه ... وسرَّت العالمين سيرته
لازال في نعمة مؤَّبدة ... محروسة بالدَّوام دولتة
ما فارق العبد تربها مللاً ... لكن لتهدي الدُّعاء بلدته
[٩٢٠]
يحيي بن سليمان بن شاؤول، أبو زكريا الحريزيُّ اليهوديُّ.
من أهل طليطلة.
كان شاعراً قوي القريحةـ غزير المادة؛ له شعر كثير في المدح والهجاء. وكان رديء اللسان، خبيث الطوية؛ ما مدح أحداً إلاَّ وعاد /٢٢٧ ب/ وهجاه.
وصنَّف مصنفات باللسان العبري كثيرة منها كتاب "المقامات" ومقامة مفردة سمّاها "الروضة الأنيقة" باللسان العربي.
وكان ذا قدرة في الشعر. وكان يعمل قصائد أنصاف أبياتها الأول بالعبري، والأنصاف الأواخر بالعربي. وكان قد طاف البلدان رجال في أقطارها؛ ثم سكن بآخرة حلب، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأربعاء لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وقد ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي - رحمة الله تعالى - وقال: ورد إربل في العشر من محرم من سنة سبع عشرة وستمائة، وحدثني أنَّ اسمة بالعبرانية يهوذا، وإنما نقله إلى العربية. وكان طويلاً من الرجال أشيب.
سألته عن مولده، فقال: عمري إلى هذه السنة خمس وخمسون سنة، فانظر متى يكون مولدي؛ ثم حسب معي فأخطأ في تنزيله. يسكن بين ظهراني الفرنج، وكلامه مغربي /٢٢٨ أ/ قريب عهدٍ بالخروج من بلده، تراه كأنه يعتريه سهر. وكنت أخبرت بوروده وأثنى عليه رجل من اليهود.
стр. 2429
وأنشدني، قال: أنشدني الحريري لنفسه في التاريخ المقدّم ذكره: [من الطويل]
أما أنَّة لولا مححَّبة الخدر ... لما فضحت أيدي المدامع من سرِّي
وليل طرقت الحيَّ في بردة الدُّجى ... منمنم برد الأفق بالأنجم الزُّهر
سريت إليها حين هوَّم قومها ... كمثل حباب إستدار على خمر
تحيط بها بيض الصوارم والقنا ... وأسد من الأبطال دامية الظفر
وثغر المنايا باسم عن أسنَّة ... ويسفر عن خدٍّ من السَّيف محمرِّ
وقد برزت في حلة ذهبيَّة ... كما اشتبكت زهر النُّجوم على البدر
جنيت بها في جنَّة الحسن زهرهاً ... بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر
لثمت بها هيفاء ريميَّة الطُّلي ... مداميَّة الألمى حبابيَّة الثَّغر
ثم قال أبو البركات: هذا منقول من قول المعتمد محمد بن عبّاد – ملك الأندلس -: [من الطويل]
/٢٢٨ ب/ وكم ليلهٍ قد بتُّ انعم جنحها ... بمخصبة الأرداف طيَّبة النَّشر
عاد شعر الطليطلي:
وبنتا يفرش الوصل ليلاً وفوقنا ... لحاف فراش مزَّقته يد الهجر
وقد لاح وجه الصُّبح حسناً كأنَّه ... بشاشة وجه الملك ذي النَّائل الغمر
تبسَّم للقصَّاد جوداً وكفُّه ... تبسَّم فيها النَّصل عن مبسم الثَّغر
وللسف في يمناه لمح كأنَّه ... شهاب بها ينقضُّ أو قدر يجري
بحدَّيه أثار النَّجيع كأنَّها ... شقائق نعمانٍ على ضفَّتي نهر
مليك يلوذ الملك منه بأصيد ... صقيل فرند الحمد والعرض والبشر
عليه يمين أن تجود يمينه ... يبذل اليد العذراء والفتكة البكر
стр. 2430
بعزم يهدُّ الطود هدّاً ونجده ... تهزُّ قدود السُّمر في كلل حمر
قال أبو البركات إلى هاهنا أنشدني ولم أسمعها منه. وأنشدته عنه قوله:
[من الطويل].
وذي قلم إن صال يوماً بكفِّه ... نسيت به فعل الردينيَّة السُّمر
/٢٢٩ أ/ بياض معانيه بسود سطوره ... يريك صباح الوصل في ليلة الهجر
لبيب فما تدري أرأياً لحادث ... يدِّبر أم سهماً إلى غرض بيري
يقسِّمه جود يفيض ودهمَّه ... فمن منهل غمر ومن جبلً وعر
رميت بامالي إليه وإنَّما ... حملت بها المرعى الجديب إلى القطر
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني الحريزي لنفسه يمدح السلطان الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمة الله تعالى -:
[من الكامل]
بسيوف عزمتك القضاء يصول ... ومضاء بأسك في يديه نصول
لفرند سيفك من بهائك رونق ... بكليهما ماء الجلال يجول
قد حزت بأسك مع ندى لكليهما ... أبداً سيوف تنبري وسيول
فلقد ثنيت اللَّيث وهو فريسة ... ولقد تركت الغيث وهو نحيل
ولئن ذكرت على العدا يوم الوغى ... من ذكر كم نفس الكماة تسيل
/٢٢٩ ب/ ما لي وشرح خلالكم فخلالكم ... كالصُّبح لا بيغى عليه دليل
لكنَّ وصفك مفحم أهل النُّهى ... سَّيان فيه عالم وجهول
قال العدا ما لليود د وللندى ... فأجبتهم أخطاكم التَّحصيل
ما شقَّ موسى بحر جود للورى ... إلاَّ ليعبر فيه إسرائيل
وأنشدني أبو الفتح محمد بن أبي الخير بن أبي المعمرَّ بن إسماعيل التبريزي بإربل - رحمة الله تعالى - قال: أنشدني أبو زكريا يا بن سليمان الحريري لنفسه:
[من الكامل]
أرض سقت غيطانها أعطانها ... وزهت على كثبانها قضبانها
سلبت فؤادي حورها ونحورها ... وسطت بنا ولدانها ولدانها
стр. 2431
ثملت بكأس عقارها أزهارها ... حتَّى أغتدى حيرانها ريحانها
ولثن جلا آثارها آدارها ... فلقد حوى إحسانها نيسانها
والشمس بالحمل المنير تزينَّت ... لمَّا رأت ما زانها ميزانها
/٢٣٠ أ/ وكواعب سلت صوارم لحظها ... فكأنَّما أجفانها أجفانها
ولقد تلألأً درُّها بنحورها ... وزها بجيد قيانها عقيانها
فتكت بالباب الكماة فسيفها ... من طرفها وسنانها وسنانها
لم تبق شخصاً بالبسيطة سالماً ... إلاَّ سبى إنسانها إنسانها
خود نفور نافرت أقراطها ... رحلت بها خلانها خلانها
فاشرب بأرضٍ غازلتها مزنة ... فكأنَّما هتَّانها فتانها
فتعاشقت وتعانقت أفنانها ... وتصافحت وتناوحت أغصانها
تصاخبت وتجاوبت أطيارها ... وتداولت وتبادلت ألحانها
وتنسَّمت وتبسَّمت أيامها ... وتهلَّلت ووتكلَّلت أزمانها
بمديرها ومنيرها ومجيرها ... ومعيوها حسناً جلاه عيانها
بحكيمها وعميمتا وكريمها ... وزعيمها عقدت له تيجانها
دوح المنى عذب الجنى عالي السَّنى .. سحب الغنى يروى بها ظمانها
فتجدَّدت ببهائه أيَّامها ... وتوطَّدت بعلائه أركانها
جادت يداه حيا نداه على النفر س وما أنجلى حتى أنجلى حرما نها
/٢٣٠ ب/ ليث الشرى غيث الورى نجم السُّرى ... نار القرى تعشو لها ضيفانها
فجماله أعماله ونواله ... أمواله سؤاله خزَّانها
شهم غدا هدى الهدى إن أوقدا ... نار النَّدى قلب العدا قربانها
بجنابه نشر الهدى راياته ... فحكى قلوب عداته خفقانها
عزم سما، باري السّماء ماضي الشَّبا ... مهما الظُّبا ليس الدُّمى غربانها
يا كاملاً بل فاضلاً يا فاعلاً ... ما قصَّرت عن فعلة أعيانها
أنعم بعيد بل سعيد في مزيـ .... ـد من أيادد أينعت أفنانها
لك في المآثر دولةً بل صولة ... بل جولة حاًز المدى فرسانها
стр. 2432
[٩٢١]
يحيي بن عبد الله المَّرج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامد، أبو زكريا بن أبي القاسم التغلبي
قاضي تكريت، والمدرس بالمدرسة النظاميَّة.
إمام من أئمة المسلمين، ومن خيارهم.
كان فاضلاً عالماً كاملاً فقيهاً، شافعي المذهب قارئاً مفسراً نحوياً لغوياً عروضيا شاعراً أديباً مترسلاً، جامعاً لأشتات الفضائل، قيّماً يفتق المسائل /٢٣١ أ/ اشتغل بتكريت على والده بحفظ القرآن العزيز والأدب، وشيء من الفقه. وبالحديثة على أبي محمد عبد الرحمان بن محمد البلخيّ.
ثم انحدر إلى بغداد فصحب الشيخ أبا النجيب السهروردي، والشيخ يوسف بن محمد الدمشقي والرضي أبا الخير أحمد بن إسماعيل القزويني، وقرأ إصلاح المنطق على الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن الخشاب النحوي، واشتغل مدَّة مقامه ببغداد؛ ثم عاد إلى تكريت.
وكان قد برز في علم الفقه والأدب، وولي قضاء تكريت مدَّة طويلة مع حسن سيرة واشتهار بالفضل والعفَّة والديانة والتفنن في العلوم. وكان يدرس ويفتي ويحكم؛ ثم استدعي من ديوان الخلافة إلى بغداد، وولي تدريس المدرسة النظامية، وذكر الدرس بها في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الآخر من سنة سبع وستمائة.
ورد إليه النظر في الوقوف التي تختص بالمدرسة النظامية أيضاً، واستناب ولده الأكبر في تولي الوقف ولم يزل على التدريس بالنظامية /٢٣١ ب/ إلى سنة أربة عشرة وستمائة فصرف عنها؛ وولي مكانة محيي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيي بن فضلان البغداديُّ الفقيه الشافعي، فسكن القاضي رباط شيخ الشيوخ إلى أن توفي به، ولم يزل مقبلاً على الاشتغال بالعلم والعبادة على أحسن طريقة، وأجمل سيرة.
وكانت وفاته عشية الاثنين ثامن شهر رمضان سنة ست عشرة وستمائة. ودفن يوم الثلاثاء غربيها بمقبرة الشونيزية - رحمة الله تعالى -
стр. 2433
وكانت ولادته بتكريت في مستهل المحرم منة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وتخرج به عالم كثير من التلامذة.
وكان شيخاً كيساً لطيفاً في محاورته، ظريفا في مجالسته، حسن الإيراد مليح العبارة، ذا وقار وسكينة وهيبة؛ وله من التصانيف كتاب "تفسير القران العزيز" ينيف على عشرين مجلداً، وكتاب "الحقير الناقع على مذهب إبن شافع" وكتاب /٢٣٢ أ/ "اللُّهنة في إزالة اللكنة" في النحو، وكتاب "التقريب في بضاعة الأديب" في صناعة الشعر، وكتاب في "العروض والقوافي"، وكتاب "الاختصاص في التاريخ الخاص" يدخل في ست مجلدات قصره على ذكر مشايخه الذين قرأ عليهم وتلامذته الذين قرأوا عليه، وأتبعه بذكر أقاربه وأهلة وأشعار ورسائل ومكاتبات إلى أصدقائه في المنظم والنثر وغير ذلك.
ومن شعره ما أنشدني ولده شرف الدين أبو محمد عبد الو هاب بن يس التكريتي بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة - رحمة الله - من لفظة وحفظة، قال: أنشدنا والدي لنفسه هذه الأبيات كتبها في صدر رسالة طويلة أنفذها إلى بعض الكبراء:
[من الطويل]
ألمَّ وغربيب المدُّجنَّة مغدف ... خيال سليمى طارقاً يتعسَّف
نفانف لا يقطعن بالعيس كلَّما ... مضى نفنف منها تعرَّض نفنف
/٢٣٢ ب/ هجولاً تناصيها الهواجل ما بها ... أنيس سوى جنٍّ تجول وتعرف
وربد وعور هادجات ونعب ... وبوم إذا ما جنَّه اللَّيل يهتف
وقد هاج صرٌّ والسَّماء عرية ... عشَّية ليل يومه ظلَّ ينطف
فساور عول البيد غير مخادرٍ ... وناكر هول اللَّيل لا يتخوَّف
على حين حلَّ الحيُّ منها بواحف ... ومن دونها مجهولة ليس تعرف
والت سليمي حلفةً ما تحلّها ... بأن لا تزال الدَّهر تجفو وتصدف
ونائي القلي شرُّ البعادين مطلباً ... لأن المطايا قطعة لا تكلَّف
فجاب الفلا بعد الفلا متعسَّفاً ... ومن أين يدرى ما الفلا والتعسُّف
إلى مدنف مضًنى ليهنا رقاده .. وقد كاد يضنه الضَّنى والتَّأسف
стр. 2434
براه الهوى حتَّى تنكَّر شخصه ... على النَّاس لولا أنه يتعرَّف
وما كان طمَّاحاً إلى وصل غادة ... ولا شفَّه قدماً قوام مهفهف
ولكن سليمى حين مرَّت كأنهاًؤ ... غزال بمنظور الصّريمة أهيف
ومنها قوله:
تكلَّف حبّا ثمَّ صار سجَّية ... وأوّل أحوال المحب التكَّلف
/٢٣٣ أ/ وطال على ذي الهمَّ حتَّى كأنَّما ... بلا وسط ليل على اللَّيل يعطف
وأنشدني أيضاً من لفظة وحفظة وأملاه عليّ، قال: أنشدني والدي الإمام يحيي بن عبد الله لنفسه: [من البسيط]
لأبد للمرء من ضيق ومن سعة ... ومن سرور يؤاتيه ومن حزن
والله يطلب منه شكًر نعمته ... مادام فيها ويبغًي الصبر في المحن
فكن مع الله في الحالين معتنقاً ... فرضيك هذين في سرٍّ وفي علن
فما على شدَّة يبقى الزمان فكن ... جلداً ولا نعمة تبقي على الزَّمن
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني والآي وقد سئل عن حركة الأمر، فقال:
[من الرجز]
لألف الوصل ضروب تنحصر ... في الفتح والضَّم وأخري تنكسر
فالفتح فيما كان من رباعي ... نحو أجب يا زيد صوت الدَّاعي
/٢٣٣ ب/ والضَّمُّ فيما ضمَّ بعد الثاني ... من فعلة المستقبل الزَّمان
والكسر فيما منه ما تخلَّى ... إن زاد عن أربعة أو قلاًّ
وأنشدني أبو نصر عبد الرحيم بن يحيي التكريتي ببغداد، قال: أنشدني والدي من شعره: [من المتقارب]
تأمل إذا قلت ماذا تقول ... فإنَّ لكل مقام مقالا
ولا تأت ما لست من أهله ... فإنَّ لكلَّ رجالً ل نعالا
وسل إن سألت الَّذي يستطاع ... لتعطي وإلاَّ أضعتً السُّؤالا
وحاذ قريبك قبل البعيد ... فإن من الأهل داء عضالا
стр. 2435
وأنشدني الشيخ العلامة الإمام الزاهد أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد الفقيه الشافعي المدرس النصيبي العدوي يثغر حلب إملاء من لفظة وحفظة في شوال سنة /٢٣٤ أ/ اثنتين وأربعين وستمائة - أسعده الله تعالى - قال: أنشدني القاضي تاج الدين أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن المفّرج التغلبي التكريتي - رحمة الله تعالى - لنفسه ببغداد: [من الهزج]
تعلَّم من ذوي الحكمـ ... ـة وأعمل بفتاويهم
فقد قالوا لمن يرغـ .... ـب في مثل مساعيهم
إذا سدت على قومـ ... ـك علماً لا تقم فيهم
فإنَّ الحي لا يطر ... بهم صوت مغنيهم
وأنشدني الشيخ العالم أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعيُّ يحلب - أيده الله تعالى - قال: أنشدني /٢٣٤ ب/ القاضي الإمام أبو زكريا يس بن عبد الله التكريتي لنفسه من جملة مقطعاته: [من الكامل]
لي في الربوع وما بهن أنيس ... قلب ودمع مطلق وحبيىس
هذا يد الأشواق تحلب درَّه ... ولذاك من حرِّ الفراق وطيس
شكواي لو نفعت شكاتي فرقة ... أضنت وشوقي في الحشا موسوس
داءان ما اجتمعا لحيٍّ فانثنى ... حياً ولو د داواه جالينوس
وقال أيضاً: [من المتقارب]
عزائم صبري فرَّقتها ... وألفت بيني وبين السُّهاد
وصيَّرتني مثلاً للأنام ... أداول ما بين حضر وبادي
فشهر وصالك طيف الخيال ... ويوم صدودك يوم التَّنادي
وحسبك أنَّي على ما علمت ... إلى ما حكمت لسهل القياد
فقتلي حياتي إذا شئته ... وعلمي بأنَّك راضٍ مرادي
وقال أيضاً: [من البسيط]
هل لي على أن أسحَّ الدَّمع أعوان ... هذا الغوير وما بالدَّار سكَّان
/٢٣٥ أ/ ما أو حش الربع بعد الطاعنين وان ... تأنَّست فيه أطيار وغزلان
стр. 2436
ترى يكون لعود الدَّار آهلة ... يوم وهل لاجتماع الشَّمل إَّبان
واخيبة السَّعي ما عندي سمحت به ... وعزَّتي في الَّذي أبغيه وجدان
قف ساعة أيَّها الحادي فقد نشأت ... للقلب منِّي صبابات وأحزان
واسأل أثيلة سفح المنحني بهم ... فربمَّا اخبرت عنهم متي بانوا
قل للشَّموت توقَّع فرقةً أمماً ... إن نمت هوناً فصرف الدَّهر يقظان
فالمرء ما عاش تطويه وتنشره .. من الزَّمان مسرَّات وأحزان
يا راقداً وبقايا اللَّيل قد طويت ... إلي متى أنت بعد الصُّبح وسنان
حيران غيِّك أمسى فيك مهتدياً ... والرُّشد عندك أضحى وهو حيران
تصرَّم العمر فاستدرك بقيَّته .. وفي التدارك إن حاولت إمكان
[٩٢٢]
يحيي بن عبد الرزاق بن يحيي بن عامر بن شجاع بن كامل، أبو البقاء الكنانيُّ المقدسي الخطيب
كانت ولادته بأودلا قرية من قرى نابلس في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ونشأ ببيت /٢٣٥ ب/ المقدس - حمى الله حوزته - ونزل عقربا من الغوطة. وتولّي خطابتها سنين كثيرةً. وكان أبوه قبله خطيبها.
واستظهر الخطيب أبو البقاء القرآن المجيد، وقرأ طرفاً من الفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وسمع الحديث النبوي كثيراً وقرئ عليه ببغداد ودمشق وديار مصر. وأجاز لمن سمع منه، وله مشايخ يكثر تعدادهم. وأنشأ خطباً، ونظم شعراً. وكانت له منزلة لطيفة عند ملوك الشام بني أيوب ينفذونه إلي البلاد وأطرافها رسولاً.
وتوفي بدمشق حين حاصرها معين الدين بن شيخ الشيوخ نيابةً عن الملك
стр. 2437
الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب - سلطان الديار المصرية - وكان بها يومئذ الملك الصالح إسماعيل بن أبي بكر بن أيوب متغلباً ثامن عشر محرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بجبل قاسيون - رحمة الله تعالي _.
أنشدي أبو عبد الله محمد بن يحيي بن عبد الرزاق الدمشقي يحلب في المدرسة /٢٣٦ أ/ العصرونيَّة في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وستمائة، قال: أنقذ الملك الأمجد أبو المظفر بهرام شاه بن فرخشاه بن شهشاه بن أيوب - صاحب بعلبك - والدي ني رسالة إلى مدينة السلام في سنة اثنتين وعشرين وستمائة بهنيء الظاهر بأمر الله أبا نصر محمداً بتوليته الخلافة ويعّزي بوفاة والده الناصر لدين الله بعد إنشاء خطبة وتقديم كلام منثور، وقال: سمعتها من لفظ والدي وهو يوردها غير مرَّة، وأتبعها بهذه الأبيات: [من السريع]
جئت أعزَّي وأهنَّي معاً ... بالسَّالف الماضي والباقي
هماً إمامان فمذ غاب ذا ... بدا لنا ذاك بإشراق
هم أمناء الله في أرضه ... لبيعه أو أخذ ميثاق
دام إمام الأرض فيها لنا ... ورحمة الله علي الَّراقي
[٩٢٣]
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علىٍّ، أبو الحسين المصريُّ، المعروف /٢٣٦ ب/ بالجزار.
стр. 2438
لم أسمع شعره إلاَّ من الصاحب الإمام أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه بحلب - أدام الله سعادته - لأنَّه لمَّا عاد قافلاً من ديار مصر إلى حلب في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان سافر إليها رسولاً من قبل السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – خلَّدا الله ملكه – فاقام يها نحو ستة أشهر؛ فدخلت إليه مهنئاً بالقدوم والسلامة، وتجارينا في الأحاديث والمذاكرة.
ثم سألته عن من شاهد ولقي بتلك الديار من الشعراء الذين يشار إليهم ني الشعر المستجاد؛ فذكر لي جماعة كثيرة منهم هذا الجزّار الشاعر، وأثنى علي شعره، وتمكنه من استنباط المعاني اللطاف ووصفه بالشاعر البارع، وأنَّة لم يكن له نظير في زمانه، وذكره ذكراً جميلاً.
ثم أشار إلى بعض غلمانه فأتاه بكتاب فدنعه إليّ؛ ؟ وهو مجلد لطيف الحجم من أشعار الجزار سمَّاه /٢٣٧ أ/ "تقطيف الجَّزار" قد كتبه ناظمه خدمةً له وسمعه منه جميعه. يشتمل علي أغراض غريبة، ونكت طريفة من مديح وهجاء ومجون وهزل، وأغراض مختلفة النعوت والأوصاف ناستطرفته جداً، واقتضبت من أثنائه ما ينبغي أن يسطر ويثبت؛ فمن ذلك قوله يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا جعفر المنصور بن محمد بن أحمد ﵁: [من الكامل]
بمدائح المستنصر بن محَّمد ... نافست كلَّ مرجز ومقصَّد
стр. 2439
خير الخلائف من بني العبَّاس قد ... ورث الخلافة سيَّدا عن سيَّد
الله شرِّفه وشرَّف بيته ... وحمي به دين النبَّي ومحمَّد
سل عنه آيات الكتاب تجد له ... نبأ عظيما في العلا والسؤدد
وإذا غدا القاري ورجَّح مدحه ... أغناه عن ترجيح لحن المنشد
من معشر للدِّين والدُّنيا بهم ... شرف يروح به الفخار ويغتدي
ولكم أتينا فيهم من آية ... ولكم أتانا من حديث مسند
/٢٣٧ ب/ ما شكَّ في تفضيلهم إلاَّ امرؤ ... بالغيَّ ضلَّ عن السَّبيل الأرشد
وكذاك أنَّ الشمس يطرف جفنه ... للعجز عنها كلُّ طرفٍ أرمد
ومنها يقول:
يا أبن الأئمَّة دعوةً من مادح ... نادى نداك على مدًى مستبعد
أملي يقربني إليك مع النوى ... يا من بذيل رجائه علقت يدي
أرجو نداك مع الخمول وربَّما ... كان الحيا حظَّ الحضيض الأوهد
واحسرتا لو أنَّ لي سبباً إلى ... ذاك الحمى لأكون أوَّل منشد
ولئن أرى وجهي يعفَّر في ثرىً ... كالمسك مبثوثاً بفرق الفرقد
ولقد بعثت بها قصيداً لفظها ... كالدُّرِّ إذ وافى بسلك منضّد
وجعلتها يوم الحساب ذخيرتي ... فاشهد بها عند ابن عمَّك في غد
وقال يمدح صدر الدين ابن القرميسيني: [من السريع]
بان اصطباري والكرى منذ بان ... بدر دجًى يحمله غصن بان
شاهده القلب وان كان ... قد غيِّب واستوحش منه العيان
/٢٣٨ أ/ لاقيت من بعد فراقي له ... وجداً شجاعا بسلو جبان
ما ضره لو كان ن للصبِّ من ... خوف تجَّنيه عليه أمان
واحرَّ قلباه وللعين في ... خدَّيه من حسنهما جنَّتان
стр. 2440
في صدغه الآس وفي خدهِّ الـ ... ـورد وفي مبسمه الأقحوان
أسكنته قلبي وفيه لظًي ... والحور لا تسكن إلاَّ الجنان
له من الَّصدر مكان وللـ ... ـصدر من العلياء أعلي مكان
العالم العامل والفاضل الـ ... ـفاصل حكماً بوجيز البيان
والناظر اليقظان اغنته عن ... سود جفون اللَّحظ بيض الجفان
والكامل الفضل السَّريع النَّدى ... الوافر العرض البسيط البنان
عودِّ بسط الكفِّ حتَّى لقد ... عجبت منها عند قبض العنان
وخلقه ينبئك بالحسن عن ... أسرار أخلاق لديه حسان
ذو طلعة كالبدر في التمِّ بل ... كالشِّمس لولا هالة الطَّيلسان
لو جمع الرَّحمن شملي به ... تفرَّقت عني صروف الزَّمان
وقال فيه أيضاً يمدحه: [من الرجز]
/٢٣٨ ب/ أقبل مثل البدر في تمامه ... تحفُّه الهالة من لثامه
ومزَّقت انواره ثوب الدُّجى ... مذ اطلع الأنجم بابتسامة
وماس فاشتاقت غصون البان ان ... تنقل ذاك اللِّين عن قوامه
أصمي قلوب العاشقين طرفه ... ظلما بما فوَّق من سهامه
يا جفنه رفقاً بصب مدنف ... سقمك أضحى الأصل في سقامه
وأنت يا أعطافه هل عطفهً ... علي مشوق القلب مستهامة
من لي بمن في خدِّه نار حياً ... فوق لهيب دام في اضطرامه
كم ليلة أسكرني بريقة ... اغنت بكأس الثغر عن مدامه
وبتُّ لا أجزع من حراسه ... إذ فرعه أبدي دجي ظلامه
وبيننا طيب عناق طالما ... ألزمني شوقي بالتزامه
هذا هو العيش الَّذي وددت أن ... لو ساعد الدَّهر علي دوامه
تلك ليال بل لآل شرَّفت ... جيد زمان كنَّ في نظامه
كنت بها فًي لذَّة الأمن كما ... غدت رعايا الصَّدر في أيامه
стр. 2441
الآمر النَّاهي الَّذي عزمته ... تخدمها الهمَّة باهتمامه
/٢٣٩ أ/ والناظر اليقظان وجداً بالعلا ... فاعذره إن اعرض عن منامة
صدر به لله سر مودع ... تذيعا الحكمة من أحكامه
عزائم ردَّ بها الأيام من ... اعو انه والدَّهر من خدّامة
ونقطة قد حصَّه الله بها ... توحي إليه الغيب من إلهامة
وسطوة لو نظر اللَّيث بها ... لأعمل الحيلة في إحجامه
وقال أيضاً وقد اكتسب بالشعر ثم عاد إلى الجزارة، فعاتبه على ذلك بعض أصحابه: [من الخفيف]
لا تلمني يا سيدي شرف الدِّيـ .... ـن إذا ما رأيتني قصَّابا
كيف لا اشكر الجزارة ما عشـ ... ـت حفاظاً وارفض الآدابا
وبها أضحت الكلاب ترجِّيـ ... ـني وبالشعر كنت أرجو الكلابا
وقال أيضاً: [من الرمل]
يا لقومي أنا من فقـ ... ـري في أنحس حاله
/٢٣٩ ب/ حين آلى الدَّهر انَّـ ... ـي لا أري من فيه آله
ضاق صدري وأضرَّت ... بي مع الفقر البطاله
وارى الآمال للمر .... ء وإن لذَّت علاله
وأبي قد بات منَّي ... يسأل الله الإقاله
ملَّني فقراً وإن كـ ... ـان شفيعاً لا محاله
كلَّ يوم أطرق الخَّـ .... ـباز منه بحواله
فرغت دكانه لو ... انها دار الوكاله
وقال غي رجل اسمة الوجيه طلب منه فصاً من الكتان ومطلة به: [من الطويل]
طلبت من الكتان فمّا فجات لي الـ ... ـوجيه بوعد عوَّض المن بالمين
стр. 2442
إذا جئته يدعو عليه لسانه ... إذا قلت أين الفص، قال: علي عيني
وقو له في النجم بن عديسة، وقد ادعى الشعر ووالده يعرف بالمعلم:
[من المتقارب]
/٢٤٠ أ/ ارى النجم نجل عليَّ غدا ... يذكَّرنا من مضى قبلة
هو أبن المعلَّم عند الفخار ... وعند القريض هو الأبله
وقال أيضاً: [من مجزوء الكامل]
من منصفي من معشر ... كثروا علي وكثَّروا
صادقتهم وارى الخرو ... ج من الصداقة يعسر
كالخطَّ يسهل في الطرو ... س ومحوه متعذر
وإذا أردت كشتطه ... لكن ذاك يؤثر
وقال أيضاً: [من السريع]
إن كنت ممن راعني هجركم ... أو وصفت ذرعاً بتجنيكم
فلا أدام الله لي سلوةً ... وردَّد قلبي عاشقاً فيكم
وقال في أمرد يعرف بابن النعيم: [من السريع]
يا أبن نعيم دام ذَّمي لما ... سلكته من قبح منهاج
خالفت من رًّباك في فعله ... إذا أنت دخَّال ابن خراَّج
/٢٤٠ ب/ وقال علي باب بعض الأمراء: [من المتقارب]
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلَّمته بالخمول
وصرت أروم لديك الغني ... فيخرجني الضَّرب عند الدُّخول
стр. 2443
وله في مسلماني لا يبرح في يده كتاب: [من الكامل]
قالوا: النُّعيل وان تبيَّن غيُّه ... للعالمين وغاب عنهم رشده
يمشى وفي يده كتاب قلَّما ... علم أمرؤ في حملة ما قصده
فأجبتهم لا تعجبوا من فعلة ... فأبوه من أهل الكتاب وجدُّه
وكتب إلى شرف العلا هاشم بن الأشرف العلوي: [من الكامل]
شرفت بك العلياء يا شرف العلا ... لمَّا علوت بها جميع العالم
والكامل الملك ارتضاك لعزمة ... أغنته عن سمر وبيض صوارم
فاحرس برأيك مجد دولتة الَّذيً ... مذ شدته لا يستطيع لهادم
فاجمع به شمل الفخار فإنَّما ... بمحمد كمل الفخار لهاشم
/٢٤١ أ/ وكتب إليه وقد أمر له بغلَّة فوجدها قديمة: [من الوافر]
كتبت لنا بذاك البرِّ برًّاً ... وقصد في الثَّناء وفي الثَّواب
فكدَّر صفوه الكيَّال حتَّى ... بقينا منه في عجب عجاب
وجدناه عتيقا وارتضينا ... به إذ [عاد] وهو أبو تراب
وأخبرني الصاحب الإمام أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي الفقيه الحنفي المدرس – أيده الله تعالى – بحلب، قال: كنت بالقاهرة جالساً في المنزل الذي نزلت به في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وكان قد أهدي إلي السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن محمد بن أبي بكر رطباً جاءه من قوص هدية مع المفرد الذي يصل ببشارة النيل /٢٤١ ب/ وكان الأديب أبو الحسين الجزار حاضرا قد جاء في، وقد قرب رحيلي عن القاهرة يشكو إلي ما يجده من الوحشة لقرب الفراق،
стр. 2444
فقدمت للجماعة شيئا من ذلك الرطب، فارتجل أبو الحسين الجزار بيتين وهما:
[من مجزوء الرجز]
أطعمتنا التَّمر الَّذي ... للبركات قد حوي
لله ما أطيبه ... لو لم تشبه بالنَّوي
وكتب للأمير شرف الدين يعقوب سأله عن المجد وكيل الأمير سيف الدين علي بن قليج: [من الخفيف]
سيدي أنت هل أتأك من المجـ ... ـد لذاك الحديث عنَّب جواب
أو تناسى أمري وحاشا معاليه ... فيسري إليَّ منه عتاب
/٢٤٢ أ/ أدركوني فبي من البردوهم ... ليس ينسى وفي حشاي التهاب
البستني الأطماع وهما فها جسـ ... ـمي عار ولي فريً وثياب
كلما أزرقَّ لون جسمي من البر ... د تخيَّلت أنَّه سنجاب
وأنشد الأمير شرف الدين يعقوب، وقد مطلة بوعد: [من الكامل]
يا أيها المولى الَّذي لندى ... كفَّيه كلُّ الجود منسوب
لا غرو أن أصبحت تأمر بالـ ... ـصبر الجميل وأنت يعقوب
وقال أيضاً: [من الخفيف]
أنا في راحة من الآمال ... أين من همَّتي بلوغ المعالي
لي عجز أراح قلبي من الهـ ... ـم ومن طول فكرتي في المحال
стр. 2445
طاب عيشي والحمد لله إذ كنـ ... ـن له حامداً علي كلَّ حال
ما لباس الحريرير مما أرجَّيـ ... ـه فيرجي ولا كوب البغال
راحة السرَّ في التخلَّف عن كـ ... ـلَّ محل أضحى بعيد المنال
إنَّ عزَّ الإنسان في تركه العـ ... ـزَّ لذُّل في مبتدى الأحوال
/٢٤٢ ب/ يا معيني على الزَّمان أعنِّي ... فلقد قلَّ عن سطاه احتمالي
كل يوم أسعي ولكن بلا نفـ ... ـع فسيَّان فرغتي واشتغالي
عملي دائم ولي سيرة في الدَّ .... هر تروي كسيرة البطَّال
وقال في صدر الدين بن القرميسيني: [امن الكامل]
والقصر إن عداك في العصر ... وقد انتهوا لبداية الحشر
ظلموا فما ابقوا لهم وزاً ... ينجي ولا سلموا من الوزو
كفروا صنائعك الَّتي أشتهرت ... فيهم فتلك عقوبة الكفر
ظهروا لنورك وهو شمس ضحًى ... فتضاءلوا كتضاءل الذَّرً
مكروا وفد الإله بهم ... شتَّان بين المكر والمكر
دعهم فلا برح التَّغابن من ... حسد يواصلهم إلى الحشر
وأنشد إذا ما زرت تربتهم ... متكتَّماً في السِّر والجهر
ماتوا بغيضهم وما ظفروا ... بمرادهم واضيعه العمر
تالله ما أخَّرت مدَّتهم ... إلاَّ لكسب مثوبه الصَّبر
/٢٤٣ أ/ زلرأفة ردَّت سطاك بكـ ... ـفِّ الحلم عند النِّهي والأمر
ومن العجائب كونهم جهلوا ... أنَّ العلوم وديعة الصَّدر
لله درك كلُّ ممتدح ... لعلاك قد ضاهى آبا ذر ٍّ
لولا أخاف الله قلت لمن ... يروي مديحك أتل يا مقري
حجت لك العافون فازدحموا ... كتزاحم الآمال في الفكر
نالوا المنى بمنى جنابك فاخـ ... ـتاروا المقام بها عن النَّفر
стр. 2446
وقال أيضاً: [من الكامل]
إفعل ما أنت أهله ... يا من لديه الفضل كلًّه
يا حاكما عمَّ الرَّعيـ ... ـة بعد ظلم الغير عدله
يا من تشرَّفت المحلَّـ ... ـة إذا غدا فيها محله
مولاي لا تبد اشتغا ... لا عن محبٍّ أنت شغله
ضاقت عليه يا رجيب .... الصدر منذ رحلت سبله
كفرت به الأصحاب إذ ... ألأوارقه بالشٍّعر رسله
وتباعدت عن قربه ... أخوانه وجفاه أهله
/٢٤٣ ب/ وإلي متي طمعا يصرِّ ... ف جدَّ هذا الوقت هزله
ما بين قوم لا يعـ ـزم عليهم في الدَّهر ذلُّه
وإذا ارتضي الإنسان يو ... ما بالخمول فأين فضله
مولاي صدر الدَّين يا ... من فرعه زاك وأصله
يا منعماً عم الوري ... في الدَّهر نائله وبذله
بك في الزَّمان المسغا ... ث من الزَّمان أشتد محله
مولاي دعوة من غدا ... متبدِّداً مذ غبت شمله
يدعوك لما أن تنا ... قص صبره وازداد خبله
فأجره من زمن يرا ... م نداه والمعهود بخله
زمن مدامعه المدا ... مه فيه والزفرات نقله
وتباً لعيش قد تنغَّـ ... ـص شربه فيه وأكله
ولباسه خلق تبـ .... ـرا كفُّه منه وشلُّه
وغدا دروزا مقناً .... يالغاش والخيَّاط قمله
فهو الصَّحيح وإنَّما ... جلدي المفتَّق منه كلُّه
/٢٤٤ أ/ فأجر غلامك من زما ... ن قد اناخ عليه كلُّه
стр. 2447
وانظر إليه فرأسه ... بالبرد مضرور ورجله
باع العمامة والشمشك ... فغلوه عار وسفله
هذا القران به تعكَّـ ... ـس نجمه فغدا يضلُّه
فمر الزَّمان فعقده ... في أيدي مولانا وحلُّه
وقال يمدح الإسكندرية: [من الوافر]
أرى الإسكندرية ذات حسن ... بديع ما عليه من مزيد
هي الثغر الذي يبدي ابتساماً ... لتقبيل العفاة من الوفود
إذا وافيتها لم تبق همّا ... فقلبك مذيراها من بعيد
حللت [بطاهر] منها كأنَّي ... حللت إذا بجنَّات الخلود
فلا بئر معطَّلة وكم قد ... رأيت هناك من قصر مشيد
بياض يملا الآفاق نوراً ... يبشر برقة بسحاب جود
وأقسم لو رأتها مصر يوماً ... لكادت أن تغيب عن الوجود
/٢٤٤ ب/ وكم قصر بها أضحى كحصن ... منيع لا كزرب من جريد
يرص فصوصه بانية رصّاً ... يفضَّله علًى نظم العقود
لها سور إذا لاقى الأعادي ... يقاتلهم بوجه من حديد
هو الفلك استدار بها وكم قد ... رأينا فيه من برج سعيد
أحاط بسورها بحر أجاج ... ومنهل أهلها عذب الورود
وحسبك أنَّ صدر الدَّين فيها ... وذا من مدحها بيت القصيد
هم السادات لا يرجى ويخشى ... سواهم عند وعد أو وعيد
إمام جلَّ قدراً أن يهنىَّ ... بشهر أوً بعشر أو بعيد
وله من قصيدة كتبها إليه أيضاً: [من الخفيف]
بذل وجهي إلاَّ لمثلك بذله ... واعتزازي إلاَّ بجاهك ذلَّه
стр. 2448
يا جوادا سحاب كفَّيه بالجو ... د على كل قاصد مستهلَّه
والَّذي لو رآه في دسته الفضـ ... ـل بن يحيي لجاء يطلب فضله
لك نيل قد اخجل النَّيل جودا ... وغدا دونه الفرات ودجله
ومنها قوله:
/٢٤٥ أ/ يا أمينا قد زاده الله مجداً ... دون هذا الورى وعلى محلَّة
لي نصفيَّة بعد من العمر ... سنيناً غسلتها ألف غسله
لا تسلني عن مشتراها ففيها ... منذ فصلتها نشاء بجمله
نشَّف الرِّيح صدرها ورآها ... كل يوم تشكو هواءً ونزلة
ظلمتها الأيّام حكما فأضحت ... في العذاب الأليم من غير زلَّه
كل يوم يحوطها الدَّقُّ ... والعصر مراراً وما تقرُّ بعمله
وهي تعتلُّ كلَّما غسَّلوها ... ويزيل النَّشاء تلك العلَّة
أين عيشي بها القديم وذاك الـ ... ـنتق فيها وخطرتي والشمله
حيث لا في أجنابها رقعة قـ ... ـطُّ ولا في أكمامها قطُّ وصله
قال لي الناس حين أطنبت فيها: ... بسَّ أكثرت خلَّها وهي بقلة
فسير له صدر الدين بن القرميسيني نصفيَّة وملبوساً فكتب إليه: [من السريع]
أشكر مولانا ونصفيَّتي ... تشكره أكثر من شكري
أراحها جدواه من كلِّ ما ... يسكن من دقٍ ومن عصر
/٢٤٥ ب/ كم ليلة كادت مع الماء إذ ... يغسلها غسَّالها تجري
وقال يمدح القاضي زين الدين ابن الزبير: [من الكامل]
بانت وقد كلَّفتها توديعي ... ما بين فيض جوى وفيض دموع
стр. 2449
وتجلَّدت للبين مثل تجلُّدي ... والنَّار حشو ضلوعها وضلوعي
ولكم تعلَّلها مواعيد المنى ... منِّي عن المرئيِّ والمسموع
قالت: ذممت البين، قلت لها: عسى ... أن تشكري عقباه عند رجوعي
وقال أيضاً: [من البسيط]
إني لمن معشر سفك الدماء لهم ... داب وسل عنهم إن رمت تصديقي
تبيت أنعامهم مفهم على وجل ... إذ شملها بهم يفضي لتفريق
تزداد بالدَّمِّ إشراقاً عراصهم ... فكلُّ أيامهم أيَّام تشريق
وقال يمدح الأجل العدل شرف الدين أبا حامد محمد بن علي بن سعيد بن أبي جرادة الحلبي العقيلي: [من مجزوء الرجز]
/٢٤٦ أ/ لازم قلبي كمده ... وبان عنِّي جلده
وطال عمر اللَّيل حـ ... ـتَّي قلت قد مات غده
وارحمتا لعاشق ... في الحبَّ ذابت كبده
يستنجد الدمع إذاً ... لم يلق من يستنجده
إلى متى يقيمه ... حكم الهوى ويقعده
ما يصنع العبد إذا جار عليه سيَّده
لا يستطيع البطش في الشِّـ ... ـدَّة من غلَّت يده
يا عاذلي عنِّي فكم ... سهرت ليلاً ترقده
هيهات أن تدري بما ... يلقي العليل عوده
يا بأبي الغصن الَّذي ... يعجبني تأوُّده
تغبطه شمس الضحي ... والبدر امسي يحسده
ذو مبسم أحسن في ... تنضيده منضَّده
وريقه عذب ولـ ... ـكن أين منَّي مورده
/٢٤٦ ب/ وخده مورَّد ... يا حبَّذا مورَّده
يصدُّني عن لثمه ... إذا رنا مهنَّده
لحظ يسل أبيضاً ... علي القلوب أسوده
стр. 2450
إلي متا ينالني ... من كل دهر نكده
لم يبق في الخلق فتي ... يغرُّني تودًّده
قد عدم الَّديق في الـ ... ـدُّنيا فمن ذا يجده
إنَّ السَّعيد من غدا ... وهو قليل عدده
فربما لارمي الفتي ... في الموبقات ولده
وإنَّ مثلي في الوري ... لم يخل ممن يحسده
وهكذا من شرف الـ ... ـدَّين الأجل يعضده
أي كريم لم يزل ... نشكره ونحمده
ولم يخب في الدَّهر من ... يؤمُّه ويقصده
تروي حديث الجود عن ... بنانه ونسنده
كم مسلم حققه ... اأنَّه محمده
/٢٤٧ أ/ وعزمه لا يتنا ... هي في المعالي أمده
فبيته قد نصبت ... علي الثريا عمده
لقد زكت أصوله ... فينا وطاب مولده
وقد سمت فخراً به ... علي البلاد بلده
ذو راحة هان بها ... لجنينه وعسجده
وطالما عزَّ بذا الـ ... ـهوان من يسترفده
ولفظه الدُّرُّ إذا ... حرَّره منتقده
فطرسه بخطِّه ... كالرَّوض والغيث يده
فإن حسبت أنَّه ... سحر فأين عقده
ذو قلم كالسهم في ... نحر العدا يسدده
يهزه كالمشرفـ ... ـيِّ هزَّه مجرده
ما درَّ يوماً نفسه ... إلاَّ تبدَّت زبده
فلو تراءي لأبن عبَّـ ... ـاد لكان يعبده
ما ضلَّ عاف في ديا ... جي الخطب وهو مرشده
/٢٤٧ ب/ كلاَّ ولم يشق فتي ... في الدَّهر وهو يسعده
يا أبن الذَّين فضلهم ... يتعب من يعدده
стр. 2451
ومن غدا بينهم ... ليس يرام سؤدده
يا من غدت فروعه ... طيَّبةً ومحتده
مولاي يدعوك فتًى ... قد خانة تجلًّده
هيهات أن يقوم يو ... ماً بالقوافي أوده
ضاع القريض فهو لا ... ينشده بل ينشده
ما بال هذا الدَّهر لا ... ينجز يوما موعده
مولاي لي حقٌّ ومد ... حي قد غدا يؤكَّده
ومن غدوت قصده .. ليس يخيب مقصده
وقال فيه أيضاً: [من البسيط]
هب خاطري العفر إن شحت غمائمه ... ما كلُّ وقت يجيد الشِّعر ناظمة
وطالما ركدت ريح الصَّبا سحراً ... لدي الأراك ولًم تسجع حمائمه
ورَّبما جاد خدٍّ النور دمع حياً ... فوق الغصون وما شقَّت كمائمه
/٢٤٨ أ/ لا يمكن المرء أن يمشي على سنن ... وإن غدا الرشد لا تخفى معالمه
قد يكتم السر من لم يخفه أبداً ... عن الرجال وقد يفشيه كاتمة
يسالم الدهر من أضحى يحاربه ... كما يحارب من أضحى يسالمه
وقد يكون رفيع القدر جاهلة ... كما يكون وضيع القدر عالمة
أشكو إلى الله دهراً ليس ينصفني ... وكيف ينصف من ذا الدَّهر حاكمة
كم ذا أذُّل قريضا بتُّ أحمله ... جهلاً إلى باب من عزَّت دراهمه
لولا ضرورات دهري كان ما دره ... قد استوى اليوم في عيني وحاتمة
بار القريض بمصر اليوم فهو إذا ... اعرضته عن شَّاريه وسائمة
لو قدر الله أن آتي الشَّام به .... ما أسلمتني إلى دهري عواصمه
وكنت أدرك ما ارجوه بابن أبي ... جرادة حسب آمالي مكارمه
عليك يا شرف الدَّين اعتماد فتى ... يشكو لك الدَّهر إذ عمَّت مظالمه
стр. 2452
/١ ب/بسم الله الرحمن الرحيم
[تتمة حرف الياء]
[تتمة ذكر من اسمه يحيى]
[٩٢٤]
يحيى بن عبد القاهر بن علوي بن عبد القاهر بن علويِّ بن الحسن بن عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد المجيد بن المهنَّا بن زيد بن الرشيد بن عبد الرحمن بن المهنا بن صدقة بن محمد بن صدقة بن عويمر بن الحر بن فهم بن تيم اللات، أبو سالمٍ بن أبي المكارم التنوخيُّ.
من أهل معرَّة النعمان المعروف والده بابن خصا البغل.
وذكر والده ثابت في كتاب "تحفة الكبراء".
ووالده هذا كان يعرف صدراً صالحاً من علم العربيَّة، وتصدر لإفادتها بالمسجد الجامع بحلب يجرى عليه رزقٌ لذلك، ولم يزل مقيماً بحلب إلى أن توفي يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربعين وستمائة.
أنشدني لنفسه يمدح الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة أولها: [من الكامل]
/٢ أ/ لا كان بعدك لي حبيب ثاني ... في النَّاس ومنزل القرآن
والمرء أكثر ما يود لعينه ... اليمنى وحقِّك إنَّك العينان!
بي أنت من رشأ حفظت وداده ... فأضاعني وأطعته فعصاني
يغضي الجفون على ظباً من أجلها ... يكفي عن الأغماد بالأجفان
ويهزُّ من ترف النَّعيم قوامه ... مرَّ النَّسيم نواعم الأغصان
فكأنَّ بهجة وجهه في قدِّه ... بدر التَّمام على قضيب البان
رام العواذل سلوتى عن حبِّه ... والمستحيل عن الهوى سلواني
стр. 2453
سقمي أمان صحَّة الدَّعوى على ... ألمي وشأني مخبر عن شاني
سهمٌ رماني من سهام جفونه ... عن قوس حاجبه فما أخطاني
عجباً لنار أسيله في مائه ... يصلي وكيف توافق الضِّدان
ولقدِّه الفتَّان لهدم صدره ... من لحظه الوسنان حد سنان
من منصفي من سورة الجاني الَّذي حكم الغرام إليه قد الجاني
سارقته نظر المريب محييا ... فازورَّ واستحيا وما حياَّني
فأماتني إعراضه عنِّ ولو ... حيَّا بمثل تحيَّتي أحياني
/٢ ب/ يا قاتلي بمدى الصدود وتاركي ... ذا مقلة عبرى وقلب عاني
ومكلِّفى حمل الصبابة والأسى ... ومطلِّهي بالصَّدِّ والهجران
أعباء وجد لو تحمَّل بعضها ... رضوى لأوهته فما جثماني
فيمن منعت مدامعي أن ترتقي ... من موق أجفاني فما أجفاني
ومن بعد أبيات كثيرة:
هلا انضويت إلى جناب محمد الـ ... ـملك العزيز القاهر السُّلطان
ملك ملائكة السَّماء جنوده ... وملاذة بالواحد الدَّيان
يمِّمه متنمياً إليه ولذبه ... وغناك في دركي وتحت ضماني
أنا من تبصَّره وراز خلاله ... فرأيت كلَّ النَّاس من إنسان
وأنشدني أيضاً من شعره: [من السريع]
هل جاء في شرعٍ وفي مذهبٍ ... حلُّ دم الصبِّ لهذا الصَّبي
هذا وقد زرفن أصداغه ... فقلت لاح البدر في العقرب
مجرِّداً من جفنه صارماً ... كم شقَّ من قلبٍ ولم يضرب
يستعذب التَّعذيب منه ولو ... لا الحب لم يحل ولم يعذب
/٣ أ/ شكوت ما ألقاه من حبه ... إلى تجنِّيه فلم يعب بي
أمات صبري ثمَّ أحيا الهوى ... شوقاً فآمنت بعيسى النَّبي
لو زارني من هام قلب به ... مختفيا في ظلِّه الغيهب
لثمته ألفا ونلت المنى ... منه ومن معسوله الأشنب
لم أنس لما سمته وصله ... فقال: يا أطمع من أشعب
стр. 2454
فقلت: عده، قال: ميعاده ... أن تطلع الشَّمس من المغرب
أحبابنا ما لذَّلي مطعمي ... ولا حلالي بعدكم مشربي
وليس عن حبكم معدل ... بلى إليكم منكم مهربي
ديني هواكم واعتقادي ولا ... كم وحبِّي لكم مذهبي
عاقبتموني بجفاُكم ... وما كنت له منكم بمستوجب
وبئس في الإنصاف والعدل أِّن ... يعاقب العبد ولم يذنب
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من المسرح]
يا صاحب الحكم والقضاء ومن ... لا حيف في حكمه ولا جنف
قل لي: لماذا وقيت كل أذى ... علَّي على ما جهلته أقف
/٣ ب/ قسمت "لا" بيننا فلي الـ ... ـلاَّم إن قمت ولابن المرصَّص الألف
أو فلماذا تحلُّه الصَّدر والسَّـ ... ـفله من شأن مثله الطَّرف
فضيلةٌ ما لديه ترفعه ... بها على غيره فيعترف
أم أجل شعر فالشِّعر مشتركٌ ... والفضل فيما عداه مختلف
تسعى إليًه تظنُّه عمل الـ ... ـصِّين ولا شكَّ أنَّه خزف
واخبر النَّاس سل حالهم ... فالزَّيف عند المحكِّ ينكشف
فأنت من قد فشت مناقبه ... وأنت من بالسَّخاء متَّصف
من عنصر فاخر له سلفٌ ... من بعدهم أنت حبَّذا الخلف
وأبق سعيًد الجدود ما طلعت ... شمس نهار وما دجت سدف
[٩٢٥]
يحيى بن عبد الواحد بن عمر بن يحيى الأمير، أبو زكريا بن أبي محمد الهنتاتيُّ.
ملك أفريقية.
стр. 2455
ذكره صاحب "الدرة الفائقة في محاسن الأفارقة"، وأثنى عليه جميلاً، وقال عقيب ترجمة أبيه الشيخ أبي محمد: ومنهم ولده الطاهر النجيب الزكي الأريب السلطان الأعظم /٤ أ/ الملك المؤيد المعان المنصور المظفر، لم يرث المجد عن كلالة، ولا كأن الملك خلق إلَّا له. هيبة تنسف الجبال نسفاً. ورحمة تسع أهل الأرض حنانًا وعطفًا، وشجاعة ينثني بها الدهر عن عزائمه، وصرامة بطلت ملك الموت السلامة من صوارمه. مع ذكاء كالنار، وخلق ألين من الماء الحار، وأدب أغض من الرياض، ونظم ونثر أسحر من الحدق المراض.
أما أفريقية وقد نجم فيها النفاق، وقامت الفتنة على ساق، وخلت من الأموال والرجال، وريع فيها في الخدور ربات الحجال. فآمن من سربها وأزال خوفها وجدبها، وأعاد فيها وضرب بعربها بربرها وببربرها عربها؛ حتى فرح بعضهم ببعض وجعل الذئاب والنَّقد ترد في حوض، وجند الأجناد ورتب بين الملك، وبسط على تخوم المشرق يده اليمنى وعلى تخوم المغرب يده الشمال، فأمن السُّبل خمن باب تونس إلى ثغر الإسكندرية غاية الأمان، وقطع دابر المفسدين عرضًا من تونس إلى أبواب تلمسان؛ فدانت له البربر /٤ ب/ والعرب؛ وهما المتمرّدان على الملوك في القديم والحديث من الزمان وصارت الأندلس تستصرخه والمغرب الأقصى يطلب منه الأمان.
ثم أنشدني من خمريّاته: [من الخفيف]
وضعت في الزُّجاج فالتهبت ... وكسته برقًا من اللَّهب
وعلا فوقها الحباب فلم ... تبصر العين مثل ذا العجب
ضرم النَّار فوقه بردٌ ... كائنٌ عنه منه في النَّسب
مثل درِّ الجمان نظَّمه ... ناظمٌ فوق عسجد الذَّهب
следующие страницы →