← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

رأيت من شعره يرثي أبا المعالي محمد بن عبد الواحد بن المهذَّب التنوخي، وكانت وفاته يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر سنة خمس عشرة وستمائة: [من الوافر] لقد حطَّت عن الرُّتب العوالي ... وقد هدَّت شماريخ الجبال /٢٩ أ/ وقد درست رباع المجد حتَّى ... عفت وغدت معالمها بوالي وعادت بهجة الأيَّام جمعًا ... مسوَّدة الأسافل والأعالي وأصبح خاليًا من كان مليًا ... وعاد معطًّلا ما كان حالي وفاضت دمعة مقل العذارى ... وشبَّت لوعة مهج الرِّجال فنو حوا يا بني الآمال وابكوا ... على الشَّيخ الجليل أبي المعالي على شيخ المعرَّة والبرايا ... على زين الماثر والجلال على أحلى الورى مرأى وأشهى ... إلى الظَّامي من الماء الزلال فتى رام النهى مذ كان طفلاِّ ... ونال من العلا أوفى منال فتى كبت المعاند والمعادي ... وساءهما بما سرَّ الموالي أعدَّ لمن يعاديه وبالًا ... وعوَّد كفَّه بذل النَّوال وساد النَّاس معروفًا وبرًّا ... وال إلى الفخار بغير ال ومما ينسب إليه من ... أيضًا: [من الطويلٍ] فؤادي عليكم لا على غيركم يحنو ... وطرفي إليكم لا إلى غيركم يرنو وفي أضلعي نار يشبُّ وقودها ... سحاب له من أدمعي أبدًا هتن /٢٩ ب/ وأرق أجفاني بكم قلق الحشا ... وليس يقرُّ القلب مذ أرق الجفن فجفني جفاه النوم فيكم ومهجي ... لفرط نواكم للهوى أبدًا سفن فيا ويح جسمي إذ تكلَّفه الظَّنى ... عليكم حوي قلبًا تكنَّفه الحزن أحباي دار بنتم عن ربوعها ... جحيم ودار أنتم أهلها عدن سقاها من الأنواء هاطل مزنها ... وجاد عليها الغيث إذ بخل المزن إلى الله أشكو من أناس صحبتهم ... زمانًا فما أحنوا علييَّ ولا حنُّوا ألفتهم والعيش غضٌّ وغضنه ... رطيب وفيهم قد ذوى ذلك الغصن فمالوا إلى غيري وملُّوا تواصلي ... ومانوا مواعيدي وبالعود ما منُّوا

стр. 2487

وعادوا إلى العدوى عليَّ وبالنوى ... أعانوا على البلوى عليَّ وما عنُّوا وحبل الوفا جذُّوا وحالوا عن الهوى ... وطرق النُّوى سنوا وخيل الجفا شنُّوا فإن رمت أسلوهم فباعي ... ... وحالي به نقص وعزمي به وهن ولكنَّني إن بنت عنهم بقالبي ... فقلبي لهم وقف وعندهم رهن ألا قاتل الله اللَّيالي لقد قضت ... عليَّ بأسباب وأيسرها الغبن وقد ملكتنى دولة الدَّهر للنوى ... ............ كأنِّي لها قنُّ /٣٠ أ/ وقاتلتي بالبعد حتَّى كأنَّما ... عليَّ له ثأر وعندي له ضغن أبا الفضل والرَّحمان إنِّي مغرم ... بكم ولرحى الشَّوق في كبدي طحن علمتم بأنَّ الوجد عندي مخيِّم ... وللصبِّ عن قلبي لظعنكم ظعن أما والَّذي يرمي الرِّكاب إلى مني ... ليطوي بها سهل المهامه والحزن لقد ساءت الدُّنيا عليَّ لفقدكم ... وضاقت فكلُّ الأرض مع وسعها سجن وعامرها بال وشامخها لقى ... ومؤنسها وحش ونيِّرها دجن لك الله من ندب تفرد بالعلا ... فطاول ذا فنٍّ وما فاته فن إذا نشرت بين الأنام صفاته ... فمن من العلا عمرو ومن في النَّدى معن وإن حصروا أهل البلاغة والنُّهي ... جميعهم يومًا لديك فهم لكن له في ازدحام الوفد نائل حاتم ... وليس له مطل وليس له منُّ وفي معرك الأبطال إقدام عنتر ... وليس به نكل وليس به جبن فإن جاد للعافين غير مماثل ... وإن جال في العادين ليس له قرن فيوم الوغى في فيه تعتقر العدا ... ويوم النَّدى في حبِّه تعقر البدن فقم واقعد الأعداء وأرق إلى العلا ... فأنت لها خل وأنت لها خدن /٣٠ ب/ وأنت لها واف وكاف وكافل ... وأنت لها ركن وأنت لها حصن فدم أبدا التعري من البؤس والأذى ... وتعزى إلى عليائك العزُّ والأمن وتعزى بكسب الحمد والمجد والثنا ... وتعزى بك الأعداء والإنس والجنُّ وتبقي على مرِّ الزَّمان مخلَّدًا ... وتنفى بك الأضغان والإفك والإفن

стр. 2488

[٩٣٢] يحيى بن محمَّد بن مختار، أبو الحسين المصريُّ هو أخو جعفر الذي سبق ذكره، ويعرف بابن شمس الخلافة. كان شاعرًا متأدبًا له عدة قصائد مدح بها الملك العادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي- رحمه الله تعالى. ومن شعره يقول: [من الطويل] تقول وقد ودَّعتها ودموعها ... تسحُّ ونيران الحشا تتضرَّم خليلي إذا شطَّت بك الدَّار لا تدع ... تحيَّتنا إنَّا لها نتنسَّم فقلت إذا سلَّمت والبعد بيننا ... على غير ميقات لكم كيف نعلم فقالت إذا الشَّمس المنيرة أشرقت ... فسلِّم فإنَّا حين تبدو نسلِّم وقال يمدح: [من البسيط] /٣١ أ/ يا ليلة ظلَّ فيها النَّجم منتصبًا ... وسط السَّماء وضلَّ النَّوم في بصري نام الخليُّون والخلاَّن ليلهم ... وبثُّ مغرى برعي الأنجم الزُّهر كأنَّ لي موعدَا في الصُّبح أرقبه ... بالوصل فالعين من نومي على حذر ما أطول الليل في عين مسهَّدة ... وأبعد الصُّبح من إنسان منتظر أخاف إن سمته وصلًا معاجلةً ... تصدُّ عنِّي وتقصيني عن النَّظر فأمسك النَّفس صبرًا كي تلين علي ... التَّدريج والصَّبر مشتق من الصَّبر قل للنوائب إنِّي قد رميت له ... عنان رقِّي فلا تبقي ولا تذري وحلِّقي وأسفِّي واهجري وصلي ... أو خالفي أو أطيعي واعدلي وجري ومنها في المديح: يا من نداه حياة العالمين كما ... ندى السَّحاب حياة الرُّوض والزَّهر أسلم لنا وابق عمر الدَّهر في رغد ... فأنت منه مكان السَّمع والبصر

стр. 2489

[٩٣٣] يحيى بن محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عليَّ، أبو الفخر بن أبي الفضل الكاتب، الجزريُّ المولد الموصليُّ المنشأ والدار. ذكر لي أنَّه ولد بالجزيرة العمريَّة سنة إحدى وخمسين/ ٣١ ب/ وخمسمائة. وانتقل إلى الموصل- وهو صغير السنّ- واتخذها دار إقامة. وكان يتولّى بقلعتها كتابة الرقاع والروزات إلى القرى والنواحي، وذلك في أيام نور الدين أتابك رسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحبها. شاهدته بالموصل شيخًا كبيرًا في جمادي الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، شيعي المذهب، له ديوان شعر استفرغ أكثره في مديح أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه، لقَّبه بـ "الكواكب المنيرة في المناقب الخطيرة"، وأنشأ تسعًا وعشرين خطبةً على توالي حروف المعجم. ومما أنشدي لنفسه وأملاه على يمدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه وسلامه: -[من الكامل] قل للرقيب وفي الحبيب بوعده ... حتَّى يموت بدائه وبوجده ملَّ الملال ولمَّ شمل محبِّه ... ونفي الجفا ورفا ممزَّق ودِّه لولا بنفسج عارضيه ونرجس ... في مقلتيه ووردة في خدِّه وعذوبة في خندريس رضابه ... المروي لراشفه ولذَّة شهده ولباقة في مشيه ولطافة ... في نطقه وتعدل في قدِّه /٣٢ أ/ ما كنت محسودًا عليه فليمت ... كمدا حسودي قد حظيت برفده ومنها قوله: فاصبر على مضض الحسود وكيده ... فبصبرك المنجي يموت بجهده وإذا ابتليت بجار سوء فارتجل ... عنه وشيكًا وانتقل من عنده وإذا نطقت زن الكلام محاذرًا ... مر الجواب وخائفًا من ردِّه

стр. 2490

واحذر مصاحبة السًّفيه فإنًّه ... لا خير في هزل السَّفيه وجدِّه وارحم لترحم واعف وأحسن واقتنع ... فالله يا هذا مجازي عبده والسِّر صنع فكاتم الأسرار لا ... يخشى عتاب صديقه أو ضدِّه واصنع جميلًا ما استطعت فصانع المعروف ... يبقى ذكره من بعده وإذا نزلت بدار أحمق داره ... فلربما رقص اللَّبيب لفرده واعرض عن الجهَّال واهرب منهم ... إنَّ الجهول يهرب خطاه كعمده واصف الوداد ووال آل محمَّد ... فوليُّهم يجد النجاة برشده قوم محبَّتهم وصدق ولائهم ... ينجيك من حرِّ الجحيم ووقده وتقيك شرَّ الزَّمهرير إذا ثوى ... فيه العصاة غدَا وشدَّة برده /٣٢ ب/ قوم إذا ذكروا يبين بذكرهم ... مبيضُّ وجه المرء من مسودِّه أو ما ترى الدِّينار يظهر صرفه ... وعياره في حكِّمه أو نقده هم أرغموا الشِّيطان لمَّا كسَّروا ... الأوثان في قرب المكان وبعده هم أوضحوا سبل الهدى لمن اتَّقى ... ورجا النَّجا في سعيه أو قصده يا لائمي في حبِّ حيدر جاهدًا ... بجلاله وبفضله وبمجده أو ما علمت بأنَّ صنو المصطفى ... خير الورى وأجلُّهم من بعده حسبي ولاء المرتضى فولاءه ... فخر الوليِّ وأنسه في لحده أألام في حبِّي إمامًا لم يزل ... جبريل خادمه وخادم ولده [آخاه أحمد وارتضاه لفاطم ... دون الورى من أهله أو جنده] مولى فدى روح النبيِّ بنفسه ... وحمى حماه وغيره لم يفده مولًى رقى كتف الرَّسول فنكَّس الأصنام ... إرغامًا لهم ولندًّه مولًى أباد المشركين ولم يزل ... في طاعة الرَّحمان بازل جهده مولًى له الآيات في عزماته ... ما تختفي في حلِّه أو عقده مولًى يبين ببغضه وولائه ... للمؤمنين شقا امرئ من سعده فوليُّ حيدر قد هداه إلهه ... وعدوُّه ربُّ العلا لم يهده

стр. 2491

/٣٣ أ/ من ذا يضاهيه وليس كمثله ... في علمه أو حكمه أو زهده من طلَّق الدُّنيا ثلاثًا غيره ... حتَّى غدت مرفوضةً من عنده صام الهجير ولم يزل بصلاته ... يفني لياليه الطِّوال وورده عبد الإله موافقًا لمحمَّدٍ ... والغير في العمياء ساحب برده لم يتَّخذ صنمًا إلهًا دهره ... حاشاه ليس الشِّرك عقدة شدِّه صه أيُّها الشَّاني وسل عن حيدرٍ ... وفعاله في بدره أو أحدخ كم بحر حرب خاض فيه ولم يخف ... من جزر بحر الحرب أو من مدِّه ولكم أراق دمًا وفرَّق جحفلًا ... وأذاق صنديدًا مرارة فقده آيأته مشهورةٌ كالسَّيف لا ... يخفى إذا جرَّدته من غمده أو ما سمعت بقلع باب خيابرٍ ... إذ هزَّه هزًّا وسرعة هدِّه كم للوليِّ المرتضى من معجزٍ ... ضربت به الأمثال عنه بجدِّه يحيى النظام عبيده ما يأتلي ... رطب اللِّسان بمدحه وبحمده يرجو بذاك شفاعةً منه غدًا ... تنجيه من برق العذاب ورعده وأنشدني لنفسه: [من الطويل] /٣٣ ب/ وما كلُّ ما تبغيه نفس مؤمَّلٍ ... ينال ولا ما تكره النَّفس يدفع ليعلم أنَّ الأمر لله وحده ... وليس سواه من يضرُّ وينفع وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] إكتساب الثَّناء خيرٌ من الما ... ل فحصِّل شكر الورى واكتسبه وأمر النَّاس بالتُّقى واتَّبعه ... وانه عن منكر الهوى واجتنبه وأنشدني لنفسه يمدح القاضي الإمام العالم الفاضل محيي الدين أبا حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن الشهرزوري- رحمه الله تعالى- بالموصل: [من السريع] مولاي محيي الدِّين يا ذا الَّذي ... عمَّ الورى إفضاله الشَّامل وعدت نفسي منك آمالها ... وعرفك المعروف لي كافل فخذ ثنائي واغتنم دعوتي ... واسمح بتعجيل الَّذي آمل

стр. 2492

فخير برِّ المرء تعجيله ... وعنك يروى الكرم الكامل [٩٣٤] يحيى بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّدٍ، أبو زكريا الكنَّري وقيل الكنَّاري. - وكنَّر بكسر الكاف وتشديد النون آخرها راءٌ مهملة- قرية كبيرةٌ من قرى دجيل من أعمال بغداد. أخبرني أنَّه ولد بها في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وتوفي بنصيبين في شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة. كان شاعرًا ضريرًا لسنًا، غزير الشعر متصرفًا فيه، ذا نفس قوي في نظمه، واقتدارٍ شديدٍ في إنشائه، وخاطر سريع في البيدهة والإرتجال، يحفظ جلَّ أشعاره، ويوردها عن قلبه، ولم يتوقف في إيرادها. وكان رديء اللسان قبيحه، مشوَّه المنظر، أفطس الأنف، هجاءً كثير الوقيعة في أعراض الناس، يتعاطى الكفريات في شعره. وشهر بقلَّة الدين، وفساد الإعتقاد- سامحه الله تعالى-. رحل إلى الملوك واسترفدهم بشعره ولم يزل يضرب في البلاد ويتجولها ويرتزق من أكابرها وصدورها. وكان أكثر مقامه بالموصل، يصنع الحصر /٣٤ ب/ بيده، وكتبت عنه من شعره بالموصل وإربل جملةً. ومما أنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها: [من الكامل] حسب المحبِّ غرامه وسهاده ... تبكي عليه لما به حسَّاده يمسب ويصبح بالخيال معلَّلًا ... فكأنَّ آفات الهوى أضداده يخفي الهوى فإذا رأى أحبابه ... فقد التَّجلُّد واستطار فؤاده كيف اصطبار فتًى له في خدِّه ... طرسٌ ومن دمع الجفون مداده

стр. 2493

يبكي فيكتب دمعه ما قولكم ... فيمن يموت وما دناه مراده يشجو الحمام إذا بكى حتَّى إذا ... أفنى الدُّموع بكت له عوَّاده كلف الفؤاد بحبِّ من هجرانه ... أحزانه وأمانه أعياده وفساده في الحبِّ عين صلاحه ... وصلاحه إن حاد عنه فساده يا من رمى سهمًا فما أخطا الحمى ... لجَّ الظما قصد اللمى ورَّاده صبي أبى سيفي نبا مهي كبا ... جسمي هبا يا من سبا ترداده وأنشدني أيضًا لنفسه ممّا أملاه عليَّ من لفظه وحفظه: [من الوافر] /٣٥ أ/ سمحنا بالقريض ولم نصافح ... بكفِّ قريضنا كفِّ انتصاف ولكن حبُّنا للفضل يحدو ... خواطرنا على جمع القوافي فلو علم القريض لمن يلاقي ... بحكمته لآذن بانصراف ولو عرف النَّدى للشِّعر حقًّا ... عليه جاءه عريان حافي ولو رمنا صفاء الشِّعر منَّا ... بقدر الجود لم نظفر بصافي وأنشدني أيضًا قوله: [من المنسرح] ليس على الشَّاعر البليغ سوى ... جهاده في صواب ما نظما وما عليه بأن يحدَّ له ... أهلًا وهذا لا يلزم الحكما قد يقطف الينع غير غارسه ... وقد يظلُّ الغراس محترما ويضرب الدُّرُّ بالكساد وقد ... ينفق بعر الجمال مغتنما والجود خبر الممدوح لا خبر الـ ... ـمادح والنَّاس فطنةٌ وعمى هذا له درهمٌ وذاك له ... ألفٌ وهذا لا يعرف النِّعما والأمر لله لا لنا وله الـ ... ـحكم علينا يجري بما حكما وأنشدني لنفسه: [من المديد] /٣٥ ب/ أطلقت بابًا لقصَّاد النَّدى فأتوا ... يبغونه فلقوا في الباب حجابا فكابدوا فاصرف الحجَّاب وادع بهم ... ليعذب الجود أو لا فامنع البابا وأنشدني له أيضًا: [من الطويل] كفى الرَّجل المخدوم خيفة شرِّه ... بأنَّ له شرًّا يخاف ويجزع

стр. 2494

فإن عاش قال النَّاس سهمٌ مفوَّقٌ ... وإن مات قال النَّاس شرٌّ مدفَّع وإن زال عنه عزُّه في حياته ... سيعلم ما يجري له وسيسمع وأنشدني لنفسه: [من مخلّع البسيط] ما لي إذا قلت ألف خيرٍ ... للنَّاس في النَّاس أهملوه وإن أتت غلطةٌ بشرً ... منِّي لهم قيل حاربوه فليحذر المرء كلَّ خلٍّ ... له ولو أنَّه أبوه وأنشدني في قوله: [من المتقارب] تجنَّب بسرِّك أهل الصَّفا ... على كلُّ حالٍ وأهل الكدر فإن أنت أخبرت بالسِّرِّ عنك ... أضعت الصَّواب وشاع الخبر وأنشدني لنفسه في المعنى: [من المتقارب] /٣٦ أ/ على السِّرِّ منك رقيبٌ عتيدٌ ... فباشر بسرِّك غير البشر فما السِّرُّ إلَّا كنفع اللَّبيب ... فمن فارق النَّفع لاقى الضَّرر وأنشدني لنفسه: [من الطويل] كتبت إليكم بالحنين كتابا ... وعتابتكم فيما وجدت عتابا جوابي لكم شوقي إليكم ولا أرى ... سوى الشَّوق والوجد القديم جوابا أتوب إليكم من سلوِّي لحبكم ... ومن كظَّه الشَّوق المبرِّح تابا ومن خاب من عند الأحبة حظُّه ... بكى حظَّه إذ زلَّ عنه وخابا وحقِّ الهوى لا غاب عن خاطري لكم ... خيالٌ فهل منكم خيالي غابا وهل قد غضبتم قاطعين رسولكم ... عن المرتجى منكم رسول غضابا أجبنا رضاكم واستمعنا نداكم ... فكيف نسيتم من دعي فأجابا وكيف رضيتم في الهوى بعقابه ... ولم يرج في حفظ العهود عقابا وأنشدني وقد سمع قول بعض الشعراء: [من الخفيف] نذر النَّاس يوم برئك صومًا ... غير أنِّي وحدي نذرت الفط /٣٦ ب/ عالمًا أنَّ ذلك اليوم عيدي ... لا أرى صومه وإن كان نذرا فأخذ المعنى وقال أنشدنيه: [من الطويل]

стр. 2495

على الخلق نذرٌ صوم يومٍ مبشِّرٍ ... ببرئك لكن ما عليه صيام لأنَّ بذاك اليوم عيدًا متابعًا ... لعيدٍ وصوم العيد قيل حرام وأنشدني لنفسه من قصيدة مطوَّلة الموقظة، أنشأها تنبيهًا فيمن يدّعي الفضائل والآداب ويتعاطى العلوم وهو صفرٌ منها وهي تزيد على مائتي بيت تتضمَّن آدابًا وفضلًا ومقاصد حسنةً: [من الرجز] يا معشر الحكَّام بالعدل احكموا ... ولا تميلوا مع من يميِّلوا كم بين من يعمل شعرًا خالصًا ... من تهمة وبين من لا يعمل وأين من حرمة حبرٍ فاضلٍ ... في درجات الفضل لا يفضَّل /٣٧ أ/ مالي أرى الشَّعر الجميل والَّذي ... ينشؤه في المدَّعين يجمل لم أر إلَّا قائلًا مدَّعيًا ... ما ليس فيه قوله تقوُّل ولم أجد إلَّا هذا منتحلٍ ... وهو يظنُّ غيره ينتحل وربما قال: اسألوا وامتحنوا ... وهو بعيد الرُّشد عمَّا يسئل لكنَّه يشغل من يجهله ... وعنده من كلِّ فضل شغل يغمز أو يهمز أو يلمز أو ... يضحك في جلَّاسه أو يهزل يعني بأن عنده فضائلًا ... والكلب منه في المعاني أفضل كم مدَّع ما ليس فيه وله ... معنِّف في قوله معطِّل ووجهه لا يلتوي وميله لا يستوي وطرفه لا يخجل وهذه قبائحٌ لو أنَّها في أمَّةٍ ... ضاقت عليها السُّبل وكتب إلى بعض الرؤساء يستنجز منه وعدًا وقد عزم على السفر: [من البسيط] إعلم وأنت لعمري خير من علما ... يا ابن الأكارم أنَّ البرد قد هجما وأنَّ يوم الخميس المستحبُّ به ... عزم المسافر والمملوك قد عزما /٣٧ ب/ وقال في أهل حلب: [من الطويل] بنو حلبٍ ظنُّوا اللِّباس رياسةً ... وليسوا وإن عدُّوا من الرُّؤساء

стр. 2496

بغالٌ وغلمانٌ وكبر عمائمٍ ... وتوسيع أردان بغير سخاء وقوله يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، سلطان حلب- رحمه الله تعالى-: [من المجتث] بشِّر جليس المكان ... عنَّا بنيل الأماني وقل له قد تقضَّى ... ما كان من رمضان فما قعود الفتى عن ... مسرَّة الإخوان فادنوا الدِّنان لنحظى ... بالفوز عند الدِّنان وخلِّ عذل فلانٍ ... فيها ولوم فلان واملأ كؤوس مدامٍ ... تتلو الكؤوس قناتي واجعل أوان التَّسلِّي ... لك انتصاب الأواني /٣٨ أ/ فما أمرتك حتَّى ... سبقت أمر لساني يا ناهيًا لو تناهى ... معقوله ما نهاني إشرب ولو فرد كأسٍ ... على الوجوه الحسان حتَّى ترى العذل فيها ... ضربًا من الهذيان من كان أزهد منِّي ... أو شانه مثل شان كان الجنيد وكان الـ ... ـحلَّاج من غلماني حتَّى تناولت رطلًا ... على اتِّفاق المثاني فما برحت إلى أن ... تركت زهدي مكاني وصار سعيي إليها ... مستأنفا للأذان دعني فطول اشتياقي ... إلى المدام دعاني لو أن ماء قويق ... من قهوة ما كفاني إيه ولا سيِّما من بنان رخص البنان مقرطقٌ معنويُّ الـ ... ـصِّفات حلو المعاني مهفهفٌ بابليُّ ... اللِّحاظ والأجفان /٣٨ ب/ يزهو بأبيض عاجي ... تيهًا وأحمر قاني وناظرٍ نرجسيٍّ ... ومبسمٍ أقحواني

стр. 2497

رأيته واسطيًا ... فصرتٌ من حرَّان سقاني الرَّاح حتَّى ... لم أعترف من سقاني سكرًا به لا بخمرٍ ... لحانةٍ ولحاني وكيف يسكر مثلي ... من سبعةٍ أو ثمان ولجَّة البحر عندي ... ومثلها قد حان يا ضامنًا لارتياحي ... في الرَّاح ضماني فلو حلفت عليها ... كفَّرت عن أيماني فما غواني إلَّا ... تهتُّكي في الغواني ونصُّ علمي بين الـ ... ـعيدين بالعيدان لا في الوجيز ولا في الـ ... ـبسيط ضاع زماني سكَّن بكأس مدامٍ ... قلبي من الخفقان ولا تهب طيلسانًا ... ما لي وللطيلسان /٣٩ أ/ فلا مهابة إلَّا ... للظَّاهر السُّلطان اللَّوذعيِّ الغياث الـ ... ـمستنقذ المستعان المنعم البرِّ أهل الإ ... نعام والإمعان مطابقًا في ضرابٍ ... ملاصقًا في طعان محقِّقًا لشجاعٍ ... مخفِّفًا عن جبان هو أبن يوسف غازي الـ ... ـغياث صدر جهان ملكٌ دنا فتنائى ... من رعبه كلُّ داني وخصَّنا بنوال ... وعمَّنا بامتنان له أوائل في الخلـ ... ـق ما لهنَّ ثواني كفٌّ كفيلٌ غوادي الأ ... حياء والأحيان حيًا يحيِّي ويحيي ... غيري كما أحياني عن أبن يوسف تروي ... فرائس الفرسان وفي عواقب شانيـ ... ـه مرتع العقبان وفي لبان مناويـ ... ـه منه رحب لبان

стр. 2498

[مقرُّه اليمن قاضٍ ... ضربًا بكلِّ يماني] [٩٣٥] يحيى بن محمَّد بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن جعفر بن زيدبن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، الشريف، أبو جعفر بن أبي الفضل العلويُّ الحسينيُّ. من أهل بغداد. وهو ابن أخي الشريف أبي عليٍّ المظفر بن الفضل الذي مرَّ شعره متقدمًا. وأبو جعفر هذا شاب أشقر؛ رأيته بكرخ بغداد، وله في قرض الشعر ذوق حسن، وطبع سهل. أنشدني لنفسه بالكرخ في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقد اقترح عليه أن يوازن قول القائل: [من مجزوء الرجز] يا ليل طل أو لا تطل ... لا بدَّ لي أن أسهرك لو بات عندي قمري ... ما بتُّ أرعى قمرك فصنع أبو جعفر أبياتًا من جملتها قوله: [من مجزوء الرجز] يا مهجتي من غيَّرك ... ومن بقتلي أمرك ومن على سفك دمي ... يوم الفراق أمَّرك /٤٠ أ/ يا ناصبًا بلحظه ... للهائم الصَّبِّ شرك أبصر بدرًا طالعًا ... في تمِّه من أبصرك فمن رآك عاذري ... وعاذلي من لم يرك

стр. 2499

[٩٣٦] يحيى بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن يحيى بن عليِّ بن عبد العزيز بن الحسين بن محمَّد بن عبد الرحمن بن الوليد بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، القاضي أبو المفضّل بن القاضي، أبي المعالي الأمويُّ العثمانيُّ. من أهل دمشق وأبناء قضاتها ومن بيتٍ كبيرٍ في القضاء على قديم الزمان وحديثه؛ لأنه يعدُّ ستَّةً من القضاة على نسقٍ واحدٍ. شاهدت القاضي أبا المفضَّل بدمشق، وأخبرني أنَّه ولد بها ليلة الجمعة الخامس والعشرين من سنة ستٍّ وتسعين وخمسمائة، وذكر أنَّه سمع الحديث النبوي من أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، والقاضي أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني الأنصاري وغيرهما. وقرأ الفقه /٤٠ ب/ على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ على أخيه أبي العباس طاهر بن محمد بن علي القرشي الأموي، وفخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي. واشتغل بالأدب على أبي الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي النحوي. وتولّى قضاء دمشق وله يد بيضاء في نوعي المنظوم والمنثور. ومما أنشدني لنفسه وكتبه لي بخط يده بدمشق في سنة أربعين وستمائة في محرّمها، قوله: [من المديد] حيِّ أيَّامي بذي سلمٍ ... واسأل اللَّذَّات عن خبره أصلٌ مرَّت مفوَّفةً ... مثل برد العصب أو حبره ونديم بتُّ أكرعه ... قهوةً توهي قوى مرره فرجت داجي الظَّلام لنا ... فأضاء الليل من ستره وتقضَّى مثل ما طرفت ... شفر موحي الغمز عن شفره

стр. 2500

غير مذمومٍ ولا نكد ... (وهو من ليلي ومن سمره) نتعاطاها مشعشعةً ... قد سمت في الدَّنِّ عن كدره /٤١ أ/ حسب كفِّي أن تخبَّ بها ... لاقتراب الورد من صدره ومغنٍّ غير مكترثٍ ... بمكان الحبسَّ من وتره بات يلهينا وينشدنا ... (أيُّها المنتاب عن غفره) وسط روضٍ في ذرى خمرٍ ... صدح القمريُّ في شجره ثمَّ ولَّى ذاك أجمعه ... وكذاك الدَّهر في غيره وقصارانا إلى حفر ... وهو شاو المرء من عمره وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مخلّع البسيط] إنَّ جوادًا وإن سيفًا ... وإنَّ مهضومةً رداحا حصنٌ ولهوٌ لذي مصاعٍ ... نال به الجدَّ والمزاحا وكلُّ عيشٍ وإن تراخى ... وقال أهلوه لا براحا يبيده الدَّهر بارتجاعٍ ... جرَّ على إثره الرِّياحا فغاية اللَّهو أن تعاطى ... خلع عذاريك والمراحا وغاية الجود بذل نفسٍ ... وفضل موجودك ارتياحًا وغاية الرُّشد في اتِّقاء ... يشعرك الخير والصَّلاحا /٤١ ب/ واللُّؤم أن يقدح المرجِّى ... منك زنادًا يري شحاحا وأنشدني لنفسه: [من المتقارب] أشدُّ البلاء بهذي البلاد ... غلاء الحمير لرخص الجياد فكيف المقام بأرضٍ بها ... تقاد الأسود بأيدي النِّقاد

стр. 2501

وأنشدني له أيضًا: [من الكامل] ومخلَّل طابت مجاني غرسه ... تلقاك لذَّته بطعم حرام بتنا على رغم الرَّقيب ونقلنا ... قبل الخدود على كؤوس مدام وأنشدني قوله: [من السريع] ما الأمر إلَّا نسقٌ واحدٌ ... ما تمَّ من حمدٍ ولا ذمِّ وإنَّما العادة قد ميَّزت ... والطَّبع والشَّارع في الحكم [٩٣٧] يحيى بن المظفر بن الحسن بن بركة بن محرزٍ، أبو زكريّا البغداديُّ، الفقيه الحنفيُّ. كان أحد شيوخ أصحاب أبي حنيفة- ﵁ درس بالمدرسة المعروفة بالتتشيَّة بدرب دينار مدَّةً؛ ثم /٤٢ أ/ بالمدرسة المعروفة بالموفَّقيَّة على دجلة وبغيرها. وكان عنده فضل وله معرفة جيدة بمذهبه وبالخلاف والمناظرة، وقد سمع الحديث النبوي من أبي المعالي محمد بن اللجاس، وأبي الفضل أحمد بن شافع الجيلي، وابن التريكي وغيرهم. وكان فصيحًا مفوَّهًا مقتدرًا على القول في المحافل ذا نظم ونثرٍ. وكانت ولادته سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. وتوفي يوم الإثنين ثالث عشر ذي الحجَّة سنة خمسٍ وعشرين وستمائة، وصلّي عليه بجامع القصر. ودفن في داره بالمقتديَّة. شاهدته غير مرَّة وجالسته واقتضيته شيئًا من شعره لأثبته عنه فلم يقدر لي ذلك.

стр. 2502

أخبرني أبو طالب علي بن أنجب بن عبيد الله البغدادي فيما أجازه لي أن أرويه عنه، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن المظفر بن محرز الفقيه الحنفيُّ لنفسه في داره بالمقتدية يمدح الناصر لدين [الله]- أحمد رضوان الله عليه-: [من الكامل] /٤٢ ب/ يا عالمًا بمواجب الإيمان ... ومكلَّفًا شكرًا لدى الإحسان ومطالبًا بجزاء أفعال العلا ... وعوائد الأحرار والفتيان أدِّ الفيضة معلنًا بوجوبها ... وابسط لسان الحمد للسلطان النَّاصر المنصور جلَّ مكانةً ... وركانةً كتبتهما الملكان المالك الوهَّاب أحمد الَّذي ... أعطى السحاب سواكب التَّهتان وممدِّ تيار الخضارم واهبًا ... لزلال ما يسري إلى الخلجان ويفضُّ فائض عذبه وزلاله ... كرمًا لوارد شربه الملآن ويدير قهوة كأسها وعقارها ... بحياة عالمها مدى الأحيان قربٌ يكون جزاؤها وثوابها ... أضعاف ما يأتيه من جيران فلنا الهناء بعدله وببذله ... وبفصله الوافي على ثهلان ولنا الهناء بوجده ووجوده ... بمبرَّةٍ ومسرَّة وتهاني وقيامه باللَّيل في ديجوره ... بدموع طرفٍ سحَّ بالهملان يملي ويستملي خواطر رأيه ... ببلاغة تربي على لقمان وإذا بدا قلم الفصاحة جاريًا ... ببديع لفظٍ رائقٍ ومعاني /٤٣ أ/ كفَّت أكفُّ كفاة أكفاء الورى ... بشهادة علميَّة وبيأن وقضى قضاة العلم في تفضيلها ... بفخارها حتَّى على سحبان يخشى ولا يخشى بسالة باسلٍ ... حطم الحماة بمأقط الفرسان لله درُّ كفاحه برماحه ... وصفاحه بمحاذف المرَّان وقراعه بالمشرفيَّة واغلًا ... والحرب بالأهوال في الميدان لم ينهدم ركنٌ لدين محمَّد ... أبدًا ومولانا الوزير الباني فله الهناء بكلِّ عامٍ مقبلٍ ... وبه انصراف الجور والطغيان

стр. 2503

وهذا شعر من حقِّه أن يطرح ولا يسطر؛ لكن من عادة الذي يعاني التاريخ وجمع الأشعار أن يكتب الغثَّ والسمين منها. [٩٣٨] يحيى بن المظفر بن شهاب بن موسى بن طلحة، أبو زكريا إبن الصابونيِّ. من أهل واسط. كان واعظًا متفقهًا، وسمع الحديث ولقي رجاله واشتغل /٤٣ ب/ بالعلم، ودخل العراق وسافر إلى الحجاز والشام وديار مصر. ثم عاد إلى واسط فمات بها اثنتين وثلاثين وستمائة وله نظم قريب. أنشدني لنفسه بإربل في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة: [من الكامل] يا من على ضعفي يجور تعمُّدا ... ويرى الضَّلال بقتلتي محض الهدى ومن الملاحة كلُّها في أسره ... قد حازها دون الورى متفرِّدا بجمال وجهك إنَّه لو يهتدى ... بضيائه في التَّيه موسى لاهتدى وبطرفك الغنج الَّذي لولاه ما ... أمسيت مسلوب الرُّقاد مسهَّدا لا تصغينَّ إلى الوشاة فما لهم ... شغلٌ سوى تفريقنا وهم العدا [٩٣٩] يحيى بن المبارك بن محمَّد بن يحيى بن عليِّ بن مسلَّم بن موسى بن عمران بن الزبيديِّ، أبو زكريا بن أبي بكرٍ البغداديُّ.

стр. 2504

كان من بيت الحديث والفضل. وكان أبو زكريا هذا فاضلًا يقول شعرًا مطبوعًا حسن الألفاظ. أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار /٤٤ أ/ البغدادي بها- رحمه الله تعالى- في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني يحيى بن المبارك بن الزبيدي لنفسه: [من الكامل] قايست لؤلؤ ثغره بمدامعي ... فتشاكلا فأغرته من منعم فعرفت ذاك فكدت أمنع عبرتي ... فأبت فعدت صبغتها من عندم وطلبت برد لماه استشفي به ... فإذاقني من صدِّه كالعلقم وقال أيضًا: [من الطويل] وعاتبت دهري مستكينًا جنابه ... عسى أن يعود العود بالوصل أنضرا فعاصى عليَّ الدَّهر حتَّى كأنَّه ... عليَّ بأوتا العداوة أصدرا وربَّ كريمٍ ناله الدَّهر بالأذى ... وربُّ لئيم حظُّه قد توفَّرا فعدِّ على العتبى وغضَّ على القذى ... فما زال هذا الدَّهر بالحرِّ أغدرا [٩٤٠] يحيى بن معطي بن عبد النور بن عليِّ بن نصر بن يلول بن تاشفين بن عليِّ بن بزيع بن حنيفة، أبو الحسين النحويُّ، الأديب الشاعر الزواويُّ.

стр. 2505

وزواوة قبيلٌ /٤٤ ب/ وكان من أهل بجاية. وكانت ولادته في جبل يعرف بجرجرا. قرأ علم النحو والعربية بالمغرب على جماعةٍ منهم ابن الحداد وغيره. ثم رحل إلى الديار المصرية، واشتغل على أبي محمد عبد الله بن بري، وسمع الحديث على عبد الحق صاحب كتاب "الأحكام". ثم عاد إلى المغرب وجدّ في طلب العلم بعد أن حفظ القرآن الكريم، وله نحو ثلاث عشرة سنة على الشيخ أبي موسى بن عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي النحوي بالجزائر. ثم رجع ودخل ديار مصر في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة قصدًا للقاء أبي محمد بن بري فوجده لا ينتفع به لأنَّه عجز عن الإقراء، وأقام بالإسكندرية يشتغل بالفقه مدَّة عامين. ثم رحل إلى الشام فكان اشتغاله على أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، يسمع عليه كتب الأدب والقراءات. ثم إنَّه آثر العزلة عن الناس والإنفراد بنفسه فوضع كتبًا منها "شرح الجمل" على سبيل الإملاء. /٤٥ أ/ وكان من أقدر الناس على المنظوم وصنعة الرجز؛ فإنَّه نظم قصيدةً في القراءات السبع، وكتابًا مضمونه "المثلث" نظمًا وهو على صورة الرجز مزدوج. وأخذ نفسه بنظم كتاب "الصحاح" لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهي، فنظم أكثره،

стр. 2506

ونظم الفاظ "الجمهرة" من جنس خطبة كتاب "الفصيح" لأبي العلاء المعري؛ وله مقدمة تعرف بـ "الفصول" منثورة، ومقدمة تعرف بـ "الدُّرَّة الألفية" منظومة كملحة أبي محمد الحريري؛ وله مقدمة تعرف بـ "القبس في علم العروض" منظومة. وبدأ في منظومة جامعة سمّاها "الغاية في النحو"؛ وله كتاب في جمع أبيات سيبويه باختصارٍ منظوم، يجعل بإزاء كل بيت له يضمنه ما استشهد به فيه؛ وله في العروض نحو ذلك، وله قصائد مطولات وغير ذلك. ثم فارق دمشق وسافر إلى الديار المصريَّة، واتصل بالسلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر /٤٥ ب/ بن أيوب، فأقبل عليه وقرَّبه وحظي عنده؛ ثم لم تطل به الأيام حتى عاجلته منيته وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة. وحدثني الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، قال: اجتمعت بأبي الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور النحوي، فأنشدني من شعره وشعر غيره. وكان شيخًا حسنًا عدلًا من عدول دمشق يرجع إلى دين وورع، وأنشدني، قال: أنشدني أبو الحسين لنفسه: [من الطويل] ولمَّا رأيت القلب منك مقسَّمًا ... تخيَّرت لي قلبًا يطيق جفاكا أيحسن بي أن أمنح الودَّ من له ... هنا شبحٌ والقلب منه هناكا مراعاتك الخلَّ القديم مروءةٌ ... فدعني لخلٍ اصطفيه سواكا ومن وجد الدُّرَّ النَّفيس فباعه ... ببخسٍ فلا يربح لصفقة ذاكا وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه لغزًا في الكعبة- حمى الله تعالى حوزتها وحرسها-: [من الطويل] /٤٦ أ/ ولمَّا تبدَّى لي من السِّجف حاجبٌ ... ومقلة ليلى من وراء نقابها بعثت رسول الدَّمع بيني وبينها ... لتأذن في قربي وتقبيل بابها فما أذنت إلَّا بإيماض طرفها ... ولا سمحت إلَّا بلثم ترابها

стр. 2507

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وقد أشرف على مدينة الرسول ﷺ : [من الطويل] نزلنا عن الأكوار نمشي مهابةً ... ولو كان إنصافًا فرشنا خدودنا وماذا عليكم أن نريق دموعنا ... ونجري في تلك العيون عيوننا وأنشدني أبو سعد قيس بن عمر بن عمرو العربيلي الدمشقي، قال: أنشدني أبو الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور النحويُّ الزواوي لنفسه: [من الطويل] رأى القوم بي فضلًا يعاديه نقصهم ... فمالوا إلى ذي الجهل والشَّكل أقرب /٤٦ ب/ بهائم لا تصغي إلى شدو معبدٍ ... وتصغي إلى جافي الحداةفتطرب وأنشدني أبو السعادات أحمد بن محمد بن يوسف الهمامي الواسطيُّ النحوي الفقيه الشافعي بإربل، قال: قرأت على الشيخ أبي الحسين يحيى بن معطي الزواوي النحوي بدمشق لنفسه كتاب "الدرة الألفيَّة" من تصنيفه، ورأيت خطَّه بالقراءة عليه في ظهر الكتاب: [من الرجز] يقول راجي رِّبه الغفور ... يحيى بن معط بن عبد النُّور الحمد لله الَّذي هدانا ... بأحمد دينًا له أرتضانا فلم يزل ينمي به الإسلام ... حتَّى استبانت للهدى أعلام مؤيَّدًا منه بخير الكتب ... وحيًا إليه بلسانٍ عربي /٤٧ أ/ لكونه أشرف مابه نطق ... كما الرَّسول خير مخلوق خلق صلَّى عليه الله ثمَّ سلَّما ... وآله وصحبه وكرًّما وبعد فالعلم جليل القدر ... وفي قليله نفاد العمر فابدأ بما هو الأهمُّ فالأهمَّ ... فالحازم البادئ فيما يستتم فإنَّ من يتقن بعض الفنَّ ... يضطر للباقي ولا يستغني وذا حدا إخوان صدقٍ لي على ... أن اقتضوا منِّي لهم أن أجعلا أرجوزةً وجيزةً في النَّحو ... عدَّتها ألفٌ خلت من حشو لعلمهم بأنَّ حفظ النَّظم ... وفق الذَّكيِّ والبعيد الفهم لا سيَّما مشطور بحر الرَّجز ... إذا بني على ازدواجٍ موجز أو ما يضاهيه من السَّريع ... مزدوج الشُّطور كالتَّصريع

стр. 2508

فقلت غير آمنٍ من حاسد ... أو جاهلٍ أو عالمٍ معاندٍ بالله رِّبي في الأمور اعتصم ... القول في حد الكلام والكلم وهذا القدر فيه كفاية ومقنع منها. /٤٧ ب/ وأنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم الإسكندريُّ بالموصل، قال: أنشدني أبو الحسين بن معطي بن عبد النور النحويُّ لنفسه من قصيدة بمدح بها الملك الأمجد مجد الدين أبا المظفر بهرام شاه بن فرخ شاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي- صاحب بعلبك-: [من الكامل] ذهب الشَّباب وريِّق العمر الشَّهي ... فأتى المشيب ورونق النُّور البهي وجلا به ليل الذَّوائب فجره ... وأتى بناءه من نهاه مموَّه وأطار نسر الشَّيب غربان الصِّبا فنعين في أثر الشَّباب المنتهي ووهت قوى الآمال منه وما وهت ... هممٌ أبين على الحوادث أن تهي قالت أمامة والعمار يروقها ... بئس الثَّغام تحيَّة للمزدهي ما تنكرين من الصَّباح جلا الدُّجى ... وخضاب أسحم بالملاب الأمقه /٤٨ أ/ سود العيون بمدمعٍ بيَّضن لي ... سود الذَّوائب والسُّرى في المهمه ونعيب أغربة الحداة ببينها ... فإذا زجرت الوصل قالت: مه مه وبوارح البرح استطار لها الحجى ... فرقًا فنادته السَّوانح: صه صه فسخا له دمع الغمام بوابلٍ ... من غير مضحاك البروق مقهقه فتفاوحت أزهاره وتناوحت ... أطياره بمولولٍ وموهوه وافترَّ ثغر الأقحوان بدرِّه ... لعقيق مطلول الشَّقيق مطلِّه ومنها في المديح: ملكٌ تظلُّ الشَّمس ترصد وجهه ... نظر المحبِّ إلى الحبيب الملتهي إن كان في أفق السَّماء قد انجلت ... شمس المعالي في سناها فهو هي وفي آخرها قوله:

стр. 2509

زادت على مائة ونيفٍ خمسها ... ......................... لمَّا تكافا في السِّلاح عنت له ... جبهات صيدٍ قبله لم تعقبه ودعاك مجد الدِّين دين محمَّدٍ ... للنصر علمًا بالشجاع الأمره [٩٤١] /٤٨ ب/ يحيى بن المقدام بن أبي الفضل بن زيادٍ، أبو الفضل البطائحيُّ. من قرية يقال لها "حمادوية" من قرى البطائح. ولمَّا توجهت إلى البلاد الواسطية صحبة الأمير ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا بن عبد الله الإربلي- أدام الله سعادته- رأيت ولد يحيى فاقتضيته شيئًا من شعر أبيه، فقال: هو شيخ كبير قد ناهز التسعين، ولم يقدر على المجيء فبعد أيام سيَّر لي كرَّاسين من نظمه. وذكر لي ولده أنَّه ما قرأ شيئًا من العربية البتة. وشعره موزونٌ يصدر عن خاطرٍ صحيح وطبع حسن؛ وهو القائل ابتداء مقطوعةٍ: [من الخفيف] عدِّ عن ذكر دارسات الربوع ... يا نديمي يا إبن عبد السَّميع واسقنيها بين الأزاهير مع ضر ... ب المزامير بين نور الرَّبيع قهوةً تذكر الهرقل وقد كا ... ن يباهي بجمعه المجموع أرجوانَّيةً إذا مزجت في الـ ... ـكأس لاحت كالعندم المنقوع /٤٩ أ/ بنت كرمٍ نشا على جبل السُّـ ... ـماقِّ يسقى بالغيث والينبوع في أوان الشِّتاء حيث تكون الـ ... ـشَّمس بين التَّغييم والتَّقشيع وليكن بكرة الثُّلاثا فقد قيـ ... ـل الثَّلاثا جمانة الأسبوع تحت ظلِّ الأغصان في زورة البسـ ... ـتان عند الرَّيحان وسط الزُّروع فاسقنيها حتَّى أتيه فلا أفـ ... ـرق بين المخفوض والمرفوع ثمَّ أملي واتبع الكأس بالطَّا ... س إلى أن أطيح كالمصروع

стр. 2510

وإذا ما وقعت سكران لا أعـ ... ـقل خذني باللُّطف يا بامنيع مع غزالٍ حلو المعأني غضيض الـ ... ـطَّرف ريَّان طيِّب المسموع حبَّذا لحنه إذا عرك العو ... د وغنِّي بصوته المرفوع وقال أيضًا: [من الخفيف] من لصبٍّ متيَّم مستهام ... ولقلب بادي الكآبة دامي خالسته لواحظ الخرَّد العين ... على الجسر [عند] باب السَّلام من ظباء الأنيس كلُّ رداحٍ ... زانها الله باعتدال القوام غادةٌ تخجل الغزالة بالحسن ... وتزري بالبدر بدر التَّمام /٤٩ ب/ قد براها الباري بأحسن تقويـ ... ـمٍ فدقَّت معنًى عن الأفهام فسقامي من سقم ألحاظها المر ... ضى وكلمي من طيب ذاك الكلام ودوائي من رشف ريقتها العذ ... ب ودائي من هجرها وهيامي لا رعى الله غير أيَّامنا اللَّا ... تي تقضَّت مع زينبٍ وقطام وليالٍ أسهرن عينيَّ باللَّهـ ... ـو وحسو الطَّلا وشرب المدام حيث رأسي مثل الغراب وقلبي ... آمن من حوادث الأيَّام والصِّبا قائدي إلى نغم العيـ ... ـدان واللَّهو آخذٌ بزمامي [٩٤٢] يحيى بن منصور بن الجرّاح بن الحسين بن محمَّد بن داود بن الجراح القاضي، أبو الحسين بن أبي عليٍّ، الكاتب الخطَّاط المصريُّ. كان مليح الخطّ جدًّا أعلى طبقة من الجويني وأقوى. وكان له من الأدب وقول الشعر حظّ وافر، وعناية بتحصيل الكتب ومعرفتها، وسمع الحديث على الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي.

стр. 2511

وكانت ولادته في يوم الحادي عشر من شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالقاهرة، وتوفي /٥٠ أ/ بدمياط وهي محاضرة بالفرنج قبل أن يملكوها بعشرين يومًا. وكان تملكهم لها يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة. وكانت ولادة جِّده بدمشق. أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد القوصي الفقيه الشافعي بدمشق بمنزله في سنة أربعين وستمائة في محرَّمها، قال: أنشدني القاضي أبو الحسين يحيى بن منصور بن الجرّاح الكاتب المصري لنفسه يمدح القاضي الفاضل أبا عليّ عبد الرحيم بن علي بن الحسن البيساني- رحمه الله تعالى-: [من الكامل] إنَّ الوزراة آثرتك ولم تزل ... سكنًا لها تصبو إلى إيثاره ألقى إليك الملك فضل عنانها ... وزوى إليك الأمر من أقطاره ولقد حميت حماه بابن هزاهزٍ ... هو سهم غايته وقطب مداره طفلُ عذارى الفضل من داياته ... ومحجَّبات الغيب من أظاره بتحرُّك فيه سكون خطوبه ... وتصوَّب فيه علوُّ مناره /٥٠ ب/ ومنمنمٍ يصف الرَّبيع تعانقت ... أغصانه وافترَّ عن أزهاره وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه ويصف القلم: [من الوافر] لك القلم الَّذي نجواه سحرٌ ... ومزج لعابه صابٌ وشهد إذا ارهفت سنِّيه لأمرٍ ... فأنياب النَّوائب عنه درد حسامٌ بالَّذي يمضى ولكن ... حسام كلُّ صفحٍ منه حدُّ وإن راشت بنانك جانبيه ... فسهمٌ من قضاء لا يردُّ إذا نطق الَّذي توحي إليه ... تقاصر يعربٌ وجثًا معدُّ تسابق جريه فقرٌ المعاني ... فما يعفيه كيما يستمدُّ سطورٌ في سويدا كلِّ قلبٍ ... كأنَّ مدارها شغفٌ ووجد منمنمةٌ تخال بها عذارًا ... بديع الحسن والقرطاس خدُّ ومنها قوله: بلوت الدَّهر حتَّى قال: حسبي ... ولم تحكم تجاربي الأشدُّ

стр. 2512

ومارست الخطوب مراس فان ... ومن نسج الشباب عليَّ برد /١٥١ أ/ وليس العيش إلا في كفاف ... وعافية تروح بها وتغدو وأعلم ذاك ثم يصد علمي ... هوى يغري بأنَّ الغيَّ رشد وقال أيضًا: [من الوافر] عدوِّي منك مختقر هباء ... وقولي فيك مطرح هراء وليس شئت اصطلمتك من لساني ... بقاصمة ولكن لا أشاء فمت كمدًا بغيظك لست أهجو ... أخا نقصٍ فيرفعه الهجاء وقوله في الغزل: [من المنسرح] ومخطف جنده محاسنه ... من فات عينيه لم يفت ثغره ما جئته بالتُّقى أحاربه ... إلا وكانت لحسنه الكرَّه ظبي سويدا القلوب مرتعه ... لا جاسمًا يبتغي ولا وجره في خدِّه روضة لأعيننا ... تسقى ففي كلِّ نظرة نضره [٩٤٣] يحيى بن وثّاب بن عبد الأعلى بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم الكاتب المصري، أبو زكريا بن أبي العزائم، العامري الليثي الكناني. سمع يحيى /٥١ ب/ ابن المظفَّر بن الفاس المصري ووالده أبا العزائم. وكان عالمًا فاضلًا كاتبًا فصيحًا شاعرًا نبيهًا محسنًا ذا نظمٍ ونثرٍ. وتوفي سنة ثلاثين وستمائة. أنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الصفَّار الدمشقي بها في المحرّم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن وثَّاب لنفسه من قصيدة أوّلها: [من مجزوء الكامل] يا صائدًا أسد القلوب ... بلواحظ الرَّشأ الرَّبيْب وقضيب بانٍ مقلتاه ... إذا رنا جفنا قضيب

стр. 2513

ومصيب سهم الطَّرف ... ما اللَّحي عليه بالمصيب ومعلَّلي ومعلَّني ... من رائق الثغر الشَّنيب برد ولكن لا يذو ... ب ولم يزل لي بالمذيب هو في فمي العذاب الزُّلال ... وفي الحشا يذكي لهيبي فمتى أفيق من الغرا ... م ومسقمي فيه طبيبي الأسمر المهدي الذبو ... لَ لجسم عاشقة الكئيب /٥٢ أ/ أوفى على شمس النَّها ... روناب عمَّا في المغيب وافى نصيب الحسن قد ... أضحى من الدُّنيا نصيبي أفهل غريب أن أهيم ... بمبدع الحسن الغريب فلقد حباه مهندس ... الإبداع بالشَّكل العجيب أنشا الدُّجى فوق الضحى ... فوق القضيب على الكثيب وغدا يحفُّ الورد في ... خدَّيْه بالاس الرَّطيب لعب الهوى بمحبِّه ... من ذلك الصُّدغ اللَّعوب وصوالج الأصداغ ليس ... كراتهنَّ سوى قلوب تلك العقارب كم لها ... في قلب صبٍّ من دبيب أنا والعواذل في هواه ... كلَّ يوم في حروب ما ضرَّني سخط الأنا ... م إذا رضى الله عنه عنِّي حبيبي ما الحسن للألباب إلَّا ... بالخلوب بل الغلوب كم جامح صعب القيا ... د ثناه طوع من جنيب ومملَّك أضحى كممـ ... ـلوك لأجل هوى حبيب /٥٢ ب/ هو فتنة الصَّابي الغو ... يِّ ومحنة الفطن اللَّبيب فلقد غدا فيه النَّسيـ ... ـب لكلِّ قلبٍ بالنسيب ومن شعره المختار من قصيدة يمدحُ بها الملك المنصور ناصر الدين أبا المعالي محمد بن عمر بن شهنشاه –صاحب حماة-: [من البسيط] نيل العلا والمنى بالبيض والأسل ... من استطال بغير السَّيف لم يطل والمجد في الفتكة البكر التي اشتهرت ... في الناس لا البكر ذات الحلي والحلل

стр. 2514

يعني بذلك الغارة على حصن الأكراد، وكسره للاسبتار ومن انضمَّ إليهم وانهزامهم من بين يديه واعتصامهم بالجدار ورجوعه بالغنائم الجمّة. وذلك في شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وخمسمائة. /٥٣ أ/ والعزُّ قد كفلته الأعوجيَّة في ... أكفالها لا ذوات الخصر والكفل والعزم في كل سيف جفنه عنق ... لا كلِّ سيف له جفن من المقل وكلِّ رمح أصم الكعب معتدل ... لا كلِّ ظبي رشيق القدِّ معتدل وكل درع على العطفين منسدل ... لا كلِّ صدغ على الخدَّين منسدل وكل عسَّالة في الحرب إن خطرت ... جنيت من سنِّها أحلى من العسل وفي الثغور إذا أقبلت فاتحها ... لا في الثُّغور التي للرشف والقبل والحزم في الغارة الشَّعواء يبعثها ... ذو الحزم يختال بين الخيل والخول وفي تساقي نداماها مثمِّلةً ... من سمِّها لا تساقي الشارب الثمل وصوت ماض على هام يجدُّلها ... في الرَّمل لا صوت مزموم ولا رمل وإنما شرف الإنسان في همم ... تسمو لضرِّ عدوٍّ أو لنفع ولي وفخره في عذارى المكرمات إذا ... يلهو بها لا عذارى اللَّهو والغزل مثل الفتى المالك المنصور من عدمت ... أمثاله وعلا في المجد عن مثل النَّاصر الفاتح الميمون طائره ... محمَّد ذو الأيادي والندى الخضل أبو المعالي الَّذي لولاه ما شرفت ... في النَّاس دولة أيوب على الدُّوَل /٥٣ ب/ وأصبحت وهي في الأيام مشبهةً ... بفضلها ملَّة الإسلام في الملل فريدة الدُّول اللَّاتي بها حليت ... منه الدهور وكانت قبل في عطل بدرٌ يحفُّ به من جيشه شهب ... أضحت تنوب على الأعداء عن زحل ملك إذا سار في الدُّنيا أقام له ... بين الخلائق مجدًا غير مرتحل أو إن يقم فسطاه أو فهيبته ... تسير من بأسه في السَّهل والجبل وإن يسافر له عزمٌ فعن ظفر ... بفتح قفل يجلي مسفر القفل أو يعضل الدَّاء في أرض ففي يده ... شفاؤها بحسامٍ حاسم العلل وإن غدا راكبًا نحو العدا عجلًا ... ترجَّلت منهم الهامات عن عجل ففي النِّزال له أعداؤه نزل ... وفي النُّزول الندى المشفوع بالنُّزل

стр. 2515

أو أخلف الجود إنَّ الجود من يده ... فينا ينوب عنالوكَّافة الهطل وكلُّ أرض بها قد حلَّ حلَّ بها ... عزالي الوبل غيثٌ غير منتقل ودهره فربيعٌ من مكارمه ... وعدله فكأنَّ الشَّمس في الحمل يا مالكًا [عمَّت] الدُّنيا نوافله ... حتى غدا شكره فرضًا من العمل فرَّغت كلَّ الرَّعايا من همومهم ... لمَّا غدوت لهم بالعدل في شغل /١٥٤/ جمعت في عصرنا ما بين مفترقي ... فضل فقد سدت أهل الأعصر الأول فريضة الصَّوم فيه والجهاد معًا ... حتى لقد حُزْتَ فضل النَّفل والنَّفل تركت فينا تلاوات القران به ... متلوَّة من بني الكفَّار بالعول أريتهم حملات لم يكن لهم ... في الضِّيق إذ بصروها وسع محتمل ذكَّرتهم يوم حطين وشلَّهم ... ففلَّ أيديهم ضرب من الشَّلل أقبلتهم أوجهًا في الحرب ليس لهم ... بها وقد عرفوها قطُّ من قبل يا واحدًا في العلا فردًا فقد عجزت ... عن وصفه غاية التفصيل والجمل وقال وقد سأله جماعة من غلمان الملك المنصور ممن يقول الشعر، أن يقول في النرد شيئًا وهي بين أيديهم يلعبون بها، فقال ارتجالًا: [من السريع] كأنَّما النَّرد وقد صفِّفت ... جيشان من زنجٍ ومن ترك /٥٤ ب/ وقعاتها ما بينها أشبهت ... وقائع المنصور في الشِّرك وله في الملك المنصور يمدحه في قصيدة أوّلها: [من السريع] فاه فقبَّلت من الوجد فاه ... لعلَّني أشفى بلثم الشفاه لولا سقام الجسم في حُبِّه ... لما ترشَّفت لبرِّي لماه ولم أشم بارق ثغرٍ إذا ... ما لاح كانت مقلتي مزنتاه فكلُّ ماضنَّ [به] باخلًا ... جاد على الصَّبِّ المعنَّنى ضناه وإن حماني رشفه عامدًا ... أباح قتلي وفؤادي سباه وما تثنَّى عطفه زاهيًا ... إلَّا ومن عجبي به صحت زاه ظبيٌ من التُّرك إذا ما رمى ... أصمى ولكن قوسه حاجباه غصنٌ سقاه الحسن خمر الصِّبا ... فعربدت من نشوة مقلتاه وبدرتمٍّ لم يزل شعره ... يطلع منه أبدًا في دجاه

стр. 2516

والبدر قد يهوي وهذا إلى ... ضلاله العاشق فيه هداه قلبي كليم منذ آنست في ... خدَّيه نارًا لم أفق من هواه /٥٥ أ/ ومذ جرى ماء الصِّبا فيهما ... إنسان عيني سابحٌ في مياه ومنها في المديح: من ملكه للدِّين أمسى حماه ... إن عزَّ فيه الدَّافعون الحماه الملك المنصور أعلى الورى ... قدرًا وأنداهم يدًا في نداه موري زنادي مجده لم يزل ... موقد ناري حربه أو قراه وإن يشأ أغنته آراؤه ... في الحرب عن راياته أو ظُباه من عمرو في البأس ومن حاتم ... في الجود أو من أحنفٌ في الأناه علا على كلٍّ فلو أنشروا ... لقبَّلوا بين يديه ثراه ينميه في الملك إذا ما اعتزى ... آباؤه صيد الملوك السَّراه من كلِّ من كان إذا [ما] بدا ... يغشى عيون الخلق منه سناه أو ركض الطِّرف فبدرٌ على ... برق ولكن ديمتاه يداه يفتن منها في العلوم التي ... تفتن من يسمعه أو يراه أقسمت أن لو عاش إسكندرٌ ... فيها ورسطا ليس ما بارياه يربي على نور ذكاء له ... مرآة فكل قد جلاها ذكاه [٩٤٤] يحيى بن وهب بن عسكر بن سلطان بن سيف بن طريفٍ، أبو سالم الأسدي. من أهل حمص نزل حلب. كان شاعرًا منتجعًا كثير الشعر سمع زيد بن الحسن الكندي، وأبا الفرج عبد الله بن أسعد الموصلي الأديب الفقيه الشافعي. اجتمعت به بحلب في جمادي الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة إحدى وستين وخمسمائة.

стр. 2517

وكان شيخًا خليعًا منهمكًا في الشرب مصرًّا عليه مع كبر السن والشيخوخة، امتدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب وبعده لولده الملك العزيز محمد ثم لولده السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف –خلّد الله ملكه-. وكان على كبر سنه ينبعث خاطره بالشعر وتسمح قريحته بالنظم ويقصد الناس على أقدارهم، ولم يزل مقيمًا بحلب إلى أن توفي ليلة يوم الجمعة رابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وستمائة –تجاوز الله /٥٦ أ/ عنه ورحمه-. ومما أنشدني لنفسه يمدح الأمير الكبير مظفَّر الدين عثمان بن منكورس بن خمارتكين –صاحب صهيون-: [من البسيط] زار الخيال من الإلف الذي بانا ... واللَّيل كاس فعاد الصُّبح عريانا طيفٌ ألمَّ بنا وهنًا فأطفأ من ... لواعج الواجد والبلبال نيرانا كفى من البين قتلى لا حياة لنا ... حتَّى أتانا وحيَّانا فأحيانا فقلت أهلًا بطيف إذ ألمَّ بنا ... جلا همومًا وأفكارًا وأحزانا وبتُّ أرشف راحًا من مراشفه ... ومن سوالفه أستاف ريحانا ومن معاطفه أثني قضيب نقًا ... غضًّا إذا ما تثنَّى يخجل البانا غضًّا أرانا أقاحًا فيه مبتسمًا ... وجلَّنارًا وتفَّاحًا ورمَّانا حتَّى انتبهت وكفِّي من زيارته ... صفرٌ فعاد الأسى إذ عدت يقظانا وأقبل الهمُّ تغزوني عساكره ... وقلت ليت الَّذي قد كان لا كانا وحاولت مهجتي عونا فما وجدت ... سوى المدامع أنصارًا واعوانا واغرورقت مقلتي بالدَّمع وانبجست ... حتى لقد غادرت في الأرض غدرانا /٥٦ ب/ دمع جرى دافقًا كالسَّيل أو كيدي ... مظفَّر الدِّين بحر الجود عثمانا الباسل الباذل الرِّفد الَّذي غمرت ... نعمى يديه الوَرَى سرًّا وإعلانا وهو الَّذي عمَّرت مجدًا عزائمه ... علًا فطال النجوم الزهر أركانا ما زال ينمو ويسمو في مصائده ... حتى تجاوز بهرامًا وكيوانا بناه حامي ثغور المسلمين ومن ... مازال مذكان مطعامًا ومطعانا غمر النَّدى باسم ينهلُّ من يده ... غيث السَّماح على القصاد هتَّانا

стр. 2518

يعطي الجزيل بلا منٍّ يكدِّره ... ويوسع الناس إنعامًا وإحسانا وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح الإمام الصاحب قاضي القضاة بهاء الدين أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الموصلي –رحمه الله تعالى-: [من الخفيف] حيِّ في الجزع أوجهًا نيِّرات ... مشرقات الأنوار مبتهجات وثغورًا وضَّاحةً وشعورًا ... كالدَّياجي المسودَّة الحالكات وغيونًا تنضو البواتر إذ تر ... نو فتردي القساور الضَّاريات /٥٧ أ/ لظباء من عبد شمس حسان ... شامسات نوافر آنسات تيَّمتني من بينهنَّ فتاةٌ ... تفتن العالمين باللًّفتات ومن مديحها يقول: وبليغ في النَّظم والنَّثر يأتي ... منها إذ يفوه بالمعجزات نناصع اللَّفظ جوهريِّ المعاني ... سالمٍ فيهما من الهفوات ربُّ فهم صفا ودقَّ إلى أن ... جلَّ عن حصر وصفه بصفات في ذرى مجده غرسنا الأماني ... فجنينا من أطيب الثَّمرات ماجدٌ جائدٌ هبات يديه ... دافقات كالأبحر الزَّاخرات لا عدت مجده المواسم تأتي ... أبدًا بالسُّرور والفرحات وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى الشيخ الأجل المعدَّل بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن يحيى بن الخشاب الحلي –رحمه الله تعالى-: [من الخفيف] /٥٧ ب/ يا بني الجوهر المصفَّى من الأقـ ... ـذاء والغشِّ لا بني الخشَّاب شرَّفتكم خلائقٌ زاهرات ... وهبات تفيض فيض السَّحاب ضربت في السَّماء بيتًا من المجـ ... ـد لكم شامخًا رحيب الجناب وكساكم من العلا حبُّ آل الـ ... ـبيت أغلى وأنفس الأثواب فأبشروا بالنَّعيم والفوز والزُّلـ ... ـفى ونيل المنى وحسن المآب وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من الطويل]

стр. 2519

منازلهم حيث اللِّوى فزرود ... سقتك بروق جمة ورعود فإن ضنَّت الأنواء يومًا بمائها ... فلي مقلة عبرى عليك تجود أحنُّ إلى تلك المعاهد لوعةً ... وإن نقضت من أهلهنَّ عهود وأشتاق هاتيك الرُّبوع تشوُّقًا ... لنيرانه بين الضلوع وقود ديارٌ ككثبان النَّقا وغصونه ... من الغيد أردافٌ بها وقدود وكالنَّرجس المطلوب وسط حديقة ... عيونٌ وكالورد الجنيِّ خدود وبيض مها مثل البدور تزينها ... شعورٌ طوال كالحنادس سود رعابيب أشواقي إليها طوارقٌ ... طوار ووجدي طارفٌ وتليد /١٥٨ أ/ أحاول منها الوصل والصَّدُّ مانعٌ ... وأطلب منها القرب وهو بعيد ومن لي بتيَّاك الظِّباء ودونها ... موام تبيد النَّاجيات وبيد وأسد جلاد إن تصل في عريكة ... تصلُّ بأعناق الكماة حديد وتشرق في أعلى الصِّعاد أسنَّةٌ ... ويشرق من فيض النجيع صعيد وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الرجز] لسيب حب لا يداوى بالرُّقى ... سليب لبٍّ بات يشكو الحرقا مولَّه منذ جفاه إلفه ... ما جفّ دمع جفنه ولا رقا ولم يذق من بعده لبعده ... طعم الكرى بل لم يزل مؤرَّقا يشتاق أوقاتًا له تصرَّمت ... ما بين غزلان الصَّريم والنَّقا يا برق عج على ربوع جلِّق ... والمم بها وحي عنِّي جلِّقا وقل لها إنِّي إلى سكَّانها ... مازلت مذ شطَّ المزار شيِّقا وفي حمى حماة هاجت لوعتي ... حتى لقد سدَّت عليَّ الطُّرقا وفي ربوع شيزر إذ زرتها ... لم ألق ما يسمك منِّي الرَّمقا /٥٨ ب/ لكنَّني في حلب وجدت ما ... أعاد عود اللًّهو غضًَّا مورقا ونيِّر الطَّلعة كالشَّمس له ... خدٌّ عقيقيٌّ يحاكي الشَّفقا أبيض قد ألبي لاذًا أحمرًا ... كوجنتيه وقباءً أزرقا فيا تعالى الله ما أحسن ما ... جاءت به لبسته واليقا وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]

стр. 2520

ما نلت في حبكم إلَّا أذى الوصب ... ولم يكن لي نصيب في سوى النَّصب ولم ينل منكم قلبٌ أربَّ على ... هواكم بعض ما يرجو من الأرب يا غادرين ولم أغدر وبعدهم ... وجائرين بلا جرم ولا سبب كيف استحالت ولم آلت مودَّتكم ... صابًا وعهدي بها ضربًا من الضَّرب ما كان أسرع ما ملتم إلى ملك ... كرعت منه كؤوس الحتف والعطب كم بتُّ في غربة أبكي وتسعدني ... ورقٌ تنوح بأعلى البيان والغرب يستحلب الدَّمع من عيني هوى لكم ... مقرُّه مهجتي يا ساكني حلب جزأكم الله عنِّي الصَّالحات ولا ... غالتكم غائلات الدَّهر والنُّوب كم قد سحبت ذيول اللَّهو بينكم ... والجوُّ محتجب الأرجاء بالسُّحب /٥٩ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر بن أيوب –صاحب دمشق-: [من الطويل] موارد حبٍّ ما لهنَّ مصادر ... أوائله ليست لهنَّ أواخر وأشواق مغرًى مغرم وبلا بلٌ ... مبلبلةٌ منه بهنَّ الخواطر سفحن بأعلى السَّفح سحب دموعه ... فهنَّ هوام كالغيوث هوامر فتى فتنته من عقيل عقائلٌ ... بواد بواد كالبدر بوادر عواط كعين الرَّمل غير عواطل ... من الحسن أبكارٌ زواه زواهر تظلٌّ بها منَّا العيون زوانيًا ... وهنَّ عفيفات الذُّيول حرائر من الحور حارت في كمال جمالها ... وبهجتها أبصارنا والبصائر مريضات أجفان صحيحات أعين ... بنا مرضٌ من حبِّها متواتر أدارت علينا الخمر من لحظاتها ... فخامرنا داءٌ الغرام المخامر وأبدت لنا لمَّا جعلنا معاجنا ... عليها شموسًا تحتويها محاجر سمعنا بها لمَّا رأينا وجوهها ... فصغَّرت الأخبار عنَّا المخابر /٥٩ ب/ وفي بطن نعمان الأراك نواعمٌ ... لهنَّ الظِّباء السَّانحات نظائر سوال لحسن الصَّبر منَّا سوالبٌ ... نواف لطيب الغمض عنَّا نوافر صواب إلى وصل الصُّدود صوابرٌ ... غواد إلى نقض العهود غوادر دعانًا هواها فاغتدينا صواغيًا ... إليه ولبَّينا ونحن صواغر

стр. 2521

ولما نهتنا العاذلات عن الهوى ... وقلنا أطع ما النَّاصحات أوامر رجعن بغيض لا تغيض عيونه ... وهن خواس لم يطعن خواسر وكيف التَّسلِّي عن غوال غوالبٍ ... هواهنَّ لي عمَّا يحاولن زاجر رعابيب تبدو في الدُّجى ببراقعٍ ... فتخجل أقمار السَّماء السَّوافر وأنشدني لنفسه: [من البسيط] راحت على حلب الفيحاء تسقيها ... سحائبٌ مستهلَّاتٌ تروِّيها حتَّى تسربلها من نبتها حللًا ... خضرًا تزخرف دانيها وقاصيها فلست أنسى لياليها الَّتي سلفت ... ولا الزَّمان الَّذي قضَّيته فيها أيَّام ارفل في أكنافها مرحًا ... نشوان ذا عيشة رَقًّت حواشيها أمسي وأصبح مسرور الفؤاد بها ... مترَّفًا وافر اللَّذَّاتِ وافيها /٦٠ أ/ وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] كنت أمشي مشي البعير إذا ما ... أنا حرَّكت ماشيًا أفخاذي صرت أمشي مشي الأسير بقيديـ ... ـن إذا ما خطوت في ثقل حاذي واللَّيالي إذا توالت على الفو ... لاذ فلَّت مضارب الفولاذ وأنشدني قوله أيضًا: [من الكامل] بعد القريب عليَّ حتَّى إنَّني ... قد صرت آخذ ما دنا بمراحل فإذا نهضت نهضت نهضة عاجز ... متساند متساقط متحامل وإذا تكلَّفت المسير تفصَّلت ... بالشيء في قطع اليسير مفاصلي وأنشدني لنفسه: [من الطويل] إذا أنت فاوضت الأحاديث صاحبًا ... وحقَّقت منه أنَّه ما تمعناها فتلك أحاديثٌ تيقَّن بأنَّها ... لغفلته عن لفظه مات معناها وأنشدني من شعره: [من السريع] سئلت عن من جئته قاصدًا ... منه عطاياه فما نلتها فقال ما أعطاك إذ جئته ... قلت يدٌ مدَّت فقبَّلتها /٦٠ ب/ وأنشدني من مقطَّعاته: [من الوافر]

стр. 2522

يحدِّثني بما لا أشتهيه ... ويلكزني لأسمع ما يقول ويزعم أنَّ ذلك منه فضل ... وذلك كله منه فضول [٩٤٥] يحيى بن يحيى بن محمَّد بن عمر بن أبي الخير، أبو زكريا [الأسديُّ] الأسعرديُّ المعروف بابن القويضيِّ. رجل يتعاطى صنعة النظم والنثر، ويمدح الناس. أنشدني من شعره الشيخ الحافظ صدرُ الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكريُّ الدمشقي بها بمنزله في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه بأسعرد يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : [من الطويل] أرحها فما أبقى الذَّميل لها صبرا ... وما ترك الآساد من دمعها سرّا وحسبك منها لو عقلت وكونها ... أنيخت هلالًا بعد ما ثوَّرت بدرا لها في الفلا ما للفلا في جسومها ... من السَّير إن شبرًا فمن جلدها شبرا ألم ترها مثل السَّفائن عوَّمًا ... ببحر من الأمراء لا يشبه البحرا /١٦١ أ/ رعت عامها بين العذيب وبابل ... وعاد رعاها بين توضح فالمقرا وما ذاك إلَّا أنَّ عزمي وهمَّتي ... تحمِّلها فوق السُّرى والوجى إصرا لها سائقٌ مني ولي شائقٌ إلى ... معاهد لا أعطي لسلوانها صبرا تهيِّجني الذَّكرى إليها صبابةً ... وأي غرام لا تهيِّجه الذِّكرى وإنِّي إذا ما شمت برقة بارق ... وأعلام جمع والمعرَّف والجفرا أذلت مصون الدَّمع حتَّى لقد غدت ... له قطراتٌ كدن أن تفضح القطرا فيا حبُّ ما أدى على القرب والنَّوى ... ويا قلب ما أصبى ويا دمع ما أجرى

стр. 2523

إذا ما تبطَّنَّا المحصَّب من منى ... ووادي منى والبان والطَّلح والسِّدرا وأعلام سلع والحجيج ثباثبا ... تراهم بها شعثًا نواصيهم غبرا وقد ملئت تلك الأباطح والرُّبى ... من النَّاس كلٌّ يطلب العفو والأجرا فمن مدرك سؤالًا ومن بالغ منى ... ومن حامل أجرًا ومن واضع وزرا أجلُّ المطايا أن أقول لها لعًا ... وأكبرها من أن أدوس لها ظهرا وعندي لها إن بلَّغتني محمَّدًا ... أقبل أيديها وأرجلها شكرا " ﷺ ". /٦١ ب/ جزاءً على إسادها وذميلها ... لها منِّي الحسنى وعندي لها البُشرى إليك رسول [الله] أمَّت ولم أزل ... أناشدها نظمًا وأدعو لها نثرا إلى هاشميٍّ لم يكن قبل بعثه ... ليعرف ما الإسلام يومًا ولا يدري إلى خير هاد من تهامة لم يكن ... بفظً ولكن راحمًا بالورى برَّا وخير نبيٍّ أنذر الناس للهدى ... وجاهد حتَّى عاد ليل الهدى فجرا نبيٌّ رقى من قاب قوسين موضعًا ... تعالى فرسل الله تلحظه شزرا وفاقًا وهديًا أصلح الناس بعدما ... تولوا وكلٌّ منهم بالغٌ أمرا فهذا السِّراط المستقيم إلى الهدى ... وهذا الهدى ما إن ترى دونه سترا وهذا الَّذي لولاه ما قيل حيعلا ... ولا طافت الحجَّاج بالكعبة الغرَّا وهذا الَّذي عطَّى البسيط ذكره ... فالاؤه تتلى وأنعمه تترى وهذا محلُّ الوحي بل مستقرُّه ... وموضع سرِّ الله والآية الكبرى أخو الغزوات البيض والمعجز الَّذي ... به ألَّف الإسلام إذ شتَّت الكفرا وقف راكعًا واستجد وقل عن عقيدة ... عليك سلام الله أنشده الدَّهرا سلامٌ كنشر المسك بات يضوعه النَّـ ... ـسيم فيطويه وينشره ونشرا /٦٢ أ/ يخصُّ الحجاب الهاشمي فإنه ... أجلُّ الورى جاهًا وأعلاهم قدرا وما قلتها إلَّا لأبغي بقولها ... شفاعته لم أبغ ورقًا ولا تبرا وغني امرؤٌ شرَّفت شعري بمدح ... وما كنت قبل اليوم أعدله شعرا وأنشدني، قال: أنشدني له ما كتبه إلى بعض كبراء الناس وقد فُصِدَ: [من البسيط]

стр. 2524

مددت للفصد كفًّا قطُّ ما عرفت ... ضمًّا بل الفتح مقرون بأنعمها جاءت فلم تبق خلقًا لم تنله ندى ... إلا الثَّرى فسقته الفصد من دمها فاتت بك الغيث في جودٍ وفي كرمٍ ... فأكرم بأسمحها كفًّا وأكرمها وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في غلام قطع شعره: [من الخفيف] قطعوا شعره لتنقيص حسنٍ ... حسدًا منهم فزادوه حسنا قصدوا أن يغيِّروا منه معنى ... فأرادوا بقطعه ألف معنى عن محوا آية الظَّلامِ فما كا ... دوا ليمحون آية الصُّبح عنَّا /٦٢ ب/ وأنشدني أبو علي الحسن بن حمزة بن حمدون التغلبي الموصليُّ بها –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني يحيى بن يحيى بن القويضي لنفسه في غلام دَّبت على خدِّه عقرب: [من الكامل] نظروا على الخدِّ المورَّد عقربًا ... فلقتلتها أبتدروا مخافة لدغه لا تعجبوا من سعيها فلرَّبما ... قصدت زيارة أختها من صدغه وأنشدني، قال: أنشدني ابن القويضي الأسعرديُّ لنفسه من أبيات طويلة: [من الطويل] بعهدك إني يا منى النَّفس واثق ... وحتى اللِّقا قلب المتيَّم شائق مقيمٌ على حفظ المودَّة موقنٌ ... بأنَّك لي نعم الحبيب الموافق وأنَّ الوفا بين الأصاحب خلَّةٌ ... محبَّبةٌ فيما تراه الأصادق /٦٣ أ/ وإنِّي لمحزون الفؤاد ووالهٌ ... وراض بما ترضى وصبٌ وعاشقٌ صبورٌ قنوع مستهام متيم ... عليك ولي قلب من الشَّوق خافق ومنها: بديع جمال واعتدال كأنَّما ... لشمس الضُّحى من وجنتيك المشارق تفرَّدت بالحسن الَّذي ما استحقَّه ... سواك وحقَّت بالصِّفات الحقائق وقال يمدح المولى الصاحب الكبير المنعم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني –أدام الله سعادته وبلَّغه أمنيته بمحمدٍ وآله وصحبه أجمعين: [من الكامل]

стр. 2525

ما بال رسمك أيُّها الطَّللُ ... مثل وذكرك بيننا مثل هل عند أهليك الَّذين نأوا ... عليم بمن لك بعدهم يسل وقف الغرام بنا وما وقفوا ... وأقام فينا الوجد وارتحلوا وتحمَّلوا فحملت بينهم ... فسقوا ولا سقيت لهم إبل /٦٣ ب/ فلانت تقري النازلين أسى ... أبدًا فشكرك أدمعٌ هطل سيَّان عندك من ونى ونأى ... بل إنَّما الأطلال تنتحل وعلى الرَّكائب من بني ثُعَلٍ ... قمر بكحل السِّحر مكتحل سرقت من الأتراك مقلته ... فتكًا فهنَّ خوادع قتل ومن الغصون الهيف قامته ... لينًا فدان لقدِّه الأسل ومن الدُّجى الوحفيِّ طرَّته ... لونًا فهنَّ غدائر جثل ومن أبتسام الصُّبح غرَّته ... نورًا ففيها الحسن يشتعل خضل النَّبات تظنُّه غصنًا ... غضُّ الشَّباب كأنَّه ثمل لبس الحياء على بضاضته ... فهو النَّسيم وثوبه الخجل يمشي فيعثر بالعيون حيًا ... ممَّا تحدِّث نحوه المقل لي في رضاه وسخطه عجب ... للأمن في هذا وذا الوجل وبهجره وبوصله عجبٌ ... الصَّاب في هذا وذا العسل هذا نبيُّ الحسن آيته ... بخلاف ما جاءت به الرُّسل يدعو القلوب إلى محبَّته ... بالحسن وهو الغيُّ والخطل /٦٤ أ/ فالسُّقم ما قد سنَّ وافترضت ... ألحاظه لا العلم والعمل إن كان ذا فتن الأنام فقد ... فتن الجهالة قبله هبل لله ليلة زار مستترًا ... تحت الدُّجى واللَّيل منسدل حيَّا فكدت من السُّرور به ... أقضي وإن لم يُقض لي أجل فظللت والمحبوب في شغل ... ليلي وعند عواذلي شغل أسقى على خدَّيه ريقته ... ونديمي التجميش والقبل ولكنت ظمآنًا إلى فمه ... وأعلَّني فتداوت العلل حتَّى تبدَّا الصبح تحسبه ... وجه المؤيَّد أمَّه النزل
следующие страницы →