Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
ولما نهتنا العاذلات عن الهوى ... وقلنا أطع ما النَّاصحات أوامر
رجعن بغيض لا تغيض عيونه ... وهن خواس لم يطعن خواسر
وكيف التَّسلِّي عن غوال غوالبٍ ... هواهنَّ لي عمَّا يحاولن زاجر
رعابيب تبدو في الدُّجى ببراقعٍ ... فتخجل أقمار السَّماء السَّوافر
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
راحت على حلب الفيحاء تسقيها ... سحائبٌ مستهلَّاتٌ تروِّيها
حتَّى تسربلها من نبتها حللًا ... خضرًا تزخرف دانيها وقاصيها
فلست أنسى لياليها الَّتي سلفت ... ولا الزَّمان الَّذي قضَّيته فيها
أيَّام ارفل في أكنافها مرحًا ... نشوان ذا عيشة رَقًّت حواشيها
أمسي وأصبح مسرور الفؤاد بها ... مترَّفًا وافر اللَّذَّاتِ وافيها
/٦٠ أ/ وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
كنت أمشي مشي البعير إذا ما ... أنا حرَّكت ماشيًا أفخاذي
صرت أمشي مشي الأسير بقيديـ ... ـن إذا ما خطوت في ثقل حاذي
واللَّيالي إذا توالت على الفو ... لاذ فلَّت مضارب الفولاذ
وأنشدني قوله أيضًا: [من الكامل]
بعد القريب عليَّ حتَّى إنَّني ... قد صرت آخذ ما دنا بمراحل
فإذا نهضت نهضت نهضة عاجز ... متساند متساقط متحامل
وإذا تكلَّفت المسير تفصَّلت ... بالشيء في قطع اليسير مفاصلي
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
إذا أنت فاوضت الأحاديث صاحبًا ... وحقَّقت منه أنَّه ما تمعناها
فتلك أحاديثٌ تيقَّن بأنَّها ... لغفلته عن لفظه مات معناها
وأنشدني من شعره: [من السريع]
سئلت عن من جئته قاصدًا ... منه عطاياه فما نلتها
فقال ما أعطاك إذ جئته ... قلت يدٌ مدَّت فقبَّلتها
/٦٠ ب/ وأنشدني من مقطَّعاته: [من الوافر]
стр. 2522
يحدِّثني بما لا أشتهيه ... ويلكزني لأسمع ما يقول
ويزعم أنَّ ذلك منه فضل ... وذلك كله منه فضول
[٩٤٥]
يحيى بن يحيى بن محمَّد بن عمر بن أبي الخير، أبو زكريا [الأسديُّ] الأسعرديُّ المعروف بابن القويضيِّ.
رجل يتعاطى صنعة النظم والنثر، ويمدح الناس.
أنشدني من شعره الشيخ الحافظ صدرُ الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكريُّ الدمشقي بها بمنزله في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه بأسعرد يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : [من الطويل]
أرحها فما أبقى الذَّميل لها صبرا ... وما ترك الآساد من دمعها سرّا
وحسبك منها لو عقلت وكونها ... أنيخت هلالًا بعد ما ثوَّرت بدرا
لها في الفلا ما للفلا في جسومها ... من السَّير إن شبرًا فمن جلدها شبرا
ألم ترها مثل السَّفائن عوَّمًا ... ببحر من الأمراء لا يشبه البحرا
/١٦١ أ/ رعت عامها بين العذيب وبابل ... وعاد رعاها بين توضح فالمقرا
وما ذاك إلَّا أنَّ عزمي وهمَّتي ... تحمِّلها فوق السُّرى والوجى إصرا
لها سائقٌ مني ولي شائقٌ إلى ... معاهد لا أعطي لسلوانها صبرا
تهيِّجني الذَّكرى إليها صبابةً ... وأي غرام لا تهيِّجه الذِّكرى
وإنِّي إذا ما شمت برقة بارق ... وأعلام جمع والمعرَّف والجفرا
أذلت مصون الدَّمع حتَّى لقد غدت ... له قطراتٌ كدن أن تفضح القطرا
فيا حبُّ ما أدى على القرب والنَّوى ... ويا قلب ما أصبى ويا دمع ما أجرى
стр. 2523
إذا ما تبطَّنَّا المحصَّب من منى ... ووادي منى والبان والطَّلح والسِّدرا
وأعلام سلع والحجيج ثباثبا ... تراهم بها شعثًا نواصيهم غبرا
وقد ملئت تلك الأباطح والرُّبى ... من النَّاس كلٌّ يطلب العفو والأجرا
فمن مدرك سؤالًا ومن بالغ منى ... ومن حامل أجرًا ومن واضع وزرا
أجلُّ المطايا أن أقول لها لعًا ... وأكبرها من أن أدوس لها ظهرا
وعندي لها إن بلَّغتني محمَّدًا ... أقبل أيديها وأرجلها شكرا
" ﷺ ".
/٦١ ب/ جزاءً على إسادها وذميلها ... لها منِّي الحسنى وعندي لها البُشرى
إليك رسول [الله] أمَّت ولم أزل ... أناشدها نظمًا وأدعو لها نثرا
إلى هاشميٍّ لم يكن قبل بعثه ... ليعرف ما الإسلام يومًا ولا يدري
إلى خير هاد من تهامة لم يكن ... بفظً ولكن راحمًا بالورى برَّا
وخير نبيٍّ أنذر الناس للهدى ... وجاهد حتَّى عاد ليل الهدى فجرا
نبيٌّ رقى من قاب قوسين موضعًا ... تعالى فرسل الله تلحظه شزرا
وفاقًا وهديًا أصلح الناس بعدما ... تولوا وكلٌّ منهم بالغٌ أمرا
فهذا السِّراط المستقيم إلى الهدى ... وهذا الهدى ما إن ترى دونه سترا
وهذا الَّذي لولاه ما قيل حيعلا ... ولا طافت الحجَّاج بالكعبة الغرَّا
وهذا الَّذي عطَّى البسيط ذكره ... فالاؤه تتلى وأنعمه تترى
وهذا محلُّ الوحي بل مستقرُّه ... وموضع سرِّ الله والآية الكبرى
أخو الغزوات البيض والمعجز الَّذي ... به ألَّف الإسلام إذ شتَّت الكفرا
وقف راكعًا واستجد وقل عن عقيدة ... عليك سلام الله أنشده الدَّهرا
سلامٌ كنشر المسك بات يضوعه النَّـ ... ـسيم فيطويه وينشره ونشرا
/٦٢ أ/ يخصُّ الحجاب الهاشمي فإنه ... أجلُّ الورى جاهًا وأعلاهم قدرا
وما قلتها إلَّا لأبغي بقولها ... شفاعته لم أبغ ورقًا ولا تبرا
وغني امرؤٌ شرَّفت شعري بمدح ... وما كنت قبل اليوم أعدله شعرا
وأنشدني، قال: أنشدني له ما كتبه إلى بعض كبراء الناس وقد فُصِدَ:
[من البسيط]
стр. 2524
مددت للفصد كفًّا قطُّ ما عرفت ... ضمًّا بل الفتح مقرون بأنعمها
جاءت فلم تبق خلقًا لم تنله ندى ... إلا الثَّرى فسقته الفصد من دمها
فاتت بك الغيث في جودٍ وفي كرمٍ ... فأكرم بأسمحها كفًّا وأكرمها
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في غلام قطع شعره: [من الخفيف]
قطعوا شعره لتنقيص حسنٍ ... حسدًا منهم فزادوه حسنا
قصدوا أن يغيِّروا منه معنى ... فأرادوا بقطعه ألف معنى
عن محوا آية الظَّلامِ فما كا ... دوا ليمحون آية الصُّبح عنَّا
/٦٢ ب/ وأنشدني أبو علي الحسن بن حمزة بن حمدون التغلبي الموصليُّ بها –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني يحيى بن يحيى بن القويضي لنفسه في غلام دَّبت على خدِّه عقرب: [من الكامل]
نظروا على الخدِّ المورَّد عقربًا ... فلقتلتها أبتدروا مخافة لدغه
لا تعجبوا من سعيها فلرَّبما ... قصدت زيارة أختها من صدغه
وأنشدني، قال: أنشدني ابن القويضي الأسعرديُّ لنفسه من أبيات طويلة:
[من الطويل]
بعهدك إني يا منى النَّفس واثق ... وحتى اللِّقا قلب المتيَّم شائق
مقيمٌ على حفظ المودَّة موقنٌ ... بأنَّك لي نعم الحبيب الموافق
وأنَّ الوفا بين الأصاحب خلَّةٌ ... محبَّبةٌ فيما تراه الأصادق
/٦٣ أ/ وإنِّي لمحزون الفؤاد ووالهٌ ... وراض بما ترضى وصبٌ وعاشقٌ
صبورٌ قنوع مستهام متيم ... عليك ولي قلب من الشَّوق خافق
ومنها:
بديع جمال واعتدال كأنَّما ... لشمس الضُّحى من وجنتيك المشارق
تفرَّدت بالحسن الَّذي ما استحقَّه ... سواك وحقَّت بالصِّفات الحقائق
وقال يمدح المولى الصاحب الكبير المنعم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني –أدام الله سعادته وبلَّغه أمنيته بمحمدٍ وآله وصحبه أجمعين: [من الكامل]
стр. 2525
ما بال رسمك أيُّها الطَّللُ ... مثل وذكرك بيننا مثل
هل عند أهليك الَّذين نأوا ... عليم بمن لك بعدهم يسل
وقف الغرام بنا وما وقفوا ... وأقام فينا الوجد وارتحلوا
وتحمَّلوا فحملت بينهم ... فسقوا ولا سقيت لهم إبل
/٦٣ ب/ فلانت تقري النازلين أسى ... أبدًا فشكرك أدمعٌ هطل
سيَّان عندك من ونى ونأى ... بل إنَّما الأطلال تنتحل
وعلى الرَّكائب من بني ثُعَلٍ ... قمر بكحل السِّحر مكتحل
سرقت من الأتراك مقلته ... فتكًا فهنَّ خوادع قتل
ومن الغصون الهيف قامته ... لينًا فدان لقدِّه الأسل
ومن الدُّجى الوحفيِّ طرَّته ... لونًا فهنَّ غدائر جثل
ومن أبتسام الصُّبح غرَّته ... نورًا ففيها الحسن يشتعل
خضل النَّبات تظنُّه غصنًا ... غضُّ الشَّباب كأنَّه ثمل
لبس الحياء على بضاضته ... فهو النَّسيم وثوبه الخجل
يمشي فيعثر بالعيون حيًا ... ممَّا تحدِّث نحوه المقل
لي في رضاه وسخطه عجب ... للأمن في هذا وذا الوجل
وبهجره وبوصله عجبٌ ... الصَّاب في هذا وذا العسل
هذا نبيُّ الحسن آيته ... بخلاف ما جاءت به الرُّسل
يدعو القلوب إلى محبَّته ... بالحسن وهو الغيُّ والخطل
/٦٤ أ/ فالسُّقم ما قد سنَّ وافترضت ... ألحاظه لا العلم والعمل
إن كان ذا فتن الأنام فقد ... فتن الجهالة قبله هبل
لله ليلة زار مستترًا ... تحت الدُّجى واللَّيل منسدل
حيَّا فكدت من السُّرور به ... أقضي وإن لم يُقض لي أجل
فظللت والمحبوب في شغل ... ليلي وعند عواذلي شغل
أسقى على خدَّيه ريقته ... ونديمي التجميش والقبل
ولكنت ظمآنًا إلى فمه ... وأعلَّني فتداوت العلل
حتَّى تبدَّا الصبح تحسبه ... وجه المؤيَّد أمَّه النزل
стр. 2526
الصَّاحب المجبول من خلل ... تبقى وتبلى دونها الجبل
من باذل لا الفقر يحرجه ... أن يستفزَّ سخاءه العذل
تسمو العيون به إلى رجل ... في راحتيه العارض الهطل
لو قيس بالأعراب في كرم ... يومًا لما فضلوا ولا نضلوا
متيقِّظٌ للجود لا نعسٌ ... فيه لمكرمة ولا كسل
متقلِّدٌ بنجاد سلطنة ... غرَّاء دانت دونها الدُّول
/٦٤ ب/ نيطت بحقويه الأمور فمًا ... عنه لأمر في الورى حول
وجرت بأمر الله حين جرت ... أقلامه في الأرض تمتثل
فالرِّزق ما قطعته منقطعٌ ... والرِّزق ما وصلته متَّصل
والناس إثنان لديه فذا ... عللٌ تعطِّله وذا حلل
يزهو اليراع بكفِّه شرفًا ... فله على سمر القنا طول
وينوب فيما ناب عن لجب ... فيه الصواهل والقنا الذُّبل
العيش في أيامه رغدٌ ... لا ورده رنقٌ ولا محل
وهناك ماء الجود منسبل ... للواردين وفعلهم نهل
والسعد والإقبال قد جمعا ... حيث الوزير وظلُّه خضل
والأمن في يمناه منبسط ... واليسر في يسراه والخول
وفصاحةٌ ما حازها مدحٌر ... وصباحةٌ لم يحوها غزل
ما عن محبَّته لخادمه ... ومحبِّه عوضٌ ولا بدل
وإليه دون النَّاس يحملني ... حبِّي له والأينق الذُّلل
شعري وسيرته ونائله ... بلغوا الَّذي ما ناله زحل
/٦٥ أ/ فمفوَّض الأفواه إن رحلوا ... ومعرّس الأسماع إن نزلوا
والمدح يطويه وينشره ... عنِّي وعنه السَّهل والجل
إن غبت عنه فإنَّني رجلٌ ... بثناه مرتجزٌ ومرتجل
وقال يتغَّزل: [من الكامل]
ما عذر عينك في المحبِّ المغرم ... قتلته لمَّا إن رمته بأسهم
كم بات من كيد العداة مسلَّمًا ... ومن العيون النُّجل غير مسلَّم
стр. 2527
ومحكَّم الألحاظ ما لأسيرها ... من منقذ منها ولا مستعصم
قلبي تصيَّدني هواه ومن رأى ... ظبيًا به خفرٌ يصيد لضيغم
فرمٌ على فلك العذار مداره ... وسراره في قلب كلِّ متيَّم
ريَّان من ماء الشَّباب يهزُّه ... مرح الصِّبا وفؤاد عاشقه ظمي
يلقاك من لحظاته وقوامه ... بمثَّف لدن القوام ومخذم
ومحاربًا لمسالم ومقاطعًا ... لمواصل ومقوِّضًا لمخيِّم
والصُّدع بين مسلم ومزرفن ... والخدُّ بين مضرَّج ومنمنم
وعليل ناظره سليم الصدغ لا ... ينفك يعقد عقربًا في أرقم
/٦٥ ب/ رقَّت حواشي وجنتيه فخذه ... غرض لسهم النَّاظر المتوسِّم
لم أدر ما بخدوده من حمرة ... هو من جنيِّ الورد أو هو من دمي
في خدِّه إن أنكرت لحاظاته ... سل عن دمي ما فوقه من عندم
أنا فيه مغرى بالصَّبابة مغرم ... وهو الفتى مغرى بقتل المغرم
ما فات من زمن العذيب وبارقٍ ... لي منه بين رضابه والمبسم
وقال أيضًا: [من البسيط]
قل للغصون استعيري من معاطفه ... وللشموس استنيري من سوالفه
وللندامى ذروا ما في الزجاجة من ... صرف المدام إلى ما في مراشفه
بدرٌ بوادر دمعي فيه ما تركت ... للغيث سحًّا وسكبًا من مذارفه
مشغول بالمرح المثني معاطفه ... عنِّي لما أترجَّى من عواطفه
فعوِّذوا خصره من كلِّ ناظرةٍ ... فقد تحمَّل ثقلًا من روادفه
[٩٤٦]
يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمَّر بن عبد السلام، أبو محمد بن أبي الفضل الأنصاريُّ.
стр. 2528
من أهل صرصر قرية مشهورة من قرى /٦٦ أ/ العراق المعروف بابن الزريرانيِّ.
كان رجلًا ضريرًا فقيهًا حنبليًا خطيبًا صوفيًا قارئًا شاعرًا مقتدرًا على النظم وإنشائه من أهل الخير والصلاح والفضل والأدب، ونظم كتاب الخرقي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵁ شعرًا، وسمَّاه "الدُّرَّة اليتيمة في الحجة المستقيمة".
أنشدني أبو نصر محمد بن أبي طاهر بن شجاع الهاشمي البغدادي بها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ أبو محمد يحيى بن يوسف بن منصور الأنصاري لنفسه: [من الكامل]
جفني وقلبي مطلقٌ وأسير ... فلذاك مطويُّ الهوى منشور
أخفيه وهو يفيض دمعي ظاهرًا ... فدموع عيني للوشاة ظهير
وإذا الحبيب أدى فتوج وعده ... بزيارة وأميط عنه الزُّور
[أخفى زيارته مخافة كاشح ... فأبان عنه المسك والكافور]
ولقد فرقت من الفراق فلم يكن ... من جوره لي في الأنام مجير
/٦٦ ب/ وأشد ما لاقيت يوم تحمَّلوا ... أنِّي بنجد والرِّكاب تغور
والله لا اشتكت الضَّلال ركابهم ... وهم نجومٌ في الدُّجى وبدور
стр. 2529
ولها الأمان وهل تخاف قلائص ... من دونها خفر الحسان خفير
وأنشدني أبو المكارم فتيان بن محمد بن فتيان بن سمنيَّة الجوهري الموصلي بها، قال: أنشدني أبو محمد يحيى بن يوسف بن يحيى الضرير الصرصري الأنصاري لنفسه: [من الطويل]
إليك رسول الله مبتهلًا أشكو ... أذى زمن فينا لصارمه بتك
ومشكل أمر لا أرى من يحلُّه ... وشدَّ وثاق ما لنا منه مفتكُّ
وعدت رسول الله أنا سنبتلى ... بطائفة تأتي يقال لها التُّرك
ذكرت سياقات ثلاثًا لجمعنا ... وجمعهم في كلِّهنَّ لنا الفتك
وبشَّرتنا أنَّا باخر مرَّة ... سنصطلم القوم اصطلامًا له عرك
فما بالنا فينا ارتياعٌ وذلَّةٌ ... وأنت لنا عزٌّ يذُّل به الشِّرك
/٦٧ أ/ ووعدك وعدٌ صادقٌ متيقنٌ ... ترفَّع قدرًا أن يلمَّ به شك
وما ذاك إلا أن فينا تخلفًا ... عن الله مخشيًا علينا به الهلك
فلو أننا تبنا إلى الله توبةً ... نصوحًا لزال الهمُّ وارتفع اللَّبك
وإلَّا فمما نحن نهمل أمره ... فما هو إلَّا الخوف والعيشة الضَّنك
فيس لتقوى الله صونٌ لمتق ... ولا لمعاصيه وإن سترت هتك
فمن مبلغ عنِّي الإمام رسالة ... رسالة صدق لا يخالطها إفك
أبا جعفر يا ابن الذين سمت بهم ... إلى المجد أعراقٌ مطهَّرةٌ تزكو
رعاك كالعقد النَّظيم وسلكها ... حفاظًا لئن أهملتها انقطع السِّلك
وقد ملئوا رعبًا وضاقت صدورهم ... لبطئك عن أمر يليق به الوشك
فتنت قلوب المسلمين بنهضة ... تزول بها عنَّا الكآبة والوعك
وألق العدا في لجِّ بحر من الوغى ... لجيحون مرساه وساحله الكشك
وأرسل إليهم من رماحك والظُّبا ... سحابًا متى تضحك بوائقه يبكو
ولا تقتنع إلا بسفك دمائهم ... فإنَّ دماء الناس يحقنها السَّفك
ولا ترج دفع الشَّر منهم بلينة ... ولكن بأغلاظ لهم ليس ينفكُّ
/٦٧ ب/ فما خبثٌ إلَّا وليس يزيله ... ويذهبه إلَّا لظى النَّار والسَّبك
وكن واثقًا بالنَّصر فالوعد مخبرٌ ... بذلك وعدٌ لا يبهر جه الحكُّ
وبيتك بيتٌ لا يزال مؤيَّدًا ... ينصر الَّذي تجري بقدرته الفلك
стр. 2530
ومن دون ما تبغي العداة زعازعٌ ... تزول لها شُمُّ الجبال وتندكُّ
فكن ناصرًا لله ينصرك واعتصم ... بحبل التُّقى تسلم ويسمل لك الملك
وأنشدني، قال: أنشدني أبو محمد يحيى بن يوسف لنفسه: [من الطويل]
يقول عبيد الله يحيى بن يوسف الـ ... ـفقير إلى إنعام أكرم رزَّاق
رأيت رسول الله في النَّوم مرَّةً ... فقبَّلت فاه العذب تقبيل مشتاق
ولو أنني أوتيت رشدي نائمًا ... لقبَّلت ممشاه الشريف باماقي
فبشَّرني منه بأزكى شهادة ... بها جبر كسري يوم فقري وإملاقي
بموت سعيد في كتاب وسُنَّةً ... فبانت لبشراه شراسةُ أخلاقي
وها إنني والحمد لله وحده ... مقرٌّ لبشراه بأثبت مصداق
بأنِّي على حسن اعتقاد ابن حنبل ... مقيمٌ ولو قام العدالي على ساق
/٦٨ أ/ أقرب بأن الله من فوق عرشه يقدِّر إجلالًا ويقضي بأرزاق
سميعٌ بصيرٌ ليس شيءٌ كمثله قديم الصِّفات الواحد الأحد الباقي
له من أحاديث الصفات كما أتت ... أتابع فيها كلَّ أزهر سبَّاق
ولست إلى التشبيه يومًا بجانح ... ولا قابل تأويل أشدق فهَّاق
ومن صفة الرَّحمان جلَّت صفاته ... كلامٌ قديم ذو ضياء وإشراق
هو الذِّكر والقرآن والمعجز الَّذي ... دهت منه قلب الخصم دهشة إفلاق
هو المنزل المسموع من لفظ قارئ ... وتنظره الأبصار باطن أوراق
وعند صدور الحافظين حقيقةً ... به في جنان الخلد عاملهم راقي
وليس بمخلوق وليس بمحدث ... على رغم ضلّال من الدِّن مرَّاق
بصوت وحرف نظم آيات ربِّنا ... بنقل ثقات في الرُّواية حذّاق
وهذا مقال ليس يناسغ ذوقه ... لذي شبه ضافي الخيانة مذَّاق
ومن يمتحن بالصَّوت والحرف منهم ... ترى النُّكر منه بين نزر وإطلاق
ومنكر هذا للعيان مكابر ... بباطل زور تابعٌ كلَّ نغَّاق
وفي كتاب الله القديمة كلِّها ... كذاك اعتقادي لا ألين لعتَّاق
/٦٨ ب/ وإيماننا قولٌ إلى عمل له ... مزيدٌ ونقصٌ في أمين وسرَّاق
ومالي من خير القضاء وشرِّه ... إلى الله أمضاه من الله من واقي
وأومن أن الله يوم معادنا ... يراه جميع المؤمنين بأحداق
وإني لأرجو أن أرى الله والَّذي ... يخالفني يحظى بحجبٍ وأطباق
стр. 2531
ولم ير في الدُّنيا بعينيه ربه ... سوى أحمد المختار رؤية إغراق
وإني بالميزان والحوض مؤمنٌ ... ليسقيني منه على ظمأ ساقي
وقد خلق الله الجنان لأهلها ... وللكافرين النَّار قدرة خلَّاق
وليس كبير الذَّنب مخلد مؤمن ... بنار وينجو بعد كرب وإحراق
ومعتقدي أن النَّبيَّ محمَّدًا ... نبوَّته بين الورى حكمها باقي
وأنَّ له يوم المعاد شفاعةً ... غياثًا لملهوف وفتحًا لإغلاق
وأبرأ من إضمار نقص لصحبه ... وأزواجه بل حبُّهم عقد ميثاقي
وأمسك عن ذكر الَّذي كان بينهم ... لأسلم من غسلٍّ يدنس أطواقي
أفاضل بالتَّرتيب بين مراتب ... لأربعة منهم إلى الخير سبَّاق
وإنِّي إذًا ما قلت إنِّي مؤمن ... حذار أفتتان مشفق أي إشفاق
/٦٩ أ/ فإني بالاستثناء بعد مقالتي ... ولا شكَّ لكن لا أقول بإطلاق
وإنِّي أرى مسحي على الخفِّ سنَّةً ... وإيجاب سعيي في الجهاد وإنفاقي
ولست وإن جار الإمام بخارج ... عليه بسيف باتك الحدِّ مخراق
فمن كان ذا داء يخامر قلبه ... ليحذ اعتقادي فهو أنفع درياق
ويتبع للآثار عن كلِّ ناقل ... بصير ولم يخلد إلى قول ورَّاق
فكم أفعوان في كلام مسقَّفً ... حواه كتاب ما لملسوعه راقي
ويحذر أرباب الكلام فداؤهم ... عضالٌ مزلٌّ مزلقٌ أيَّ إزلاق
لقد نقضوا أركان دين محمَّد ... فحكمهم أن يضربوا فوق أعناق
ولولا المحامون القليلون غودرت ... شريعتنا نهبًا لأهواء فسَّاق
رعى الله أصحاب الحديث بحفظه ... فكم قد نفوا من وضع زور وإلحاق
محبة أصحاب الحديث علامةٌ ... لإيمان ثبت ثاقب الفهم ذوَّاق
وبغضهم وسمٌ لكم ضلالة ... على وجه رواغ عن الرُّشد مقلاق
هم مقتفو الآثار لا يعتدونها ... إلى رأي سوء باطل الحكم زوَّاق
هم السادة الغرُّ الميامين حبُّهم ... يبين للقافين أحسن أخلاق
/٦٩ ب/ وميِّتهم يشقى ... بقبره ... سقوا تربهم روح الرِّضا كلَّ دفَّاق
وأشعاره كثيرة والذي ذكرناه منها فيه كفاية.
стр. 2532
/٧٠ أ/ ... ذكر من اسمه يعقوب
[٩٤٧]
يعقوب بن سنقر بن عبد الله، أبو يوسف التركيُّ الإربليُّ.
ذكره الصاحب الوزير العالم أبو البركات المستوفي -رحمه الله تعالى- في كتابه، وقال: كن أولاد مماليك الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين ﵁ وكان أبو سنقر يلقَّب بالمعتمد.
ويعقوب ولده هذا: صبيٌّ ذكيّ له طبع صحيح في الشعر، غير أنَّه في أكثر شعره لا بل في أقلّه لا يكاد يقيم الإعراب والوزن؛ له أشعار كثيرة. وكان له مع صغره منزلةٌ من الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي لم يعرف قدرها فيشكرها. وكان لا يواظب على خدمة بابه فحبسه مرارًا فلم يستقم فأخرجه وسافر إلى الموصل مرارًا فأقام فيها في درب المطربين بين لهوٍ وقصف، وشرب وغرف. يخرج من دار هذه إلى دار أختها.
ثم خرج عن الموصل فهو الآن بخلاف على ما كان عليه /٧٠ ب/ بالموصل. وقال الشعر صغيرًا وكثر منه.
ثم قال: وأنشدني لنفسه بالموصل في سنة ستٍّ وتسعين وخمسمائة، وحلَّفته بالله أنَّها له فحلف على ذلك: [من الخفيف]
معشر الفاسقين إن حكم الصًّو ... م عليكم فلا تطيعوه أمرا
قصروا ليله بلهوٍ وعزف ... واستماع القيان سرًّا وجهرا
وإذا ما جرحتم الصوم بالبو ... سِ تداووا بمرهم النَّيك سرًا
وأنشدني -رحمه الله تعالى- قال: أنشدني يعقوب بن سنقر لنفسه:
[من الكامل]
طافت عليك وخصرها معقود ... هيفاء فاتنةُ الشَّمائل رود
بمدامة صاغ المزاج لرأسها ... تاجًا عليه من الحباب عقود
стр. 2533
بالغ بها ما تقتني وتجاف أن ... يلهيك عن تحصيلها تفنيد
واعدل إليَّ بكأسها في روضة ... للطير في أغصانها تغريد
مصقولة رقم الرَّبيع طرازها ... بيد الحيا فجمانها منضود
ورياضها مخضلَّةٌ وغصونها ... سكرى وظلُّ رواقها ممدود
/١٧١ أ/ وأقاحها بهج النَّبات وللحيا ... بالسُّحب في خدِّ الثرى أخدود
وكأنَّ ما وشَّته صنعاء الحيا ... حبرٌ لها زهر الرِّياض برود
واللَّيل معتلُّ النَّسيم سقيمه ... والسُّحب تبخل تارةً وتجود
وترى الثُّريَّا في السَّماءَ كأنَّها ... لمَّا هوت لغروبها عنقود
والبدر خفَّ به النُّجوم كأنَّه ... قاضٍ يؤمُّ بهم وهنَّ شهود
وأنشدني، قال: أنشدني يعقوب بن سنقر التركي الإربلي لنفسه. وكان في السجن وقد بلغه قدوم أخيه يوسف: [من البسيط]
إن كان يعقوب أضحى بعد عشوته ... يا صاحبيَّ بصيرًا كالَّذي زعموا
فإنَّني حين وافاني البشير بهم ... قد كنت ميتًا فأحياني بشيرهم
وأنشدني أبو حامد سليمان بن جبرائيل بن محمد بن منعة الفقيه الشافعي الإربليّ بها –من لفظه وحفظه. /٧١ ب/ قال: أنشدني أبو يوسف يعقوب بن سنقر في قاضي إربل: [من الكامل]
يا قاضيًا سنَّ الضَّما ... نَ لقد أسأت إلى الشَّريعة
لم لا تخاف من الإلـ ... ـه كما تخاف من الرَّفيعة
[٩٤٨]
يعقوب بن شجاع بن عليِّ بن إبراهيم بن محمَّد بن أبي زهران، أبو شجاعٍ الموصليَّ.
وقد مر شعر والده.
стр. 2534
أخبرني أنَّه ولد ليلة الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالموصل. وتوفي بها جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة –رحمه الله تعالى-.
كان شابًا حسنًا من حفّاظ القرآن العزيز والمتفقهة، وقرأ من النحو صدرًا صالحًا. وكان من أهل التدين والخير، وينظم الأبيات من الشعر.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى نقيب العلويين مُحيي الدين أبي طاهر محمد بن حيدر بن محمد بن زيد بن عبيد الله الحسيني العلوي الموصلي –رحمه الله تعالى-:
[من الوافر]
/٧٢ أ/ أيا مولاي محيي الدِّين بادر ... إلى الوعد الكريم بلا فتور
فلست أفي بشكر نداك عفوًا ... ولو عمِّرت إعمار النسور
وأنت ذخيرتي ما دمت حيًا ... وإنك عدَّتي يوم النشور
وأنشدني لنفسه أيضًا ما كتبه إليه: [من مجزوء الرمل]
قلت لمَّا رَقَّ حالي ... وجفاني من أوالي
ورماني الدَّهر قصدًا ... بسهام ونبال
ودعتني رقَّةُ الحا ... ل إلى ذُلِّ السُّؤال
لست إلَّا مستجيرًا ... بك يا ربَّ المعالي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
صروف هذا الدَّهر قد صوَّبت ... سهامها نحوي فلم أجزع
لأنني معتمدٌ أن سطت ... على إمام بطل أنزع
الفارس الكرَّار يوم الوغى ... وصاحب الغوث إذا ما دعي
جدِّك يا محيي دين الهدى ... وحامل الرَّاية في المجمع
[يا من إذا ما جئته راغبًا ... رجعت والدُّنيا جميعًا معي]
стр. 2535
[٩٤٩]
يعقوب بن صابر بن بركات بن عمّار بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن حوثرة، أبو يوسف القرشيُّ، البغدادي المولد والمنشأ، الحرَّانيُّ الأصل، المنجنيقيُّ.
كانت ولادته –فيما أخبرني من لفظه- يوم الإثنين رابع المحرم سنة أربع وخمسين وخمسمائة. وتوفي ببغداد يوم الخميس بُعيد العصر السابق والعشرين من صفر سنة ستٍّ وعشرين وستمائة، ودفن يوم الجمعة غربيها بمقبرة الجديدة بباب المشهد المعروف بمشهد الإمام موسى بن جعفر –﵉.
كان جنديًا في ابتداء أمره مقدَّمًا على المنجنيقيين بمدينة السلام، ولم يزل مغرى بآداب السيف والقلم، وصناعة السلاح والرياضة. وغلب عليه اسمُ الجنديَّة واسم المنجنيقيَّة؛ لكون المنجنيق أعظم السلاح، واشتهر بهذه الفنون.
ولم يلحقه أحدٌ من أبناء زمانه في درايته وفهمه وحذقه لذلك. وأراني /٧٣ أ/ كتابًا من تصنيفية. ترجمه بكتاب "عمدةُ المالك في سياسة الممالك" لم يتممه؛ وهو بديع في معناه، يتضمَّن أحوال الحروب وتعبئتها، وفتح الثغور، وبناء المعاقل وأحوال الفروسية والهندسة والصنائع والمصابرة والحصار، والمعاقل والأمصار، والرياضة الميدانية، والحيل الحربية، وأنواع العلاج بالسلاح، وعمل أداة الحرب والكفاح، وأحوال الخيل وصفتها. وقد قسَّم الكتاب ورتبه أبوابًا كُلّ باب يشتمل على فصول. وقد روى شيئًا من الحديث النبوي.
وكان اجتماعي بأبي يوسف ببغداد سنة أربع وعشرين وستمائة، فوجدته شيخا
стр. 2536
هشًا، مليحًا لطيفًا، فكهًا متواضعًا، طيِّب المحاورة، شريف النفس، ذا تودُّدٍ وبشرٍ وسكون.
وكان –مع ذلك- شاعرًا مجوِّدًا في وقته، صاحب معانٍ مبتكرة، وألفاظ متخيرة، يُقصِّدُ الشعر ويصنعه ويشبِّبُ به، ويصف ويمدح، ويتصرَّف تصرَّف الشعراء المتقدِّمين، /٧٣ ب/ ويذهب مذاهبهم في أقسام الشعر وأجناسه. وجمع من شعره كتابًا مختصرًا سمَّاهُ "مغاني المعاني".
ومدح الخلفاءَ فأحسن، وكانت له منزلةٌ لطيفة من الإمام الناصر لدين الله –رضوان الله عليه-.
ومما أنشدني –من لفظه وحفظه- وأملاه عليّ في غلام يسبح بدجلة وفي وسطه تبَّان أزرق: [من الكامل]
يا للرجال شكايتي من شكوة ... أضحت تعانق من أحب وأعشق
حملت هوى كواي فهي بوصلة ... تقفو ويبكيني الغرام فأغرق
ويغيرني التَّبان عند عناقه ... أردافه فهو العدوُّ الأزرق
وأنشدني لنفسه في إنسان يُلقَّبُ الشمس وأبو يوسف كان يلقب بالنجم، فقال في ذلك وأحسن: [من الخفيف]
لقَّبوني بالنَّجم جهلًا كما بالشَّـ ... ـس قد لقَّبوك من غير علم
فالَّذي يستضي بنورك يا شمـ ... ـس كمن يهتدي السَّبيل بنجمي
/٧٤ أ/ في ظلام هذا وذا في ضلالٍ ... فكلانا كاسمٍ على غير جسم
وأنشدني لنفسه في الوزير نصير الدين أبي منصور ناصر بن مهدي العلويّ وكان يتقلَّد –يومئذ للناصر لدين الله أحمد- الوزارة: [من الطويلي
خليليَّ قولا للخليفة أحمد ... توقَّ وقاك الله ما أنت صانع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... صنيعك يا خير البريَّة ضائع
стр. 2537
لئن كان حقًا من سلالة حيدر ... فهذا وزيرٌ في الخلافة طامع
وإن كان فيما يدَّعي غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه الصنائع
وحدَّثني، قال: خرجتُ إلى المحوَّل ونزلت بمستنزه عند صديق كنت آنس به وله غلامان أحدهما يلقب بالكوسج والآخر بالعوسج.
/٧٤ ب/ قال: فرأيت منهما جفاءً وأذى، فلما انفصلت عنه ومضيت إلى منزلي وانقطعت عنه مدَّةً فأنفذ إليّ يستوحش لي ويحرضني على المضيّ إليه، فكتبت إليه أعاتبه بهذين البيتين: [من المتقارب]
جنانك يانعةٌ بالثِّمار ... ولكن ينغِّصها العوسج
وبحر أياديك غمر النَّوال ... ولكن يكدِّره الكوسج
وأنشدني من مقطعاته الغزلة الرقيقة: [من الكامل]
قبَّلت وجنته فمال بعطفه ... خجلًا وماس بقدِّه الميَّاس
فانهلَّ من خدَّيه فوق عذاره ... عرقٌ يحاكي الطَّلَّ فوق الآس
فكأنَّني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزَّفرات من أنفاسي
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
/٧٥ أ/ قلت لمَّا صدَّت فلانةُ عنِّي ... واصليني ولو بطيف الخيال
قالت الطَّيف فيه شبهة وصلٍ ... من حلالٍ ولم أكن لحلال
وأنشدني لنفسه حين لقبوه بالنجم: [من الوافر]
وكنت سمعت أنَّ الجنَّ عند أسـ ... ـتراق السَّمع تقذف بالنُّجوم
فلمَّا أن علوت وصرت نجمًا ... رجمت بكلِّ شيطان رجيم
فلا تعجب لذا واعجب لحظٍ ... يغيِّر حالة الوضع القديم
стр. 2538
وأنشدني قوله: [من الطويل]
كلفت بعلم المنجنيق فلم أزل ... أحث ركابي بين ناء وشاحط
وأقصد حيطان البلاد وهدمها ... ونهب نواحيها ووهي المرابط
وعدت إلى نظم القريض لشقوتي ... فلم أخل في الحالين من قصد حائط
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
لا تكن واثقًا بمن كظم الغيـ ... ـظَ اغتيالًا وخف غرار الغرور
فالظُّبا المرهفات اقطع ما كا ... نت إذا غاض ماؤها في الصُّدور
وأنشدني قوله في رجل يعرف /٧٥ ب/ بابن بشران. وكان كثير الأراجيف، فنهاه السلطان عن ذلك فانتقل وصار ينجّم، فقال أبو يوسف: [من الكامل]
إنَّ ابن بشران على علَّاته ... من خيفة السُّلطان صار منجِّما
طبع المشوم على الخلاف فلم يطق ... في الأرض إرجافًا فأرجف في السَّما
وقال أيضًا: [من المنسرح]
بدرٌ إذا ما استسرَّ اطلعه ... من الغروب اللُّجين والغرب
أشرق إذا أشرق النُّضار له ... فقلت ربِّي وربُّك الذَّهبُ
وقوله: [من المتقارب]
وجارية عبرت للطواف ... وعبرتها جزعًا تدمع
فقلت ادخلي البيت لا تجزعي ... ففيه الأمان لمن يجزع
سدانته لبني شيبة ... فقالت: ومن شيبة أفزع
وقال أيضًا: [من السريع]
قد لبس الصُّوف لترك الصَّفا ... مشايخ العصر للبس العصير
/٧٦ أ/ الرَّقص والشَّاهد من شانهم ... شرٌّ طويلٌ تحت ذيل قصير
стр. 2539
وقال يمدح الإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبا العباس أحمد بن الحسن –﵁: [من البسيط]
ماضي العزيمة إذ تنبو السُّيوف وقد ... تنبي معاصمه عن عاصمٍ حامي
في درعه ذكر بالذِّكر مدَّرعٌ ... في كفِّه ذكرٌ في ذكره نامي
ردَّ الرُّدينية السُّمر الطِّوال إلى ... الإقليم بالخطِّ من خط بأقلام
وذاد طولًا وعرضًا في تطوُّله ... من عرفه عارضٌ من سيبه هامي
يهمي به الهام والآجال جائلةٌ ... بحدِّ صمصامة في كفِّ صمصام
والبيض في البيض والأعناق معنقةٌ ... والسُّمر قد حطمت في كلِّ حطَّام
والقلب منقلبٌ منهم بميسرة ... مأسورة وجناح جانح دامي
فمنه إن أظلمت أرجاؤها قمرٌ ... جلا محياه عن ظلم وإظلام
القلب والطَّرف ظلَّا منزلين له ... والطرف والقلب في جهد وإيلام
/٧٦ ب/ ومن شعره أيضًا، وقد أنشد بيتين ذكروا إنهما للقاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني وهما: [من الخفيف]
ألقني في لظى فإن غيَّرتني ... فتيقَّن أن لست بالياقوت
شمل النسج كلَّ من جاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت
فعمل أبو يوسف في جوابها هذه الأبيات على الوزن والقافية: [من الخفيف]
أيها المدَّعي الفخار دع الفخـ ... ـر لذي الكبرياء والجبروت
نسج داود لم يفد ليلة الغا ... رِ وكان الفخار للعنكبوت
وكذاك النَّعام يبتلع الجمـ ... ـر وما الجمر للنَّعام بقوت
وبقاء السَّمند في لهب النَّا ... رِ مُزيلٌ فضيلة الياقوت
وقال في غلام زامر: [من السريع]
وزامر بات نديمًا لنا ... ما بين سكران ومخمور
تقتلنا الخمر ونحيا به ... كأنَّه ينفخ في الصور
стр. 2540
/٧٧ أ/ وقال في غلام لابس قباء أصفر: [من الخفيف]
قلت لمَّا بدا لنا في قباء ... أصفرٍ فاقع: لك الله واقي
عشقتك الثِّياب قال: أما تلـ ... ـحظها في ملابس العشَّاق
قلت: هل صفرةٌ تكون مع الوصـ ... ـل فقال: اصفرارها للفراق
وقال في غلام رآه يسرَّح شعره وقد علق مروده في خصلة من شعره والغلام يميل بوجهه إلى قبل أذنه ليخلص المرود: [من الخفيف].
علق القرط حين بلبل صدغيـ ... ـه بداجٍ من فرعه كالليَّالي
فرأينا الدُّجى وقد سحب البد ... رَ إليه من قرطه بهلال
وقال في غلام ثقيل الردف: [من مخلّع البسيط]
/٧٧ ب/ يقعده في النُّهوض ردفٌ ... قيامتي دونه تقوم
أفديه من مقعد مقيم ... عندي به المقعد المقيم
وقال في غلام سكران: [من المتقارب]
أتى ثملًا قد أضلَّ الطَّريقا ... يهزُّ من السُّكْر عطفًا رشيقا
وقد أخذت منه كأسُ المدام ... فجارت عليه صبوحًا غبوقا
وقد غزلت نشوةً مقلتاه ... فسلَّت من الجفن عضبًا ذليقا
وشقت سالفتيه السُّلاف ... فصيَّرت الورد منه شقيقا
وبلبل صدغا على عارض ... تشابه في الوصف مسكًا سحيقا
وقد أخجل الظَّبي لحظًا وجيدًا ... وأربى على الكأس ثغرًا وريقا
وقد أسدل اللَّيل جلبابه ... فأسبلت المزن غيثًا دفوقا
فقلت: هلمَّ إلى منزل ... تجدني عليك حنينًا شفيقا
وكنت جديرًا خليقًا به ... وكان بمثلي جديرًا خليقا
فبت أعاطيه كأس المدام ... وارشف من شفتيه الرَّحيقا
إلى أن تناشت له نشوةٌ ... سحيرًا أبى دونها أن يفيقا
/٧٨ أ/ فعرَّيته من جلابيبه ... فأشبه عريان غصنًا وريقا
والحفتة ثم جمَّشته ... وكان لديَّ أسيرًا طليقا
стр. 2541
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
وافى الرَّبيع بورده ... ووفى الحبيب بوعده
فأباحنا في وصله ... وأراحنا من صدِّه
فاشرب على الوردين من ... ورد الرياض وورده
من نرجس في طرفه ... وبنفسج في خدِّه
وأنظر إلى الغصنين من ... فدِّ الأراك وقدِّه
وإلى الأقاح وثغره ... وإلى النَّسيم وندِّه
وإلى المدام وريق فيـ ... ـه بخمره وبشهده
والجوُّ معتدل النَّسيـ ... ـم ببانه وبرنده
والطَّير تشدو في الغصو ... ن مع الصَّباح لوجده
والزَّهر قد لبس الصَّعيد ... غلائلًا في برده
فغدا به المنثور ينـ ... ـثر لؤلؤًا من عقده
/٧٨ ب/ أهلًا به زمن الحيا ... ة وبالحبيب وقصده
وبورده لو لم يكن ... عهد الحبيب كعهده
وقال أيضًا: [من السريع]
من حرَّم الورد على الوارد ... من ريق فيك العطر البارد
ورَّكب البدر على بانة ... تميسُ في حقف نقًا هامد
أخضر في أحمر في أبيض ... كالزَّهر في غصن به مائد
بمقلة في جفنها صارمٌ ... محكَّمٌ في مهجة الواجد
ووجنة حمرتها من دم ... تشهد بالقتل على الشَّاهد
يجحد قتلي وهو بي عارفٌ ... أفديه من معترف جاحد
يا راقد اللَّيل هنيئًا به ... ما السَّاهد الأجفان كالرَّاقد
إرث لباكي الجفن مستعبر ... حيران ساهي مقلة ساهد
واعجب لعين منه تبكي دمًا ... كيف جرى من مدمع جامد
هل لزمان الوصل من عودة ... يحيا بقرب الزَّائر العائد
وليلة جاد بها الدَّهر لي ... كم أخلف الوعد من الواعد
стр. 2542
/٧٩ أ/ بتُّ أعاطيه بها قهوةً ... تشرق كالدِّينار للناقد
مدامة بالغثت فيها ولم ... أصب إلى الطَّارف والتَّالد
وقال أيضًا: [من الكامل]
وافاك قبل تبلُّج الفجر ... ثمل اللِّحاظ مبلبل الشَّعر
سهران قد غزلت لواحظه ... فتكحَّلت بالغنج والسِّحر
نشوان مغتبقًا ومصطبحًا ... يختال في طيٍّ وفي نشر
متأوِّدُ العطفين من هيفٍ ... متجاذب الرِّدفين والخصر
قد كادت الصَّهباء تسلمه ... فيكون ما يدري ولا يدري
فتنرجست ألحاظ مقلته ... وتورَّدت خداه بالخمر
فتجشم التجميش من حذر ... وقضت عليه الكأس بالسُّكر
وزها بنفسج عارضيه على ... خدَّيه فوق شقائق حمر
وحكت ثناياه وريقته ... نور الأقاحي في ندى القطر
فكأنَّما علق الرَّبيع به ... فكساه جلبابًا من الزَّهر
وكأن ريحانا بعارضه ... المنظوم من شعراته الخضر
/٧٩ ب/ مددٌ نصرت على العذول به ... وأقام خطُّ عذاره عذري
امسى يعاطيني المدام ومن ... رشفات فيه وثغره سكري
فشربتها كالشَّمس من يده ... ولثمت منه مقبَّل البدر
فكأنَّها أهدت إلى فمه ... ما فيه من حبب ومن خمر
وكأنَّه منح المدامة ما ... في فيه من درٍّ ومن درِّ
فتضوَّعَت كالزَّهر من عبقٍ ... وتوقَّدت كالأنجم الزُّهر
نوريَّةٌ نوريَّةُ النَّشر ... دُرِّيَّة داريَّة العطر
فطلت فأضحت في زجاجتها ... شبحًا يجول بغامض الفكر
فتنكرت إذ لا مساس بها ... وتعرَّفت بالعرف والنُّكر
стр. 2543
[٩٥٠]
يعقوب بن عبد الله، أبو يوسف الرُّومي الأصل، الكنديُّ المولى، الدمشقيُّ المنشأ.
ذكره الوزير الصاحب أبو البركات المستوفي –﵁ في تاريخه، وقال: أبو يوسف الكندي يعقوب بن عبد الله عتاقة أبي اليُمن زيد بن الحسن بن زيد النحوي. كان يدعى قبل ذلك ياقوتًا فسمَّى /٨٠ أ/ نفسه يعقوب.
اشتغل على مولاه زيد بن الحسن الكندي وشهر به، ومنحه جُملةً من ماله كتبها باسمه.
شيخ طويل وافي الجُثَّة. ورد إربل رسولًا من الملك المعظَّم عيسى بن أبي بكر بن أيوب –صاحب دمشق- في يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة سنة عشرين وستمائة، فأقام الفقير إلى الله تعالى أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين بما يجب لمثله.
وكانت كتب إليَّ –قبل وروده بأيام قريبة- أبياتًا من شعره. كان فضله عليَّ فيها عظيمًا من غير معرفةٍ سابقةٍ.
سمع أبا الفرج عبد الرحمان بن علي بن الجوزي ومولاه أبا اليمن زيد بن الحسن النحوي وغيرهما، سمع عليه بدار الحديث المظفريَّة بإربل، وكان يحب ذلك.
قال: وحدَّثني من حضر جنازته، قال: توفي ببغداد في أواخر العشر الوسطى من رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بمقبرة أبي حنيفة –﵁. هذا آخر كلامه.
ومن شعره، وأنشدنيه الشيخ أبو الخير بدل التبريزي المحدّث، قال: أنشدني أبو يوسف لنفسه من قصيدة أوَّلها: [من الخفيف]
/٨٠ ب/ خلِّ عنها تغور غورًا ونجدًا ... واهجرن في المسير لبنى وسعدى
وصل الوخد بالذَّميل فما تد ... رِكُ سؤلًا ولا بسيرك وخدا
واحترز في مناسك الحجِّ واجعل ... فرضها وصلة إلى الله نقدا
стр. 2544
واقصد الكعبة الحرام وعفِّر ... بتراب المقام أنفًا وخدَّا
واعتمد في فعالك الحقَّ واخلص ... تجد الحقَّ قد أباحك خلدا
وأت قبر النبي خير نبيٍّ ... فهو أسنى قصدٍ وأحرى وأجدى
" ﷺ ".
أيُّها الرَّائحُ المُشَمِّر تحدوه ... ويحدو إثر الركائب وجدا
رحلت صحبه إلى الشَّام فاشتاق ... واخفى من الغرام وأبدى
هجر الأهل والأحبَّة لمَّا ... قصد الخالق الجواد الفردا
وترامى عن جلِّق وأتى الكسوة ... والدَّمع قد كسا الخدَّ خدا
حار لمَّا رأى معالم حورا ... ن وبصرى لمَّا تبصَّر رشدا
وسرى بعدها إلى المنهل الأز ... رق والشوق قد تزايد جدَّا
[وتمادى منه إلى العمري العذ ... ب فوافاه يفضل الثَّلج بردا]
عظم الأجر بالعظاميِّ لمَّا ... جدَّ في قصده وأضحى مجدَّا
/١٨ أ/ وأتى مرو وهو أحلى من الشهـ ... ـد وأزكى عذوبةً وأشدَّا
ثم وافى بسيطةً وبساط الشُّـ ... ـوق تحدوه والركائب تحدى
وأتى نجر بعد حثٍّ من السَّيـ ... ـر وقد زاد في التعطُّش وقدا
فرأى ماءه يزيد أوامًا ... لم يسغه خلقٌ فولَّاه حمدا
ويتيمًا علَّل النَّفس بالرَّا ... حة إذ ماؤها يزيل الجهد
وإلى نخلها ورُمَّانها اليا ... نع كلٌّ بحسنه قد تحدَّى
وهي قصيجة طويلة، وهذا القدرُ منها كافٍ.
ومن شعره يمدح النبي ﷺ وأصحابه: [من البسيط]
دع التَّصابي فقد غال الصِّبا غول ... واعمل لأخراك فالدُّنيا أباطيل
стр. 2545
وعدِّ عن غزل في وصف غانية ... بعد المشيب كفى الإنذار تبديل
وامدح إذا رمت إدراك النَّجاة غدًا ... وأخلص القول فالإخلاص مقبول
خير الأنام رسول الله من نزلت ... عليه طاها وياسينٌ وتنزيل
وكان يأتيه بالوحي المنزَّه إذ ... يغشاه عند نزول الوحي جبريل
[وخصَّه الله بالإسسراء معجزةٌ ... فيها لمن شكَّ إرغامٌ وتذليل]
[٩٥١]
/٨١ ب/ يعقوب بن عبد الملك بن أبي الحسن بن عليٍّ الضرير، أبو يوسف الأسديُّ.
من أهل سنجار. زعم أنَّه من بني أسد بن خزيمة.
أخبرني أنَّه ولد في اليوم الرابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. كان قرائًا للقرآن العزيز واعضًا في الأعزية، ويقول الشعر ويمدح به الناس. وكان مفتوق اللسان طيّب الصوت حسن الحنجرة بالقراءة. وكان خبيثًا شريرًا قليل الدين ردي الطويّة.
وخبرتُ أنَّه كان يسرق الأشعار ويمتدح بها، وقتل بقرية من قُرى الموصل يقال لها "بارمون" قتله التتار –خذلهم الله تعالى- حين وصلوا إلى نواحي الموصل وانتهبوها وقتلوا منها عالمًا كثيرًا، وسبّوا الذراري، وساقوا المواشي، وأخذوا أموالًا جمَّة وذلك في شهر ذي الحجّة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
أنشدني لنفسه بإربل –وكان مقيمًا بالموصل- يمدحُ صاحبها بدر الدين /٨٢ أ/ أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله: [من الكامل]
ظعن الحبيب وشطَّ عنك مزاره ... وتباعدت من قرب دارك داره
فإلى م تستر ما تجنُّ من الجوى ... والصَّبْر منك تهتَّكت أستاره
يا ذا الَّذي أودى به سكر الهوى ... ما آن أن ينفك عنك خماره
واهًا لذا الظَّبي الكُناسيِّ الذي ... سلب الفؤاد فما يقرُّ قراره
стр. 2546
الفاتن الفتَّاك أمَّا طرفه ... فمخاتلٌ لمحبِّه سحَّاره
ظبيٌ له بهضاب وجرة مرتعٌ ... لكنَّ قلبي المستهام وجاره
ولهي بأسمر فاتك بلحاظه ... ما تنقضي لي في الهوى أسماره
رشًا تولَّى عاذلي في حُبِّه ... لي عاذرًا لمَّا استتم عذاره
ما للهوى أدمي يطل وقاتلي ... يبدو بصفحة خدِّه آثاره
يا صاحبي قف بالأثيل من الحمى ... وذر الغوير تشبُّ دونك ناره
وانظر على زمن الرَّبيع إذا بدا ... يختال فيه بسحبه آذاره
والنَّبت بين مكلَّلٍ ومكَمَّلٍ ... ومجدول أنست به زوَّاره
والرَّوض بين معصفر ومزعفر ... ومعنبر كملت به أزهاره
/٨٢ ب/ والزَّهر مبتسم الثُّغور يعلُّه ... أرج النَّسيم وشابه نوَّاره
والبان يبدي زهره متضوِّعًا ... قد ناح بلبله وصاح هزاره
والماء بين ترقرق وتدفُّق ... والدُّوح قد صدحت به أطياره
يحكي صفاء خلائق المولى ومن ... نصر الورى يوم الوغى بتاره
الملك بدر الدِّين أعدل مالك ... شرفت به وبعدله أمصاره
ملكٌ تعظَّم قدره ومحلُّه ... وطريفه وتليده وفخاره
مشهورةٌ من فضله أيَّامه ... مشكورةٌ من عدله آثاره
جادت يداه لنا بكلِّ فضيلة ... حتَّى تجاوز حدَّه إكثاره
وأنالنا من ماله ونواله ... مستبديًا من كل ما نختاره
ملكٌ له تعنو الملوك مهابةً ... ويزين هيبته عليه وقاره
وتخاف شدَّةٌ بأسه ومراسه ... كالموت يخشى حتفه ويواره
يا أيُّها المولى الَّذي نيروزه ... زمن منير أشرقت أنواره
أولى وطالع سعده مستبشرٌ ... بدوام ملك لا يفلُّ غراره
وافى الضَّرير إليك يطلب رسمه ... يشكو إلى مولى النَّدى إضراره
/٨٣ أ/ لمَّا تيمَّم نحو مالك رقِّه ... فرحت بقصد عبيده سنجاره
فانعم به واسعد معافى سالمًا ... ماكرَّ عصرًا ليله ونهاره
стр. 2547
[٩٥٢]
يعقوب بن محمَّد بن أبي الحسن بن عيسى بن درباسٍ، أبو يوسف الموصلي.
قال الوزير الصاحب أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵁ في تاريخ إربل: وُلد أبو يوسف بالعمادية، ونشأ بالموصل ويكتب في نسبه الهذباني.
وكان أبوه من الناقلة إليها فأصله من قرية من قرى إربل تدعى رشدة. وأكثر أهله إلى الآن بها. وانتقل عمُّه عيسى بن أبي الحسن إلى الجزيرة العمريَّة، فحظى عند صاحبها، وأقام أبوه بالموصل جنديًا. وكان ديَّانًا صالحًا إلى أن توفي بها.
وكان أبو يوسف انقطع إلى شيخنا أبي الحرم مكي بن ريّان الماكسي –رحمه الله تعالى- فقرأ عليه القرآن، وأخذ عنه النحو واللغة. وكان أبوه ذا مال، وكان يحبّ منه أن لا يتعرض بالجنديَّة، وأن يقيم على الاشتغال بالعلم فأبى ذلك /٨٣ ب/ وخدم الأتابك عزَّ الدين أبا المظفَّر مسعود بن مودود زنكي مدةً يسيرة، ثم فارقه ووقع عند الإنتقال من الموصل والضرب في الأصل لطلب الرزق فكره منه ذلك أبوه وأصدقاؤه فغلب على آرائهم، فسافر عن الموصل وهو مختل الحال فاتصل بالأمير الكبير أبي منصور جركس بن عبد الله –رحمه الله تعالى- فوجده يقرأ طيبًا. ووصف له فضله فاختصَّه بخدمته، وأقام عنده وأثرى وحسنت حاله وصار ذا مالٍ كثير على ما كى عنه، وصار له بطريقة عند الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمدً بن أيوب بن شاذي –رحمه الله تعالى- ووزيره ابن شكر المنزلة الرفيعة.
ثم توفي جركس في سنة ثمان وستمائة، فكتب إليّ أنَّه انقطع إلى ولده. وعمل على الوفاء لوالده، وأنَّ الملك العادل شرفه وأحسن إليه وردَّه مع ولد جركس إلى بلاده؛ فهو الآن مقيم بها حاكم في أعمالها، سلَّم غليه أمرُ صاحبها.
стр. 2548
كان الجامع بيني وبينه بالموصل /٨٤ أ/ مجلس شيخنا أبي الحرم –رحمه الله تعالى- لأنَّه جوَّد القراءة عليه. تأكدت بيننا مودة واتصلت.
ثم قال: وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
إذا ما اشتكت أفراسنا دلج السُّرى ... وطيَّ الفيافي واعتساف الفدافد
ضمنَّا لها جودة الأمير فانثنت ... تسير ولا تصغي لنشدان ناشد
ثم قال بعد أن أنشد هذين البيتين: ومتى دفعت في مثل هذا الكتاب إلى ذكر شيء من نحو ذلك وأشباهه فلا يجهل أنَّه لا يحسن ذكر مثله ولكن لا أجد وقت إثبات مثله.
ثم اتصل بالملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب بعد موت الملك العادل، وسلّم إليه أمر دولته وقلَّده حكمه في ولايته إلى أن توفي الملك المعظم عيسى فأقام على حاله في خدمة الملك الناصر صلاح الدين داود؛ هذا آخر كلامه.
ولما أخذت دمشق من الملك الناصر سافر أبو يوسف إلى مصر وتوفي بها.
[٩٥٣]
يعقوب بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليٍّ أبو يوسف الشيباني الوزير المعروف بابن المجاور.
والمجاور هذا هو جدُّه أبوأمِّه.
وأبو يوسف كان والده من زنجان دخل دمشق وتديَّرَها وأولد بها.
وكانت ولادةُ أبي يوسف في أواخر سنة ثمان وستين وخمسمائة بدمشق، وتوفي بها في سنة ثلاث وأربعين وستمائة –رحمه الله تعالى- واستظهر القرآن العزيز، وسمع الحديث النبويّ بها على أبي المجد الفضل بن الحسين بن إبراهيم بن سلمان بن البانياسي جزء أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسّاني.
стр. 2549
ورحل مع خاله نجم الدين أبي الفتح يوسف بن الحسين بن المجاور الدمشقي إلى ديار مصر، فأقام بها زمانًا طويلًا فتأدّب بها، وتفقه وقرأ علم الفرائض والحساب. وكان ربما ناب خاله أبا الفتح في بعض الأعمال السلطانية. وكان بمصر بخير وحُسن حال ونعمة وافرة، ذا أمر نافذ وجاه بسيط واستوزره الملك الأشرف شاه أرمن /٨٥ أ/ أبو الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب على خلاط وأعمال ما يقاربها من البلاد التي تحت حُكمه، واستقلّ في منصب الوزارة، وتقدّم عنده تقدُّمًا ما ناله أحدٌ من أبناء زمانه، وعلا أمره وحكمهُ في بلاده. فبقي كذلك مُدَّةً في أكمل جاهٍ وأوفى احترام.
ثم عزله عن وزارته وصرفه، فآثر أبو يوسف الإنفراد في منزله واختار الخلوة لنفسه، ورغب في العزلة والانقطاع إلى الله تعالى، والمحافظة على الصلوات الخمس والتمسك بأوامر الله ونواهيه، وغيَّر ملبوسه، وانقطع عن الناس في زاوية اتخذها لنفسه بسفح جبل قاسيون. وكان قد تضعضع حاله وبقي حلس بيته له من الدنيا ما يكفيه ويقوم بأوده.
شاهدته بظاهر دمشق بسفح جبل قاسيون يوم عيد النحر؛ وهو يوم الأربعاء في سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ فرأيته شيخًا حسنًا لطيفًا هيوبًا متواضعًا عاقلًا رزينًا ذا وقار وسكون ونباهة وسمت؛ وله مع ذلك يد طولى في صناعتي النظم والنثر، ومعرفة بأخبار الناس /٨٥ ب/ وأشعراهم، وما قالوه من منظومٍ ومنثور، ومعاني القرآن العزيز، والحديث والنحو والتصريف واللغة؛ مع مشاركته بالفقه والأصول والدب والتفسير، وحلِّ التراجم وفنون الصناعة الكُتَّابية.
وصنَّف كتابًا مفيدًا ممتعًا سمّاه "تحفة الوزراء" فيما يتعلق بأمور الوزارة وقوانينها وأسبابها وآداب الملوك والدول وما ينبغي أن يجب من القيام بها، ولم يبق علم من العلوم الدينيَّة والأدبيَّة إلَّا وأودعه فيه نبذةً فجاء الكتاب محررًا بحيث إذا سُئل عنه أجاب جوابًا شافيًا، يدخل في عشرة أجلاد.
وجلُّ أشعار خاله الوزير نجم الدين أبي الفتح يوسف بن الحسين بن المجاور يرويها عنه، وأنشدني كثيرًا من شعره، وأملاه عليّ وكتبته من لفظه، ومن أشعار خاله المذكور.
стр. 2550
ومما أنشدني لنفسه وأملاه عليَّ يصف دمشق: [من الطويل]
سقى الغوطة الغنَّاء لطف غوانيها ... فأغنى عن الأنواء ترب مغانيها
/٨٦ أ/ ليسفر عن مثل الخدود شقيقها ... وتفترَّ عن مثل الثغور أقاحيها
تطالعنا للزَّهر فيها نواظرٌ ... ترقرق عبرات النَّدى في ماقيها
إذا رمدت بالشَّمس فالظِّلُّ كحلها ... وإن أمرضتها الرِّيح فالطَّلُّ آسيها
تريك صدور الغيد مدَّت معاصمًا ... إذا ما بدت أنهارها وسواقيها
ويحي موات اللَّهو نفحةُ سهمها ... ويقتل عمدًا مهجةض الهمِّ واديها
تروق إذا عنَّت وغنَّت عيوننا ... وأسماعنا أقمارها وقماريها
تخال أخضرار الرُّوض بين قصوره ... زبر جدةً قدر صِّعت بلاليها
تأزَّر من خضر الدَّوالي بسندس ... وتلبس بالإشراق وشيًا أعاليها
ترى كلَّ نهر تحت قصر كأنَّها ... كماة نضت للروع بيض مواضيها
وتحسب بين الحور غدران مائها ... جواشن ملقاةً خلال عواليها
فكم بركة تجلو الضُّحى إثر جدول ... كما مدَّ بالكأس الرَّويَّة ساقيها
إذا ما علاها الزَّهر قلت طفا بها ... حباب وإلَّا افترَّ فيها معاطيها
فقد شاهد الولدان في الخلد من رأى ... وطوبى له أبناؤها في مبانيها
أحنُّ إلى قوم عرفت الهوى بهم ... وأصبوا إلى أرض صحبت الصِّبا فيها
/٨٦ ب/ وكم ليلة فيها قبسنا مسرَّةً ... تزيد سناءً كلَّما اشتدَّ داجيها
بغانية عن منَّة الحلي عطَّلت ... مواشطها واستخدمت عين رائيها
وقد سكنت نفسًا إلى حسن وجهها ... فما سألت عنه عيون مرائيها
تريك قوام الغصن أورق ساجعًا ... إذا ما شدت تتلو المثاني مثانيها
وقد نام كاليها ومات حسودها ... وأقعد ساعيها وأخرس واشيها
بلادٌ على بعد المسافة لم أزل ... بقلبي وفكري كلَّ وقت أوافيها
سقاها فروَّاها ولو غيره حلا ... بفيَّ لما وفَّرته عن نواحيها
ولو لم أخذ إغراقها بأتيِّه ... لقلت: ندى الملك العزيز يغاديها
стр. 2551
أبي الفتح عثمان العزيز بن يوسف بـ ... ـن أيُّوب أملاك الورى بعد شاذيها
مناسب ما ماء السَّماء بمدَّعٍ ... صفاها ولا زهر النُّجوم تساميها
ولا لعقود الدُّرِّ صحَّةُ نظمها ... وبهجة مرآها وحسن تواليها
على أنَّ مسعاه كفاه انتسابه ... ألا إنَّ أسباب الملوك مساعيها
مليكٌ سرايا جوده وجنوده ... غناءٌ لمرجيها عنى لمعاديها
فبالبيض أو بالصُّفر إن صال أو حبا ... تحين منايا أنفس وأمانيها
/٨٧ أ/ وذو همَّة لا يدَّعي الدَّهر حصرها ... ولا عاصفات الرِّيح بعد مراميها
بنى من مساعيه سماءً نواله ... سحائبها والمأثرات دراريها
وقام مقام الأرض عظمًا فكفُّه ... ومن صدره بحَّارها وبراريها
نوال لو أن السُّحب سحّضت بمثله ... لأغرق رضوى قطرةٌ من عزاليها
ومجدٌ لو أن الشُّمَّ تضمر مثله ... لما سُيِّرت يوم المعاد رواسيها
وحكم لو الأقدار تجري بعدله ... لما جار في حكم على الحّرِّ جاريها
هو القائد الجيش اللَّهام كما سرت ... ركاب رُكام طَبَّق الأرض ساريها
إذا حلَّ أرضًا غصَّ بالسُّمر جوُّها ... كما شرقت بالبيض منه فيافيها
ومهما سرت كادت لياليه هيبةً ... وضيقًا به تنشقُّ عنه دياجيها
خميسٌ به سبت الطُّغاة كماته ... أحدُّ قلوبًا في الوغى من مواضيها
إذا لمم النَّقع المثار تلبَّدت ... فأرماحهم يوم الطِّعان مداريها
هو المورد القود الضَّوامر من دم ... جداول شُقَّت بالسُّيوف مجاريها
وباعثها في النَّقع جردًا كما هوت ... نجوم رجوم في ظلام دآديها
/٨٧ ب/ إذا الدُّهم جالت في الصفوف وفي القنا ... حكت حدقًا في هدبها وماقيها
وقطاع هامات الكماة بسيفه ... إذا اختلفت عند النِّزال دواعيها
وناثرها بالضَّرب تحت رؤوسها ... وناظمها بالطَّعن فوق تراقيها
لنشَّابه من النُّسور وخيله ... قوادمها يوم الوغى وخوافيها
كما أنها عند النِّزال تكفَّلت ... بإرواء صاديها وإشباع طاويها
ليهن زمانًا أنت فيه افتخاره ... على سالف الأزمان طرًّا وآتيها
ويهن رعايا فوَّض الله أمرها ... إليك فأضحى العدل منك يراعيها
стр. 2552
ولم تبلغ الأعياد في القدر أنَّنَا ... نهنِّي بها علياك لكن نهنِّيها
فلا برحت تلقاك في ظلِّ دولةٍ ... يعزُّ على الأيَّام نزع أواخيها
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
قلت إذ زار من هويت وروض اللَّـ ... ـيل تبدي نجومه أزهارا
ملك الحبِّ زاره ملك الحسن ... فزادا على الزَّمان اقتدارا
فافرش الورد أطلسًا حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤوس نثارا
واصرفوا حاجب الهلال فقد نـ ... ـمّض بسرِّي إلى العيون سرارا
/٨٨ أ/ واحبجوا قيصر الصَّباح وقولوا ... لنجاشي اللَّيل كن برت دارا
وأنشدني لنفسه وقد حجَّ في سنة إحدى وستمائة يمدح النبي ﷺ : [من الكامل]
يا نفس ما صنعت بك الآثام ... أو لم تعظك بمرِّها الأيَّام
أودى بذاك الصَّفو منك تكدُّرٌ ... وغطى على ذاك الضِّياء ظلام
قد كنت في علويِّ عالمك الَّذي ... نورٌ وخيرٌ كله وسلام
فنقلت بالتَّقصير عنه شقاوةٌ ... أنَّى لتقصير هناك مقام
فوقعت في شرك المصائب والرَّدى ... تنتابك الآفات والأسقام
ما كنت إلَّا التِّبر شيب خلاصه ... فسبكت والشَّهوات فيك ضرَّام
فلئن خلصت لترجعنَّ سليمةً ... يعتادك التنعيم والإنعام
طاب الكرى لك فاحتلمت وفي غد ... يوم المعاد تعبَّر الأحلام
قد مهِّدت طرق النجاة وعبدت ... وأقيم فيها للهدى أعلام
/٨٨ ب/ ما زادها إلا التُّقى ومطيُّها ... إلَّا صلاةٌ برَّةٌ وصيام
فتزوَّدي منه وسيري وتسعدي ... سعدًا يقارنه لديك دوام
تلك السعادة لا يغير كونها ... بنحوسه كيوان أو بهرام
ودعي تعاطي الشِّعر عنك فإنَّه ... ما لم يفد دنيًا لعرضك ذام
إلَّا مديحًا للنبي وآله ... فيه صلاةٌ لا تني وسلام
قومٌ هم سفن النَّجاة وحبُّهم ... حقًا هو الإيمان والإسلام
стр. 2553
قوم هم المقصود من خلق الورى ... فهم المعاني والأنام كلام
قوم هم الزُّهر النُّجوم إذا غطى ... نور البصائر للضَّلال ظلام
لأكلفَّنك قطع قفر قطعة ... يذر الفنيق وما عليه سنام
في صائف تعلي لشدةَّ حره ... وتجيش فيه بما حوته الهام
حصباؤه كالجمر تخطو فوقه ... فتكاد أن تلهَّب الأقدام
وترى الضَّباب تلوب في جنباته ... كبنات ماء شفهَّن أوام
(وإذا المطيُّ بنا بلغن محمَّداً ... فظورهنَّ على الرَّجال حرام)
(قربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام)
/٨٩ أ/عندي لها إن صافحت ثفناتها ... أكناف يثرب مسرح ومسام
وموارد زرق النَّطاف طوافح ... بالبارد العذب الزُّلال جمام
ويقلُّ ذلك في جزاء صنيعها ... ولقلَّما غمط الجميل كرام
وأنشدني لنفسه وقد قال هذه الأبيات في البيت بيت مكَّة – شرفَّها الله تعالى: [من الطويل]
قصارك عن غيِّ الشَّبيبة إقصار ... فجعِّل فما الدُّنيا لذي فطرة دار
وسر نحو بيت الله مستغفراً لما ... جنيت فإنَّ لله لذنب غفَّار
يوافيك في إغضائه لطف برِّه ... ويغضي على عصيانه وهو جبَّار
رؤوف على من جاءه متنصَّلًا ... ولكن على من حاده فهو قهَّار
قريب مجيب للدعاء وإن نأت ... أو اختلفت فيه جهات وأخطار
فلا كثرة الدَّاعي يغلَّط سمعه ... ولا ضاره من قول داعيه تكرار
إذا ما ألحَّ السَّائلون اجابهم ... ولا يعتريه من محلِّيه إصحار
إلى كعبة سوداء في عين جاهل ... وفي عين ذي اللبَّ المنوَّر أنوار
/٨٩ ب/ يطوف بها في حندس اللَّيل دائمًا ... رجال هدى شعث الملابس أبرار
رؤوسهم من خشية الله نكّسُّ ... ودمعهم من فارط الذَّنب مدرار.
لأنفاسهم من شدَّة الوجد لاعج ... تكاد تراءى منه للمبصر النَّار
стр. 2554
وقبِّل يمين الله إن جئت ركنها ... فما كلُّل صمّ في الحقيقة احجار
به أودع الرَّحمان ميثاق خلقه ... فيشهد من منهم أثيم ومن بار
فكم حسنات رفِّعت كلًّ لحظة ... لديه وحطت للمنيبين أوزار
وكم خالع ثوب المعاصي ولابس ... لديه ثياب النسك فهو الخزندار
تبارك منشي الخلق من غير حاجة ... يصرِّفهم منه قضاء واقدار
وأنشدني أيضًا لنفسه يرثي الملك العزيز عماد الدين أبا الفتح عثمان بن يوسف بن أيوب بن شاذي – صاحب الديار المصرية: [من الطويل]
أجل كلُّ خلق هالك وله أجل ... وإن هو أملي في الحياة له الأمل
/٩٠ أ/ فلا فرق ما بين الجهول وذي الحجى ... لدى الموت والرَّ عديد ذي الجبن والبطل
ويستخرج الحيتان من قعر زاخر ... ويستنزل الأوعال من شاهق الطَّلل
ليس بناء عنه ما طار فاعتلى ... ولا مفلت منه الذي غار فاستفل
سيدرك حتَّى الحوت والثُّور في الثَّرى ... ويصرع حتَّى النسر في الأفق والحمل
ولو لم يسوِّ الله في الموت خلقه ... وجل عن التَّقدير والشَّرط ما عدل
تفردَّ من دون الخلائق بالبقا ... وجلَّ جلالًا لن يزول ولم يزل
فمن قد أتى عمَّا قليل كمن مضى ... تشاب في التُّرب الأواخر بالأول
لقد طاح بالملك العزيز حمامه ... وكم ظن أن ما للحمام به قبل
واقفر منه الدست بعد امتلائه ... إذا حل فيه بالمهابة والجذل
واقفر منه سرج أجرد سابح ... يفوت وحيَّ البارقات على مهل
وعطَّل من كفيه سيف وذابل ... فيا صدأ الهنديِّ يا ظمأ الأسل
وكانت لديه بين مرعى ومشرع ... بها الريُّ من أعدائه ولها النَّهل
إذا أنت لم يعظم عليك مصابه ... فقف في بلاد المشركين له وسل
لقد فتكت منَّا المنايا بماجد ... جليل غدا من كلِّ معضلة أجل
/٩٠ ب/ بأجرأ يوم الحرب قلبا من الرَّدى ... وأنفع عام المحل كفًا من السًّبل
стр. 2555
بأقرب للباغي جداه من الثَّرى ... وأبعد للباغي معاليه من زحل
بألطف في الأرواح من عبق الرُّبى ... وأحسن في الأبصار من حلية الكحل
بسهم ولكن جلَّ عن موقع الخطا ... ورمحٍ ولكن جلَّ عن وصمة الخطل
بسيف ولكن يفضل السَّيف إنَّه ... على طول ما يبري برئ من الفلل
بمن ليس في الدنيا وقد غدرت به ... وقد أسلمته عنه من أهلها بدل
بمن كان حليا في ترائب دهره ... ألا فليبوء الدَّهر من بعد بالعطل
بمن كان أما عرضه فموفَّر ... مصون وأما ما حواه فمبتذل
بمن كان مهما أعجم الخط في الوغى ... قرى السَّيد والعقبان ما بالظُّبا شكل
بمن كان يدعى حمزة الحرب راكبًا ... ولكن إذا اشتدَّت جوارحها نزل
وهي أبيات كثيرة.
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
سأجعل للعلا أبدًا حنيني ... وأسهر في تطلُّبها جفوني
وأطلع دونها صبح المواضي ... إذا اسودَّت ليالي الخطب دوني
/٩١ أ/ فإمَّا أن تساعفني منائي ... فأبلغ أو تصادفني منوني
فمثلي لا يقوم به قليل ... ولا يرضى من الدُّنيا بدون
رهنت المجد لذَّاتي على [من] ... يواصلني وقد غلبت رهوني
على سمر الرِّماح نجاح عزمي ... وبيض الهند والخيل الصَّفون
إلى م وكم تسوِّفني اللَّيالي ... وتمطلن من العليا ديوني
يقيني أن أذَّل وأن أحابي ... وأن أعنو لمخلوق يقيني
سأنهض نهضة تدني الأماني ... فلا يؤيسك من أمل سكوني
أأخمل والنَّباهة في لساني ... واعجز والمهنَّد في يميني
وأنشدني لنفسه أيضًا في أمير مليح الصورة جوابًا عن رقعة وردت منه يعتبه على انقطاعه عنه – ويلقب شمس الدين-: [من الخفيف]
يا أميراً له الملاحة جند ... وعليه من البهاء حجاب
/٩١ ب/ للحيا والحياء منه إذا لا ... قاك روض مفوَّف وسحاب
стр. 2556
فاز طرف رنا إليك وكف .... مدَّها للمنال منك طلاب
لا تلمني إذا غبتُ عنك فعذري ... سافر الوجه ما عليه نقاب
أنت شمس الأنام حسنًا ونورًا ... وقصادي الأمور أنِّي شهاب
وأنشدني لنفسه: [من مخلع البسيط]
مللت يا بدر مستقلاَّ ... على الورى رتبة المعالي
فاخلد قرين الكمال فيها ... فإنَّما البدر بالكمال
وأنشدني قوله ملغزًا في دولاب البستان وكتبها إلى شرف الدين أبي المحاسن محمد بن نصر بن عنين الشاعر الأديب الدمشقي: [من المنسرح]
ما ذو عيون يقوده أعمى ... يطوف ولهان همه ألما
يئنُّ شوقًا ويستهل بكًا ... يذيب من رقَّة له الصمَّا
/٩٢ أ/ يضحى الندى ما علاه رباه كما ... فرقت في السَّلك لؤلؤًا نظمًا
أضحك ثغر الحبيب في زمان الـ ... محل وأبكى في مصره قدما
يدور في الأرض دائمًا فإذا ... فتشته لم تجد له عزما
فسره يا سيدًا يفوق بما ... الغز كل الورى وما عما
قال: فأجابني عنه بهذه الأبيات من قوله: [من المنسرح]
ياسيدًا ود كل ذي كرم ... بأن أفعاله له إسما
أنت شهاب ونور فكرك قد ... أضحى لشيطان خاطري رجما
البستني حلة بذكرك لي ... أضحت سجاياك فوقها رقما
من بات جدوى يديك ناصره ... لم يخض ظلمًا ولم يخف هضما
تسأل عن دائر حكى الفلك الأ ... على إذا دار أطلع النَّجما
قائده إذ نأى فذو بصر ... وهو إذا دار حوله أعمى
يبذل اعنده لنا فإذا ... أكدى ضربنا سواءه ظلما
لازلت في نعمة مجدَّدة ... ما نسخ الصُّبح آية الظَّلما
/٩٢ ب/ وأنشدني في مصراعي باب يلغز بهما: [من الوافر]
ومملوكين روميين مهما ... دخلت الدَّار قاما يخدماني
стр. 2557
فيلتقيان بين يديَّ طورًا ... وأحيانًا هما متقابلان
لكل منهما قد وخد ... ووجه في الحسان وحاجبان
أمنتهما على أهلي ومالي ... فما غدرا ولا نكثا أماني
وأنشدني من قصدية قالها في الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر بن أيوب – رحمه الله تعالى – وكان قد سير طلبه من أخيه الملك المعظم شرف الدين عيسى في سنة وثمان وستمائة، وأنشده إياها في نصيبين من بلاد الجزيرة: [من الطويل]
صرفت غرامًا في نهاي تصرفًا ... وولَّيت لا أجفو ولا اشتكي الجفا
/٩٣ أ/ فلا راق طرفي الردف برتج مفعمًا ... ولا شاق قلبي العطف يعتز أهيفا
ولا عدت أهوى الجيد ما عشت أتلعًا ... ولا الخدَّ محمرَّاً والجفن أوطفا
ولا اجتبت ثوب الخد أطلس أحمرا ... ولو راح من نبت الغدار مفوفا
ولا اضطربت حولي حناش ذوائب ... إذا ما تلوَّى القدُّ لدنا مهفهفا
ولا قلت للنَّدمان: خذها وعاطني ... ولا للمدير أمزج إذا هو صرَّفا
رددت كؤوس الرَّاح عنّي لخجلة ... وقد حثّها السَّاقي إليّ فأوجفا
عقار تريك الشّمس يعشي شعاها ... وقد عمّم الأرض الظّلام فألفحا
إذا حثّها السّاقي غدا ورد خدّه ... ونرجس عينيه من السّكر مضعفا
فلا راح كأس من بناني مقرّطًا ... ولا لاح من كأس بناني مشنّفا
تركت الصّبا والصّبية الغيد والطَّلا ... وصوت المثاني عفّة وتعففا
فلا رحت إلّا بالمعالي متّيمًا ... ولا بتّ إلاّ بالفضائل مذنفا
إذا اشتقت أيّام التّصابي أعدتها ... بأطيب منها للّبيب وألطفا
تبوّأت روضًا للدفاتر مونقًا ... تدور المعاني في مغانيه قرقفا
ورددت توبيخ اللَّيالي تطرّبا ... وذم بنيهنّ اللّئام تظرفا
/٩٣ ب/ وناديت إن همت بأدنى مساءتي ... مليكًا غدا من سائر الخلق أشرفا
وآويت من وسى إلى ظّل شامخ ... كما حلَّ موسى الظل لما تخوفا
إلى الأشر ف بن العادل الملك الذي ... أبر على قيض الغمام فأسرفا
стр. 2558
وشمت عليها من سطاه وعزمه ... شبا صارم يفري الضَّريبة مرهفا
عليك علاً لو صافحت يده صفًا ... لفاض الفرات العذب من ذلك الصَّفا
يحور على الأموال بالجود باذلًا ... ومن نائبات الدَّهر مازال منصفا
تعود أن يغدو له الله مخلفًا ... إذا راح للأموال بالجود ملتفا
يشفُّ بما فيه من الّلطف خلقه ... وليس يشف الماء إلا إذا صفا
يريك عذاراً دبَّ في خذ أغيد ... إذا هو في التَّوقيع نمَّق أرحفا
ويبدي هلال السرج من وجه ذكا ... ومن سيفه صبحًا إذا النقع أسدفا
محاسن من خلق وخلق خلالنا ... بها وهو موسى في الملاحة يوسفا
لقد لبست منه الليالي محاسنًا ... غدا البدر منها للحسادة أكلفا
تشَّوف آتيها ليلقاه مثلما ... تلفَّت ماضيها إليه تأسفا
ومذ نطقت فائيتي في مديحه ... على خفر لم تبق للنطق [حرف] فا
/٩٤/أتركت له أهلي وصحبي وموطني ... وطفلا كمثل الفرخ بي متألفا
إذا أشتاقه طرفي استهلّ صبابة ... وإن ذكرته النّفس مالت تلهفها
وأعطى الذي أمّلت منه مضاعفًا ... وأسلف آمالي عطاءً وشرَّفا
فملّكه الله البلاد لأنّه ... غدا بعباد الله فيهن أرأفا
ولا زال بالتَّقوى وبالعدل عاملًا ... له وعلى الأملاك بالفضل مشرفا
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه: [من المنسرح]
أفرط في الصّد عن معنّاه ... وزاد عجبًا عليه معناه
بدر تمام لا النّقص يدركه ... ولا يعاب الكسوف يغشاه
يظن أن القلوب ما خلقت ... إلاَّ ليسطو بها وتهواه
تاه مدلًا بحسن صورته ... وعشقنا والمليح تيَّاه
آه على عطفه وزورته ... لو نلتها والمحب أواه
بالله يا شمس عاتبيه ويا ... بدر فأنتم في الحسن أشباه
ويانسيم الصَّبا بحقّك إن ... جزت عليه فاستهد ريَّاه
стр. 2559
/٩٤ ب/ واذكر له مبتلى بجفوته ... جدّ به سقمه فأبلاه
عساه يسخو بنظرة عرضًا ... أو سنة من زكاة وسناه
فعلَّ عيني يومًا تراه فما ... تطمع في غيرها برؤياه
ويلاه من ذلَّتي وعزَّته ... على يا للرجال ويلاه
أصول في جحفل فأهزمه ... وحدي وأرتاح حين ألقاه
أملك رقَّ الورى ويملكني ... ملكي ويشنا قربي وأهواه
لأنني أملك الجسوم وتسـ ... تملك رقَّ القلوب عيناه
تبارك الله كيف صوره ... دمية حسن تبارك الله
مناي مرضاته لو أنَّ فتى ... يعطي من الدهر ما تمناه
أشهد أن لا إله إلا مسو ... يه وأن لا مليح إلَّا هو
وأنَّ ما في الوجود أسخى ولا .. أغزر وبلاَ من كف مولاه
الملك الأشرف الذي شهدت ... بفضله في السَّماح أعداه
زاد على السُّحب أنَّ نائله ... تبر ونيل السّحاب أمواه
ما جاد في الخافقين ذو كرم ... إلّا بما جاده وأعطاه
/٩٥/أفدام تستعبد [الأنام] بما ... تبني من المأثرات كفَّاه
وأنشدني أيضًا، قال: كتب إليَّ شرف الدين بن عنين ملغزاً باسم سنجر: [من السريع]
إن جعلوا أوَّله آخراً ... وبدّلوا الثّاني بالآخر
حدث عن أنفاسه آخر اللّـ ... يل وعن ناظره الساحر
قال: فقلت مجيبًا عن ذلك: [من السريع]
إشارة أحلى لذي فطنة ... مذاقة من عسل الشَّائر
تعرب عن لطف جوى كامن ... في خاطر كالشمال الخاطر
من خنث الأعطاف ألحاظه ... تفتك فتك الشَّاطح الشَّاطر
يزأر مهما زرته كانسًا ... ويلي من الزَّائر للزَّائر
لنجعلن أوله ثالثاً ... أو نشتفي من مائه المائر
стр. 2560
وقال في فانوس السحور والثريا والنجوم: [من المتقارب]
/٩٥ ب/ رأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل استاره
وحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره
فقلت المحلّق قد شبّ في ... ظلام الدجى للقرى ناره
وخلت الثريا يدًا والنجوم ... ورقًا غدا البدر قسطاره
وخلت المنارة فانوسه ... فتى قام يصرف ديناره
وقوله في معنى اقترح عليه فصنع بديهًا: [من السريع]
خود جلا غرتها شعرها ... بدر بهي في ظلام بهيم
يطيب لفظ الشعر من ذكرها ... كأنما ذاك النسيم النسيم
قد رقمت وجنتها أرقمًا ... بالمسك في مذهب ثوب طميم
ما ذاق من قابله غفوة ... يا عجبًا من ساهر بالرَّقيم
وقال جواب أبيات جاءته من الرشيد عمر بن محمد الفرغاني الفقيه الحنفي: [من الوافر]
/٩٦ أ/ إذا ما شئت أن تلقى مفيدا ... غداة العلم والتقوى وليدا
وبرّز في علوم الشّرع حتّى ... غدا فيه على ضغن وحيدا
فلاق – لتستفيد – الخلق طرًا ... وحسبك منه أن تلقى الرشيدا
فتى سنا وشيخًا في علوم ... يروح الشافعي له مريدا
توحده يريك لدى المعالي ... إذا حاورته منه عديدا
أتاني منه مع عدمي قريض ... يفوق بحسن صنعته الفريدا
قريض لا أطيق له جوابًا ... ولو أنّي نشرت له لبيدا
فكيف وخاطري في جور دهري ... وما لاقيته أضحى بليدا
وقال أيضّا مجيبًا له عن أبيات له إليه: [من الكامل]
قُّل للنسيم إذا أنثنى سحرًا ... يصف الرّياض وينعت الزَّهرا
следующие страницы →