← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

منحته الورى ولاءً وحبًا ... وحبته طبعًا صفاء القلوب ذو يد تغمر الوفود بجودٍ ... طافح دافقٍ غزير القليب ومتى أجدب الزَّمان أنخنا ... منه آمالنا بربع خصيب ملبسي من مناقب المجد عارٍ ... في بني الدَّهر من جميع العيوب عالمٌ بالأمور والدَّهر والغامض من كلِّ كائنٍ والغيوب عزمه في الزَّمان يفعل ما يعجز عن فعله شفار القضيب فات ريح الجنوب سبقًا وهل فات سواه في السَّبق ريح الجنوب نافذ الأمر في الحروب إذا ما ... نبت الزُّرق والظُّبي في الحروب أيَّها السَّائق الَّذي يقطع البيد وجوب الفلابحثِّ النِّيب ناد للمكرمات مولاي بدر الدِّين تظفر منه بجود صبيب وسحاب هام وطود أشمٍّ ... وسميع لكلِّ داعٍ مجيب أيُّها المالك الَّذي أصحب الآمال قصدي في مشهد ومغيب أنا عبدٌ لكم بودٍّ صريحٍ ... محكم في الأنام غير مشوب /٢٢٤ أ/ فانظر الآن في ولاء محبٍّ ... صادقً في الثَّناء غير كذوب وافتقدني عمًّا عهدت بجودٍ ... من أياديك دافق الشُّؤبوب وابق واسلم ما لاح نجمٌ وما هلَّ هلال في ظلِّ عيشٍ رطيب وله: [من الكامل] امدد إليَّ يد السَّماح لأنها ... عونٌ على السَّراء والضَّراء تولى مواليك النَّوال وتارةً ... بالبيض تفتك في طلى الأعداء وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة: [من السريع] وانتحب الرَّاووق في مجلس ... وطاف في المجلس ساق براح وقال عند السُّكر مستهترًا ... بالرَّاح: هذا وقتها لا براح وحنَّ مستاقٌ إلى أهله ... وأحيت الجود الأكفُّ السِّماح ودام في الأرض مهبُّ الصَّبا ... واستظرف النَّاس حديث السَّماح

стр. 282

وناحت الورق وراق الصَّبا ... وشقَّ جيب اللَّيل كفُّ الصَّباح وأمَّل الجود فتى فاقة ... وتاه مثلي بالوجوه الصِّباح وأنشدني لنفسه في الشيطان الشاعر، وقد توجه عن الموصل /٢٢٤ ب/ قاصدًا مدينة إربل: [من الوافر] سرى الشَّيطان عن بلدٍ رحيبٍ ... إلى ضنك وجانب خير مالك فقلت مقارقًا جنَّات عدنٍ ... يمهِّد منزلًا في قرب مالك وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط] باكر إلى كأس راحٍ بات يمزجها ... بريقه ثمل الأعطاف نشوان في خلقه روضةٌ بالنُّور مشرقةٌ ... وفي خلائقه حسنٌ وإحسان فثغره أقحوانٌ أشنبٌ عطرٌ ... وخدُّه الورد والتَّعذير ريحان وجفنه جفن بيض الهند مصلتةً ... سنان قامته الهيفاء وسنان علا على رأسه شاشٌ حوى عجبًا ... فيه لعاشقه كفرٌ وإيمان [١٢٧] أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن باوك بن عبد الله بن شاكلٍ الإربليُّ الأصل. من أبناء الأكراد ومن بيت فقه وعلمٍ. شاب قصير يتزيّا بزي الأجناد. أخبرني أنه ولد بالجزيرة العمرية يوم الخميس آخر النهار ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع /٢٢٥ أ/ وتسعين وخمسمائة، ولم يكن عنده ما عند أهله من الفقه. أنشدني هذه الأبيات يرثى بها بعض بني عمه، وليس هي من صالح الشعر؛ غير أنَّ في أبياتها أبياتًا قريبة. رأيته بالموصل في رجب سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأنشدني لنفسه: [من الكامل] عظم المصاب فعزَّ فيه عزائي ... وتبدَّلت عبراتنا بدماء

стр. 283

ومنها يقول: وتصرَّمت لفراقه نار الجوى ... وتأجَّجت في القلب والأحشاء واستوحشت لمَّا خلت أوطانه ... منه وحلَّ الأنس بالصَّحراء يا أيُّها الجدث الَّذي صفحاته ... صدفٌ لستر الدُّرة الغرَّاء أتراك تعلم ما حويت وما ثوى ... بك من عفافٍ وافر وجباء لله قبرٌ طيُّ سرِّ ضميره ... أصل الفخار وسيِّد العلماء يا راحلًا أبقى الغرام مخيِّمًا ... عندي وبان بسلوتي وعزائي قد كنت قرَّة كلِّ طرٍف ناظرٍ ... فاليوم صرت قذًى لعين الرَّائي أتفقَّد الأحياء بعدك لا أرى ... هيهات مثلك قطُّ في الأحياء يا ليت شعري كيف حالك أنت في ... ضيق اللُّحود ووحشة الظَّلماء /٢٢٥/ فعليك رضوان الإله ورحمةٌ ... تأتيك في الإصباح والإمساء مولاي إبراهيم والشَّرف الَّذي ... أضحى تحمل سائر الوزراء اصبر على هذا المصاب تجمُّلًا ... فالصبر محمودٌ على الضَّراء وأنشدني أيضًا: [من الكامل] يا أيُّها الأسد الَّذي بفعاله ساد الورى ... بالعدل والإنصاف الدِّين ثمَّ الملك شخصٌ أنت منه كالنُّهى ... وهو المحلُّ الوافي ولأنت أكرم من مشى في عصرنا فوق الثَّرى ... من ناعلٍ أو حافي إنِّي جزعت من الزَّمان ومن شماتات العدا ... إذ لم يكن لي شافي حتَّى انتميت إلى من التجى ... من جور دهرٍ جافي فامنن عليَّ بما يساعدني على دهرٍ جنى ... قدمًا على الأشراف من افخر الملبوس يا أسد الشَّرى ... تعلو به أوصافي وتهنَّ بالشَّهر الأصمٍّ وعش متى هبَّت صبا ... برغيد عيشٍ صافي

стр. 284

[١٢٨] أحمد بن محمّد بن أبي الحسن بن بوبا، أبو العباس الإربليُّ. كان والده كرديًا من قرية /٢٢٦ أ/ بنواحي إربل اسمها "حريرا". اشتهر اسمه بعباس وبه يعرف عند أهل بلده .. هكذا أملى عليَّ نسبه وخبّرني باسمه. وهو فقيه حنفي مناظر, قرأ الفقه على جماعة من أئمة الفقهاء الحنفية, ودرس علم الأصول والخلاف والمنطق؛ وهو مع ذلك صالح عفيف الفرج, يحبّ الخمول, قليل المخالطة لأبناء هذا الزمان. وكان بيني وبينه صحبة بمدينة إربل أيام إقامتي بها. أنشدني لنفسه من قصيدة يقول منها: [من الكامل] رفعوا القباب على المطيَّ وأزمعوا ... ووضعت من أسفي على كبدي يدي صاحوا النَّوى فوقفت في آثارهم ... أبكي الطُّلول وأندب البان النَّدي أخذوا بأكناف اللِّوى في سيرهم ... وأخذت أخذة حائرٍ لا يهتدي سلُّوا من الحدق السُّيوف وأغمدوا ... بين الجوانح جمرةً لم تخمد [١٢٩] أحمد بن غزّي بن عربيّ بن غزي بن جميل بن نبيل بن هندامٍ, أبو العباس الموصليُّ الربعيُّ .. هكذا نسب لي نفسه لما سألته عنه. شاب ثط /٢٢٦ ب/ ربعة مائل إلى السمرة, من أنشا المواصلة. كان خبّازًا في مبدأ شأنه شخص هو وابوه وأهله إلى ديار مصر فسكنوها مدة لما وقع الغلاء بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة؛ فتعلم بها طرفًا من العربية, وتأدّب وأخذ

стр. 285

نفسه بضاعة الشعر, ونظم منه ما استحلاه الأدباء, واستملحه الفضلاء. وفيه ذكار حسن, وله بديهة جيدة إلّا أنه كثير الإعجاب بقوله لا يرى أحدًا فوقه من أبناء زممانه يطرب إذا أنشد أشعاره في وصفها والثناء عليها, والإسهاب في نعت معانيه, والمدح لجودة ألفاظه ومعانيه. ومن شعره ما أنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من الكامل] وحياة ووجهك لا أردت بديلا ... أبدًا عليك ولا أطعت عذولا ديني هواك فكن بهذا واثقًا ... من يشتهي عن دينه تحويلا يا منكرًا سفك الدِّماء بلحظه ... يكفيك خدُّك شاهدًا ودليلا والله ما أرضاك أمرٌ في الهوى ... إلَّا وكان على الرَّضا محمولا بأبي غزال لم يزل بصدوده ... سمحًا عليَّ وبالوصال بخيلا /٢٢٧ أ/ وأغنَّ ما للكحل في أجفانه ... خطٌّ وتحسب جفنه مكحولا حنق اللِّحاظ على القلوب كأنَّما ... قتلت لعينيه القلوب قتيلا في خصره معنًى دقيقٌ لم يزل ... خطب الغرام به عليَّ جليلا ووراءه ردفٌ ثقيلٌ زادني ... عبئًا على عبء الصُّدود ثقيلا عقد البنود فما رآه حازمٌ ... إلا وأصبح عزمه محلولا وتقلَّد السَّيف المهنَّد مغمدًا ... وسطا بسيف لحاظه مسلولا أمسى قليل الحظِّ منه وما أرى ... حظِّي من العذَّال فيه قليلا وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] تظنُّ الحبَّ سهلًا يا خليلي ... وتحسب ناره نار الخليل وما تدري بما يلقى محبٌّ ... من الأحزان في اللَّيل الطَّويل أما من منصف من جور ظبيٍ ... على قتل الضَّراغم مستطيل أشدُّ عليَّ من شوق عزيز ... رأي حكمًا على دمعٍ ذليل وأحكم فيَّ من نوب اللَّيالي ... وجور الدَّهر في مال البخيل معنِّفتي على سقم بجسمي ... دعيني ما يهمُّك من نحولي أما والحسن خلفه مستهامٍ ... بورد الخدِّ والطَّرف الكحيل

стр. 286

/٢٢٧ ب/ يمينًا لا أطعتك في ملامٍ ... فقولي ما بدا لك أن تقولي عليَّ رضا الحبيب بكلِّ وجهٍ ... وليس عليَّ إرضاء العذول وله: [من مجزوء الكامل] وحياة فيك وما حوى ... قسمًا عظيمًا في الهوى ما ضلَّ صاحبُ مهجةٍ ... تلفت عليك ولا غوى يا أيُّها القمر الَّذي ... نجم السُّلوِّ له هوى ماذا أثرت على القلوب من الصَّبابة والجوى بأبي وأمِّي غادرٌ ... رفع العذار له لوا وأغنُّ في أردافه ... هزءٌ بكثبان اللِّوى لو أنَّ لين قوامه ... بقوام غصنٍ ما ذوى قد زان مشبع ردفه ... خصرٌ يبيت على الطِّوى أفدي الَّذي ناديته ... وركابهُ بيد النَّوى مولاي عشقك نيَّتي ... ولكلِّ عبدٍ ما نوى [وله: ] [من الوافر] فؤادٌ لا يقرُّ له قرار ... ووجدٌ لا يلائمه اصطبار وأجفانٌ من العبرات غرقى ... وأحزانٌ لها في القلب نار .. ...... ...... ... ......... لا يحب لها بدار مررت بقبره والدَّار قبرٌ ... ورحت أهيم والقبر دار وعدت وللأسى عندي ..... ... وللعبرات في خدِّي انتثار وكيف يكون والده عليه ... وكيف ........ ومال حال الكبير إذا عرته ... من الدُّنيا نوائبها الكبار كمال الدِّين مثلك من يرجَّى ... إذا ضنَّت بنائلها البحار ومثلك من إذا ما ناب خطبٌ ... تثبِّته السَّكينة والوقار وجار غير مختصٍّ ..... وأنت ... ..... ..... ..... فكيف تطرَّقت نوب اللَّيالي ... إليك وأنت منها المستجار أدام الله ظلَّك من وزيرٍ ... ليالينا بنعمته قصار

стр. 287

ودرجت سطايا ..... ...... ... ..... الليل النهار] [١٣٠] أحمد بن عبد الملك بن أبي منصور بن محمد بن أبي نصر عليّ بن محمد بن أحمد بن أحمد، أبو العباس الهمدانيُّ الموصليُّ، المعروف بابن الخميِّ الضرير. كانت ولادته- فيما أخبرني من لفظه- ثاني عشر ربيع الأول سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة؛ وهو أحد القراء ..... بالمدرسة النورية بالموصل على تربتها. صحب أبا حفص عمر بن أحمد النحوي مدة، وقرأ عليه جملة من علم العربية. من أهل الفهم والمعرفة، حافظ للقرآن العظيم؛ وفيه فضل وذكاء وعنده علم وأدب وحسن عشرة ولطافة، ويقول المقطعات الرائقة. أنشدني من شعره: [من السريع] وكلُّ ما تعلمه يا فتى ... عليك من رزقك محسوب فلا تؤمِّل أن ترى ثروةً ... فألرِّزق عن مثلك محجوب [١٣١] أحمد بن محمد بن إبراهيم بن بي بكر بن خلّكان بن ياوك بن عبد الله بن شاكل بن الحسين بن مالكٍ، أبو العباس بن أبي عبد الله الإربليُّ.

стр. 288

/٢٢٨ ب/ شاب من أحداث الإربليين. كانت ولادته- على ما أخبرني به من لفظه- يوم الخميس حادي عشر ربيع الآخر سنة ثماني وستمائة بإربل بالمدرسة المظفرية. وهو من بيت فقه وعلم. وخرج عن إربل سنة ستٍّ وعشرين وستمائة طالبًا بلاد الشام، فنزل حلب وسكن المدرسة التي أنشأها القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي الأسدي. وقرأ صدرًا صالحًا من فقه الإمام الشافعي- ﵁ على الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن باشي بن الخبَّاز الموصلي، وتميّز فيما قرأ عليه. وقرأ طرفًا من النحو على أبي البقاء يعيش بن علي بن الحلبي النحوي. وحفظ جملة من الأشعار الرقيقة، وقال شعرًا حسنًا، وسمع بإربل في حال صغره مسند البخاري على أبي جعفر محمد بن هبة بن المكرم الصوفي بروايته عن أبي الوقت السجزي؛ وغير ذلك من الأحاديث النبوية. ورحل إلى دمشق في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وامتدح السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبا المعالي محمد بن محمد بن أيوب بن شاذي /٢٢٩ أ/- خلّد الله سلطانه- بهذه القصيدة الرائية، وأنشدنيها بحلب في المدرسة القاضوية البهائية في شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة. وبعد ذلك شخص إلى الديار المصرية؛ وهو مقيم بها. وكانت أخباره ترد إلى حلب بكل ما يسرّ القلب- بحمد الله تعالى-: [من الطويل] هوًى بين أحناء الضُّلوع مخامر ... وفرط غرام أضمرته السَّرائر ومشرع حبٍّ كلَّما قلت قد صفت ... موارده أبدت قذاه المصادر

стр. 289

خليليِّ ما بال النسيم معطّرًا ... أجاور نجدًا أم أضاعته حاجر ولا تعجبا إنِّي ..... فإنَّني ... شممت الشَّذأ إذ مرَّ بي وهو خاطر تضمَّن نشر المالكيَّة طيَّه ... وما آفة الأسرار إلَّا النَّواشر نشدتكما هل بعد عزَّة أعشبت ... عراص الحمى أم روَّض الجزع ماطر وهل عذبات البان صوَّحن بعدها ... لعظم الأسى أم هنَّ لدنٌ نواضر إذا أومض البرق اليمانيُّ شمته ... برجع جفونٍ لحظها متخازر أردِّد فيه الطَّرف حتَّى كأنَّني ... إلى ضوء ثغر المالكيَّة ناظر ترى تسمح الأيَّام يومًا بزورة ... فينعم مهجورًا ويُنعم هاجر /٢٢٩ ب/ لئن نزحت ذات الوشاحين فالجوى ... مقيمٌ بقلب رسم مغناه كاثر تولَّت ولمَّا يقض منها لبانةً ... أخو أسفٍ يلقى النَّوى وهو صابر يحنُّ اشتياقًا إن تألَّق بارقٌ ... باعلام حزوى أو ترنَّم طائر غريبٌ ثوى بالشَّام كرهًا وقلبه ... إلى الشَّرق في إثر الظَّعائن سائر يمنَّى بطيف المالكيَّة جفنه وكيف يزور الطَّيف والطَّرفُ ساهر وركبٍ كأمثال السِّهام تقلُّهم ... نواصل آمال الحنايا ضوامر ترام جنابًا كاملّيًا معظَّمًا ... لهيبته ترتدُّ عنه النَّواظر إلى ظلِّ سلطان لعزِّ جلاله ... وسطوته تعنو الملوك الجبابر إلى الكامل الملك الَّذي بحر جوده ... لورَّاده عذب المذاقة وافر هو المخصب الأكناف والعامُ مجدبٌ ... ومخجل فيض السُّحب والنُّوء هاجر لميت النَّدى والحلم والعلم منشرٌ ... وللعدل في كلِّ البسيطة ناشر كتائبه أنصار دين محمَّد ... فطوبى لمن أضحى إليه يهاجر لقد خذل الباغين منصور جيشه ... ولكنَّه للدِّين في الله ناصر فردَّ وجوه القوم سودًا ببيضه ... فعاد بإفراط الصَّغار الأكابر وفي سمره حمر المنايا فمن سطا ... ثعالبها تخشى اللُّيوث الخوادر /٢٣٠ أ/ ولم يلقه الأعداء إلا لعلمهم ... بما يقتضيه حلمه وهو قادر يسيء اليهم بأسه وهو غائبٌ ... ويحسن فيهم عفوه وهو حاضر ويربي على الطَّود الأشمِّ وقاره ... وقد سئمت ضرب الرِّقاب البواتر

стр. 290

إليك ابن أيُّوب سمت بي همَّةٌ ... هداها ضياءٌ من جبينك ظاهر وما أثبت الأخبار في ..... ... لدى النَّاس إلَّا جودك المتواتر ولولاك ما كنَّا نحقِّق أنَّه ... يفوق الملوك الأوَّلين الأواخر فما قدر وسعي إن اتيتك مادحًا ... بنظم ولو أنَّ الكلام جواهر فلا زلت منصورًا وللدِّين ناصرًا ... وضدُّك مقهورٌ وجدُّك قاهر وسمع قول ابن الساعاتي: [من الكامل] لمَّا رأيت هلال وجهك آفلًا ... ورأيت خدَّك قد علاه قتام عرَّجت بالوجنات أندب رسمها ... (يا دار ما صنعت بك الأيَّام) فعمل هذه الأبيات: لمَّا رأيت ديار وجهك أوحشت ... أرجاؤها وتنكَّرت أعلامها أنشدت في عرصاتها مترنِّمًا ... (عفت الدِّيار محلَّها فمقامها) وقال: [من البسيط] /٢٣٠ ب/ لمَّا نظرت إلى أرجاء وجنته ... ورسمها طامسٌ محَّت علائمه ظللت أندبه شجوًا وأنشده: ... يا منزلًا باللِّوى أقوت معالمه وقال: [من الطويل] ألا يا حماماتٍ بمنعرج اللِّوى ... إليكنَّ عن شوقي وعن برحائي فما الوجد منكنَّ الغداة مبرِّحًا ... كوجدي ولا تبكين مثل بكائي وقال أيضًا يرثي الملك العزيز محمد- صاحب حلب-: [من الطويل] هوى من نظام الملك واسطة العقد ... ولم يك من صرف المنيَّة من بدِّ

стр. 291

فما للرِّماح السُّمر مشرعة القنا ... وما للصِّفاح البيض مرهفة الحدِّ أمن بعد فقدان العزيز محمَّدٍ ... تدور رحى حرب على صافنٍ نهد إذا عطِّلت من بعده حومة الوغى ... فما تصنع الفرسان بالقضب والملد لقد جلَّ هذا الرُّزء عن وصف واصفٍ ... كما كلَّ عن إدراكه حدُّ ذي حدِّ سقى جدثًا ضمَّ المكارم تربه ... ولحدًا حوى تلك المناقب من لحد مواطر دمع ما تزال يمدُّها ... سحائب تحدوها مواسم من وجد فللَّه ما أذكى ثراه كأنَّما ... تنفَّس في روض المراحمٍ عن ندِّ /٢٣١ أ/ لئن أظلمت دنيا العفاة لفقده ... فقد أشرقت من وجهه جنِّة الخلد عليك سلام الله يا خير مالكٍ ... مصحوب سوى حلَّة الحمد [١٣٢] أحمد بن محمد بن أحمد بن نصر بن المعلَّى، أبو جعفرٍ المعافريُّ. من أهل مالقة- إحدى مدن الأندلس. شاب أشقر خفيف العارضين، مقرون الحاجبين. حفظ القرآن العزيز، وشدا طرفًا من العلم، فيه ذكاء وفطنة، وعنده حدّة في مزاجه إذا بحث وناظر مع الفقهاء يكاد يخاصم الذي يخاطبه في شيء ما. لقيته بحلب؛ وهو يتردد إلى المدرسة النورية المنسوبة إلى بني أبي عصرون، وبها كان له جامكية يتناولها. أنشدني لنفسه في الشيخ شهاب الدين أبي العباس عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن أبي عصرون يهنئه بخلاص ولديه من الاعتقال: [من الكامل] يا خير معتمد وأفضل سيِّد ... ومن السُّعود بسعده قد أسعدا يا نخبة الإسلام يا خير الورى ... أصبحت للدين القويم مشيِّدا

стр. 292

/٢٣١ ب/ فاهنأ بجمع الشَّمل عشت مؤيَّدا ... ما دام بالأيك الحمام مغرِّدا والله يمنحك الجنان بمنِّه ... وزيادةً حورًا حسانًا خرَّدا وأنشدني أيضًا لنفسه في القاضي زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمان بن علوان الأسدي، يهنئه بولايته القضاء: [من الكامل] تهنا المناصب إذ علوت أجلَّها ... ولك التُّقى والدِّين والتَّحصيل شهدت صدور العصر أنَّك صدرهم ... يا من له الإكرام والتَّبجيل زيَّنت دين الله يا ابن وليِّه ... فلك الفضائل منه والتَّفضيل وعليكم تاج السِّيادة دائمًا ... فلأرضكم يتَّطأطأ الإكليل /٢٣٢ أ/ وقال أحمد بن محمد بن أحمد بن نصر المعافري يمدح الأمير المعافري يمدح الأمير الكبير الأصفهسلار عماد الدين عزّ الإسلام عمدة السلاطين أبا المحاسن يوسف بن الأمير علاء الدين طاي بغا- أدام الله سعده وكبت حاسده وضدّه-: [من الكامل] ظبيٌ يمدُّ الشمس من وجناته ... نورًا فنور الكون من آياته والبدر من شمس الضُّحى إمداده ... فكلاهما قد مدًّ من وجناته يسطو بلحظ جفونه فكأنَّما ... صيغت ..... الهند من لحظاته ولقد تحلَّى الحسن عاطل جيده ... فالحسن من أوصافه وهباته ما إن تعطَّل بل تعطَّلت الحلى ... إذ لم تلح عقدًا على لبَّاته يسبي العقول بقدِّه وقوامه ... ويعلِّم الأغصان من ميلاته وإذا نظرت لوجهه متعجِّبًا ... أبصرت وجهك في سنى صفحاته لو كان نسوة يوسف في عصره ... لقتلن أنفسهن في مرضاته ملك القلوب فجار في أحكامه ... والعدل والإنصاف من عاداته فبقيت من ولهي به متحيِّرًا ... أرجو وصالًا من جميل صلاته /٢٣٢ ب/ كم ليلة سمحت وبتُّ نديمه ... نجني ثمار الوصل من جنَّاته وحسودنا وعذولنا ورقيبنا ... قد ذاق طعم الموت من نوماته غدر الزَّمان ولم يزل متعدِّيًا ... والغدر من عاداته وصفاته فلقد عدمت الصَّبر يوم فراقه ... ولهيب قلبي مشعلٌ زفراته رمت السُّلوَّ وكيف يسلو عاشقٌ ... شرب المدام الصِّرف من كاساته

стр. 293

خمر الهوى قد خامر العقل الَّذي ... يصحو به السَّكران من سكراته لا خمر من شيءٍ سوى من حبِّه ... لكن يذوب القلب من عصراته لم يعتصر خمر الهوى من كرمة ... لكنَّه معنًى تلا فطراته كم مهمه قد خضته ومفازةً ... أسد الشَّرى قد فرَّ من غاباته في ليلةٍ طالت عليَّ كأنَّما ... فلك البروج ينام عن دوراته حتَّى رأيت الصبح جرَّد سيفه ... عن رتبةٍ تعلو على ..... هي ..... للقاصدين أذابهم ... غدر الزَّمان وجار في غدراته يا أيُّها المولى الأمير ومن به ... صار الزَّمان مكمِّلًا أدواته أعطيت رتبة ملا ..... لكنَّه ... لو كان يعطي الرِّزق من راحاته يا ابن الأمير الأوحد البطل الَّذي ... فرَّت أسود الحرب من وثباته /٢٣٣ أ/ كم موقف ضيقٍ توسَّع خيفةً ... من ضربه حينًا ومن طعناته وكأنَّما آراؤه يوم الوغى ... جيشٌ تبدَّى مظهرًا راياته سارت بسيرته الرَّكائب عندما ... رأت العجائب منه في غزواته فكأنَّه صحب النَّبيِّ محمدٍ ... من خيره وصلاته وصلاته ويقينه وجنانه وحنانه ... وصيامه وقيامه وسماته زكت الفروع مع الأصول كلاهما ... إذ كنت فرعًا في ثرى دوحاته أنت الأمير الكامل الفرد الَّذي ... هابت ملوك الأرض من هيباته خجَّلت حاتم طيِّيءٍ ولطالما ... خجلت كرام النَّاس من وهباته إن أمَّل العافي لكشف ملمَّةٍ ... يلقاك خير متيَّم لعفاته أنت العماد لديننا ولشرعنا ... أو كنت تحمي الدِّين في حوزاته بمهنَّد ومثقَّف ومريَّشٍ ... يشكو الدِّلاص الموت من رشفاته ولطالما روَّيت سيفك ظامئًا ... في موقع الرَّشفات عند عداته مهلًا عماد الدِّين أنت مؤيَّدٌ ... بهت العدوُّ ومات في بهتاته لمَّا رآك لضيغمٍ ضارٍ على ... قتل الأسود بغيظه وثباته سست الأنام سياسةً يرضى بها ... كلُّ العباد ورُّبنا لولاته /٢٣٣ ب/ يا طاهر الأثواب من دنسٍ ومن ... عيبٍ يشين المرء عند شناته

стр. 294

تالله لو صوَّرت نفسك لم تزد ... شيئًا على ما فيك من حسناته لله درَّك يوسف من فاضلٍ ... شابهت يوسف مصر في حركاته ما إن سمعت بمثله في سيرة ... ليثٌ يقول الشِّعر في جولاته شعرٌ أرقُّ من النَّسيم لطافةً ... سحر حلالٌ صاغه لرواته فاعجب لبحرٍ طاميءٍ في بلدة ... يرمي عجيب الدُّرِّ من قذفاته من كان في فهم القريض محقق ... لم ينظم الأشعار من خجلاته هجرٌ إليه التَّمر سقت هديَّةً ... سفهًا وعال التَّمر من تمراته للشيء في شأوه أجري عسى ... أغدو ..... هوى جرياته حاز المكارم كلُّها فزماننا ... يعلو على الأزمان طول حياته قد طأطأ الفلك الأثير لأرضه ... فحضيضه أوج الأثير بذاته وافيته والسَّيل قد بلغ الزُّبى ... عندي وضيق العيش في غاياته فأنالني ما لم نؤمِّل بعضه ... وأزال عنِّي الفقر من ساعاته لا زال محظوظ الجناب مؤيَّدًا ... مأغرَّد القمريُّ في جراته نلت المنى وزيادةً ما أنشدت ... ظبيٌ تمدُّ الشَّمس من وجناته [١٣٣] /٢٣٤ أ/ أحمد بن الحسن بن أحمد بن أيوب بن صديق بن عثمان بن أنشتاش بن كنغلي بن كند غدي بن داود بن بنغاج بن سلُّورا، أبو الحسين بن أبي علي التركستانيُّ السلُّويُّ. من أهل ماردين نزل حلب، لقيته بها في سنة أربع وخمس وست وثلاثين وستمائة. وهو شاب قصير ضعيف العينين في بصره ضوء، على زيّ المتصوفة، يتعاطى الوعظ والأدب ونظم الشعر. وذكر أنَّه استظهر الكتاب العزيز وفيه ذكاء. أنشدني لنفسه: [من مخلّع البسيط] ما أحسن ما أتى حبيبي ... فاعتاد مريضه وزاره

стр. 295

وافى فشفيت من سقامي ... وارتحت وفزت بالزِّياره يا بدر دجًى أقام عندي ... عذَّالي أدرأوا عذاره قاسوك وقد رأوك قدًّا ... بالغصن فزيَّنو العباره هذا قمرٌ على قضيبٍ ... ما أحسن هذه الإشارة وأنشدني لنفسه وقد عاده جماعة من أصدقائه: [من الكامل] شكرًا لسعيكم إليَّ فإنَّكم ... عين الزَّمان وسمعه وفؤاده وبكم برئت من السَّقام وكيف لا ... يشفى مريضٌ أنتم عوَّاده ونظم كتابًا في الفرائض منه "باب القضاء في الميراث": [من الخفيف] إنَّني قد فتحت بابًا مضيّا ... فليكن خاطر السَّميع ذكيَّا مسلمٌ مات عن تراثٍ جزيل ... وله زوجة ..... التَّقيَّا /٢٣٤ ب/ قال الزَّوج: كان طلَّقني في السُّقم والإبن قال: كان سويَّا حين جاء الطَّلاق منه لها الإرث وما قالته كان قولًا جليَّا وإذا ما أتت خليلة من مات وقد كان كافرًا ذمِّيًّا ثمَّ قالت: أسلمت من بعد موت الزَّوجٍ والابن قال: بل كان حيَّا حين أسلمت صحَّ منه ولا إرث ومرت وجئت شيئًا فريَّا وكذا لو أتت خليلة من مات وقد كان مسلمًا سنِّيَّا ثمَّ قالت: أسلمت والزَّوج حيٌّ فيكون التُّراث لي مأتيَّا وابنه قال بعد ما مات: أسلمت فقد كان قوله مرضيَّا وإذا ويد أودع المال عمرًا ... ثمَّ زيدٌ قد مات يا صاحبيَّا ثمَّ عمرٌو، يقول: بشر بن زيد ... ثم يعطيه مأله موفيَّا ثمَّ أيضًا يقول: نصر بن زيد ... ونفاه بشرٌ فلم يعط شيئَّا وله النِّصف إن يصدِّق بشر ... نقلته الثُّقات حقًّا إليَّا وأنشدني أيضًا: [من مجزوء الكامل] سبحان ربٍّ صوَّرك ... وعلى تلافي قدَّرك وجلاك في حلل الملاحة والبهاء ونوّرك

стр. 296

/٢٣٥ أ/ حزت الجمال بأسره ... ونصبت لي فيه شرك وجرحت قلبي إذ سللت من اللَّواحظ خنجرك قل لي: على قتلي بغير جنايةٍ من جسَّرك ولقد عهدتك حافظًا ... عهدي فمن ذا غيَّرك وبما ألاقي في هواك من الجوى ما أخبرك أخلو بذكرك في الدُّجى ... ويحقُّ لي أن أذكرك ولئن سفكت دمي فليس عليك في قتلي درك لا كان يومٌ ينقضي ... وأعيش فيه ولم أرك يا قلبي الصَّادي على ... ألم الهوى ما أصبرك ولمن تحبُّ على قساوة قلبه ما أشكرك بل يا هواه المتلفي ... بين الورى ما أشهرك ولكم كتمتك في الفؤاد ودمع عيني أظهرك يا طول ليل صدوده ... في وصله من قصَّرك لولا غرامي لم يكن ... من عادتي أن أسهرك يا عاذلي في حبِّ من ... أنا عبده ما أكفرك /٢٣٥ ب/ لم يبق منِّي حبُّه ... غير الرُّسوم ولا ترك [١٣٤] أحمد بن محمد بن أبي الخير الحمويَّ بن أبي الفضل بن الفضل بن أبي الفضل بن سطح بن الفضل بن أبي عبد الله الحكيم المتطيب الكاتب شاب كيّس من أبناء الأجّلاء المعتبرين بحماة. فيه بشر وكياسة، وله قدر ونباهة كثير التواضع والقيام لمن يردّ عليه. خدم- أولًا- صاحب حماه الملك المظفر تقي الدين أبا الفتح محمود بن محمد بن عمر بن شهنشاه، وحظي لديه، وارتفعت منزلته عنده. ثم- بعد ذلك- اعتقله، فأنفذ في طلبه الصاحب سراج الدين أبو الفتح

стр. 297

المظفر بن الحسين- صاحب الدعوة بمصياف- فسرحه على مال قررّه عليه، وذلك في سنة سبع وثلاثين وستمائة، فاتصل به وقرب من قلبه، وتولّى خدمته حتى كاد أن يكون بمنزلة الوزراء عنده. وأنفذه إلى عدّة جهات، وصار كاتبًا بين يديه ذا أمرٍ ونهي يحكم بكلامه، ويعمل بآرائه. وكان اجتماعي به يوم الأربعاء العشرين من ذي /٢٣٦ أ/ القعدة بحلب المحروسة سنة سبع وثلاثين وستمائة، وافاها رسولًا من قبل مخدومه الصاحب سراج الدين أبي الفتح المظفر بن الحسين- أمير الطائفة الإسماعيلية- مجتازًا إلى الخوارزمية بحران وما والاها من بلاد الجزيرة. وذكر أنَّه حفظ القرآن وعمره إحدى عشرة سنة، وأخذ الطب عن والده، وبرع في علمه، وشدا طرفًا من علم الحكمة، وتميّز فيه، وقال شعرًا مرضيًا. وذكر لي أنه ولد في ربيع الأول سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وأنَّه يرجع في النسب إلى جرير بن عبد الله بن البجلي- صاحب رسول الله- وقرأ بدمشق على سيف الدين الآمدي أبي الحسن علي بن علي بن علي الفقيه الشافعي، وأخذ الأدب عن الشيخ أبي سعد الله بن قانت النحوي الحموي الضرير. أنشدني لنفسه: [من الطويل] عجبت لمن باع الهدى بالضَّلالة ... ومن يشترى دنياه بالدِّين أعجب واعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو أخزى وأخيب أخرِّب ديني كلَّ يوم وارتجي ... عمارة ذي الدُّنيا ودنياي أخرب كأنِّني ما بين الفريقين ضائعٌ ... فلا الدِّين مأمورٌ ولا العيش طيِّب /٢٣٦ ب/ وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل] لا تأيسنَّ فربما ... نلت الأماني بعد حين الدَّهر لا يبقى على ... حالٍ بغثٍ أو سمين وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] كلَّما رمت أن أراه بعيني ... قال لي القلب داره في صميمي فأناجيه في السَّريرة نجوى العبد للمالك العليِّ العليم

стр. 298

فتقول العينان قد فات حظِّي ... من حصولي على النَّعيم المقيم وأنشدني أيضًا قوله في معنى: [من المنسرح] مملوك مولاه يستغيث به ... فهل يغيث المخدوم مملوكا يرجو حصول المراد منتظرًا فاجعل إليه الطَّريق مسلوكا لا تطَّرح سنَّة المكارم فالنَّاس إذا أمَّوك أمُّوكا وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل] من سرَّه العيد الجديد فما لقيت به سرورا كان السرور يتمُّ بي ... لو كان أحبابي حضورا وقال أيضًا /٢٣٧ أ/ وقد خرج منها مغاضبًا، ويتذكر أيامه بها ويصفها: [من الطويل] مغاني حماةٍ لا زرودٌ ونعمانٌ ... مواطنٌ أنسي حين تذكر أوطان وشوقي إليها لا إلى رمل عالجٍ ... ولا الأجرع الجنان والجزع حنَّان عصيت بعاصيها مقال عواذلي ... ولم يسلني عن مائها العذب مأوان لقد أصبحت في رحبة الشَّام شامةً ... يقرُّ لها بالحسن مصرٌ وبغدان فمن أيِّ قطر جئتها جئت جنَّةً ... لها ثمرٌ داني القطوف وأفنان ويسيبك إمَّا جزت بين قصورها المنيفة حورٌ قاصرات وولدان فيا وطني لا زال حبُّك مذهبي ... وديني فحبِّي للمواطن إيمان بما يغضب الإنسان عنك ويزدهي ... وماؤك صدَّاءٌ ومرعاك سعدان أميدان لهوي بين حمصٍ وشيزرٍ ... إذا عدَّ للإطراب واللَّهو ميدان عدتك من الدَّهر العوادي ولا رقت ... لعين الغوادي في عراصك أجفان [١٣٥] أحمد بن المظفر بن القاسم بن الحسين الرازيّ. [قال] يمدح الخدمة الشريفة المقدَّسة /٢٣٧ ب/ النبوية المستنصرية- خلد الله ملكها- ويعرض بذكر المدرسة المستنصرية: [من الطويل] أيا خير من تزجى إليه الرَّواحل ... وأفضل من تطوى إليه المراحل

стр. 299

وأعظم من يدعى لدفع ملمَّة ... وأكرم من ترجى لديه الفواضل ومنها: بنى بنيةً شمَّاء يلقى بها العلا ... ونيل الأماني والأماني الفضائل لها شرفٌ فوق السَّماء قبابها ... ومنزلةٌ من دونها النَّجم آفل فأشرق وجه الدِّين والدِّين شاحبٌ ... وأورق روض الشَّرع والرَّوض ذابل وجدَّد رسم العلم والعلم دارسٌ ... وزيَّن جيد الفضل والفضل عاطل يديم لسان الدًّهر وصف علائه ... ولكنَّه فوق الَّذي هو قائل فلا زال غوث العالمين وغيثهم ... وعمر معاديه ..... زائل قدم بغداد شابًا، واستوطنها مقيمًا بالمدرسة النظامية، متفقهًا بها على مذهب الإمام الشافعي- ﵁، واشتغل بالأدب والفقه /٢٣٨ أ/ مذهبًا وخلافًا، وصارت له في ذلك ملكة؛ ورتّب معيدًا بالمدرسة المذكورة. ثم عين عليه مفتيًا بباب النوبى في استيفاء القصاص وإقامة الحدود على الوجه الشرعي، ثم عزل عن ذلك، ورتب نائبًا لأقضى القضاة أبي الفضل عبد الرحمان بن عبد السلام بن إسماعيل بن الحسن اللايغاني؛ ولما فتحت المدرسة الشريفة المستنصرية- عمرها الله تعالى- جعل معيدًا بها. لقيته غير مرّة، وسألته عن ولادته، فقال: يكون تقديرًا في أوائل سنة ثمانين وخمسمائة. أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور-خلّد الله دولته- ويعرض بذكر المدرسة المستنصرية- عمرها الله تعالى- وذلك في يوم السبت حادي عشر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة بمدينة السلام، والأبيات تقدمت في أول الترجمة لامية.

стр. 300

ذكر من اسمه إسحاق [١٣٦] إسحاق بن هبة الله بن صديق /٢٣٨ ب/ بن محمود بن صالحٍ الأرجيشي الخلاطيُّ. وقد تقدم شعر ابنه. يكنى أبا البشائر قاضي أرجيش. كان فقيهًا عالمًا أصوليًا واعظًا شاعرًا، حسن الكلام في الوعظ والتذكير؛ له مصنفات في علم الأصول، مع أخذه من العربية والأدب بأوفر الحظ وأكمله. وكان من محاسن القضاة وظرَّافهم، يرجع إلى عفاف ونزاهة نفس ودين ظاهر. قدم مدينة إربل وسكنها إلى أن توفي بها يوم الخميس وقت المغرب العشرين من شهر شعبان سنة ستّ عشرة وستمائة. وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة فأكرمه سلطانها الملك المعظم مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين-﵁ وأحسن إليه إحسانًا عظيمًا-. وكان ينفذه رسولًا إلى الأطراف. أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزيّ-رحمه الله تعالى- قال: أنشدني قاضي خلاط لنفسه: [من الطويل] وقفت وربع العامريَّة داثر ... ودمعي ووجدي سابقٌ متواتر وقفت وذكراها تجدِّد لوعتي ... وأبكي كما تبكي الغوادي البواكر /٢٣٩ أ/ وأذكر أيَّامًا مضت ولياليًا ... وأظهر فيها ما تجنُّ الضَّمائر غداة النَّقا بالباهليَّة آهلٌ ... وحين الصَّفا بالعامريَّة عامر وقفت أدير الطَّرف في عرصاتها ... وأطلالها دارت عليها الدَّوائر ومن ..... تلك الغانيات عواطلًا ... لقد سكنت فيها المها والجاذر

стр. 301

.... ..... ... تملك ربع الآنسات النَّوافر فخالفني ..... في سائر المنى ... ووافقني بيتٌ من الشِّعر سائر (كأن لم يكن بين الحجون إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يسمر بمكَّة سامر) وأنشدني العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو البشائر لنفسه: [من البسيط] قال الهلال وعندي في مجالستي ... بدرٌ بوجهٍ على شمس الضُّحى سادا وفي فؤادي لهذا البدر منزلةٌ ... ما نالها أحدٌ قبلي ولا كادا ليس الهلال بمحبوبٍ لذي أربٍ ... وإن حببناه أحيانًا وأعيادا هذا يريد حياتي في مجالستي ... وذاك ينقص عمري كلَّما زادا [١٣٧] إسحاق بن معالي بن شماس /٢٣٩ ب/ بن هبة الله بن إبراهيم بن شماس، أبو إبراهيم الإربليُّ. وهو ابن أخي الوزير أبي الحسن عليِّ بن شماس وزير الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵁ صاحب إربل. كان عالمًا بأيام العرب وأشعارها، خبيرًا بلغتها وأخبارها. قرأ شيئًا من الهندسة والطب، ويرجع إلى حسن عشرة، وسهولى أخلاق. وكان يتولى الأهراء بإربل والتصرف لسلطانها الملك المعظم فرفع عليه مال جزيل عجز عن أدائه، فابتلى بسخط السلطان فأخذه وقيّده واعتقله إلى أن مات في السجن رابع عشر ربيع الأول سنة سبع عشرة وستمائة. وكان قد نيَّف على الستين. أنشدني القاضي أبو البركات محمود بن جعفر بن محمد بن محمود الإِربليّ،

стр. 302

قال: أنشدني إسحاق بن معالي لنفسه ما كتبه إلى عمّه الوزير أبي الحسن علي بن شماس بن الحسين يشتكي من دهره، ويستنصر على ما ألم به من طوارق اعترته، وحوادث لازمته: [من الوافر] /٢٤٠ أ/ جوًى بين الضُّلوع له ضرام ... وصبٌّ لا يزايله الغرام وأجفانٌ تسحُّ دمًا ودمعًا ... مسهَّدة إذا هجع النِّيام تولَّى العيش إذ ولَّت سليمي ... وواصل حيث فارقت السَّقام سقى الله العقيق وساكنيه ... ملثٌّ الدَّمع إن ضنَّ الغمام وحطَّت دونه نوب اللَّيالي ... وأضحى للسُّرور بها مقام ديارٌ رقَّ ثوب العيش فيها ... وطابت لي بساحتها المدام قطعت بها لييلات قصارًا ... على تلك اللُّييلات السَّلام ومهزوز القوام إذا تثنَّى ... يريك تثنِّي الغصن القوام يزور خياله من غير وعد ... إذا ألقى كلاكله الظَّلام ليعليم هل طعمت الغمض كلًّا ... لذيذ الغمض بعدهم حرام وكيف ينام صبٌّ مستهامٌ ... له في السِّجن عامٌ ثمَّ عام بلا جرمٍ تقدَّم منه لكن ... له في المجد بيت لا يرام له المولى جلال الدِّين عمٌّ ... عظيمٌ لا تساجله العظام وزير ممالكٍ ونفاق دهر ... وصدرٍ أكابر الدُّنيا إمام رأي الملك المعظَّم منه نصحًا ... ودينًا لا يخالطه أثام /٢٤٠ ب/ صحيح الودِّ ميمون المحيَّا ... له إن عبَّس الدَّهر ابتسام كفاني صرف حادثة اللَّيالي ... وقد خيفت ولي منه ذمام وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الأمير عزي الدين محمد بن بدر الكردي الحميدى: [من البسيط] يا موضع العنس أضحت وهي ضامرةٌ ... مثل الهلال على الأفق الجنوبيِّ يسائل النَّاس من يقري الضُّيوف ومن ... يروي السُّيوف ويروي كلَّ خطِّيِّ ومن يجير إذا ما الدَّهر جار ومن ... تذكى له النَّار في اللَّيل الدَّجوجيِّ إن شئت تدرك من هذي الصِّفات به ... من أكرم النَّاس مسموعٍ ومرئيِّ

стр. 303

أنخ بساحة عزِّ الدِّين خير فتًى ... محمَّد بن الفتى بدر الحميديِّ حلو الكلام ترى من لفظه عجبًا ... فصاحة البدو في ألفاظ كرديِّ ناديته وهو في مصر فجاوبني ... لله من مسمعٍ للخير مصغيِّ! فقام في نصرتي والنَّاس قد قعدوا ... عنِّي وبلَّغني كلَّ الأمانيِّ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه إلى جلال الدين أبي الحسن عمِّه [من البسيط] /٢٤١ أ/ ما كنت أحسبني وأنت على ... سامي التليل جلال الدِّين ذيَّال لكن أمورٌ قضاها فهي محكمةٌ ... تجري على غاية فينا وآجال والسِّجن لله والإفراج منه فما ... يغني احتيالٌ لذي رأي ومحتال والدَّهر والله لا يبقي على أحد ... ولا ترى حاله تبقى على حال فدم على فعلك الخيرات مجتهدًا ... فخير عاقبة من خير أفعال ولا تقف عند نقل النَّاقلين أذًى ... فصدق أقوالهم من شرِّ أقوال وأنشدني الحسن بن علي بن شماس، قال: أنشدني ابن عمي إسحاق لنفسه: [من البسيط] ويوم دجًى قطعناه بصافية ... من المدام ووجه الشَّمس مستور والبيت من فوقع ظلٌّ يشاكله ... بسط الزَّبرجد فيها الدُّرُّ منثور وله: [من الطويل] ألا إنَّما قومي حلالٌ أبوهم ... ولكنَّهم كالخمر والدها العنب فجاؤا حرامًا من حلال وإنَّهم ... لشرُّ بنين ينسبون لخيرات [١٣٨] إسحاق بن مروان بن أبي السعادات /٢٤١ ب/ بن أبي العلاء بن يوسف بن سعيد بن صاعد بن لاحق بن ثقف بن سمكان، أبو يعقوب بن أبي سعيد الموصليُّ النحويُّ العروضيُّ.

стр. 304

رجل أسمر طويل قصيف مكتهل يخضب بالسواد، يتشتيع من أبناء الجند، ومن بيت مذكو قديم؛ وهو جندي في خدمة الملك الرحيم أتابك بدر الدين أبي الفضائل- أعز الله نصره-. صحب الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد النحوي الضري ودرس عليه فنون الآداب؛ كالنحو واللغة والعروض والقوافي؛ وغير ذلك حتى انفرد على أقرائه، وتقدّم عليهم حينئذ بهذه الفضائل. وهو مع ذلك يعرف علومًا أخر من حل التراجم والنجوم والطب والوقف والحساب. وصنّف كتابًا في العروض سمّاه "الهادي" ونظم أرجوزة في الباه؛ وله شعر عجيب القوافي، أتى فيه بالمعجز البديع. أخبرني أنه ولد آخر النهار يوم الثلاثاء سادس جمادي الآخرة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بالموصل. وكان قد سيّره بدر الدين لؤلؤ- صاحب الموصل- ليكون له بها صاحب /٢٤٢ أ/ خبر من جهة التتار الملاعين- خذلهم الله تعالى- فبقي بها مدّة يطالعه بأخبارهم فيها؛ فلما دخل التتار المدينة استشهد في جملة من كان بها تحت قلعتها في شهر شوال سنة أربع وثلاثين وستمائة. أنشدني لنفسه هذه الأبيات بحوزان، يكون حرف رويّها وقافيتها أن تنشد مطلقة ومقيدة، ويجوز أن يكون حرف إطلاقها واوًا ويجوز أن يكون ياءً ويجوز أن يكون ألفًا، وهي بديعة في فنّها صنعها على أسلوب أبيات أبي الفتح البلطي الذي يقول في أوّلها: إنِّي إمرءٌ لا يطَّبيني ... الشَّادن الحسن القوام ما وقصيدة أبي يعقوب أولها: [من المتقارب] إلى م ألام على الغانيات ... وكم لي على صبوتي عاذل لا فهلَّا غنيت بين ثناء فتًى ... لم يزل جوده شامل لا أمينٌ هو الرُّوح في نسله ... جوادٌ لمن جاءه آمل لا كريمٌ يعمُّك قبل السُّوال ... عطاياه والمسعف السَّائل لا كميٌّ ليوث الشَّرى تتَّقيه ... على الصِّيد صائلةً صائل لا /٢٤٢ ب/ بليغٌ إذا أفحم النَّاطقون ... لما شاء من حكمةٍ قائل لا

стр. 305

به وبنائل معروفه ... سما رتبة الفضل والفاضل لا وسيرته حلي جيد الزَّمان ... وكم قد مضى زمنٌ عاطل لا عطاه إذا أجلَّ الباخلون ... عطاءٌ جزيلٌ أتى عاجل لا عليه الخناصر تثنى إذا ... فتى كرمٍ عدا وباخل لا إليه تشدُّ الرِّجال الرِّحال ... فيغمرها جوده الطَّائل لا ويصدر عنه عناء الفقير ... ويردع عن جهله الجاهل لا يعلِّم مادحه وصفه ... فيصبح كالمادح النَّاقل لا تخولف إلَّا على فضله ... ومدَّت يد الحقَّ والباطل لا وإنِّي كفاني إحسانه ... يدافعني الأسف الماطل لا ولست وقد شدَّ أزري به ... بمستمطر الطَّل والوابل لا فلا زال في نعمة وصفه ... عليه غدًا رتبة الفاعل لا وقد جاد في مدحه خاطري ... بما ..... مسلكه هائل لا إذا ما اعتمدت على عاملٍ ... بعاقبه غيره عامل لا فمن يحذ حذوي فليتَّئد ... فما كلُّ ذي طلبٍ نائل لا /٢٤٣ أ/ أمولاي إن أك أهدي القليل ... إليك فحلمك لي جامل لا فقد يتحف الملك تفًّاحةً ... وكلُّ البلاد له حاصل لا وكتب إلى الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين حسام أمير المؤمنين- أعّز الله نصره وأنفذ أمره-: [من الوافر] ألا يا أيُّها الملك الرَّحيم ... ومولّى جوده جمٌّ عميم ملأت الأرض عدلًا مثلما قد ... أضاء بوجهك اللَّيل البهيم فبرجك للقضا إيوان كسرى ... وجسرك ذا السِّراط المستقيم إليك أتيت أشكو شرح حالي ... وما ألقى وأنت به عليم أيحسن أن يقلَّ عليَّ رزقٌ ... أعيش به وأنت به زعيم وأن أرمى ببعد منك عمدًا ... وقلبي عن ولائك لا يريم وإنِّي ما أقام جبال رضوى ... على حبِّيكم أبدًا مقيم ولي من ليس يعذرني ولا لي ... بدفعهم يدٌ وهم خصوم

стр. 306

وعندي من يطالبني برزقٍ ... ويلزمني كما لزم الغريم وأنت وسيلتي وإليك أشكو ... كما يشكو إلى الطَّبِّ السَّقيم /٢٤٣ ب/ فخذ بيدي وعش في عزِّ ملكٍ ... أثي العرش ما سرت النُّجوم وأنشدني لنفسه في نار الأكراد: [من السريع] قد كانت النَّار إذا أوقدت ... في اللَّيل ترتاح إليها النُّفوس فاليوم قد صار يراه الفتى ... فينثني عنها بوجهٍ عبوس وأنشدني أيضًا لنفسه فيها: [من البسيط] كم أوقد الكرد في الدَّربند نارهم ... من خوفهم كدنيا من غير ما خبر والخوف أن يكذبوا فأعجب لحادثةٍ ... في صدقها آفةٌ للبدو والحضر وأنشدني أيضًا لنفسه من أول قصيدة في أتابك عز الدين مسعود: [من الطويل] أحنُّ إذا طيف الكرى زارني وهنًا ... يهزُّ قوامًا أهيفًا يخجل الغصنا ألمَّ وحيَّانا فأحيا وكم له ... يدًا عند مسلوب حشاشته مضنى سرى والدُّجى مرخٍ علينا ذيوله ... فجلَّا محيَّاه لنا السَّهل والحزنا يلوم على غمض الجفون ولو درى ... بأنَّ الكرى من أجله لم يعنِّفنا ولولا رجاء الطَّيف من بعد بعدكم ... يزور لحرَّمنا الرُّقاد وما نمنا حفزنا وضيَّعتم وفينا ولم تفوا ... ودمنا وما دمتم ونمتم وما بنا قطعتم وصلنا حلتم عن ودادنأ ... ونحن على حفظ المودَّة ما حلنا /٢٤٤ أ/ أخذنا عليكم موثقًا وبمثله ... حلفنا فمنتم في اليمين وما منّا وكنَّا لكم عن حادث الدَّهر جنَّةً ... فيا ليتكم في حقِّنا مثل ما كنّا وليت علمتم حالنا يوم بينكم ... ويا ليتنا ندري من اعتضتم عنَّا أألهاكم عنَّا سوانا ولم يكن ... لغيركم قلبي وإن غبتم معنى أخذتم بديلًا في الهوى وعذرتم ... وبان بأنَّ الهجر منكم وما بنَّا وكم ليلة غابت علينا نجومها ... وزهر الأماني من وصالكم بحنا أحبَّتنا بأن التَّصبر بعدكم ... فعودوا بوصلٍ أو عدونا فقد ذبنا

стр. 307

ألا فارحموا صبًّا كئيبًا متيَّمًا ... حليف غرامٍ لم يجد عنكم مغنى نحيلًا برته لوعة الشوق والأسى ... خفيًا عن العوَّاد إلّا إذا أنَّا يجنُّ إذا جنَّ الظَّلام بذكركم ... وكم مثله من عاشق في الهوى جنَّا مطيعًا بأسباب الهوى بين قلبه ... وبين التَّسلِّي عن مودَّتكم سجنا يلبِّي إذا ناداه داعي هواكم ... وإن هتفت ورقاء في غصنٍ حنَّا توعَّده طيف الخيال بهجره ... وكان على المضنى لباغيه ضغنا وانكحه التَّبريح قاضي وعيده ... فطلَّق طيب الغمض من طرفه الجفنا وأصبح مسلوب الفؤاد كمعشر ... توعَّدهم ملكٌ تعاظم أن يكنى /٢٤٤ ب/ أتابك عزُّ الدِّين وابن أتابك ... له حسبٌ يفنى الحساب وما يفنى فتًى من ملوك الأرض أعظم رتبةً ... أجلُّهم قدرًا وأفتاهم سنًا أبيٌّ من ..... ماجدٌ ... على غيره ..... الخناصر ما تثنى فواعجبًا منه وقد ملك الورى ... وآجالهم والعيش في يده اليمنى إذا ما سطا أفنى الرِّجال وإن همأ ... سحاب يديه أخجل البحر والمزنا له السَّبعة الشُّهب العوالي مطيعةٌ ... فمن شاء أقصاه ومن شاءه أدنى سما في العلا فالنَّجم لو رام شأوه ... تغنَّى ولم يقض له أربٌ عنَّا أخو همَّة ينفي المحال حلولها ... إذ الكون مقضيٌّ لها بالَّذي تعني على صفحات الدَّهر يكتب جوده ... العميم على الإحسان أضحت له الحسنى تراه إذا دارت رحى الحرب واشتكت ... من البيض واشتكى الزود والطَّعنا وأصبحت الشُّوس الكماة عوابسًا ... من الخوف من ضارب ..... وزلزلت الأرض الوقور وأترعت ... كؤوس الرَّدى والخيل تحسبها سفنا يصول على الجيش العرمرم وحده ... فيجعل أقصاه على بعده أدنى وكم هامة في الحرب جفنٌ لسيفه ... وكم نحر بطريقٍ سقى دمه اللُّدنا على سيفه في الرَّوع عهدٌ لنفسه ... إذا لم يصدَّ الهام لا يسكن الجفنا /٢٤٥ أ/ أميرٌ على الموت المميت فلم يطق ... على قبض إنسان ولم يعطه إذنا تذكره يردي نفوس عداته ... ويسلب منها في مامنها الأمنا كفى كلَّ عاف في الأنام نواله ... ومن أمَّه باللُّهى أغنى

стр. 308

فلو قيل بحرٌ غير ملحٍ وجوهرٌ ... بلا عرضٍ ما إن سواه ترهَّمنا أيا مالك الدُّنيا أيا ابن مليكها ... أيا خير من أغنى أيا خير من أقنى أيا خير من يدعى وأشرف منصتٍ ... وأكرم من أضحى الزَّمان له قنَّا حباك أمير المؤمنين بخلعةٍ ... فألبستها لمَّا تدرَّعتها حسنا فجئت أهنِّيها بما شرفت به ... فمثلك من عنِّى الزَّمان به يهنى فدم ما بدا ضوء الصَّباح مهنَّئًا ... وما ناح في الدُّوح الحمام وما غنَّى [١٣٩] إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف بن عليِّ بن عبد الله، أبو محمدٍ الخزاعيُّ الإربليُّ. وتوفى- بها- في سنة أربع وثلاثين وستمائة. أخبرني [أنه] ولد بإربل في شهر رمضان في سنة ثمانين وخمسمائة. شيخ قصير متصوف يترامى إلى طريقة التصوف، ويحفظ شيئًا من كلام الصوفية، ويتعاطى التكبر في نفسه، وعنده نوع حماقةٍ، وله أشعار. أنشدني- منها- بمدينة إربل /٢٤٥ ب/ ست وعشرين وستمائة، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي ﵀ [من المنسرح] يا من يجوب البيداء في الغسق ... هديت فاقبل نصيحتي وثق إيَّاك إن جئت حاجرًا فبه ... ظبيٌ يصيد الأسود بالحدق له قوامٌ كأنَّه غصنٌ ... تميله الرِّيح حفَّ بالورق يا ليت أنِّي أراه واحدةً ... في الدَّهر قبل الممات معتنقي قد كمل الحسن والصِّفات كما حاز ... كمالًا في الحسن والخلق الصَّاحب النَّدب ذو النُّهى شرف الدِّين من السُّوء والبلاء وقى وأنشدني له: [من الطويل] تراءت لي الدُّنيا اختيالًا وموَّهت ... بزخرفها حتَّى لقد كنت أهواها فأعرضت عنها حيث قابلت وجهها ... بغرَّتها بانت عيون خطاياها

стр. 309

وأنشدني قوله: [من الطويل] تخامرني عن نفحة الشِّيح نسمةٌ ... أغيب بها عن حظِّ طبعي وعن حسِّي فإن هي دامت كان عندي دوامها ... نعيمًا وإن عادت أعود إلى نفسي وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] /٢٤٦ أ/ وردت كتبكم عليَّ فكانت ... كقميصٍ أتى إلى يعقوب ذاك ردَّ الأعمى بصيرًا وهذا ... كان نورًا في قلبي المكروب وله وأنشدنيه: [من الوافر] كتبت وفي فؤادي نار شوقٍ ... لها لهبٌ وفي جفني سحاب فلولا النَّار بلَّ الدَّمع خطِّي ... ولولا الدَّمع لاحترق الكتاب

стр. 310

ذكر من اسمه أسعد [١٤٠] أسعد بن مهذّب بن زكريا بن مماتي, أبو المكارم, الكاتب المصري. أصله من نصارى لميوط- بليد بصعيد مصر. وهو من أهل بيت في الكتابة عريق يتوارثونه وكان جدّه أبو المليح مماتي كاتبًا لبدر الجمالي؛ وهو كالمستولي على الديار المصرية, ليس علي يده يد. وأما والده المهذب [فـ] كان كاتب ديوان الجيش بمصر في آخر أيام المصريين, وأول أيام بني أيوب مدّة. فقصده الكتَّاب, وجعلوا له حديثًا عند الملك /٢٤٦ ب/ فهمَّ به صلاح الدين يوسف وأسد الدين شيركوه- وهو يومئذ المتولي على الديار المصرية- فخاف المهذب فجمع أولاده, ودخل على السلطان وأسلموا على يده فقبلهم وأحسن إليهم, وزاد في ولاياتهم. ولما مات المهذب خلفه ابنه أبو المكارم على ديوان الجيش, وتصدّر فيه مدّة طويلة. ثم أضيف إليه في الأيام الصلاحية والعزيزية ..... ديوان المال- وهو أجل دواوين مصر- وتصدّر فيه. واختصّ بصحبة القاضي الفاضل ونفق عليه, وحظي عنده, وكرم لديه, فأقام بأمره, وأشاع في ذكره ونبّه على فضله. وكان يسمِّيه بلبل المجلس لما يرى من حسن خطابه, وجودة بيانه, وفصاحة منطقه, وكمال بلاغته. وكان متفردًا في عصره, فات النظراء بنظمه ونثره ذا فضل جلي وأدب عليّ, وشعر سويّ, وخاطر في الإنشاء قوي, ..... والفطنة الثاقبة, والدراية الصائبة. وصنّف عدّة تصانيف باسم القاضي الفاضل. ولم يزل كذلك إلى أن ملك الملك العادل

стр. 311

سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب- ﵁ الديار المصرية فكان وزيره والمدبر /٢٤٧ أ/ لدولته الصفي عبد الله بن علي بن شكر. وكان بينه وبين أبي المكارم ذحلٌ قديم أيام رآسته عليه. ووقعت من أبي المكارم إهانة في حق ابن شكر فحقد عليه, إلى أن تمكن منه. فلما ورد إلى مصر أحضر أبا المكارم إليه, وأقبل بكليته عليه, وفوّض إليه أمور الدواوين التي كانت باسمه قديمًا, وبقي على ذلك سنة كاملة عمل له المؤامرات, ووضع عليه المحالات, وكثر فيه التأويلات, ولم يلتفت إلى أعذاره فنكبه نكبة قبيحة, ووجه عليه أموالًا كثيرة وطالبه بها, فلم يكن لها وجه؛ لأنه كان عفيفًا ذا مروءة؛ فأحال عليه الأجناد فطالبوه وقصدوه ولزوه, فهرب إلى حلب وأقام إلى أن مات بها ثامن عشر جمادى الأولى سنة ستّ وستمائة ودفن بالمقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق المسلوك إلى دمشق خارج تربة أبي الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي الموصلي الخراط. وكان له نوادر مطبوعة, ونكت مستحسنة, وذلك أنَّ الملك الظاهر سلطان حلب كان قد استخدم السديد محمد بن المنذر على مصالح قناه حلب؛ /٢٤٧ ب/ فاتفق أن سئل القاضي الأسعد عن السديد بن المنذر ما هو؟ فقال مجاوبًا للسائل: مستخدم على القناة. أنشدني القاضي أبو الماثر عبد الصمد بن عبد الله بن أحمد المصري بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة, قال: أنشدني ابن مماتي لنفسه: [من مجزوء الرجز] لمَّا شكوت صدَّه ... وما لقيت من أذى ورقَّ قاسي قلبه ... وحبَّذا وحبَّذا قال: صفا الوقت ولكنَّ الرَّقيب كالقذى قلت: إذا غاب ارضني ... يا قاتلي, قال: إذا

стр. 312

وقال يصف أترجة كانت بين يدي القاضي الفاضل: [من السريع] لله بل للحسن أترجَّةٌ ... تذِّكر النَّاس بأمر النَّعيم كأنَّها قد جمعت نفسها ... من هيبة الفاضل عبد الرَّحيم وقال من قصيدة: [من الخفيف] لا تلم في اصفراره لاحمراره ... جلُّ نار القلوب من جلَّناره وهو خدٌّ يكاد يقتصُّ منه ... كلُّ طرف لولا أعتذار عذاره /٢٤٨ أ/ مارئي منكرًا مدام رضابٍ ... مذ روى طرفه حديث خماره ليس فيه من راحه لمريدٍ ... قبله تطفئ اضطرام اضطراره غير أنَّ الحياء فيه مضاهٍ ... للحيا في انهماله وانهماره أوجدا الفاضل الَّذي أوجد الجود فمن كفِّه انفجار بحاره وقال يصف الخليج يوم فتحه بالقاهرة: [من الوافر] خليجٌ كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرائي مسرَّه رأيت بها الملاح تجيد عومًا ... كأنَّهم نجومٌ في المجرَّه وقال في قصيدة عملها السديد أبو القاسم الكاتب "لامية مقيّدة": [من السريع] تبكي قوافي الشِّعر لاميَّة ... بيَّضتها من حيث سوَّدتها لمَّا علا وسواس ألفاظها ... ظننتها جنَّت فقيَّدتها وقال أيضًا: [من البسيط] أحبابنا والَّذي يقضي بألفتنا ... يوم الفراق ويخلينا من الفرق ومازلت أخبط في عشواء مظلمة ... من بعدكم وأبيع النَّوم بالأرق /٢٤٨ ب/ حتَّى ثويت بنار الشَّوق في حرقً ... وصرت أشرق من دمعي على الشَّرق فمتِّعوني ولو ليلًا بطيفكم ... ما دمت أقدر من روحي على رمقي وقال في غلام خيّاط: [من مجزوء الوافر] وخيَّاطٍ نظرت إليه مفتونًا بنظراته أسيل الخدِّ أحمره ... بقلبي ما بوجنته

стр. 313

وقد أمسيت ذا سقمٍ ... كأنِّي خيط إبرته واحسد منه ذاك الخيط فاذبرى ريقته وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل] يأ بدر تمٍّ هيَّجت ... شوقي لرؤيته المنازل وغدت أدلَّته على ... ما قلت فيه من الدَّلائل ظنَّ الشَّمول بريقه ... تخفى فاسكر بالشَّمائل رشا تفقَّه في الخلاف فصار يلقيه مسائل لا تقبلنَّ من الوشاة ... وتقبلن على العواذل فالعين قد جنَّت ببعدك والدُّموع لها سلاسل وأنشدني القاضي السعيد أبو محمد الحسن /٢٤٩ أ/ ابن إبراهيم بن الخشاب- أيده الله تعالى- قال: أنشدني ابن مماتي لنفسه بحضرة السلطان الملك الظاهر بحلب وقد حا [ن سقوط الثلج] فأشار عليه السلطان أن يعمل فيه شيئًا فأنشد بديهة: [من البسيط] قد قلت لمَّا رأيت الثَّلج منبسطًا ... على البسيطة حتَّى ضلَّ سالكها ما بيَّض الله وجه الأرض في حلبٍ ... إلَّا لأن غياث الدِّين سالكها وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه في المعنى: [من الطويل] بعزِّ غياث الدِّين غازي بن يوسف بن أيُّوب دام النَّصر واتَّصل الفتح فشبَّهته في الدَّست والثَّلج حوله ... فقلت سليمان بن داود والصَّرح وله وقد خرج مع العماد أبي حامد الكاتب الأصفهاني إلى ثغري دمياط والإسكندرية، فوصلا إلى ترع وخلجان ومخاضات وغدران، فقال بديهًا: [من البسيط] لو أطلق الدَّمع مشتاقٌ ومدَّكرٌ ... لمن يحبُّ لأشفينا على الغرق /٢٤٩ ب/ لكنَّما هذه الخلجان قتاقه ... لأنَّها رشح ما يغضي من الحدق

стр. 314

[١٤١] أسعد بن عليِّ بن المبارك بن عبد الغفار بن محمدٍ، أبو القاسم الواسطيُّ، المعروف بابن رشادة الواعظ. ولد بواسط، وبها نشأ، وتوفي فيها في جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة وستمائة. وكان فقيهًا شافعيًا فاضلًا حافظًا للقرآن العزيز، لطيف التكلم في المواعظ؛ له فصول وعظية وشعر. أنشدني ولده أبو المظفر عبد الله، قال: كتب إلى والدي من واسط، وأنا مقيم يومئذ بالجزيرة العمرية لنفسه من صدر كتاب، وأنشدنيها فيما بعد ذلك: [من الكامل] أحباب قلبي لا الطَّلاقة بعدكم ... عندي ولا ذاك السُّرور بباقي جهَّمت وجهًا كان قبل فراقكم ... طلقًا وساءت بعدكم أخلاقي قسَّمت قلبًا كان غير مقسَّمٍ ... وأرقت دمعًا كان غير مراق فغدت على الإنفاق كلّ ذخيرة ... ولأدمعي مددٌ على الإنفاق /٢٥٠ أ/ دمعًا لو أنَّ الورق تبكي شجوهًا ... يومًا به عطلت من الأطواق صبرًا على نوب الزَّمان فرُّبما ... سمح الزَّمان برجعةٍ وتلاقي [١٤٢] أسعد بن أحمد بن موسى بن منصور بن عليِّ بن نصرٍ، أبو المحاسن الإربليُّ الخزندار. كانت ولادته بإربل، وبها توفي في ليلة الخميس سابع المحرّم سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وقد جاوز أربعًا وثمانين سنة. وكان يتولّى خزانة السلاح بإربل من قبل سلطانها الملك المعظّم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵁. وكان شيخًا فكهًا ظريفًا يستظرف أشعاره ويستعذبها من يسمعها.

стр. 315

أنشدني أبو محمد الحسن بن أفشين بن حسنون الإربلي، قال: أنشدني أبو المحاسن لنفسه من قصيدة ويعرض فيها بنواب مطبخ الملك المعظم مظفر الدين-﵁: [من الكامل] والعدل عثمان المعنَّى لم يزل ... في المطبخ المعمور خلف المنزل عيناه إن رمدت تشمُّ دخانه ... تشتمُّ رائحة الطَّبيخ فتنجلي /٢٥٠ ب/ ينقضُّ كالشَّاهين إن لاحت له ... زبديَّة السِّكباج حتَّى يمتلي ويقول: لا شلَّت يدا طبَّاخها ... هذا النَّعيم فلا عدمنا جوسلي وأنشدني: قال: أنشدني أبو المحاسن: [من الطويل] إذا كان شعر المرء في أمِّ رأسه ... قليلًا وباقي الرَّأس من شعره قفر فذاك دليلٌ أنَّه ليس عنده ... من الخير شيءٌ بل بساحته شرُّ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يهجو المنتجب إبراهيم بن أبي نصر. وكان هذا رجلًا من المعدلين بإربل، ويلقب مشكي: [من مخلّع البسيط] رأيت ثورًا على جوادٍ ... ووجهه المكفهرُّ يبكي فقلت: من ذا، فقيل: هذا ... منتجب الدِّين، قلت: مشكي وله وأنشدني ولده أبو المجد، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من الوافر] إذا ..... لم يغن عنِّي ... معالجة الطَّبيب ولا الدَّواء ولا يغني سوى التَّقوى وحبِّي ... بقومٍ شمل ضمِّهم العباء وأنشدني أيضًا ولده المذكور، قال: /٢٥١ أ/ كتب إليّ والدي لنفسه وأنا بالموصل: [من الطويل] فدتك حياتي والحياة عزيزةٌ ... لأنَّك أحلى من حياتي وأعذب فلا كان يومٌ لا أرى فيه شخصكم ... فبعدكم عنِّي من الموت أصعب قال فأجبته بهذين البيتين: [من البسيط] إذا ذكرتك كاد الشَّوق يقتلني ... وأرَّقتني صباباتٌ وأوجاع فإن نطقت فكلِّي فيك ألسنةٌ ... وإن سكتُّ فكلِّي فيك أسماع

стр. 316

ومما نسب إليه أيضًا من الشعر: [من الطويل] كتبت بأقلام اشتياقي إليكم ... سطور دموعي كزمًا مدادها وهاجر قلبي بعدكم كلَّ لذَّة ... كما هجرت عيني لذيذ رقادها وجانب جنبي مضجعي فكأنَّما ... وسادي محشوٌّ بشوك قتادها [١٤٣] أسعد بن سعد بن زين العابدين الجرباذقانيُّ، أبو سعدٍ. كان ذا علم بالعربية والآداب؛ فاضلًا شاعرًا مشهور الذكر ببلده. أنشدني محمد بن أحمد الجرباذقاني الفقيه، قال: أنشدني أسعد لنفسه: [من الطويل] /٢٥١ ب/ حنانيك يا صدر ..... ..... نحو لقياك جأشه فأنحى عليه إذ أثيرت ضبابةٌ ... فمن يحترشه اليوم جلَّ احتراشه [١٤٤] أسعد بن عبد الرحمن بن الخضر بن هبة الله بن عبد الواحد بن حبيشٍ، أبو التمام التنوخيُّ. أصله من حماة. وكانت ولادته بدمشق في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شوال. وكانت وفاته رابع صفر سنة خمس وثلاثين وستمائة بالمَّزة من نواحي دمشق. وكان أحد الشهود المعدلين بدمشق، واستوطنها إلى أن توفي بها. وكان يكتب الشروط على باب جامعها، وإمامًا بمسجد واثلة بن الأسقع باب الصغير. وسمع الحديث من أبي الفضل الحدوي، وحدّث عنه وعن غيره.

стр. 317

وكان ينظم شعرًا حسنًا رائقًا؛ ولي منه إجازة بجميع رواياته ومقولاته من النظم والنثر؛ وله أدب وفضل. ومن شعره: [من الخفيف] خلِّ لومي يا لائمي في البكاء ... كلُّ داءٍ رأيته دون دائي /٢٥٢ أ/ نح معي ساعةً مع الرَّبع إنَّ الرَّبع أقوى من سادتي الكرماء هول يوم الفراق فرَّق قلبي ... فرقًا من شماتة الأعداء لهذ نفسي على الَّذين تولُّوا ... إذ تولَّوا بفطنتي وذكائي فغرامي من بعدهم لي غريمٌ ... ليس ينفكُّ والسَّقام ردائي خيَّموا يوم بينهم في فؤادي ... وأقاموا في منزل البعداء ليس آسي على الحياة لأنِّي ... بعدهم في مراتب الشُّهداء ومما أنشدني لنفسه: [من السريع] فعل الفتى يخبر عن أصله ... فاختبر الإنسأن من فعله ولا تعاتبه على زلَّةٍ ... واحمله إن شئت على جهله واصبر إذا الخلُّ جفا لا تقل: ... كم يصبر الخلُّ على خلِّه وأدرج الأيَّام حتى إذا ... ما سأل الدَّهر به خلِّه إن لم تكن أصلًا بليغ الأذى ... عنك وإلَّا كنت من أهله وأنشدني الأمير أبو حفص عمر بن أسعد بن عمار، قال: حدّثني أبو التمام بدمشق في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وستمائة /٢٥٢ ب/ قال: جاءني من سألني أن أعمل له على وزن قول الشاعر: إن يكن حبلك من حبلي وهى ... فإلى شوقي إليك المنتهى قال: فقلت بديهًا: [من الرمل] وإلى رؤياك طرفي طامحٌ ... وإلى غيرك يومًا ماسها كم أسلِّي النَّفس يا متلفها ... وهي لا تزداد إلَّا ولها

стр. 318

ولزوم الصَّبر يا منيتها ... وغرامي بك للصَّبر ..... قال لي العاذل: ماذا تشتهي ... قلت: هل غير حبيبي يشتهي يخجل البدر إذا عاينه ... وتغار الشَّمس ..... ..... إنتهى وجدي به عن صدِّه ... وتناهى بي وعنه ما انتهى وأخبرني أيضًا، قال: أتاني من سألني وأنا بالجامع أن أضع على وزن بيتي عمر بن الشحنة وهما: نعم عند الكثيب الفرد والبان وواديه غزال ثمل اللَّحظ من الشَّوق بناديه قال: فقلت بديهة: [من مجزوء الهزج] /٢٥٣ أ/ وأبكيه إلى أن ضحك الرُّوض بواديه غزالٌ عزَّ لقيأه ... ومن لي بتلافيه ووجهٌ سجد البدر له سبحان باديه أراني الورد من خدَّيه ... والصَّهباء من فيه فلو عاينه العاذل ما عنَّفني فيه تعالى الله ما أحلى ... تلافي في تلافيه وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن حمدان العروضي الموصلي، قال: أنشدني أبو التمام لنفسه ما خلا البيت الأول: [من مخلّع البسيط] (إن قدَّر الله بالتَّلاقي ... وكفَّ عنَّا يد الفراق) وعاد عود الوصال غضًّا ... بعودة الأهل والرِّفاق شكوت ما في الفؤاد منكم ... لتعلموا بعض ما ألاقي فما لذا البعاد شافٍ ... ولا للسع الغرام راقي يا سادةً حين فارقوني ... طلَّقت أنسي كلَّ الطَّلاق صبري من بعدكم تولَّى ... عنِّي وجيش الغرام باقي /٢٥٣ ب/ فالجسم في جلَّق مقيمٌ ... والقلب في حيِّز العراق وإن تصبَّرت قال وجدي ... صبرك هذا من النِّفاق

стр. 319

يا لهف نفسي على زمان ... بهم تولَّى عذب المذاق أمرض بعد المزار عنكم ... قلبي وأضناني اشتياقي وصرت في أمركم رهينًا ... فخلِّصوني من الوثاق وعلِّلوني منكم بقربٍ ... قد بلغت روحي التَّراقي وقال أيضًا: [من الكامل] أترى الأحبَّة عاقهم مرض ... أم هل لهم في غيرنا غرض وعدوا الزِّيارة مغرمًا بهم ... لكن حديث الزُّور ينتقض إن أعرضوا فهم أحبَّتنا ... أو أعرضوا ما منهم عوض هب أنَّهم غدروا بلا سببٍ ... من ذا على الأحباب يعترض يا لائمي في حبِّهم سفهًا ... هم جوهرٌ وسواهم عرض قد خانني الصَّبر الجميل فهل ... من مقرضي صبرًا فأقترض [١٤٥] أسعد بن نصرٍ، أبو غانمٍ الأبزريُّ. /٢٥٤ أ/ كان من بلد بفارس يعرف بأبزر. وكان فقيهًا جدلًا مناظرًا أصوليًا، درس علم الخلاف وأتقن طرفًا من الحكمة، ونظر في فن الأدب، وإنشاء الرسائل، وصنّف التصانيف مع قوله للشعر. وكان يميل إلى الأدباء والفقهاء، ويحبّ المناظرة؛ فلما رآه صاحب فارس ماهرًا في العلوم، متبحرًا في فنونها عرض عليه وزارته، فأبى عنها. وكان يعمل عمل الوزارة إلَّا أنه لم يكن يليها. وكان إليه الأمر والنهي والحكم ببلاد فارس أجمع. وكان يلقب عميد الملك. وبقي إلى سنة إثنتين وعشرين وستمائة ثم قتله صاحب فارس. ومن شعره يقول: [من الكامل] من للمحبِّ براجل أو فارس ... ينبئه حالًا عن أحبَّة فارس ينبيه عن غزلانها رأد الضُّحى ... يصر عن لحظًا كلَّ ليثٍ فارس

стр. 320

مفتون نيرنجات أسود ساحرٍ ... وقتيل نارنجات غصن فارسي ومباسم لو ذاقها دنف الهوى ... حسد الزمان على نعيمٍ يابس وقال أيضًا: [من الطويل] /٢٥٤ ب/ بنفسي فؤادٌ يزدهيه غرام ... ولا سيَّما إن حلَّ منه مرام مرامي مرامي والسِّماكان دونها ... إذا حلَّ شكلي خطوه فتمام فخطوي لقومٍ آخرين مراحلٌ ... وساعي أيَّامٌ ويومي عام وما أدَّعي في الفضل فهو مسلَّمٌ ... وما يدَّعي غيري ففيه كلام ألام على حبِّ الكمال وحبَّذا ... ملامٌ على حبِّ الكمال يلام [١٤٦] أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن رجب بن هبّان بن سوار بن عبد الله بن ربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يربوع بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو المعالي السُّلميُّ السِّنجاريُّ: القاضي الفقيه الشافعيُّ.
следующие страницы →