← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

أنا قد سألتك حلوةً ... من ذا سالك عن العيال أمَّا الهمام فإنَّه ... رجلٌ ترفَّع بالمحال يستوعب الدَّخل الحرا ... م ولا يعفُّ عن الحلال الجمال: يونس بن الظهير كان نائب سيف الدين علي بن كهلان بالمحلّة. والهمام كان بين يديه يستوعب الحاصل من الجنايات. وقال أيضاً وقد طلب منه بعض المطربين أن يعمل له غزلاً في معنى اختاره مذكراً ومؤنثاً: [من مجزوء الكامل] منعت وصال من الوصال ... فبقيت مرتقب الخيال حتَّى أبثَّ إليه ما ... لاقيته من سوء حالي أرعى العهود لبانة ... صرمت بلا سببٍ حبالي ما بالها تسلو وما ... خطر السُّلوُّ لها ببالي يا طيف إن ساعدتني ... بعد القطيعة بالوصال لأعذِّب الأيَّام بالاً ... حلام من قصر اللَّيالي كم ليلة قضَّيتها ... بين الغزالة والغزال مع كلِّ خودٍ كالغلا ... م وشادن خنث الدَّلال يرنو إليَّ بمقلتي ... ريمٍ ويبسم عن لآلي حلو الشَّمائل وجنتا ... هـ أرقُّ من ورد الشَّمال وقال يتغزل: [من السريع] أما ترى النَّرجس من جفنه ... يرشق جاني الورد من وجنتيه وسوسناً نثَّ علينا الَّذي ... قد كتب الرَّيحان في عارضيه ولؤلؤاً نضِّد من ثغره ... بين عقيق ساق حتفي إليه فوالَّذي قلَّب قلبي له ... لازلت أهواه وأحنو عليه وقوله يذم التكبر: [من الطويل]

стр. 2697

ولمَّا رأيت الكبر يزري بأهله ... تواضعت حتَّى عظَّم النَّاس حاليا إذا الكبر زار المرء شان جماله ... وأصبح من ثوب الرِّئاسة عاريا وقال يمدح سعد الدين أستاذ دار الملك المؤيد مسعود بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بمصر: [من مجزوء الكامل] أقسمت بالثَّغر النَّقيِّ ... وبحسن وجه يوسفيِّ وبعقرب الصُّدغين فو ... ق بنفسجٍ غضٍّ طريِّ وبنرجس العينين أقـ ... ـسم لا بسحرٍ بابليِّ وبحاجب حجب العيو ... ن عن القوام السَّمهريِّ وبخصره الواهي الدَّقيق ... وورد خدَّيه البهيِّ وبمبسم عطر اللِّثات ... وظلم ثغر لؤلؤيِّ لا حلت عن مدحي لسعـ ... ـد الدِّين ذي الأصل الزَّكي الواهب الأموال للسُّـ ... ـؤَّال بالكفِّ السَّخيِّ فحباه يغني مادحيـ ... ـه إذا أتوه عن الحبيِّ وقال يصف بغداد ويتشوّق إليها: [من المتقارب] أحنُّ إلى الجسر والرَّقتين ... ودار السَّلام وسكَّانها وتاج الخلافة والجانبين ... من الشَّطِّ والظِّلِّ من بانها وباب المراتب والزَّند ورد ... ونهر المعلَّى وغزلانها وسوق العميد وباب الحديد ... وحور الجنان وولدانها واسأل ذا الطَّول ربِّ العباد ... إدامة دولة سلطانها وقال في صبيّ كلما زاده إحساناً زاده إساءة. وكان قد أنحله هواه فذكر الإساءة فجفاه: [من البسيط] لا تعجبوا لمحبٍّ كنت أوثره ... بناظريَّ وبروحي كنت أفديه أسدى إليَّ قبيحاً كي يعاقبني ... فكان للهجر أحلى من تلافيه وعيده أن ما أسداه يمرضني ... فكان عين شفائي والدَّوا فيه فليته لا يزال الدَّهر يفجعني ... بصدِّه وبصابٍ من تجنِّيه

стр. 2698

وقال يمدح الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد من قصيدة: [من المنسرح] يا ليلةً زارني محيَّاها ... بغير وعد ما كان أوفاها قرنت أولى زيارةٍ سمحت ... على محبٍّ بيمن أخراها بتُّ أعاطي بك الكؤوس فما ... ألذَّها في فمي وأحلاها أمزج من ريقها المدام وقد ... تغزَّلت بالمدام عيناها في ليلة والرَّقيب منعزلٌ ... أحبُّها والحسود يشناها أضاء لي ثغرها الظَّلام فما ... أزال أثني على ثناياها جاريةٌ كالقضيب لو دعت الـ ... ـميِّت من قبره للبَّاها أبدع في خلقها الإله فما ... أحسن ما صاغها وسوَّاها أنسى صلاتي إذا خلوت بها ... وهي مع الدَّهر لست أنساها لا سيَّما والنُّفوس في يدها ... تأمرها تارةً وتنهاها أحفظ عهدي لها وتحفظني ... وذاك مازال من سجاياها تزيد قلبي أسى وتهجره ... وهو على الحالتين يهواها لولا هواها يذيبني حرقاً ... ما صرت عبداً وكنت مولاها تسهرني والنُّجوم خافقةٌ ... قد حدَّجت للسرى مطاياها مرتمياتٍ بنا إلى الملك الـ ... ـصَّالح أعني به شهنشاها وقال وقد استدعاه الملك العزيز عثمان بن يوسف ليلاً وجعله جليساً له: [من الخفيف] لست أخشى صرف الزَّمان إذا ما ... نظرتني مواهب السُّلطان ملكٌ كنت ميِّتاً قبل مرآ ... هـ فلمَّا رأيته أحياني [٩٧١] يوسف بن ضوء بن عليِّ بن ضوء بن هيماج بن عليِّ بن ضوء بن كيسان بن عليِّ بن ضوءٍ، أبو يعقوبٍ الربعيُّ. من أهل إربل ومن بيت مشهورٍ بها.

стр. 2699

وكان رجلاً مطبوعاً، معاشراً فيه تودّد وكياسة، يحكي الحكايات المستحسنة، ويحفظ من النوادر والأشعار كثيراً، وينظم أشعاراً لا بأس بها. وكان يخضب بالسواد. وكانت بيني وبينه صحبة أيام مقامي بإربل. وكان يخدم بها متصرفاً. ثم رحل عنها إلى حلب، وتولّى بمعرة النعمان ولايةً فلم يمكث بها إلَّا قليلاً حتى أتت عليه منيَّته؛ وذلك في رجب سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة- رحمه الله تعالى-. ومما أنشدني لنفسه بإربل في سنة خمس وعشرين وستمائة: [من الطويل] هوىً عاد لي طفلاً وقد كان مكتهل ... وصار قشيباً بعد ما كان مضمحل وعاودني منه الغرام الَّذي مضى ... من الشَّوق والتَّبريح إذ كان قد رحل فقلت له فيما أتيت وما الَّذي ... تريد وثوبي في الشَّبيبة قد سمل وهل يقبلنَّ البيض منِّي تشفعاً ... إليهنَّ بيضاً في العذار فاحتمل وما من شفيعٍ في وصال أرومه ... فيشفع لي في وصلهنَّ إذا وصل هو الحبُّ لا يسلى بشيبٍ وكبرةٍ ... مدى الدَّهر في قلب الكريم إذا نزل وأنشدني لنفسه إملاءً: [من البسيط] قد كنت في دعة ألهو بلا فرقٍ ... إذ كان سيَّان عندي العود والحطب فمذ تأدَّبت نابتني نوائبه ... وفي التَّأدب إن عاينته نوب وأنشدني أيضاً قوله: [من المتقارب] أما والهوى واختلاس القبل ... وورد الخدود وغنج المقل لقد شرَّد النَّوم عن مقلتي ... بدر العقيقين لمَّا أفل وأنشدني لنفسه في غلام فقيهٍ: [من الطويل] رأيت فقيهاً يافعاً عند شيخه ... يباحثه في درسه ساعة الدَّرس وفي وجهه نورٌ كبدر دجنَّة ... إذا ما بدا في الحسن أو ألق الشَّمس يقول له يا شيخ قد قال ربنا ... تعظَّم في تنزيله: النَّفس بالنَّفس فقلت له: يا أحسن النَّاس منظراً ... وعلماً غزيراً ليس في العلم من لبس أجرني لقد أتلفت نفسي عامداً ... ولا تعص قول الله للجنِّ والإنس

стр. 2700

فقال ولم يفكر: صدقت، وإنِّما ... أراد به الأحرار يا صاحب الحسِّ [٩٧٢] يوسف بن عامر بن أبي عبد الله بن أبي نصر بن عليِّ بن أحمد بن الوهبي، أبو سعد الموصليُّ المعروف بالشَّحَّاميِّ. قرأ طرفاً من فقه الإمام الشافعي- ﵁ على الشيخ أبي حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة الموصلي- فقيه الموصل- وكان قبل ذلك مرتباً بالمدرسة النوريّة. ثم سافر إلى الشام سنة ستمائة، ونزل دمشق ولم يزل بها مقيماً إلى أن مات سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة. صار إليّ من شعره قصيدة مدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر- صاحب الموصل- ويهنئه بالنيروز وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة- رحمه الله تعالى-: [من الخفيف] أنا مالي وللظُّبا والعوالي ... وسموٍّ إلى سماء المعالي أنا مالي صبرٌ على الطَّعن والضَّر ... ب وبالي لا يستلذُّ وبالي لست ممَّن يروم حرباً إلى حرب ... ولا غزو ضمرةٍ وهلال أنا أهوى للبيض والسُّمر لا سمـ ... ـر العوالي ولا لبيض النِّضال إنَّ بيض الخدور أحلى من البيـ ... ـض وصدم الأبطال بالأبطال أنا مالي بين الصُّفوف مجالٌ ... يوم عثر الرِّجال بالآجال أيُّ فخرٍ إذا أتيت طعيناً ... أو رهيناً أو جاثماً من قتال إنَّما الفخر في وصال الأغاني ... بالمغاني من دون قيل وقال أو مديح المولى المؤيَّد نور الدِّ ... ين ربِّ الإحسان والإفضال ملكٌ جلَّ عن مشابهة الخلق ... وعن كلِّ لاحقٍ أو تالي فهو بين الملوك واسطة العقـ ... ـد وجلَّ المولى عن التمثال يا أرسلان شاه يا مالك الحد ... باء يا من علا على كلِّ عالي قد أتاك النَّيروز السَّعيد بجدٍّ ... صاعدٍ مخبرٍ بخير مال

стр. 2701

حين عاينت عرَّة العام نادا ... ك منادٍ بالعزِّ والإقبال إن يكن للزمان فيك لسانٌ ... كان والله ناطقاً في المقال ولنادى بصوته في البرايا: دمت في الملك مع دوام اللَّيالي قد أتاك الهناء يرفل من لفـ ... ـظي تيهاً في ثوب سحرٍ حلال كم به أكبت الحسود وكم أسـ ... ـحب من فرط برده أذيالي دمت لي في سعادةٍ وسرورٍ ... ونعيمٍ يأتي بغير زوال [٩٧٣] يوسف بن عبد الله بن أبي الفضل بن عبد الله بن عليِّ بن الخشاب الأديب أبو المحاسن بن أبي الفرج القاهريُّ المصريُّ. من شعراء الديار المصرية. أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، قال أنشدني أبو المحاسن بن الخشاب لنفسه: [من البسيط] صبِّر فؤادك فالعقبى لمن صبرا ... ولو تجرَّعت في ترك الهوى صبرا ألم يعظك من الدُّنيا الذي خطرا ... حتَّى ركبت إلى نيل المنى خطرا يا لاهياً عمره في غيِّه عبرا ... أنظر مصائر من ولَّى تجد عبرا أين الملوك الألى أمسوا بها سمرا ... لا يملكون بها ضالاً ولا سمرا طافوا البلاد وأبقوا بعدهم سيرا ... ومن تمادى قليلاً عمره سيرى تضاحك الداهر فيما بينهم شجرا ... إذ لا ينالون لا ماءً ولا شجرا إنَّ الفتى إن عصته نفسه نهرا ... وأطلق الخوف من أجفانه نهرا فازجر فؤاداً بأحداق المها سحرا ... واستغفر الله من ذكر الهوى سحرا ما بذَّ طرفك إلَّا صائداً قمرا ... قمرت عقلك فاترك سبل من قمرا واجهد لتلقى فتىً من مكرها نفرا ... فكم أضلَّ وأردى مكرها نفرا وكن كصاحب لبٍّ طرفه قصرا ... أن يجتني الذَّنب لا عن توبة قصرا كم عامرٍ لسواه هادمٍ عمرا ... وهادمٍ بالتُّقى ما غيره عمرا

стр. 2702

وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني يوسف بن عبد الله لنفسه: [من المتقارب] نويت إلى ربعكم حجَّتي ... وطالت على بابكم وقفتي أطوف على ربعكم خاضعاً ... طواف الإفاضة من عبرتي فؤادي الحطيم بكم أو منّى ... وزمزم ما فاض من مقلتي ركنت إلى ركن ظنِّي بكم ... وصيَّرت قصدي لكم كعبتي ترى هل لأيَّامكم عودةٌ ... تردُّ عليَّ اللَّيالي الَّتي ألا يا بريقاً أضا بالغضا ... لقد هجت نحوهم لوعتي ويا نسمةً ما انطوى نشرها ... من البعد إلَّا إلى مهجتي نعيمي إذا أنعموا بالرِّضا ... وإن هجروني فيا شقوتي أعزُّ إذا قيل يا عبدهم ... وعزِّي بغيرهم ذلَّتي خلعت العذار على حبِّهم ... فطاب افتضاحي على عفَّتي وهذا حديث غرامي بهم ... ولا تسال الغير عن قصَّتي وأنشد أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الفقيه الشافعي الهمداني الإسكندري في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن الخشاب المصري لنفسه بالقاهرة المعزِّيَّة: [من الكامل] يا ناصباً لي في الهوى أشراكا ... أنا والأنام بأسرهم أسراكا نظرك إليك نفى عن العين الكرى ... وهواك أصعب ما لقيت هواكا أعدى إلي السُّقم طرفك عندما ... أهدى إليَّ تبلبلي صدغاكا وأقام محتصر العذار قيامتي ... لمَّا اكتسى بجديدة خدَّاكا أنا عبدك الرَّاضي بحكمك فاحتكم ... قلبي أسيرك لا يروم فكاكا غرضي رضاك فصل هواك وخن وجر ... واهجر وصدَّ فإنَّني أهواكا أمثال كلِّ الحسن لو خلق الهوى ... شخصاً لكنت أنا الممثِّل ذاكا سل ناظري عمَّن حلا فيه يقل ... يا مشرقي بالدَّمع ما أحلاكا واستقر أحشائي فإن تك باقياً ... في طيِّها قلبي وأنت هناكا إنِّي لأقنع من وصالك بالمنى ... وأسرُّ أنِّي في المنام أراكا وتقرُّ عيني أن تمرَّ مسلِّماً ... متبسماً فأذوق طعم رضاكا

стр. 2703

حتَّى م أصفيك الوفا وتشوبه ... وافي وتغدر بي فما أجفاكا يا وجنتيه ما أرقَّكما ويا ... قلباً يحلُّ حشاه ما أقساكما ماذا تريد من السَّليم تعلُّه ... سمّاً فحسبك ما به وكفاكا حاشاك أن تلفى بحسنك شانياً ... بخلائقٍ مذمومةٍ حاشاكا [٩٧٤] يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافعٍ، أبو المحاسن بن القاضي أبي محمدٍ الأسديُّ. كانت ولادته في شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة. وتوفي يوم الأربعاء ثالث المحرم سنة .... وثلاثين وستمائة. من بيت علم وفقه وخير وصلاح. كان والده قاضي القضاة بحلب. ونشأ أبو المحاسن هذا فتخلَّق بأخلاق أبيه السَّنيَّة، واقتدى بأفعاله الجميلة الرضية؛ فنبغ شاباً ذكياً حسن السيرة مرضياً ذا قبول ولطافةٍ، وفخامة قدر وظرافة. أخذ من الفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ جزءاً متوفراً، وتأدّب وناب عن والده في الدروس بالمدرسة الرواحيّة شمالي المسجد الجامع، وتكلم في المسائل الخلافية وأجاد وطاوعه خاطره في نظم الشعر، فقال منه القطع الغزلة السهلة المأخذ، وظهرت عليه النجابة. وتميَّز على أقرانه، وأبناء زمانه. وكملت آدابه؛ وتوفي أكمل ما كان شباباً. رأيته بحلب ولم أجتمع به. أنشدني الشيخ الإمام الأمين المعدل شمس الدين أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أحمد بن مبادر بن الضحاك التاذفيّ ثم الحلبيّ بها، قال: أنشدني أبو المحاسن يوسف بن القاضي عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي الحلبيّ لنفسه: [من الطويل] تبارك خلَّاق وجهك الحسنا ... واظهر في كفَّيك معجزة الحسنى

стр. 2704

وأوجد في يساك يسر مرادنا ... يميناً وفي اليمنى السَّلامة واليمنا وأبدع في أخلاقك الغرِّ فاغتدت ... هي الثمرات الطَّيِّبات إذا تجنى واطلع بدراً في منازل سعده ... وأبدى قواماً قد حكى الأسمر اللَّدنا فأنت حبيب القلب سرّاً وجهرةً ... بما حزت من لفظ بديعٍ ومن معنى وأنت دواءٌ للسَّقيم بنظرة ... يعيش بها أو أن تبلِّغها مثنى فللَّه أوقاتٌ على الخيف من منىً ... تحوز المنى والعين مطروفة عنَّا وكم ليلةٍ وافيته في ظلامها ... فعاد ضياءً من سنى وجهه الأسنى ولمَّا بدا والبدر وافاه في الدُّجى ... فقالوا فما أنصفت أعلاكما الأدنى فحين رماني الله بالبعد والنَّوى ... سألت لمغناه يجيب فما أغنى ولولا رجاء الطَّيف أن يطرق فكري ... وإلَّا لكان الصَّبر من بعده يفنى فاسأل ربَّ الخلق يجمع بيننا ... على حالةٍ ترضي الودود كما كنَّا وأنشدني، قال: أنشدني يوسف بن عبد الله الحلبيّ لنفسه: [من الطويل] ألا هل لنا بعد التَّفرق مجمع ... فعيني لا يرقى لها الدَّهر مدمع نأيتم وألهبتم فؤادي صبابةً ... عسى عطفةٌ منكم وفي القوس منزع وحرَّقتم الأحشاء بعد بعادكم ... فكيف أروم البرَّ أو كيف أطمع وأوقرتم سمعي عن العذل بعدكم ... فلا أرعوي عذلاً ولا الأذن تسمع أطعت لغيِّي في الهوى وضلالتي ... وعاصيت سلواني وذلك انفع سقامي نجمٌ إن حضرتم فغائبٌ ... وإن غبتم عنِّي فإذ ذاك يطلع حرمت لذيذ النَّوم بعد فراقكم ... فعيني لا تغفو ولا هي تهجع ولا يرتجي الملهوف إلَّا وصالكم ... فبالوصل ينأى السُّقم عنه ويقلع وأنشدني، قال: أنشدني أبو المحاسن قوله: [من الطويل] أيا سائق الأظعان رفقاً بها رفقاً ... فلا سلوتي تحيا ولا عبرتي ترقا تعزَّيت بالأسقام لمَّا رأيتهم ... وحادي ركاب القوم يحدو بهم شرقا فناديته بالله قف لي هنيئةً ... فقال وما ألوى: يجنَّبها الأشقى فلمَّا سمعت القول أهويت صاعداً ... وجسمي على نيران هجرهم ملقى إذا هاج تذكاري خشيت تحرُّقاً ... وإن فاض دمعي إنَّني لمن الغرقى

стр. 2705

فإن لم يوافوا المستهام بنظرة ... وإلَّا على حال الحياة فما يبقى إذا ما نأوا فالدَّهر يقطب وجهه ... وإن حضروا قد عاد مبتسماً طلقا فلا تعذلوا المشتاق في فرط وجده ... إلى أن تلاقوا في الهوى كلفاً يلقى فإن كنت ألقاكم فعيشي منعَّمٌ ... وإن غبتم عني فسحقاً له سحقا وقد كنتم هدَّدتم الصَّبَّ بالنَّوى ... إلى أن حدا الحادي فصار النَّوى حقَّا إذا ما وطئت الدَّار من بعد بعدهم ... تخيَّلت أنَّ النَّار أو حرَّها أرقى فطوبى لعينٍ متِّعت بجمالكم ... وعينٌ نأت عنكم جديرٌ بأن تفقا وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من الطويل] عسى يجمع الرَّحمن شملاً تفرَّقا ... ويشفى سقيم البعد بالوصل واللِّقا فجسمي بنيران البعاد محرَّقٌ ... ودمعي من بعد القطيعة ما رقا إذا لم يداو المستهام أحبَّتي ... فمن ذا يعانيه فقد شفَّه الشَّقا نأيتم فأثواب السَّقام جديدةٌ ... عليه وثوب الصَّبر أضحى ممزَّقا فمنُّوا على الصَّب المعنَّى بطيفكم ... فهيهات أن تبرا الصَّبابة بالرُّقى إذا هاج تذكاري بساعة بيننا ... فغربت في شوقي إذا البدر شرَّقا فقلبي عند الظَّاعنين مقيَّدٌ ... وقد كنت قبل البين ألفيه مطلقا وأنشدني قال أنشدني لنفسه: [من الطويل] سرى الطَّيف من نحو الحبيب مبشِّرا ... فصادف أجفاني جفت لذَّة الكرى وقلبي مذ بانوا يحرِّقه الأسى ... فيا ليت لا كان الفراق ولا جرى يخبِّرني أنَّ البعاد مباعدٌ ... وأنَّ عسير الوصل عاد ميسَّرا فحيث وعى سمعي لما قال عائدي ... رأيت شفاي وجهه عاد مسفرا ومن يبره طيفٌ ألمَّ بقربه ... فكيف إذا وافى الجمال بلا مرا ولمَّا دنا لقياهم قال نأيهم ... إذا كنت تهوى البدر لا تنكر السُّرى فقلت له: قد كان قلبي منزلاً ... أنيساً فبالهجران أصبح مقفرا وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من الطويل] عزيزٌ علينا أن نرى بعدكم شخصاً ... وقد كنتم الأدنى فأصبحتم الأقصى

стр. 2706

فقد عاد جسمي بالسَّقام معذَّباً ... وفرط اشتياقي لا يعدُّ ولا يحصى وقد كنت بالآثار أروي هواكم ... فما زلت حتَّى صرت أذكرها نصّاً خليليَّ إن أدركتماه برامة ... فمن شرح حالي والغرام به قصَّا وقولا له يا غاية السُّؤل مغرمٌ ... بحبِّكم دون البريَّة قد خصَّا وقال أيضاً: [من مجزوء الكامل] أظننت قلبي قد تسلَّى ... يا عاذلي حاشا وكلَّا لست المطيع للائمي ... والسَّمع لمَّا رام كلَّا كيف السَّبيل وقد تولًّـ ... ـى حسنه والصَّبر ولَّى وهواه أبرا مهجتي ... لمَّا ألمَّ بها وحلًّا بدرٌ تجلَّى في الدُّجى ... فالهمُّ مذ وافى تجلَّى ومنها قوله: لله أيامٌ تقضَّـ ... ـت بالمنى نحو المصلًّى عين النَّوى مطروفةٌ ... عنَّا وكفُّ البين شلَّا حتَّى دهاني هجره ... فالقلب بالنِّيران يصلى والسُّقم آلى لا يزو ... ل بدون رؤية من أعلَّا لو لم يبلَّ لمهجتي ... طيفٌ أتاني كنت أبلى أشكو إليه سقام جسـ ... ـمٍ ناحلٍ قد ذاب ألَّا إن كان يسأل عن فؤا ... دي صحَّ بعد البين قل: لا وهواه عندي واجبٌ ... وهوى سواه عاد نفلا وقال أيضاً: [من الطويل] نذرت لرِّبي إذ قضى لاجتماعنا ... أعفِّر خدِّي في التراب له شكرا وكيف يطيق الشُّكر عن جمع شمله ... محبٌّ يرى مرأكم يكشف الضُّرَّا وأحمد يوماَ ضمَّنا بعد فرقة ... وللمستهام الصَّبِّ من سقمه أبرا ولو كان هذا اليوم يرجى شراؤه ... لكنت لروحي قد بذلت لكم يشرى وكنت نذرت الصَّوم يوم لقائكم ... ولكنَّه عيدٌ فلن يقبل العذرا

стр. 2707

وألقي شفاهي تحت أقدام مالكي ... أقبِّلها عشراً وأضعفها عشرا وقد جئتكم مثرٍ من الهجر والضَّنى ... وكنت قتيل البين من وصلكم أثرى وقال أيضاً: [من مجزوء الكامل] يا عاذل القلب المتيَّم ... دعه فإنك لست تعلم ما قد حوى من حرقة ... من بعد سكَّان المخيَّم أنَّى تروم سلوَّه ... والحبُّ في الأحشاء خيَّم أم كيف ترجو برءه ... من غير من قد كان أسقم هيهات حاولت المحا ... ل ورمت شيئاً ليس يفهم كيف السُّلو وسمعه ... عن عذل لاحٍ قد تصَّمم ويرى الضَّلالة رشده ... وشقاه غاية من تنعَّم لم يشفه إلَّا لقا ... ء حبيبه والله اعلم وقال أيضاً: [من مجزوء الرجز] بي صممٌ عن عذَّلي ... ومهجتي في شغل رمى فؤادي شادنٌ ... من لحظه في المقتل له فؤادٌ كالصَّفا ... وريقه كالسَّلسل يريك وجهاً كالضُّحى ... من تحت ليل اليل لا انتهى عن حبِّه ... فمنتهاه أجلي كيف يرى من وجده ... وسقمه مثلي خلي لمَّا دنا توديعه ... ناديته يا أملي منَّ ولو بنظرة ... أشفي بها من عللي قال وأبدى لؤلؤاً ... من ذلك المقبَّل حكم الهوى أن لا أرى ... لعاشق بالقبل فمذ نأى عن ناظري ... فعبرتي تضمن لي [أن ليس يبقى دمعةً ... أريقها من مقلي

стр. 2708

وصار خدِّي بعده ... من البكا كالجدول] [٩٧٥] يوسف بن عبد الله بن عبد الباقي بن مكيِّ بن إسماعيل بن يحيى بن نهار بن الحسين بن يحيى بن إدريس بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن إبراهيم بن صالح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، أبو المحاسن البكريُّ التيميُّ. الفقيه المالكيّ من أهل مصر. نزل بغداد واشتغل بالفقه والأصول، وسمع الحديث النبوي من أصحاب أبي الوقت السجزي في آخرين بعدهم؛ وله فهم وذكاء، ويقول شعراً؛ وهو شاب. أخبرني أنه ولد إما سنة إحدى أو اثنتين وستمائة. ومن شعره ما أنشدني بدمشق بمسجدها الجامع في أواخر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ وهو متوجه إلى دير مصر: [من الكامل] ما غرَّدت قمريَّة الأجفان ... إلا وفاض الدَّمع من أجفاني شوقاً إلى وادي الأراك وبانه ... فهناك لي قلبٌ نأى وجفاني أضحى مطيعاً للغرام ملبِّياً ... فإذا عزمت على السُّلوِّ عصاني يهوى من البيض القواضب أهيفاً ... هزات معاطفه بغصن البان يدنو فيمنعه الدَّلال إذا دنا ... من قربه فهو البعيد الدَّاني كم عاذل قد لام فيه وما وعى ... سمعي ولا ملك الملام عناني [٩٧٦] يوسف بن عبد الرحمن بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن عبيد الله بن حمّادي بن أحمد بن محمَّد بن جعفر بن عبد الله بن

стр. 2709

القاسم بن النضر بن القاسم بن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق- ﵁، أبو محمَّدٍ بن أبي الفرج الجوزيّ الواعظ الفقيه الحنبليُّ التيميُّ البكريُّ. خيّرت بأنَّ جدّه كان من مشرعة الجوز إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، فلذلك يقال لهم بيت الجوزي. وكان والده إمام العراق في وقته، وعلمه أشهر من أن يذكر، وابنه هذا خلف أباه، وسمع الحديث الكثير على مشايخ ذلك الوقت كأبي القاسم يحيى بن أسعد بن يحيى بن يونس البغدادي، وأبي الفتح أحمد بن محمد المندائي، ووالده أبي الفرج وغيرهم.

стр. 2710

وولّاه الناصر لدين الله أبو العباس أحمد- رضوان الله عليهم- حسبة بغداد وأنعم عليه إنعاماً عظيماً ورزق منه حظاً شاملاً؛ فلما توفي الناصر وتولّى الإمام الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد- ﵁ لم يغيّر عليه شيئاً مما كان عليه. فحينئذ انقرضت أيام الظاهر بأمر الله- تغمده الله برحمته ورضوانه- عن مدّة قريبة، وتولّى الإمام المستنصر بالله أبو جعفر المنصور- ﵁ زيد في إكرامه، وارتفعت منزلته لديه. وأنفذه إلى عدّة جهات رسولاً، فحصل له بذلك الترسل أموال جمّة، ونعمة طائلة؛ فلما توفي المستنصر بالله- ﵁ وتولّى المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن المستنصر- خلد الله دولته- ولّاه أستاذ داريّة الدار. وكان واعظاً حسناً عالماً بالتفسير والحديث فقيهاً مدرساً مفتياً على مذهبه شاعراً مسهباً غزير الشعر مقتدراً على إنشائه؛ ولم [يمدح] أحداً من الناس غير الخلفاء- صلوات الله عليهم اجمعين-. كنت ببغداد أيام مدّة إقامتي بها، وحضرت مجلس وعظه بباب بدر عدّة مرات. وكان ينشد عقيب المجلس قصيدة طويلة من نظمه مديحاً في الخليفة يختم بها مجلس الوعظ. ولم يعلق بحفظي من أشعاره شيء ولا اتفق لي الاجتماع به ولا الرواية عنه. ثم بعد ذلك قدم إربل رسولاً من ديوان الخلافة إلى خوارزم شاه أبي المظفر مينكبرتي بن محمد بن تكش، فاجتمعت به بعد عوده من الرسالة بإربل في أواخر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة، وأجازني جميع مقولاته ورواياته وما يندرج تحت الإجازة، وكتب ذلك بخطه. وسألته عن مولده، فقال: ولدت في ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة. وذكر لي أنَّ له عدة مصنفات في المذهب والخلاف والوعظ والتفسير، وغير ذلك. ومن تصانيفه كتاب ((معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز)). وقرأ القرآن الكريم على أبي بكر الباقلاني للعشرة. ومما قرأت عليه لنفسه من قصيدةٍ يمدح بها الناصر لدين الله أبا العباس أحمد بن

стр. 2711

الحسن- رضوان الله عليه-: [من المديد] من لصبٍّ ضاع يوم نأوا ... صبره عنهم وحيلته وإذا طرف المشوقي كبا ... لم تقل والله عثرته وممات الصَّبِّ صدُّكم ... وغداة الوصل بعثته قصَّة المحزون تسطرها ... في ظلام اللَّيل غصَّته صفحة الخدَّين رقعتها ... ودواه الصَّبِّ مقلته ويراع الوجد تعربها ... من مداد الشَّوق مدَّته وإلى المحبوب تحملها ... من صبا الأسحار نسمته وإذا حنَّ الحزين أسىً ... كحنين العنس حنته وسلاف الحبِّ تطربه ... فتذيع السِّرَّ نشوته مثل ما في النَّظم يطربني ... لإمام العصر مدحته لوفود الجود قد كفلت ... بالأماني أريحيَّته من ندى كفَّيه تابعه ... حجَّة الإنسان عمرته فعلت بالحقِّ دولته ... فعلت في الخلق دعوته تخجل الوطفاء هاميةً ... حين يهمني الجود مزنته فأسود الغاب خاشيةٌ ... قد كساها الخوف سطوته وإذا ما البحر قيس به ... أشبه الغدران لجَّته ومن الطِّين الورى خلقوا ... ومن العلياء طينته ولنا منه النَّدى وله ... من إله العرش نصرته وله رق الورى وله ... من رسول الله بردته ومنانا أن تدوم لنا ... لننال السُّؤل دولته إنَّ ميت الجود عاش به ... بعد ما ضمَّته حفرته وإذا ما الله عمَّره ... كملت للجود بغيته حبُّه فرضٌ ندين به ... طاعة الرَّحمان طاعته

стр. 2712

فلمن عاداه نار لظى ... ولمن والاه جنَّته وقال أيضاً: [من الطويل] ألا قل لمن أمسى على الدَّهر عاكفاً ... تنَّبه خليلي قبل أن يفرط الأمر فوالله ما دنياك إلَّا كزاخرٍ ... وزهد إلى التَّقوى لعابرها جسر أتغترُّ بالدُّنيا وتطلب صفوها ... وظاهرها حلوٌ وباطنها مرُّ لكلِّ صحيح الجسم منها بلَّيةٌ ... وكلِّ صحيح من غوائلها كسر ولو كان موت المرء آخر شدَّة ... يراها لهان الصَّعب واستسهل العسر ولكن لديه موقفٌ يجمع الورى ... وداهيةٌ دهياء يظهرها الحشر ومن شعره أيضاً وقد عرض ثلاث رقاع مزوَّقة برسم العيد السعيد باسم السادة الموالي الأمير أبي العباس أحمد، وأبي الفضائل عبد الرّحمن، وأبي المناقب المبارك أولاد أمير المؤمنين المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- رضوان الله عليهم وسلامه- الرقعة الأولى فهي قوله: [من الوافر] بقيت مبلَّغاً أقصى الأماني ... إلى أن ينقضي عمر الزَّمان برزت لنا فلم نترك ثناءً ... وعوَّدناك بالسَّبع المثاني أبا العبَّاس أحمد يا ابن خير الـ ... ـبريَّة في الأقاصي والأداني أتاك العيد بالبركات يهدي ... الميامن والبشائر والتَّهاني فبلغك السُّعود به وألقت ... لدى المولى الخليفة بالجران وأما أبيات الرقعة الثانية فهي: [من الخفيف] أنت يا عيد جيء ببشراك واستصـ ... ـحب بشارات سائر الأيَّام وأنلها أبا الفضائل مولى الـ ... ـخلق عبد الرَّحمان نجل الإمام وأحبه التَّهنئات يكسبك فخراً ... كامل الحسن وافر الأقسام وادع ربَّ الأنام يحييه كي يو ... ليك هذا الإنعام في كلِّ عام دام في ظلِّ مالك الرقِّ ذي السُّؤ ... دد مولى الإحسان مولى الأنام وأما أبيات الرقعة الثالثة فهي: [من مجزوء الكامل]

стр. 2713

بأبي المناقب سيِّد الـ ... ـخلق المبارك ذي المعالي تزهى المواسم عزَّةً ... وتميس في ثوب اختيال يا من به حلت الحيا ... ة ودهرنا بعلاه حالي عمِّرت في ظلِّ الخليـ ... ـفة ما تتابعت اللَّيالي وسعدت بالعيد الَّذي ... بكم اكتسى حلل الجمال [٩٧٧] يوسف بن عبد الكريم بن عليِّ بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن مزارٍ، أبو الحسين المعروف بابن بزاقة، وينبز بالكوذين. كان يعلم الصبيان بالموصل، وبقي مدّة في التعليم ومال إلى الشعر، وقصد به الناس. وكان رجلاً ضعيف العينين، خفيف العارضين، مبخوس الحظ من الزمان، متظلماً من أبنائه؛ وله مدائح كثيرة وأهاجٍ قبيحة يستعذبها من يسمعها. أخبرني أنَّه ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وخبّرت أنه امتدح بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل- فأنعم عليه، وقرّبه وصار يحضر مجلسه وأحد ندمائه، وتمشت أحواله. ومما أنشدني لنفسه بالموصل مبدأ قصيدةٍ: [من السريع] تيَّمه برقٌ بتيماء لاح ... فبات لا يصغي إلى لحي لاح وظنَّه زار الحمى فاحتمت ... أجفانه عن نومها المستباح وكان لا يظهر أشجانه ... فصار بالدَّمع هواه صراح له هوىً في حلبٍ ساكنٌ ... وداره عن ربعها في انتزاح يضرب في الآفاق يبغي الغنى ... بالشِّعر من عند أناسٍ شحاح كأنَّما أضحى على طائرٍ ... أراش عزُّ الدِّين منه الجناح وأنشدني لنفسه من أبيات: [من الكامل] لا توحشنَّك غربةٌ عن منزلٍ ... فيه الكريم على السَّماح يعنَّف واقنع على ظمأ بأيسر نغبةٍ ... من غيرها لو أنَّ دجلة قرقف

стр. 2714

أتراكم موتى فلا يرجوكم ... أحدٌ ولا من بأسكم يتخوَّف كم ضعت عندكم وحظِّي قال لي ... يا يوسفٌ قد ضاع قلبك يوسف وأول هذه الأبيات يهجو بها أبا الحسن علي الكاتب المنبوز باللقيط الموصلي [من الكامل] لا تنكرنَّ من اللَّقيط مساءةً ... عرضت فإنَّ له أباً لا يوصف أضحى من النَّكرات عرَّفه الغنى ... وعجبت للنكرات كيف تعرَّف أرضٌ يسود بها اللَّقيط فخلِّها ... لو أنَّها الفردوس حين تزخرف وأنشدني أيضاً لنفسه فيه يهجوه: [من المجتث] تبّاً لنعمة قومٍ ... جاءتهم مستعاره وقبَّح الله دهراً ... ألقى عليهم إزاره ساد اللَّقيط علينا ... كأنَّه ابن زراره وحمَّل النَّاس وزراً ... مذ حاز فيه الوزاره وأنشدني أيضاً لنفسه يتظلَّم من أهل الموصل: [من الطويل] أيا جيرة الحدباء أهوى لقاكم ... ولكن جفاكم بيننا شرُّ طائر أبيع ثيابي عندكم وهي رثَّةٌ ... ولولا رحيلي عنكم رثَّ خاطري بياضكم دون السَّواد وكلُّكم ... بياضٌ ولكن فوق أسود ناظري وأنشدني لنفسه في الشيطان الشاعر الإربلي، وهو يوسف بن نفيس. وكان يعاشر الأمراء من أهل الموصل فكانوا يبرّونه ويحسنون إليه: [من الكامل] يا معشر الأمراء إنِّي قائلٌ ... قولاً يدلُّكم على حرماني لو لم تكن أموالكم من جذركم ... ما كان مصرفها إلى الشَّيطان وقال أيضاً: [من الخفيف] قد سئمت المقام بين أناسٍ ... ما أرى دعوتي بهم مستجابة جمعوا في أسافل وأعال ... بين لينٍ منهم وبين صلابة فلهم أوجهٌ تقلُّ سيوف الـ ... ـهند ممَّا تسقى بماء الجنابة وقال أيضاً: [من الطويل]

стр. 2715

لحا الله قوماً لا تعدُّ ألوفهم ... إذا عدَّ أهل المكرمات بواحد لبست محياً من حديد لحاجتي ... وقلت به ألقاهم في المشاهد ولم أدر أنَّ القوم من فرط لؤمهم ... أعدَّوا الرَّدى لي أوجهاً من مبارد وقال أيضاً: [من الوافر] وجوهٌ لو تكون دروع حرب ... لأخطأت المنيَّة لابسيها دققت وجوههم ستين عامًّا ... بكوذيني فما أثَّرت فيها وقوله أيضاً: [من المتقارب] إذا طلب العين ذو فاقةٍ ... فلا يتعدَّى عريق الخطيب ويلقي عصاه على بابه ... فقد أمن الدَّهر ريب الخطوب وله من أبيات: [من الخفيف] كيف لا أشتكي نوائب دهرٍ ... فاتني فيه جود بدر الدِّين قد رماني منه بكلِّ خسيسٍ ... حملته لعينةٌ من لعين معشرٌ إن حضرتهم سجدوا لي ... وإذا غبت عنهم لعنوني إن يموتوا غيظاً عليَّ فبشَّا ... ر بن بردٍ قد مات بالكوذين وقال أيضاً: [من الخفيف] أصبحت تشتكي حليلة بيتي ... عري جسمي وما به تكسوني قلت لا تعجبني لئن كان منِّي ... أي ثوبٍ يبقى مع الكوذين [٩٧٨] يوسف بن عثمان بن سلّار الكرديُّ الهذبانيُّ. من أهل إربل. كان متجنداً في خدمة بعض الأمراء الإربليين. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وستمائة. وهو القائل: [من الكامل] شوقي إليك وإن بعدت كثير ... وفؤادي المضنى لديك أسير

стр. 2716

أنتم لروحي راحةٌ ولمهجتي ... دون الخلائق فرحةٌ وسرور كيف التَّخلَّص من هواك فدلَّني ... لم يبق لي رأيٌ ولا تدبير [٩٧٩] يوسف بن عليِّ بن الحويزائيِّ العود. يقول: [من الخفيف] يا عذولي أقصر فشرح حديثي ... بعدما صدُّ من أحبُّ طويل إن يكن ظاهري سليماً لمرأى الـ ... ـعين فالقلب بالصُّدود عليل قلت للحب والفؤاد على الجمـ ... ـر وجفني منه الدِّماء تسيل لا تمل في الهوى عليَّ فقلبي ... ما أراه إلى سواك يميل إن تكن واصلي فأنت حبيبي ... أو تكن هاجري فصبرٌ جميل إنَّ ما قلَّ منك عندي كثيرٌ ... .......... قليل (قال لي والمدام قد أخذت منـ ... ـه ومالت بغصن بان يميل: ) (قتلتني المدام قلت: بثأري ... أخذت كلًّ قاتل مقتول) البيتان الآخران هما للخطيب أبي الفضائل يحيى بن سلامة الحصكفي قد ضمنها المقطوعة. [٩٨٠] يوسف بن عليٍّ، أبو الفضل بن أبي الحسن العميد الكاتب المصريُّ، المعروف بصهر الفقيه يعقوب. من الشعراء الكتّاب المقتدرين على إنشاء الأشعار والرسائل، وابتداع المعاني في تحرير الألفاظ.

стр. 2717

وكان أبسط كتاب زمانه يداً، وأقدرهم على التوسع في صناعة الإنشاء لمنظوم الكلام ومنثوره. وصنّف تصانيف وله رسائل كثيرة مشهورة، وأشعار محكمة فيها التزام. وكان على عهد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- ﵁. وتوفي شاباً في سنة ثلاث أو أربع وستمائة. وصنّف كتاباً للمرتضى بن الجليس بن الجبّاب لما قدم من الشام وسمّاه بـ ((تحفة القادم)). وحدّثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي بحلب، قال: كتب أبو الفضل يوسف بن علي المصري بين يدي القاضي المؤتمن علي بن محمد بن كيا سيبويه الكاتب حين اتصل بالسلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف- رحمه الله تعالى- بحلب؛ هذا آخر كلامه. ومن شعر أبي الفضل يتغزل: [من البسيط] ودَّعتكم وضلوعي حشوها حرقٌ ... وبتُّ والجفن مشعوفٌ به الأرق فلا يميل بقلبي بعدكم فرحٌ ... ولا يفارقه من بعدكم فرق لمَّا رحلتم عن الأوطان ودَّعكم ... قلبٌ به سكن التَّعذيب والقلق فالوجد متَّفقٌ والصَّبر مفترقٌ ... والطَّرف مسترقٌ والدَّمع متَّسق وقال في جمال الملك موسى بن المأمون يمدحه: [من مجزوء الرمل] كم يد بيضاء عندي ... لجمال الملك موسى فجعلت المدح فيه ... تجتلي منه شموسا وتفرَّغت لأن أمـ ... ـلأ بالشُّكر الطُّروسا لأوفِّي بعض نعما ... هـ الَّتي تحيي النُّفوسا دام في سعدٍ وعزٍّ ... لا يلاقي منه بوسا وقوله في الشريف قرطم: [من مجزوء الكامل]

стр. 2718

يا سادتي هذا الَّذي ... قد كنت من دهري أخافه قوموا بنا نبغي .... ... قرطم طلب الخلافة وله يمدح المرتضى بن الجليس بن الجبّاب: [من الكامل] وافى خيالك في الكرى متعرِّضا ... وأظنُّه مازال إلَّا عن رضا قصرت لزورته القفار وإنَّما ... حقٌّ عليها أن تطول وتعرضا أتراه ما حسب الظَّلام البحر والـ ... ـزُّهر الحباب ولا السَّماء العرمضا لم يخش من نظر الغيور ولم يزل ... يدري بأنَّ جفونه لن تغمضا هي ليلة رضي الحبيب وزارني ... فيها وقد كان المصدَّ المعرضا نزَّهت طرفي في محاسن وجهه ... في جنَّة والقلب في نار الغضا فلثمت خدَّاً كالشَّقيق مذهَّباً ... ورشفت ثغراً كالأقاح مفضَّضا وجعلت أقطع ليلتي بوصاله ... حتَّى مضى غسق الدُّجنَّة وانقضى ونعى الظَّلام الدِّيك لمَّا أن رأى ... في فرعه سيف الصَّباح المنتضى وبدت أزاهير الرِّياض كأنَّما ... أبدت لنا خلق الأجلِّ المرتضى الألمعيِّ فلا يمارس جامحاً ... بذكائه إلَّا وأصبح ريِّضا أغنى بيقظته لكلِّ عظيمةٍ ... أن يستجاش لها وأن يستنهضا لله من آل الجليس ماثرٌ ... بهرت فعزَّت أن تذال وتدحضا عقدت لهم فوق السِّماك معاقدٌ ... للمجد ليس بممكن أن ينقضا هنِّيت ذا الفتح القريب فإنَّه ... جاءت به خيل البشائر ركضا أعملت فيه من الدُّعاء لنصرة إلا ... سلام ما عضد الحسام الأبيضا ولقد أراد الله نصرة دولةٍ ... أصبحت فيها للنّضصائح ممحضا عجزت عن الشُّكر النُّفوس فأصبحت ... لا تستطيع بشكرها أن تنهضا جاهدت فيهم بالدَّعاء وإنَّه ... أمضى سلاح الصَّالحين إذا مضى لازلت في كسب المعالي ساعياً ... تسمو إلى رتب العلاء فترتضى وقال أيضاً يمدحه من رسالة: [من مجزوء الكامل] أغرى الملامة بالكئيب ... غصنٌ يميس على كثيب يزهى بخصرٍ مجدبٍ عالٍ على ردف خصيب

стр. 2719

كم أرسلت الحاظه ... للقلب من سهمٍ مصيب أجفانه فتكت من الـ ... ـتَّفتير بالسَّيف القضيب فتراه ينظر دائباً ... للخلق من عيني مريب حاز الكمال فما له ... بين البريَّة من ضريب لا أنس لمَّا مرَّ بي ... مترقِّباً نظر الرَّقيب مستوحشاً لكنَّ هـ ... ـذي شيمة الرَّشا الرَّبيب مالت معاطف قدِّه ... كتمايل الغصن الرَّطيب فتساقطت عبرات عيـ ... ـني إذ رأت شخص الحبيب فحسبتها تحكي عطا ... ء المرتضى للمستثيب ابن الجليس أجلُّ من ... أضحى نجيباً من نجيب ندبٌ بغرِّ صفاته ... يغني القريض عن النَّسيب فضل البريَّة مثل ما ... فضل الشَّباب على اللمشيب يا من به لبس الزَّما ... ن نضارة البرد القشيب اسمع نداء العبد إذ ... نادى عطاءك من قريب الدَّهر عندك دأبه ... أن لا يرق على أديب يشني اللَّبيب لأنَّ من ... عاداته خفض اللَّبيب أهدى إليك العبد شعـ ... ـراً راق باللَّفظ العجيب هجر الغريب من اللُّغا ... ت فجاء بالمعنى الغريب فالبحتري ممثَّلٌ ... فيه يعيب على حبيب وقوله من صدر كتاب منثور: [من الطويل] سلامٌ على ذاك الجناب الَّذي به ... بلغت الأماني وادَّخرت المحامدا وسقياً لدارٍ كنت في عرصاتها ... أسرُّ الموالي أو أسر المعاندا

стр. 2720

[٩٨١] يوسف بن عبد العزيز بن إبراهيم بن شداد بن سرورٍ، أبو المحاسن الهمدانيُّ المعروف بابن المرصَّص. من أهل الديار المصرية. لقيته بحلب بمدرسة شاذبخت النوري. وكان نازلاً بها في شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان شاعراً متأدباً منتجعاً بأشعاره، وعنده طرف صالح من علم العربية، ويقول شعراً حسناً، ويمدح جيداً، وعرض له مرض ولازمه مدّة، وانقطع في منزله ومات به. وبقي ثلاثة أيام لم يدفن وذلك في العشر الوسطى من جمادى الأولى سنة ثمانٍ وثلاثين وستمائة. ومن شعره الذي أملاه عليّ من لفظه ابتداء قصيدةٍ امتدح بها بعض الأكابر: [من الخفيف] أنا مالي وللظباء العين ... خذلتني وليس لي من معين كلَّما رمت سلوةً هاج وجدي ... .... شعرٍ على صباح جبين يا رشيق القوام حلو التثنِّي ... جامعاً لي بين المنى والمنون أنت لي جنَّةٌ فما بال قلبي ... من تجنِّيك في العذاب المهين لي دينٌ عليك بالوصل ولكن ... رحت منه بذَّلة المديون بأبي أنت من غزال ربيب ... هام قلبي به وجنَّ جنوني سحرتني جفونه بفتور ... كيف صار الفتور سحر الجفون ما لدرِّ الكلارم منه شبيهٌ ... غير درٍّ بثغره مكنون عذلوني وما رأوه فلمَّا ... أبصروا حسن وجهه عذروني قل لبدر السَّماء لا يتصدَّى ... لي فما البدر بعده من زبون ولغصن الأراك لا يتثنى ... فضح الشَّكَّ منه علم اليقين

стр. 2721

إن تجلَّى يا خجلة البدر في الأفـ ... ـق وإن ماس يا حياء الغصون سنَّ وجدي من طرَّة منه سودا ... ء ومن حاجب بسينٍ ونون أنا في مذهب الغرام إمامٌ ... فسلوني من قبل أن تفقدوني في هوى الغانيات قد شاب فودي ... علقت في هوى الحسان رهوني غادرتني ما بين دمعٍ طليقٍ ... وفؤاد مكبَّل مسجون بقدود من قضب نعمان لكن ... مسن فوق الكثبان من يبرين وعيون سود هي البيض فعلاً ... إنَّ بيض القلوب سود العيون أغمدت في الجفون فهي مواضٍ ... والمواضي مغمودةٌ في الجفون غزلي لا يزال وقفاً عليه ... كثنائي على فلان الدّين وقال أيضاً من قصيدة أولها: [من الخفيف] قم بنا قم لكأس الرَّاح ... نجتليها من قبل ضوء الصَّباح أصلني نارها فمن صدَّ عنها ... يا نديمي فليس لي من براح تتلالا نوراً وأين سناها ... في دجى الليل من سنى المصباح قبل غرس الكروم قد عتِّقت من ... قبل خلق الأرواح والأشباح هي أمُّ الحياة بنت المسرَّا ... ت غذاء الأجسام والأرواح تطرد الهم عنك لو أنصفوها ... لقَّبوها مغناطس الأفراح كلُّ باب من السُّرور إذا أغلـ ... ـق جاءت إليه بالمفتاح فات حاناتها فما أذنَّ المز ... مار إلَّا دعاك داعي الفلاح واصطبحها بين الملاح فما العيـ ... ـش سوى الإصطباح بين الملاح إن يكن شربها افتضاحاً وهتكاً ... ربِّ زد في تهتُّكي وافتضاحي وقال من قصيدة أولها: [من الخفيف] ذلُّ أهل الهوى هو العزُّ حقا ... ولعمري قد عاش من مات عشقا إرض ذلَّ الحبيب إن رمت عزّاً ... وأفن فيمن تختار إن شئت تبقى يا عزائي تعال أهلاً وسهلاً ... يا سلوِّي إليك بعداً وسحقاً قل لمن لام طائعاً في سلوِّي ... إنَّما رمت أن تشاهد عنقا أحمق النَّاس من يلوم محباًّ ... مغرماً والرَّقيب أكثر حمقا

стр. 2722

رقَّ قول العذول إذ كان زوراً ... فاقطعوا ذا الحديث من حيث رقَّا وقال أيضاً من قصيدة أخرى: [من المنسرح] واهاً لقدٍّ كأنَّه ثملٍ ... ومقلة بالفتور تكتحل ووجنةٍ ما تزال داميةً ... يجرحها من لحاظها الخجل وورد خدٍّ أخاف تذبله ... منِّي إذا رمت لثمه القبل وريقة أسكرت حلاوتها ... كأنَّما شاب خمرها العسل وبي غزالٌ لولا لواحظه ... ما كان يصبي فؤادي الغزل لا يعرف الكحل جفن مقلته ... أغناه عن زور كحله الكحل أعجب ما فيه ماء وجنته ... لمارج النَّار كيف تشتعل وكيف يرمي عن قوس حاجبه ... بسهم لحظ وليس ينفصل يزينه حسنه بغير حلىً ... فأعجب لحالٍ يزينه العطل نشيط عطف وجفن مقلته ... يخلق منه الفتور والكسل أصبحت بالغصن والنَّقا كلفاً ... وذاك منه القوام والكفل يا من له مقلةٌ لواحظها ... يخجل من حسن رميها ثعل صن لحظ عينيك عن فؤاد فتى ... جراحها فيه ليس يندمل والله ما المرهفات فاعلةً ... وهي المواضي ما تفعل المقل [٩٨٢] يوسف بن عيسى بن الحسن بن أبي طالب بن صقرٍ، أبو العزِّ الحلبيُّ. من بيتٍ مذكورٍ. بها كانت ولادته في إحدى الجماديين سنة ثلاثٍ وستمائة. شاب قصير ذو حدبتين في صدره وظهره. قرأ شيئاً من علم العربية وتأدّب، وله فهم ودراية، ويقول أشعاراً ما بها بأسٌ.

стр. 2723

أنشدني من شعره يمدح: [من الخفيف] بين بان اللِّوى فرند السَّدير ... غرَّ قلبي طرف الغزال الغرير أسرته ألحاظ غيد لها في ... قنص الأسد أحبلٌ من فتور فغدا موثقاً غداةً منادي الـ ... ـحيِّ نادى ناديهم بالنُّفور هل مجيرٌ من جور أعين عينٍ ... فاتكات في الأسد بين الخدور خفرات كواعب إن تجلَّت ... في الدُّجى أخجلت وجوه البدور كشموس على الغصون على الكـ ... ـثبان بيض الوجوه سود الشُّعور ينفح المسك والعبير إذا ما ... خطرت من عقودها والنُّحور وثقيل الأرداف عند التَّثنِّي ... يتعدَّى على رشاق الخصور آنسات نوافرٍ كم قتيلٍ ... هدر بين أنسها والنُّفور ورداحٍ كأنَّ بهجتها شمـ ... ـس نهارٍ على قضيبٍ نضير خود خدرٍ لمياء قال لها الحسـ ... ـن على العاشقين في الحبِّ جوري نرجس الطَّرف نار وجدي فقد خـ ... ـدَّ فؤادي في الخدِّ وردٌ جوري صادت القلب ثمَّ صدَّت فما أمَّـ ... ـل منها سوى الخيال الزُّور يا زمان الصِّبا سقيت ملثّاً ... مستهلاً من كلِّ جون مطير مرزماً مثل جود كفِّ شهاب الـ ... ـدِّين ربِّ المكارم ابن الوزير جود يحيى الرَّئيس أكرم خلق اللـ ... ـه ذي البرِّ والنَّدى المأثور الجواد الَّذي إذا أمَّه القا ... صد أغناه بالنَّوال الغزير طالب الرِّفد لذ بربع شهاب الدِّ ... ين وأنزل ببابه المعمور تحو أسنى الغنى وتحظ من الصَّا ... حب صدر الشَّام بالتَّكثير فهو يلقى قصَّاده باسم الثَّغـ ... ـر بوجه كبدر تمٍّ منير يرجع القاصد المؤمِّل من جـ ... ـود يديه بكلِّ خيرٍ وخير ربعه مخصب المزاد قراه ... وجمال أمام وردٍ نمير كلُّ نادٍ لعرف معروفه عطـ ... ـريُّ ذكر به كنشر العبير قد أجدت المديح فيه لعلمي ... أنَّه بالمديح أيُّ جدير أفوح العرف ساكب العرف بدر ... يُّ المحيَّا جذلان عفُّ الضَّمير

стр. 2724

إن دعوه بحراً فما أنصفوه ... إذ له أنملٌ شبيه البحور كلُّ فضلٍ مكمَّلٌ في شهاب الدِّ ... ين من ربِّه اللَّطيف الخبير حاتمٌ في السَّخاء أحنف في الحلـ ... ـم وقيسٌ في الرَّأي والتَّدبير المجير الجار النَّزيل من الخطـ ... ـب همامٌ شهمٌ وأيُّ مجير هو عيدٌ لكلِّ عيد أهنِّي الـ ... ـعيد حقّاً به هناء السُّرور دام في العزِّ والسَّعادة ما هـ ... ـبَّ نسيم العشيِّ ثمَّ البكور [٩٨٣] يوسف بن غريب بن أبي عليٍّ، أبو الحجاج الحواريُّ. من أهل إربل. أخبرني الصاحب الوزير العالم أبو البركات المستوفي- ﵁ وقال: كان يوسف بن غريب رجلاً خرّاطاً، وترك ذلك وجعل يستجدي الناس بالشعر. وكان يلحن في أثناء أبياته، ويأتي بأبياتٍ ساقطةٍ وأخرى لا بأس بها. ثم قال: ومن شعره، وأنشدنيه: [من الطويل] بنفسي لييلاتٌ مضين وكان لي ... نديماً بها شادٍ أغنّ ربيب تدير عليَّ الرَّاح كلَّما ... تروَّق راووقٌ وراق طروب وأنشدني، قال: أنشدني يوسف بن غريب لنفسه من قصيدة: [من الطويل] وما روضةٌ مجَّاجة الغيث راضها ... صباها ووفد الرِّيح يعسفها عسفا بأطيب ذكراً منه في النَّاس كلَّما ... تحدَّث صنفٌ عنه زادهم وصفا سجاياه بذل الجود فيهم وإنَّه ... لأرحبها باعاً وأسمحها كفَّا ومنها: فما شامت أيامي البأس أن لوى ... إليَّ عناناً من مكارمه عطفا ولا انتاش عن عودي النَّضير لبأسه ... ومنزلتي أضحت بمنزله زلفى خلائقه كالماء رقَّت جنوبه ... لأشوقها قلباً وأذرفها طرفا

стр. 2725

قال الصاحب الوزير أبو البركات- ﵁: وأكثر شعره رديء لا معنى له؛ وإنما ذكرت ذلك لتعلم أنَّ ملاك الأمر في تأليف الشعر الطبع. قال: وعبثت به يوماً، وقلت له: ما أظنّ هذا شعرك فحلف إنَّه له ولا حاجة إلى يمينه، فقال: اقترح عليّ وزناً أعمل فيه وأنت تشاهدني، فقلت له: قول ابن الفضل البغدادي: طلَّقت تجلُّدي ثلاثاً ... والصَّبوة بعد في حبالي فأخذ ورقة وفكر يسيراً وكتب: أبكي أسفاً بدمع عينٍ ... قد أخبر عنكم بحالي أبقى جلدي وريح صبري ... ما نسم نشرها ببالي قال: وكان على غاية ما يمكن أن يكون عليه إنسان من الفقر، رثّ الثياب، باذَّ الهيأة. [٩٨٤] يوسف بن فضل الله بن يحيى، أبو الحجّاج وأبو المظفر السكاكينيُّ. من أهل حرَّان. ذكره محاسن بن سلامة الحرّاني في تاريخه، وقال: كانت وفاة يوسف السكاكيني بحرّان ثامن عشر المحرّم سنة أربع وعشرين وستمائة، ودفن في منزله. ووقف داره في محلة الجلاعطة داراً للحديث، ووقف كتبه عليها. وكان يعرف شيئاً من النحو واللغة والفقه والفرائض والقراءات وعلم التجويد والتصريف ويشعر، ويقرئ النحو. وقرأ عليه جماعة من أهل حرّان وغيرها النحو والتجويد والوقف والابتداء. واجتمع ببغداد بأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري النحوي، وقرأ عليه شيئاً من النحو والعربية.

стр. 2726

وكان يعمل السكاكين والمغازل وغيرها بيده، ويأكل منها، وحجّ إلى بيت الله الحرام. وكان رجلاً عاقلاً يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وجوّد القرآن على الشيخ أبي بكر عبد الله بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن حبّان الحراني الإمام المقرئ، وسمع عليه تجويد الشيخ أبي الكرم فتيان بن ميّاح بن أحمد بن سليمان الحرّاني. وكان شيخه في التصوف الشيخ أبو محمد عبد الله بن سليمان بن يحيى بن حسان صاحب الشيخ عتيق بن علي- رحمه الله تعالى- وسمع الحديث الكثير بدمشق وبغداد وحرّان. وبنى المسجد الذي كان يعرف به عند داره، واشترى له ملكاً، وأراد أن يزيد فيه فأدركه الموت ولم يشتر بماله ولكن بجاهه ووساطته، فكان يقرئ قوماً من أولاد الأمراء. وسمع فيما سمع بحرّان على أبي الثناء حماد بن هبة الله الحرّاني، والحافظ أبي محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح بن عمر الطباخ. وانتقل أبو محمد عبد القادر بن عبد الله إلى جوار يوسف السكاكيني، وبنى إلى جانب مسجده داراً وسكنها حتى مات. وكان يسمع الناس في المسجد الذي يصلي فيه يوسف. ثم أورد له قصيدةً طويلة لامية عدد أبياتها مائتان وأربعة عشر بيتاً يرثي بها الشيخ الفقيه الإمام الموفق أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي- رحمة الله عليه- شيخ الحنابلة في وقته بدمشق، ذكر فيها معجزات النبي ﷺ ، وذكر فيها فضائل الشيخ الموفق المقدسي، وبعث بها إلى دمشق إلى الفقيه عبد الوهاب بن زاكي بن جميع الحرّاني- رحمهما الله تعالى- هذا آخر كلام محاسن. أنشدني الشيخ المفيد أبو حفص عمر بن مكيّ بن سرجا بن محمد المقري القلانسي الحلبي بها يوم الجمعة العشرين من المحرم سنة ثمان وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ الصالح أبو المظفر يوسف بن فضل الله بن يحيى الحراني- رحمه الله تعالى- لنفسه في صفر من سنة إحدى وعشرين وستمائة بحرّان هذه القصيدة في الزهد ويمدح النبي ﷺ : [من الوافر]

стр. 2727

أفق يا ذا النُّهى وابغ الوفاقا ... فقد والله أفلح من أفاقا ونفسك أيُّها المغرور صنها ... عن الدُّنيا وبتَّ لها طلاقا ولا تركن إليها فهي سجنٌ ... سفيهٌ من رجا منها إباقا ولا تفرح بزخرفها فإنِّي ... رأيت تمام ما تعطي محاقا ولكن من تلفَّع ثوب زهد ... يفكُّ بزهده عنها الوثاقا إذا ما ساعةٌ للحشر قامت ... ولم تر عند صيحتها فواقا وبرِّزت الجحيم لها زفيرٌ ... وحلَّ عذابها بهم وحاقا وتنضب للعصاة وقد أتوها ... وما وافوا بصالحةٍ وهاقا فكن حذراً وقيت حلول دارٍ ... يكون شراب ساكنها غساقا وجاهد كي تصير إلى نعيمٍ ... مقيمٍ لا تخاف له فراقا بدارٍ شرب ساكنها رحيقٌ ... يعاطي الكأس مشرعةً دهاقا من التَّنسيم والولدان يسعى ... بها أبداً صبوحاً واغتباقا وعندهم حسانٌ قاصراتٌ ... صفا ودُّ الحسان لهم وراقا وأنهارٌ بها عسلٌ مصفَّى ... ومن لبن زها الرَّائي وشاقا ومن خمرٍ تلذَّ لشاربيها ... ولا تغتال عقلاً إذ تساقى وماءٌ لا يرى فيه أجونٌ ... إذا ما استافه السَّاقي وذاقا وأفنان القطوف بها روان ... وتعتنق الغصون بها اعتناقا وفيها ما تشهَّى النَّفس حتماً ... لمن لم ينو في الدُّنيا نفاقا ولم ينو الخطايا مستحلاً ... ولا دانى فواحشها شقاقا وأعظم منَّة لله فيها ... على العبد التَّحيَّة حين لاقى سلامٌ يا عبادي نلتموه ... جزاءً من مليككم وفاقا فخرُّوا ثمَّ كاد العقل منهم ... وقد لاقوه ينطلق انطلاقا وكيف القلب لا ينشقُّ منِّي ... على هذا بغصَّته انشقاقا وحول القوم أشجارٌ وروضٌ ... من المرجان تصطفق اصطفاقا وحورٌ من بطون الغيب تبدو ... فتعتلق النُّفوس بها اعتلاقا يلاعب بعضهم بعضاً سروراً ... بودٍّ ما أتوا فيه مذاقا

стр. 2728

فمن رام الخلود بدار عدنٍ ... يشمِّر في تطلُّب ذاك ساقا ويلزم نفسه سهر اللَّيالي ... ويكلف في العبادة ما أطاقا فلا والله ما نال المعالي ... أخو دعةٍ يمدُّ له رواقا وينشد مستظلاً في فناه ... (أيدري الربع أيَّ دم أراقا) بلى والله من جدَّ اجتهاداً ... وسابق في رضا المولى سباقا وحجَّ البيت عاماً بعد عامٍ ... وأعمل نحوه عنساً دفاقا ول يركن إلى الدُّنيا غروراً ... وقطع من علائقها الرِّباقا ولا يلوي على أهلٍ ومالٍ ... وحنَّ إلى فراقهما وتاقا فطوراً يقطع البيداء شاماً ... وطوراً سالكاً فيها عراقا وفارق زهرة الدُّنيا مطيعاً ... وأقبل نحو أخراه اشتياقا وعانى من أليم الشَّوق وجداً ... وكابد من تلهُّبه احتراقا ورافق من يرافقه برفقٍ ... ولا يشكو إلى أحدٍ رفاقا جديرٌ أن يصير إلى سرورٍ ... يلذُّ به ويرتفق ارتفاقا فيا طوبى لمن أصغى لو عظي ... وزايل غيَّه ثمَّ استفاقا فأسأل من دحا الأرضين بسطاً ... وظلَّل فوقها سبعاً طباقا ينضُّ سحائب البركات تترى ... على المختار تنبعق انبعاقا وتشمل من تولَّاه بصدقٍ ... وجانب ما يخالفه وتاقا ولست أمتُّ يا مولى الموالي ... إليك بغير من ركب البراقا ومن جاء البعير إليه يشكو ... فنفَّس عنه من كربٍ خناقا وحنَّ الجذع من شوقٍ إليه ... فأشبه في تحنُّنه النِّياقا ونطق الذِّئب أعجب كلِّ شيء ... وقد لاقاه في القفر اتفاقا وفجِّر من أنامله معين ... بمرأى الصَّحب يندفق اندفاقا فأروى الجيش ماءً وستقلُّوا ... وقلُّوا منه .... فهاقا

стр. 2729

كذاك الزَّاد أشبع منه خلقاً ... وقدجاءوا وما ذاقوا لماقا كذاك البدر لمَّا أن دعاه ... أطاع الله وانعقَّ انعقاقا وهذي آيةٌ كأخيه موسى ... سطا بالبحر فانفلق انفلاقا وعند ولاده صارت رجوماً ... نجومٌ تمنع الجنَّ استراقا ونيران المجوس خمدن لمَّا ... رأين لنور طلعته ائتلافا ونهر الفرس غاض فاض يبساً ... وعاد قراره يبدو براقا وأوثان البسيطة حين وافى ... رجعن لخوفه رتماً دقاقا ولو أجريت في هذا عناني ... ثناني العجز يا أملي وعاقا فخذ منِّي اليسير وكن عذيري ... وعد عمَّن حدا بهم وساقا وصلِّ على النَّبيِّ وصاحبيه ... ولا تعبأ بمن ركب الشِّقاقا وقال أيضاً يرثي الشيخ الموفق أبا محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الفقيه الحنبلي- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة أولها: [من الرجز] الحمد لله القديم الأوَّل ... ما أطَّ رحل مسافرٍ متحمِّل يقرو إلى أمِّ القرى سنن القرى ... سنَّ القرى بتواضعٍ وتذلتل هجر الأحبَّة باذلاً ما يحتوي ... من نفسه وخلاقه المتأثِّل يرجو من الرَّحمان غفر ذنوبه ... في ما نواه وهو خير مؤمَّل وأقول بعد لمن تكاثف همَّه ... سلِّ الهموم مبادراً أو تعجَّل وتزوَّد الخيرات محتقباً لها ... فالخير أحمد زاد سارٍ مزمل وتجاف عن رأي المفنِّد حارساً ... سبل المسامع عن ملام العذَّل وإذا أراد الله رفعة عبده ... ألقى إليه طلاب أرفع منزل فأطلب ولست بواجدٍ ما لم يكن ... سبق القضاء بما تروم فأمهل وانظر لنفسك ليس غيرك ناظراً ... من غير جنسك في صلاحك فأعقل وأقبل على جمع العلوم وقم بها ... عملاً يخيِّب سعي من لم يعمل

стр. 2730

وهي قصيدة طويلة. [٩٨٥] يوسف بن محمَّد، أبو الحجاج الأنصاريُّ المنصفيُّ. - والمنصف قريةٌ من قرى بلنسية- الشيخ الزاهد الصالح. كان من عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين، حافظاً للقرآن العزيز، فقيهاً عالماً نبيهاً شاعراً بارعاً مفلقاً، جليل القدر ببلده مبرّزاً في علم الأدب والعربية. ونظم وأفرد من شعره مجلدة في الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب- صلوات الله عليهما- تشتمل على مراثيه. واستشهد بسبتة بعد صلاة الصبح بداره وذلك في سنة ثمان وستمائة- رحمة الله عليه-. أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الواحد الأوسي السبتي- من لفظه وحفظه- بحلب، قال أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد المنصفيُّ الأنصاري، قال: أنشدني والدي الإمام الزاهد أبو الحجاج يوسف بن محمد لنفسه: [من الرمل] بين جرعاء اللِّوى والأثلات ... مربعٌ للحظِّ فيه فتكات لبني عذرة دارٌ لم يزل ... بالعيون الدُّعج محميَّ الجهات الظُّبا السُّمر به سمر القنا ... والمها البيض به بيض الظُّبات أيُّها الآمل نجداً دونه ... مسلكٌ أبعد ما فيه النَّجاة لا تشم بارقهم ملتفتاً ... ربُّ جدٍّ بين هزلٍ والتفات برق ثغرٍ خلَّبٌ تحسَّبه ... كم سقى الدَّمع به من وجنات لا وركبٍ نزلوا أمَّ القرى ... وأحلُّوا المشعرين اليعملات واستقلوا بالهدايا كرةً ... عرفت عرف شذاها عرفات لا أطيع الحبَّ جهلاً بعدما ... غيَّرتني بالمشيب الخفرات يا حماماً بالحمى أرَّقه ... فقد زغبٍ بالفلا مرتهنات

стр. 2731

ذات جيدٍ إن بدا تحسبه ... قزحاً إثر سحاب هاطلات لم تزل ترسل ما تكرعه ... من سقاءٍ أوكأته اللَّهوات واستدارت والهوى يقتادها ... أغلب الشَّوق اشتياق الأمَّهات بان مرتاداً لها في مرقبٍ ... ولأفراخ القطا منها بيات وارتوت من دمها مقصعةً ... يا لأفراخ عليها ثاكلات أنا أولى منك بالحزن على ... فقد أيَّام الشَّباب السَّالفات أعد السَّجع فإنّي دنفٌ ... وأعر سمعي تلك النَّغمات إن يكن شجوك من فقدٍ لها ... فكذا الدُّهر اجتماعٌ وشتات منصفيٌّ تدعي الزُّهد وقد ... علقت منك أكفُّ الشَّهوات وبفوديك مشيبٌ ناصعٌ ... لك فيه لو تذكَّرت عظات أسأل الله إليه توبةً ... قابل التَّوب مجيب الدَّعوات وعلى المختار من صفوته ... أحمد الطَّاهر أزكى الصَّلوات [٩٨٦] يوسف بن محمَّد بن محمود بن عبيد الله بن محمَّد بن يوسف بن الملثَّم. كان شاباً ذكياً متوقداً له خطّ حسن، وترسل قريب، وشعر مطبوع. وكان بذيء اللسان خبيثه، كثير الهجو، أفحش شعراء زمانه هجواً. وكانت له اليد البيضاء في الهجاء نظماً ونثراً. وكانت فيه قحة وقلّة حياء. هجا الناس ونفسه وأباه وإخوته وأقاربه. وكان أبوه من بلاد المغرب تولّى قضاء طبريّة من بلاد الشام مدّة. ومولد يوسف بدمشق، ونشأ بسميساط وبها توفي في حدود سنة ستٍّ وعشرين وستمائة. ولم يكن عمره غير خمس وعشرين سنة لا مزيد على ذلك؛ وله

стр. 2732

ديوان شعر مجموع. أنشدني المولى الأمير الكبير العالم صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب بن شاذي بحلب المحروسة بمنزلة المعمود- أدام الله أيامه- قال: أنشدني يوسف بن محمد بن الملثم لنفسه يهجو قبيلته الملثمة ببلاد المغرب: [من البسيط] قالوا: جدودك أقيال ملثَّمةٌ ... لا تهجهم قلت: هجوي مدحةٌ لهم كانوا يناكون مرداً فالتحوا فخشوا ... أن يكره الشَّعر العشَّاق فالتثموا ومن شعره ما كتبه إلى صديق له يقال له: أبو علي بن عبد الرحمن بن إبراهيم العطار. وكان مقيماً بالبيرة في خدمة الملك الزاهر داود بن يوسف بن أيوب متصرفاً في اليهود. وكان يوسف بن الملثم يتردَّد من سميساط إلى البيرة، وينزل في دار صديقه أبي علي بن العطّار فأتى مرة، فلم يجد أبا علي حاضراً فنزل على عادته وسأل عنه، فقال له بعض أقاربه: إنَّه قد عرض له حمّى وقد خرج إلى ظاهر البلد إلى بستانٍ له، فكتب إليه يقول: [من البسيط] لا تحسب القلب من شوقي إليك خلي ... أبا عليٍّ معاذ الله لا وعلي وأنت تعلم ما عندي إليك كما ... قلبي عليمٌ بما قد كان عندك لي وقيل شكواك من حمًّى وما فهموا ... هذا حرارة فكر منك مشتعل ولا ترى بعد هذا البؤس ثانيةً ... وربما صحَّت الأجساد بالعلل وكتب إليه مرّةً ثانية وقد أتى على عادته ولم يجده في الدار. وكان في ظاهر البلد في البستان. وكانت عادته إذا جاء من سميساط يقيم أيّاماً كثيرةً، ولا شكّ أنه اجتاز تلك المرّة مستعجلاً، فقال: [من مجزوء الكامل] شوقي إليك أبا علي ... تفصيله لم يجمل ما هكذا عوَّدتَّني ... من منَّة وتفضُّل أيجوز أن أمضي ولم ... تطرق برجلك منزلي حاشاك أن تهمل مودَّ ... ة صاحبٍ لك أوَّل وله وقد عمل في الملك الزاهر قصيدة مدح، وأنشده إياها وكان من عادته

стр. 2733

/٢٥١ أ/أن يرسم له بخلعةٍ ونفقة، فأرسل له على يد صاحبه أبي علي بن العطار نفقة بغير خلعة؛ فلما أتاه بها، قال: يا صاحبي لو أنها ألف دينار ما ظهرت علي بغير خلعة فارددها، وأتني بخلعة بغير نفقة، فقال له: اعمل شيئاً يكون معي مفتاح الكلام في ذلك، فقال ارتجالاً: [من السريع] يا ملك العالم يا من سما ... فخاره أصلاً وذرِّيَّه لبسي لتشريفك في عودتي ... أحبُّ لي من ألف مصريَّه فلما وصلها المذكور إلى الملك الزاهر وأنشده البيتين أمر له بخلعةٍ سنية مع النفقة. وقال يهجو العماد بن النوري قاضي إلبيرة. وكان المذكور أوقاته عند الملك الزاهر فحضر شكوى من نفرين أحدهما سارق، والآخر زانٍ فتوسط القاضي للواني بالحصب وللسارق بالقتل: [من السريع] قل لعماد الدِّين يا قاضياً ... يحكم في البيرة بالطَّبع يحم للسارق من علمه ... بالحصب والزَّاني بالقطع مذهب ابن إدريس قد أصبحت ... أركانه هادمة الربع لو أنَّ للمذهب عيناً بكت ... على الَّذي قد تمَّ بالشَّرع [٩٨٧] يوسف بن محمَّد بن عليِّ بن هبة الله، أبو المظفر البغداديُّ المعروف بابن الزجّاج. من أهل بغداد من باب البصرة. ذكر لي أنَّه حفظ القرآن العزيز، وقرأه للسبعة والعشرة، وتأدّب وحضر مجالس أهل العلم والأدب، وقال شعراً رقيقاً عذباً، أودعه نكتاً لطيفة. شاهدته بالموصل وسألته عن مولده، فقال لي: الآن خمس وخمسون سنة. وكان سؤالي في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان رجلاً خفيف الروح، مطبوع المجون، طيب المزاج.

стр. 2734

أنشدني لنفسه إملاءً من لفظه وحفظه: [من الخفيف] لذَّة الحبِّ أن ترى السِّرَّ جهرا ... أو ترى الهتك فيه صوناً وسترا أين برهانك الصَّحيح إذا ما ... خفت زيداً فيه وراقبت عمرا خلِّ قول النَّصيح واعص اللَّواحي ... واهجر العذل والعواذل هجرا وأسدد السَّمع عن سماع ملامٍ ... فأخو اللُّبِّ بالمداراة أدرى أيُّ عارٍ وأيُّ عتبٍ على ذي ... كلفٍ وامقٍ تعشَّق بدرا رشا فرعه الأثيث فحظِّي ... من بني الدَّهر كلَّما رمت امرا فوق صلت يسمو الغزالة حسناً ... ويفوق النِّبراس نوراً وقدرا حجبت حاجباه نومي وصبري ... بلحاظٍ تهدي لهاروت سحرا وأقرَّت وجناته بدم الصَّـ ... ـبِّ فلم ذا عيناه تجحد نكرا كتب الحسن: لا مليح سواه ... بفصيح اللُّغات في الخدِّ سطرا واغتدى يوسفٌ مطيعاً مقرّاً ... أنَّه منه بالملاحة أحرى وأقام العذار عذري عليه ... عند من لامني فأمسك قسرا بأبي مبسماً بروداً شتيتاً ... ورضاباً أذكى من المسك نشرا وقواماً كالسَّمهريِّ إذا ما ... س دلالاً يكاد ينقدُّ هصرا وضعيفاً من خصره سلَّ صبري ... عن هواه إن كنت أزمعت صبرا ولردف يحكي همومي وساقٍ ... ساق أهل الغرام للحتف قهرا أسمرٌ لو يشاء عند سطاه ... ملأ الخافقين بيضاً وسمرا لست أنساه حين بات سميري ... وعيون الوشاة ترمق شزرا بهواه سليم .... أضحى ... دون خلق الإله في النَّاس مغرى فهو في حبِّه وحيدٌ وفي السَّبـ ... ـق إلى المكرمات مازال وترا وأنشدني لنفسه يهجو: [من الكامل] بكت العيون وكيف لا تبكي على ... دبر أصيب من الزَّمان بهونه وازاده ضعةً برفعة تاجه ... وحقارةً بجماله وأمينه فلينذر الزَّمن المحبَّب نفسه ... ويسيء فيه الحرُّ ظنونه

стр. 2735

وأنشدني لنفسه أيضاً يهجو عوّاداً: [من الخفيف] عود عبد العزيز يشكو إلى اللـ ... ـه إذا سار في مثانيه شدُّ ربِّ ماذا جنيت حتَّى أكافا ... بعذاب ما كان لي منه بدُّ إنَّ عبد العزيز أثقل من رضـ ... ـوى وأدهى من وقعه وأشدُّ وأنشدني أيضاً قوله في إنسان رمدت عينه: [من البسيط] قالوا: اشتكت عين شمس الدِّين قلت لهم ... حاشا لها وعيون الخلق تفديها وقلَّ ذاك لها بين الأنام فدىً ... لكنَّ ذا العرش يكلاها ويشفيها عينٌ من الغضِّ جفناها وناظرها ... من الحيا ومن التَّقوى مآقيها فكيف يدنو إليها ما يضرُّ بها ... أم كيف يقر بها داءٌ فيؤذيها لكنَّها نظرت وجه الحبيب وقد ... زاد احمراراً فأعدى ما رأت فيها وأنشدني لنفسه فيمن مطله بوعد: [من الخفيف] من يرجِّي إليك إنجاز وعدٍ ... حسبه أن يعيش بالآمال وتريه أطماعه والأماني ... أيَّما زخرفٍ وأيَّ ضلال كيف يعطي عمراً كنوحٍ وصبراً ... مثل أيُّوب أو كنوزاً بمال ولعمري أن ينفد الكلُّ والوعـ ... ـد فباقٍ على ممرِّ اللَّيالي جلَّ وعدٌ لا ينقضي أبد الدَّهـ ... ـر وسبحانه بغير زوال وأنشدني أيضاً من شعره: [من البسيط] ما عاقب الله عاداً والَّذين طغوا ... من قوم لوط ولا النَّمرود حين عصى بما ابتلى العود من عبد العزيز فما ... عساه أجرم حتَّى جرِّع الغصصا وأنشدني لنفسه: [من الكامل] قال العذول تسلَّ عنه وخلِّه ... فأجبته إنَّ السُّلوَّ بعيد لأعذر في ولهي عليه وقد بدا ... في سالفيه عذاره الممدود
следующие страницы →