← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

ذات جيدٍ إن بدا تحسبه ... قزحاً إثر سحاب هاطلات لم تزل ترسل ما تكرعه ... من سقاءٍ أوكأته اللَّهوات واستدارت والهوى يقتادها ... أغلب الشَّوق اشتياق الأمَّهات بان مرتاداً لها في مرقبٍ ... ولأفراخ القطا منها بيات وارتوت من دمها مقصعةً ... يا لأفراخ عليها ثاكلات أنا أولى منك بالحزن على ... فقد أيَّام الشَّباب السَّالفات أعد السَّجع فإنّي دنفٌ ... وأعر سمعي تلك النَّغمات إن يكن شجوك من فقدٍ لها ... فكذا الدُّهر اجتماعٌ وشتات منصفيٌّ تدعي الزُّهد وقد ... علقت منك أكفُّ الشَّهوات وبفوديك مشيبٌ ناصعٌ ... لك فيه لو تذكَّرت عظات أسأل الله إليه توبةً ... قابل التَّوب مجيب الدَّعوات وعلى المختار من صفوته ... أحمد الطَّاهر أزكى الصَّلوات [٩٨٦] يوسف بن محمَّد بن محمود بن عبيد الله بن محمَّد بن يوسف بن الملثَّم. كان شاباً ذكياً متوقداً له خطّ حسن، وترسل قريب، وشعر مطبوع. وكان بذيء اللسان خبيثه، كثير الهجو، أفحش شعراء زمانه هجواً. وكانت له اليد البيضاء في الهجاء نظماً ونثراً. وكانت فيه قحة وقلّة حياء. هجا الناس ونفسه وأباه وإخوته وأقاربه. وكان أبوه من بلاد المغرب تولّى قضاء طبريّة من بلاد الشام مدّة. ومولد يوسف بدمشق، ونشأ بسميساط وبها توفي في حدود سنة ستٍّ وعشرين وستمائة. ولم يكن عمره غير خمس وعشرين سنة لا مزيد على ذلك؛ وله

стр. 2732

ديوان شعر مجموع. أنشدني المولى الأمير الكبير العالم صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب بن شاذي بحلب المحروسة بمنزلة المعمود- أدام الله أيامه- قال: أنشدني يوسف بن محمد بن الملثم لنفسه يهجو قبيلته الملثمة ببلاد المغرب: [من البسيط] قالوا: جدودك أقيال ملثَّمةٌ ... لا تهجهم قلت: هجوي مدحةٌ لهم كانوا يناكون مرداً فالتحوا فخشوا ... أن يكره الشَّعر العشَّاق فالتثموا ومن شعره ما كتبه إلى صديق له يقال له: أبو علي بن عبد الرحمن بن إبراهيم العطار. وكان مقيماً بالبيرة في خدمة الملك الزاهر داود بن يوسف بن أيوب متصرفاً في اليهود. وكان يوسف بن الملثم يتردَّد من سميساط إلى البيرة، وينزل في دار صديقه أبي علي بن العطّار فأتى مرة، فلم يجد أبا علي حاضراً فنزل على عادته وسأل عنه، فقال له بعض أقاربه: إنَّه قد عرض له حمّى وقد خرج إلى ظاهر البلد إلى بستانٍ له، فكتب إليه يقول: [من البسيط] لا تحسب القلب من شوقي إليك خلي ... أبا عليٍّ معاذ الله لا وعلي وأنت تعلم ما عندي إليك كما ... قلبي عليمٌ بما قد كان عندك لي وقيل شكواك من حمًّى وما فهموا ... هذا حرارة فكر منك مشتعل ولا ترى بعد هذا البؤس ثانيةً ... وربما صحَّت الأجساد بالعلل وكتب إليه مرّةً ثانية وقد أتى على عادته ولم يجده في الدار. وكان في ظاهر البلد في البستان. وكانت عادته إذا جاء من سميساط يقيم أيّاماً كثيرةً، ولا شكّ أنه اجتاز تلك المرّة مستعجلاً، فقال: [من مجزوء الكامل] شوقي إليك أبا علي ... تفصيله لم يجمل ما هكذا عوَّدتَّني ... من منَّة وتفضُّل أيجوز أن أمضي ولم ... تطرق برجلك منزلي حاشاك أن تهمل مودَّ ... ة صاحبٍ لك أوَّل وله وقد عمل في الملك الزاهر قصيدة مدح، وأنشده إياها وكان من عادته

стр. 2733

/٢٥١ أ/أن يرسم له بخلعةٍ ونفقة، فأرسل له على يد صاحبه أبي علي بن العطار نفقة بغير خلعة؛ فلما أتاه بها، قال: يا صاحبي لو أنها ألف دينار ما ظهرت علي بغير خلعة فارددها، وأتني بخلعة بغير نفقة، فقال له: اعمل شيئاً يكون معي مفتاح الكلام في ذلك، فقال ارتجالاً: [من السريع] يا ملك العالم يا من سما ... فخاره أصلاً وذرِّيَّه لبسي لتشريفك في عودتي ... أحبُّ لي من ألف مصريَّه فلما وصلها المذكور إلى الملك الزاهر وأنشده البيتين أمر له بخلعةٍ سنية مع النفقة. وقال يهجو العماد بن النوري قاضي إلبيرة. وكان المذكور أوقاته عند الملك الزاهر فحضر شكوى من نفرين أحدهما سارق، والآخر زانٍ فتوسط القاضي للواني بالحصب وللسارق بالقتل: [من السريع] قل لعماد الدِّين يا قاضياً ... يحكم في البيرة بالطَّبع يحم للسارق من علمه ... بالحصب والزَّاني بالقطع مذهب ابن إدريس قد أصبحت ... أركانه هادمة الربع لو أنَّ للمذهب عيناً بكت ... على الَّذي قد تمَّ بالشَّرع [٩٨٧] يوسف بن محمَّد بن عليِّ بن هبة الله، أبو المظفر البغداديُّ المعروف بابن الزجّاج. من أهل بغداد من باب البصرة. ذكر لي أنَّه حفظ القرآن العزيز، وقرأه للسبعة والعشرة، وتأدّب وحضر مجالس أهل العلم والأدب، وقال شعراً رقيقاً عذباً، أودعه نكتاً لطيفة. شاهدته بالموصل وسألته عن مولده، فقال لي: الآن خمس وخمسون سنة. وكان سؤالي في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان رجلاً خفيف الروح، مطبوع المجون، طيب المزاج.

стр. 2734

أنشدني لنفسه إملاءً من لفظه وحفظه: [من الخفيف] لذَّة الحبِّ أن ترى السِّرَّ جهرا ... أو ترى الهتك فيه صوناً وسترا أين برهانك الصَّحيح إذا ما ... خفت زيداً فيه وراقبت عمرا خلِّ قول النَّصيح واعص اللَّواحي ... واهجر العذل والعواذل هجرا وأسدد السَّمع عن سماع ملامٍ ... فأخو اللُّبِّ بالمداراة أدرى أيُّ عارٍ وأيُّ عتبٍ على ذي ... كلفٍ وامقٍ تعشَّق بدرا رشا فرعه الأثيث فحظِّي ... من بني الدَّهر كلَّما رمت امرا فوق صلت يسمو الغزالة حسناً ... ويفوق النِّبراس نوراً وقدرا حجبت حاجباه نومي وصبري ... بلحاظٍ تهدي لهاروت سحرا وأقرَّت وجناته بدم الصَّـ ... ـبِّ فلم ذا عيناه تجحد نكرا كتب الحسن: لا مليح سواه ... بفصيح اللُّغات في الخدِّ سطرا واغتدى يوسفٌ مطيعاً مقرّاً ... أنَّه منه بالملاحة أحرى وأقام العذار عذري عليه ... عند من لامني فأمسك قسرا بأبي مبسماً بروداً شتيتاً ... ورضاباً أذكى من المسك نشرا وقواماً كالسَّمهريِّ إذا ما ... س دلالاً يكاد ينقدُّ هصرا وضعيفاً من خصره سلَّ صبري ... عن هواه إن كنت أزمعت صبرا ولردف يحكي همومي وساقٍ ... ساق أهل الغرام للحتف قهرا أسمرٌ لو يشاء عند سطاه ... ملأ الخافقين بيضاً وسمرا لست أنساه حين بات سميري ... وعيون الوشاة ترمق شزرا بهواه سليم .... أضحى ... دون خلق الإله في النَّاس مغرى فهو في حبِّه وحيدٌ وفي السَّبـ ... ـق إلى المكرمات مازال وترا وأنشدني لنفسه يهجو: [من الكامل] بكت العيون وكيف لا تبكي على ... دبر أصيب من الزَّمان بهونه وازاده ضعةً برفعة تاجه ... وحقارةً بجماله وأمينه فلينذر الزَّمن المحبَّب نفسه ... ويسيء فيه الحرُّ ظنونه

стр. 2735

وأنشدني لنفسه أيضاً يهجو عوّاداً: [من الخفيف] عود عبد العزيز يشكو إلى اللـ ... ـه إذا سار في مثانيه شدُّ ربِّ ماذا جنيت حتَّى أكافا ... بعذاب ما كان لي منه بدُّ إنَّ عبد العزيز أثقل من رضـ ... ـوى وأدهى من وقعه وأشدُّ وأنشدني أيضاً قوله في إنسان رمدت عينه: [من البسيط] قالوا: اشتكت عين شمس الدِّين قلت لهم ... حاشا لها وعيون الخلق تفديها وقلَّ ذاك لها بين الأنام فدىً ... لكنَّ ذا العرش يكلاها ويشفيها عينٌ من الغضِّ جفناها وناظرها ... من الحيا ومن التَّقوى مآقيها فكيف يدنو إليها ما يضرُّ بها ... أم كيف يقر بها داءٌ فيؤذيها لكنَّها نظرت وجه الحبيب وقد ... زاد احمراراً فأعدى ما رأت فيها وأنشدني لنفسه فيمن مطله بوعد: [من الخفيف] من يرجِّي إليك إنجاز وعدٍ ... حسبه أن يعيش بالآمال وتريه أطماعه والأماني ... أيَّما زخرفٍ وأيَّ ضلال كيف يعطي عمراً كنوحٍ وصبراً ... مثل أيُّوب أو كنوزاً بمال ولعمري أن ينفد الكلُّ والوعـ ... ـد فباقٍ على ممرِّ اللَّيالي جلَّ وعدٌ لا ينقضي أبد الدَّهـ ... ـر وسبحانه بغير زوال وأنشدني أيضاً من شعره: [من البسيط] ما عاقب الله عاداً والَّذين طغوا ... من قوم لوط ولا النَّمرود حين عصى بما ابتلى العود من عبد العزيز فما ... عساه أجرم حتَّى جرِّع الغصصا وأنشدني لنفسه: [من الكامل] قال العذول تسلَّ عنه وخلِّه ... فأجبته إنَّ السُّلوَّ بعيد لأعذر في ولهي عليه وقد بدا ... في سالفيه عذاره الممدود

стр. 2736

[٩٨٨] يوسف بن محمَّد بن عليِّ بن شفاعة بن الحسين، أبو العزِّ الموصليُّ. شاب قصير أسمر خفيف اللحية، ينجّم ويبيع الشربات ويعقد الحلق على الطريق؛ وهو ذو لسان ذرب، وجرأةٍ في الكلام، ومع ذلك هو من أطبع الناس ألفاظاً، وأطيبهم فكاهةً، وأحسنهم مزاحاً، يحفظ صدراً وافراً من الأشعار المستطرفة والحكايات النادرة، واعتنى بقول الشعر، فنظم منه مقطعات صالحة، تتضمَّن أغراضاً حسنة. ومما أنشدني لنفسه بالموصل: [من الكامل] مولاي مسألةٌ هلمَّ جوابها ... يا قدَّ غصنٍ يا لحاظ الربرب ما بال ثغرك وهو أنفس لؤلؤٍ ... وأراه حلَّ بريقك المستعذب أتراه صار كماء خدِّك إذ غدا ... متحيِّراً فوق السَّعير الملهب وتقدَّح الرَّيحان في جنباته ... فلذاك زاد تحيُّري وتعجُّبي وأنشدني أيضاً لنفسه: [من مخلّع البسيط] لو قال لي خالقي تمنَّى ... لقلت قول امرئٍ محقِّ: أريد في صبح كلِّ يومٍ ... تجعل يا ربِّ كلَّ رزقي كوز مدامٍ ورطل لحمٍ ... ومنَّ خبزٍ وجذر علق وصاحباً لا يذيع سري ... يصحبني مخلصاً بصدق حتَّى إذا ما دنت وفاتي ... تصفح عن زلَّتي وفسقي وأنشدني أيضاً قوله: بمن الطويل] إذا طار شيطان الهموم بمهجتي ... يروم استراق اللَّهو منِّي ويهرب عدلت إلى كرخيَّة عنبيَّةٍ ... ففاجأه من سورة الكأس كوكب وأنشدني لنفسه: [من المتقارب] لقد حرت في سوء حظِّي المشوم ... وما قد رماني به خالقي

стр. 2737

يعاندني في جميع الأمور ... ليجعلني غرض الرَّاشق ولو أنَّ يوماً عشقت العوير ... لصار له ماؤنا عاشق والعوير هذا كان رجلاً أعور مشوَّه الخلق مختلطاً، يعبث به الصبيان بالموصل. [٩٨٩] يوسف بن المظفر بن أحمد بن شهابٍ، أبو الفضل الإسكندري. كانت ولادته بها في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمسمائة. وكان فاضلاً أديباً عالماً لبيباً شاعراً نجيباً. أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها- رحمه الله تعالى- قال: أنشدني يوسف بن المظفر الإسكندري لنفسه: [من الوافر] تحدَّى بالمال وقال إنِّي ... إمام الحسن قلت: فما الدَّليل. فقال: وهل ظننت فقلت: كلَّا ... ولكنِّي أحقِّق ما أقول! فقال: أنظر تر الضِّدَّين عندي ... على حال التزامٍ لا يحول فها كفلي به ريٌّ وخصري ... به ظمأٌ وذاك لذا كفيل فقلت: لقد أتيت بمعجزاتٍ ... وجئت بما تصدِّقه العقول فقال: آمنت، قلت: نعم وإنِّي ... لأشهد أنَّك الحسن الجميل وأنشدني له أيضاً: [من الوافر] سبى عقلي بمعتدل القوام ... وصال بناظرٍ مثل الحسام غزال يصرع الآساد قهراً ... فما تنجو لديه من الحمام من الأتراك إلَّا أنَّ فيه ... من الأعراب إعراب الكلام رمى بالَّبل في غرضٍ فأصمى ... صميم القلب منِّي بالسِّهام فقلت وقد بصرت به أهذا ... من الولدان أم حور الخيام وهل أبصرتم أو هل سمعتم ... بريمٍ في البريَّة عاد رامي

стр. 2738

[٩٩٠] /٢٥٥ ب/يوسف بن المظفَّر بن أحمد بن أبي بكر بن أبي سعيدٍ، أبو العزِّ الموصليُّ المعروف بابن الجرَّاش. أخبرني أنه ولد سنة تسعين وخمسمائة. رأيته بالموصل رجلاً قد أسرع الشيب في لحيته، يتصرف في الأعمال، وينتمي إلى قول الشعر؛ وله مقطعات ما بها بأس. أنشدني لنفسه في بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل- وقد رمى الطير المسمّى بالجليل: [من الكامل] لمَّا تصدَّى للرميَّة أرعشت ... كلُّ النُّجوم بمغربٍ وبمشرق لحقت جليل الطَّير منك مهابةٌ ... صرعته قبل يناله بالبندق وأنشدني لنفسه فيه أيضاً حين أجرى القني الذي بالموصل: [من الخفيف] قيل أجرى المليك قنياً يعزمٍ ... صادقٍ زانه من الله نصر قلت: كفُّوا فليس بدعاً يسيل الـ ... ـقني من كلِّ إصبعٍ منه بحر وأنشدني لنفسه فيه يهنئه بالنصف من شعبان: [من الخفيف] جاءك النِّصف بالكمال يهنِّيـ ... ـك وما ذاك من بديع الأمر أنت بدرٌ وعدَّة النِّصف لا تـ ... ـكمل إلَّا من بعد تمِّ البدر وأنشدني أيضاً لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عاد مريضاً: [من الخفيف] بك برء الأنام نيط فمن عد ... ت من النَّاس برؤه قد تهيَّا قسماً لو سألت إحياء ميتٍ ... داثرٍ زرت قبره عاد حيَّا وأنشدني أيضاً لنفسه يصف الخمر: [من الخفيف] قال: صف لي المدام، قلت: تأمَّل ... كأسها تلق كلَّ وصف وسيم هي في لون نار موسى وفي الفعـ ... ـل كنار الخليل إبراهيم

стр. 2739

[٩٩١] يوسف بن المظفَّر بن عبد السلام بن عليٍّ، أبو المظفر البغداديُّ المعروف بابن الموفيِّ. رأيته بإربل شاباً. وذكر لي أنَّه ولد سنة ثلاث وستمائة. وقال شعراً كثيراً، وامتدح به الناس. ومما أنشدني لنفسه في التغزل بإربل، ولم ينشدني غير هذه المقطوعة، ولم أكتب عنه سواها؛ لأنه ما كان يؤثر ذلك: [من الوافر] وأحوى قد حوى رقِّي ولبِّي ... وغادرني حديثاً في البرايا أسيل الخدِّ أحور ذو دلال ... رشيق القدِّ وضَّاح الثَّنايا يواصلني فأحظى بالأماني ... ويهجرني فأرضى بالمنايا كتمت هواه حتَّى عيل صبري ... فأظهر دمع عينيَّ الخبايا [٩٩٢] يوسف بن مسعود بن بركة بن سالمٍ، أبو المحاسن الشيبانيُّ المعروف بابن عرَّاجٍ. من أهل تليعفر. وقد مرَّ نسبه مستقصىً بتمامه في ترجمة ولده محمد. كانت ولادته في سنة ستين وخمسمائة بتليعفر. ومات بنصيبين في يوم الثلاثاء ثالث المحرم سنة خمس عشرة وستمائة. نزل الموصل وأقام بها مدَّة يختلف إلى الشيخ أبي الحرم النحوي، يقرأ عليه أدباً ونحواً. وكان وافر الحفظ للأشعار وأيام العرب وسيرها حسن المعرفة بأخبار

стр. 2740

الفرس، ومحاسن آثارهم. وكان شاعراً مطيلاً في قصائده يمدح أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه- وكان من المغالين في مذهب الشيعة خالصاً في الولاء. أنشدني أبو المجد أسعد بن إبراهيم الكاتب النشَّابيّ الإربليّ بها، قال: أنشدني يوسف بن مسعود بن بركة التليعفري لنفسه بنصيبين يمدح الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين موسى بن أبي بكر بن أيوب- رحمه الله تعالى- حين صاهر أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر- صاحب الموصل- على أخته من قصيدة: [من البسيط] أدركت بالسَّعي والتَّوفيق منزلةً ... باتت تقصِّر عنها السَّبعة الشُّهب ذا سعي من ليس يقفو إثره بشرٌ ... وعزم من ليس يثني عزمه سبب تراسلت أنفس الأملاك فاتَّفقت ... تحت الصَّفيح وسرُّ الغيب محتجب ما استعظم الملك في الأيَّام منزلةً ... ورتبةً تتدانى دونها الرُّتب ولا رأت أعين العلياء أحسن من ... هذا القران الَّذي يسمو به الحسب يومٌ غدا بين أيُّوب وأسرته ... وبين مودود فيه للعلا نسب لو فاخر الدَّهر هذا اليوم في شرفٍ ... لأحجمت دونه الأعوام والحقب لو أنَّ أيَّام هذا الدَّهر مالكةٌ ... نطقاً لكانت لهذا اليوم تنتسب لا عذر فيه لباغي سؤددٍ وغنىً ... إذ ربُّه كيف لم يذهب به الطَّرب وأنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي- رحمه الله تعالى-: [من الطويل] سقى جوَّ قنَّسرين شؤبوب مزنةٍ ... ربيعيَّة تكسوه عضباً يمانياً وجاد قويقاً والعواصم عارضٌ ... يغادر ذاك الجوَّ بالنُّور حاليا ملثٌّ إذا ما سيط بالبرق ذوده ... إذا ما ونى أو شلَّه الرَّعد حاديا توقَّر في المسرى رويداً وكلَّما ... حذته جنوبٌ أو صباً سار وانيا ومرَّ على قيعان منبج تائقاً ... ثقيل المطا واهي العرى متدانيا فلمَّا تدانى بركه من نزاعه ... ولاحت له الشَّهباء أرخى العزاليا فما زال يسقي صوبه سفح جوشنٍ ... إلى أن رأيت الهضب في الماء طافيا

стр. 2741

فلمَّا سكرنا قال: ما جئت ساقياً ... ولكنَّني وافيت خصماً مباريا فقلنا لمن يعني جزيت كرامةً؟ ... فقال: عنيت الظَّاهر النَّدب غازيا فأضحكنا ممَّا حكاه تعجُّباً ... وقلنا: لقد ضيَّعت تلك الأياديا أتحكي جواداً يبذل المال باسماً ... وأنت إذا أسقيت أسقيت باكياً وأقرب فنَّ فيكما أنَّ جوده ... متى ما استمحنا صوبه كان ساقيا وأنت هداك الله للرشد لم تكن ... لتسقي الورى إلَّا إذا كنت شاتيا فربما أقلعت عنَّا وأمسكت ... سماؤك حتَّى لست تنقع ظاميا ومدَّت إلى الله الأكفِّ فلا ترى ... من النَّاس إلَّا ضارع الخدِّ داعيا تحاول منه الغوث والعام أغبرٌ ... وجودك يبدو أحمر اللَّون قانيا وأكثر ما يأتي نوال ابن يوسف ... غياث الورى والدِّين عفواً مفاجيا يذوق حلاوات الغنى في دياره ... فتىً لغياث الدِّين قد بات راجيا وله من قصيدة فيه أولها: [من البسيط] ما بعد ذا اليوم للراجي المنى أربٌ ... نلت المرام ففيم السَّعي والطَّلب بشارةٌ لك عندي قد خصصت بها ... والله أدرى إذا أعطى لمن يهب إنَّ الخليل خليل الله من نطقت ... بفضله معجزات الآي والكتب أرسى قواعد بيت الله في حرمٍ ... زاك فشدَّ إليه السَّرج والقتب واختار بالشَّام للأضياف منزلةً ... أمسى بها لبني الآمال يجتلب فمكَّةٌ أصبحت أمَّ القرى وغدت ... لمن أراد النَّدى أمَّ القرى حلب بتلك تمسي الخطايا وهي ذاهبةٌ ... عن وفدها وبهذي يذهب السَّغب وقال أيضاً وهو عند الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر ليلةً، وقد ملأ البركة ورداً حتى غطى الماء، وجعلوا الشمع حول البركة جميعها: [من البسيط] يا أيُّها الملك الميمون أنت لنا ... شمسٌ نهاراً وتحت اللَّيل مصباح أنت العليم بحلِّ المشكلات فقل ... ففي مقالك إيجازٌ وإفصاح أهذه بركةٌ أم يوم معركةٍ ... آثارها منك ماضي العزم شحشاح كأنَّ محمرَّ لون الورد فيض دمٍ ... في مائها وكأنَّ الشَّمع أرماح

стр. 2742

وكتب إليه أيضاً: [من الخفيف] حيث ما كنت فالإله كفيلٌ ... لك بالنَّصر فهو نعم النَّصير أي أرضٍ حللتها حلَّ فيها ... عارضٌ ممطرٌ وبدرٌ منير واستمال الرُّواد من وجهك الطَّلـ ... ـق وكفَّيك روضةٌ وغدير مثَّلتك العلا لعيني على البعـ ... ـد وقلبي شوقاً إليك يطير كلُّ ما يحصر اليراع مع الطِّر ... س من المدح في مرادي حقير فلهذا أخَّرته ثمَّ عوَّلـ ... ـت على ما أنطوى عليه الضَّمير وقال أيضاً يمدحه من قصيدة أوّلها: [من الخفيف] ليت شعري إن هجر خرقاء طالا ... كان زهداً صدودها أم دلالا جعلت وصلها حراماً وقتل الـ ... ـصَّبِّ بالصَّدِّ والتَّجنِّي حلالا بخلت بالسَّلام يقظى وأهدت ... طيفها في الكرى فمنِّي محالا ويح قلبي من معرض ليس يرجى ... منه قربٌ ومرسلٍ لي خيالا من مجيري من ظبيةٍ ذات دلٍّ ... تتثنَّى غصناً وترنو غزالا ذات شكلٍ لو لوِّن الحسن ثوباً ... وارتدته لما استزادت كمالا أطعمتني في وصلها أمُّ عمرو ... وأرتني من المعاني خصالا سلبت مهجتي بوجهٍ يعير الشَّـ ... ـمس والبدر بهجةً وجمالا وافترقنا فكلُّ بدرٍ رأته ... مقلتي بعدها رأته هلالا طمع العشق مهلكٌ ووقوع النَّـ ... ـفس في الحبِّ عثرةٌ لن تقالا فاردد الطَّرف عن لحاظٍ إذا أو ... مضن أرسلن للقلوب نبالا ما أرى اللَّهو بعد خمسين والميـ ... ـل إلى الغانيات إلَّا ضلالا قرن لهوٍ قد كان خلف شبابٍ ... طوع أمر الهوى فمذ راك زالا فمذ الآن ليس إلَّا المطايا ... والدُّجى واقتحامها الأهوالا كلُّ حرفٍ كالنُّون قد كتب الميـ ... ـس على متنها من الشَّدِّ دالا

стр. 2743

واخداتٍ بكلِّ ضربٍ خفيفٍ ... ذي همومٍ باتت تهدُّ الجبالا فهي تسري بنا خفافاً فنطوي ... عرصة البيد بالأماني ثقالا نحو ملكٍ متوجٍ من بني أيُّـ ... ـوب خير الورى وأزكى فعلا الفتى الأشرف المظفَّر خير الـ ... ـخلق طرّاً وأيمن النّضاس فالا عادليٌّ يحيي نداه البرايا ... بالعطايا ويقتل الأبطالا عوِّد السَّبق فهو لو راهن الهـ ... ـوج لبذَّ الصَّبا وفات الشَّمالا يا مساميه في العلا يوم فخرٍ ... هكذا هكذا وإلَّا فلا لا ومنها ما أطلت المقال إلَّا وعذري ... واضحٌ فيك يذهب الإشكالا هي لا شكَّ حلَّةٌ وأخو الفهـ ... ـم إذا حاك للطويل أطالا طلت مجداً فطال شعري ومن جد ... ت عليه وخصَّ بالفضل قالا أوسعت حلبة القوافي سجايا ... ك وحلَّ الإحسان منِّي الشِّكالا فلذا صرت لو سريت مع الرِّ ... يح إلى غايةٍ لجئنا مثالا وإذا ما الجواد ألفى اتساعاً ... في ميادينه تمطَّى وجالا جاء منك التَّشريف والبرُّ من حمـ ... ـص إلى الشَّرق حبَّذاك نوالا بأبي أنت من مليكٍ نداه ... ينتحيني وما نشطت عقالا وبعيدٌ أنِّي أكافي بشعرٍ ... من كفاني همَّ السُّرى والسُّؤالا وقال أيضاً يمدحه من أبيات: [من البسيط] قارعت دوني اللَّيالي وهي قاهرةٌ ... مسوَّدةٌ فأزلت البأس والظُّلما وفاح لي منك نشر الودِّ تتبعه ... مواهبٌ كالحيا الهامي إذا ارتكما فرحت ملتحفاً نصراً ومقتبساً ... نوراً ومستشفياً روعاً ومغتنما إذا كنت كالسَّيل عزماً والهلال سنىً ... والمندل الرَّطب عرفاً والحيا كرما وقوله فيه وكان قد وعده وهو معه في الحمام بقلعة الرّها سنة أربع وستمائة بألف دينار مصريّة- أي يوم ملك خلاط- من قصيدة أنشده إياها بقلعة خلاط في ربيع الأول سنة عشرٍ وستمائة: [من البسيط]

стр. 2744

/٢٦١ أ/ سقى خلاط ملثُّ الودق من دار ... فإن فيها لباناتي وأوطاري ماجت خراسَّان وارتجَّت قواعدها ... كأنَّها الدَّوح لاقى صوب إعصار وأصبحت شاهقات الرُّوم من حذرٍ ... تموج منها الصَّياصي موج تيَّار غيثًا من الرُّعب ملآنا وليث شرى ... تظلُّ ما بين فيَّاض وزئَّار وأضحت الكرج في تفليس خائفةً ... إذ جاورت منك جارًا أيما جار عليك تقري ملوك الأرض قاطبةً ... صحائف المجد في نجد واغوار والنَّاس والطَّير أضيافٌ وعائلةٌ ... لله درُّك من مقر ومن قاري بسطت لي يوم حمَّام الرّها أملاً ... وأنت حرٌّ كريمٌ نجل أحرار كوعد عمِّك إذ وافاه عرقلة ... ستنجز الوعد في نظم وأشعار فقال بيتًا سرى كالشَّمس في مثلٍ ... مولَّد من لثار الشِّعر سيَّار قل للصلاح معيني عند إعساري ... يا ألف مولاي أين الألف دينار وأنت لاشك من ذاك النِّجار ولي ... وعدٌ عليك وهذا وقت تذكار ما أنت دون صلاح الدِّين في كرمٍ ... ولا أنا دون حسَّان بن عمَّار وقال أيضًا /٢٦١ ب/ يهنئه بعيد النحر سنة تسع وستمائة من قصيدة مبدأها: [من الخفيف] كلُّ أوقاتك الحسان هناء ... يا مليكًا تسمو به العلياء لك مجدٌ موثلٌ ما تمنت ... طمعًا في مرامه الجوزاء قد تشكت منك اللَّيالي ازدحامًا ... واستغاث الإصباح والإمساء فمغيرٌ وقت الضُّحى في السَّرايا ... ومضيفٌ في حيث يدنو المساء فمتى ... وفي طرفي يومك ... للمجد غارةٌ شعواء ومنها يقول: ماعرفنا التَّشريق إلاَّ ثلاثًا ... بمنى إذ تراق فيه الدِّماء وأبو الفتح شاه أرمن قد سـ ... ـنَّ خلالاً تبقى ويفنى البقاء جعل الدَّهر كلَّه يوم نحرٍ ... فالعدا والبدور فيه سواء بأبي بل بمهجتي ربَّ ملكٍ ... كلَّ أيَّام عمر هيجاء فلأعدائه الظُّبا والعوالى ... ولقصاده الغنى والعطاء

стр. 2745

طلتم العالمين يا آل شاذي ... بوجوه وقفٌ عليها الحياء /٢٦٢ أ/ نحن والله والخليفة والإسـ ... ـلام والمسلمون والأنبياء من أناسٍ لا يرتضون الَّذي تر ... ضون للمجد والمعالي براء وقال في معنى عرض له: [من الطويل] وعاذلةٍ باتت تلوم على نوىً ... قذوف شطونٍ غادرت حمتي ضحلا ذريني وعزمي والفيافي وطولها ... ونصَّ المهاري والـ .... البزلا إذا كنت ما أخللت بالحلم ناشئًا ... فيا بعد رشد النَّفس إن فاتني كهلا تغربت عن قومي ولم أشك خلَّةً ... ولا بتُّ فيهم ليلةً فاقدًا خلاَّ وليس اغترابي عن بلادي لأنَّني ... عدمت بها الإخوان والمال والأهلا ولكنه مالي بها من مشاكلٍ ... وإنَّ الغريب الفرد من يعدم الشَّكلا إذا ندب التَّجريب سيف عزائمي ... وأرهنه شحذًا وأطلقه صقلا ولم أرض من دهرٍ غزتني صروفه ... بسلمٍ ولم أقبل على ما جنى عقلا فلا يبعث الأعداء نحوي وعدهم ... فمن خاض لجَّ الموت ما يرهب الوحلا وقال أيضًا يلغز في الثلج: [من السريع] /٢٦٢ ب/ ما بالكم في مأكلٍ باردٍ ... ومشرب عذب يزيل الأوام نضربه من فرط إشفاقنا ... عليه أن يسلب ثوب الدَّوام وضربه فيه انتفاعٌ له ... مع أنَّه من نجل قوم كرام تصحيفه يا ذا النُّهى أنه ... مدينةٌ من بعدها لا ترام وإن تصحِّفه تكن ثانيًا ... جنسًا من الأثمار قبل التمام وعكسه من بعد تصحيفه ... بلده ملكٍ من بلاد الشَّام جوابه لبعض الشعراء: [من السريع] يا ملغزًا في شعره سعره ... حسبك قد أثلجتنا يا غلام وقد أجبناك لتفسيره ... فافطن لمعنى قولنا والسلام

стр. 2746

[٩٩٣] يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الأمير أبو المظفر بن أبي محمَّدٍ. من أبناء الملوك الأيوبية والأسرة الناصرية الصلاحية. أخبرني –أدام الله سعادته- أنَّ ولادته بسميساط تقريبًا سنة تسع وتسعين وخمسمائة. أنجب أولاد أبيه وأعلاهم /٢٦٣ أ/ همةً، وأشدهم حزمًا، وأغزرهم عقلاً، وأكرمهم نفسًا، وأكثرهم حياءً، وأصبحهم وجهًا، وأوفرهم سكونًا وبشرًا؛ يميل إلى أهل الفضل والأدب، ويجالسهم ويحفظ أنموذجًا صالحًا من بدائع الأشعار ومحاسنها؛ وربما سمحت قريحته بالبيتين والثلاثة من الشعر فتأتي كأجود شيء وأملحه. أنشدني لنفسه ما كتبه إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب- خلّد الله ملكه-: [من البسيط] يا أيُّها الملك الميمون طائره ... ومن له نعمٌ تنهلُّ كالمطر جبرت كسر قلوب واكتسبت بها ... أجرًا فهل لك في جبر لمنكسر كلُّ الأرامل قد قضَّيت حاجتهم ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر وأنشدني لنفسه أيضًا ما كتبه إلى بعض من كان يغشى مجلسه يستدعيه: [من الطويل] /٢٦٣ ب/ لنا مجلسٌ قد فاق حسنًا ومنظرا ... وليس به شيءٌ يعاب فنخفيه فبادر إلينا منعمًا متفضِّلاً ... فليس يطيب العيش ما لم تكن فيه

стр. 2747

[٩٩٤] يوسف بن نفيس بن أبي الفضل بن السعود بن أبي الفضل بن أبي طاهر بن أبي يعلى بن أبي المعالي المرَّلُّي من أهل إربل، المنبوز بشيطان الشام. كان والده من قرية من قرى العراق تدعى دشينيا من عمل طريق خراسان ويوسف هذا يكنًّى أبا العِّز. ذكر أنه ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة. وتوفي بالموصل سادس عشر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ودفن بمقبرة باب الجصّاصة غربي المدينة بأرض البرزان –رحمه الله تعالى-. ولد بإربل وبها كان منشؤه، وما برح خامل الذكر، نازل القدر، يعبث تارةً بالأبيات يسلك فيها مسلك ابن الحجاج في السّخف والهزل وتارةً بالزَّكالش العاميّة، وتارة بغير هذين النوعين حتى صارت له ملكة قوية في بداية الشعر /٢٦٤ أ/ ومرتجله. وكان يقدر على نظم ما شاء من غير فكرة ولا روية. رحل إلى البلاد وامتدح الملوك وأخذ جوائزهم. ثم انتقل إلى الموصل فأقام بها واشتهر بين أهلها له من صاحبها بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله موضعٌ يحضر مجلس شرابه، ولا يزال يحسن إليه إلى أن مات –كما قدمنا ذكره-. وكان شاعرًا خليعًا ظريفًا معاشرًا من ذوي الهزل والمجانة، مكبًا على الشرب مفتونًا به، لا يصحو من الزمان إلاَّ أقلَّة. وكان أسمر اللون يتزيا بزي جند الأكراد، شعره منتشر على كتفيه، ويتقلَّد سيفًا، ويلبس قباءً إلا أنه كان شيعيًا مغاليًا شديد الرفض؛ وربما بلغ ذلك إلى ما لا يجوز في الشرع ويخرج إلى الشتم والوقيعة في الصحابة –رضوان الله عليهم- وسامحه الله تعالى وعفا عنا وعن إنَّه جواد كريم. وأنشدني كثيرًا من شعره. أنشدني لنفسه يستدعي عز الدين أبا محمد الحسن بن علي بن شماس الإربلي –رحمه الله تعالى-: [من الخفيف]

стр. 2748

/٢٦٤ ب/ يا شبيه اسمه ويا كل شيءٍ ... يتمنى من نعمة ونعيم أنت روح الزَّمان بأسًا وجودًا ... في حديث من ذا وذا وقديم إنَّ يوم الخميس يحسن فيه ... شرب مولى في خلوة ونديم وأنا والذي يديم لك العزِّ .. خليٌّ من صاحبٍ وحميم والحميَّا عليَّ تجلى كشمس ... نقط البدر وجهها بالنُّجوم وأنا عبدك الَّذي ما تخلَّى ... عن ثناء على علاك مقيم فتفضَّل بزورةٍ هي أحلى ... من وصال المنى وهجر الهموم وأنشدني لنفسه: [من البسيط] وربَّ حانة خمَّار حلفت بها ... إلاَّ عكفت على جامٍ ولا كاس حتَّى يقوم لنا ساقٍ لواحظه ... مرضى وفي خدِّه سطرٌ من الآس فجاءنا رشا في قدِّه خنثٌ ... في زيِّ ساق كما شئنا وشمَّاس وحثها قهوة قال الزَّمان لها: ... عملت في وحشتي من بعد إيناس وظلَّ يمزجها راحًا لها لهبٌ ... كأنَّها شعلةٌ أو ضوء بنبراس عانيَّةٌ لو تعاناها الرَّسول رأى ... تحليلها من فروض الله في النَّاس /٢٦٥ أ/ فحين مالت به سكرًا أباح لنا ... من لينه ما حماه قلبه القاسي قبَّلته بعد لا شيءٍ أبوح به ... وقلت ما في دخول النَّار من باس وأنشدني لنفسه يخاطب علي بن الصدر يونس المجلد الموصلي: [من البسيط] مازلت بالأمس يا ابن الصَّدر مرتشفًا ... كأس الحميَّار ونجم الغرب قد سجدا من كفِّ جارية لمَّا خلوت بها ... وقد سقتني ومدَّت للعناق يدا فاحت عبيرًا بدت شمسًا خطت غصنًا ... ماجت كثيبًا رنت ريمًا سطت أسدا قبلتها ووشاة الصُّبح ساعيةٌ ... فينا فيا ليت صبحي لم يكن أبدا وأنشدني من شعره يصف الدولاب: [من الطويل] رأيت بشاطي دجلةٍ لا عدمتها ... دواليب منها الماء كالسَّيل يدعج

стр. 2749

لراد الضُّحى من فضَّة في متونها ... رداءٌ من وشي الأصائل زبرج إذا انساب من كيزانها الماء خلته ... عواميد بلُّورٍ من القار تخرج وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل] إن تغترر بأخ يخنك وإن تشم ... برقًا يضنُّ وإن تقل لم يقبل /٢٦٥ ب/ فاقنع برزقك واطَّرح هذا الورى ... فلعلَّ حظَّك ليله أن ينجلي وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل] كم قد وهبت طماعةً في شاكر ... أو حافظ الميثاق أو حرٍّ يدي فالآن قد فرَّطت في مالي فإن ... ملكت يدي ووهبت لا ملكت يدي وأنشدني قوله: [من الكامل] حالي وحادثةٌ الزَّمان كلاهما ... عجبٌ وذا أمرٌ عليَّ يهون إن ألق يسرا فالعدوَّ له وفا ... أو ألق عسرًا فالصَّديق يخون وأنشدني لنفسه: [من الكامل] ولقد سمحت بكلِّ ما ملكت يدي ... للأصدقاء فمسَّني الإعسار فتكدَّروا بعد الصَّفاء كأنَّهم ... ما كان لي فيهم يدٌ ويسار وأنشدني من شعره: [من السريع] يا عين آمالي لا تطمحي ... فالرِّزق في ميقاته ينتحي كم ليلةٍ بتُّ بها معسرًا ... فجاءني الرِّزق ولم أصبح وأنشدني له في الغزل: [من الكامل] /٢٦٦ أ/ ومخنَّث الأعطاف أنحل هجره ... جسمي وأغراني بخلَّب وعده كالغصن في حركاته وقوامه ... والبدر أشرق في نهاية سعده يفترُّ عن برد يرقرق سلسلاً ... فيه وإطفاء الغرام ببرده ما زاد وجدي فيه إلا عندما .. نبت البنفسج في شقائق خدِّه وأنشدني له في معناه: [من الكامل] سمح الزَّمان بزورةٍ الغضبان ... فاليوم يوم مسرَّةٍ وتهاني

стр. 2750

وأتت حلاوة وصله في ساعةٍ ... فيها ذممت مرارة الهجران قمرٌ مسيحيٌّ يميت وتارةً ... يحيى فدونكم المسيح الثَّاني ما شدَّ زنَّارًا له في بيعةٍ ... إلاّ وحلَّ عزائم الرُّهبان غرست يمين الحسن في وجناته ... آسًا يصون شقائق النُّعمان وأنشدني أيضًا لنفسه من خمرياته: [من البسيط] حيِّ النَّدامى بكأس الرَّاح يا ساقي ... فالحرب قائمةٌ فيها على ساق أما ترى الصَّوم قد ولَّت عساكره ... وعسكر الفطر في حثٍّ وإعناق وأصبحت لهبة القنديل قد رجمت ... بشعلة الكأس رجم المارد الرَّاقي /٢٦٦ ب/ وصار كلُّ بلال فوق مأذنة ... كأنَّه معبدٌ في حذق إسحاق يا صاحبيَّ اجعلا باقي كؤوسكمًا ... حظِّي فبي غلَّة الصَّادي إلى الباقي وعرِّضا بالَّذي ما كنت زائره ... زورًا ولا واثقًا منه بميثاق وذِّكراه التَّصابي وهو يمزجها ... كأنَّها ما صفا من دمع مشتاق صبهاء في جفنه منها وفي فمه ... ما كنت أخفيه من دائي ودرياقي أحبُّه وهو لا يدري وأكتمه ... وجدي فتبديه أشجاني وأشواقي واستجير به من سحر مقتله ... وكيف يصحو نديمٌ خصمه السَّاقي وأنشدني لنفسه يمدح الأمير الكبير الأصفهسلار العالم ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطابا بن عبد الله الإربلي –أدام الله أيامه-: [من الكامل] قسمًا بورد الوجنتين يصونه ... آس العذار ونرجس الأجفان وبسلسل ما بين سمطي لؤلؤ ... حفَّت به من جوهر شفتان /٢٦٧ أ/ وبكلِّ قدٍّ كالقضيب يميل من ... سكر الصِّبا كتمايل السَّكران وبصبح وجه تحت ليل غدائر ... تبدو كحظِّ عبيدك الشَّيطان وبلين أعطاف السُّقاة إذا رنت ... شزرًا إليها مقلة النَّشوان وتمايلوا غصبًا فخلت قدودهم ... تحت الغلائل من غصون البان وبما لركن الدِّين عندي من يد ... ما للزمان بها عليَّ يدان إنِّي لأحسد من أرى في بيته ... في يومنا هذا ارتفاع دخان يا أيُّها الملك الَّذي في وجهه ... من بشره وسماحه نوران

стр. 2751

والمستجار ببأسه وبعفوه ... وبجوده في طارق الحدثان والملتجى بجنابه والمرتجى ... لإغاثة الدَّاعي وفكٍّ العاني وحياة رأسك إنَّه أقصى المنى ... عندي ودون مكانه الثَّقلان قد حلَّ بي في ذا الصَّباح ثلاثةٌ .. بأقلِّها تهوى هضاب أبان بردٌ ولا فحمٌ وفرط خوى ولا ... قوتٌ مسكنةٌ ولا فلسان ولطالما أصبحت ندماني [إذا] ... حان الصَّبوح بخندريس ألحان وسقيته بيدي اغن كأنَّه ... بدرٌ بدا في أربعٍ وثمان /٢٦٧ ب/ وخلعت ما وصلت إليه يدي ولم ... اعمل حساب طوارق الأزمان فالآن قد برح الخفاء وخانني ... ربحٌ صفعت به قفا الخسران أمعلِّمي من فضله ومخوِّلي ... من ماله في السِّر والإعلان أحسن إليَّ فإنَّني لا كافرٌ ... حسن الصَّنيع وساعة الإحسان وامدد إليَّ يدًا أؤمل مسدَّها ... نحوي تكفُّ يدي عن الإخوان وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المدير] آه لولا سحر مقلته ... ورحيق في ثنيَّته ومعان فيه قد جمعت ... لتلافي في محبته ما جرى دمعي ولا خضعت ... عزتي قسرًا لذلَّته جاءني يسعى وفي يده ... قدحٌ في لون وجنته ونجوم اللَّيل قد بزغت ... والثُّريا مثل قبضته فشربنا من يديه على ... خدِّه من خمر ريقته واتكا سكرًا فما عبثت ... لي يدٌ إلاَّ بتكَّته وأنشدني أيضًا /٢٦٨ أ/ لنفسه يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله –صاحب الموصل- من قصيدة طويلة أولها: [من المتقارب] لامِّ عدوِّ علاك الهبل ... أملُّ ولم أجن ذنب الملل إذا دعن القرب لمَّا ظمئت ... إليه ولم أسق منه بلل وأشتاق ناديك يا من إليـ ... ـه تشدُّ الرِّحال وتحلو الرُّحل أعيذك بالله من مثل ذا ... ومنك الحياة لنا والأجل

стр. 2752

أيخدع سمعك هجر الكلام ... وخبث القرود وكيد السِّفل ومازلت تكسو عقول الرِّجال ... حجي وتسكِّن منها الميل وأنت الَّذي لم أزل عارفًا ... بأنَّك لا يطَّبيك الزَّلل ومنك تعلَّم صيد الملو .... ك حسن التَّأني وترك العجل وإنِّي على ثقةٍ لو جنيت ... بعفوك أو قلت ما لم يقل وهذا القدر منها فيه كفاية ومقنع. [٩٩٥] /٢٦٨ ب/ يوسف بن يعقوب بن عمر بن عليِّ بن محمَّد بن محمَّد بن الجارود، أبو يعقوب الكفر عزيُّ الإربليُّ كان والده ابن أخي القاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن محمد قاضي إربل. رأيته غير مرةٍ بمجلس الصاحب الوزير شرف الدين أبي البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب المستوفي –﵁ شابًا طويلاً وسيمًا متصرفًا في الأعمال، ينتقل من عمل إلى غيره بإربل، ولم أعلم أنه يقول الشعر. وتوفي بإربل سنة إثنتين وثلاثين وستمائة –رحمة الله تعالى-. أنشدني له بعض بني عمّه من قصيد يقول منها: [من البسيط] يا راكبًا في بحار الظُّلم ملتحفًا ... غيَّ الشَّباب وقد غمَّت غياهبه أفعالك السُّود ناسبت الشَّباب بها ... وأبيضَّ فودك فافعل ما يناسبه إن النَّضارة قد ولَّت نظائرها ... واقبل الشيب تغزونا كتائبه وهي قصيدة طويلة لم يقع لي منها شيء سوى ما أوردته.

стр. 2753

[٩٩٦] /٢٦٩ أ/ يوسف بن يعقوب بن أمير بن موسى بن أبي القاسم الإربليُّ شاب رأيته بإربل؛ ذكر لي إنَّه ينظم الشعر، وقال لي من يعرف حاله: أنَّه كان ينتحل الأشعار، ويمدح بها الناس. ومما أنشدني لنفسه بإربل على زعمه: [من الطويل] مقيمٌ على ما تعهدون من العهد ... وإن تلفت نفسي وذابت من الوجد وأهون ما لاقيت من ألم الهوى ... وقوفي بأطلال لعلوة لا تجدي وقفت أسيل الدَّمع في عرصاتها ... كما أنحلًّ سيلٌ أو جمانٌ من العقد ولم أك مغزىً بالدِّيار وإنَّما ... هواي بمن قد حلَّ بالأجرع الفرد أيا منزلاً لم أنس عهدًا عهدته ... به من وصال الغانيات ونن وعد سقتك يد الأنواء عند انسكابها ... كثيرة ضحك البرق من ضجَّة الرَّعد وغنَّى حمام الأيك فوقك سحرة ... وناحت فكلٌّ عند تغريدها يبدي أأحبابنا رفقًا بقلبي تعطُّفًا ... عليه فأنتم ساكنوه على البعد وجودوا المحزون الفؤاد بنظرةٍ ... تبرِّد ما أضر متموه من الوقد /٢٦٩ ب/ ألا قاتل الله العيون الَّتي لهًا ... مضارب تحمي وردة الخدِّ بالخدِّ وأنشدني لنفسه، وكتبه لي بخط يده: [من الطويل] أأحبابنا لا بلَّغت فيكم المنى ... نفوسٌ إذا لم تفن أعمارها وجدا ولا رقات عينٌ من الدمع بعدكم ... إذا لم تخدِّد في محاجرها خدَّا [٩٩٧] يوسف بن يوسف، أبو الحجاج الفارقيُّ ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي –﵁ في كتابه، وقال: هو من المجهولين غير المشهورين الذين وردوا إربل وامتدحوا بها.

стр. 2754

كان يذكر أنه من بني نباتة سكن الجزيرة العمرية، وطلب الملوك كما ذكر بالمدائح؛ وهو يعقد الحلق في البلاد، ويقصّ على الناس مغازي النبي ﷺ والأسمار في الجوامع والأسواق؛ ويعرف بابن الأرمنية. كان شيخًا ضريرًا مربوعًا مجدّر الوجه، ورد إربل غير مرة؛ ثم وردها بأخرةٍ في محرم سنة ثماني عشرة وستمائة. وأخبرني أنَّه ولد بميافارقين سنة إحدى /٢٧٠ أ/ وأربعين وخمسمائة. وكان يجلس للوعظ بها في كل جمعةٍ بمسجدها الجامع. ثم قال: قرئ عليه، وأنا أسمع من شعره في غرّة محرم سنة أثنتي عشرة وستمائة من أبيات أولها: [من الكامل] أمعلِّل الصَّب الكئيب المفكِّر ... ومؤرِّقي حتَّى الصبَّاح المسفر ومكلِّفًا قلبي الغرام ومسلمًا ... جسمي السَّقام بغنج طرف أحور من ذا أحلَّ دم المحبِّ ولن يرى ... عمَّا عهدت من الهوى بمقصِّر أأمنت من وردٍ بخدِّك ينقضي ... أو لا هيافة قدِّك الغضِّ الطَّري أم حسن سالفك المضيء يشينه ... خطُّ العذار الجائر المتعذِّر قسمًا بحسنك يا مليح ووجنة ... رقَّت كرقَّة عهدك المتغيِّر إنِّي على العهد القديم محافظٌ ... سنن الغرام وإنَّني لم اغدر وهذا نظم خال من المعاني من حقه أن يلغى ولا يثبت منه شيء لكن قد جرت العادة لمن يعتني بجمع الأشعار أن يكتب جيدًا وساقطًا. [٩٩٨] يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن سليمان بن محمَّد الفأفاء الزينبي بن إبراهيم بن محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن

стр. 2755

العباس بن عبد المطلب، أبو المحاسن، وأبو العزِّ بن أبي العزِّ العباسيُّ المعدّل الكاتب المعروف بابن زبلاق من أهل الموصل وأبناء العدول بها. وأصلهم من تليعفر. وكان عمه أبو المظفر منصور بن يوسف بن سلامة نائب الحكم عن القاضي حجّة الدين أبي منصور المظفر بن عبد القاهر الشهرزوري. وأبو المحاسن هذا جلس مكان والده وعُدل وكتب الشروط مدَّة؛ وهو شاب لطيف من أبرع هل زمانه ذكاءً وفطنةً، يقول شعرًا رائقًا حلوًا بصحة فكرته وتوقد قريحته، ذو بديهة حاضرة في عمله، وتميز على أضرابه ونظرائه. وتولّى كتابة الإنشاء بدولة بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله –صاحب الموصل-؛ وله نثر جيد. أخبرني أنه ولد في /٢٧١ أ/ أحد الربيعين سنة ثلاث وستمائة. أنشدني لنفسه يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله بالموصل: [من الطويل] ليهنك حبٌّ لا يحلُّ وثيقته ... ولا يعرف السُّلوان أين طريقه وقلبٌ أسيرٌ في يديك ومدمعٌ ... يصغر من شان السَّحاب طليقه ومازال طوعًا للهوى فصبوحه ... مراعاة ما يرضيكم وغبوقه وما هجعت عيناه إلا تعلُّلاً ... بمسرى خيالٍ لا يغبُّ طروقه

стр. 2756

بعيشكما هل روَّضت أربع الحمى ... وهل غضَّ من ماء الغمام عقيقه؟ وهل من نعمنا برهةً بوصاله ... يرنِّحه تذكارنا ويشوقه؟ أظبي الفلا أم ناظراه وجيده ... وصرف الحميَّا أم لماه وريقه؟ وقامته إن ماس أو غصن النَّقا ... نصيرًا يروق النَّاظرين وريقه يلوم على وجدي به وصبابتي ... خليُّ فؤاد من جوىً مستفيقه فيا مالكًا لا يبرح الدَّهر هجره ... يشبُّ على قلب المحبِّ حريقه إلى م فؤادي بالصُّدود تروعه ... وحتَّى م دمعي بالفراق تريقه فإن ترم حظِّي بالكساد فإنَّه ... بدولة بدر الدِّين ينفق سوقه /٢٧١ ب/ هو الملك محمرُّ السِّنان كريهه ... لدى البأس مبيضٌّ العطاء أنيقه سعى نحو غايات المعالي فحازها ... فليس يرجَّى في البرايا لحوقه يجير على الأيَّام من جاء صارخًا ... فتقضي برغم النَّائبات حقوقه ينال به من كلِّ أمرٍ عظيمة ... ويدنى به من كلِّ جود سحيقه وإن لم يكن بحرًا نداه فإنَّه ... إذا بخسوه تربه بل شقيقه فيا أيُّها السَّاعي لتدرك شأوه ... تعزَّ فقد حاولت ما لا تطيقه ألم تر أنَّ الحمد نال جميله ... جدير النَّدى بالمكرمات حقيقه أخو الجدِّ إن امضى عزيمة مطلبٍ ... فلن تستطيع الحادثات تعوقه إذا خفقت في الرَّوع رايات جحفلٍ ... دنا بخيالٍ لا يخاف خفوقه إذا ما امرؤٌ جاراه في نيل سؤدد ... فحزن المجاري جزنه وفريقه فداؤك من غلَّت يداه عن النَّدى ... ولم تسر إلاَّ بالجمام بروقه ضعيف المساعي لا يخاف عدوُّه ... ولا يرتجي الإحسان منه صديقه فسمعًا لها بدريَّة بنت ليلة ... لها منظرٌ يعطي الضِّياء شروقه تكنَّفها من كلِّ لفظ جليلهٌ ... وصاحبها من كلِّ معنى دقيقه /٢٧٢ أ/ تفاوت وقتًا وضعها وزفافها ... إلى ملك حسن الثَّناء يروقه فإن نال مهديها المنى فبما غدت ... إلى غيركم آماله لا تسوقه

стр. 2757

وأنشدني لنفسه يمدح الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا جعفر المنصور ابن الإمام أمير المؤمنين أبي نصر محمد بن أحمد-رضوان الله عليهم- من قصيدة ويذكر نصرته لبدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله-غرس أمير المؤمنين-: [من الطويل] غدت بكم الزَّواراء وهي مريعةٌ ... متى ما ينخ وفدٌ بها يلقه وفد وعمَّت لهاكم كلَّ شرق ومغرب ... فلم يخل غورٌ من سراها رآها ولا نجد ونقَّفتم الحدباء فهي قويمةٌ ... وأعذبتم أمواهها فهي الشَّهد بها مخلصٌ في حبكُّم ما عهدتم ... له رغبة عنكم وإن قدم العهد حسام أمير المؤمنين الَّذي غدت ... به أنفس الأعداء للذعر تنقدُّ /٢٧٢ ب/ بسطوتكم ذلَّت لسطوته العدا ... وأطلق منه في رقابهم الحدُّ أذمُّوا له ما [قد] يخاف فإنَّه ... بذمتكم بين البريَّة معتدُّ وليُّ لكم خوَّلتموه وعمَّه ... ندأكم فما يكبو له في العلا زند وعبدٌ متى تلقوا به حومة الوغى ... يصل منه في أعدائكم أسدٌ ورد فدمتم لهم حصنًا منيعًا وموئلاً ... يعزُّ به طول الزَّمان ويشتدُّ وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير العالم شرف الدين أبا البركات المبارك ابن أحمد بن المبارك بن موهوب المستوفي –﵁: [من الكامل] يا ماجدًا لم ألق بعد فراقه ... رجلاً لشرَّاد المعالي جامعًا سمحًا عصى العذَّال في بذل اللُّهى ... وغدا لما أمر السَّخاء مطاوعًا يلقاه مرتادٌ فيخصب مربعًا ... ويراه ممتهنٌ فيسعد طامعًا لا يعرف العافون يوم حبائه ... غير الرَّجاء وسائلاً وذرائعا لا يؤنسنَّك من تتابع فرحة ... دهرٌ غدا مكروهه متتابعا /٢٧٣ أ/ فلأنت مثل السيف حينًا ساكنًا ... جفنًا وحينًا للهوادي قاطعا

стр. 2758

وأنشدني لنفسه: [من الطويل] وبيضاء لا يخشى الملام محبُّها ... فيسلو ولا يرجو الشفاء عميدها إذا أسفرت واللَّيل مرخٍ سدوله ... تبيَّنت عوجًا قد اقيم عمودها قصرنا بمرأى وجهها عمر ليلة ... تغيب واشيها وطالت سعودها تنازعنا كأسًا حكت وجناتها ... علا فوقها درٌّ حكته عقودها إلى أن غدت سكرى من الرَّاح والصِّبا ... يميل على عم إلى اللَّثم جيدها فأضحت وجهل الخمر قد غال حلمها ... تجود بما لم يرج منها مريدها وأنشدني لنفسه يستدعي بعض أصدقائه بالموصل إلى الشاروق: [من الكامل] يا أيُّها المولى الَّذي بجلاله ... فاق الأنام أواخرًا وأوائلا قد ضمَّنا متنزهٌ مستطرفٌ ... تلقى السُّرور به مقيمًا نازلاً زانته دجلة في العيون وزانها ... فكلاهما يبدي بذاك دلائلا فكأنَّ صافيٍ الماء في جنباته ... قضب اللُّجين وقد سبكن جداولا /٢٧٣ ب/ وحصى تودُّ الغانيات لو أنُّه ... حلىٌ لهنُّ إذا غدون عواطلا وعرا الجنون الماء في جريانه ... ولذاك تلبسه الرِّياح سلاسلا وحماحم تسبي العقول نواظرًا ... قد اشبهتهنَّ الرِّماح ذوابلا قد ركبت فيهنَّ حمر أسنَّة ... يمسين للهمِّ الملمِّ قواتلا وإذا سرت ريح النَّسيم بجوِّه ... بعثت إليك من النَّشاط رسائلا وخدين آداب إذا راجعته ... قولاً رأيت الفضل عندك كاملا يرضي ضميرك جدُّه ومزاجه ... ويروق طرفك منظرًا وشمائلا فلئن أتيت فمنَّة أسديتها ... ولئن أبيت فلست تعدم عاذلا وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]

стр. 2759

ما حللنا مغنى تحلُّ به الأفـ ... ـراح عقد الهموم والأحزان وتمنَّت منَّا الضَّمائر إلاَّ ... كنت دون الورى جميع الأماني وأنشدني قوله يتغزل: [من الكامل] يا مانحي طول السَّقام ومانعي ... بجفاه ورد رضابه المعسول ما صار وجهك للمحاسن جامعًا ... إلاَّ وثغرك قبله التَّقبيل /٢٧٤ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل] تنادى ببين من تحبُّ وأزمعوا ... رحيلاً فماذا أنت يا قلب صانع أأنت على حسن التصبُّر قادرٌ ... غداة النَّوى أم [أنت] للبين جازع ولست بصبرٍ منك يا قلب راجيًا ... وكيف وفي بقياك ما أنا طامع وقال أيضًا يمدح المولى السلطان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبا المظفر يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب- أدام الله دولته وثبت وطأته-: [من الكامل] وافى وما التئم الدُّجى بصباحه ... نشوان تشرق راحه في راحه فجلا بها جنح الظَّلام كأنَّما ... قدح المزاج النَّار في أقداحه وسنانٌ ضمَّ الجفن منه صارمًا ... في كلَّ جارحة أليم جراحه أخفى زيارته بصمت حجوله ... لو لم ينمَّ عليه نطق وشاحه ما يستحق الشُّكر إلا سكره ... فهو الميسِّر من عسير جماحه /٢٧٤ ب/ أهداه لي فصممت غصنًا ناعمًا ... تثنيه راح دلاله ومراحه وأبحت لثمي من حديثة خدِّه ... في آسه الزَّاهي وفي تفَّاحه ما عذر هذا الدَّهر أن يهب الغنى ... لذَّاته ويزيد في أفراحه وقد استحال ظلامه وفساده ... بضياء ناصر دينه وصلاحه ملكٌ ترى حلو الحياة ومرَّها ... متمثِّلاً بصحافه وصفاحه

стр. 2760

يعطيك خفض العيش رفع ستوره ... ويريك نصب المجد جرُّ رماحه كاللَّيث ممنوع [العرين] مصونه ... والغيث مبذول الحباء مباحه وقال يجيب مجد الدين أبا عبد الله محمد بن أحمد بن عمر الحنفي الإربلي عن شعر كتبه إليه: [من السريع] يا أيُّها المولى الَّذي ما دنا ... عن حبِّه القلب ولا اقصرا ومن صحبنا العيش في قربه ... طلق المحيَّا ضاحكًا مسفرا وافى كتابٌ منك وفيته ... غاية فضل جلَّ أن يحصرا حلَّ محلَّ الوصل من عاشقٍ ... شرَّد عنه الهجر طيب الكرى /٢٧٥ أ/ نميل في إنشاد ألفاظه ... كأنَّما ضمَّنته مسكرا زيد من التَّقبيل حتَّى غدت ... شفاهنا مرقومة أسطرا إذا حال الشَّيء تكراره ... أعطاك حسنًا كلَّما كرِّرا كأنَّه روضٌ سقاه النَّدى ... ريًا فأضحى نبته مزهرا وما رأينا قبله روضةً ... نمقها الحبر ولا حبَّرا يخبرنا عن مثل أشواقنا ... أكرم به مستخبرًا مخبرا يذكرنا العهد ولم ننسه ... فيوجب النِّسيان أن نذكرا وكيف لا ترعى عهود امرئٍ ... ما شابها شينٌ ولا كدَّرا لله أيَّام تدان غدا ... ليل المنى في ظلِّها مقمرا أيَّام تدنو بك أفراحنا ... إذا اتَّقاها الهمُّ أو نفَّرا إذا وردنا مورد للصِّبا ... لم نرض إلاَّ مثله مصدرا

стр. 2761

ما ننس لا ننس حمى جلِّق ... مطرد الأمواه رطب الثَّرى كأنَّما الأسباط حلُّوا به ... ففجَّروا أحجاره أنهرا في أيِّ فصلٍ زرت أوطانها ... قلت الرَّبيع الطَّلق قد أحضرا /٢٧٥ ب/ يقصِّر الواصف عن حسنها ... وإن غدا في وصفه مكثرا تسري صباها عطرًا نشرها ... كأنَّما قد ضمَّنت عنبرا والطير في مزهر عيدانها ... تحسب في ترجيعها مزهرا يا حبَّذا الربوة من موطنٍ ... للأنس ما أبهى وما أنضرا وحبَّذا أخضر ميدانها ... حيث يصيد الظَّبي أسد الشَّرى والشَّرف الأعلى الَّذي حسنه ... مستوقفٌ ناظر من أبصرا أرض دمشق لا أغبَّ الحيا ... رباك إن راح وإن بكَّرا لولا دمشق لا أغبَّ الحيا ... رباك إن راح وإن بكَّرا يا مجدنا إن قيل مجدٌ ويا ... سيِّدنا المستعظم الأكبرا متى أجدَّ الدَّهر أمنَّية ... كنت المنى الصَّادق دون الورى وقال يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله –صاحب الموصل-: [من الطويل] بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى ... سهادًا يذود الجفن أن يألف الجفنا وأبصر جسمي حسن خصرك ناحلاً ... فحاكاه لكن زاد في دقَّة المعنى /٢٧٦ أ/ وأبرزت وجهًا يخجل الصَّبح طالعًا ... وملت بقدَّ علَّم الهيف الغصنا حكيت أخاك البدر في حال تمِّه ... سنى وسناءً إذ تشابهتما سنَّا أسمراء إن أطلقت بالدَّمع عبرتي ... فإن لقلبي من تباريحه سجنا وإن تحجبي بالبيض والسُّمر فالهوى ... يهوِّن عند العاشق الضَّرب والطَّعنا وما الشوق إلا [أن] أزورك معلنًا ... فلا مضمرًا خوفًا ولا طالبًا إذنا

стр. 2762

وألقاك لا أخشى الغيور فأنثني ... ولو منعت أسد الشَّرى ذلك المغنى لك الله قلبًا لا يصدُّ عن العلا ... وعزمًا عن المجد المؤثِّل لا يثنى ومالي لا أسمو إلى النَّجم صاعدًا ... وأبلغ منه قاب قوسين أو أدنى وقد فزت من بين الملوك بمالك ... رحيم له الحسن المضاعف والحسنى بأصوبهم رأيًا وأسمحهم يدًا ... وأطيبهم ذكرًا وأعذبهم مجنى وقال أيضًا يمدح الشريف الحسيب الصاحب تاج الدين أبا المعالي محمد بن أبي نصر بن يحيى بن علي العلي المدائني المعروف بابن صلايا وهو يومئذٍ متولي إربل: [من الكامل] /٢٧٦ ب/ ألقت إليك بنو المطالب حاجها ... إذ شاقها الإحسان منك وهاجها فنعشت غابرها ورشت جناحها ... وانلت غايات المنى محتاجها عاجت تساءل بالكرام فلم تجد ... إلاَّ عليك من الأنام معاجها إن كان بخل الدَّهر أكسد سوقها ... يومًا كأنَّ على نداك رواجها إنَّ المكارم يا ابن نصر اعذبت ... آراؤها ونفى الزَّمان أجاجها أضحى محمَّدها وقد ذمَّ الورى ... وبدت مفارقها فأصبح تاجها أجداده وجدوده أحللنه ... شرف العلا وحللن عنه رتاجها إنَّ الخلافة جرَّدت بك ماضيًا ... سلك الأمور شعابها وفجاجها ودعت ك للأواء أعضل خطبها ... لمَّا رأت في راحتيك علاجها فكفيتها الحالين تملأ بالندى ... والبأس منها سلمها وهياجها مرضت مطالبها فكنت شفاءها ... ودجت غياهبها فكنت سراجها وكسوت أربعها السَّكينة بعد ما ... رفع الشِّقاق قتامها وعجاجها وعدوت باسم أبيك في يوم الوغى ... متسربلاً فكفيتها إزعادها ورعيت سرح المسلمين بمقلةٍ .. أضحى اعتزامك حقَّها وحجاجها /٢٧٧ أ/ وهَّاب كلِّ جليلة بذَّالها ... جلاَّء كلِّ ملمَّة فرَّاجها قوَّال كلِّ كريمةٍ فعَّالها ... ورَّاد كلِّ كريهةٍ ولاَّجها

стр. 2763

أحيا نداك من العفاة قلوبها ... وشجت قناك من العدا أوداجها مدَّت بضبعك أسرةٌ علويَّةٌ ... بتمامها أمنت علاك خداجها شيمٌ ورثت قديمها وحديثها ... وقفوت في حفظ العلا منهاجها في فضلها نزل الكتاب وإن أتت ... فئةٌ وأوجبت الحقود لجاجها أضحى هداك لأولياك شهادةً ... قطعت نزاع شنانها وحجاجها ها قد جلوت على علاك عقيلةً ... أحلت خلائقك الحسان مجاجها عذراء أنكحها الرَّجاء وأثقلت ... حملاً وكان ندى يديك نتاجها تهدي هنا العم الجديد لكعبةٍ ... أضحى عظيمات المنى حجَّاجها وله ما يكتب على لسان سيف أهدي إلى الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –رضوان الله عليه-: [من البسيط] /٢٧٧ ب/ لا غرو أن حسدت بيض الظُّبا شرفي ... وقد رأيت بي المنصور معتصما يضمُّ جفني على برقٍ إذا هطلت ... غمامةٌ أمطرت أعداءه نقما ما افترَّ ثغري في هيجاء كالحةٍ ... إلاَّ حميت مباحًا أو أبحت حمى وقال أيضًا يمدج بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله: [من الكامل] وحياتكم بسواكم لا أشعف ... كلفي اختيارٌ ليس فيه تكلُّف بكم حلفت لعذَّلي فليقصروا ... عزَّ السُّلوُّ غداة عزَّ المصحف جهلوا فقالوا في الغرام مذلَّةٌ ... إنَّ المحبَّ بذلَّةٍ يتشرَّف فأجبتهم إن كنت متلف مهجتي ... فليهنها أن أصبحت بك تتلف أأخيَّ هات عن الحمى فحديثه ... عندي وإن كرَّرته مستطرف هل زخرفت أيدي الرَّبيع ربوعه ... فرياضهن مدَّبحٌ ومفوف وبذالك الوادي أمير ملاحة ... أسر القلوب بمقلتيه مصرَّف الشَّعر منه رأيةٌ وقوامه ... الميَّال رمحٌ واللَّواحظ مرهف /٢٧٨ أ/ جلت الملاحة منه وجهًا مشرقًا ... كالشَّمس تجمل في العيون وتطرف

стр. 2764

ماء الحياء سقى على وجناته ... وردًا جنيًا باللَّواحظ يقطف ثمر الحياة وصاله لو يجتني ... وأخو السُّلاف رضابه لو يرشف يا باخلين إذا سألنا وصلهم ... وإذا هم بذلوا القطيعة أسرفوا رفقًا فقد أبقيتم لي مهجةً ... عن حمل جوركم تكلُّ وتضعف بخلاً وظلمًا آن أن تترفَّقوا ... بالمغرم العاني وأن تتعطفوا إن تبخلوا فأبو الفضائل واهبٌ ... أو تظلموا فأبوا الفضائل منصف ملكٌ إذا اعوجَّ الزَّمان أقامه ... رأيٌ له لدن المهزَّ مثقِّف سمحٌ يفرِّق بالمواهب ماله ... ويضمُّ أشتات العلا ويؤلَّف معن الحباء يرى فواضل كفِّه ... في النَّاس زائدةً تعين وتعسف يلقى المنى منه غريم مكارمٍ ... جذلان يقرضها الجميل ويسلف تبدي المدائح منه ثغرًا باسمًا ... أبدأ دموع المال منه تذرف إنَّ الفضائل ما دعتك لها أبًا ... إلاَّ وأنت بها أبرُّ وأراف عدلٌ نفى ظلم الخطوب وغرَّةٌ ... يجلى بها عنَّا الظَّلام ويكسف /٢٧٨ ب/ وخلائقٌ شرفت وجاوز حسنها ... حدَّ الصَّفات فما تحدُّ وتوصف فشجاعةٌ عمروٌ وجودٌ حاتمٌ ... وسياسةٌ عمرٌ وحلم أحنف يا كامل الأوصاف قدرك في الورى ... أعلىعلى رغم الحسود وأشرف أحرزت دين الله وهو مضيَّعٌ ... ومنعت منه وهو أعزل أكشف ضمِّنت تمهيد البلاد فمهِّدت ... أمنًا وكانت بالمخافة ترجف فالله يجزيك الرِّضا عن أمَّة ... أضحت برأيك من أذاها تكنف يا مالكًا أغنى يدي فأطاف بي الـ ... ـعافي وكنت على الكفاف أطوف وأنالني ما ابتغى وأعادني ... ما أتقي وأعاد لي ما أتلف وأفاك معتدل الزَّمان فوفِّه ... عليا يطوف به السُّرور وتعكف واستجل للنيروز وجهًا لم يزل ... تصبو القلوب بمجتلاه وتكلف روضٌ كوشي البرد يضحك زهره ... دمع الحيا منه وتربٌ مترف يسري النَّسيم به فيهدي صحَّة ... لقلوبنا وهو العليل المدنف

стр. 2765

وقال أيضًا يمدحه: [من الوافر] /٢٧٩ أ/ هنيئًا أيُّها الملك الرَّحيم ... فقد ظفرت يداك بما تروم رآك الله أهلاً للمعالي ... وأحوال الورى بك تستقيم فزاداك بسطة في الملك حتَّى ... غدت من دون رفعتك النُّجوم فكنت على العباد سحاب برٍّ ... به يحيى المصوَّح والهشيم وكانوا أنفسًا ملئت همومًا ... فزالت إذ ملكتهم الهموم طلعت على البلاد طلوع بدرٍ ... يضيء بنوره اللَّيل البهيم فقد حسدت مرابع مصر أرضًا ... ركابك في مرابعها مقيم لك البشرى بسيف الدِّين نجلاً ... نماه إلى العلا الحسب الصَّميم وما تزكوا فروع المرء إلاَّ ... إذا زكت المغارس والأروم مضى بسعادة وأتى بجدٍّ ... علىٌّ لا يرام ولا يريم ومن تك أنت والده تنله ... المعالي وهو في مهد فطيم فلو [لا] أن تؤمَّ التُّرك منه ... ركابٌ أمَّت العرب الغموم ولولا أن بعثت به إليهم ... أبيح المال وانهتك الحريم يدلك في رقاب النَّاس أضحى الـ ... ـجهول بها مقرًا والحليم /٢٧٩ ب/ مليك الأرض ما للبيض تشكو ... مماطلة وقد وجد الغريم وما لموارد اللَّبات تبدو ... وأطراف الرِّماح السُّمر هيم وجرد الخيل واقفةً صفونًا ... تكاد على تلبثنا تلوم فأقبلها بلاد عداك قتلاً ... تصلصل في جحافلها الشَّكيم ومنها قوله: ولا تحفل بجمعهم فطير الـ ... ـحمام على نفوسهم تحوم يدل على المعاني فيك فكري ... فعالٌ منك محمودٌ كريم وإن أك شاعرًا أحذو القوافي ... ففي وادي مديحك لا أهيم

стр. 2766

وقال أيضًا يمدحه: [من الطويل] كذا أبدًا تبني العلا وتشيد ... وعن قدرة تفني العدا وتبيد ليهنك أن الله أنجز وعده ... وألحق بالباغين منه وعيد فلا خللٌ يخشى ولا نقص يتَّقى ... وملكك فينا ثابتٌ ويزيد نوالك في عمر الرَّجاء زيادةٌ ... وسعيك في جيد الثَّناء عقود وأنت الَّذي زدت المعالي ملاحةً ... كأنك توريدٌ وهنَّ خدود /٢٨٠ أ/ ولمَّا بغى الأعداء سقت إليهم ... رياح اهتمامٍ ما لهن ركود وعزمًا تكاد الأرض من ثقل وطئه ... تزعزع من أركانها وتميد وكامل أوصاف العلا بحر بأسه ... بسيطٌ إذا خاض الغمار مديد ومنشوره الأعلام منصورة القنا ... تقيت به أرواحهم وتفيد أقمنا رجاءً أن يثوب غويُّهم ... ويرجع منه السَّعي وهو حميد فظنُّوا تمادينا يضعِّف رأينا ... إذا الشر أبدى ناجذيه يحيد فجادوا سراعًا والمنايا تسوقهم ... وتبدئ في أطماعهم وتعيد بجمع من الأعداء أمَّا عديده ... فوافٍ وأما نفعه فزهيد فلمَّا تدانينا وللحرب روعةٌ ... تشيِّب رأس الطِّفل وهو وليد نظمنا الرِّماح السَّمهريَّة فيهم ... فهنَّ بأثناء الضُّلوع قصيد وما افترَّ ثغر النَّصر حتَّى بكت دمًا ... لطعن العوالي ثغرةً ووريد إذا ركعت سمر القنا في نحورهم ... غدا لهم فوق الصَّعيد سجود وولَّى زعيم القوم والحرب طفلةٌ ... ولم يذك من نارٍ الهياج وقود يناديه صادي رمحه وهو هاربٌ ... رويدك هذا الطعن أين تريد /٢٨٠ ب/ أما كنت يا مغرور من قبل تدَّعي ... بأنَّك تلقاهم وأنت وحيد أظنُّك أنسيت الشَّجاعة عندما ... بدت لك أعلامٌ لهم وبنود وإنَّ الَّذي منَّتك نفسك خاليًا ... غداة التقى الجمعان منك بعيد ولو وجدته ناشدات رماحنا ... لحطَّ لثام النَّقع وهو فقيد

стр. 2767

ولم ينج من ورد المنيَّة هاربٌ ... لخوف العوالي في حشاه ورود وما فرَّ حتَّى عاين الموت جهرةً ... وأبصر بأس الله وهو شديد وقابل ركن الدِّين كاللَّيث مخدرًا ... يذبُّ العدا عن غيله ويذود وغابًا بسمر الذَّابلات محجَّبًا ... تصول على الأعداء منه أسود كتائب تزجى نحوهم من كماتها ... سحائب تهمي بالردَّى وتجود بوارق بيضٌ في سماء عجاجة ... لها من صهيل الصَّافنات رعود فإن جحدوا أنَّا قتلنا سراتهم ... فوحش الفيافي والنُّسور شهود أأهدي إليهم صحبه أم هداهم ... شهابٌ عراه في اللِّقاء خمود وكيف يرجِّي نجمهم وشهابهم ... مكانة بدر قابلته سعود أبى الله إلاَّ أن يعين بذلَّة ... عدوٌّ تمادى نعيه وحسود /٢٨١ أ/ نبا المالك الملك الرحيم سمت بكم ... سعود فتاكم إذا جدَّ الخصام مؤمَّرٌ ... وطفلكم قبل الفطام ولود لكم يا نود الله في الأرض إن بغى ... عدوٌّ من أملاك السَّماء جنود لقد ألقحت أفكارنا بجميلكم ... فها هي بالمدح الجميل ولود يجيدون في إحسانكم وصنيعكم ... فيحسن فيكم شاعرٌ ويجيد /٢٨١ ب/.

стр. 2768

/٢٨٢ أ/ ... ذكر من اسمه يونس [٩٩٩] يونس بن سعيد بن عيسى بن سعد الله، أبو الفضل بن أبي الخير الخراط الإربليُّ وقد مرَّ شعر والده في مكانه. وكان من أهل القرآن الكريم والفضل؛ رجلاً خيرًا متدينًا. استشهد بإربل في الوقعة المشهورة حين دخلها التتار- خذلهم الله تعالى- بمسجدها الجامع في شوال سنة أربع وثلاثين وستمائة -تغمده الله برحمته ورضوانه- وكان يقول مقطعات صالحة من الشعر. أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب الوزير شرف الدين أبي البركات المستوفي الإربلي ﵁ يهنئه بالعيد: [من الوافر] بأيمن طالعٍ عيدت يا من ... بطلعته يهنَّأ كلُّ عيد ولازالت لك الأيَّام عونًا ... مساعفةً على رغم الحسود ولا برحت صلاتك واصلات ... تعمُّ بها القريب مع البعيد تعوَّد كفك المعروف حتَّى ... غدا وعطاؤك فوق المزيد /٢٨٢ ب/ فأنت لكلِّ مكرمة وفضلٍ ... أخٌ ولكلِّ معروف وجود إذا نحر العدا نعمًا وشاءً ... فضحِّ ضحى بشانئك الحسود ولا برحت صلاتك واصلات ... تعمُّ بها القريب مع البعيد تعوَّد كفُّك المعروف حتَّى ... غدا وعطاؤه فوق المزيد /٢٨٢ ب/ فأنت لكلِّ مكرمة وفضلٍ ... أخٌ ولكلِّ معروفٍ وجود إذا نحر العدا نعما وشاءً ... فضحِّ ضحى بشانئك الحسود وعش ما شئت كيف تشاء وألبس ... جديد العمر في الزمَّن الجديد ووجدت له هذه الأبيات كتبها إلى شرف الدين أبي البركات أيضًا ﵁: [من الوافر] أيا مولاي يا من لا يضاهي ... بحاتم في السَّماح ولا بمعن

стр. 2769

ويا من جوده للناس طرًا ... مع الأوقات في خوفٍ وأمن بقيت الدَّهر للراجين حتَّى ... تعمَّ بجودك العافي وتغني ترى الأنعام هل درجت وشيخي ... أبي مولاي من ذهبٍ وقطن وأن ثواب ما تسديه محضًا ... لوجه الله لا طلبًا لمنِّ فعش واسلم مدى الأعوام والبس ... جديد العمر في عزٍّ ويمن [١٠٠] يونس بن عليِّ بن رسن بن الحسن بن إبراهيم بن غنيمٍ، أبو الفيض بن أبي الحسن الدوريُّ من دور تكريت. /٢٨٣ أ/ كانت ولادته بها في سادس وعشرين رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وتوفي أيضًا بها سنة ست عشرة وستمائة. قدم مع والده تكريت وحضر دروس القاضي تاج الدين أبي زكريا يحيى بن عبد الله التغلبي، وقرأ عليه شيئًا من علم المذهب والأدب. وكانت له معرفة حسنة. وحصّل من معرفة الفقه ما يحتاج إليه، وانحدر إلى بغداد مرارًا، ونزل بالمدرسة النظامية وسكنها، واشتغل بها على جماعة من المعيدين. وكتب الكثير من كتب الفقه واللغة وغيرها؛ وفوَّض إليه قاضي القضاة عماد الدين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن أحمد الدامغاني عقود الأنكحة بالدور. فتولّى ذلك وتولّى أيضًا الخطابة بجامعها أيام الجمع والأعياد. وأهل الدور يرجعون إليه في وقائعهم وحوادثهم، وما يحتاجون إليه من كتبة الشروط وغير ذلك. وكان ذا عائلةٍ وفقرٍ صبورًا على الضائقة والمجاهدة /٢٨٣ ب/ في طلب الرزق

стр. 2770

له ولعياله. وكان يقول شعرًا لينًا سهلاً، ومنه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين يحيى بن عبد الله يمدحه، وأنشدها عنده يذكر فيها حاله: [من البسيط] زاد الغرام بقلب المدنف القلق ... ولازمتني هموم الشَّوق والأرق لمَّا سرى الرَّكب بالأظعان من إضمٍ ... وغودر القلب مملوءًا من الحرق ناديت حاديهم رفقًا بمن سلبوا ... منه الرُّقاد ولم يبقوا على رمق يا حادي الرَّكب لا تعجل على دنفٍ ... أسير ذات اللَّمى المعسول والحدق أوهى قوى صبره بينٌ ألمَّ به ... حينًا فحاوله دهرًا فلم يطق فليت أيَّامه بالعود عائدةٌ ... وليته لعذاب البين لم يذق يشتاق نعمان والأجراع من سلمٍ ... وجيرة المنحنى مع عيشه الأنق يبكي على الغور إن لاح العقيق له ... وكيف يجدي بكاء المغرم القلق أو لاح بارق نجد أو ألمَّ به ... خيال محبوبه في ظلمة الغسق يحنُّ إن سجعت ورقٌ على غصنٍ ... من الأراك أريج الرِّيح والعبق لا ير عوى لعذول ظلَّ يعذله ... لكنَّه من خمار الشَّوق لم يفق /٢٨٤ أ/ ويح اللَّيالي لقد أخنت عليَّ بما ... جنته من فرقه الأحباب والقلق وشتَّتت شملنا من بعد ألفته ... وغادرتني رهين الشُّوق والحرق فحيث زادت همومي وانقضى جلدي ... ولم أجد ملجأ ينجي من الغرق يمَّمت دوحة تاج الدِّين معتمدًا ... أرفِّع العيش بين النصِّ والعنق باب الهداية كهف المستضعفين وهم ... خير البريَّة في الأقطار والأفق السَّالكين طريق الحقِّ قاطبةً ... والمنقذين من الأنجاس والرَّهق قومٌ فخارهم فوق السِّماك علا ... بنور عزٍّ من الإجلال متَّسق أبقى الإله أمير المؤمنين لهم ... ما جاوبت إلفها ورقاء في الورق النَّاصر العادل الملك الَّذي خضعت ... له الملوك خضوع المدنف الومق مولَّى تظلُّ له الأملاك قاطبةً ... من سطوة وهي قتلى الغيظ والحنق
следующие страницы →