← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

[١٩٩] سليمان بن المظفَّر بن موسى بن منصور بن عيسى بن نصر، أبو الربيع الإربليُّ، المعلِّم: ذكر لي أنه ولد بقلعة إربل سنة ست وستين وخمسمائة /٥٠ أ/ وهو أستاذي الذي علمني الخط، وله عليَّ حق الوالد على ولده. انتقل من الموصل إلى إربل، وفتح مكتبًا يؤدب فيه الصبيان، وانثال عليه خلق كثير، وأتوه من كل مكان، ورغب الناس فيه لعفته وديانته، وكان ذا هيبة على المتعلمين، وأكثر أبناء الرؤساء والمعتبرين بالموصل عليه تأدب، وبه تخرج، وبقي مدة طويلة في التعليم والتأديب، وصار له ثروة، ثم ترك ذلك، وسافر إلى البلاد تاجرًا، ثم أملق، ونفذ ما اكتسب، وساءت حاله، فرتب وكيلًا بين يدي القاضي أبي علي بن عبد القاهر الشهرزوري بالموصل. وكان يقول أشعارًا، يخلطها بالهزل، ويظهر فيها الإحماض، أنشدني لنفسه ما كتب إلى سعد [الدين]. منوجهر بن محمود بن محمد الأصفهاني الكاتب: [من الطويل] ألا قل لسعد الدِّين أسعده الله ... وحيَّاة من بين الأنام وأحياه وسلَّمه من كلِّ خطب يسوؤه ... وأعطاه من دنياه ما يتمنَّاه عبيدك يا مولاي قد جدَّ جدُّه ... وقد عضَّه الدَّهر الخؤون وعاداه فجد بالذي يرجوه منك ولا ترق ... بردِّك يا مولاي ماء محيَّاه /٥٠ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط] قالوا المشيب نذير الموت قلت لهم ... كم من صغير قضى نحبًا وما شابا وكم رأينا فتيَّ السِّنِّ قد علقت ... به شعوب وشيخًا عاش أحقابًا وأنشدني أيضًا قوله: [من المقتضب]

стр. 457

بالمهيمن الصَّمد ... من هواك خذ بيدي وأكشف الثياب ترى ... ناحلًا من الكمد صل ولا تصدَّ فقد ... أنحل الهوى جسدي صاح قد أريق دمي ... أين طالب قودي؟ يا عذول دع عذلي ... كم تلجُّ في فندي لو نظرت طلعة من ... قد هويت من بعد كنت آمنًا آبدًا .. من نوازل الرًّمد وأنشدني قوله: [من الوافر] أهمُّ ودون همَّتي الثُّريا ... وحظِّي في الحضيض له قرار ولو قمر السماء جرى بسعدي ... لستَّره لشقوتي السّرار ولي شيم حسنَّ وطاب خيمي ... وخلقي لا يغادره وقار /٥١ أ/ فلو أني بعثت إلى ثمود ... لصالح صالحًا فيها قدار [٢٠٠] سليمان بن أبي البدر عبد الله بم محمد بن سلامة، أبو الرَّبيع البغداديُّ. شاب قصير، يتزيا بزي المتصرفة، يعرف بالمقاماتي، زعم أنه عمل خمسين مقامة على نهج القمامات الحريرية. عار من الفضل، لم يكن عنده من العربية ما يُقوِّم به لسانه، يلحن كثيرًا إذا أنشد شعرًا، ويخطئ إن أورد نثرًا، ويظهر في نثره ونظمه تكلف رديء، ولزوم يأخذ نفسه به من التعسف، ولم يحسن شيئًا من العلوم البتة. وذكر لي أنه صنَّف عدّة مصنفات، فشاهدته عدّة مرات يتناول كتابًا ذا خط معرب صحيح، فإذا ابتدأ بقراءته يصحف ويلحن، ويتلعثم في القراءة، ثم ينتمي إلى الكتابة وفن الإنشاء والرسائل، وله في ذلك مصنفات، ذكر لي أسماءها منها كتاب: "ملتمس

стр. 458

الجوانح"، يتضمن صنعة الإنشاء، وكتاب "إنهاء المصالح بالوزير الصالح" /٥١ ب/ وكتاب "مستنبط التسليك في معرفة المليك"، يشتمل على حكم وآداب وبلاغة وفقر، وكتاب "أنوار المسامرة وأزهار المحاضرة"، يحتوي على طرف من الإنشاء، واستدعاآت، وغير ذلك، وكتاب "المقامات"، انتهج فيها منهج الحريري في فنونها ومقاصدها، وكتاب "بلوغ الأمنية في التهاني الأمينية"، صنفه برسم أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، وهو مما كتبه إليه في المواسم والتهاني، وقال أشعارًا كثيرة. أنشدني لنفسه يمدح مولانا المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين، أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين- خلد الله دولته وكبت أعداءه وحسدته- ويُهنيه بالنيروز: [من الكامل] أبشر فطوع مرامك الأقدار ... يا ابن الملوك وحبَّذا الأنصار والدهر يحكم بالذي تختاره ... فأساله يا ابن الصِّيد ما تختار ورم التملُّك للبلاد فإنَّها ... ستجيئ مذعنة لك الأنصار وإذا عفوت عن البلاد وأهلها ... فالعفو عن زعمائها إيثار /٥٢ أ/ فافدح زناد القصد منك بعزمة ... فالنُّجح إضرام له وأوار للقاك أبعد ما تحاول مثلما ... في الوهم بثَّته لك الأفكار فاستجل نصرك من وجوه سعادة ... فحسامها بتأيُّد بتَّار يا خيرة الله العزيز وحبَّذا ... الملك الرحيم وملكه المختار لن يستحقَّ الأمر إلا ضيغم ... سامي السَّماحة مقدم كرَّار ولك الشَّجاعة والمراحم والنَّدى ... وبمثل ذلك تملك الأحرار وبنو الفضائل والفواضل والنُّهى ... والملك في غير التَّليد معار فالملك إسماعيل صالح دولة ... أمسى له ولها بك استنصار ملك فدتك وقد فدته نفوسًا ... وفداكما الأملاك والإكثار فسميته لمَّا تعظَّم قدره ... أضحى فداه الكبش لا الأعمار فسلالة الملك الرَّحيم قساور ... آجامها الآراء والأوطار فالملك أصبح والتمكن والنَّدى ... فلكًا وأنَّك بدره السَّيَّار

стр. 459

يا ابن العلا ولقد ظلمتك مادحًا ... وإليك يومى بالعلا ويشار حلمٌ وجودٌ والتزام مروءة ... ولدى الصَّريخ فعصمة وقرار فجميع ما في الخلق من مستحبس ... فرَّقتموه فأنتم الأخيار /٥٢ ب/ فمديح غيركم يعود عليكم ... إذ ليس تخلو منكم الأشعار أعمى عيون المدح شحَّ سواكم ... فتوارت الأضواء والأنوار وكحلتموها بالسَّماح فأبصرت ... فكأنها الزَّرقاء والأطيار فلك الهناء بيوم نيروز أتى ... في طيِّة التأييد والإيثار أعطيت آخره ثلاثة أحرف ... بالملك أمضته لك الأقدار وعليه علمت السعادة والعلا ... ومن الإله بحكمه الإقرار فاسلم لدى ظلَّ السعادة إنَّها ... عشَّاقة لك والهوى قهَّار فلقد صبت لك إذ رأتك لحبِّها ... أهلًا فحقَّ لقلبها التَّذكار فاحسن بحبِّ السِّعد ظنَّك آمنًا ... ففؤاده بعداكم غدّار وقال فيه أيضًا حين أجرى قناة بمدينة الموصل: [من الوافر] أمولانا علام على قناة ... خروج الماء مع تعب الولاة ألا فالمس بكفِّ نداك منها ... ترابًا أو فدس أرض القناة وقد أضحت وحقَّ نداك حقًّا ... تضاهي ماء دجلة والفرات فيحمدك الورى خصبًا ويثني ... عليك الطَّير مع وحش الفلاة /٥٣ أ/ وأنشدني لنفسه يهنيه بإبلاله من المرض: [من المجتث] تباشري بالفلاح ... يا أنفس المداح قد لاح بدر الأماني ... في أوج برج النَّجاح مهنِّيًا للقوافي ... بحقوق نفس السَّماح وأرسل السَّعد فينا ... على لسان الصَّلاح وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الخفيف]

стр. 460

واقتناء الثَّناء أحلى لديه ... من مرام يناله بالنَّجاح فرَّ من بيت ما له بنداه ... مصفرًا من تزاحم المدَّاح وأنشدني لنفسه قوله: [من الخفيف] وانقراض القريض من قلَّة الرا ... غب فيه وفي العلا والسناء واللَّبيب الأريب حرَّضه معـ ... ـروفه والكساد في الحسناء وأنشدني لنفسه في قوس: [من الكامل] وتلين للرَّامي ويقسو قلبها ... فتحبُّ في بغض العدوِّ الكاشح ومتى تقيَّد تسع اسهمها ردى ... ففساد مطلبها برمي صالح /٥٣ ب/ وله من رسالة في المقامة الخيفاء، كلمة منقطعة وكلمة عارية: [من الوافر] وما حبُّ المحامد بثَّ حمد ... فخذ حمدًا يحبُّ ولا يحدُّ وما بذُّ الحلاحل في سماح ... يشين ولا يخيف ولا يعدُّ وله في مثل ذلك: [من السريع] وها فتى أمَّك في عسره ... فذٌّ ولم تفن عداه ففز ولم يفز إلا فتى ماله ... ينبت حمدًا في سماح نشز وقال في الأمير أمين الدين حين قدم من بغداد: [من السريع] قدمت مولانا بما تجتني ... من غصنه عصمة داعيكا غصن له الآراء جرثومة ... وشربه نجح مساعيكما وأنشدني لنفسه في الملوكي المالك، الملك الرحيم بدر الدين نصير أمير المؤمنين- ثبت الله دولته: [من البسيط] وقائل إنَّ مولى النَّاس قاطبة ... أمِّيُّ ملك وهذا العدل من نعمه /٥٤ أ/ فقلت إن كان أمِّيًا فلا عجب ... هذا النبيُّ بها قد خصَّ مع عظمه وله، وأنشدنيها بديهة، وقد حضر القاضي محيي الدين بن مهاجر، بالمدرسة

стр. 461

البدرية، وشيخها كمال الدين موسى بن يونس، وهو في درسه: [من الخفيف] جاء قاضي القضاة أيَّدك الله ... وقد أعوز الحلومة فهم فاستفاد الإفصاح منك وباليقـ ... ـظة تسمو علومه والحكم وتولَّى مقبِّل الفهم كسبًا ... حيث وافاك يستفيد ويسمو وله، وقد عزل جمال الدين أحمد بن علي المستوفي عن الديوان البدري، ورتب مكانه غيره، وأشند بديهة: [من البسيط] يا ابن العلا ما لديوان حكمت به ... يدٌ تطاول فيه موضع النِّعم هب أنَّهم جلسوا فيه وما عرفوا ... طعم الإصابة في رأي ولا حكم فالغيث ما يخصب المعزاء ساكبه ... لكن يزُّل عن الصَّفوان والرُّضم [٢٠١] /٥٤ ب/ سليمان بن يحيى بن حسن بن حرب بن يوسف بن حرب بن زائدة بن منصور بن لديد بن المسيب بن رافع بن المقلِّد بن جُمح بن عمرو بن المهيا بن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن قيس بن حوثة بن طهفة بن ربيعة بن حزن بن عبادة بن عقيل العقيلي المسيبي، أبو الربيع: شاب أسمر اللون، يخدم جنديًّا ببغداد مع الأمير ركن الدين أبي شجاع، أحمد بن قرطايا- أسعده الله تعالى-.

стр. 462

بدوي، إنسان يجعل القاف كافًا في جميع كلامه، وفيه عشرة وتودُّد، وكانت تربيته بالبادية، وبها ولادته، وله طبع صحيح في عمل الشعر، وربما أتى في أثناء شعره لحن؛ لأنه ما قرأ شيئًا من النحو. أنشدني لنفسه ببلد البطائح في سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من الطويل] ألا ما لليلي لا يقرّ قراره ... ولا تنطفي من لاعج الشَّوق ناره ولا يستطيع الصَّبر عمَّن يحبه ... وأنَّى وقد شطَّت عن الشَّام داره؟ ذروه يعاني وجده وغرامه ... وتودي به أشواقه وادِّكاره /٥٥ أ/ يهيم إذا ناح الحمام مغرِّدًا ... إلى منزل بالشَّام ناء مزاره ويُذكرني من ذكركم طيب نشوة ... وددت لسكري لو يدوم خماره أأحبابنا الله عيش بقربكم ... تقضَّي لذيذًا ليله ونهاره واضحت قطفتا بعدكم دار غربة ... لصبٍّ نأى بعد البعاد اصطباره فلا جملة يومًا تجامل صحبتي ... ولا نوَّرت روضات لهوي نواره أقمت غريبًا بينهم بعد بُعدكم ... يروني بطرف طال نحوي ازوراره وأنشدني لنفسه: [من الطويل] إذا ما سقى بغداد غيث فلا سقى ... قطفتا ملث من سحابة عارض محلَّة سوء ما بها غير قاعدٍ ... عن الخير ساعٍ في المخازي وناهض [٢٠٢] سليمان بن عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن زيد، أبو المظفر بن أبي القاسم، ابن العجمي:

стр. 463

من بيت مشهور بحلب، شاب كيّس جميل لطيف، يجمع فصاحة في منطقه، وظرفًا في ملبسه، وهو أمير أسرته نبلًا، وفضلًا، وقدرًا ومعرفة. أخبرني أنه ولد في أواخر/٥٥ ب/ ذي الحجة من سنة ست وستمائة، وحفظ القرآن الكريم، وسمع حديثًا كثيرًا على جماعة من أعيان الحلبيين، منهم: عبد الرحمن بن الأستاذ، والقاضي بهاء الدين بن شداد وغيرهما، وقرأ كتاب التنبيه لأبي إسحاق على القاضي بهاء الدين من حفظه، وأتقنه إتقانًا جيدًا، بحثًا وفهمًا ورواية، وقرأ على الشيخ أبي البقاء يعيش بن علي النحوي جملة من علم العربية والنحو، حتى تمهر في هذا الشأن. رأيته بحلب متوليًا وقوف المسجد الجامع، والنظر في البيمارستان النوري، وكان ينشدني من أشعاره كل رائق، هو نعم الرجل تواضعًا وبشرًا وبشاشة، وهو مع الصدور الكبراء، يجمع ظرف الكتاب إلى أبهة الوزراء. أنشدني لنفسه: [من الطويل] حننت إلى ربع الحبيب تشوُّقًا ... وذَّكرك الأحباب برقٌ تألَّقًا قبحت بأسرار الهوى بعد سترها ... وأفصحت بالشَّكوى وذبت تحرُّقًا وتقت إلى من كمَّل الله حسنه ... له قامة تزهو على بانة النَّقا

стр. 464

رشيق التَثني مائس العطف إن بدا ... أراك سواد اللَّيل أبيض مشرقًا /٥٦ أ/ وطرفًا يريك السِّحر في غير بابل ... وروض جمال بالملاحة محدقًا وردفًا لدعص الرَّمل من تحت بانة ... تميس وخضرًا بالسَّقام ممنطقًا خلوت به والليل مرخ ستوره ... وقمت ولم تخفر به ذمَّة التُّقي خشيت وأغصان التَّداني رطيبة ... على شملك المجموع أن يتفرَّقا فكان الذي اضمرت وهما فلم تزل ... صروف اللَّيالي فيه حتى تحقَّقا أأحبابنا ما عشت والله بعدكم ... سلوًّا ولا صبرًا ولا لذَّ لي البقا ولا قلبي العاني سلا عن ودادكم ... ولا جفني المقروح من بعدكم رقا ولا جنح القلب المعذَّب في الهوى ... إلى غيركم لكنَّه يرتجي اللِّقا وأنشدني لنفسه- أيده الله تعالى-: [من الطويل] وأغيد ممشوق القوام لحسنه ... فتون وللعشَّاق فيه فنون له فوق ورد الخدِّ عند عتابه ... من الرَّشح درٌّ لا يسام ثمين غزال يريك السِّحر من غنج طرفه ... له اللَّيل فرع والصَّباح جبين نظرت إليه نظرة فتهتَّكت ... ستورًا اصطباري فيه وهو مصون تبدَّى من الحمَّام والوجه مشرقٌ ... كبدر تجلَّت عن سناه دحون فغاب دجى صدغيه في صبح وجهه ... وليل بصبح لا يكاد يبين /٥٦ ب/ وأنشدني أيضًا من شعره: [من الكامل] أيحن نحو المنحنى من قد غدا ... فوق السِّماك محلّه ومكانه؟ لولا تأرُّج نفحة من حبِّه ... مرَّت على الوادي بها أشجانه ما غرَّدت فوق الأراك حمامة ... طربًا ولا ماست به أغصانه يا من تشرَّف بالحبيب وحبِّه ... وبه تجمَّل كونه وزمانه صن سرَّه عن غير أهل وداده ... حذرًا عليه فصونه كتمانه وأنشدني أيضًا قوله: [من مجزوء الكامل] لا تغر بي يا ليل نجد ... ودع الملام فليس يجدي إني مرؤ شغلتني الـ ... أيَّام عن ليلى وهند

стр. 465

وأبان خلَّاني الزَّما ... ن فصرت مثل السَّيف وحدي إن جرت يا دهري عليـ ... ي وزدت ظلمًا في التَّعدِّي فلا صبرنَّ عليك صبـ ... ـر فتى كريم الأصل جلد ورث الأبوَّة من أب ... والمجد عن جدٍّ لجدِّ وأنشدني أيضًا لنفسه/٥٧ أ/ ما كتبه إلى صديق له: [من الطويل] إذا غبت عن عيني ولم أك راعيًا ... لعهدك بعد البعد جمَّ التَّودُّد فلا جرِّدت لي في اللِّقاء مناصل ... ولا مُتِّعت يومًا بأعمالها يدي ولا داس طرفي والوغى مدلهمَّة ... حياة العد بين الوشيح المقصَّد وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط] أحنُّ شوقًا إلى ربع بخفَّان ... سقاه منهمل من سحب أجفاني معاهد بان عنِّي من عهدت بها ... قدمًا فروحي فداء النَّازح الدَّاني يا جيرة الجزع من وادي العقيق ومن ... كانوا الغداة أصيحابي بنعمان هل تذكرون لييلات لنا سلفت ... وأنتم بذرى الجرعاء جيراني جرعت ماء جفوني بعدكم جزعًا ... فانهلَّ سحًّا بياقوت ومرجان وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل] ألا مبلغ من حلَّ بالعلم الفرد ... غرامي وما ألقاه من ألم الوجد يهيج فؤادي كلَّما هبَّت الصبا ... ويصبو إذا أومض البارق النَّجدي أيا راكبًا من فوق وجناء جسرة ... يجوب الفيافي لا يملُّ من الوخد إذا ما أتيت المنحنى فأنخ به ... وحيِّي به من لا يحول عن العهد /٥٧ ب/ وحقِّ الهوى العذريِّ حلفة صادق ... وما نلته في الحبِّ دون الورى وحدي لقد فقت كلَّ الناس عشقًا وعفَّة ... فجنون ليلى في المحبَّة من جندي أيا عاذلي كفَّ الملام وخلِّني ... فلومي في ترك الأحبَّة لا يُجدي أيحسن لومي في محبة من أرى ... محبَّته ذخري إذا ضمَّني لحدي؟

стр. 466

أورِّى بغزلان الصَّريم وحاجر ... وقصدي من دون البريّة كيكلدي رشا يصرع الآساد فاتر لحظة ... فيا عجبًا ظبيٌ يصول على الأسد [وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] لهيب الخدِّ حين بدا العيني .. هوى قلبي عليه كالفراش فأحرقه فصار عليه خالًا ... وها أثر الدُّخان على الحواشي] وأنشدني لنفسه وعملها بديهًا: [مجزوء الخفيف] قل لظبي هويته ... راقب الله في دمي أنا صبٌّ سبيته ... بالعذار المنمنم أنا عبد لماجد ... بالمعالي متَّيم كيف أخشى من الرَّدى ... وهو درعي ومخذمي وحدثني- أيده الله- قال: كان للأمير جمال الدولة إقبال بن عبد الله، السلطان الملكي الناصري، نائب المملكة الناصرية الصلاحية، والحاكم بها يومئذٍ بحلب المحروسة، بازي، واتفق أن كان بحضرته ذات يوم على/٥٨ أ/ يد بعض البازدارية، وهو على عادته الجارية، إذ أخذ البازي اضطراب، واعتره قلق، ونفر نفورًا شديدًا، فعجب منه البازداري، وأنكر حالته، ولم يعرف سبب ذلك، وجعل يقصد الأمير جمال الدولة، ويهفو إليه، والبازداري يسكنه ويثبِّته، وهو يطلبه، وكلما رام تسكينه، زاد اضطراب ونفوره، ولم يبرح كذلك على هذه الصورة عدة مرات، والأمير جمال الدولة يشاهد البازي بفعله وفعل البازداري به، ويلحظ ذلك منهما، ثم إن الأمير جمال الدولة استدعى البازي وتناوله من يده، فحين استقر على كفه سكن ذلك الاضطراب والنفور، فأنشأ هذين البيتين ارتجالًا: [من البسيط] لا تعجبوا إذ أتى البازيُّ مجتديًا ... كفَّ الأمير الذي قد خُصَّ بالكرم لقد أتى نحو كفٍّ كلُّ أنملة ... منها تجود بأنواع من النِّعم وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]

стр. 467

لقد تملّك رقّي أهيف غنج ... بلحظة في الهوى يا صاحِ دمي /٥٨ ب/ ظبيٌ من الترك في قلبي مراتعه ... وما مراتعه بالضّال والسِّلم ألفت في حبِّه رعي النجوم ولم ... أشك السُّهاد لأني قط أنمِ أبديت ما كنت أُخفي من محبته فعاد أشهر من نار على علمِ لئن غدوت أسيرًا في حبائله ... فالتُّرك من دأبها الغارات في العجم لله ليلة وافاني وغرَّته ... تُبدي لنا الصُّبح في داج من الظُّلم فبتُّ منه أرى الأيّام طوع يدي ... فيما أُحاوله والدَّهر من خدمي [وحدثني قال: في سنة أربعين حضرت سماعًا عمله بعض الأمراء الحلبيين، فغنى المغني بهذه المقطوعة: [من الطويل] وحقِّ الهوى إنّي لغيرك لا أهوى ... ولولاك ما أصبحت وفقًا على البلوى ولا قلت يا برق الحمى قف برامه ... سُحيرًا وحيّ النَّازلين على حزوى قال: فاستطاب الحاضرون هذا الشعر والوزن، وطربوا له، وأخذوا منهم كلّ مأخذ، وأعجبتهم معانيه، فقلت ارتجالًا: [من الطويل] أقول لعُذّالي .... ... ولومي لا يُجدي على الرشا الأحوى ذروا اللَّوم عنّي فالغرام سجيتي ... وموتي على ذكر الهوى بُغيتي القُصوى وأين استماع العَذل من أُذن له ... له نشوة أغرته بالقامة النشوى فألقيت ذلك على المغني، فعجب القوم من ذلك، وغنى بها المغني، وتكرر في مسامعهم، واستمر الشرب، ولم يزل القوم يرمون به، إلى أن انقضى المجلس، وقصدت منزلي ..... ].

стр. 468

[ذكر من اسمه السموأل] [٢٠٣] السَّموأل بن أبي كامل المصري البليقي: [كان] يعاني عمل البليقات، وهي جنس من موشحات المصريين، وله معرفة بضرب الرمل حيدة، ويفهم طرفًا من علم النجوم، كانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، و [كان] يقول شعرًا مقاربًا، فمن شعره قصيدة يمدح بها الأمير الكبير الأصفهسلار عماد الدين أبا المحاسن يوسف بن الأمير الدين طاي بغا، متولي حلب- أعلى الله محله-: [من البسيط] أما السُّلوُّ فعهدٌ لست أعهده ... وغيرُ عادة قلبي لا أعوِّده /٥٩ أ/ وكلَّما خلق الشَّوق المبرِّح بي ... عاد التفكر بالذكرى يردِّده ومن عجائب سرِّ الحبِّ قاتله ... بسرِّ محبوبه منه تعمُّده وذا دلال يُريني حُسن صورته ... أدله أنَّ لي ربًا فأعبده وما يُجرد سيفًا من لواحظه ... إلا وفي كبد المُشتاق يُغمده كم ليلة بتُّ أُسقي خمر ريقته ... فلاح من لحظ عين الصُّبح أرمده أعد أحاديث نجد والمقيم بها ... عساك يومًا على الأشواق تُسعده وكيف أستر ما بي من فراقهم ... قالوا تسلَّى فقلت الحشر موعده تبًّا لدهر رماه بالفراق فكم ... أضحى على ذنب دهر منه يقصده لئن ذممت زماني في تقلُّبه ... فبالأمير عماد الدِّين أحمده وذا الأمير الذي طابت مغارسه ... وكلُّ من طاب أصلًا طاب مورده هو العماد يهنَّا بالسُّعود ومن ... ربُّ السَّماوات بالأملاك يعضده لا يصلح الحكم إلَّا من تصرفهم ... جيشًا يُجهِّز أو ما لّا يُبدِّده يا باسط العدل في الدنيا وناشره ... وقاصي الجور يمحوه ويقصده ما جادت الناس إلا جُدت عن كرم ... إلّا وعنك إلى العلياء يُسنده وحسبه شرفًا أنَّ العدوَّ له ... يُقرُّ بالمجد لا يستطيع يجحده

стр. 469

/٥٩ ب/ إذا لحاه عذول في تكرُّمه ... يظلُّ يغريه من عنه يفنِّده أضحى سداد ثغور المسلمين فهل ... يسدُّ إلا ثغور الثَّغر سؤدده لا زلت ترقى وتبقى دائمًا أبدًا ... تُحلُّ سيف القضا فينا وتغمده وقال أيضًا: [من المجتث] وعدتني بقميص ... والمطل أقبح خلَّه لا شك يا نور عيني ... كتَّانه في المبلَّه وقال أيضًا: [من الطويل] إلى الله أشطو ما بقلبي من الوجد ... لظبي غدا في الحسن فردا بلا ندِّ تأمَّلت في كفَّيه وردًا فشاقني ... على لثم خدَّيه فأنعم بالورد فقلت له تفديك نفسي وإنَّما ... أردت جنى خدَّيك يا جنَّة الخلد فقال أخاف الآن جور رقيبنا ... ولا بدَّ للإنسان من سطوة الضِّدِّ وأنشدني لنفسه: [من البسيط] أين الصديق الذي تبقى مودَّته ... على اختلاف الليالي ليس ينتقص ومن يُسرُّ إذا ما راءني فرحًا ... وإن أكن ذا انقباض فهو ينقبض ومن يواسي إذا ما كنت مفتقرًا ... بماله ونفيس ماله عوض /٦٠ أ/ دهري أفتِّش عنه وهو في عدمٍ ... وقد أموت ولم يحصل لي الغرض وأنشدني لنفسه يهجو إنسانًا يعرف بكريم الدين: [من الطويل] مدحت كريمًا ثم عدتُ هجوته ... وقايست بين المعنيين وما درى وأيقنت أنَّ الهجو يؤلم قلبه ... ولم أدر أنّي قد خريت على الخرا

стр. 470

ذكر من اسمه سهل [٢٠٤] سهل بن محمد بن رافع بن المحيَّى الهلاليُّ، أبو المحامد الشاعر: من بني هلال، من رامة الشعر ببلدة حوران، مولده ومنشؤه ومقامه بها، كان من الشعراء المجيدين في دهره. حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي- أيده الله- من لفظه قال: قدم أبو المحامد حلب مرارًا كثيرة، مسترقدًا من ملوكها وأمرائها، واجتمعت به، وكان حلو المنطق، فصيح العبارة، حسن الشعر، وكتبت عنه شيئًا من شعره، وتوفي في رجب أو شعبان سنة/٦٠ ب/ ثلاث وعشرين وستمائة ببعلبك: ومما أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب، ويتشوق فيها أهله ووطنه: [من البسيط] لي نحو رامة قلب شأنه الطرب ... وعبرة يعد يوم البين تنسكب وأنَّه كلَّما ناحت مطوَّقة ... تكاد من حرِّها الأحشاء تلتهب كم رمت كتمان ما أبديه من كمد ... وباعث الشَّوق يعصيني فأنتحب يا حادي العيس بالجرعاء هل نظرت ... عيناك مثلي معنَّى شفَّه الوصف؟ أحشاؤه من جوى التَّذكار في حرق ... وقلبه لفراق الحيِّ مكتئبُ لا كان يوم وداع كنت أحذره ... والبدر يسفر أحيانًا وينتقب وطلعة الشمس تبدو غير آفلة ... من المعاجر طورًا ثم تحتجب

стр. 471

ودَّعت لذَّة عيشي يوم فُرقها ... ودمع عيني من هول النَّوى سرب فاستعبرت ومطايا الحيِّ مزمعة ... سيرًا يسايره التَّقريب والخبب فخلت حمرة خدَّيها وادمعها ... راحًا تجول على ناجودها الحبب لمياء يُخبر عن شهد مقبَّلها ... ويُخجل الدُّرَّ منها ثغرها الشنب تُريك وجهًا يريك الشَّمس طالعة ... سبط المحاسن لا خال ولا ندب /٦١ أ/ خودٌ هلالية الآباء لا أمم ... يقضي المودَّة لي منها ولا صقب من دون رشف حميا شهد ريقها ... بيض الصَّوارم والعسَّالة السلب قالت وقد ازمعت لي عن مواطنها ... ميساء مضمرة مهرية نجب ماذا الرَّحيل وقد غادرت منزلنا ... صفر الجوانب لا ورق ولا ذهب فقلت خلَّي سبيل الهمِّ منصرفًا ... غازي بن يوسف ذخري والمدى حلب وأنشدني أيضًا قال: أنشدني سهل لنفسه من قصيدة يمدح بها سنقر الحلبي: [من الكامل] ملك يسرُّ المعتفين لقاؤه ... وتخاف شدَّه بأسه أسد الشَّرى متألّق الأضواء يحمد وفده ... عند الصَّباح بوجهه غبَّ السُّرى قهر الفوارس قبل شدِّ نطاقه ... وأتى المكارم يافعًا وحزوّرًا وحوت مناقبه مآثر معشر ... ما كان ذكرهم حديثًا يفترى ماضي ظبا العزمات لا يعتاده ... زمع إذا صبح الأسنَّة اسفرا يلقى الكتيبة غير مكترث بها ... ويكرُّ والأرواح واهية العُرى متقلد عضبًا كأن مضاءه ... قدر لكلِّ ملمّة قد قُدِّرا ما شيم برق من مضارب حدِّه ... إلا كسا الآفاق مرطًا احمرا /٦١ ب/ يغشى غمار الموت غضبًا فاتكًا ... ويلوح في رهج العجاج غضنفرا أخبرني القاضي أبو القاسم- أيده الله- قال: قال أبو البقاء يعيش بن علي النحوي قال: رأيت الهلالي ينشد السلطان غياث الدين قصيدة من حفظه لنفسه، يمدحه بها، فجعل يتوقف فيها، ويعيد أبياتها، فلما فرغ منها قال للسلطان الملك الظاهر معتذرًا من

стр. 472

تغلظه فيها: يا مولانا، الجواد يكبو من قلة العلف، فقال السلطان في الحال مجاوبًا له: وقد يكون من حمير. [٢٠٥] سهل بن محمد بن أيوب بن مالك، أبو الحسن الأزديُّ الغوناطي الأندلسي: كان من العلماء الأفاضل المتفنّين في عصره، إمامًا في البلاغة/٦٢ أ/، والخطابة، والشعر، والكتابة، قادرًا على إنشاء الكلام نظمًا ونثرًا، فقيهًا مالكي المذهب، عارفًا بأصول الدين، وأصول الفقه، مقدمًا في علم الأدب والعربية، مبرزًا في علم المنطق والجدل. أنشدني أبو الوليد إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل بن أحمد البلوي القضاعي البيّاسي في العشرة الأخيرة من جمادى الأولى بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو الحسن سهل بن مالك الغرناطي لنفسه في سنة تسع وستمائة، وقد فارق وطنه، ونزل مدينة سبتة: [من الكامل] لما حططت بسبتة قتب النَّوى ... والقلب يرجو أن تحوّل حاله أبصرت من بلد الجزيرة مكنسًا ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله كالشَّخص والمرآة تُبصر وقد ... قربت مسافته وعزَّ مناله وحدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف اللخمي الفراتي قال: أخبرنا أبو العباس أخمد بن محمد بن مسعود السبتي قال: كيف كان للفقيه الإمام العلامة أبي الحسن

стр. 473

سهل بن مالك خطيب/٦٢ ب/ غرناط- كلأهما الله- ابن مدمن على شرب الخمر، وتعشق جارية، كان أبوه كثيرًا ما ينهاه عنها، وعن الشرب معها، وهو مع ذلك [لا يزداد] إلا غرامًا [بها]، فلما لم يجبه إلى ترك ما علق به من ذلك، حبسه، وقيده، وبقي على تلك الحال مدة طويلة، ثم سرَّحه بعد ذلك لموشحة صنعها. وصنع طعامًا، وأراد أن يحضر أصحابه، فيأكلون ذلك الطعام في منزل ابنه، ليطيب قلبه، فتقدم أبوه إلى منزله، فوجد الباب مفتوحًا، فدخل عليه، فوجده يشرب مع تلك الجارية، وهي تسقيه بفيها خمرًا، فرجع من غير أن يراه ابنه، وكتب إليه وهو لا يعرف اسم الجارية: [من مخلع البسيط] يا من أُراعيه ملء عيني ... خف وصلة أعقبت يبين إذا تمكَّنت من قلانه ... فمرَّة واترك ائنتين فما سقت خمرة بفيها ... إلا لتشفى بسكرتين /٦٣ أ/ فكتب إليه ابنه: [من مخلع البسيط] يا واحد الدَّهر دون مين ... ومن تحلَّى بكلِّ زين مثلك ينهى أخا غرام ... عن وصلة أعقبت يبين وقد نهيت الفؤاد لكن ... يرجع قلبي لحكم عيني قال: فسكت عنه، ووصله، ولم يعرض بذكر الجارية أبدًا.

стр. 474

ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف [٢٠٦] سنجر بن المقلد بن سليمان بن مهارش بن المُجلي بن سكِّيت بن قيان بن شغب بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهيا بن يزيد بن عبد الله بن ىيزيد بن قيس بن حوثة بن طهفة بن ربيعة بن حزن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر/٦٣ ب/ بن نزار بن معد بن عدنان، الأمير أبو الحارث العقيليُّ: ملك العرب، وشجاعها المقدم، وفارسها المعظم، وله البيت الأصيل، والمجد الأثيل، في اصطناع المعروف، وقرى الضيوف، وكان أميرًا كبيرًا، سيد أسرته، ومتقدمًا على عشيرته. ومن شعره يفتخر، أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الأزري قال: أنشدني محمد بن أبي الفضل العراقي قال: أنشدني الأمير سنجر لنفسه من قصيدة يفتخر فيها: [من الوافر] أما أنا سنجر وأبى مليكٌ ... شعاع الشَّمس نور العالمينا أنيس مضربي وزفير خيلي ... وردِّي عن كريعان الكمينا كريعان: تصغير كرعان، وهي قبيلة مشهورة من عبادة. [٢٠٧] سعد الله بن أبي الفتح بن معالي بن الحسين، أبو نصر المنيجي. شيخ فاضل من أهل الأدب والعلم، عارف في فن الأدب، كثير الشعر، وديوان

стр. 475

أشعاره/٦٤ أ/ يدخل في مجلدين، سافر إلى بلاد خراسان، وتوغل فيها، ورزق حظوة من ملوكها، وأقام بها زمنًا طويلًا، ثم عاد قافلًا إلى بلاد الشام، فنزل دمشق، وسكن مسجدها الجامع، وهو مقيم به، ينتمي إلى التصوف، وطريقة الفقر. لقيته به وسألته عن مولده فقال: لي الآن سبعون سنة، وكان سؤالي له في أوائل شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، وأنشدني كثيرًا من شعره، وأجازني جميع رواياته وأشعاره، ومما أنشدني لنفسه وهو مما كتبه بخطه: [من الطويل] لكلِّ امريء في كلِّ حادثة تطرا ... عليه من الدُّنيا وأحوالها ذكرى وما المرء في شيء إذا ضاع عمره ... ومن طلب الدُّنيا فقد ضيَّع العمرا يا ربِّ خذ بيدي ها قد مددت بها ... إليك إنَّك نعم الجار للجار يا ربِّ قد قلَّ فيما أنت تعلمه ... صبري وقلَّ إلهي فيك أنصاري تبارك الله لا أهلٌ إلى نار لتحرقني ... أحرق النَّار ما عندي من النَّار /٦٤ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط] لست الحريص على الدُّنيا يجادبها ... كما يجاذب في الدهوَّة الجعل يا ربِّ رزقًا كرزق الطَّير ألقطه ... لا كالوحوش على الأرزاق تقتتل وأنشدني الشيخ أبو نصر الله لنفسه: [من الخفيف] أوضح الخمر في الخلاعة عذي ... مذرآني في حانة الخمر أجري بين قوم لا يعرفون سوى الرَّا ... ح عروسًا تجلى بطبل وزمر ورياحين قام فيها رياحيـ ... ـن قدود تاوَّدت كالسُّمر وندامي غرِّ الوجوه كرام ... ينشدني أطراف أغزال شعري إسقياني إذا ارتدت ظلمة الليـ ... ـل رداء من النُّجوم الزُّهر وإذا الجوُّ صفَّقته رياح ... قد تكيَّفن من أفاويح زهر بنت كرم تغلي الحباب كجمر ... يتلظَّى وما علت فوق جمر كم أتتنا بكف ظبي غرير ... علَّها إذا أقلَّها خمر سحر فانتشت من جفون عينيه سكرًا ... غير عهدي وعهدها من سكر

стр. 476

فست في عروقنا ليس ندري ... حين تسري من سكرها أين تسري /٦٤ أ/ وأنشدني لنفسه أيضًا في التاريخ المذكور: [من مخلّع البسيط] لا خير يا سعد في كثير ... ممَّن رأينا ولا قليل الناس وحل وأنت تدري ... مشقَّة المشي في الوحول إن صدقوك الوداد ملُّوا ... وغير مجدودُّ الملول وإن سعوا كالصِّلال دُّبوا ... إليك في الوعر والسُّهول هذا تداري وذا تماري ... وذا تجاري إلى الفضول بين ثقيل ومستقيل ... ومستحيل ومستميل مصدَّع الرأس بين قال ... تسمعه منهم وقيل وأنت منهم على كثيب ... إن عرضت حاجة مهيل وإنَّهم إن سخوا بفلس ... دقُّوا على الفلس بالطُّبول لا ابتغي منهم خليلًا ... وإنَّما درهمي خليلي رئيسهم ويحهم ضعيف ... يجذب في محمل المشي والخمول ما أحسن المرء ذا كفاف ... يُغنيه عن رؤية البخيل فإن في وجهه عذابًا ... يُقطع بالشَّد والرَّحيل /٦٥/ وأنشدني أيضًا لنفسه وحفظه في التاريخ: [من الخفيف] أحرق البين مهجتي فتأنَّى ... بوقوف على الكئيب المعنَّى قف لعلِّي أقول والدَّمع يجري ... بوشيك الفراق منك ومنَّا آه ما أقتل الفراق مع الحبِّ ... وقول المحبِّ كانوا وكنَّا كان ذيَّاك ملء عيني زمانًا ... فافترقنا وليتنا ما افترقنا والذي أضحك المحبَّ وأبكا ... هـ وأبقاه في هواه وأفنى ما تمنيت في حضورك شيئًا ... أنت كلُّ المنى فما أتمنى؟ عجبًا يا حبيب تزداد حسنًا يملأ العين كلَّما ازددت سنّا وإذا قوَّم الحقيقة جزء ... لزم الذّات أيَّ وقت فرضنا والذي الجزء منه والكلُّ منِّي ... مستحيل زواله إن أسنّا

стр. 477

كلَّما ماس قدُّه الأهيف اللَّد ... ن بكأس من المدام علمنا: أنَّ لله في الشَّمائل سرًّا ... ما علمنا أقلُّ مما جهلنا وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة فيها: [من الكامل] /٦٦ أ/ أنا عبده أشكو إليه حبَّه ... ما لي إلى أحد سواه شكاة ما ملَّه قلبي بأية حالة ... وهو الحياة وهل تملُّ حياة! لله ليلة هبَّ حين تواترت ... بالدِّيك بعد مؤذن صيحات يدعو بأسماء النِّدام تنبَّهوا ... من نومكم ما هذه الغفلات؟ هبُّوا إلى اللَّذَّات في أوقاتها ... فسقاتها قسمًا لهم أوقات وتغنَّموا شرخ الشَّباب وطيبه ... قبل الشَّتات فللشَّتات شتات يا ضيعة العمر المنام وما لمن ... هو نائم عقل ولا لذَّات فأتى النّديم إلى النّديم وقلبَّلت ... فاه النَّديم من الكروم فتاة أربت على تسع وقارب سنُّها ... عشرًا ففيها الشُّوم والبركات [٢٠٨] الساطع بن عبد الباقي بن المحسن بن أبي حصين عبد الله بن المحسن بن عبد الله بن محمد بن عمر بن سعيد بن محمد بن داود بن المطهر بن زياد بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنور بن أسحم بن النعمان- ويقال له التالع- بن عديِّ بن عبد غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن/٦٦ ب/ أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة لقب واسمه عمرو- بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، القاضي الأديب الشاعر، أبو البيان المعريُّ التنوخيُّ:

стр. 478

من شعراء معرة النعمان، وأبناء أفاضلها ومقدميها في كل نوع من العلم، وأماثلها، وكان شاعرًا مجيدًا مداحًا للملوك من بني أيوب، حسن الشعر، لطيف التغزل. حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي- أدام الله تأييده- من لفظه في شهر ربيع الآخر بمنزله المعمور، في سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أقام الساطع بحلب، ومرض بها، وحمل إلى معرة النعمان، فمات في الطريق بين المعرة وحلب، وذلك سنة إحدى وعشرين وستمائة، سمعت منه هذه القصيدة التائية، ينشدها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- رحمه الله تعالى- بالقلعة المحروسة في بعض ليالي شهر رمضان/٦٧ أ/ من سنة اثنتي عشرة وستمائة، ويهنيه بولد جاءه، لقبه بالملك الناصر، فاستحسنها الملك الظاهر، و [لا سيما] البيت الذي يذكر فيه: جدوده أم أبوه أم عمومته، وكان ذلك بحضرة البهنسي رسول الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب- أدام الله سلطانه- ثم أنشدني القصيدة وهي: [من البسيط] أما لحجِّ تلاقي الحيِّ ميقات ... ولا لرمي جمار الهجر أوقات؟ لعلَّ في عرفات من عوارفكم ... وصلًا لصبِّ له بالخبت إخبات فليت يجمعنا جمع ويشعرنا ... سعيًا بمشعر تلك الدَّار ساعات كيما أقوم مقامًا لا أخاف له ... نوى فتشرح من حالي مقامات يا راحلين وقلبي في رحالهم يحدوه إن غفل الحادون روعات

стр. 479

عودوا وإلَّا عدوًا وصلًا بقربكم ... فللجميل وللإحسان عودات عهدي بنا قبل وشك البين يجمعنا ... ظلٌّ ظليل وروضات أريضات في جنَّة سرحت أنهارها وزهت ... أزهارها فلها باللَّهو لذّات تدير فينا شموس الراح في فلك ... من الزُّجاجة أقمار منيرات كرمية كرمت صونًا متى فقدت ... حشا الأباريق صانتها الحشاشات /٦٧ ب/ لو أنَّها كُنيت من حيثما اعتصرت ... أمَّ العناصر لم تُخط الكنايات هوًا وماء ونار والإناء لها ... من جوهر التُّرب فهي الاسستقصَّات ونحن في جنَّة ما فات ساكنها ... فيها نعيم ولا واتته آفات سماؤها الدَّوح يبدو الزَّهر من زهر ... وأرضها كيف سار الطَّرف روضات قد أبدع الله فيها كلَّ رائقة فأوحيت فنواحيها بديعات ما أعربت قينة إلا شدت طربًا ... من أعجم الورق في الأغصان قينات نمارق وزرابيّ ملفَّقة ... نسج الربيع لرابيها أنيقات كأنَّها دولة الغازي التي كملت ... وصفًا فعمَّت رعاياها الرِّعايات الظَّاهر الظَّاهر المخلوق من ملك ... ومن أياديه أنواء مطيرات تخافه الأسد في الأخياس مشبلة ... وتستحي من حياة المستهلَّات يا أيها الملك السُّلطان لا برحت ... تهدى إليك التَّهاني والمسَّرات هنِّيت بالناصر الثَّاني ودمعت له ... ما دامت الأرض تعلوها السَّماوات ملكٌ أبى الله إلا أن يكون له ... جدٌّ كجديه تتلوه السَّعادات ماذا يقول الذي ما إثره [ ... ] ... في مشهد الحمد لو تغني المقالات جدوده أم أبوه أم عمومته ... أم الخؤولة حسبي والتَّحيات؟ /٦٨ أ/ وأنشدني القاضي أبو القاسم بن أبي جرادة قال: أنشدني ساطع لنفسه: [من الطويل] دعاها فبرق الأبرقين دعاها ... أيا حادييها والغرام دعاها

стр. 480

ذراها تباري الرِّيح نحو مرامها ... فجذب البرى عما تروم براها ولا تلوياها أن تحاول باللِّوى ... ديونًا لها بعد المزار لواها ألم ترياها كالحنايا وفي السُّرى ... سهامًا ورام بالحنين رماها؟ أنشدني القاضي أبو الفتح منصور بن معالي بن منصور التدمري الشافعي قال: أنشدني ساطع المعري- ﵀ هذه الأبيات، وذكر أنه عملها لما دخل حلب بعد موت السلطان الملك الظاهر- قدس الله روحه- وقد تغيرت الأحوال عن ما كان يعهد: [من الوافر] قفا بي صاحبيَّ على الرُّبوع ... لترويها سحائب من دموعي منازل طال ما كانت لعيني ... لياليها كأيَّام الرَّبيع تصدَّع شعبها وغدت خلاء ... من القوم الألى شعبوا صدوعي /٦٨ ب/ فوالهفي عليها من بدور ... تعوَّضت الأفول من الطُّلوع [وله في ابنة توفيت: [من الطويل] جزى االه عني ... من فقدتها ... وإن وجدت وجدًا على فقدها نفسي غير كفوٍ ... ... عروقي وعن نكس .. ... .... إليه ولاذت بالكريهة والرمس وقال القاضي ساطع بن أبي حصين: [من الطويل] تذكر أيام التَّصابي وطيبها ... دعاني إلى حبِّ البياض ولبسه وبيض أعدن البيض عنِّي شوامسا ... وشيب رمت ليل الشَّباب بشمسه ورائعة العينين راعت بأحرف ... ... يمحو النَّفس كاتب طرسه أعدَّت لعيني مغنم العيش مغرمًا ... وأيُّ نفيس لا يصاب بعنسه؟ ومن يومه أمسى إلى الموت مسلمًا ... فمن حقِّه يبكي على فقد نفسه] وقال أيضًا ابتداء قصيدة أولها: [من الكامل] طرقتك داعية الصَّبابة تهتف ... وهنا تنظِّم سجعها وتؤلِّف

стр. 481

يشجي الخليَّ حنينها بله الَّذي ... في صدره ريحُ الكآبة تعصف يا برق أهد إلى جزيرة قبرس ... غيثًا يبيت بها يجود ويغرف حتى يرى التَّيار في بطمونها ... وله به زجل يهدُّ ويرجف تلك الرُّبوع ظباؤها محروسة ... بظبا الصًّوارم والقنا يتقصًّف وبديعة اللَّحظات زرقة طرفها ... من دونها زرق الأسنَّة ترعف خطرت فقلت السَّمهري قوامها ... ورنت فقلت اللحظ سيف مرهف وتبسَّمت عن واضح لعقودها ... رتل عليه من الرُّضاب القرقف وثنت بجيد جداية لحظاتها ... عنِّي ومال بها القوام الأهيف نظرت مخالسة إليّ كأنَّها ... وسني الجفون أو السَّقيم المدنف يقظى تجور بصدِّها ولدى الكرى ... تحنو على الدَّنف الكئيب وتعطف عجبًا لزائر طيفها أنَّى اهتدى ... نحوي ودوني لُجَّةٌ أو نفنف /٦٩ أ/ آي ابن مريم أوتيت أم نفثة ... من طرفها وعُبابها يتخطف؟ لله أشواقي وما ترك الهوى ... بحشاشتي من لوعة تتردَّف ووجدت من شعره ما كتبه إلى القاضي بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن يحيى- أدام الله إقباله-: [من البسيط] أبا محمد المولى تفضُّله ... وليَّه من وليِّ الفضل والكرم ومن حوى خلقًا كالرَّوض باكره ... صوب الغمام وحلم الشِّيب في الحكم كم منَّة لك عندي لست أكفرها ... ونعمة قد أنافت لي على النِّعم وكتب إليه أيضًا- أيده الله تعالى-: [من البسيط] وما ذكرتك إلَّا صحت من حرق ... يا مقلتيّ على أحبابنا جودي ولا ذكرت ليالينا التي سلفت ... وإلّا وقلت: ليالي وصلنا عودي ولا تلهبت الأحشاء من كمد ... إلا وقلت لها يا لوعتي زيدي وكتب إليه أيضًا يمدحه- أدام الله إقباله- من معرة النعمان: [من الطويل]

стр. 482

إليك بهاء الدِّين تعثير واحد ... على الدَّهر لمَّا أن نأت عنك داره /٦٩ ب/ عظيم الأسى قد ملَّ منه أساته ... مرارًا قريب الودِّ ناء مزاره متى أسلمت ريح الشّمال بنشركم ... طوت نشر صبر ما استقر قراره فللَّه عيش قد تقضَّى بأرضكم ... هو العمر إذ عصر الشَّباب اعتصاره حياه وحيَّاه حيًا عمَّ ضاله ... وأخلت به الأقطار عفوًا قطاره سقى عهده صوب العهاد ومعهدًا ... عهدناه لا يخشى من الجور جاره بباب مليك قد أبى الله أن يرى ... لباب سواه ملكه واقتداره له شرف لو شرَّف البدر تمُّه ... لما غاله عند التَّمام سراره وبهرام جور لو يجار بظلَّه ... لخاف وبهرام النُّجوم وجاره وكسرى أنوشروان لو عدل ملكه ... رأى قال هذا العدل هدي شعاره أو الفلك الدَّوار حمِّل همَّه ... وهمَّته أعيا بذين مداره تحمَّل أعباء الممالك كافلًا ... لها وأقام الحقَّ يعلو مناره وقصَّر عنها طول كلِّ مطاول ... ونفَّره والرُّعب منه نفاره وأسهر في حفظ الممالك طرفه ... على طرف عزم لا يرجى عثاره وخطَّ بسمر الخطِّ نهر مخافة ... وأمن تساوى ليلة ونهاره وكم خامرت أسيافه من مخامر ... صريعًا إلى يوم المعاد خماره /٧٠ أ/ وكم أسكرت من مارق ودم الطُّلى ... طلاه ومن عصر الوريد عقاره فمن تبَّع أو عمر وهند وقيصر ... وقد قصرا عمّا اقتضاه اقتصاره فلا زال في ملك تنير شموسه ... بسعد ولا تخبو مع الدَّهر ناره وقال يمدح الملك المنصور صاحب حماه: [من الطويل] دعاه الهوى نحو الخليط المودَّع ... وحنَّ إلى حيِّ بأكناف لعلع ديار عهدت الشَّمل فيها مجمَّعًا ... سقتها الغوادي من طلول وأربع منازل من قوم على غير ريبة ... بسمر القنا يحمى لئام لبرقع فمن غادة كالشَّمس أو اغيد حكى ... سنى البدر يبدو بعد عشر وأربع أسكَّانها عطفًا عليَّ بزورة ... عسى مورد يصفو بشمل مجمَّع هجرت الكرى هجرانكم لمودتي ... فماذ يفيد الطَّيف لو زار مضجعي

стр. 483

وكيف يزور الطَّيف طرفًا مسهَّدًا ... يعوِّض عن طيف الرقاد بأدمع إذا قلت أنَّ القلب يشفى من الجوى ... غدًا وهو من ذكر الأحبة موجع يراجعه شوق ليشتاق كلَّما ... ترجَّع تغريد الحمام المرجَّع ومنها في المدح: /٧٠ ب/ هو الملك المنصور والنَّاصر الَّذي ... له عاد ذئبًا عاويًا كلُّ مسبع ومرسلها مثل السَّعالي عوابسًا ... فوارسها من كلِّ ليث مدرَّع يجود بآمال النُّفوس فجوده ... لراجيه طبع لم يكن بتطبُّع أب للمعالي وهي وقف حبيسة ... عليه بجدِّ صادق غير مبدع [٢٠٩] أبو السعود بن الحسن بن أبي منصور بن مردويه الواسطي: خبرت أنه شيخ كبير قد أربى على المائة، وذهبت إحدى عينيه، وكان يعلم الصبيان بواسط بدو أمره، فلما أسن تصرف في الأعمال الديوانية، ومال إلى قول الشعر، وامتدح به الرؤسا المقدمين، وأرباب الولايات، واستكثر من نظمه، وديوان شعره في نحو أربعة أجلاد. وهو شاعر هجاء سفيه اللسان، ممن يتقى شره، ويخاف من هجوه، وذكر لي في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة أنه حي يرزق، ولما توجهت إلى مدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة، واتفق انحدار الأمير /٧١ أ/ ركن [الدين] أبي شجاع أحمد بن قرطايا – أبقاه الله – إلى واسط، ثم إلى البطائح، وهي الأقطاع التي أقطعه إياها الخليفة المستنصر بالله –خلد الله دولته- فاستصحبني معه، فلما نزلنا واسط، وسألت عن من بها الشعراء، فذكر لي بأن أبا السعود هذا لحق باللطيف الخبير في الشعر الأول من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة. أنشد [ني] أحمد بن محمد بن سعيد بن البلاسي الواسطي بمدينة أربل قال:

стр. 484

أنشدني أبو السعود لنفسه من قصيدة: [من الكامل] وخط المشيب فأنكرتني زينب ... وتنمَّرت مني وقالت: أشيب ثمّ انثنت شبه القضيب إذا انثنى ... دلاّ لأذيال الملال تسحِّب وتحجَّبت فالنَّوم في جنح الدُّجى ... بحجابها عن مقلتي يتحجَّب ونأت فلا منها خيال زائر ... كلاَّ ولا منها مزار يقرب والسّقم في جسدي يدبّ لبينها ... يوم الرّحيل كما تدبُّ العقرب كم قلت للُّوّام لما أسرفوا ... واتوا بلوم لا يفيد وأطنبوا لوموا عليها والحيا ما شئتم ... أو فنِّدوا في حبها أو أنِّبوا /٧١ ب/ فأخو الملامة للذي لا يرعوي ... يشقى على طول الزَّمان ويتعب وأبعد ما أهواه شبت على الصبا ... واستنفرت مني الرَّداع الخرعب وبقيت مذ نزل القتير بعارضي ... كرهًا كما بقي البعير الأجرب وله في بعض الرؤساء: [من البسيط] لئن بخلت فلا بدع ولا عجب ... فالبخل عندك إرث عن أب فأب المرتجي منك نيلًا أو يروم ندى ... كالمرتجي ثمرًا من يابس الخشب دع الفخار ولا تعرض له ابدًا ... فكيف يفجر كلب أبتر الذَّنب؟ وأنشدني قال: أنشدني أبو السعود لنفسه: [من المديد] مات أيري آه والهفي ... ليت شعري من يكفِّنه فاندبوا حزنًا عليه معي ... وارشدوني أين أدفنه؟ وأنشدني محمد بن حيدر بن الدُّنبدار الشاعر الواسطي قال: أنشدني أبو السعود لنفسه من قصيدة، وكان محمد بن حيدر بإربل، وأبو السعود بالبصرة، يخاطب بهاء الدين أرغش زعيم البصرة: [من الوافر] /٧٢ أ/ أنا الدُّنبداري اقتسمنا ... بأرباب الركائب في البلاد فأضحى باتكين له معينًا ... وأنت حصلت قسمي يا عتادي

стр. 485

وأنشدني أبو منصور بن أبي عبد الله بن أبي منصور الواسطي قال: أنشدني أبو السعود لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل] مريض هواكم من يعوده ... وعصر تداني وصلكم من يعيده؟ نايتم فما حظِّي من النَّوم في الدجى ... إذا رقد السمار إلا شريده وثوب اصطباري مزَّقته يد النَّوى ... ورث على بعد المزار جديده فإن عدتم عاد السُّرور بأسره ... وعاد من العيش الهني رغيده وله وقد رتب في بلد الكاس وهي قرايا من أعمال واسط، كتبها إلى ناظر واسط، وهو ابن المصطنع: [من البسيط] ونائب الحضرة العلياء حيث رأى ... في الكاس زهدي أرماني إلى الكاس فعند بدو شبابي ما ولعت به ... فكيف عند بياض الفود والراس فكتب إليه ابن المصطنع مجاوبًا: [من البسيط] /٧٢ ب/ أبا السُّعود زهدت الكأس من قصر الإرتفاع وليس الزُّهد في الكاس [٢١٠] أبو سرايا بن خزرج بن ضحاك بن أحمد بن خزرج بن ضحاك، الكاتب الأنصاري الدمشقي: هكذا أملى علي هذا النسب، وكتبه لي بخط يده، وسألته عن أسمه فقال: لا أعرف لي أسمًا، أسمي كنيتي، وأخبرني أنه ولد في تاسع عشر ذي الحجة سنة تسع وثمانين وخمسمائة بدمشق، وكان اجتماعي به في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة بدمشق المحروسة، وخبرت أن والده كان من المياسير المحمولين وذوي النعمة والثروة الوافرة، بالغ أبوه في تهذيبه وتأديبه، وأنفق عليه أموالًا، ونشأ أبو السرايا هذا محبًا للأدب والفضل، استظهر الكتاب العزيز، وسمع قطعة من الحديث

стр. 486

النبوي، وعني بسماع الآداب، فلازم الإمام أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي، فقرأ عليه جملة من الأشعار، وضروب الأدب، وحفظ كتبًا من الكتب الشعرية، منها: الحماسة لأبي تمام، وديوان أبي /٧٣ أ/ الطيب المتنبي، وأدب الكاتب، حفظًا جيدًا، وغير ذلك. وعانى نوع المنثور، وفن الكتابة، وترامى إليها، فأول من خدم من الملوك الملك الفائز، سابق الدين، إبراهيم بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، فكتب له الإنشاء، ثم قلده وزارته، فلما توفي الملك الفائز، جذبه الملك المعظم عيسى بن الملك العادل إليه، وقدمه وعظم قدره، وقربه، وأضاف الملك الناصر داود ابنه إليه، وأقره على ما كان، وسافر معه إلى مدينة إربل، فبقي في خدمته مدة متطاولة، ثم سخط عليه الملك الناصر صلاح الدين داود، وصرفه عن خدمته، ففارقه، ونزل دمشق، فكتب ناصحًا، فتقبله الملك الصالح عماد الدين أبو الفدا إسماعيل، وجعله منشئًا في ديوانه، و [كان] مع ذلك ينسخ الكتب للملك الأشرف موسى شاه أرمن بالجراية والجامكية الدَّارَّة، وهو اليوم أقوم أهل زمانه بصناعة الكتابة الإنشائية، وأعرفهم بإنشاء الرسائل والتقليدات، والتقييدات، وأحسنهم خطًا وعبارة، وأسرعهم قلمًا ولسانًا لائق الكتابة، كأن الله قد خلق يده لها، وربما كتب في يوم واحد /٧٣ ب/ عدة من الكتب الإنشائية، في أصناف مختلفة متفرقة، مما يعجز عن ذلك غيره من الكتاب المترسلين، ومع ذلك فله الباع الطويل في حل التراجم، وفتح مشكلاتها، وقدره شديدة في استخرجها. أنشدني لنفسه يمدح الملك الصالح أبا الفدا إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين ابي بكر بن أيوب، مهنئًا له بقدوم أخيه الملك الأشرف شاه أرمن من مصر، وقد استدعاه ليلًا، ولم يكن عنده أحد على مجلس الشراب، فأجلسه إلى جنبه، فأنشده هذه القصيدة فأعجبته: [من الطويل]

стр. 487

أهاجك ترحال الحبيب المودِّع ... وشاقك إيماء البنان المقمّع؟ فرحت وراء الظَّاعنين بعبرة ... تصوب وقلب من جرى البين موجع لحا الله دهرًا لا يزال يروعني ... لحادث دهر أو ببين مروِّع أهيم أسى إن عنَّ في الجوِّ بارق ... ويطربني نوح الحمام المسجَّع ودوِّية كم سرت في بطن خبتها ... على متن طرف لاحق الإطل مسرع /٧٤ أ/ كميت كأن الصبح في قسماته ... وأرساغه نهد – إذا كلَّ – أفرح وليل دجوجيِّ كأن نجومه ... فرادى حباب فوق كأس مدعدع سريت به حتى الصَّباح وبان لي ... دوارس بانت من جناب وأربع دوارس بانت غير نؤي مهدَّم ... وموقد نار أقتم اللوم أسفع وغير ثلاث من أثاف كأنها ... ثلاث حمامات على الأرض وقّع إلام يروع البين قلبي صبابة ... وحتَّى م يستمري التفرق مدمعي؟ وحتَّى لا أنفك في ظهر شامخ ... من الشُّم أو في بطن مكَّاء بلقع؟ لقد كلَّ من حمل المهنَّد عاتقي ... وكلَّ سفاري كلُّ هوجاء ميلع أمون إذا ناجى شواها عثارها ... بجاويَّة الإبقاء منها بدعدع لقد ملَّت البيداء تكرار وخدها ... وما ملت الوجناء رحلي وأنسعي سعيت بها يعيي الرياح لحاقها ... تقيس ملاء البيد منها بأذرع تلاعب إنشاء الزِّمان إلى فتى ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع إلى الأشرف السُّلطان شاه أرمن الذي ... يسير إلى أبوابه كل مهيع إلى الملك المحيي النَّدى بهباته ... إلى الواهب البرِّ الرؤوف السَّميدع وركب كأمثال الحنيَّة شمَّروا ... على مثلها للسير في كلِّ مدفع /٧٤ ب/ تباروا بأجواز الفلا وتذاكروا ... حديث النَّدى ما بين ماض وموضع فقلت لهم والصِّدق ليس بصاحب ... يصاحبه الإنسان في كلِّ موضع إلى الصَّالح السُّلطان حثُّوا مطيَّكم ... تفوزوا ويا طوبي لمن قالها معي إلى الملك المعطي الألوف عفاته ... إذا الغير اعطى من ثلاث وأربع

стр. 488

فمذ سمعوا قولي وعته قلوبهم ... وما كلُّ من حدَّثته مسمعًا يعي فسرت أؤمُّ القوم لم أرض منزلًا ... من الأرض حتى جئت بالركب أجمع إلى ملك في السِّلم والحرب حلمه ... وصولته ريحا رخاء وزعزع إلى خير غيث في أياديه مقنع ... لعاف وليث بالحديد مقنَّع إلى خير من أعطى وأشرف من وفى ... وأكرم من لبَّى العفاة وما دعي تقول العلا لما حللنا جنابه ... إلا خير ذود حلَّ في خير مرتع تبيت النُّجوم النيِّرات كليلةً ... نواظرها عن مجده المترفِّع تمنَّع في يوم النِّزال ببأسه ... وما هو في يوم النَّدى بممنّع يجود إذا ما الحيُّ أكدت لبونه ... وأجدب من أرجائها كلُّ ممرع فزعت إليه من زماني فرعته ... ومن قبله كان الزّمان مروعي فيا حادثات الدَّهر ما شئت فافعلي ... ويا نوب الأيّام ما شئت فاصنعي /٧٥ أ/ فلست أخاف الحادثات ومانعي ... حمى ملك حامي الحقيقة أروع إذا افترَّ باهي حسنه كلَّ نيِّر ... وإن جاد عنَّى جوده كلَّ مدقع وإن صال أغنى بأسه كلَّ باسل ... وإن قال أعيا شأوه كلَّ مصقع ليهنك يا هارون موسى قدومه ... كبدر الدُّجى في نوره من كلِّ مطلع لقد باهت الأيام عند لقائه ... وضاع نسيم النَّصر أيَّ تضوُّع! مليك يسحُّ الجود فينا تبرُّعًا ... إذا غيره أعطاك غير تبرُّع تدرَّع بالصَّبر الجميل وبالحجى ... وبالحلم والإحسان أيَّ تدرُّع! أيا ملكًا نحو المعالي استماعه ... إذا كلَّ عن ذكر العلا كلُّ مسمع لقد صنت وجهي عن سواك تكرُّمًا ... وأنجحت آمالي وصدَّقت مطمعي ولكنَّني في أمة قال حاسدي ... أوارث كسرى أم خليفة تبَّع؟ فلا زلت منصور اللواء مظفَّرًا ... سعيدًا على رغم العدوِّ المفجَّع

стр. 489

/٧٦ ب/ حرف الشين [٢١١] شعيب بن أبي طاهر بن كليب بن مقبل، الضَّرير، أبو الغيث البصريُّ: دخل بغداد وأقام بها إلى أن توفي في يوم الجمعة مستهل المحرم سنة ثمان وستمائة. تفقه على أبي طالب صاحب ابن الخل، وقرأ كتاب الخلاصة في الفقه لأبي حامد الغزالي على الشيخ أبي جعفر بن البوقي، وأخذ على العربية عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي، وأبي محمد بن عبيدة المقرئ البغدادي، وكان أحد القراء النحويين، عالمًا فاضلًا، يحب الخمول لفسه، ويكره الصيت والرئاسة، وله شعر ورسائل، وصنف كتابًا سماه "الحتم المفروض في علم العروض"، وكتاب: "الأهم في الأهم". أنشدني الإمام زين الدين بن [أبي] ألبة بن أبي جعفر بن ناصر الشيرازي الشافعي، قال: أنشدني أبو الغيث شعيب الضرير لنفسه. [من الطويل] ألا إنَّ أشواقي إلى ما عهدته ... من الحضر العلياء ذات شبوب /٧٧ أ/ تأجَّج وجدًا كلَّ يوم وليلة ... وتزداد وقدًا عند هبَّ جنوب ولو حملتني شمال في هبوبها ... لطرت إليكم عند كلِّ هبوب

стр. 490

ولكنها تسري إليكم ووفرها ... سلامي وأشواقي ودمع غروب وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل] ألا ليت شعري هل أفوزنَّ مرة ... بنظرة محبوبي وحسن مالي وهل يجمعنَّ الله من بعد بعدنا ... وقد فنيت أعمارنا بتقالي وقد برحت أيدي المدى بجموعنا ... وولَّى نضير العيش غير مبالي وعدنا نسجُّ الدَّمع حزنًا وحسرةً ... على طيب أيام مضت وليالي وقال أيضًا: [من الطويل] كتابي بأشواقي إلى من أحبُّه ... يناجيه عنّي بالغرام المحرِّق ويشكو إليه عن لساني تألُّمي ... بطول النَّوى عنه وطول التَّفرق وقال أيضًا: [من البسيط] إليك يا رب أشكو ما أكابده ... من التَّنائي وأنهي ما ألاقيه قد مسَّني الضرُّ فارحم مدنفًا قلقًا يفنى الزَّمان بفيض من مآقيه يرعى نجوم السَّما من وقد لوعته ... تردُّه النَّفس منه في تراقيه /٧٧ ب/ لو لم يكن منك يرجو أن سيجمعه ... يوم بمن يبتغي ما عاش باقيه [٢١٢] شمعلة بن أبي النَّما، أبو محمد الواسطيُّ: هو من قرية من أعمال واسط، تدعى نهفة وقيل: من مركوري، وكلاهما من الأعمال الواسطية. كان رئيس قريته وشيخها، شاعرًا متأدبًا، جيد الروية، مطبوع الشعر، حسن النظم، سمح اليد، واسع النفس، تام المروة، متعصبًا لمن يقصده. أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفرج بن محمود الخرابي النحوي الواسطي قال: أنشدني شمعلة لنفسه ما كتبه على سيفه، وكان يومئذٍ عاملًا بنهر جعفر في أيام

стр. 491

الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله- ﵄: [من مخلع البسيط] شمعلةٌ قد أعدَّ هذا ... لنصرة الحجَّة الإمام فقل لأهل العناد صبرًا ... سنجلي غيهب الظَّلام فقل لأهل العناد صبرًا ... سينجلي غيهب الظَّلام /٧٨ أ/ وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في ابن الأمير السيد هاشم بن علي العلوي، وكان ناظرًا بواسط. [من الخفيف] إنَّ عندي لهاشم بن عليٍّ ... مننا كالنُّضار لا تستحيل وثناء كأنَّه قطع الرَّو ... ض أريضٌ غضٌ عريضٌ طويل جدُّه أحمد وحسبك بالآ ... باء من بعد حيدر والبتول وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل] ألا إنَّ لي نفسًا أبت أن أسومها ... لخسف وأن ترضى بذمٍ طباعها أكلِّفها سرَّ الهوى فتصونه ... مخافة أن يبدو لسرٍّ قناعها حكت نفثات الدارميِّ وقوله ... وناهيك أبيات يروق سماعها (وفتيان صدقٍ ليس يطلع بعضهم ... على سرِّ بعض غير أني جماعها) وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل] أمحمِّلي عبء الغرام وتاركي ... غرض السِّهام متى غليلي ينفع؟ وإلى م ما تنفكُّ نيران الأسى ... والوجد ما بين الجوانح يسفع؟ ولأيِّما حال أذاد عن العلا ... والصَّاب كاسات الرَّدى أتجرع؟ وتلذُّ عينك بالرُّقاد وما كذا ... فعل الكرام ومقلتي لا تهجع /٧٨ ب/ ما كنت أحسب يا محمد خلَّتي ... تُثنى ولا تلك العهود تضيِّع فلئن أضرَّ بي الغرام ونال من ... جسدي السقام وهام قلبي الموجع فلقد كتمت الوجد وهو مبرِّحٌ ... ولأمت شمل الجمع وهو مصدَّع وظللت أظهر للوشاة تجلدًا ... وببعض قول أبي ذؤيب مقنع

стр. 492

(وتجلدي للشَّامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع) ولسان حال أخي الرِّواية منشد ... بيتًا عليه بنو الهداية أجمعوا: (إذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلِّ تميمة لا تنفع) وأنشدني قال: أنشدني شمعلة لنفسه في وجع عينه، ويصف شخصًا يعرف بابن ريان الطبيب: [من البسيط] ما مات بقراط إذ أضحى له خلفٌ ... من آل ريانًا من الحكم يقضي على الداء فلأقدار جارية ... مما يحاول من برء ومن سقم [هذا وأيسر شيء من محاسنه ... إنشاده عند حسم الداء والألم (لا يحمد الدَّهر في ما شاء يكنفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم)] وأنشدني موفق الدين أبو الحسن علي بن مهذب بن أبي محمد بن بكران بن العاصماني الواسطي، بأرض البطائح يوم الجمعة /٧٩ أ/ خامس شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني شمعلة بن أبي النما لنفسه ما كتبه إلى ابن أخيه: [من الطويل] عليُّ افترق فينا وما شئت جازني ... محازاة من لم يرع حقًّا لوالد وعدِّ عن الصُّنع الجميل وخلِّني ... أكابد من بلواك ما لم أكابد فقد خُيّبت فيك الظُّنون وصدِّقت ... مقالة من آسى اللَّهى بالمحامد (بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهنَّ أبناء الرَّجال الأباعد) فيا حسن إحساني إليك وقبح ما ... أسأت فدن ما بين مثنٍ وجاحد [٢١٣] شجاع بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي زهران، أبو محمد الموصلي: كانت ولادته تقديرًا سنة أربعين وخمسمائة، وتوفي مستهل رجب سنة عشرين

стр. 493

وستمائة بالموصل. كان صاحب فضل، ومحاضرات، وفكاهة، وحكايات، ومعرفة الناس وأيامهم، وله أشعار كثيرة، ورحل إلى البلاد الشامية، وامتدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- ﵁ وولديه/٧٩ ب/ الظاهر والأفضل وغيرهم. أنشدني ولده أبو شجاع يعقوب قال: أنشدني [أبي] لنفسه يمدح صلاح الدين يوسف بن أيوب بدمشق سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ويذكر فتحه بيت المقدس- رحمه الله تعالى-: [من الطويل] دموع جرت يوم الفراق سجام ... وقلب لناء الشَّوق فيه ضرام لحى الله يوم البين إنَّ مذاقه ... لكلِّ نفوس العاشقين حمام وكلُّ محبٍّ لم يمت يوم فرقة ... فذاك له عند المنون ذمام لئن درست بالأنعمين معاهدٌ ... وعزَّ بأعلى الجلهتين مقام وأمست عراص الأبرقين مواثلًا ... فمنِّي على تلك الديار سلام وإن جلِّ خطب أو عرتني ملمَّةٌ ... فليس عجيبٌ أن يفلَّ حسام سأدَّرع الليل البهيم لعلَّني ... أجوب الموامي والعيون نيام إلى من حباه الله بالملك إذا رأى ... حمول الهدى والكفر فيه غرام وزيَّنه بالحلم والعلم والتُّقى ... فما حسن إلا لديه يرام أقام قنا الدِّين الحنيفي راغبًا ... إلى الله لما آض وهو ثمام إلى ملك الدُّنيا الذي لو تفرقت ... كتائبه والمشركون نيام /٨٠ أ/ لقام مقام الجيش حتَّى تزورهم ... بأيدي الفيافي أنسر وهوام إذا الحرب أعيت كلِّ قرم وباسل ... وخام شجاعٌ واستسرَّ همام وجاشت نفوس المسلمين بأسرهم ... وعزَّ على المستسلمين كلام كشفت قناع الرَّوع عنهم بمهجة ... تميت وتحيي والصفوف قيام

стр. 494

عليها من الرحمن في الروع جُنَّة ... ومن غير الدهر الخؤون زمام وحين لقيت المشركين وظنُّهم ... بأنَّهم في الحرب ليس يضاموا أدرت عليهم بالصَّوارم والقنا ... كؤوسًا لها مزج الدِّماء مدام وغادرت فتح القدس للنَّاس آيةً ... ولم يكُ حتى الحشر قط يرام تهنَّى به الإسلام شرقًا ومغربًا ... وصلَّى لديه العابدون وصاموا ضمنت لربِّ العرش ملء جهنَّم ... من النَّاس فاقتل ما عليك أثام وحين عفت سبل المكارم والنَّدى ... وأصبح حلُّ الجود وهو حرام وقال ذوو الآمال عطِّل ذا الورى ... من الجود أم غال الكرام لئام؟ شرعت لهم سبلًا شواهدها النَّدى ... وأوردتهم بحر السَّماح فعاموا لقد جدت حتى لم تجد قطُّ سائلًا ... وحاربت حتى ما يسل حسام وأرهبت أهل الظُّلم حتى كأنَّما ... عليهم رقيبٌ منك حيث أقاموا /٨٠ ب/ كأنَّك في الملك ابن داود طاعة ... وفي العزم ذو القرنين ليس يرام لك الفتح لمَّا كان للسُّدِّ قسمةٌ ... من الله إذ لاسبسب وأكام لك الرزق فاقسم حيث شئت على الورى ... لك الأرض إمَّا اخترت فهي مقام تكاد الحصون الشُّم تسعى محبَّة ... إليك وأرباب الحصون قيام نهضت بأعباء الكتاب وإنَّه ... ليعجز عنه يذبل وشمام سهرت لئلاَّ يسهر النَّاس إنَّه ... متى سهر الملك المعظَّم ناموا لطاف بنو سام وحام ويافث ... بأروع فيَّاض نداه غمام من النَّفر الغلب البهاليل في الوغي ... وفي السَّلم إن ضنَّ الغمام كرام مطاعيم في اللأواء والعام أشهب ... مطاعين والجيش الخميس لهام ومنها: ولمَّا رأيت الخطب قد جدَّ جدُّه ... وقد مرَّ عام بالهموم وعام وذلك لما انتاشني الدَّهر ما حوت ... يميني وقلَّ الأقربون ولاموا

стр. 495

سلكت فجاج الأرض أسعى بهمَّة ... لها ذروة فوق السُّها وسنام إلى ملك لو أنَّ نور جبينه ... على الدَّهر ما اجتاح الضياء ظلام فعاينت بحرًا يغرق البحر جوده ... وبدرًا يشين البدر وهو تمام /٨١ أ/ بقيت على الإسلام ما ذرَّ شارق ... وغرَّد قمري وسحَّ غمام وأنشدني قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة يتذكر بها أيامه بالموصل، ويتشوق إليها، ويمدح الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب –﵄: [من الخفيف] خليّياني ولوعتي خلِّياني ... ما عليكم يا عاذليَّ ضماني إنَّ طيف الخيال شرَّد نومي ... وعراني لزروة ما عراني طارق بالشّام من سرحة المو ... صل يا حبَّذا البعيد الدَّاني ومنها يقول: وبباب العراق من سكّة الليـ ... ـث مغان أكرم بها من معاني سكَّة تطلع البدور فما تفـ ... ـتا تلقى بدرًا على غصن بان كم خلعت العذار بالشرف الأعـ ... ـلى وأطلقت في السُّرور عناني روضة تخجل الرِّياض بزهر ... مثل وشي البرد القشيب اليماني حيث تلقى بها من الطير ما نغـ ... ـنى به عن مثالث ومثاني /٨١ ب/ يتناغى بها الهزار على الشَّحـ ... رور فالحيقطان فالورشان وتطرَّبت مستهامًا إلى ديـ ... ـر سعيد بالرَّاح والرَّيحان وزمان مضى بدجلة فالخو ... صر فالحوض بالوجوه الحسان ولكم بالغروب أصبحت معتا ... ضًا دواليبها عن العيدان فمتى ما سمعت يومًا بباب الـ ... ـجسر بلّت مدامعي أرداني وكذا إن ذكرت ساحة شطِّ النـ ... ـهر لج الفؤاد بالخفقان
следующие страницы →