← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والعدس في قاعتها والفول ... فاسمع من المرأة ما تقول وطاجن البوريِّ واللُّفاتي ... وكلُّ هذا الشَّرِّ من حماتي فتبرز المرأة كالشَّراره ... قد خربت بكفِّها إزاره تقول فتِّش حزبتي يا قازي ... هذا غلام الله ذو المخازي ومرهف يشهد والدِّرغام ... بأنَّه في فسقه مقدام ومصطفى وخيلجان شهدا ... بأنَّه لماله قد بدَّدا وابنتي قد عافها من شهر ... وها لخبزي وبقولي مزري يحكي بما يقشعه وشيرجي ... فما الذي من مثل هذا ارتجي ومقعدي قد بعته وسفلي ... فهل يرى بعد طلاقي مثلي؟ وهو لحيني رجل رقَّاص ... فكيف من نكاحه الخلاص؟ وقال لي يومًا صديق صادق ... لا كاذب الودِّ ولا مماذق بأنَّني حضرت دار القاضي ... ملازم خصمي للتَّقاضي فجاء شخصان كما أنبيكا ... فوضعا بين يديه ديكا ثمَّ تبدَّى واحد فهيَّطا ... ونال من صاحبه وخبَّطا /١٠٥ أ/ وقال هذا باعني دجاجه ... كأنَّها في حسنها درَّاجه وكنت قد حسبتها تقفُّ ... وخير مما قد لقيت الحتف وأنت قد عددتها بياضه ... فما وجدت مثلها غضاضه فخرجت كما تراها ديكا ... إنَّ العيان يذهب الشُّكوكا فردهَّا الحاكم بالتَّدليس ... أحسن بذاك الحكم الخسيس وقيل لي: جاء إلى الشنباشي ... يومًا فلان راكبًا أو ماشي فقال في جارتنا سمَّان ... قد شاع عنه النَّحس والبهتان أرسلت مع جاريتي محبوبه ... إليه ربعًا طالعًا خروبه فقالت: اقنع لي به قطاره ... فغرَّها وباعها عصاره حرى إليه صحبتي رقاصا ... يأخذ لي من خصمي القصاصا وسم عليه ساعة من يوم ... فما عليك بعدها من لوم خبز له في الخزبل في العينه ... فإنَّها حصينة أمينه

стр. 527

غيومهم جميعها جهام ... فما يبلُّ تربهم غمام ما للقطاط عندهم مقام ... إذ ليس في دورهم طعام بل الدُّروب كلَّها كلاب ... لكنَّهم ليس لهم أذناب /١٠٥ ب/ مركوبهم جميعهم حمير ... ولبس أعيانهم المقصور ينقش في عرسهم الرِّجال ... أمارة بأنَّهم جهَّال وهذه من سمة النّسوان ... لا سمة الكهول والشُّبَّان خلق كثير مالهم خلاق ... ودينهم جميعه نفاق لا يقبسون الضيف فضل نار ... ولا يردُّون يدًا عن جار بل يضمرون الغلَّ والخيانه ... وما لهم عهد ولا أمانه المكر من عادتهم والختل ... واللُّؤم في طباعهم والبخل قد حزِّبوا في دينهم أحزابا ... وعبدوا من جهلهم أرباب ففرقة تقول بالتَّشبيه ... وظاهر الأخبار والتَّمويه قد جعلوا احلامهم في النَّوم ... دلائلًا يا ضعف رأي القوم! وفرقة ينتظرون الحاكم ... وأنَّه في كلِّ وقت قادم إذا رأوا عن بعد حمارا ... قالوا الإمام قد أتى جهارا وفرقة قالت تصير فالا ... رأيته لذاته مثالا واثبتت تناسخ الأرواح ... منقولة في سائر الأشباح وفرقة قالت بأنَّ زيدا ... إمام حقِّ قد أكيد كيدا /١٠٦ أ/ وإنَّنا نلقى إله الحقِّ ... بدينه فهو إمام حقِّ وفرقة تقول إسماعيل ... إمام حقِّ ماله عديل قد شملت آل عبيد دعوته ... وأنهم نوَّابه وأسرته وإنَّ منهم نرتجي الرِّضوانا ... والفوز والعطاء والإحسانا وآخرون من سراة القاهرة ... أفعالهم بما ادَّعوه ظاهره تزعم أنَّ الحقَّ في محمَّد ... في حاضر وغائب معتقد وأنَّنا أتباعه في الأرض ... في كلِّ مستور وكلِّ فرض وأنَّه في وقتنا إمام ... محكَّم بعدله قوَّام

стр. 528

وفرقة تخلِّق الأركانا ... قالوا الإمام خلف هذا كانا وقد حكى لي رجل ظريف ... أنَّ وراء كنهم كنيف وفرقة يرون قول الزُّور ... شهادة من أحسن الأمور وهذه معتقدات فاسده ... جميعها منتحلات باردة يجمعها من الضِّلال جامع ... والحق ما بين الجميع ضائع هذا وفرعون لهم إله ... قدمًا فكم قد عمهوا وتاهوا /١٠٦ ب/ وعبدوا بعد عبور البحر ... عجلًا مصاغًا من حلي التِّبر وقال قولوا حطَّة ثمَّ ادخلوا ... فصحَّفوها حنطة وبدَّلو وهبطوا من بعد موسى مصرا ... وحملوا من النَّكال إصرا والبسوا الذِّلَّة والصَّغارا ... وورِّثوا الغباء والزَّيارا وفرقة جميعهم سودان ... كأنَّما أشخاصهم غيلان قد سكنوا الأرياف والسَّوادا ... وأضموا الفتنة والأحقادا حتَّى لقد أغراهم الشَّيطان ... وعصبة عقيدهم ريحان وكان رأس القوم لمَّا التأموا ... على اليمين رجل منجِّم حكى لهم من طالع البروج ... ما حمل القوم على الخروج وقال قد آن لكم أن تملكوا ... ودولة التُّرك سريعًا تهلك واتَّخذوا المنجِّم الوزيرا ... ووقَّروا منصبة ترقيرا وأخرجوه في رباع الفاضل ... يسكن منها أحسن المنازل وقال يوم ستَّة وعشر ... من شهر شوال ظهور الأمر فوثبوا بعد عشاء الآخره وشهروا السُّيوف وسط القاهرة واخترقوا الدُّروب والأسواقا ... وأظهروا الفتنة والشِّقاقا /١٠٧ أ/ وانتظروا أحلافهم فخانوا ... ونكثوا عهودهم ومانوا ووقفوا هنيهة وارتكبوا ... وقام في الحال الأمير موسك واستيقظت عساكر السُّلطان ... وعرفت مكائد السُّودان

стр. 529

فأمسكوا من وجدوه إلبا ... وصلبوا على الجذوع صلبا وأخذوا المنجِّم الكذَّابا ... فافرغوا من فوقه العذابا تبًا لهم اللمليك الناصر ... فوق مديد الأرض من مجاهر! ؟ كيف وقد أطاعه الجماد ... وفتحت بسيفه البلاد! ؟ وغمرت بعدله العباد ... يا بؤس ما ترهَّموا وكادوا وفرقة للكيمياء وظَّفوا ... قد أحكموا كيزانه ورصَّفوا إن صلب الزِّئبق منهم عامل ... فهو على رأي الجميع واصل وأي نفع كان في تبييضه ... وإنَّما شيطانه يلهو به حتَّى إذا أفسدها المرواس ... عاد إلى دماغه الوسواس وإن رأى تبييضه في الدَّهر ... يقول قد فزت بملك العمر وما درى أنَّ العمى مآله ... وأنَّه قد غرَّه محاله حتَّى إذا ضاقت عليهم الحيل ... مالوا إلى ضرب الزَّبوق والزَّغل /١٠٧ ب/ وفرقة تدور في المطالب ... تسلك فيه أصعب المذاهب يضيِّعون العمر في المحال ... وينفقون حاصل الأموال وأيُّ شخص ظفرت يداه ... بمطلب بلَّغه مناه وفرقة تبخِّر الكواكبا ... تسلك في تبخيرها عجائبا لهم دعاء ولهم بخور ... وهكذا تلبَّس الأمور فليس السواد أصحاب زحل ... مع الخضوع والخشوع والوجل يلبث طول اللَّيل في الوهاد ... منغمسًا في أهبة السَّواد وآخر للمشتري تبخيره ... قد طال في تبخيره تخييره هيأته البياض والوقار ... واللُّطف والطِّيب له شعار وهذه من ترَّهات القيل ... يغنى بها الغرُّ بلا تحصيل صنَّفها إبليس للجهَّال ... كي تنقضي الأعمال في المحال وهل سمعتم والظُّنون تكذب ... في الدَّهر من لبَّى نداه كوكب؟ والسِّيميا وصنعة التَّنجيم ... وعمل الخاتم والتَّغريم هذا وعندي لهم دفاتر ... مكسورة يسرح فيها الخاطر

стр. 530

أكبر أفراحهم الخليج ... لهم إليه أبدًا حجيج /١٠٨ أ/ ينتظرون العام ثمَّ يكسر ... وما الَّذي في ذاك لو تدبروا؟ وجانباه كلَّها تراب ... وقعره الزِّحام والضَّراب وما الخليج غير نهر جاري ... يمدُّه البول من المجاري يدوم شهرًا سيله وينشف ... وكلَّ عام حافتاه تكشف حتَّى إذا عاد لبعض الأرض ... في عمقه وطوله والعرض ثوى به الذُّباب والنَّاموس ... والفأر والجرذان والعروس إن حكَّموا عند التَّداعي قاضي ... في حالة النُّفور والتَّراضي يقول شيخ القوم هذي حوزتي ... قد خزنت كتابها وجرتي وعندها القلقاس والفقوس ... والزِّير والوردة والقادوس والقدر والحصير والسَّرير ... والقمح والجلبان والشَّعير وقد أكلت بعده أشنانا ... وذي خوافي يأكل اللّحمانا صنيعة الملك متاع العادل ... وخذ قماشي من زمام الفاضل جاريتي خازنة أمينة ... تنظف القاعة بالبلينه أباعها مني بتسحتحشر ... شيخ وكيل لحظايا شاور دورهم مشحونة خنافس ... فمن ترى في طيبها ينافس؟ /١٠٨ ب/ والحيَّة النَّاظر في الآبار ... والفأر والعروس ملء الدَّار لو مسح السُّلطان سوء صور ... لسئلوا قد حلَّ في القدور وأرسل الرِّجال والأحمالا ... والخيل والبغال والجمالا وجمع النّمل الذي بمصر ... وسيَّروه نحو ذاك الثَّغر وقد حكى لي رجل سفَّار ... والصَّدق ما يحدِّث التُّجَّار قال سكنت حجرة في خان ... مليحة القسمة والبنيان والخان في الشَّارع وسط القاهرة ... طباقه مرتفعات عامره وكان قد جاء معي غلامي ... كالبدر في إنارة التَّمام أبيض رومي طويل الشعر ... لحاظه قد ملئت بالسِّحر وقدُّه كأنَّه القضيب ... وردفه كأنَّه كثيب

стр. 531

وعارضاه كمدبَّ النَّمل ... وحاجباه كقسيِّ النَّبل وثغره كالدُّر في نظام ... وشعره كسدفة الظَّلام فبتُّ في بعض اللَّيالي وحدي ... معانقًا في طول ليلي زندي ونام مملوكي في الخزانة ... وكنت قد اريته الإهانة /١٠٩ أ/ وبتُّ طول اللَّيل في وسواسي ... وفي سبيل الحبِّ ما أقاسي حتى تبدَّى الصُّبح في المشارق ... واللَّيل لا يرثي لوجد العاشق فقمت ولهانًا إلى الغلام ... أبلُّ من تقبيله أوامي فحين أقبلت على دواجه ... مخالسًا أحذر من إزعاجه وجدت في ثني اللِّحاف عبدا ... قد مدَّ من فوق الفراش مدّا أسود في سواده تنقيط ... وقد علا من نومه الغطيط فصحت لمَّا عاينت عيناي ... تبدل الأسود من مناي وكاد أن يذهب منِّي عقلي ... وقلت هذا كلُّه من فعلي وانتبهوا من كان في جواري ... واقبلت عصابة التُّجار وأقبل الحارس بالسِّلاح ... قد ملاء الأقطار بالصِّياح وقال ما شأنك يا مولاي ... ليس الزَّعيم فيهم سواي فقلت قد أبدل لي غلام ... مثل النَّهار اغتاله الظَّلام ولم يكن في سالف الأزمان ... عوائدي أرغب في السُّوادن واعجبًا أين مضى الرُّوميُّ ... ونام في مكانه زنجيُّ؟ ! فأقبل الحارس كالضِّر غام ... مفكِّرًا في قصَّة الغلام /١٠٩ ب/ ثمَّ دنا ورفع الإزارا ... وصاح عارًا يا تجار عادرًا هذي البراغيث على الغلام ... لا خير في إجارة الطَّغام وهذه أرجوزة وجيزه ... رائقة في نظمها عزيزه نظمتها والغرض الإحماض ... والعقل تستخفُّه الأعراض ولو تتبَّعت الخصال كلَّها ... لكان من طالعها قد ملَّها وإنَّما التَّطويل والإكثار ... حاصله الملال والإضجار والحمد للواهب جمع الشَّمل ... وملحقي عن كثب بأهلي

стр. 532

عليَّ للرَّحمن صوم شهر ... إن فارقت عيناي أرض مصر [٢٢٦] طاهر بن ثابت بن أبي المعالي ب ثابت بن حسان ابن أبي نصر بن محمَّد بن لؤلؤ، أبو الطَّيب القاضي البوازيجي: ذكر لي ولده أبو عبد الله الحسين، أنهم يرجعون في نسبتهم إلى حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ ، وأبو الطيب ولد بالبوازيج، ونشأ بها، وقدم الموصل، وتفقه بها على الإمام/١١٠ أ/ أبي حامد بن يونس بن محمد بن منعة الفقيه الموصلي، المدرس الشافعي مدة طويلة، وتميز في الفقه، واتصل بخدمة القاضي حجة الدين أبي منصور بن عبد القاهر بن الحسن الشهرزوري، فسمع شهادته، ولازمه مدة، ثم عاد إلى شيخه أبي حامد محمد بن يونس، وسكن المدرسة الزينية، ثم عاد إلى خدمة القاضي حجة الدين أبي منصور، ولازمه، وكان يصحبه في [حمل] الرسائل إلى ديوان الخلافة وغيره، وفوض إليه عقود الأنكحة، والتدريس بالمدرسة الكمالية، فأقام بها برهة من الزمان، يدرس ويفتي، وذكر بها كتاب الشمل، للإمام أبي نصر ابن الصباغ في الدرس، وكان القاضي حجة الدين يأذن له في سماع الشهادة والحكم في بعض القضايا، وبقي على ذلك مدّة، ثم ولاه نيابة القضاء، واستقل بسماع البيّنات، قبول الكتب الحكمية، والحكم، والتثبيت، والإشهاد عليه بذلك.

стр. 533

واستمرت أحواله على الانتظام، ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الأحد، سادس وعشرين صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة /١١٠ ب/ وصلي عليه من الغد بالموصل بالجامع النوري، ودفن في داره. وكان حسن السيرة، مددًا في القضاء، قيمًا بمعرفة المذهب، متطرفًا من سائر العلوم الدينية، وكان قد سمع من الحديث شيئًا كثيرًا على أبي حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد، وقال الشعر، أنشدني الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي –أدام الله إقباله- بمدينة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني القاضي أبو الطيب طاهر بن ثابت البوزايجي من شعره: [من الطويل] فلا تغترر يومًا بطيِّب عيشة ... وقرب حبيب فالفراق قريب فإني أمنت الدَّهر يومًا فخانني ... على عجل إنَّ الزَّمان عجيب

стр. 534

ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف [٢٢٧] أبو طالب بن علي بن علي بن علي العبسي الحلي، من الحلة المزيدية، المعروف بابن الخيمي: كذا وجدت نسبه بخط يده، في غير قصيدة من نظمه، واسمه كنيته، وبذلك يعرف. كان شاعرًا شيعيًا، فاضلًا، عارفًا باللغة والشعر، مكثرًا من نظمه، شخص إلى مصر، فسكنها /١١١ أ/ إلى أن توفي بها. وله مدائح كثيرة جيدة في أهل البيت -صلوات الله عليهم وسلامه- أنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الغريب الصيقل الشاعر الموصلي قال: أنشدني أبو طالب بن الخيمي لنفسه: [من المنسرح] كم من مريق يوم الفراق دمه ... وبائح سرَّه الذي كتمه؟ وكم حبيب سرت ركائبه ... على محبِّ مضى فما رحمه؟ دعا على ظالميه محتسبًا ... وما درى أنَّه الذي ظلمه ذو طلعة كالصَّباح مشرقة ... من تحت فرع كأنَّه العتمه ومقلة بابليَّة شهدت ... بصدق هاروت في الذي اجترمه ظبي نسيت التوحيد من كلفي ... به وأمسيت عابدًا صنمه

стр. 535

سألته قبلة فأوردني ... نار صدود بالهجر مضطرمه فقلت يا مالكي اتحرق من ... بات قسيم النّيران معتصمه! ؟ ونقلت من خطه قوله، وهو ما كتبه إلى النقيب مجد الدين أبي جعفر أحمد بن زيد بن عبيد الله الحسيني /١١١ ب/ الموصلي – ﵁: [من الخفيف] زادك الله أيُّها المجد مجدا ... فلقد رحت أغزر الناس رفدا وأجل الورى أبًا وعمومًا ... وخؤولًا زهرًا وأما وجدا معشر ما نظمت فيهم قريضًا ... من مديح إلاَّ تضرَّع رندا لا ولا فهمت باسمهم في أجاج ... من شراب إلاَّ تبدَّل شهدا يا أبا جعفر اجر ذا ولاء ... لكم نازحًا عن الأهل فردا حلَّ في الموصل الفسيحة حتَّى ... خالها للهموم والضِّيق لحدا وهو لا يرتجي سواكم لدنيا ... هـ ولا للمعاد سؤلًا وعضدا كان وعدي لقيا المجاهد مذ أمـ ... ـس فلا أفتا دون ذلك جهدا وتفشَّت تلك الأحاديث عنِّي ... عاد عندي بيض الأمانيِّ ربدا وجيوش الشِّتاء قد بادرتني ... يتوَّعدنني خواء وبردا وعطاياك لم تزل قطُّ نقدًا ... وعطايا الأيام وعدًا وفقدا فتحنَّن عليَّ يا ابن عبيد الـ ... ـلَّه يا أوسع البريَّة رفدا إنَّني عبدكم ومثلك في السَّا ... دة ما إن يبيع مثلي عبدا فاغتنم شكري المريع الذي ما ... زال وقفًا عليك قربا وبعدا /١١٢ أ/ مثلما بات ناصب اللَّعن والثَّلـ ... ـب لمن ما رعوا لجدِّك عهدا وكتب إليه يهنيه بالشهر: [من الطويل] ليهن بك الشَّهر الجديد فإنَّما ... بقاؤك في العزِّ الهناء المجدَّد وحسبك مدحًا أن تبيت وحيدر ... أبوك وأن تضحي وجدُّك أحمد وأن تغتدي والعالمون ملوكهم ... وأحرارهم رغمًا لبيتك أعبد ولست بمحتاج إلى المدح بعد أن ... أتت لكم الآيات بالفضل تشهد ولكنَّما يدعو الغرائز فخركم ... إلى القول منا قربة فنقصد ونعلم أنَّ المدح ليس بزائد ... مناقبكم لكنَّنا نتودد

стр. 536

ونرعى عهودًا للنَّبيِّ أضاعها ... طوائف في بغض الوصيِّ وألحدوا فيا ابن عُبيد الله يا من بحبِّهم ... نفوزُ غدًا يوم المعاد ونسعد ويا أيُّها المجد الذي با مطلقًا ... عطاه وشكر النَّاس فيه مقيَّد ويا من له في كلِّ أنملة ندى ... يفيض ونارٌ في الوغى تتوقَّد ألست من القوم الذي بشرعهم ... تٌحلُّ أمور العالمين وتعقدُ؟ فعش ما أقام الفرقدان وما بكى ... غمامٌ وما ناح الحمام المغرّدُ وقال فيه أيضًا يمدحه: [من الطويل] /١١٢ ب/ أفي كلِّ ربع دمع عينيك هامع ... وفي كلِّ جمع سرُّ قلبك ذائع؟ وفي أيِّما أرض حللت معرِّسًا ... أجدَّ لك الشَّوق الحمام السَّواجع؟ هواتف بالأسحار شجوًا كأنَّها ... نساءٌ تلبَّسن الحداد فواجع تُذَّكرني بالجامعين وبابل ... مرابع عفَّتها الرِّياح الزِّعازع فأسعدها بالنَّوح نوحًا وتارةً ... تتابعني في شدوها وأتابع أنا الفلق إن عيَّ المقال فخاطب ... أنا السَّيف إن فلَّت ظباه فقاطع وإنِّي إذا ما نابني الهمُّ والأسى ... وبتُّ تجافي جانبيّ المضاجع جعلت وسادي كور عنساء جسرة ... جماليَّة لم يعلها الدَّهر فارع مُخفَّفة نحو السُّرى بمناسبهم ... صلاب تشكَّى وقعهنَّ البلاقع ويثلثنا قاض وقور وإنَّه ... جهول إذا ما استعقلته الوقائع إذا كذبت صحف الخؤولة أظهرت ... معاطفه حكمًا به العمُّ قانع صفا رونقًا حتّى كأنَّ لموعه ... تبسُّم مجد الدِّين حين يقارع أبي جعفر نجل الميامين أحمد ... فتى حمده في البرِّ والبحر شائع سليل رسول الله وابن وصيِّة ... عليِّ الَّذي تثنى عليه الأصابع إمام أبان الدَّين بعد كمونه ... وأخبر بعد الكون ما الله صانع /١١٣ أ/ فهل بالغ مدح امرئ كلَّ قومه ... له مننٌ ما تنقضي وصنائع؟ مغاور إن شنَّت من الدّهر غارة ... مغاوث إن لم يعد في الأرض ضارع تظلُّ سراحين الفلا لسيوفهم ... مصليّة حيث الرِّماح صوامع فما ساجدٌ بالطَّعن بات وفوقه ... من الطُّلس إلّا أسحم اللون راكع

стр. 537

مجمِّع فلِّ الحمد والحمد شاردٌ ... وهازم جيش اللُّؤم واللؤم جامع حسيب أديب قادرٌ متعطِّفٌ ... سخيٌّ أبيٌّ مالكٌ متواضع أعزُّ مليك للورى وخدت به ... علنداة أسر هجَّنتها الجلافع وأكرم محمول على متن سابح ... بقبهلة لطخ من الفجر لامع تُزاحمني فيه القوافي كأنَّها ... حوائم حمسٌ بالفرات تدافع إذا ما انتضى في حندس الخطب عزمه ... تسرَّى ووجه النَّصر أبلج ناصع وإن لبست أقلامه الطِّرس ساخطًا ... أُبيحت حلال واستقيدت صعاصع وإن جاد إنعامًا أتتك كتابة ... وفي كلِّ سطر جعفرٌ متدافع غدت سيرة الحدباء في الأرض صورةً ... بعدلكم تحدى إليها المطامع إذا تليت بين اللِّئام تحتموا ... وأنشد كلٌّ وهو في البذل راتع /١١٣ ب/ سما بي أوسٌ في السَّماح وحاتمٌ ... وزيد القنا والأثر مان ورافع فاصغ إليَّ السَّمع يا مجد إنَّني ... لأجدر من تصغي إليه المسامع فما المدح إلَّا ما أنا اليوم موردٌ ... وما الطَّول إلَّا ما غدا أنت جامع ولا الفضل إلَّا فضل ما نطقت به ... سوابق كتب قبله وشرائع مناقب غرٌّ ما دجا شرك فترة ... فأظلم إلَّا وهي زهرٌ طوالع [٢٢٨] طه بن إبراهيم بن أبي بكر بن فبرك بن أحمد بن شيرك بن بختيار، أبو محمَّد الإربليُّ المولد والمنشأ، الكرديُّ الهذبانيُّ:

стр. 538

حفظ القرآن العزيز، وقرأه بواسط للسبعة والعشرة، وتفقه وتأدب، وله طبع سمح في الشعر، وذهن صالح في النثر، وبديهة حسنة، وفطنة جيدة، يصنع البيتين والثلاثة بلا فكرة. وكان قد اعتقله السلطان مظفر الدين، صاحب إربل، وأنشأ أربع مقامات في الحبس بألفاظ تشجي سامعها، ضمنها شرح حاله. جمعتني وإياه حضرة الصاحب أبي البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵀ /١١٤ أ/، فوجدته رجلاً متواضعًا حسن الفضل، وأنشدني لنفسه في الصاحب أبي البركات، وكان السبب في إطلاقه من الاعتقال: [من الكامل] مولاي دعوة يائس ذي عيلة ... أطفأت بالإطلاق نار عياله قعد الزَّمان به فقام بحمله ... نحو ابن موهوب عرى آماله أي ربِّ أبق لي المبارك واستحب ... منِّي دعائيّ للنَّبيِّ وآله أولاني الأفراح أيَّ صنيعة ... أولى وأردفها بخالص ماله وحضرنا ليلة في جماعة مجلس الصاحب أبي البركات –﵀ –ونحن في دكة لبستان داره –عمرها الله تعالى –فجاء الغيث متواليًا، وقمنا مسرعين، ودخلنا منزله المحروس، وكان طه حاضرًا، فارتجل هذين البيتين بديهة، وأنشدهما: [من الطويل] دخول لإقبال الشتاء مبارك ... عليك ابن موهوب إلى آخر الدَّهر /١١٤ ب/ تفرُّ من الفطر الملم عشيًة ... ولم نر بحرًا قطُّ من القطر

стр. 539

وأنشدني لنفسه، وهو ممّا قاله في السجن يذم إربل وأهلها، وعمال الديوان بها: [من الوافر] ألا قف بالأجيرع والكثيب ... وناد نحوه هل من مجيب؟ وحيِّ أهليه عن مستهام ... أسير موثق صبٍّ كئيب لعلَّ الله يرجع لي زمانًا ... قضيناه على رغم الرَّقيب لممشوق القوام إذا تثنَّى ... رجعت من المديح إلى النَّسيب يغيب عن النَّواظر خوف واش ... ويبرز في سويداء القلوب له منِّي المصرَّع والمقفَّى ... ولي منه معالجة الكروب واخشاه ولا الأسد الضَّواري ... فيا لله من رشأ مهيب واهون من صوارم مقلتيه ... ملاقاة الكتائب والحروب أسائل عن سواه وهو قصدي ... ولا تخفى مساءلة المريب دعا لي بالتَّسلِّي عنه قومي ... فلا تك يا إله بمستجيب فقد أيست منه ومن زماني ... بحبس الملك من فرج قريب / ١١٥ أ/ فما يوم يمر ولست فيه ... عالج للردى داعي النقيب لحاك الله من بلد خبيث ... فلست تطيب إلاَّ للغريب أإربل لا سقاك الله غيثًا ... فقد أقفرت من رجل لبيب أرى الغرّاء قد ملئت لثامًا ... وقد ضاقت على النَّصح الوهوب فما في مالكيها من معين ... على صرف الزَّمان ولا الخطوب ولا في قاطنيها اريحيٌّ ... ولا في ساكنيها من طروب ألا أخزى الإله بليد سوء ... تحكَّم فيه عبَّاد الصَّليب واجتمعنا ليلة أخرى في مجلس الصاحب شرف الدين أبي البركات فأنشدني: [من السريع] وناحل الجسم دقيق الشَّوى ... معتدل لم يحك ما فيه وصف فهو إذا أنت تأمَّلته ... بفكرة إسم وفعل وحرف

стр. 540

فما كان في الجماعة من عرفه، فلما كان بعد ساعة قال طه: قد عرفته، وأنشد ارتجالاً: [من السريع] يا شرف الدِّين الذي ليس في ... أفصاله وفضل مغناه خلف /١١٥ ب/ إنَّ الذَّي أنشده ملغزًا ... الألف المكتوب –بقيت –ألف فعجب الحاضرون من حلِّه اللُّغز وارتجاله البيتين. ولمّا حبس الصاحب شرف الدين أبو البركات بن موهوب، أنشد طه المذكور هذين البيتين: [من الوافر] أقول لصاحبي يا صاح قوِّض ... خيامك نرتجل نحو الشام فقد عزل ابن موهوب وولَّى ... وما بعد المبارك من مقام ثم سافر إلى الشام، وكتب إلى شرف الدين، وهو في الحبس كتابًا صدره بهذه الأبيات: [من الكامل] أمذكري الأوطان إنَّ لذكرها ... أرجًا يشوق إلى الدِّيار نفوسا ذكر تنيها فاجتلبت بلابلي ... ونشرت من داء الغرام رسيسا هي ما علمت منازلي زمن الصِّبا ... تجلو البدور بها عليَّ شموسا لكن لريب الدَّهر أضحت مألفًا ... وكفى بريب الدَّهر فيها بوسا الأربل الغرّاء تطلب أوبتي ... هيهات فارقت الجسوم الرُّوسا / ١١٦ أ/ كيف الرُّجوع إلى مغاني بلدة ... فارقت ماجدها بها محبوسا كبرت عزائم اهلها من برِّه ... فوشوا به للظّالمين رئيسا باعوا بدنيًا دينهم وتخيَّروا ... جهلاً على صدر الهدى قسِّيسا لا تقر عنِّي موحشات ربوعهم ... وأقر التحيَّة ربعه المأنوسا ما قبل بيت النار دهليز لها ... إلاَّ لكون السَّاكنين مجوسا عندي أبا البركات كلُّ عظيمة ... من حبسكم ما كلُّ جرح يوسى فتود نفسي لو تكون مكانكم ... وأظنها نفسًا تروم نفيسا تشكو الذي أشكو الغداة وما لمن ... أودى به فرعون إلاّ موسى وأنشدني كثيرًا من قيله في الدوبيت، وصنف له عروضًا لم يسبق إليه، وسماه

стр. 541

المخترع، وذكر فيه كثيرًا من دوبيتاته فمنها: ذا علم الحمى وذا واديه ... فاحبس نفسًا وقف بنا نبكيه ما أطيب ما كان زماني فيه ... والهفي والهفي على ماضيه ومنها: هذي عرصاتهم وهذي الدَّار ... صارت غرض الدُّموع لمّا ساروا قد كان لنا بها أحاديث هوى ... طابت فتحدَّثت بها السُّمَّار زمنها: يا واحد فيك جسدي الفاني ... والجفن عليك والبكاء إلفان والدَّهر ليدك خاضعًا الفاني ... واطول جفاك عند صبري الفاني

стр. 542

/ ١١٦ ب/ ... حرف العين المهملة حرف الظاء المعجمة فارغ لم يرد فيه شيء من الأسماء. ذكر من اسمه العباّس [٢٢٩] العبَّاس بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن العباس بن محاسن بن عليِّ بن عيسى بن موسى بن عيسى بن صالح بن عليِّ بن عبد الله بن العباس، أبو البركات ابن أبي جعفر الهاشمي العبِّاسي الحلبيُّ، الشَّريف الكاتب: فخر البيت، كان يلقب بعضرس. سمع بدمشق أبا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، وبحلب جماعة، وكان يكتب في ديوان الإنشاء بحلب، في دولة السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب. وكان له خطّ حسن، وكتابة مرضية، وكان بذيء اللسان، مغرى بهجاء الرؤساء الأعيان، وجلّ شعره ساقط رديء، ليس بالجيد السنيّ. حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي -أدام الله أيامه -/ ١١٧ أ/ من لفظه قال: سار الشريف أبو البركات عن حلب طالبًا الحج سنة ثماني وستمائة، فوصل إلى دمشق، ولم يتفق له الحجّ، وخرج منها إلى بغداد، فوصل إليها، وأقام بها مدة يسيرة، وكان كثير الهجو، فتكلم بشيء لا تحتمله أمزجة أهل بغداد، فوشى به أصدق الناس إليه، وهو الموفق المعروف بشمس كلي عينه، وكان هذا الشريف كثير الإحسان إليه إذا قدم عليه حلب، فذكر أنَّه دسّ إليه شيئًا سقاه إياه، فمات في أوائل سنة تسع وستمائة. وأنشدني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن

стр. 543

الخشاب الحلبي –أيده الله تعالى –بمنزله المعمور بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني الشريف أبو البركات العباس بن عبد الله الهاشمي لنفسه، وكتبها إلى السلطان الملك الظاهر، يطلب منه فروة: [من مجزوء الكامل] يا أيها الملك الَّذي ... لابدَّ أن يرث الممالك وأرى جميع الأرض في ... يده وليس له مشارك / ١١٧ ب/ وأرى ملوك الأرض سا ... جدًة له عند الحوالك مولاي إنَّ العبد قد ... أضحى بعيد نداك فاتك فتراه طول نهاره ... أبدًا على الكانون بارك فامنن عليه بفروة ... يحيا بها يا خير مالك أولا فمرني أن أقرِّر ... موضعًا لي عند مالك فبعث إليه فروة، فكتب إليه: [من مخلّع البسيط] تخاصمت جثَّتي وراسي ... خصومًة طيَّرت نعاسي وطال ما بينهم جدال ... بلا مراء ولا قياس فقال رأسي علام تكسى ... وأغتدي اليوم غير كاسي؟ ولم حباك الغياث دوني ... وأنت يا هذه أساسي بفروة لم يكن حباها ... الرَّشيد يومًا أبا نواس ولا ابن حمدان كان يعطي ... لو اشتهاها أبو فراس عطاء ملك جمِّ العطايا ... يصفع بالنَّعل ذا نواس فنطقت جثَّتي وقالت ... مقال طبٍّ صعب المراس / ١١٨ أ/ لولاي ما كنت أنت شيئًا ... يومي إليه بيننا الأناسي وكنت كالرَّيم ليس إلاَّ ... ذقن كبير بِّين المقاس الرّيم: يعني به رجلاً من أعيان حلب، كان يجعل الغين راء في كلامه، وكان

стр. 544

يقول في الغيم: الريم. وبعد هذا فاطلب فإنَّ السُّـ ... ـلطان يعطي بلا مكاس أبقاه ربُّ السَّما مليكًا ... مادام رضوى ثابت الأساس فبعث إليه بعمامة. ومن شعره يهجو بعض رؤساء حلب: [من الكامل] شكت ابن صقر عرسه وتظلَّمت ... عدم الجماع وقلَّة الإنفاق فأجابها بتذلُّل وتخضُّع ... والدَّمع منحدر من الآماق: (بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي ... من حلَّ قيدك أن يحلَّ وثاقي) ومن نثره ما كتبه إلى نظام الدين أبي المؤيد محمد بن الحسين بن محمد بن/ ١١٨ ب/ الحسين الطغرائي الكاتب الوزير بحلب: "مملوك مولانا الصاحب وليِّ النِّعم، لازالت أيَّامه أعيادًا، وأكنافه لمرتادي الرِّزق مرادًا، قد أبقى من حاله ما علم الصَّاحب دقيقه وجليله، وكثيره وقليله، ولا حاجة به إلى إعادة كلام، أو قول، وترقب ماليس بمأمول، لكنَّه يقصد الأخفَّ على قلب الصَّاحب والأسهل، ويعتمد الأليق بحاله والأشكل، وهو دستور مفرغ من شوائب الأراجي البعيدة المرام، المفنية عمره على مرور الأيَّام، ليتوجَّه في هذه الأرض الواسعة، ويقصد الممالك السارحة الشَّاسعة، فقد قال الطائي: (انضر الروض عازبه) وعسى ما جمل في هذه البقعة أن يتَّفق في سواها، وما اطَّرح بها أن يشرق إذا باعدها وقلاها، ولعلَّ فرجًا يلقاه، فيحمد صبحه مسراه، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يستقم له بمكَّة حال، فاستقام بيثرب، فقد

стр. 545

سئمت نفسه التقاضي بما لو علم أنَّ حاله تقف عنده، وتنتهي إليه لمات همَّا، واعتبط غيظًا وغمًا: [من الرجز] / ١١٩ أ/ لو كانت الأحلام ناجيتي بما ... ألقاه يقظانًا لأصماني الرَّدى منزلة ما خلتها يرضى بها ... لنفسه ذو أرب ولا حجا والمملوك في بعض أواله يحمل أموره على المقادير، وينتظر الفرج بالصَّبر، ويتَّخذ هذا نوعًا من العبادة، فلا يفيده ألا يقضي عمره، ودنو أجله، ويرى قومًا ليس لهم ماله من الحقوق السَّالفة والآنفة، وقد بلغوا من الأماني سماها، ومن الدَّرجات أعلاها، فيقطع نفسه أسفًا وحزنًا، ويموت حرقًا وغبنًا، ولا تسامحه نفسه بتجرع كاس الصَّبر، على معاندة الدَّهر، وقد عوَّل على الأخذ ببيت [بنت] عمرو بن الشَّريد، أعني الخنساء في قولها: [من المتقارب] سأحمل نفسي على غاية ... فإمّا عليها ومَّا لها ولقد وَّبخته نفسه منذ ليال على الإخلاد إلى الهوينا، والرِّضا بهذه الحال الحقيرة، فانشدها: لو درت فوق الفلك الدَّوَّار لم ... تزدد نقيرًا فوق ما الله رزق فأجابت بقول الطائي: [من الخفيف] / ١١٩ ب/ من أبنَّ البيوت أصبح في ثو ... ب من العيش ليس بالفضفاض والفتى من تعرَّقته الفيافي ... واللَّيالي كالحيَّة النَّضناض فأجابها بقول الآخر: [من الرجز] الرِّزق يأتيك وإن لم تطلبه ... مالك من رزقك إلاَّ تعبه فأجابته بقول الطّائي: [من الطويل]

стр. 546

وأخرى لحتني حين لم أتيع النَّوى ... قيادي ولم ينقض زماعي ناقض أرادت بأن يحوي الرَّغيبات وادع ... وهل يفرس اللَّيث الطّلا وهو رابض؟ فلمّا غلبته بحجتها، أنشدها قول أبي الشِّيص الخواعي: [من الكامل] لا تنكري وجدي ولا إعراضي ... ليس المقلُّ عن الزَّمان براضي حلِّي عقال مطيّتي لا عن قلى ... وامضي فإنِّي يا أميمة ماضي وقد بقي الأمر موقوفًا على رأي الصَّاحب، فإن رأى أن ييسر الأمر فعل منعمًا". [وكان] الجواب من الوزير أبي المؤيد –رحمه الله تعالى: - "وقفت على ما شرحه، وتبيَّنت ما أوضحه، وعجبت كلَّ العجب ممَّا أهمله. / ١٢٠ أ/ من الصَّواب واطَّرحه، وكيف يقع له أنَّ الاغتراب أجدى عليه، والضَّرب في الأرض أصون له وأحب إليه، فلا إله إلاَّ الله. أيُّها السيِّد، أنت تعلم ما ألتزمه من صونك، وأتوخَّاه من مصالحك، وما احرص عليه من إصلاح شأنك، وأنت من الضَّجر والقلق على مثل حالك، فكيف إذا نبت بك الدَّار، وتقاذفت بك الأقطار، وأصبحت على أبواب غريبة وعند أقوام أجانب لا يعرفون قديمك، ولا يكرمون حديثك، ولا يراعون ما يجب لك من حرمة، ولا يفهمون ما عندك من فضيلة، وتطير حينئذ بخبرك عنقاء مغرب، ويذهب بتجلُّدك وبحلمك اليسير ما تلقى به من اطراح جانبك، وتكون قد سعيت لتعزَّ فتعجَّلت المذلَّة، وفي المواعظ القديمة:

стр. 547

النَّاس من خوف الفقر في الفقر، ومن خوف الذلِّ في الذُّل، اللَّهمَّ إلاَّ أن يكون غرضك التَّخلِّي والعزلة، والرُّجوع إلى ما يجب على كلِّ ذي لبٍّ، وبصيرة من اطِّراح الدُّنيا، والسَّعي في ترك عاجلها الفاني، وذلك أمر ميسَّر لك في وطنك، وممكن لك بين / ١٢٠ ب/ إخوانك وخلاَّنك، إلا أن يكون قد اشتعلت في قلبك نار المحبَّة، ورميت شياطين شهواتك لشهب الاصطفاء والمكاشفة، فيحملك ذلك على أن تسرح في الجبال، ويسهل لديك صعب المعاش، وما أرى لذلك أمارة تدلُّ عليه، ولا حالاً تشير إليه، والصَّواب الَّذي أراه لسيِّدنا فخر الدِّين، أن يستقيم على الطَّريق، ولا يتابع نفسه لما يخطر له من هذه الأحاديث اللَّيليَّة التي تمرُّ بخاطره في وقت السَّحر، فإن سببها اهتياج أخلاط، واضطراب بخارات، واصطفاق أجرام، وتموج رطوبات، تثير ضبابًا يرين على القلب، ويغشى نور الفكر، وهو بسعادته إذا نظر إلى ما هو حريص على طلبه، بعين الحقيقة رآه دون هذه النِّعمة التي قد سهل عليه [أن] بدّلها باديًا، ويعزُّ عليه التَّفريط في اليسير منها عائدًا. فالله الله من العمل بالرأي البادي، والإجابة لأوَّل الدَّاعي، وعندي له ما يؤثره من سعي أبلغ فيه الغاية التي يتَّضح معها العذر، ويقوم عنده بها عليَّ بذل الجهد، والدَّليل على ما تبعده عنه الحصول على غرضه إن شاء الله تعالى".

стр. 548

ذكر من اسمه عبد الله [٢٣٠] عبد الله بن محاسن بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك بن عليٍّ بن محمَّد، أبو عليٍّ العباسيُّ الحلبيُّ: أنشدني لنفسه بحلب المحروسة، بمنزله يوم الأحد سنة سبع وثلاثين وستمائة، ما كتبه إلى والده الشريف أبي عليّ، يلتمس منه ثوبًا: [من البسيط] وقائل قال لي يومًا وقد بصرت ... عيناه ثوبي رثّا ماله خطر أرى ثيابك قد أودى الزَّمان بها ... كأنَّها رسم دار دارس دثر لم يبق منها البلى شيئًا فتدركه الأ ... بصار بل دقَّ عن إدراكها البصر فقلت والقلب فيه النّار تستعر ... والدَّمع من فرط ما أبكاه ينحدر رثاثة الثوب لا تزري بلابسه ... لا تزري به الذِّكر وأنشدني أيضًا لنفسه من نظمه ما كتبه على ظهر تقويم أهداه إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن غازيي بن يوسف بن أيوب بن شاذي أعّز الله نصره: [من مجزوء الرجز] يا ملكًا فرع ملك ... أعطاك رِّبي أملك وصيَّر الله ملو ... ك الأرض جمعًا حولك مملوكك الداعي الشَّريـ ... ـف [آمل أن] يسألك قبول ما أهداه من ... لطيف [تقويم الفلك] وأنشدني أيضًا: [من الكامل] يا مالكًا تنهلُّ سحب نواله ... فينا إذا ما العام عمَّ بجدبه أنت الذي يفني ويغني بالنَّدى ... والبأس في يومي عطاه وحربه فعلى الموالي نعمة من ماله ... وعلى المعادي نقمة من عضبه

стр. 549

[قد جاءك] الفيروز .. يوسف ... لازالت طول الدهر مسعودًا به [٢٣١] /١٢١ أ/ عبد الله بن علاَّن بن زاهر بن عمر بن أحمد بن علاَّن بن رزين، أبو الفضل بن أبي الحسن الواسطيُّ الخواعيُّ: هكذا قرأت نسبه من خط يده، ذكر أبو عبد الله [ابن] الدُّبيثي أنَّه من أولاد رزين، ابن أخي دعبل بن علي الخزاعي الشاعر. وكانت ولادته في عاشر ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وستماية. زعم أنه سمع أبا جعفر المبارك بن أحمد بن زريق الحداد الواسطي المقرئ إمام الجامع بواسط العراق، وأبا بكر عبد الله بن منصور بن عمران الباقلاني، وأبا الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الصولي، والشريف نقيب العباسيين أحمد بن محمد بن عبد العزيز الهاشمي ببغداد، وأبا يعلى حيدرة بن بدر الرشيدي الهاشمي الخطيب، وأبا الفضل محمد بن نصر السلامي البغدادي الحافظ، وأبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان بن البطي، وأبا عبد الله محمد بن محمد المروزي العجلي، وأبا المظفر يوسف بن عبد الله بن الظريف/ ١٢١ ب/ الشاه بوري،

стр. 550

وأبا الظفر يوسف بن فضل الله بن يحيى وغيرهم. روى عنه القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي الحنفي –أدام الله أيامه-، والصاحب أبو البركات المبارك [بن] أحمد بن المبارك المستوفي الإربلي، وغيرهما. وكان يلقب بشاشل. سمع كثيرًا من كتب التفسير والحديث، والأخبار والسير والمغازي ورواها، وصنف كتبًا عدة، ومن تصانيفه كتاب: "اللباب في تحرير الكتاب"، وهو ثماني مجلدات، وكتاب "جواهر الحكم وتواريخ الأمم وسير ملوك العرب والعجم"، وهو خمس عشرة مجلدة، وكتاب "حماسة العرب وأيام العرب"، وهو عشرون مجلدًا، وكتاب "التبيين في سير الملوك والسلاطين"، وكتاب "الغرر والبدر في سيرة خيرة الخير وصفوة البشر ﷺ "، وهو خمس مجلدات وكتاب "مختصر الغرر والبدر"، مجلد، وكتاب "الممدود/ ١٢٢ أ/ والمقصور"، مجلدان، وكتاب "المسألة الأتابكية العزّية في الصفات الإلهية"، وكتاب "التنبيه بالرّد على من قالبالتشبيه"، صنفه لأتابك عّز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، وكتاب "الإشارة في تدبير الوزارة"، وكتاب "الجمع بين الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول"، وكتاب "المدح والفصل في سيرة ملوك العدل"، وكتاب "مختصر الحكم" مجلد، وكتاب "الدرّ الثمين في مدائح بدر الدين صاحب الموصل". وهذه أسماء الكتب التي ذكرتها نقلتها من كراسة هي بخط يده، ولم يقع إليّ شيء منها سوى كتاب "الدرّ الثمين". حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد العقيلي –أسعده الله تعالى- من لفظه قال: قدم عبد الله بن علان حلب مرارًا، وكان أقام بحماة مدة في خدمة الملك المنصور محمد، وذكر لي أن مولده سنة خمس وثلاثين وخمسمائة إن صدق، وكان كذابًا، يدعي أنه سمع أبا الوقت وغيره، وقفت/ ١٢٢ ب/ على طبقات وأثبات زورها بخطه، وآفة كذبه جهله، فإنه خلط في أسانيدها، والشيوخ الذين ادّعى أنه سمعهم، وغرّ جماعة من طلبة الحديث، فسمعوا منه بالموصل وغيرها، ثم قال: أنشدني

стр. 551

لنفسه: [من مجزوء الكامل] يا مشبه القمر المنير ... هل من صدودك من مجيز؟ قسمًا بما في فيك من ... شنب ودرٍّ مستنير وبورد خدَّيك اللَّذيـ ... ـن يضاهيان الورد جوري وبماء آس في عذا ... رك اخضر غض مطير وبنفسج في مقلتيـ ... ـك ونرجس رغد نضير صل عاشقًا صبًا فذكـ ... ـرك يا منى قلبي سميري وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –أبقاه الله تعالى- قال: أنشدني أبو الفضل بن أبي الحسن لنفسه في الثامن عشر من صفر سنة خمس عشرة وستمائة: [من الكامل] ملك يذمُّ من الزَّمان وخطبه ... إن أخفرت نوب له وخطوب / ١٢٣ أ/ لو تستجير به الغصون وقضبها ... ما راعهنَّ من الرِّياح هبوب وإذا يسالمه امرؤ هو سالم ... ومحاربوه فكلُّهم محروب وإذا نحا نحو القتال فسيفه ... رفع ورأس عدوِّه منصوب مازال فرَّاج الصُّفوف وفارجًا ... إذ يستجير ببأسه مكروب نصر الإمام بقوله وفعاله ... وجيوشه والرأي منه مصيب لكم تحلَّت بالمهابة والتُّقى ... ولكلِّ ما تحوي يداه وهوب ملك فلا مثل ولا ضرب له ... والناس أمثال لهم وضروب ملك رحيم بالبريَّة عادل ... برٌّ رؤوف عالم يعسوب الفائت الطُّلاب عن إداركه ... والمدرك الغايات وهو طلوب وقعاته فيها الحوائم وقَّع ... وعلى الجداول من ظباه تلوب وكجامد الجلمود قلبًا في الوغى ... وبكفه ماء النَّوال يذوب

стр. 552

[٢٣٢] عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع، أبو محمَّد/ ١٢٣ ب/ ابن أبي محمَّد الأسديُّ: من أهل حلب، القاضي الإمام الفقيه الشافعي المدرس، كان والده وعمّه أحمد وجدّه من المشايخ الأتقياء العلماء بالحديث والقرآن، وكل كلّ منهم يشار إليه في الصلاح والعبادة، وفعل الخير. والقاضي أبو محمد هذا سمع الحديث من أبيه وأبي الفرج الثقفي، وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، والقاضي أبي القاسم عبد الصمد الحرستاني، وقاضي دمشق أبي المعلي محمد بن علي القرشي، وحنبل المكبّر، والقاضي أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، وغيرهم، وهم

стр. 553

كثيرون. واستنابه أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم القاضي، في التدريس والحكم، وكان زوج أخته، ولما توفي قاضي القضاة أبو المحاسن، قلّده الملك العزيز غياث الدين أبو المظفر محمد بن غازي بن يوسف –﵀ القضاء بمدينة حلب في أعمالها، وذلك في يوم الجمعة الرابع عشر من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. واستمرَّ في القضاء، وعلت منزلته عنده، واحترمه احترامًا وافرًا، / ١٢٤ أ/ وأنفذ رسولاً إلى دمشق ومصر وبغداد، واعتمد عليه في مهماته وأموره. ولمّا توفي الملك العزيز، أقرّ على ما هو عليه، ولم يغير عليه شيء من أمور القضاء، وازداد كلّ يوم يأتي من الوجاهة والتقدم، وصار يشاور في الأمور، يؤخذ برأيه، ويرجع إلى قوله. وكان رجلاً كامل العقل، وافر الفضل، على غاية ما يكون من الورع والدين، وصحة العقيدة، وصدق النفس. لقيته بمحروسة حلب، وقرأت عليه جزءًا من الحديث النبوي، وأربعين حديثًا من تأليفه، وسألته عن ولادته، فذكر أنه ولد في سنة ثماني وسبعين وخمسمائة. وتوفي بحلب المحروسة ليلة السبت، السادسة عشرة من شعبان، صلاة عشاء الآخرة سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأخرج يوم السبت ضاحي نهاره، فصلّى عليه بالمسجد الجامع أخوه القاضي أبو البركات محمد بن عبد الرحمن، وحمل إلى مقبرة الجبيل شمالي البلد، فدفن بتربة لهم، وكان قد أصابه قولنج قبل موته بأعوام، وكان يخفيه، وشيَّع السلطان الملك الناصر/ ١٢٤ ب/ صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب –خلد الله ملكه- جنازته، وكذلك أمراء الدولة، وأرباب المناصب، والمتصرفون، والفقهاء،

стр. 554

والصوفية، وعامة البلد، ولم يتخلف يومئذ عن جنازته إلاّ اليسير من الناس، وكان ذلك اليوم يومًا مشهودًا، من كثرة الخلق، وشدّة الزحام، والتمسك بنعشه، والتبرك به، والانعكاف عليه، والغلبة والجمع العظيم، فأوسعه الله رحمة ورضوانًا، وتغمده برحمته وغفرانه إنه سميع مجيب. حثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي جرادة القيه الحنفي المدرس –أيده الله تعالى- قال: اجتمعت بالقاضي أبي محمد بحمص، وقد وافاها رسولاً، وأنا مجتاز إلى دمشق، وأقمت معه أيّامًا، ثم ودعته، وسرت إلى دمشق، ورجع بعدي إلى حلب، فكتب إليّ بهذه الأبيات إلى دمشق: [من الطويل] إلى الله أشكو ما وجدت من الأسى ... بحمص وقد أمسى الحبيب مودِّعا وأودع في العين السُّهاد وفي الحشا ... اللهيب وفي القلب الجوى والتَّصدُّعا / ١٢٥ أ/ ولله أيام تقضَّت بقربه ... فيا طيبها لو دمت فيها ممتَّعا ولكنَّها عمَّا قليل تصرَّمت ... فأصحبت منبتَّ السُّرور مفجَّعا وقد كان ظنِّي أنَّ عند قفولنا ... إلى حلب ألقى من الهمِّ مفزعا فلمّا رأيت الدَّار هيَّج منظري ... إليها حنينًا كامنًا وتوجُّعا فأنشدت بيتي شاعر ذاق طعم ما ... شربت بكاسات الفراق تجرّعا: (فلا مرحبًا بالرَّسم لستم حلوله ... ولو كان مخضرَّ الجوانب ممرعا) (ولا خير في الدُّنيا ولا في نعيمها ... إذا لم يكن شملي وشملكم معا) وأنشدني القاضي أبو القاسم قال: أنشدني القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن من شعره: [من الطويل] أنزِّه نفسي عن أمور شهيَّة ... وأكبحها عن أن تنال المطامعا مخافة أن تعتاد نيل مرادهًا ... فأصبح من كأس المذلَّة كارعا وأن مبيت الحرِّ جيعان قانعًا ... أعزُّ له مما إذا بات خانعا

стр. 555

[٢٣٣] عبد الله بن عليٍّ، الدُّونيُّ الأصل/ ١٢٥ ب/، البغداديُّ المولد والمنشأ، أبو محمَّد: كان شيخًا لطيفًا، كيِّسًا، عنده أدب، وفيه فضل ودعابة وخلاعة، وهزل، يحذو حذو ابن الحجاج في فنونه. ومن شعره يمدح المستنصر بالله أبا جعفر المنصور بن محمد –خلد [الله] دولته: - [من الطويل] إلى كم بقلبي للغرام لمام ... وللعشق فيه موطن ومقام؟ كأني في عصر الشَّبية راتع ... ولي من قواه شرَّة وعرام أدلُّ بريعان من العمر مقبل ... وفي قبضتي ممَّن أحبُّ زمام وأسحب مرط اللَّهو في مربع الصِّبا ... ولي بمغانيه هوى ولزام أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي ... وأصبح أحوى الفود وهو ثغام؟ بددا صبح شيبي في مطالع لمَّتي ... فعادت نهارًا منه وهي ظلام وودعني عصر التَّصابي مفارقًا ... فخلف داء الشَّيب وهو سقام على عصر أيام التَّصابي وطيبه ... وما نلت من وصل الحبيب سلام فلا أذني تصغى إلى شدو مطرب ... يذلُّ لديه معبد ويضام وكيف أرجِّي وصل حسناء غادة ... وبين مشيبي والشباب خصام ولكنَّني استغفر الله جاهدًا ... فكلُّ غضارات الشَّباب أثام

стр. 556

/ ١٢٦ أ/ وامدح مولى النَّاس شرقًا ومغربًا ... ومن طؤره في الحلم ليس يرام إمامًا حوى شمل المناقب واغتدى ... لكلِّ زمان في يديه زمام شموس هداة في الممالك طلَّع ... وغيث نداه للعفاة سجام فلا جود إلاَّ وهو من سيب كفِّه ... يسحُّ على الأقطار منه رهام لكلِّ زمان أمَّة وإمام ... به حجَّة الدِّين الحنيف تقام ومستنصر بالله دام انتصاره ... لكلِّ إمام في العصور إمام رضاه حياة للوليِّ وسخطه ... لسائر من يشنا علاه حمام فلا زلت للإسلام خير خليفة ... لك الملك عبد والزَّمان غلام [٢٣٤] عبد الله بن عمر بن أبي الفرج بن عبد الله، أبو بكر الأروجاني: شاب فاضل، مليح الخط، صحيح الضبط، ذو عقل وديانة، وتعفف وصيانة، وهو أحد المتفقهين بالمدرسة النظامية بمدينة السلام، له قصيدة بمدح المستنصر –خلد الله ملكيه- أولها: [من البسيط] بين الخميسين والهنديَّة القضب ... والأعوجيَّة ترداد القنا الأشب / ١٢٦ ب/ ومنها: وسر بنا طالبي مجد ومنزلة ... مستمطيين ظهور الأنيق الحدب واقصد بنا وجهة الزَّوراء نحو حمى ... المستنصر المالك المنصور ذي الحسب ملك تظل ملوك الأرض طائعة ... له وذاك لها من أفضل القرب ملك الملوك تسامى أن يقاربه ... ملك وأنِّي يقاس النَّبع بالغرب؟ إن ينتسب يوم فخر تلف نسبته ... موصولًة بالنَّبيِّ المصطفى العربي ومن يكن جدُّه العبَّاس منتسبًا ... إلى الرَّسول يكن من أكرم النَّسب حاز المفاخر والمجد الأثيل وما ... شد الخلائف قدمًا عن أب فأب وضم شمل العلا من بعد ما انصدعت ... فيما مضى فغدت مشعوبة الشُّعب يا ابن الخلائف والقوم الذين سموا ... على السِّماك وحازوا خير محتقب

стр. 557

فخرًا مليك الورى إذ ليس مفتخر ... لفخر آبائك الصِّيد الألى النُّجب هم منار الهدى من يعتلق بهم ... فقد حوت راحتاه أعظم السَّبب بهم تجلَّى عن الإسلام غيهبه ... وذل كلُّ عنيد مارد شغب هل في الورى من يجازيهم بمكرمة ... أم من يساجلهم في الفضًل والأدب؟ وحسبهم مفخرًا ما شاده لهم ... المنصور من كلِّ مجد باذخ العذب / ١٢٧ أ/ حوى الحجى والتُّقى والفضل واكتسبت ... كفَّاه من كلِّ برٍّ خير مكتسب ما أعمل الرأي في أمر يسدِّده ... إلاَّ وأعملت الأعداء في الهرب ولا امتطى كفُّه يومًا مطا قلم ... على الكتائب إلاَّ ارتعن للكتب [٢٣٥] عبد الله بن عليِّ بن نصر بن عقيل بن أحمد بن عليِّ العبديُّ، المعروف بابن القيريني: من أهل واسط. وهو أخور الشاعر المجيد، أبي علي الحسن بن علي، وقد ذكرته في كتاب "تحفة الوزراء" المذيل على معجم الشعراء. وكان عبد الله هذا يلقب بالصّارم، وهو شاعر كثير الشعر، لم يلحق طبقة أخيه في الفضل والأدب، لكنّ شعره لا بأس به. خرج عن مدينة واسط، وتوجه إلى البلاد الشامية، وامتدح الأمراء والملوك والرؤساء، ثم سكن بالآخرة مدينة حلب، وتوفي بها في سنة ستّ أو سبع وستمائة، هكذا أخبرني بوفاته الوزير أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم القفطي. ومن شعره يمدح الملك المنصور ناصر الدين أبا المعالي محمد بن عمر بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي صاحب حماة: [من مجزوء الرجز]

стр. 558

/ ١٢٧ ب/ كم برسوم لعلع ... من البدور الطُّلَّع يمنعن أقمار السَّما ... ء في الدُّجى عن مطلع نواعم رواتع ... أكرم بها من رتّع كلُّ رداح كالقضيـ ... ـب سهلة المقنَّع تصمي القلوب بسها ... م من خلال البرقع صحيحة لا تأتلي ... عن قلبي المصدَّع واحر قلبي لبرو ... دريقها الممنَّع وآومن ذكر لييـ ... ـلات الحمى والأجرع لهفي على تفريق طيـ ... ـب شملي المجمع وما جلا بذلك الـ ... ـمصطاف والمرتبع منازل غيَّرها ... مرُّ الرِّياح الأربع واستبدلت بعد الأنيـ ... ـس بالغراب الأبقع وبالقيان أنَّة ... القرغل والسَّمعمع تعدُّ بعد أهلها ... من الدِّيار البلقع أندب ماضي زمن ... بربعها لم يرجع / ١٢٨ أ/ واستهلُّ في ذرى ... تلك الرسوم ادمعي ولم أجد للعذل في ... سلوِّهم سمعًا يعي لا والأمام الطَّاهر الـ ... ـمولى البطين الأنزع الطَّاهر الآباء والـ ... ـمغامر السميدع وقالع الباب الَّذي ... بغيره لم يقلع ومن له فضائل ... بمثلها لم يسمع وسالك الوليَّ في ... نهج الطَّريق المهيع صنو النَّبيِّ العلم الـ ... ـمكرَّم المشرِّع

стр. 559

معاشر بحبِّهم ... آمن يوم مفزعي ومن ندى محمَّد ... منزلة المنتجع الملك المنصور ذي الـ ... طَّول الجزيل الأرفع وطود بأس وحجى ... بالخطب لم يزعزع جامع فضل بسوى ... علاه لم يجمَّع بالبأس والنَّوال والـ ... إحسان والتَّورع ذو مقول يخرس كـ ... ـلَّ مفصح ومصقع / ١٢٨ ب/ كهف العفاة ملجأ الـ ... ـخائف والمنقطع مردي الكماة بالموا ... ضي والرِّماح الشُّرَّع سل عنه في يوم النِّزا ... ل بالقنا المزعزع هل غيره كان المجيـ ... ـب في الوغى إذا دعي؟ أم كشفت غمامها ... بالبطل السرعرع؟ من ردعت سيوفه ... في الرَّوع من لم يردع فاتح أبواب الرَّجا ... ء للورى والطمع فما لهم عن قصد با ... ب داره من مطمع وله أيضًا فيه من قصيدة أولها: [من الطويل] لكسب العلا ولمجد ما أنا واجد ... وللسَّبق في نيل المنى ما أكابد أنا ابن طراد الخيل إن أحجم الورى ... وإن اقتروا أو ضنت السحب جائد تروع بي الخطِّيُّ وهي شوارع ... وترهبني الأسياف وهي حدائد ويخضع ممن بأسي لدى الرَّوع معشر ... قلوبهم يوم الجلاد الجلامد ومنها في المديح: فحتَّى م أرضى من زماني ببلغة ... وللّيث في برديَّ قلب مجالد؟ / ١٢٩ أ/ وللملك المنصور منِّي مواهب ... ومد مديد زاخر الجود زائد؟ مليك جواد والملوك كثيرة ... ولكنَّه في فعله اليوم واحد يجود على قاصي البلاد وقاصد ... ليهنك قاص من نداه وقاصد ومن جمع الحمد الجزيل بجوده ... وشتت جمًع المال فالمال شارد

стр. 560

تفيدك رؤياه إذا ما رأيته ... فرويته للوافدين فوائد فقد حقَّق الآمال فيك بأسرها ... فأرقل يبغي الجود من هو واجد يدلُّ على إنعامه بشر وجهه ... كذا البرق قبل القطر للقطر رائد وما روضة حلَّ الرَّبيع ربوعها ... عن السَّفر منها برزخ متباعد سقتها جفون المزن غير جوامد ... زمانًا فجفن الزَّهر سهران جامد تغنَّت بها ورق الحمام فساجع ... على أثله أو نازح الوكر فاقد تؤرِّجها ريح الصَّبا بهبوبها ... وما نفحت إلاَّ لليهتاج واجد كأنَّ ثراها عنبر وغصونها ... لثقل ثمار الحمد قوم سواجد بأطيب عرفًا من تأرُّج غرسه ... ومن ذكره تبدو النُّهى والمحامد [٢٣٦] عبد الله بن عيسى: أنشدني الشيخ العالم الأجلّ زين الدين أبو محمَّد، عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن محمد بن هبة الله بن علي بن أبي عيسى، واسمه الفضل بن إبراهيم ...... لنفسه بمدينة السلام غربيها: [من الخفيف] كلَّما جاءني كتابك أبدى ... لي فنًا من السُّرور غريبا وكأنِّي مواصل كلَّ يوم ... بمواتاته بقلبي حبيبا لم تشفني ......... ... .................. وأنشدني ما كتبه إلى بعض الفضلاء: [من الكامل] صحبت ركابك حيث سرت ثلاثة ... عز وتأييد ومجد معرق وغدت تسايره السعادة والعلا ... ويؤمه رأي أعزّ موفَّق يا من به حسن الزمان ... ... عمرو العلا يتألق ها أنت أرأف بالرعية من أب ... وأخي منه على بنيه وأشفق ان شيد .... الألى لكم علاً ... فلما بنيت شدت منه أوثق

стр. 561

مجدك قد تضوّع في .... ... وعلا بذلك ..... ومعرق وأنشدني .... ما كتبه إلى مؤيد الدين أستاذ الدار العزيزة، وهو أبو طالب محمد بن أحمد بن علي العلقمي: [من الطويل] وقد قالت الآمال لي قول صادق ... شفيق نصوح في المقال مسدَّد تمسَّك إذا ما الدهر ساءك فعله ... ...................... محمد بأشرف أبناء الزمان خلائقًا ... وأكرم فرع في العلاء ومحتد ترد منهلاً عذبًا نميرًا ونائلاً ... غزيرًا وجودًا غامرًا كلَّ مجتدي وغير بديع أن .......... ... ......... نجل العلقمي المؤيد إذا ما اقتنى الأقوام قوم فإنَّه ... يرى الحمد أبقى من لجين وعسجد وكتب لي ........... : [من البسيط] .................... ... عضوًا سليمًا من الأوصاف والألم ولم تدع في منيع العزّ جارحًة ... جلبته من أذى الأوجاع والسَّقم فلا تعدَّتك ألطاف الإله ولا ... برحت من حادث الأيام في حرم ولا وهى لك مجد لم تزل أبدًا ... تشيده بجميل الصفح والكرم ودمت يا خير من يرجى البقاء له ... مؤيد ...... سائر الأمم في دولة جعل الله الزمان لها ... عبدًا وأبناؤه من أصغر الخدم [٢٣٧] عبد الله بن علي بن سعد بن المرزبان، أبو جعفر الواسطيُّ. شاب كيّس من أبناء المتصرفين بواسط وكبرائها، شاهدته لما انحدرت صحبة الأمير العادل ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا –أدام الله تأييده- إلى بلاد البطائح التي أقطعه إياها أمير المؤمنين المستنصر بالله –رضوان الله عليه- وذلك في سنة تسع

стр. 562

وثلاثين وستمائة، اجتزنا بواسط، فورد عليه أبو جعفر بن المرزبان هذا مهنئًا بالقدوم، فاجتمعت به ساعة، وأنشدنا قطعًا من شعره، ولم يكن في الوقت سعة لأعلقها عنه، ورأيته شابًا فصيحًا، وسألته عن ولادته فقال: ولدت في صفر سنة تسع وستمائة، له يد في صناعتي النظم والنثر، وذكر لي أنه قد عمل عدّة كتب ليتقدم بها للديوان المستنصري، وأنه يفد في كلّ عام بتصنيف من تصانيفه إلى مدينة السلام فيخدم به المواقف المقدسة المستنصرية، فيثاب عليه جبّة وعمامة ومائة دينار، وصارت له رسمًا يتناوله في كل سنة، ومن كتبه "كتاب جواهر فصول البان في تفاخر فصول الزمان" يتكلم على الفصول الأربعة فيها على الربيع والأزهار والأطيار وعلى ألسنة بعضها بعض والمفاخرة بينهم، و"كتاب السعادة الفانية" يحتوي على أربع مجلدات، وقسّمه فصولاً أربع منها "كتاب العارف والغارف" وهو كتاب النور وما يتعلق به، و"كتاب اعتقاد .... " يفصح عن وصف الهواء وما يتعلق به، و"الكتاب السائح والصالح" و"كتاب الراغب والراهب" و"كتاب معادن الحكم الفكرية في محاسن القيم المستنصرية" و"كتاب ...... إمام العصر" و"كتاب المفاتح الفطرية في المدائح المستنصرية". ثم شاهدته مرة ثانية بمدينة السلام مطالبًا برسمه في الديوان المستنصري، وعاقني عن ذلك ..... قوله: [من الطويل] ................... أنين ... ولواعج موصولة وحنين وإلى مغاني الغانيات بواسط ... قلب ......... شجى وشجون يا ساكني بطن العقيق تعطَّفوا ... فالقلب في أسر الغمام رهبن ............... ترزي به ... نزلت ركائبكم ............. يشنِّف قلبي حبّكم فكأنَّه ... ليلى وحبَّة قلبي المجنون

стр. 563

[٢٣٨] عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن الحسن بن عبد الله، أبو محمَّد الموصليُّ المعروف بابن الكردية: شاب كيّس خطير، اشتغل بشيء من الطبّ وتفقّه، وعنده فضل وسيرة، منحوس الحظّ من زمانه ذو فاقة وفقر. أخبرني أنَّه ولد بالموصل في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، نبا به وطنه إلى الشام، فنزل بحلب، وأقام ببعض مدارسها مرتزقًا من ذلك من الوراقة، وربّما أنشأ أبياتًا امتدح بها الرؤساء، وفتح له بها مكتبًا يعلم فيه الصبيان، وقد تأكدت بيني وبينه معرفة. أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الوزير مؤيد الدينأبي نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم القفطي –أسعده الله تعالى: -[من الخفيف] قلت للدَّهر ما الذي يصلح العا ... لم إن حلَّ حادث يعتريه قال: سعد السُّعود في فلك الإقـ ... ـبال أعني مؤيد الدِّين فيه كيف لا يطرق الزمان ارتياحًا ... وله الأمن من فساد بنيه؟ بعلى الصَّاحب الذي ملك الفضـ ... ـل .......... يوليه سل به ماجدًا فما خاب من ... ... .... معه آمل يرتجيه [٢٣٩] عبد الله بن محمَّد بن فتيان/ ١٢٩ ب/ أبو محمَّد الجزريُّ. من أهل الجزيرة العمرية. قد ذكرت والده في كتاب (تحفة الوزراء) المذيل على معجم الشعراء. وابنه هذا كان شاعرًا مطبوعًا، ذا شعر رقيق، يغنّى بأكثره، وله في معز الدين

стр. 564

سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الجزيرة عدّة قصائد، ولم يقع إليّ من شعره إلاّ ما أنا ذاكره. أنشدني الأمير الحاجب أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان العقيلي الجزري بحلب المحروسة قال: أنشدني عبد الله بن فتيان لنفسه ابتداء قصيدة: [من الكامل] صدَّ الأحبَّة واستباحوا جفوتي ... ونأوا فصدَّ خيالهم عن مقلتي وتعمَّدوا قتلي بغير جناية ... واسحَّ يوم البين صيِّب عبرتي يا سادتي وأعزَّ خلق الله في ... قلبي وإن عمدًا أطالوا جفوتي إن كان لا يرضيكم إلاَّ دمي ... فالله فد أبراكم من ديَّتي [٢٤٠] عبد الله بن أحمد [بن] محمَّد/ ١٣٠ أ/ بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله، أبو محمَّد المقدسيُّ. هكذا أملى عليّ هذا النسب حفيده بمدينة السلام. الشيخ، الموفق، الفقيه. ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، سمع الحديث ببغداد من أبي الفتح بن

стр. 565

البطّي، ويحيى بن ثابت، وتفقه بها على مذهب الإمام أحمد –﵁: وعاد إلى دمشق، وصنّف، وحدث، وانتفع به خلق كثير، وتوفي بها يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بجبل قاسيون –﵁. وكان إمامًا ثقة، قارئًا دينًا، تاليًا لكتاب الله تعالى، صاحب كرامات ظاهرة، وكان مفتي زمانه على المذهب الأحمدي بالشام. ومن تصانيفه كتاب: "الانتصار في أسماء الأنصار"، وكتاب "التبيين في أسماء المهاجرين"، وكتاب "الكافي في الفقه"، معلل، وكتاب "المغني"، أيضًا في الفقه، وكتاب "المقنع"، وكتاب/ ١٣٠ ب/ "العمدة"، وكتاب "التوّابين"، وكتاب "مختصر غريب أبي عبيد القاسم بن سلام". وله أشعار، كان ينظمها على طريقة أهل المعرفة، وذويي الأحوال، أنشدني أبو العزّ المفضل بن علي بن عبد الواحد المصري قال: أنشدني الشيخ الموفق لنفسه: [من الطويل] ابعد نزول الشّيب أعمر منزلاً ... سوى القبر إنّي إن فعلت لأحمق! ؟ يخبرني شيبي بأنِّي ميِّت ... وشيكًا وينعاني إليَّ فيصدق يخرِّق عمري كلَّ يوم وليلة ... فهل مستطيع رفو ما يتخرَّق؟ إذا سئلوا عنِّي أجابوا واعولوًا ... وأدمعهم يجرين هذا الموفَّق وشالوا سريري ثمَّ ساروا فأسرعوا ... ونودي ألاَّ تعجلوا وترفَّقوا وغيِّبت في صدع من الأرض ضيَّق ... وأودعت لحدًا فوقه اللّبن مطبق
следующие страницы →