Полный текст (2 778 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
مجدك قد تضوّع في .... ... وعلا بذلك ..... ومعرق
وأنشدني .... ما كتبه إلى مؤيد الدين أستاذ الدار العزيزة، وهو أبو طالب محمد بن أحمد بن علي العلقمي: [من الطويل]
وقد قالت الآمال لي قول صادق ... شفيق نصوح في المقال مسدَّد
تمسَّك إذا ما الدهر ساءك فعله ... ...................... محمد
بأشرف أبناء الزمان خلائقًا ... وأكرم فرع في العلاء ومحتد
ترد منهلاً عذبًا نميرًا ونائلاً ... غزيرًا وجودًا غامرًا كلَّ مجتدي
وغير بديع أن .......... ... ......... نجل العلقمي المؤيد
إذا ما اقتنى الأقوام قوم فإنَّه ... يرى الحمد أبقى من لجين وعسجد
وكتب لي ........... : [من البسيط]
.................... ... عضوًا سليمًا من الأوصاف والألم
ولم تدع في منيع العزّ جارحًة ... جلبته من أذى الأوجاع والسَّقم
فلا تعدَّتك ألطاف الإله ولا ... برحت من حادث الأيام في حرم
ولا وهى لك مجد لم تزل أبدًا ... تشيده بجميل الصفح والكرم
ودمت يا خير من يرجى البقاء له ... مؤيد ...... سائر الأمم
في دولة جعل الله الزمان لها ... عبدًا وأبناؤه من أصغر الخدم
[٢٣٧]
عبد الله بن علي بن سعد بن المرزبان، أبو جعفر الواسطيُّ.
شاب كيّس من أبناء المتصرفين بواسط وكبرائها، شاهدته لما انحدرت صحبة الأمير العادل ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا –أدام الله تأييده- إلى بلاد البطائح التي أقطعه إياها أمير المؤمنين المستنصر بالله –رضوان الله عليه- وذلك في سنة تسع
стр. 562
وثلاثين وستمائة، اجتزنا بواسط، فورد عليه أبو جعفر بن المرزبان هذا مهنئًا بالقدوم، فاجتمعت به ساعة، وأنشدنا قطعًا من شعره، ولم يكن في الوقت سعة لأعلقها عنه، ورأيته شابًا فصيحًا، وسألته عن ولادته فقال: ولدت في صفر سنة تسع وستمائة، له يد في صناعتي النظم والنثر، وذكر لي أنه قد عمل عدّة كتب ليتقدم بها للديوان المستنصري، وأنه يفد في كلّ عام بتصنيف من تصانيفه إلى مدينة السلام فيخدم به المواقف المقدسة المستنصرية، فيثاب عليه جبّة وعمامة ومائة دينار، وصارت له رسمًا يتناوله في كل سنة، ومن كتبه "كتاب جواهر فصول البان في تفاخر فصول الزمان" يتكلم على الفصول الأربعة فيها على الربيع والأزهار والأطيار وعلى ألسنة بعضها بعض والمفاخرة بينهم، و"كتاب السعادة الفانية" يحتوي على أربع مجلدات، وقسّمه فصولاً أربع منها "كتاب العارف والغارف" وهو كتاب النور وما يتعلق به، و"كتاب اعتقاد .... " يفصح عن وصف الهواء وما يتعلق به، و"الكتاب السائح والصالح" و"كتاب الراغب والراهب" و"كتاب معادن الحكم الفكرية في محاسن القيم المستنصرية" و"كتاب ...... إمام العصر" و"كتاب المفاتح الفطرية في المدائح المستنصرية".
ثم شاهدته مرة ثانية بمدينة السلام مطالبًا برسمه في الديوان المستنصري، وعاقني عن ذلك ..... قوله: [من الطويل]
................... أنين ... ولواعج موصولة وحنين
وإلى مغاني الغانيات بواسط ... قلب ......... شجى وشجون
يا ساكني بطن العقيق تعطَّفوا ... فالقلب في أسر الغمام رهبن
............... ترزي به ... نزلت ركائبكم .............
يشنِّف قلبي حبّكم فكأنَّه ... ليلى وحبَّة قلبي المجنون
стр. 563
[٢٣٨]
عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن الحسن بن عبد الله، أبو محمَّد الموصليُّ المعروف بابن الكردية:
شاب كيّس خطير، اشتغل بشيء من الطبّ وتفقّه، وعنده فضل وسيرة، منحوس الحظّ من زمانه ذو فاقة وفقر.
أخبرني أنَّه ولد بالموصل في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، نبا به وطنه إلى الشام، فنزل بحلب، وأقام ببعض مدارسها مرتزقًا من ذلك من الوراقة، وربّما أنشأ أبياتًا امتدح بها الرؤساء، وفتح له بها مكتبًا يعلم فيه الصبيان، وقد تأكدت بيني وبينه معرفة.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الوزير مؤيد الدينأبي نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم القفطي –أسعده الله تعالى: -[من الخفيف]
قلت للدَّهر ما الذي يصلح العا ... لم إن حلَّ حادث يعتريه
قال: سعد السُّعود في فلك الإقـ ... ـبال أعني مؤيد الدِّين فيه
كيف لا يطرق الزمان ارتياحًا ... وله الأمن من فساد بنيه؟
بعلى الصَّاحب الذي ملك الفضـ ... ـل .......... يوليه
سل به ماجدًا فما خاب من ... ... .... معه آمل يرتجيه
[٢٣٩]
عبد الله بن محمَّد بن فتيان/ ١٢٩ ب/ أبو محمَّد الجزريُّ.
من أهل الجزيرة العمرية.
قد ذكرت والده في كتاب (تحفة الوزراء) المذيل على معجم الشعراء.
وابنه هذا كان شاعرًا مطبوعًا، ذا شعر رقيق، يغنّى بأكثره، وله في معز الدين
стр. 564
سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الجزيرة عدّة قصائد، ولم يقع إليّ من شعره إلاّ ما أنا ذاكره.
أنشدني الأمير الحاجب أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان العقيلي الجزري بحلب المحروسة قال: أنشدني عبد الله بن فتيان لنفسه ابتداء قصيدة:
[من الكامل]
صدَّ الأحبَّة واستباحوا جفوتي ... ونأوا فصدَّ خيالهم عن مقلتي
وتعمَّدوا قتلي بغير جناية ... واسحَّ يوم البين صيِّب عبرتي
يا سادتي وأعزَّ خلق الله في ... قلبي وإن عمدًا أطالوا جفوتي
إن كان لا يرضيكم إلاَّ دمي ... فالله فد أبراكم من ديَّتي
[٢٤٠]
عبد الله بن أحمد [بن] محمَّد/ ١٣٠ أ/ بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله، أبو محمَّد المقدسيُّ.
هكذا أملى عليّ هذا النسب حفيده بمدينة السلام. الشيخ، الموفق، الفقيه.
ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، سمع الحديث ببغداد من أبي الفتح بن
стр. 565
البطّي، ويحيى بن ثابت، وتفقه بها على مذهب الإمام أحمد –﵁:
وعاد إلى دمشق، وصنّف، وحدث، وانتفع به خلق كثير، وتوفي بها يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بجبل قاسيون –﵁.
وكان إمامًا ثقة، قارئًا دينًا، تاليًا لكتاب الله تعالى، صاحب كرامات ظاهرة، وكان مفتي زمانه على المذهب الأحمدي بالشام.
ومن تصانيفه كتاب: "الانتصار في أسماء الأنصار"، وكتاب "التبيين في أسماء المهاجرين"، وكتاب "الكافي في الفقه"، معلل، وكتاب "المغني"، أيضًا في الفقه، وكتاب "المقنع"، وكتاب/ ١٣٠ ب/ "العمدة"، وكتاب "التوّابين"، وكتاب "مختصر غريب أبي عبيد القاسم بن سلام".
وله أشعار، كان ينظمها على طريقة أهل المعرفة، وذويي الأحوال، أنشدني أبو العزّ المفضل بن علي بن عبد الواحد المصري قال: أنشدني الشيخ الموفق لنفسه:
[من الطويل]
ابعد نزول الشّيب أعمر منزلاً ... سوى القبر إنّي إن فعلت لأحمق! ؟
يخبرني شيبي بأنِّي ميِّت ... وشيكًا وينعاني إليَّ فيصدق
يخرِّق عمري كلَّ يوم وليلة ... فهل مستطيع رفو ما يتخرَّق؟
إذا سئلوا عنِّي أجابوا واعولوًا ... وأدمعهم يجرين هذا الموفَّق
وشالوا سريري ثمَّ ساروا فأسرعوا ... ونودي ألاَّ تعجلوا وترفَّقوا
وغيِّبت في صدع من الأرض ضيَّق ... وأودعت لحدًا فوقه اللّبن مطبق
стр. 566
ويحثو على الترب أوثق صاحب ... ويسلمني للدُّود من هو مشفق
فيا رب كن لي مؤنسًا يوم وحدتي ... فإنِّي بما أنزلته لمصدِّق
مقرُّ بأنِّي ذو ذنوب كثيرة ... أسير الخطايا بالإساءة موثق
وما لي سوى معروف رِّبي وجوده ... وما لي إلاَّ فضله متعلَّق
/ ١٣١ أ/ وما ضرني أنِّي إلى الله صائر ... ومن هو من أهلي أبرُّ وأرفق
وأنشدني قال: أنشدني الإمام الموفق أبو محمد لنفسه: [من الوافر]
أتغفل يا ابن أحمد والمنايا ... سوارع يختر منك عن قريب! ؟
أغرَّك أن تختطَّتك الرَّزايا ... فكم للموت من سهم مصيب؟
كؤوس الموت دائرة علينا ... وما للمرء بدٌّ من نصيب
إلى كم تجعل التَّسويف دأبًا ... أما يكفيك إنذار المشيب؟
أما يكفيك أنَّك كلّ حين ... تمرُّ بقبر خلٍّ أو حبيب
تسرُّ بما أطعت الله فيه ... وتحزن من مفارقة الذُّنوب
وأنشدني قال: أنشدني أبو محمد لنفسه: [من البسيط]
لا تسأل النَّاس وأسأل رازق النَّاس ... فاليأس منهم غنى فاستغن باليأس
واسترزق الله ممَّا في خزائنه ... فإنَّ رَّبك ذو فضل على النَّاس
فليس للنَّاس ظن يعطوك خردلًة ... ولا يعيذوك من فقر وإفلاس
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
/ ١٣١ ب/ حذفوك حين أردت منهم شركًة ... وقلوك لمّا صرت صاحب حاج
وتنكَّرت أخلاقهم ووجوههم ... فعل البخيل لرؤية المحتاج
لا تطلبنَّ إلى لئيم حاجًة ... إلاّ لكي تلقاه بالإزعاج
فلعلَّ روعته تكون مثوبًة ... لمروِّعيه بلحَّة ولجاج
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه يرثي ثلاثة نفر من بعض أهله: [من البسيط]
مات المحبُّ ومات العزُّ والشَّرف ... ثلاثة سادة ما منهم خلف
стр. 567
ما ودَّعوني غداة البين إذ ظعنوا ... بل أودعوا قلبي الأحزان وانصرفوا
شيعتهم ودموع العين جارية ... لبينهم وفؤادي حشوه أسف
أكفكف الدَّمع من عيني ويغلبني ... وأحضر الصَّبر في قلبي فينصرف
فقلت ردُّوا جوابي أوقفوا نفسًا ... رفقًا عليَّ فما ردُّوا ولا وقفوا
أحباب قلبي ما هذا بعادتكم ... ما كنت أعهد هذا منك يا شرف
قد كنت تعظم تبجيلي ومنزلتي ... وكنت برًا شفيقًا فوق ما أصف
وكنت عونًا لنا في كلِّ حادثة ... تظلُّ أحشاؤنا من همِّها تجف
وكان جودك مبذولاً لطالبه ... جنح اللَّيالي إذا ما أظلم السَّدف
/ ١٣٢ أ/ وكنت عونًا لمسكين وأرملة ... وطالب حاجًة قد جاء يلتهف
وللغريب الذي قد مضَّه سغب ... وللمريض الذي قد شفَّه الدَّنف
وكنت تقضي حقوق النَّاس كلهم ... من قد عرفت وممَّن لست تعترف
وكم فقدنا بموت العزِّ منقبًة ... فيه لهم غرف من فوقها غرف
فيها مع الحور والولدان تحسبهم ... لآلئًا شقَّ عن أنوارها صدف
وله، وذكر أن البيت الثالث يظنه أنه لابن سناء الملك: [من الطويل]
خليليَّ عوجا بارك الله فيكما ... على منزل بين المغارة والكهف
ومن دير مرَّان ودار بن واصل ... إلى جبل الصُّوان أو بركة الجرف
محل ترى دمعي إذا ما ذكرته ... لفرط اشتياقي نحوه دائم الوكف
غدا الدين والإسلام غضّا كأنَّه ... على زمن الفاروق أو كاتب الصَّحف
به سرِّح الإسلام علمًا وسنَّة ... ودينًا ومعروفًا وردَّا إلى العرف
وله وهي المسألة الأكدرية: [من البسيط]
ماذا تقولون في ميراث أربعة ... أصاب أكبرهم جزءًا من المال
ونصف ذلك للثاني ونصفهمًا ... لثالث ترب للخير فعَّال
стр. 568
/ ١٣٢ ب/ ونصف ذلك مجموعًا لرابعهم ... فأخبروني فهذا جملة الحال
وقال وهي أيضًا مسألة: [من الرجز]
ماذا يقول السَّادة الأفاضل ... في أربع من نسوة حوامل
تقول إحداهنَّ إنِّي إن ألد ... بنتًا فما لي ولها من حاصل
وإن ولدت ابنًا ورثنا ثلثًا ... في قول كلِّ عالم وقائل
وقالت الأخرى أنا بعكسها ... إن جئت بابن لم نفر بطائل
وإن ألد بنتًا ورثت معها ... يروح ثلثانًا بسدس عائل
وجاءت الأخرى بقول ثالث ... يعلمه العالم بالمسائل
إن تلك لي بنت ورثت دونها ... والابن يحوي الكلَّ بالدَّلائل
وله جوابها: [من الزجر]
أمّا لَّتي قالت ورثنا ثلثًا ... فابنة ابن ذات عقل كامل
وزوجها ابن عمِّها وجدُّها ... قد مات عن بنتين بالأصائل
وإن تمت جدَّتها أم جدُّها ... عنها وعن زوج شريف فاضل
وخلَّفت بنتًا وأمًا وأبًا ... فهذه ثانية المسِّائل
وابن ابنها قد كان قبل موته ... وموتها زوجًا لهذي الحامل
/ ١٣٣ أ/ وإن تكن معتقة تزوَّجت ... أخًا لمولاها بمهر عاجل
ومات مولاها وكانت حاملاً ... فإنَّها آخر قول السَّائل
وقال في منازل القمر: [من الطويل]
فنطح وبطن والثُّريّا ومجدح ... وهقع وهنع والذِّراع ونثره
وطرف محيط والحران وصرفه ... وعوَّاء يتلوها السِّماك وغفره
زباني وإكليل وقلب وشولة ... نعائم بلدان وسعد ونحره
وسعد وسعد ثمَّ سعد وفرغه ... وفرغ وحوت ناضب عنه بحره
وله أيضًا فيها: [من الطويل]
فللنطح غفر والزَّبانى لبطنه ... وللنَّجم إكليل وللقلب مجدح
وللهقول شول والنَّعائم هنعة ... ذراع بلاد نثره السعد يذبح
стр. 569
وللطَّرف سعد ثمَّ سعد لجبهة ... وللَّزبر سعد صرفه الفرغ تفتح
وآخر للعوّاء والحوت سامك ... فدونكها إن كنت بالفهم تسمح
وله في معرفة ما يتوسط من المنازل وقت الصبح في كل شهر: [من الطويل]
لغرَّة آب يصبح النطح واسطًا ... وسابع عشر للبطين التَّوسُّط
/ ١٣٣ ب/ وفي سلخه تعلو الثريا بوسطه ... ومجدح في نصف لأيلول يسقط
وفي عشره الثَّاني الذِّراع وبعدها ... إلى السَّبع في الثَّاني لنثرة مهبط
وفي سلخه للهقعة الوسط منزل ... وفي عشر تشرين لهنعة مسقط
وفي نصفه طرف وتصبح جبهة ... لخمس وعشرين خلت تتوسَّط
وزبرة في خمس لكانون ترتقي ... وفي النِّصف منه صرفة تتمعَّط
وفي سلخه العوَّاء ثمَّ سماكها ... إذا العشر في الثَّاني خلت تتثبَّط
وللغفر في العشرين منه توسُّط ... ويأتي الزَّبانى سلخه يتمطَّط
وثالث عشر من شباط محلُّه ... لأكليل في وسط السَّماء ومهبط
وللقلب من عشرين منه توسُّط ... وفي العشر من آذار شولة أوسط
وفي العشر من نيسان تأتي نعائم ... وبلدة في العشرين منه توسَّط
وفي خمس أيّار توسُّط ذابح ... وتاسع عشر سعده المتوسِّط
حزيران في خمس توسُّط سعده ... وفي نصفه السَّعد الأخير الموسَّط
وغرَّة تموُّز لفرع ونصفه ... لفرغ يسحُّ الماء إن كنت تضبط
وفي خامس العشرين للحوت مسبح ... ألا إنَّ حفظ العلم للدِّين أحوط
وأنشد عبد الكريم بن منصور الباوشناوي/ ١٣٤ أ/ قال: أنشدني أبو محمد لنفسه: [من الرجز]
إصبر من الدَّهر على ضراره ... ما الدَّهر للإنسان باختياره
لابدًّ من تجرُّع المكاره ... وإن صحبت صاحبًا فداره
стр. 570
ولا تشاققه ولا تماره ... وإن رأيت سيِّئًا فواره
وأنشدني قال: أنشدني أبو محمد لنفسه: [من المجتث]
طلبت منك سواكا ... وما أردت سواكا
وما أردت أركا ... لكن أردت أراكا
[٢٤١]
عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسن، أبو البقاء النحوي:
الأديب، الفقيه، الحنبلي، المصنف، الحاسب، البغدادي المولد والمنشأ، العكبريّ الأصل.
كانت ولادته ببغداد في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بها ليلة الأحد، ثامن ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة، ودفن غربيّها، بباب حرب –رحمه الله تعالى-.
أخذ النحو عن شيخه أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشاب النحوي،
стр. 571
/ ١٣٤ ب/ وعليه كان يعتمد في علم النحو، وكان إمامًا في الفقه فرضيًا حاسبًا قارئًا شيخ وقته فيي علم الأدب واللغة والإعراب لفنون من العلوم. وله من التصانيف الأدبية شيء كثير ما شهد بفضله منها: كتاب "المصباح في شرح الإيضاح" لأبي علي الفارسي النحوي، وكتاب "المتبع في شرح اللمع" لأبي الفتح بن جنّي النحوي، وكتاب "التلقين" في النحو، وكتاب "اللباب في علل البناء والإعراب"، وكتاب "البيان في إعراب القرآن"، وكتاب "المنثور المعلم" وهو ترتيب إصلاح المنطق على حروف المعجم، وكتاب "إعراب الشواذّ"، وكتاب "متشابه القرآن" في الجدل، وكتاب "الناهض في الفرائض"، وكتاب "بلغة الرائض في الفرائض"، وكتاب "التلخيص في الفرائض"، وكتاب "الاستيعاب لأنواع/ ١٣٥ أ/ الحساب"، و"مقدمة في الحساب"، و"شرح الحماسة"، و"شرح الفقه"، و"شرح سيبويه" و"إعراب الحماسة". [و] "الإفصاح عن معاني أبيات الإيضاح" شرح أبيات سيبويه على حروف المعجم، و"تلخيص كتاب الشعر لأبي علي الفارسي"، "الترصيف في التصريف"، كتاب "المحصل في إيضاح المفصَّل"، "نزهة الطرف في إيضاح قانون الطرف"، "الإشارة في النحو"، "التلخيص في النحو"، "تهذيب اللسان" شرح بعض قصائد رؤبة وبه مسائل الخلاف في النحو، "العروض" معلل، "تلخيص التنبيه في إعراب الحمساة" لابن جنّي، كتاب "العروض"، كتاب "القوافي"، كتاب "المرام في نهاية الأحكام"، "شرح البداية" لم يتمّه، "المنتخب من المحتسب" لابن جنّي، "شرح الخطب النباتية"، "تفسير القرآن"، "عدد آي القرآن". / ١٣٥ ب/ وكتاب "الجدل"، وكتاب "شرح ديوان أبي الطيب المتنبي"، وكتاب "في الجبر والمقابلة"، وهو مقدمة، و"شرح المقامات الحريرية" شرحًا مختصرًا، وإلى غير ذلك من المشروحات والمؤلفات.
وكان قليل الإلمام بقول الشعر، أنشدني أبو الحسن علي بن عدلان بن حماد النحوي الموصلي، قال: أنشدنا شيخنا أبو البقاء عبد الله بن الحسين النحوي
стр. 572
لنفسه، وكتبه إلى الوزير نصر الدين أبي منصور ناصر بن مهدي العلوي، وكان حينئذ وزير الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد –﵁:
[من الخفيف]
بك أضحى جيد الزَّمان محلَّى ... بعد أن كان من حلاه مخلّى
لا يجاريك في نجاريك خلق ... أنت أعلى قدرًا وأعلى محلاً
دمت تحيي ما قد أميت من الفضـ ... ـل وتنفي فقرًا وتطرد محلا
وكتب إليه بعض الفضلاء هذه الأبيات، وسأله الجواب عنها وهي:
[من مخلع البسيط]
/ ١٣٦ أ/ مرَّ بنا شادن فقلنا ... ما الاسم يا أيُّها الغزال؟
فقال ثلث ثمان عشر ... تضرب في مثل ما يقال
تجعل آحادها حسابًا ... ويجبر النَّاقص الكمال
فبينوه فمثل هذا ... يعجز عن كشفه الرِّجال
فأجابه أبو البقاء: [من مخلع البسيط]
يا حاسبًا ماله مثال ... عوَّضت واستعجم السُّؤال
إنِّي أرى ما سألت عنه ... مبيَّنًا ما به اعتلال
الاسم عيسى بمقتضى ما ... ذكرت فيلفهم المقال
تسعين فاعدد حروف عيسى ... من بعد ستِّين والكمال
هذا جواب له اتِّجاه ... وغير هذا له محال
стр. 573
[٢٤٢]
عبد الله بن أحمد بن عليٍّ بن محمَّد بن أحمد بن عليٍّ، أبو محمَّد العلويُّ الحسنيُّ.
وقد مر نسبه مستوعبًا عند ذكر ابنه أحمد، كانت ولادته بكزبرا من نواحي الموصل، رأيت من أشعاره عدة قصائد بخطه.
/ ١٣٦ ب/ أنشدني ولده أبو عبد الله الحسين قال: أنشدني [والدي] ابتداء كلمة لنفسه: [من الكامل]
خلِّ ادِّكاء معاهد ومغاني ... وبنات كرم عتِّقت بدنان
ومدَّبج من روضًة سحَّ الحيا ... فسقاه بعد النصف من نيسان
فتفتَّحت أزهاره وتكاملت ... أنواره وطوافح الغدران
ومعدِّدات في الغصون يميلها ... نفس الصَّباح إمالة النَّشوان
تنسيك أصوات الحداة ومعبدًا ... وغناه مع إسحق الهمذاني
ومهفهف حلو الشَّمائل مترف ... يسبي بطرّته فؤاد العاني
يعطي ويمنع بل يميت ومثله ... يردي الصَّحيح بأسهم الأجفان
ومزاهر تشجي وقد عبثت بها ... لمدار كاسات بنان أغاني
ومدامّة ذهبيَّة من مثلها ... سكبت إلى كاس من العقيان
شبَّت وشابت ثمَّ شيبت مرًة ... ماًء فأحيت أنفس الشُّبان
وإذا حسا منها الوقور ثلاثًة ... نبذ الوقار وباح بالكتمان
وخذ السَّيل عن العقيلة بالحمى ... وذر المها وجاذر الغزلان
[٢٤٣]
عبد الله بن أحمد بن عليِّ بن عبد الله/ ١٣٧ أ/ بن الحسين بن عليِّ بن محمَّد بن يعقوب بن الحسين بن عبد الله المأمون بن الرَّشيد هارون بن المهديِّ محمَّد بن المنصور
стр. 574
عبد الله بن محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب، القاضي أبو محمَّد بن أبي العبَّاس البغداديُّ:
كان والده قاضيًا بأعلى دجيل، وكان من أئمة المسلمين، وعلماء الإسلام، وابنه هذا كان مولده سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي في المحرم سنة وعشرين وستمائة.
بالغ والده في تخريجه، وتعليمه، وتهذيبه، وأحضره مجالس علماء ذلك الزمان، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ للعشرة أجمع على الشيخ أبي الحسن علي بن المرحب البطائحي الضرير، وكتب الخط المليح، وتردد إلى مشايخ ذلك الوقت، لقراءة علم العربية والنحو والأحاديث، منهم أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشاب النحوي، وأبو محمد إسماعيل بن موهوب بن الخضر بن محمد بن الجواليقي، وأبو الفضل أحمد بن شافع، وجماعة سواهم، من أعيان هذا العلم، والمحدثين، وقرأ كتبًا كثيرة أدبية وشعرية، ولقي مشيخة كثيرة.
وكان متيقظًا/ ١٣٧ ب/ عارفًا، ذا فهم وفطنة، ومن شعره ما كتبه إلى زعيم الدين صاحب المخزن، يتشفع له إلى أبي المعالي أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة الباجسري، ليقرأ عليه كتاب الجمهرة لأبي بكر محمد ابن الحسن بن دريد
стр. 575
الأزدي، وكان ابن حنيفة قد تفرد بروايتها، وأحد من بقي من رواتها: [من الوافر]
قصدت فناك فاشفع لي بقول ... إلى ابن حنيفة إن كان خاما
فأنعم لي لتحظ بشكر عبًد ... وليٍّ ما يزال وقيت ذاما
فوعده بنجاز ذلك، فتمادى الأمر لكثرة مهامّه، فعاوده التذكار بأبيات منها:
أهزُّ عطفك لا آلو لتنجز لي ... وعدًا تبيَّنت أنَّ النّجح في خلله
فانعم وجد وتقدم واقض وامض ومر ... فالعبد منتظر ما راح في أمله
وذا الكتاب فهذا الشَّيخ منفرد ... به وليس سواه اليوم في شغله
فأحسن الوعد، وتمادت الحال أيامًا، وراسل ابن حنيفة في ذلك فماطل فكتب أبياتًا في ذلك منها: [من الطويل]
/ ١٣٨ أ/ تقدَّمت لي طولاً بحسن شفاعة ... وأوليتني نعمى تجلُّ وتعظم
فخفَّض فيها من أشرب بقصده ... وقد وهن الأمر الذي ليس يبرم
فعزِّز بأخرى يا كريمًا وماجدًا ... فمثلك يا مولاي في الخير يقدم
وليس سوى أن يحضر ابن حنيفة ... فيؤمر جزمًا فالمطاع التَّقدُّم
فلهنة عمر الشَّيخ فرصة مغنمي ... يبادرها الشَّادي الحصيف المحزَّم
فأنعم وحقِّق في الشَّفاعة موعدي ... فإنِّي بحبِّ العلم صب متيَّم
ودافع ابن حنيفة، وتعلل بأسباب وأحوال، واعتذر عن التصدي لقراءة الكتاب، وقال في جملة قوله: إنَّ أرتق بن سليمان قد قرر قراءة الكتاب عليه في داره، فيكون معه، فعرض بأبيات منها: [من التقارب]
دفاع الحنيفيِّ يرجو به ... سكوتي عن نوبة الجمهرة
ولست ونعماك يا ماجدًا ... أنكَّب عن ذاك أو يقدره
فأنَّي وكيف ومن أين لي ... سواك ييسِّر ما عسَّره؟
ون تعط وعدًا فلا تسمعن ... فأقواله كلها مقصره
стр. 576
/ ١٣٨ ب/ وكلُّ مواعيده هكذا ... بخطٍّ ولكن بلا مسطره
لئن كان يرغب في درهمي ... فوالله ما لي سوى المحبره
..... قد براها الشِّتاء ... وهذي الخميسية المدبره
وقرص ....... فمن أين لي ... وأدم فهيهات أن أبصره
فعاود ابن حنيفة في ذلك، وهو مصر على الاعتذار، طال الزمان في الترداد، فأذكره بأبيات منها: [من البسيط]
قد حان للعبد أن يدعى بما وعدا ... ومن يفز بفعال الحرِّ قد سعدا
مولاي طال خطابي والزَّمان عدا ... والشَّيخ مغتنم ما في المنون غدا
فجلس الزعيم في مجلسه، واستدعى ابن حنيفة، وجزم عليه، ورتب الأديبين أبا العز محمد بن مواهب بن الخراساني، وكان من كبار الأدباء العلماء في العربية والنحو والأشعار، وعلت سنّه فيه، ولقي مشيخة كثيرة وتفرّد في فنّه ومصنفاته، ومهذب الدين أبا الحسن علي بن عبد الرحيم/ ١٣٩ أ/ بن الحسن بن عبد الملك بن إبراهيم السلمي البغدادي المعروف بابن العصّار اللغوي، وكان من أئمَّة اللغويين والأدباء، ورؤسائهم وثقاتهم، وكانا يقابلان مع عبد الله بن أحمد القاضي كتاب الجمهرة، فبيد أبن الخراساني أصل ابي منصور الجواليقي، وبيد ابن العصار أصله، وبخطه الذي عارض به أصل ابن خروف، وكانت نسخ أخر بيد من يحضر القراءة من الأدباء، واستقرأه زعيم الدين الجزء الأول بين يديه، فعجب من قراءته، وفهمه، وفطنته، ومعرفته بالكتاب، فحينئذ أمره بقراءته.
стр. 577
وكان قليلاً ما يفتقر إلى تسديد وتثقيف لما فيه من الهمة واليقظة، وكان يقرأ في كلّ مجلس جزءًا قوامه عشرون قائمة، في كل صفحة سبعة وعشرون سطرًا وكل سطر لا يخلو من عشرين كلمة، يهذّ ذلك هذًا فإذا أتاه ما يشكل عليه معناه وإعرابه ولفظه، توقف، وتفهم، وحشاه على هامش الكتاب، بخط ابن العصار، وأثبته بخطه في ورقة.
وكان في كل يوم على الدوام مستمرًا على القراءة، فانقطع يومًا لغيث هطل، فأرسل الزعيم بالاستيحاش له، فلما جاء من الغد، كتب إليه بديهًا: [من المتقارب]
/ ١٣٩ ب/ لسيل الغيوث ودرِّ السُّحب ... قطعت المجيء اعتماد الأدب
وأخَّرت ذلك في أمسنا ... وبكَّرت يومًا لما قد وجب
فأحضر [عبد الله] وقرأ، ولم يزل على ذلك حتى دخل شهر الصيام، واستوعبت بطالته من القراءة عشر أيام، وابن حنيفة لا يحضر، وإذا روسل بأعوان زعيم الدين، يعتذر، فحضر عبد الله عند الزعيم، وأنشده أبياتًا على سبيل الدعابة، منها:
[من المتقارب]
تقارب من شهرنا نصفه ... وابن حنيفة ما يحضر
وفي كلِّ يوم يصدُّ الغلام ... ويعرض عنه ويستعذر
يقول كبير وهذا الصِّيام ... فلا يد فيه لمن يفطر
وثمَّة لحم فمن أين لي ... فحيلي إذا لم يكن، مدبر
فدَّبره العبد في أمره ... بأشياء فيها الذي يؤثر
يكون نزيلي فإنِّي به ... عن الخلِّ والبقل ما أقصر
وعندي قصبان في خلِّه ... غريق كثير ومستعزر
وإن شاء ريحان أخلق به ... يضاهيه في طعمه السكَّر
وإن شاء كامخنا بالكشوك ... وإن شا فكا مخنا الأحمر
/ ١٤٠ أ/ وفي هرطمان لنا رونق ... وماش وسلق لنا أخضر
كان زعيم الدين، شريف النفس، هشا إلى المكارم.
стр. 578
[٢٤٤]
عبد الله بن موسى بن عبد الله، أبو محمَّد الشَّاطبيُّ البونتيُّ.
وبونت حصن شرقي شاطبة.
كان شاعرًا، متأدبًا، حافظًا للقرآن الكريم، فقيهًا على مذهب الإمام مالك بن أنس –﵁، وله شعر مليح.
أنشدني أبو محمد عبد الله بن موسى البونتي لنفسه، في أبي الحسن علي بن حريق الشاعر بمدحه: [من الخفيف]
ما حبيب أو الوليد إذا ما ... صغت من جوهر القريض نظاما
لم نخل في الأنام قبلك شخصًا ... فكره بالنُّهى يصوب غماما
إنَّما أنت في البلاغة فذٌّ ... وأرى من سواك فيها سواما
لك في الكيمياء سرٌّ عجيب ... فتَّ فيه الورى فصرت إماما
تنفث القول من جنانك سحرًا ... يستفزُّ الحجى فيدعى كلاما
[٢٤٥]
عبد الله بن مسلمة بن عبد الله/ ١٤٠ ب/ أبو محمَّد الشاطبيُّ:
كان من أعيان أهل شاطبة وفضلائها المشتهرين بالفضل والآداب، شاعرًا فقيهًا، مترسلاً.
أنشدني عبد الله بن مسلمة لنفسه، في عامل جائر، له ولد جميل حسن الصورة:
[من المتقارب]
غدا جور موسى وجور ابنه ... على كلِّ خلق بدا أو حضر
فهذا يجور بسمر اليراع ... وهذا يجور ببيض الحور
стр. 579
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
أشبهت وجهك الغزالة حسنًا ... وحكاك الغزال طرفًا ولينا
ووليت الجمال ملكًا عظيمًا ... فتوليت معرضًا إذ ولينا
[٢٤٦]
عبد الله بن أحمد بن عليٍّ، أبو محمَّد الإسعرديُّ الرُّبعيُّ، المعروف بابن زهراء:
وهي أمّه، لا يعرفه الناس إلاَّ بها.
كان شاعرًا ماجنًا، ظريفًا، قيِّمًا بعلم النحو واللغة، مجيدًا في الشعر، ذا بديهة في النظم جيّدة، وكان متصلاً بالملك الصالح أبي الفتح محمود بن/ ١٤١ أ/ محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد، وبعده لولده الملك المسعود مودود.
أنشدني الخطيب أبو النجاة ذو النون بن أحمد بن محمد بن فضلان المعدني –من معدن خلاط- قال: أنشدني عبد الله بن أحمد بن زهراء لنفسه يمدح الملك الصالح ناصر الدين أبا الفتح محمود صاحب آمد من قصيدة أولها: [من البسيط]
لو كان يخطر سلوان بخاطره ... خبا تضرُّم وجدي في ضمائره
نهوه عنكم ليسلوكم فزاد لكم ... ذكرًا فناهيه عنكم مثل آمره
صبٌّ تدلَّه حتَّى بات عاذله ... لديه من خيره فيه كعاذره
من لي بعذب اللَّمى مرِّ الضُّدود رشا ... حلو الشَّمائل ساجي الطَّرف ساحرة
جذلان نام خليًّا ملء مقلته ... عن ليل أسوى الليل ساهره
يحدِّث الشَّهد عمَّا في مراشفه ... حديث بابل عمَّا في محاجره
لا يشرق البدر إلاَّ تحت طرَّته ... ولا يرى اللَّيل إلاَّ في غدائره
أحمُّ يحمي بعينيه حمى بلد ... له خفارة باديه وحاضره
تستبشر الشَّمس إن مرَّت بطلعتًه ... تباشر الدِّين في أيام ناصره
/ ١٤١ ب/ وأنشدني قال: أنشدني الدِّين في أيام ناصره
/ ١٤١ ب/ وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من المنسرح]
стр. 580
ذا العضب من مقلتيك من شهره ... والورد في وجنتيك من نثره
يا غصنًا ناعمًا يحركه ... كلُّ نسيم وليس من شجره
وفاتر الطَّرف في لواحظه ... سحر يقوِّي عزائم السَّحره
إن تنكره أنَّه أراق دمي ... قفوا انظروا خدَّه تروا أثره
في غاية اللِّين واللَّطافة لو ... مرَّ نسيم الصَّبا به عقره
تحسبه الخمر في الزُّجاج وقد ... أزانه فرط رقَّة البشره
يعشقه كلُّ من يراه فلا ... يحبُّه واحد ولا عشره
وأنشدني قال: أنشدني من شعره: [من الكامل]
لو كنت أسمع فيك لومة لائم ... ما رحت عنك بقلب صبٍّ هائم
من كابد اللَّيل الَّذي كابدته ... أطوي على الزَّفرات فيه حيازمي
بأبي ظلوم كلَّما حاكمته ... أودت لواحظه بعقل الحاكم
نشوان من خمر الدَّلال يهزُّه ... مرح الصِّبا هزَّ القضيب النَّاعم
خافوا عليه أذى العيون فعوَّذوا ... أعطافه بقلائد وتمائم
عقدت يمين السِّحر في أجفانه ... عقدًا يحلَّ به عقود عزائمي
/ ١٤٢ أ/ يا ذا الصَّبابة كيف تطلب رحمًة ... ممَّن كلفت به وليس براحم
أتريد أخذ الثأر من رشأ له ... عين يريق بها دماء ضراغم
لا تبرزنَّ إذا برزت لحربه ... في مأزق إلاَّ بشكَّة حازم
وتوقَّ صارم مقلتيه فقد ترى ... ما حلَّ بي منه وكان مسالمي
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
صدودك يا من لا يطاق له صدُّ ... دليل على أن ليس عندك لي ودُّ
أصبر عنك النَّفس وهي لجوجة ... ولا صبر عمَّن ليس من وصله بدُّ
هواك هوان والنُّفوس تحبُّه ... هو السُّمُّ إلاَّ أنَّ أوَّله شهد
مزحت لحتفي في هواكم ولم أكن ... عليمًا بأنَّ المزح آخره جدُّ
أعيدوا زمان الأنس إن كان راجعًا ... وردُّوا الصِّبا إن كان يمكنكم ردُّ
وإن كان بعد الدَّار غيَّر ودكم ... فعندي ودُّ لا يغيِّره البعد
فصمتم عرى العهد الذي كان بيننا ... وخنتم ومثلي لا يخان له عهد
стр. 581
أراد العدا التَّفريق بيني وبينكم ... فنالوا غداة البين فوق الَّذي ودُّوا
رحلت وقد خلَّقت في عرصاتكم ... فؤادًا أذابته الصَّبابة والوجد
خليليَّ من نجد هل الدَّهر راجع ... فيجمعنا –فيما نسرُّ به- نجد؟
/ ١٤٢ ب/ سمحت بما عندي لكم وبخلتم ... وأهديت أشواقي إليكم ولم تهدوا
دياركم لا أرض نجد مرامنا ... ونشركم المطلوب لا الشِّيح والرَّند
ومن بعض غيِّ النَّفس في الحبِّ أنَّها ... تظنُّ بأن الغيَّ من فعلها رشد
ودون الكثيب الفرد من رمل عالج ... غزال بديع في ملاحته فرد
له من ظباء البيد جيد ومقلة ... وبعض غصون الخيزران له قدُّ
يقصِّر عن الحاظه سحر بابل ... ويخجل من توريد وجنته الورد
وقد ملكته دولة الحسن دولًة ... معظمًة يعنو لها الحرُّ والعبد
وقال أيضًا: وأنشدنيه ذو النون عنه: [من الرمل]
لجَّ فيض الدَّمع ف تخديد خدِّي ... والحَّ الوجد إلحاح المجدِّ
وتصدَّى لتلافي رشا ... بابليُّ يا له من متصدِّي
أين في رامة ريم مثله ... لا ولا يسبح في آرام نجد
وعذار دب في سالفه ... كدبيب النَّمل في روضة ورد
سرد الحسن على جانبه ... زرد العنبر في أحسن سرد
وتراءت فوقه من صدغه ... عقرب سوداء من مسك وندَّ
/ ١٤٣ أ/ قمر يشرف في بوريَّة ... وهلال يثني في ثني برد
فاتر الألحاظ ينضو طرفه ... مرهف الخدَّين لمَّاع الفرند
صيَّرت صورته عشَّاقه ... في أسار محكم من غير قيد
عنِّفوني في هواكم واجهدوا ... جهدكم إن كان هذا اللَّوم يجدي
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه ابتداء قصيدة: [من الكامل]
رفقًا فديتك بالكئيب الواله ... فإلام أنت تزيد في بلباله؟
وعلام تقتل بالقطيعة والقلى ... صبّا فداك بنفسه وبماله؟
لو كنت تعلم ما تجنُّ ضلوعه ... لرحمته وحملت من أثقاله
يشكو إليك من الصَّبابة والأسى ... سلوى العليل إلى العليم بحاله
стр. 582
وأنشدني الشريف أبو محمد الحسن بن محمد الزاهد الموسوي الشاعر البغدادي قال: أنشدني عبد الله بن زهراء لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
هل الوجد إلاَّ أن أبيت مسهَّدا ... ويضحي لذيذ النوم عنّي مشرَّدا
/ ١٤٣ ب/ أقلِّب قلبًا في لظى الحبِّ كلَّما ... نسيم الصَّبا هبَّت عليه توقَّدا
ويجفو الكرى جفني وأهواه زائرًا ... لعلِّي أرى من طيف علوه موعدا
وأنَّى يروم الطَّيف من بات ساهرًا ... وأمسى بهجران الحبيب مهدَّدا
سألتكم ردُّوا لذيذ رقاده ... فقد بات من فرط الصَّبابة مكمدا
سأطَّرح الأهواء إلاَّ هواكم ... وأنشد بيت العاشقين مغرِّدا:
(إذا رمتم قتلي وأنتم أحبَّتي ... فلا فرق ما بين الأحبَّة والعدا)
ومما نسب إليه أيضًا من الشعر قوله: [من الكامل]
بيني وبينك في المودَّة قدمة ... مستورة عن علم هذا العالم
نحن اللَّذان تعارفت أرواحنا ... من قبل جبل الله طينة آدم
وقال أيضًا: [من السريع]
كاتبتكم والدَّمع من مقلتي ... يفيض فيض الوابل الماطر
حتَّى لقد أشفقت ممَّا جرى ... من مائه الهامي على ناظري
فكيف أنسى سكنًا ما جرى ... لغيره ذكر على خاطري؟
وقال أيضًا: [من الخفيف]
كادت الرُّوح أن تطير بجسمي ... نحوكم من صبابة وغرام
/ ١٤٤ أ/ فثناها عن النُّهوض بعبء الـ ... ـجسم ثقل من جوهر الأجسام
وقال أيضًا: [من الطويل]
بنفسي من أهدى إليَّ صحيفة ... مكرَّمة مملوءًة حشوها نعمى
فتلن بها السؤال الذي كنت آملاً ... وزادني الشوق الذي كان بني قدما
وقال أيضًا: [من الوافر]
أتاني منك مكتوب كريم ... وجدت من البلاغة فيه أجزا
كتاب كلًّما عوَّلت أنَّي ... أردُّ به أمسكت عجزا
стр. 583
[٢٤٧]
عبد الله بن الحسن بن الحسين بن أبي الفتح بن الحسن بن أبي السِّنان، أبو محمد العدل الموصليُّ:
كانت ولادته فيما قرأته بخطه، ليلة الإثنين الثاني والعشرين من شهر صفر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها يوم الخميس ضاحي نهاره، رابع عشر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وستمائة، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة، ظاهر المدينة بين باب كندة وباب الجديد/ ١٤٤ ب/ -رحمه الله تعالى-.
ويعرف بابن الحدوس، وذكر لي ولده أبو منصور محمد أنهم من أولاد الأشتر النخعي.
وكان أبو محمد شيخًا جليلاً محترمًا عند القضاة والرؤساء، خدم العلم، وصحب الأعيان والأماثل من أهله، وكان لديه فضائل جمّة لا ينكرها من صحبه، وله مسجد بالموصل جميل، كان يتردد إليه فيه كبراء أهل الموصل، من ذوي النباهة، وأرباب الرتب العالية من أبناء الدين والدنيا، ويقصده من يرد من الغرباء من أهل العلم والخير، وذوي الحاجات، فيتعصب لهم ويجتهد في قضاء مآربهم، وحصول أغراضهم، وبلوغ أوطارهم.
وكان من ظرفاء العدول، وجيهًا عند الوجهاء، ذا ثروة ظاهرة، وسمع الحديث
стр. 584
الكثير، وتفرد بأسانيد عالية، وقرئ عليه الحديث والتفسير، وافاد الناس مدة حياته.
شاهدته عدة مرات، ولم أرزق أن أسمع منه شيئًا من شعره وشعر غيره، إلاّ أني استجزته، فأجازني جميع رواياته، وما يتعلق بها.
أنشدني أبو/ ١٤٥ أ/ عبد الله محمد بن عثمان بن أبي هندي الموصلي قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن الحسن لنفسه في النقيب شرف الدين أبي منصور محمد بن زيد بن عبيد الله الحسيني الموصلي، وقد بلغه أنه مريض ولم يعده:
[من البسيط]
مولاي يا شرف الدِّين الذي شهدت ... بفضلكم محكم الآيات والسُّور
ويا ابن بنت رسول الله ما أحد ... أحق منك بتفضيل على البشر
يا من سحائب كفَّيه إذا هطلت ... تنوب في الجدب عن مثعنجر المطر
ومن إذا رمت أن أحصي مناقبه ... أفضى بي الأمر عن عجز إلى الحصر
حاشا لمجدك من شكوى تعادلها ... يا من تشكِّيه في سمعي وفي بصري
وأنشدني أبو البركات عليّ قال: أنشدني والدي لنفسه في مجاهد الدين قايماز الزيني: [من الكامل]
ما كان تركي ضمَّه وعناقه ... عند اللِّقاء تجنُّبا وملالا
لكنِّني أعظمته لمَّا بدا ... وتركت ذاك لقدره إجلالا
[٢٤٨]
عبد الله بن المختار/ ١٤٥ ب/ بن محمَّد بن شريف الزُّهريُّ، أبو الفتح، المعروف بابن قاضي دارا:
стр. 585
المقيم بديار مصر، وهو مشرف بدواوين قوص وأسوان، من قبل الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب.
وهو شاعر مجيد، فاضل أديب، له مصنفات في علم الكتابة والترسل والشعر.
أنشدني خالد بن درباس بن يوسف الحميدي الكردي قال: أنشدني ابن قاضي دارا لنفسه: [من الرمل]
خلِّني من ذكر غيلان ومي ... واطو عنِّي بالهوى أخبار طي
أنا مالي ولأيام الحمى ... ما الحمى عندي ولا الجزع بشي
تلك آثار أناس درسوا ... وطوتهم حادثات الدَّهر طي
هات بالله أحاديث الحمى ... فهي أشهى من أحاديث لؤي
واسقني صهباء تبدو كأسها ... فكأن النَّار تذكى يا أخي
من يدي معتدل القدِّ فإن ... عطفته نشوة مال إلي
غربيٌّ عجميٌّ لفظه ... أيَّما حسن تراه منه أي!
стр. 586
/ ١٤٦ أ/ فلقلبي فيه صبر دائم ... وغرام فوق ما تعهد حي
ومنها يقول:
واستمع منِّ فإني شيخه ... كلُّ من يقرأ عشقًا فعلي
[٢٤٩]
عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر بن موسى بن حفص، أبو محمَّد بن أبي عمر الأنصاريُّ الأندلسيُّ الدانيّ:
شاب أسمر مربوع، كانت ولادته بدانية سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ونشأ بشاطبة شرقي الأندلس.
شاهدته بمدينة الموصل شابًا، تفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ بالمدرسة البدرية –حرسها الله تعالى- ذكر أنه سمع الحديث كثيرًا بالأندلس، وحفظ كتاب الله تعالى، وله نظم ونثر، ويحفظ من أشعار الأندلسيين والرسائل والموشحات صدرًا جيدًا.
أنشدني لنفسه يمدح بعض أمراء العرب، واسمه موسى: [من الكامل]
عادت لحسن بهائها الأيَّام ... واخضر عيش جادة الإنعام
/ ١٤٦ ب/ لمَّا بدت شمس الهمام المرتضى ... وانلَّ من يمنى يديه غمام
ملك نمته للعلاء عصابة ... قد حفَّها الإجلال والإعظام
وتهدَّلت أغصانها عن نبعة ... حارت بوصف سنائها الأوهام
стр. 587
مختارة من عنصر بجلاله ... عند الأذان يبيَّن الإسلام
فالمجد بدر والمعالي هالة ... وبهاء موسى في سناه تمام
قرم بذكر مضائه وعطائه ... أودي الضَّلال وقتِّل الإعدام
يغني ويحيي بالحسام وبالغنى ... فبكفِّه عيش يرى وحمام
جمعت محاسنه كريم أرومة ... وعميم علم زانه إعلاام
وأرت به الدنيا خلائف غيبت ... تحت الصَّفائح منهم الأجسام
وأتت به آيات دهر عابس ... غظَّى بهاء إياته الإظلام
والحرب قد شبَّت لنًا نيرانهًا ... وأبيح فيها للدِّماء ذمام
فأزال مظلمًة وأطفأ كربًة ... وجرت له في دهره الأحكام
عرف الخليفة فضله وغناءه ... ومضاءه والنَّائبات جسام
فأعدَّه لسداد أمر معرض ... قد حلَّ من أقطاره الإحرام
فغدا يضم الشَّمل بعد تفرُّق ... ويزيل ضغنًا لا يكاد يرام
/ ١٤٧ أ/ بكلام صدق في النُّفوس مقرًّة ... لمهابة هي في القلوب حسام
فالقلب قرطاس وسود ضمائر ... نقش وأفكار الحجى أقلام
لم يختلف في معظم إلاَّ لكم ... في جمعه الإسراج والإلجام
فالنَّصر يسرج خيلكم ويقودها ... بزمام حزم عزمه الإقدام
وكأنَّ يوم قدومكم من حسنه ... شمس ورعد مبرق وظلام
فالشَّمس منكم والرُّعود لجردكم ... والبيض برق والظَّلام قتام
والنَّاس قد غضوا العيون مهابًة ... وحداهم شوق لكم وهيام
جمعتهم الأشواق ثمَّ تفرَّقوا ... لمهابة فيها يزلُّ شمام
فوهبتهم بالسّلم منهم أنفسًا ... قد رام نهب كيانها الصَّمصام
وجعلتهم للدَّهر ثغرًا ضاحكًا ... كالزَّهر يبسم عن سناه كمام
فالآن قرَّ السَّعد في أرجائه ... وصفت من الأقذاء فيه جمام
[ورجوت من دهري قضاء مآربي ... في نيل ما غلبت به الأيَّام
стр. 588
فأنال عزَّة رفعة ويضمُّني ... وعد بكم للمكرمات ذمام
لازلتم والنَّصر من خدّامكم ... وببابكم من آمليه زحام]
وأنشدني أيضًا لنفسه في كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه: [من الطويل]
أتاني كتاب منكم فقرأته ... وقرَّت به العينان وانشرح الصَّدر
فقرطاسه بدر وحالك نقشه ... ظلام وشكل الأحرف الأنجم الزُّهر
/ ١٤٧ ب/ ومعناه أنفاس الرِّياح وقد وهى ... نطاق من الجوزاء وابتسم الفجر
وألفاظه نور وحسن صنيعه ... جنى لا يفي بالواجبات له شكر
وأنشدني لنفسه يخاطب بعض الكتاب: [من الكامل]
لله درُّ مجمِّع لبلاغة ... هبَّت على روض النِّظام نسيما
ألقت بحار بيانه لبنانًه ... غررًا تنظِّم حسنه تنظيما
وغدت تصيِّره لمفرق دهره ... تاجًا وتطلع من سناه نجوما
فكلامه سحر يريك معانيًا ... غرًا ويمطر للقلوب علوما
قد خطَّه في البدر عند تمامه ... فبدت بهالته الحروف وشوما
وأنشدني لنفسه في آس ونور وورد: [من مجزوء الرجز]
آس ونور ناصع ... وحسن ورد خضل
كشارب ومبسم ... وخدِّ ظبي خجل
وأنشدني لنفسه يصف الشقائق: [من الكامل]
إعجب بنور شقائق النُّعمان ... يحكي مداهن مشرق المرجان
فيها بقايا من خلوق حالك ... كالخال في خدِّ الرَّشا الوسنان
وأنشدني لنفسه أيضًا فيه: [من الكامل]
/ ١٤٨ أ/ أنظر إلى نور الشَّقيق كأنَّه ... أصداغ مسك فوق خدٍّ مخجل
أو مثل نقش في مقبَّل شادن ... جمع الغوالي واحمرار الصَّندل
стр. 589
[٢٥٠]
عبد الله بن أحمد بن عليِّ بن أبي الحسن، أبو حامد، الموصليُّ الزُّهريُّ النَّحويُّ:
شيخ ربعة من الرجال، أبيض يعلو لونه صفرة، وذكر لي غير مرّة أنَّه ولد بالموصل تقديرًا في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكانت صناعته عمل القلانس.
وقرأ العربية على جماعة من أدباء الموصل، وأقرأ الناس مدّة، وهو رجل مفيد عاقل، له معرفة وعلم حسن، ويعمل الأشعار.
أنشدني لنفسه في أخوين أحدهما يسمّى عليًا، والآخر إبراهيم يرثيهما:
[من الكامل]
صبري وحزني راجل ومقيم ... والدَّمع من بعد الحميم حميم
أسفًا على من كان زين زمانه ... إنَّ الزَّمان بما أتاه لئيم
لهفي على الأخوين جار عليهما ... إنَّ النَّسيم عليَّ فيه سموم
فكأنَّ يوم عليِّ يوم سميِّه ... وكأنَّ إبراهيم إبراهيم
/ ١٤٨ ب/ وأنشدني لنفسه يرثي أخاه أبا المعالي: [من مجزوء الكامل]
عفت المكارم والمعالي ... لمَّا فقدت أبا المعالي
وعدمت من عيني الرُّقا ... دوصرت نضوًا كالخلال
واحسرتا للدَّافنيـ ... ـه أمأ رعوا حسن الخلال! ؟
قد كان ذخرًا للصَّديـ ... ـق وللشَّقيق وللموالي
قد كان حصنًا للغريـ ... ـب وللقريب وللموالي
ما لي أرى البستان والشُّبَّ ... ـاك منه اليوم خالي
يتقاسمون متاعه ... كلٌّ يقول أبي ومالي
حيَّاه رقراق النَّسيـ ... ـم وجاد مثواه العوالي
وأنشدني لنفسه: [من المتقارب]
وإنِّي لمَّا بلوت الأنا ... م طلَّقت كلَّ أناس بتاتا
стр. 590
فمن جاء جاء ومن راح راح ... ومن عاش عاش ومن مات ماتا
[٢٥١]
عبد الله بن أسعد بن عليِّ بن المبارك بن عبد الغفار، أبو المظفَّر ابن أبي القاسم/ ١٤٩ أ/ الواسطيُّ:
تقدم شعر والده المعروف بابن رشادة.
كهل أسمر مربوع، سألته عن ولادته فقال: ولدت سحرة يوم الثلاثاء ثالث عشر من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وهو من بيت علم وقفه، صحب الفقراء والصوفية، وسافر [إلى] بلاد العراق والشام وديار مصر، وجالس المشايخ الصالحين، وعاشرهم، وهو رجل فقير رقيق الحال، يفهم شيئًا من أحوال أهل التصوف، وعنده دين، وتكلم في علم الطريقة، وفيه فصاحة، [وكان] يعظ الناس، ويقول الشعر.
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀[من الطويل]
أبا البركات الصَّاحب النَّدب ذا النُّهى ... رضيع اللهى نجل الكرام الأطايب
نداء محبٍّ يعرف الرُّتبة الَّتي ... لكم في الورى لا كالجهول بواجب
أقل عثرتي فالوقت قد عضَّ عضَّة ... وأنشبني في معضلات المصائب
ديون وأمراض وبرد وغربة ... وبعد مزار عن ديار الحبائب
فعش وأنعش المسكين وابق على المدى ... مبيد العدا بالمرهقات القواضب
فليس أرى إلاَّ جنابك جنَّة ... ولا جددًا إلاَّ إليك بلا حب
/ ١٤٩ ب/ وأنشدني لنفسه في غلام اسمه حسن بن مرجّى: [من المنسرح]
стр. 591
أفدي الذي كاسمه محاسنه ... من حادثات الزَّمان والمحن
بدر دجى كالقضيب قامته ... عند التَّثنِّي يهتزُّ كالغصن
كلُّ عذاب الهوى بليت به ... وكلُّ معنى للحسن في حسن
أقسمت لازال عن محبَّته ... وهو حياتي والرُّوح في بدني! ؟
به اشتغالي عن كلِّ شاغلة ... وهو مناي في السِّرِّ والعلن
يا أبن مرجَّى أرجوك تسمح لي ... منك بوصل فالصَّبر عنك فني
تظفر منِّ بالشكر يا أملي ... طول حياتي ما عشت في الزَّمن
وأنشدني لنفسه، يصف واعظًا من أبيات: [من الطويل]
ومدرك بحر والعلوم جواهر ... وليس بغير البحر تلقى النَّفائس
ومنبرك الميمون كالطِّرف راكضًا ... وأنت عليه بالبلاغة فارس
فشرِّف وشنِّف أعينًا ومسامعًا ... ليرتدَّ عاص أو يراجع آيس
/ ١٥٠ أ/ ودم سالمًا كي يسلم النَّاس كلَّهم ... فأنت هم حقًا لك الله حارس
[٢٥٢]
عبد الله بن إسماعيل بن عليِّ بن الحسين، أبو طالب بن أبي محمَّد الشَّيبانيُّ البغداديُّ:
سبق ذكر والده، كان يعرف بابن الرفّاء، ويعرف الآن بغلام ابن المنّي، لأن والده كان أحد تلامذته.
стр. 592
وعبد الله شاب أبيض اللون، ربعة، حفظ القرآن الكريم على أبي شجاع ابن المقرون، وتفقه على أبيه، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵁ وسمع الحديث الكثير على شيوخ منهم أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وأبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبو الفتح محمد بن أحمد المندائي وغيرهم.
لقيته بمدينة إربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وأخبرني أنه ولد في يوم السبت تاسع عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وخمسمائة ببغداد.
وهو فقيه مناظر، عالم بالتفسير، جيد المناظرة، واعظ/ ١٥٠ ب/ حسن الكلام في الوعظ، جاري المنطق، وذكر لي أنه قال ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر، وأخبرني جماعة من أهل الفضل أنه يتَّهم في أشعاره، ويسرق أقاويل الناس، والله أعلم بصحة ذلك.
وجرت له حادثة ببغداد في أيام المستنصر بالله –خلد الله ملكه- فأودع السجن.
أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها الناصر لدين الله أمير المؤمنين –﵁:
[من البسيط]
من مبلغ المتنبِّي أنَّ مدحته ... لنجل حمدان فيها الحيف والميل؟
يقول: أنعلت أفراسي بعسجد من ... نعماك، تبًا له إذ فعله الزّلل
ولو يجوز لمثلي مثل فعلته ... فعلت ما لم يكونوا مثله فعلوا
وكنت أصنع قصرًا من زمردة ... من جود أحمد ملك دونه زحل
وإنَّما خيل مثلي في محبَّة مو ... لانا الإمام دم الأعداء تنتعل
стр. 593
وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
أتت سحرًا واللَّيل في قبضة الفجر ... ففكَّت أسيرًا موثقًا في يد الهجر
وأبدت لنا من وجهها وحديثها ... بدائع ترزي بالبدور وبالدُّرَّ
/ ١٥١ أ/ شكوت إليها ما ألاقي من الهوى ... فقالت: رعاك الله مالك من صبر
خلقت جليدًا إنَّما الحبُّ سائق ... عنيف إلى ما لا يطاق من الأمر
سرت سحرًا من أيمن الحيِّ نسمة ... فكاد لها قلبي يطير من الصَّدر
وأطرقت خوفًا أن يقال به هوًى ... فقالوا مصاب عاده عائد الضُّرَّ
ألا فليقل من شاء ما شاء إنَّني ... رضيت بما بي من جنون ومن سحر
ألا لا تلوموني فما لي حيلة ... ولا قدرتي تجدي ولا بيدي أمري
وأنشدني لنفسه، يمدح الناصر لدين الله أبا العباس أحمد –رضوان الله عليه-:
[من البسيط]
جوب المهامه بالعيديَّة الرُّسم ... ألذُّ من حفض عيش عند ذي همم
ووقفة في مثار النَّقع يوم وغى ... أولى به من تلقِّي جور مهتضم
والحزم في الأمر أن ينأى على عجل ... إذا كسته اللَّيالي حلَّة العدم
ولا يقيم بدار يزدريه بها ... من كان يرجو نوالاً منه في القدم
فكم تغرَّب سيران وقد صفرت ... كفَّاه فقرًا فحاز المال عن أمم
وكم نحا مسعفات المجد معتضد ... بحيلة الحزم فاستولى على أمم
لا يلبث الحر في دار يضام بها ... مادام في دهره يسعى على قدم
/ ١٥١ ب/ بل يخطب العز في أعلى معاقله ... ويمتطيه بغرب الصَّارم الخدم
ولا ينال العلا إلاَّ فتى مصع ... ماضي العزيمة مقدام على البهم
تعاف برد ظلال الخفض همته ... ويستلذُّ هجير الغور والأكم
يا قاتل الله دهرًا لا يزال له ... ميل على كلِّ ندب زاهر الشِّيم
كم حل عزمًا لذي عزم فغادره ... حلف الهموم يعضُّ الكفَّ من ندم
стр. 594
وكم سطت ببزاة الجوِّ غدرته ... وكم وفى سفهًا للبوم والرَّخم
سر في البلاد ولا تقعد على ضمد ... إمّا بلوغ المنى أوحفرة الرَّجم
فإن تنل كلَّ ما تبغيه وارتفعت ... رايات مجدك بين العرب والعجم
فاسمح بما ملكت كفَّاك مكتسبًا ... حسن الثَّنا بما توليه من نعم
لولا ابتذال اللُّهى والقطر محتبس ... ما سار شعر زهير في ندى هرم
ولا تذَّكرت الرُّكبان في سفر ... كعب بن مامة بالإيثار في القسم
ولا ارتدى في فجاج الأرض منتشرًا ... ذكر الإمام أبي العبَّاس بالكرم
جادوا بما ذهبت أيدي الزَّمان به ... والمدح باق على الأخلاق والرِّمم
لا ترجونَّ من الدُّنيا بلهنيًة ... تدوم وهي على الإقبال لم تدم
فكلُّ لذَّة عيش طاب موردها ... فإنَّها كطروق الطَّيف في الحلم
[٢٥٣]
/ ١٥٢ أ/ عبد الله بن محمَّد بن منصور بن جميل، أبو العزِّ بن أبي عبد الله التغلبيُّ:
كان أبوه يتولى صدرية المعمور في الأيام الناصرية، وابنه هذا أبو العزّ ولد بجبَّا، قرية من أعمال هيت، في جمادى الآخرة في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخرج عنها وهو ابن همس سنين، ونزل بمدينة السلام. وتأدب بها، وقال شعرًا لطيفًا، وتميزَّ وخدم في بعض الأعمال الديوانية، ثم صار في الدولة المستنصرية كاتبًا على التركات الحشرية في سنة أربع وعشرين ثم عزل عن ذلك وانتقل في صفر سنة ست وثلاثين، ورتب في حجابة المخزن المحروس، وهو مقدّم الشعراء في الديوان المستنصري، وله قصائد شتى في الإمام المستنصر بالله –﵁.
شاهدته مصادفة بمدينة السلام، سلخ جمادى الآخرة يوم الجمعة، شابًا كيّسًا
стр. 595
جميلاً، في سنة وثلاثين وستمائة، وأنشدني من شعره، وكتب لي شيئًا منه بخطه، وهو: [من مجزوء الكامل]
زفرات وجد نارها ... بين الضُّلوع أوارها
وصبابة قد أقسمت ... أن لا يقرَّ قرارها
شوقًا إلى من أوحشت ... بعد الأنيس ديارها
يا من أنست بأدمعي ... لمّا استمرَّ نفارها
إنّي لتسحرني الظِّبا ... ويلذُّ لي إسحارها
ما بال أيام الوصا ... ل قصَّرت أعمارها
أيام لهو طوَّلت ... ليل المشوق قصارها
/ ١٥٢ ب/ طابت بكم آصالها ... وتعطَّرت أسحارها
لله ليلات مضت ... ووجوهكم أقمارها
خطبت سيوفك إربلاً ... فتمرَّدت أغمارها
وغدا ينازع في القلا ... ع لقلعة يزدارها
ففتحتها بسوابق ... سدَّ الفضاء مثارها
وبغلمة مثل الصُّقو ... ر من القنا أظفارها
فأتتك تجلى كالعرو ... س من الرؤوس نثارها
حرست وقد جليت فملـ ... كك سورها وسوارها
أطلقت أموالاً أقا ... م مسلسلاً دينارها
وله: [من البسيط]
دع كلَّ من بات يلحى في ابنة العنب ... وخذ بقسط من الأقداح والضَّرب
واجل العروس ففيها للهموم جلى ... وزفَّها في أكاليل من الحبب
وقل لمن لام فيها إنَّني رجل ... من الهموم إليها لم يزل طربي
أما ترى اللَّيل في أجلى شمائله ... والبدر في الجانب الغربيِّ لم يغب
من كفِّ من أنشب النِّيران في كبدي ... لمَّا رماني ببرد الثَّغر والشَّنب
جمال معناه لي في غرِّ بزّته ... كما الإمام نداه غير منسكب
стр. 596
[٢٥٤]
عبد الله بن إبراهيم بن عليِّ بن إبراهيم بن يوسف، أبو بكر الموصليُّ:
كان رجلاً نساجًا، ضعيف العينين، أسمر، أميًا، لا يكتب ولا يقرأ، ويقول شعرًا صالحًا في التشبيهات، والأوصاف، وله أشياء في الغزل، والمديح، والهجاء، يجيد رصفها بصحة غريزته، وكنت أقترح عليه وصف شيء فينظم فيه نظمًا مرضيًا.
ولم يعلق الآن بحفظي من شعره سوى ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى.
أنشدني لنفسه يصف الثريا: [من الخفيف]
كم قطعت الظَّلام من فوق بكر ... عيطموس تفلي نواصي البيد
والثُّريا تلوح في الشَّرق كالكأ ... ي وطورًا في الغرب كالعنقود
وأنشدني لنفسه في طلوع البدر على الماء: [من البسيط]
كأنَّ ماء الفرات العذب حين جرى ... والبدر من فوقه في اللّيل ممدود
فيروزج ذائب في الأرض منبسط ... فيه من الذَّهب الإبريز عامود
[٢٥٥]
عبد الله بن عمر بن صامح/ ١٥٣ ب/، أبو محمَّد الإربليُّ:
وهو أخو الذي مرّ شعره.
رجل طويل مائل إلى السمرة، يخضب بالسواد، أخبرني أنه ولد سنة ست وسبعين وخمسمائة، وخبرت أنه توفي بقلعة إربل سادس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
من أبناء المتصرفين بإربل، وله في صناعة التصرف، والحساب، والمساحة، الحظ الأوفر، وقد ولي للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين، صاحب إربل –﵁ أعمالاً جليلة.
стр. 597
وهو شاعر جيد حسن الشعر، مطبوع المعاني، أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –أجدّ الله سعده-:
[من الرجز]
يا نسمًة تضوعت بندِّ ... ومزنًة جادت بماء ورد
من أين هذا العرف هل حللتما ... أو جزتما بروضة بنجد؟
أم نسمت إليكما منه صبا ... باناته وأثله والرَّند؟
أم جئتما لتخبرا عن علوة ... بأنها قد سمحت بوعد؟
/ ١٥٤ أ/ أم تنظرا ما بي من نار جوى ... مشبوبًة بأعظمي وجلدي؟
ويا ركاب الصَّبر هل حادي النَّوى ... حداك عن ربع الحشا أم وجدي؟
أم زفرات أضلع لو ظهرت ... أحرقت الأرض بغير وقد؟
أم عبرات أدمع شؤونها ... محمرة السَّح احمرار الورد؟
أم لانسكاب ما جرت واستبقت ... وأثرت في صفحات الخدَّ؟
فإن يكن روعك منهنَّ ارجعي ... ساكنة الرَّوع بغير ضدِّ
فإنَّني أرسلها لآلئًا ... منظومًة في سلكها كعقد
وأجري من غروبها سحائبًا ... وابلة الهطل بغير رعد
وأنبتنَّ الأرض منها زهرًا ... يغنيك مرعى عن عرار نجد
بالله ناشدتك إن لم تحبسي ... بقلعة عن السُّرى والوخد
حاملًة رسالة الصَّبِّ إلى ... من بالصَّريم والكثيب الفرد
والعلمين واللِّوى والمنحنى ... والأجر عين والهضاب الجرد
مبلغًة عنِّي السَّلام مربعًا ... عن مربع وموردًا عن ورد
وناديًا علوة إنَّ مغرما ... يكنّ ما بين ضنى وجهد
إن تنقضي منك العهود لم يكن ... بناقض عنك قديم عهد
/ ١٥٤ ب/ أو تصرمي منه الوداد لم يكن ... بصارم منك حبال ودِّ
أو تقصري بالصَّد عنه سلوًة ... فليس يسلوك المدى عن صدِّ
لعلَّها تسمح بالوصل إذا ... ما علمت بحاله والوجد
فإن ابت فاعتسفي ويمِّمي ... ربع ابن موهوب الخصيب المجد
стр. 598
مولى له عزائم مرهفة ... تبري يد لخطب بغير حدِّ
وأنعم لو أنَّها تجمَّعت ... لم تحص من كثرتها بعدِّ
كأنَّها إذا جرت من يده ... البحر عند جزره والمدِّ
ترهب من جنانه الأسد إذا ... ما زأرت عند لقاء الأسد
وكيف لا يرهب من بأسي الرَّدى ... وربعه أضحى الغداة قصدي
أي شرف الدِّين أتيت مهديًا ... إليك حالاً طالبًا لرفد
معانيًا فهت بها ما ضمِّنت ... بنظم من قبلي ولا من بعدي
يقوله مبتدئًا في نظمه ... تنبَّهي يا عذبات الرَّند
ألحقتها بمن مضى من الألى ... لكنًّها زائدة في الحدَّ
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه: [من الخفيف]
وغلام أدنى يديه إلى الكأ ... س لتفتضَّها يداه جهارا
/ ١٥٥ أ/ فسطت سطوًة فألقت على كفَّيه ... من نورها شعاعًا ونارا
قلت ماذا الشُّعاع قال سل الكأ ... س فإن لم يجبك فالخمَّارا
فسألت الخمَّار قال ابن موهو ... ب الوزير المولى يدًا ويسارا
جاز يومًا بها فأوما إليها ... فكساها إيماؤه أنوارا
وأنشدني لنفسه يصف عوادًا وأحسن: [من السريع]
ومطرب تفهم أوتاره ... الأسماع ما لا يفهم النُّطق
كأنَّها رعد ومن فوقها ... كفَّاه في تحريكها برق
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
إذا لم تكن ذا قدرة بمن افترى ... عليك وأولاك الأذى بافترائه
فذره فإنَّ الدَّهر يفعل فوق ما ... تؤمِّل من إضراره وإذائه
وأنشدني لنفسه يخاطب بعض الرؤساء في أمر جرى له وحبس بسببه:
[من الكامل]
أأمين دين الله يا من لم يزل ... مبسوطًة كفَّاه بالإسعاف
ومبيد جيش الخطب يومًا إن سطا ... بوميض حدّ سنانه الشفَّاف
стр. 599
/ ١٥٥ ب/ أمن المروءة أن أولَّى عاملاً ... يومًا على طرف من الأطراف؟
يومًا ولا طرق المسامع لفظة ... في أرضه من منطقي بخلاف
وأظلُّ بالحبس الخسيس وما جرى ... لي فيه من ثلم على إجحاف
ويظل من ظهرت عليه خيانة ... في المال في أمن وعيش صافي؟
فلئن يكن ذنبي العظيم لديكم ... بين الأنام كفايتي وعفافي
قد تبت يا مولاي عنه توبًة ... ليست على شرط ولا استئناف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المتقارب]
إذا ضامك الدَّهر في قسمة ... فصبرًا على ذلك القسم صبرا
فلا القسم باق عليك المدى ... ولو شئت ذلك ما اسطعت قدرا
فبينا ترى المرء في ضيق أمر ... ترى فرج الله يأتيه أمرا
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
إذا ما الفتى أبداك بعض ضميره ... لسان له يومًا وأخفاك من بعض
تأمل بما أبدته عيناه إنَّها ... تبوح بمخفيِّ المودَّة والبغض
فعين الفتى تبدي الذي بضميره ... على يقظة منها وتخفيه عن بعض
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
/١٥٦ أ/ أيا مولى أقرَّ الدَّهر طوعًا ... له بالفضل والذِّكر الجميل
ومن عمَّت مواهبه البرايا ... عطاءً للحقير وللجليل
إذا ما مال غصن بالتواء ... عليك حناه بالحمل القليل
تدارك قطعه أبدًا لئلاً ... يميل عليك بالحمل الثَّقيل
فكم مالت غصون عن أصول ... فأوجب ميلها قطع الأصول
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
مولاي إن تكن الأرزاق قد قسمت ... وظلَّ قسمك منها أوفر القسم
فلا تكن فرحًا يومًا به أبدًا ... وأحذر باذهابه من زلَّة القدم
فإنَّ موليك هذا الرِّزق ظلَّ على ... إيلائه ثملاً من خمرة النَّدم
فإن صحا سترى في صحوه نقمًا ... يلقيك أيسرها في عالم العدم
стр. 600
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
ولمَّا رأيت الحبَّ ليس لدائه ... شفا غير ما وصل يجود به الحبُّ
ولم أر من حبِّ يجود بوصله ... عليَّ ويدنيني إليه ولا يصبو
وقد زاد ما بي فوق ما تجد الورى ... وأدركني من عظم ما زادني العطب
عذلت لذاك القلب كيما يطيعني ... عليه لأسلوه فلم يطع القلب
/ ١٥٦ ب/ فأيقنت أنِّي لا محالة هالك ... فذاك الذي لم ينج منه المدى صبُّ
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط]
بعدًا لقوم غدوا من عظم ما جهلوا ... يعلو الغواة بهم فوق النَّحارير
ودولة ظلَّ أعناق البزاة بها ... مجرورًة بمناقير العصافير
والفار قد علقت يومًا وقد نشبت ... أظفارهن بلبَّات السَّنانير
فاربأ بعمرك يومًا أن تقيم بهم ... وإن أقمت فقل أي مهجتي سيري
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
قالوا نرى ببلاد النَّاس أجمعها ... أمنًا ومن دونها في إربل الحذرا
أحبتهم لو أراد الأمن يسكنها ... ما أرسل الله في أطرافها التَّترا
[٢٥٦]
عبد الله بن محمَّد بن بشير بن سعد الله بن أبي محمَّد بن أبي مضر بن أبي تغلب بن عليِّ بن أحمد بن الحسن بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب –صلوات الله عليهم أجمعين-، أبو الأزهر بن أبي المعالي الحائريُّ:
من مشهد الحسين بن علي/ ١٥٧ أ/ ﵉، لقيته بمدينة السلام.
следующие страницы →