Полный текст (2 778 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
[٢٥٤]
عبد الله بن إبراهيم بن عليِّ بن إبراهيم بن يوسف، أبو بكر الموصليُّ:
كان رجلاً نساجًا، ضعيف العينين، أسمر، أميًا، لا يكتب ولا يقرأ، ويقول شعرًا صالحًا في التشبيهات، والأوصاف، وله أشياء في الغزل، والمديح، والهجاء، يجيد رصفها بصحة غريزته، وكنت أقترح عليه وصف شيء فينظم فيه نظمًا مرضيًا.
ولم يعلق الآن بحفظي من شعره سوى ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى.
أنشدني لنفسه يصف الثريا: [من الخفيف]
كم قطعت الظَّلام من فوق بكر ... عيطموس تفلي نواصي البيد
والثُّريا تلوح في الشَّرق كالكأ ... ي وطورًا في الغرب كالعنقود
وأنشدني لنفسه في طلوع البدر على الماء: [من البسيط]
كأنَّ ماء الفرات العذب حين جرى ... والبدر من فوقه في اللّيل ممدود
فيروزج ذائب في الأرض منبسط ... فيه من الذَّهب الإبريز عامود
[٢٥٥]
عبد الله بن عمر بن صامح/ ١٥٣ ب/، أبو محمَّد الإربليُّ:
وهو أخو الذي مرّ شعره.
رجل طويل مائل إلى السمرة، يخضب بالسواد، أخبرني أنه ولد سنة ست وسبعين وخمسمائة، وخبرت أنه توفي بقلعة إربل سادس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
من أبناء المتصرفين بإربل، وله في صناعة التصرف، والحساب، والمساحة، الحظ الأوفر، وقد ولي للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين، صاحب إربل –﵁ أعمالاً جليلة.
стр. 597
وهو شاعر جيد حسن الشعر، مطبوع المعاني، أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –أجدّ الله سعده-:
[من الرجز]
يا نسمًة تضوعت بندِّ ... ومزنًة جادت بماء ورد
من أين هذا العرف هل حللتما ... أو جزتما بروضة بنجد؟
أم نسمت إليكما منه صبا ... باناته وأثله والرَّند؟
أم جئتما لتخبرا عن علوة ... بأنها قد سمحت بوعد؟
/ ١٥٤ أ/ أم تنظرا ما بي من نار جوى ... مشبوبًة بأعظمي وجلدي؟
ويا ركاب الصَّبر هل حادي النَّوى ... حداك عن ربع الحشا أم وجدي؟
أم زفرات أضلع لو ظهرت ... أحرقت الأرض بغير وقد؟
أم عبرات أدمع شؤونها ... محمرة السَّح احمرار الورد؟
أم لانسكاب ما جرت واستبقت ... وأثرت في صفحات الخدَّ؟
فإن يكن روعك منهنَّ ارجعي ... ساكنة الرَّوع بغير ضدِّ
فإنَّني أرسلها لآلئًا ... منظومًة في سلكها كعقد
وأجري من غروبها سحائبًا ... وابلة الهطل بغير رعد
وأنبتنَّ الأرض منها زهرًا ... يغنيك مرعى عن عرار نجد
بالله ناشدتك إن لم تحبسي ... بقلعة عن السُّرى والوخد
حاملًة رسالة الصَّبِّ إلى ... من بالصَّريم والكثيب الفرد
والعلمين واللِّوى والمنحنى ... والأجر عين والهضاب الجرد
مبلغًة عنِّي السَّلام مربعًا ... عن مربع وموردًا عن ورد
وناديًا علوة إنَّ مغرما ... يكنّ ما بين ضنى وجهد
إن تنقضي منك العهود لم يكن ... بناقض عنك قديم عهد
/ ١٥٤ ب/ أو تصرمي منه الوداد لم يكن ... بصارم منك حبال ودِّ
أو تقصري بالصَّد عنه سلوًة ... فليس يسلوك المدى عن صدِّ
لعلَّها تسمح بالوصل إذا ... ما علمت بحاله والوجد
فإن ابت فاعتسفي ويمِّمي ... ربع ابن موهوب الخصيب المجد
стр. 598
مولى له عزائم مرهفة ... تبري يد لخطب بغير حدِّ
وأنعم لو أنَّها تجمَّعت ... لم تحص من كثرتها بعدِّ
كأنَّها إذا جرت من يده ... البحر عند جزره والمدِّ
ترهب من جنانه الأسد إذا ... ما زأرت عند لقاء الأسد
وكيف لا يرهب من بأسي الرَّدى ... وربعه أضحى الغداة قصدي
أي شرف الدِّين أتيت مهديًا ... إليك حالاً طالبًا لرفد
معانيًا فهت بها ما ضمِّنت ... بنظم من قبلي ولا من بعدي
يقوله مبتدئًا في نظمه ... تنبَّهي يا عذبات الرَّند
ألحقتها بمن مضى من الألى ... لكنًّها زائدة في الحدَّ
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه: [من الخفيف]
وغلام أدنى يديه إلى الكأ ... س لتفتضَّها يداه جهارا
/ ١٥٥ أ/ فسطت سطوًة فألقت على كفَّيه ... من نورها شعاعًا ونارا
قلت ماذا الشُّعاع قال سل الكأ ... س فإن لم يجبك فالخمَّارا
فسألت الخمَّار قال ابن موهو ... ب الوزير المولى يدًا ويسارا
جاز يومًا بها فأوما إليها ... فكساها إيماؤه أنوارا
وأنشدني لنفسه يصف عوادًا وأحسن: [من السريع]
ومطرب تفهم أوتاره ... الأسماع ما لا يفهم النُّطق
كأنَّها رعد ومن فوقها ... كفَّاه في تحريكها برق
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
إذا لم تكن ذا قدرة بمن افترى ... عليك وأولاك الأذى بافترائه
فذره فإنَّ الدَّهر يفعل فوق ما ... تؤمِّل من إضراره وإذائه
وأنشدني لنفسه يخاطب بعض الرؤساء في أمر جرى له وحبس بسببه:
[من الكامل]
أأمين دين الله يا من لم يزل ... مبسوطًة كفَّاه بالإسعاف
ومبيد جيش الخطب يومًا إن سطا ... بوميض حدّ سنانه الشفَّاف
стр. 599
/ ١٥٥ ب/ أمن المروءة أن أولَّى عاملاً ... يومًا على طرف من الأطراف؟
يومًا ولا طرق المسامع لفظة ... في أرضه من منطقي بخلاف
وأظلُّ بالحبس الخسيس وما جرى ... لي فيه من ثلم على إجحاف
ويظل من ظهرت عليه خيانة ... في المال في أمن وعيش صافي؟
فلئن يكن ذنبي العظيم لديكم ... بين الأنام كفايتي وعفافي
قد تبت يا مولاي عنه توبًة ... ليست على شرط ولا استئناف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المتقارب]
إذا ضامك الدَّهر في قسمة ... فصبرًا على ذلك القسم صبرا
فلا القسم باق عليك المدى ... ولو شئت ذلك ما اسطعت قدرا
فبينا ترى المرء في ضيق أمر ... ترى فرج الله يأتيه أمرا
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
إذا ما الفتى أبداك بعض ضميره ... لسان له يومًا وأخفاك من بعض
تأمل بما أبدته عيناه إنَّها ... تبوح بمخفيِّ المودَّة والبغض
فعين الفتى تبدي الذي بضميره ... على يقظة منها وتخفيه عن بعض
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
/١٥٦ أ/ أيا مولى أقرَّ الدَّهر طوعًا ... له بالفضل والذِّكر الجميل
ومن عمَّت مواهبه البرايا ... عطاءً للحقير وللجليل
إذا ما مال غصن بالتواء ... عليك حناه بالحمل القليل
تدارك قطعه أبدًا لئلاً ... يميل عليك بالحمل الثَّقيل
فكم مالت غصون عن أصول ... فأوجب ميلها قطع الأصول
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
مولاي إن تكن الأرزاق قد قسمت ... وظلَّ قسمك منها أوفر القسم
فلا تكن فرحًا يومًا به أبدًا ... وأحذر باذهابه من زلَّة القدم
فإنَّ موليك هذا الرِّزق ظلَّ على ... إيلائه ثملاً من خمرة النَّدم
فإن صحا سترى في صحوه نقمًا ... يلقيك أيسرها في عالم العدم
стр. 600
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
ولمَّا رأيت الحبَّ ليس لدائه ... شفا غير ما وصل يجود به الحبُّ
ولم أر من حبِّ يجود بوصله ... عليَّ ويدنيني إليه ولا يصبو
وقد زاد ما بي فوق ما تجد الورى ... وأدركني من عظم ما زادني العطب
عذلت لذاك القلب كيما يطيعني ... عليه لأسلوه فلم يطع القلب
/ ١٥٦ ب/ فأيقنت أنِّي لا محالة هالك ... فذاك الذي لم ينج منه المدى صبُّ
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط]
بعدًا لقوم غدوا من عظم ما جهلوا ... يعلو الغواة بهم فوق النَّحارير
ودولة ظلَّ أعناق البزاة بها ... مجرورًة بمناقير العصافير
والفار قد علقت يومًا وقد نشبت ... أظفارهن بلبَّات السَّنانير
فاربأ بعمرك يومًا أن تقيم بهم ... وإن أقمت فقل أي مهجتي سيري
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
قالوا نرى ببلاد النَّاس أجمعها ... أمنًا ومن دونها في إربل الحذرا
أحبتهم لو أراد الأمن يسكنها ... ما أرسل الله في أطرافها التَّترا
[٢٥٦]
عبد الله بن محمَّد بن بشير بن سعد الله بن أبي محمَّد بن أبي مضر بن أبي تغلب بن عليِّ بن أحمد بن الحسن بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب –صلوات الله عليهم أجمعين-، أبو الأزهر بن أبي المعالي الحائريُّ:
من مشهد الحسين بن علي/ ١٥٧ أ/ ﵉، لقيته بمدينة السلام.
стр. 601
سنة أربع وعشرين وستمائة، وأنشدني من شعره يفتخر، من جملة أبيات:
[من الطويل]
أنا الموسويُّ الفاطميُّ الذي سمت ... بنا مضر والعالمون شهود
إذا افتخرت في كلِّ يوم قبيلة ... ففخري على كلِّ الأنام يزيد
ولولا أبي ما كان في النَّاس صالح ... ولا نصبت للمسلمين عمود
وجدِّي رسول الله أكرم مرسل ... رقا عند ربِّ العرش وهو حميد
وأمِّي البتول الطُّهر سيِّدة النِّسا ... لأولادها كلُّ الأنام عبيد
فمن شكَّ فيما قلته واعتمدته ... فذلك فيما يقتضيه عنيد
تخرَّق ثوب المجد عن كلِّ لابس ... وثوبي بهم في العالمين جديد
[٢٥٧]
عبد الله بن محمَّد بن عليٍّ بن محمَّد بن عليٍّ الأزديُّ، أبو محمَّد البغداديُّ المولد والمنشأ، المعروف بابن الهرويّ:
شيخ أبيض ربعة، نقي الشيبة.
أخبرني أنه ولد في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
وهو أحد الشعراء البغداديين المطبوعين.
قرأ الأدب على/ ١٥٧ ب/ أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي، ولقي أبا محمد عبد الله بن أحمد الخشاب البغدادي النحوي، وغيرهما من العلماء.
وشعره كثير في الهزل والسخف، وهو يحذو حذو أبي عبد الله ابن الحجاج، في فنونه، ويسلك نهجه في سائر منظومه.
شاهدت أبا محمد ببغداد، واجتمعت به غير مرّة، فرأيته رجلاً حسنًا، يجمع
стр. 602
فضلاً وكيسًا وظرفًا ولطافة، ويمزح ويلهو ويتماجن، وهو ممن يشار إليه في هذه الأصناف، وأنشدني الكثير من شعره، إلا أني لم أحفظه، ولا كتبت عنه شيئًا غير أبيات، أنشدنيها ملغزًا في المشط: [من الوافر]
وما شيء له وجهان فيها ... له رأسان شأنهما عجيب
له ثغران مبتسمان بشرًا ... وبشرهما فليس له قطوب
يفرق كلَّ مجتمع وهذا الَّذي من فعله تهوى القلوب
أبن لي أيَّ شيء قد لغزنا ... فما يدري به إلاَّ لبيب
[٢٥٨]
عبد الله بن يوسف/ ١٥٨ أ/ بن عبد الرَّحمن بن يحيى بن عمران بن إسماعيل الهنتانيُّ، أبو محمَّد المراكشيُّ:
شاب يحفظ كتاب الله تعالى، ويعرف طرفًا حسنا من الأدب، وهو شاعر صالح المنظوم، وقع إلى إربل، من بلاد الشام والديار المصرية منتجعًا بقوله، ومستميحًا بكلامه، فشاهدته بها في شهر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة، قاصدًا مجلس الصاحب شرف الدين –﵀ وتأملاً له، ورجاء لنائله، فأنشدني قصائد وقطعًا من شعره، وسألته عن ولادته فقال لي: الآن سبع وعشرون سنة، وكان سؤالي له في الشهر المبدوء بذكره، وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
لا وجد أعظم من وجد يخامره ... ولا جوى غير ما تحوي ضمائره
صبٌّ ألمَّ به يوم النَّوى ألم ... من الهوى فثوى في القلب ضائره
يهمُّ ممَّا به شوقًا فلا جلد ... له ولا عاذل في الحبِّ عاذره
لله درُّ زمان اللَّهو من زمن ... قضيته حيث لا واش أحاذره
والدَّار جامعة والشَّمل ملتئم ... وربرب الحيِّ تهواني جاذره
/ ١٥٨ ب/ ولي حبيب كبدر التِّمِّ طلعته ... واف له من بديع الحسن وافره
стр. 603
اغنُّ اغيد مثل الغصن معتدل ... لم يستطع حمل ما تحوي مآزره
بيض ترائبه سود ذوائبه ... زجٌّ حواجبه كحل نواظره
يزورني ثمَّ يجفوني بل سبب ... وآفة الصَّبِّ أن يجفوه زائره
أقول لمّا غدا في الهجر مجتهدًا ... كيف اصطبار محبٍّ أنت هاجره؟
ومنها في المدح يقول:
هو المبارك ما في النَّاس مشبهه ... ونجل أحمد ربُّ المجد باهره
ربُّ الجدى معدن الجود الَّذي عظمت ... عن أن تحدَّ وأن تحصى مآثره
فتة يجيبك عمَّا أنت مضمره ... قبل السُّؤال وقد لبَّاه خاطره
قد كمَّل الحسن والإحسان خالقه ... به فباطنه خير وظاهره
أكرم به سيِّدًا طالت مناقبه ... في المكرمات كما طابت عناصره
ما ذمَّه من نزيل منذ كان ولا ... ترحَّل الضَّيف إلاَّ وهو شاكره
يا ذا الَّذي حسنت من حسن سيرته ... في كلِّ قطر من الدُّنيا محاضره
إليك جاء يجوب البيد منتجعًا ... من أرض مصر وحيد العصر شاعره
يرجو لديك بما أرجو وآمله ... من الجميل فإنِّي عنك ناشره
/ ١٥٩ أ/ واسلم ودم في علا عزٍّ وفي نعم ... تأتيك من كلِّ ما ترجو بشائره
[٢٥٩]
عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمَّد بن عبد الله بن رواحة الأنصاريِّ، أبو القاسم بن أبي عليٍّ الحمويُّ:
стр. 604
وجده الأعلى عبد الله بن رواحة كان شاعر النبي ﷺ ، وكان والده الحسين بن عبد الله من الشعراء المجيدين، والفقهاء المبرزين، وهم من بيت الأدب والعلم بحماة.
وأبو القاسم كانت ولادته فيما أخبرني من لفظه بساحل البحر بمدينة صقلِّية، سنة ستين وخمسمائة، وانتقل مع أبيه إلى الإسكندرية، وأسمعه الحديث الكثير من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السَّلفي الأصفهاني، وأخذ له إجازات من مشايخ ذلك الوقت، كالحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي وغيره، وقدم إربل في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين/ ١٥٩ ب/ وستمائة، مجتديًا نوال سلطانها الملك العظيم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ وطالبًا رفده كعادة الذين يردون إربل من البلدان للاستجداء، فأقام بها أيامًا، وسمع عليه من مسموعاته جماعة، وحصل له نفقة صالحة.
стр. 605
وكان عسير الأخلاق، ضيق العطن، شرسًا في الإملاء، تافه النفس، لم يحب أن يسمع عليه أحد إلاّ بعوض، وفائدة، وفضل إليه.
أنشدني لنفسه ابتداء قصيدة عملها في الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي –﵁ أولها: [من الكامل]
صبرًا لعلَّلك في الهوى أن تنصفا ... أو أن ترقَّ لمدنف أو تعطفا
ما كلُّ من أضحى الجمال بأسره ... في أسره منح القطيعة والجفا
كلاَّ ولا من حاز أفئدة الورى ... بجماله أبدى المسير تعسفا
يا مانعًا جفني الكرى بصدوده ... قسمًا بعهدك بعد بعدك ما غفا
غفا، لغة رديئة، وإنما يقال: أغفى.
/ ١٦٠ أ/ إن كان قصدك أن تريق دمي فلا ... تتقلَّدن سيفًا فطرفك قد كفى
لو أنَّ جسمي في بحار مدامعي ... يطفى لنار فيه من سقم طفا
ومن مخلصها في المديح:
أحييت يوسف في المحاسن مثلما ... أحيا أبو بكر أخاه يوسفا
وأنشدني لنفسه في صديق له سافر ولم يودّعه: [من الوافر]
رحلت ولم أودِّع منك خلاَّ ... صفا كدر الزَّمان به وراقا
ولكن خاف من أنفاس وجدي ... إذا أبدى العناق يرى احتراقا
فكأس الشَّوق منذ نأيت عنِّي ... أكابدها اصطباحًا واغتباقا
وأنشدني لنفسه في غلام أصفر الشعر، كان عريانًا في الحمام، وقد عرق جسمه:
[من البسيط]
واغيد كقضيب البان معتدل ... قدًا وألحاظه أمضى من القضب
كأنَّما جسمه كافورة رشحت ... درًا وطرَّته الشَّقراء من لهب
стр. 606
[٢٦٠]
عبد الله بن عبد المحسن/ ١٦٠ ب/ بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عبد القاهر بن هشام بن محمَّد بن أحمد بن المظفَّر، أبو الفضل بن أبي القاسم بن الطّوسيِّ الخطيب:
من أبناء الخطباء بالموصل، وبيت الخطابة والعلم فيها، مشهور عند الناس، وأبو الفضل حفظ القرآن العزيز، وسمع على والده الحديث، وتفقه عليه أيضًا على مذهب الإمام الشافعي –﵁ ووعظ الناس، وقال شعرًا كثيرًا، وأنشأ خطبًا منبرية.
أخبرني أنه ولد حادي عشر شعبان سنة ثلاث وستمائة بالموصل، وهو الآن مقلد الخطابة بالجامع العتيق.
أنشدني لنفسه يمدح مولانا وسيدنا الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا جعفر المنصور –أدام الله أيامه- حين شرّف المولى السلطان المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين، أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين –أنفذ الله أمره، وشدّ ببلوغ الأماني أزره –بخلعة وفرس وسيف وسنجق وسلطنة وخطب له/ ١٦١ أ/ على المنابر: [من الوافر]
إمام العصر حزت الحصر جودًا ... وشرَّف ملكك الدُّنيا وجودا
وأضحى الدَّهر نحرًا ثم أضحت ... ولايتكم له فينا عقودا
فلولاكم لما بلغت أمان ... ولا عذب البقاء لنا ورودا
وإن أعددتم للحرب جندًا ... فإنَّ من الدُّعاء لكم جنودا
стр. 607
وإن جدَّدتم نعمًا علينا ... فشكرك لا يزال لها جديدا
سهرتم في مصالحنا عيونًا ... وكنّا عن مصالحنا رقودا
ووليتم علينا خير وال ... مناقبه بذاك غدت شهودا
يقوم بأمركم سرًا وجهرًا ... إذا أمثاله أمسوا قعودا
وأمّا في رعايته الرَّعايا ... فقد حازت مناقبه الحدودا
ويكفي أنَّنا كنًّا عظامًا ... كساها من مكارمه جلودا
وفضل أبي الفضائل غير جاف ... أقرَّ به الّذي أمسى حسودا
لقد أضحى بما آتاك فينًا ... أمير المؤمنين اليوم عيدا
ملابس قد غدت بيض المعاني ... وإن كانت بمرأى العين سودا
يضيء بليلها منكم جبين ... به يهدي إلى الجود الوفودا
/ ١٦١ ب/ وسيف يغرق الأعداء موجًا ... ويخطف ضوؤه البصر الحديدا
إذا اشتبكت وغى سمر العوالي ... يغادرها بحدَّيه حصيدا
وطرف يسبق الطِّرف امتدادًا ... كأنًّ بمن يجاريه قيودا
وأما السَّنجق الميمون فينا ... به عقدوا لنصركم البنودا
ذوائبه تذيب من الأعادي ... قلوبًا قد غدت ملأى حقودا
يطيعكم بما شئتم قيامًا ... ويعصي إن ترد منه سجودا
وكان رجاؤنا هذا وأنَّى ... [نجد من] بعد ذاك لكم مزيدا
لئن خربت ربوع علا سواكم ... فربع علاكم أضحى مشيدا
بحبكم إمام العصر فينا ... لقد أضحى المحبُّ له سعيدا
يضاعف من يواليه صعودًا ... ويرهق من يناويه صعودا
ولازلتم مطاعي الأمر فينا ... ولازلنا لدولتكم عبيدا
ودمت مخلَّدًا ما فاح رند ... ولاح الصُّبح بعد دجى عمودا
وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين –أعّز الله نصره- ويلتمس من/ ١٦٢ أ/ إنعامه توقيعًا بالخطابة: [من الوافر]
مليك الأرض يا من في يديه ... مواهب تخجل الغيث الهتونا
ومن تخشى الأسود سطاه حقًا ... فتلزم من مخافتها العرينا
стр. 608
ومن بالجود منه كلُّ حرٍّ ... غدا في الرِّقِّ معتقلاً رهينا
ومن بالعدل منه في الرَّعايا ... وبالألطاف كم أحيا دفينا
أما بشَّرتكم بالنَّصر لمَّا ... حضرناكم وشاهدنا اليمينا؟
وقلت وقال من أضحى كفيلاً ... بما قد قاله وغدا ضمينا
معاذ الله أن تخشوا عدوًا ... وناصركم أمير المؤمنينا
ومن يك من مواقفه ببال ... فقد ناك المنى دنيا ودينا
ولازلنا لدولتكم عبيدًا ... ولا حكمت يد لسواك فينا
فعلمك قد أحاط بصدق وعدي ... وصار الشكُّ عندكم يقينا
ولست بمدَّع في ذاك غيبًا ... ولكن فوز جدكم يرينا
ولي حق البشارة من نداكم ... فعندكم غدا حقِّي مبينا
وآمل منك توقيعًا شريفًا ... بتوليتي خطيب المسلمينا
كتوقيعي أبي وبيه قبلي ... ليضحى في يدي سيفًا متينا
/ ١٦٢ ب/ وأنشدني أيضًا من شعره، ما كتبه إلى زين الدين أبي الحسن علي بن سالم الكاتب، منشئ الديوان المولوي البدري –حرس الله مجده- ويتنجز منه أن يكتب له توقيعًا بتقليد الخطابة بالجامع العتيق: [من الوافر]
أيا مولى له في النَّاس ذكر ... يفوق بنوره نور الصَّباح
أتتني منك معتبة ولمَّا ... أهمَّ إلأى جنابك باجتراحي
وإنَّي كنت أولى النَّاس عتبًا ... عليك جزاء هجرك لي الصُّراح
وإنَّ حوائجي أضحت لديكم ... مقابلًة بترك واطِّراح
وما زلتم لريب الدَّهر ذخري ... ولم أبرح أريش بكم جناحي
على أنِّي مريض القلب همَّا ... وليس على مريض من جناح
فإن تعفو فأهل العفو أنتم ... وأهل للمكارم والسَّماح
وإن صمَّمتم طلب انتقام ... رميت لديكم طوعًا سلاحي
وما أنا عنكم أبدًا بسال ... ولا مصغ إلى واش ولا حي
فلا تجعل لطردي عنك وجهًا ... فمالي عن جنابكِّ من براح
/ ١٦٣ أ/ وسمِّ وتمِّم التَّوقيع باسمي ... على اليمن المؤمَّل والنَّجاح
стр. 609
وأحكمه بخطٍّ مستنير ... وألفاظ مهذَّبة فصاح
ولا تكتبه إلاَّ في فراًغ ... وحال سرور قلب وانشراح
وكن إعذار تقصيري مقيمًا ... فقد أضحى لديكم ذا اتِّضاح
فلولا أننَّي في ضيق عيش ... أقاتل بالصَّوام والرِّماح
ودين قد علاني كنت منه ... بريئًا في أمان وارتياح
لما قابلت خادمكم بهذا ... ولا أصبحت ذا وجه وقاح
ولكنِّي سأجبر نقص فعلي ... إذا اتَّسعت بما أرجوه راحي
وليس وأنت لي هذا بعيدًا ... أؤمِّله غدوِّي أو رواحي
[٢٦١]
عبد الله بن الخضر بن محمود المقرئ، أبو العبَّاس، الموصليُّ المولد والمنشأ، المعروف والده بالجامدار:
قرأ القرآن الكريم على أبي عبد الله محمد بن قريش بن مسلم الفارقي المقرئ –﵁ تلقينًا، نزل بمدينة إربل سنة وعشرين وستمائة، وأقام بدار حديثها مدّة/ ١٦٣ ب/ يسمع الحديث على شيخنا أبي الخير بدل بن أبي المعمّر بن إسماعيل التبريزي، ثم رحل عن إربل، وقدم الموصل، وانحدر إلى مدينة السلام في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ثم توجه نحو الموصل، فبينما هو سائر إذ وقع من ظهر الجمل، فآلمه بعض أطرافه من شدة الوقع، فانقطع في الطريق، وعدم خبره، ولم يعرف إلى الآن حقيقة خبره.
أنشدني لنفسه يمدح الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبا العباس أحمد –رضوان الله عليه-: [من الطويل]
تذكر أيَّام الصِّبا فتألَّما ... وحنَّ وهل يشفي الحنين المتيَّما؟
وفي النفس أشواق وفي القلب حسرة ... أبت طول هذا الدَّهر أن تتصرَّما
стр. 610
فلا هو بالرَّاقي إلى سؤل نفسه ... ولا بالَّذي يسلو لينجو مسلَّما
ولمَّا رأيت القوم للبين أزمعوا ... يصيحون للراقي إذا ما ترنَّما
أشرت إلى نار الحشا فتضرَّمت ... وقلت لدمعي جدَّ قد أقفر الحمى
خليليَّ إن عاينتما دمن الحمى ... فعوجا على أبيات سلمى وسلِّما
وإن جئتما ورد الحمى فاشربا به ... وإن أنتما لم تسقياني شرقتما
/ ١٦٤ أ/ منازل سلمى بالعقيقين هجت لي ... غرامًا إذا نامت عيون الورى نما
ولكن تصاريف الزَّمان عجيبة ... تغادر حلو العيش والحال علقما
ولم أر مثلي عاشقًا ذا صبابة ... ولا مثل دمعي في الديار إذا همى
ولا كأمير المؤمنين خليفًة ... بتفضيله الرَّحمن فينا تكلَّما
إمام إذا لم يعرف المرء فضله ... على النَّاس يصلى في المعاد جهنَّما
إذا جال طرفي فيه أصبح خاسئًا ... حسيرًا لديه خاضعًا متوسِّما
هو الجوهر الغالي النَّفيس فلا يرى ... هو البحر رده لا ترى بعده ظما
هو الشغلة المأخوذ ضوء سنائها ... من القبس المودوع في صلب آدما
هو النَّاصر ابن المستضيء فلا ترى ... أجلَّ وأعلى منه فضلاً ومنتمي
فليست سماء الله هذي التي ترى ... ولكنَّ أرضًا تحتويه هي السَّما
ولو لم يطأ هذا التُّراب برجله ... لما جاز للإنسان أن يتيمَّما
أخا الفضل لا تجزع لوقع ملمًّة ... فلابدَّ للأيَّام أن تتصرَّما
إذا ما اعتراك الدَّهر يومًا ببأسًه ... وأمَّلت أن تلقى إلى العزِّ سلَّما
أنخ بفنا دار السَّلام ترى بها ... إمامًا إذا عاينته تأمن العمى
/ ١٦٤ ب/ ترى جنَّة المأوى ترى علم الهدى ... ترى كلَّ ما تهوى من الأرض والحمى
ترى واحد الدُّنيا وباذل وفرها ... وترجع بالزُّلفى عزيزًا مكرَّما
إذا افتخرت يومًا قريش بمفخر ... فخير قريش من إلى جدِّه انتمى
فلولاه لم نسعد ولولا ابن عمِّه ... لما شرَّف الله الحطيم وزمزما
يميت ويحيي كلَّ يوم عصابًة ... فكلُّ بنان منه عيسى بن مريما
فلو عاين الدَّجال شدَّة بأسه ... تمزَّق إعظامًا له ثمَّ أسلما
ولو ظهرت منه على الخلق نقمة ... لما صحَّ عندي أنَّ في الأرض مسلما
стр. 611
ولا بدَّل الله البلاد بغيره ... ولا زال معمور الجناب معظَّما
[٢٦٢]
عبد الله بن يوسف بن محمَّد بن يوسف بن أحمد بن الحسن، أبو محمَّد الموصليُّ:
كان شابًا متأدبًا ذكيًا، من أبناء الرؤساء، وذوي النعم، وكان يميل إلى الشعر، والتحفظ من مختاره وأحسنه، وربما قال أبياتًا صالحة.
وكانت ولادته تاسع ذي القعدة سنة ستمائة بالموصل، بسكة الكاروز، وتوفي ثالث عشر ذي الحجة/ ١٦٧ أ/ سنة ثماني وعشرين وستمائة، تغمده الله برحمته.
أنشدني له أخوه الرئيس أبو الحسن علي بن يوسف قال: أنشدني أخي عبد الله لنفسه يصف القصيل وقد علاه الندى: [من الكامل]
أنظر إلى قضب الزُّمرد بكرًة ... ولما عليه من النَّدى تتحيَّر
فكأنًّه دمع يكفكفه الحيا ... فيجول في الآماق لا يتحدر
[٢٦٣]
/ ١٦٥ أ/ عبد الله عبد الرحيم:
[من البسيط]
ما حاول الصَّب يومًا عنك سلوانا ... فكيف بدلتَّه بالوصل هجرانا
ونمت عن ليلة باتت كواكبها ... ترعى بعينيه حتى الصُّبح ولهانا
والحبُّ لو كان عدلاً في حكومته ... لصدَّ دون الكرى أجفان أجفانا
ضنوا بما عونه سكنى الحمى ولووا ... ديون عشاقهم ظلمًا ولَّيانا
واستصوبوا جورهم فينا مجاهرًة ... كأنَّنا لم نكن بالأمس جيرانا
وأظهروا لمحبيهم مخادعًة ... من محكم الودِّ ما ضنُّوا به الآنا
стр. 612
أقمار تمٍّ علتها من براقعها ... عمائم ما اكتست فيهن أدجانا
كأن ريح التصابي في مجاسدها ... باتت تهزُّ من الأعطاف أغصانا
يالائمي في الهوى مهلاً فلي كبد ... تذكي بها نفحات الشَّوق نيرانا
وكيف أنعم بالاً أو الذكرى ... وفي الحمول اللَّواتي جزن نعمانا
/ ١٦٥ ب/ هيفاء في خدها ورد وفي فمها ... ورد يظلُّ إليه القلب ظمانا
ليليَّة الفرع تنضو من غلائلها ... دكنًا تفحُّ سحيق المسك والبانا
لولا المجرب من درياق ريقها ... كما أضافت إليه منه ثعبانا
في وجهها نيِّر لا يستسرُّ وقد ... يعرو السِّرار بدور التمِّ أحيانا
والحلي تكسبه حسنًا ترائبها ... إذا ترائب أخرى غيرها زانا
مفيقة القلب من وجدي وناظرها ... تخاله لانكسار الدَّلِّ سكرانا
لو باسمها نودي الأروى لأسهل عن ... طوع ولو لامست متن الصفَّا لانا
تحمي سلافة فيها ثمَّ ترشفها ... من الأراك بعيد النَّوم عيدانا
للحسن فيها صفات قلَّما اجتمعت ... إلاّ لتغدو على العشَّاق أعوانا
تلهي الجميع بلذٍّ من فكاهتها ... يخال طبعًا إذا كرَّته ألحانا
كأنَّ أنفاسها أنفاس سارية ... هبَّت فهزَّت قبيل الصُّبح ريحانا
فلو تمرُّ بنا موتى وقد كشفًت ... بحرفها عن محيَّاها لأحيانا
ما استعبد الحسن لولاها ولا أحد ... في النًّاس كابن سعيد بثَّ إحسانا
/ ١٦٦ أ/ أوفى البريَّة معروفًا وأرفعهم ... قدرًا وأثبتهم في المجد أركانا
واري زناد النَّدى والفضل قد عرفت ... فينا صنائعه سرًا وإعلانا
سيًّان كفراننا مشهور أنعمه ... فينا وإضماره بالله كفرانا
مولى يمنُّ بلا منٍّ ويرغب عن ... نيل المنيل إذا ما كان منَّانا
جمُّ الذَّكاء تريه ألمعيَّته ... ما لم يكن داخلاً في ما كانا
لذنا به فأرانا من مكارمه ... وفضله ما كرام النَّاس أنسانا
تعشو إلى نار نعماه الضيوف كما ... ينفك جار علا قدرًا وضيفانا
ويستبيح حمى الأموال نائله ... ولم يصب من حمى أمواله صانا
تروى أحاديث نعماه مسلسلة ... عن موثقي مسند العلياء إتقانا
стр. 613
في كلِّ وقت يرينا من خلائقه ... وحسن آدابه نورًا ويستانا
يلقى رحال المنى عافي مواهبه ... بحيث لم يخش عافي الجود حرمانا
بأضيق الناس عذرًا إن هم سؤلوا ... جودًا وأوسعهم ............
إذا أتيناه نشكو من أذى زمن ... سخا فما يعقب الأزمان أزمانا
سهل الحجاب منيع الدار منبته ... في دوحة كرمت أصلاً وأفنانا
قوم إذا وزنوا بالناس كلِّهم ... في سؤدد رجحوا بالنَّاس ميزانا
/ ١٦٦ ب/ القائمين بأعباء العلا كرمًا ... ثمَّ المقيمين أفعالاً وأديارنا
توسعوا في النَّدى حتَّى لقد سمحوا ... بالمستحيل من الإعطاء إمكانا
لو جاز أن يرجع الماضي على أحد ... من عمره لأصاروا الشِّيب شبَّانا
لا يهتدى لمساعيهم وإن سطعت ... أنوارها وغدت كالشَّمس تبيانا
جاءوا العلا قبل إلمام الكرام بها ... فاستصلحوا خيرها دينًا وبنيانا
شعارهم حبُّ مبطان الضُّيوف إذا ... حبَّ السَّفير ولم يبدوه إبطانا
تلقى أعاديهم يوم اللِّقاء بهم ... آساد خفَّان في أكناف خفَّانا
باهت بفضل بهاء الدِّين أسرته ... حتَّى لقد أشبهت في الفخر عدنانا
مولى بنى لبني الخشَّاب بيت علاً ... طالتت مبانيه حتَّى جزن كيوانا
إذا استمحناه أعطى فوق بغيتنا ... وإن أسأنا يرينا منه غفرانا
أعاشنا الله نتلو شكر أنعمه ... حتَّى عليه إذا متنا توفّانا
فكم أعان على خطب أجاز بنا ... مكروهه وحمى من حينه حانا
ودام وابناه فيما شاء من دعة ... حتى يحرّك أمر الرّيح ثهلانا
[٢٦٤]
عبد الله بن عيسى بن الحسيين ن أبي طالب بن محمد بن باروخ، أبو الهيجاء بن أبي منصور الكرديُّ المهراني الموصليُّ:
كانت ولادته سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالموصل، وكان والده أميرًا جليلاً
стр. 614
عظيم المنزلة، عند أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، وأخص حجابه في دولته.
وابنه هذا أبو الهيجاء شاب جندي، ذو طبع في الشعر سليم، وفكر في إنشائه مستقيم، صاحب معان منتخبة، وألفاظ مستعذبة، مجيد في كلامه، محسن في صوغ القريض ونظامه، له طرف/ ١٦٧ ب/ شائقة، وأوصاف رائقة، ولم يعتن بشيء من الصنائع إلا وكان فيه تام المعرفة والحذق، يفوق به أقرانه وأشكاله، ثم إنَّ له اليد الباسطة في الآداب الملوكية، كالتصيد بالصقر والكلاب، والضرب بالصولجان، والرمي بالقوس، وركوب الخيل وسباقها، وغير ذلك، وهو في نفسه مفرط الذكاء، سريع الإدراك.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، مغيث الأنام، صفي الإمام، قسيم الدولة، محيي الملة، بهلوان جهان، خسرو إيران، قزل أرسلان، أتابك أبا الفضائل، نصير أمير المؤمنين -خلّد الله ملكه- من قصيدة مطلعها في المديح: [من الكامل]
يا من يعير الغصن قدًا والنَّقا ... كفلاً ويحسد خصره الزُّنبور
إخفض جناح العطف منك فإنَّه ... ظلٌّ عليَّ وما سواه حرور
إلاَّ سوابغ أنعم سحَّت على الـ ... ـدُّنيا فهنَّ سحائب ونحور
من كفَّ من كفِّ الحوادث طوله ... والطَّول فهو من الزَّمان خفير
/ ١٦٨ أ/ الضَّيغم البحر الخضمُّ الطَّود للـ ... ـخطب الملمِّ المالك المنصور
العادل السُّلطان بدر الدِّين والـ ... ـملك الرَّحيم المنعم المشكور
القاهر المتمرِّدين القامع الشـ ... ـشرك الكميُّ الأروع المحذور
عضد الخلافة ناصر الإسلام محـ ... ـيي العدل حام للثُّغور مجير
زاكي النِّجار فتى الفخار أخو الوقا ... ر أبو اليسار فما لديه عسير
стр. 615
من دونه كسرى وقيصر في الغلا ... هاذاك مكسور وذا مقصور
سبحان معطيه السَّعادة والنُّهى ... من أردشير لديه من سابور؟
من عنتر من حاتم من قيس بل ... من قسًّ حيث حديثه المأثور؟
كم من خميس كتيبة كادت لديـ ... ـه الأرض تزحف والسَّماء تمور
جعل الرِّياح الهوج ساكنًة فلم ... تسطع لمشتبك الوشيج تسير
وسمت أسنَّته فأوجس خيفة ... منها الغيور فما لديه غيور
ومضت صوارمه لرعد بنوده ... فالصَّيِّب المتدفِّق التَّامور
وافي اقتحامك وهو ... بدوه ... يكفيك عودًا والجواد درير
جنحًا جناحاه وقلب قلبه ... حتَّى القوادم والخوافي بور
يومًا تكاد تميَّز الأبطال من ... غيظ وأوداج الكماة تفور
/ ١٦٨ ب/ يا من يجلُّ بأن ترام صفاته ... حضرًا وكلٌّ وصفه محصور
ما إن رأى الرَّاؤون قبلك مالكًا ... طوعًا له فلك الزَّمان يدور
لم أثن في شعري لديك تكلُّفًا ... مدحًا ودون طباعك المذكور
خذ في علاك قصيدًة قد أفحمت ... نطق الفرزدق حيث جاء جرير
واسلم مدى الأيَّام مهما أسفر الـ ... ـصبح المنير وأظلم الدَّيجور
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
عجبي له شرب المدامة طالبًا ... سكرًا وقهوة ريقه من فيه
لو كان يفعل في خلائقه الطِّلا ... كانت سلاف رضابه تنشيه
أو أنَّه ثمل بها ولعلَّ صهـ ... ـباء العقار بفعلها تصحيه
مثل العليل المستمرِّ صلاحه ... يرجى بثاني علَّة تأتيه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
تقول وقد زمَّت لبين جمالها ... مراعيًة عهدي بلطف التَّودُّد
هلمَّ لتوديعي فقد أوشك النَّوى ... وأرخت دموعًا كالجمان المبدَّد
فقلت وأنفاسي يصعدها الأسى ... وقد أذخت نار الهوى في توقُّد
محّلك في قلبي وإن أقفر الحمى ... ولكنَّ طرفي من جمالك زوِّدي
/ ١٦٩ أ/ ولا تنكري تركي الوداع فإنَّه ... بمثلك لا يسخو متى ظفرت يدي
стр. 616
وأنشدني قوله: [من الطويل]
ولمَّا تهادى أن ترى كتبك الَّتي ... أسرُّ بها ما دمت في شاسع البعد
علمنا بأنَّ البين ينسى ولم تدم ... شروط جرت عند الوداع من الودَّ
كتبنا عسى تحنو علينا بمثله ... كتابًا يبكِّي ضمنه أعين الصَّلد
ولابدَّ في بطء السَّحاب عن الرُّبى ... موافاة مستسقًى له ربَّما يجدي
وأنشدني من شعره: [من الطويل]
وذو، هيف حاز الجمال ظرافًة ... ودقَّ معان في الجمال وفي الهيف
تحار عقول الواصفين لحسنه ... ويكبر عند الوصف قدرًا فلم يصف
وأنشدني أيضًا قوله: [من الكامل]
لو كان يجزي الصبَّ خبر وداده ... لمحبِّه في قربه وبعاده
تالله لم يصدرنه أيدي النَّوى ... عمَّا يلذُّ الصَّاب في إيراده
كلاًّ ولا أضحى الغرام غريمه ... حتَّى لقد أخفاه عن عوّاده
يا سائلاً عن حال صبٍّ ساهر ... أنساه هجر الوصل ذكر رقاده
خدَّدن خدَّيه دموع جفونه ... تيك التي حشيت بكحل سهاده
/ ١٦٩ ب/ لم يصح من سكر الصَّبابة ساعًة ... أن يرعوي وإذا شككت فناده
يا ويحه كم ذا يكابد من جوى ... وأقلُّ سبل الغيِّ دون رشاده
أو ما كفى أن لم يخلِّ له الهوى ... إصلاح حال لم يقم بفساده
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الكامل]
ريُّ ثغر ما بدا إلاَّ أرا ... نا البدر يحمله قضيب مائل
طبعت سيوف لحاظه من نرجس ... ولها بنفسج عارضيه حمائل
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
محمَّد صل كئيبًا مستهاما ... بحبِّك لا يقرُّ له قرار
صبورًا في الحوادث غير واه ... ولكن عنك ليس له اصطبار
بنرجس مقلتيك وورد خدٍّ ... أحاط به بنفسجه العذار
وقدَّ كالقناة وليل شعر ... تبلَّج تحت حاجبه النَّهار
стр. 617
أجرني من هواك ومن جفاك الـ ... لذين كلاهما في القلب نار
ولا تبخل بقربك من محبٍّ ... سخا بالعرض فيك وليس عار
وأنشدني من شعره أيضًا: [من الكامل]
لم أنس زورته بلا وعد وقد ... ارخى الظلام حنادسًا بسدوله
/ ١٧٠ أ/ وافى نسيم عبيره فتأرَّجت ... نفحات ريَّاه قببل وصوله
وتلألأت أنواره حتَّى لقد ... قام الورى لله في تهليله
قصد اكتتام السِّر خوف رقيبه ... معنا فلم نقدر على تحصيله
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا حبَّذا اليوم من يوم أغرَّ لقد ... وافى بأعجوبة سيَّرتها مثلا
كأنما اشتبكت دون السَّماء على ... الأرض الفواخت حتى سدَّت الخللا
ونافرت بعضها بعضًا مقاتلًة ... فظلَّ يسقط زفُّ الرِّيش مانسلا
وقام بالأرض حتَّى لو توجَّه في ... إحدى المسالك خلق طلَّ وانخذلا
ولا سماًء ولا جوًا نرى أبدًا ... ولا نحقِّق لا سهلاً ولا جبلا
ولو سألت عن الدُّنيا لقيل نرى ... كندف قطن وأمّا غير ذاك فلا
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
كتبت إليه شاكيًا من جفونه ... وكون تعدِّيها عليَّ بلا جرم
وأنهيت أحوالي إليه تضمُّنًا ... وما يعقب التَّذكار عندي من السُّقم
رجاء عسى يرثي فيحيى بقربه ... لمقتول بعد نازح الدَّار عن ظلم
/ ١٧٠ ب/ فوقَّع لي ليس المريض عليه من ... جناح وقد أنهى عن الوصل في الحكم
وبعد فمن ألقى ضلالاً بنفسه ... إلى الهلك حقًا ما على الغير من إثم
стр. 618
[٢٦٥]
عبد الله بن أبي القاسم بن أبي الفرج، المعروف بالجديد الحريميِّ:
من أهل الحريم الطاهري، كان رجلاً حرفته التكسب بالشعر لا غير، ويستجدي به الرؤساء من البغداديين، فيثاب عليه في ذلك بالنزر الطفيف.
أنشدني الشيخ العدل أبو بكر عبيد الله بن يحيى بن أبي بكر بن سالم ابن عثمان البغدادي الكاغدي بمنزله ببغداد، بجانبها الغربي، بدار القز، سنة تسع وثلاثين وستمائة قال: كتب إليّ أبو بكر عبد الله بن أبي القاسم بن أبي بكر الحريمي لنفسه بهذه الأبيات: [من الخفيف]
دم أبا بكر سالمًا من صروف الـ ... ـدَّهر والنَّائبات والأعراض
صافي الورد ضافي البرد سامي الـ ... ـجدِّ والعزِّ مترع الأحواض
ومر الدَّهر يستجب أمرك النَّا ... فذ من غير وقفة واعتراض
وأبق في هضبة من العزِّ والعلـ ... ـياء ما لم تشم بروق انتقاض
أيُّها الماجد الكريم السَّجايا ... والنَّقي الأذيال والأعراض
دعوة من أخي وداد سليم الـ ... ـعهد والودِّ صالح الأغراض
كلَّ يوم نسدي إليك ثناًء ... مثل نشر النَّسيم فوق الرِّياض
لاعدا ربعك السُّرور ولازا ... ل مصوبًا بالعارض النَّهَّاض
وتوالت على أعاديك أحدا ... ث من البؤس في النُّفوس قواضي
стр. 619
[٢٦٦]
عبد الله بن محمَّد بن محمود بن علي بن عبد الرحيم بن عليِّ بن خلف بن هلال بن نعمان بن داود بن عليِّ بن خلف بن الخضر بن مالك بن عبد الله بن مالك بن الحصين بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بنزيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو القاسم بن أبي عبد الله التميمي الحلبيُّ: طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو القاسم بن أبي عبد الله التميمي الحلبيُّ:
كان لسلفه قدم في الأدب والفضل، ونظم الشعر.
وأبو القاسم شاهدته بمحروسة حلب في العشر الأواخر من شهر شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة، وهو يتصرف في الأعمال، ويتولى النظر في ديوان/ ١٧١ أ/ الإهداء.
وسألته عن ولادته فقال: ولدت خامس شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بمدينة حلب، وهو شيعي المذهب، شاعر مجيد فيما يأتي به من مديح وتغزل، بمعان حسان، وألفاظ عذاب، يسلك أسلوب الشعراء المتقدمين فيما يحاولونه، وأندني جملة من أشعاره.
فممّا أنشدني بمنزله المحروس بمدينة حلب يوم الثلاثاء ثامن رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة لنفسه، وأنا سألته: [من الكامل]
لو كان أعتب بعد طول عتابه ... لشفى فؤاد الصَّبِّ من أوصابه
لكن خلا قلبًا فبات مخلِّيًا ... قلبي وما يلقاه من إطرابه
وهواه لولا ما تجنُّ جوانحي ... منه لما استعذبت مرَّ عذابه
قمر يكنُّ البدر تحت لثامه ... ويميس خوط البان بين ثيابه
стр. 620
اشفى على تلف ولمَّا يشفني ... من حرِّ بلبال برشف رضابه
وأودُّ منه مولعًا بصدوده ... تمري ذهاب الدَّمع ريح ذهابه
وشي العذار بعارضيه أصارني ... لا أستجيب لمن بحالي وشى به
ما كان أرغد عيشتي لو كان لي ... من جيده في الليل حظُّ سخابه
/ ١٧١ ب/ يفري القلوب بمرهف من لحظه ... لم يدر يومًا ما فراق قرابه
إن بان عن عيني فإنَّ خياله ... ليجرُّني ولهي إلى منتابه
لمَّا تعرَّض لي وقد طعم الكرى ... جفني وجدَّ الوجد في استحلابه
أفنيت ليل وصاله لثمًا له ... وذهلت عن تعنيفه وعتابه
حتَّى لقد حاولت عند مضيِّه ... منعًا له وتعلقًا بثيابه
وافى فقلت: الطِّيب حاول تجره ... في حندس الظَّلماء فضَّ عبابه
أو مدح أحمد الرُّواة تناقلت ... مأثوره وتعرضت لملابه
المغتدي همَّ العلا لسماحه ... وهباته في عنفوان شبابه
حتَّى لقد حاولت عند مضيِّه ... منعًا له وتعلُّقًا بثيابه
وافى فقلت: الطِّيب حاول تجره ... في حندس الظَّلماء فضَّ عبابه
أو مدحح أحمد الرُّواة تناقلت ... مأثوره وتعرَّضت لملابه
المغتدي همَّ العلا لسماحه ... وهباته في عنفوان شبابه
مازالت الأيَّام تخلف موعدي ... حتَّى أقامني الرَّجاء ببابه
يقفو سبيل العدل في أحكامه ... فكأنَّه داود في محرابه
ويجير من جور الزَّمان إذا عدت ... أحداثه ويفلُّ من أنيابه
فالملك ليس بقاؤه إلاَّ على ... تدبيره وصلاحه إلاَّ به
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
لولا اعتياد لواعج الأشواق ... لم يع ذا هواك نفث الرَّاقي
ولكان يقنع من وصالك في الدُّجى ... إلمام طيف خيالك الطَّرَّاق
/ ١٧٢ أ/ لكن جمعت عليَّ من ثقل الهوى ... بيد الجوى والبين غير مطاق
ولا تخفقي مسعى هواي فإنَّني ... أطوي الضُّلوع على حشًا خفَّاق
وعدي جميلاً عاشقيك وجانبي ... في الحبِّ نقض مرائر الميثاق
كيف السَّبيل إلى السُّلو لمغرم ... جمعت عليه شوارد الإشراق
стр. 621
أم كيف لا يبدو هواه وقد بدا ... طلل الأحبة ظاهر الإخلاق
طلل لعلوة باللِّوى ابقى البلى ... من رسمه لحشاشة المشتاق
كانت معالمه تروق لما بها ... من صمت خلخال ونطق نطاق
من كلِّ رائعة الجمال غريرة ... خمريَّة الوجنات والأرياف
تأوي الحجال وترتعي ألبابنًا ... وتعاف رعي الشَّت والطُّبَّاق
لا أظلم الغربان لم يقذف بها ... أمد النَّوى إلاَّ رغاء نياق
ولربَّ كأس بتُّ أسقاها على ... مثل الحديقة من محيَّا السَّاقي
خلفت خلال محمَّد ففعالها ... بالهمِّ فعل نداه بالإملاق
وأنشدني أيضًا لنفسه في التاريخ المذكور: [من الطويل]
/ ١٧٢ ب/ بدا قمرًا في حندس اللَّيل نيِّرا ... وهزَّ ردينيًا من القدِّ أسمرا
وأبدى لنا ما بين آس عذاره ... غداة بدا وردًا من الخدِّ أحمرا
وأمعن في بري الجسوم تعمُّدًا ... بما راش من نبل الجفون وما برى
من الهيف معشوق الشمائل أغيد ... أقلُّ غرامي أن ينام وأسهرا
يريك قضيب البان أملد أهيفًا ... إذا ما بدا والظَّبي أجيد أحورًا
يميس بريحان الذوائب مورقًا ... ويبدو بورد الوجنتين منورَّا
وتصبيك منه طرَّة فوق غرَّة ... تبدَّت على كافورة لوجه عنبرا
عسى يجمع الشَّمل المشتَّت جامع ... فيرجع ليل الصَّدِّ بالوصل مقمرا
والهو بواهي الخصر بين جفونه ... لواحظ يذكرن الحسام المذَّكرا
يدير علينا مسكرًا من سلافها ... ونرشفها من ريقه العذب سكَّرا
وندمان صدق هبَّ لمّا دعوته ... يمسح عن أجفانه سنًة الكرى
وقد ولت الظلماء إلا بقيًة ... غدا الدِّيك فيها بالصَّباح مبشِّرا
وقد فلَّ جيش الفجر مذ سلَّ سيفه ... على اللَّيل من زهو الكواكب عسكرا
وقد ظلَّ نجديُّ النَّسيم كأنَّما ... يجرُّ على الأهضام ذيلاً معنبرا
فقام إلى صفراء يعرف لذَّة ... ولهوًا إذا منها تجرَّع منكرا
كأن سلاف الرَّاح تحت حبابها ... صعيد من العقيان أنبت جوهرا
стр. 622
/ ١٧٣ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من الكامل]
لولا الخيال ورقبتي منه السُّرى ... لمنعت عيني أن يلمَّ بها الكرى
ولكنت آنف من رقاد متيَّم ... قضت النَّوى لجفونه أن يسهرا
أفنى تجلُّده الغرام وزاد في ... زفراته فغدا مقلاًّ مكثرا
يرتاح وجدًا للحمام إذا شدا ... سحرًا ويصيبه النَّسيم إذا سرى
وإذا خفى متألِّقًا برق الحمى ... كان الكفيل بشجوه أن يظهرا
يا حَّبذا نفحاته وكأنمَّا ... تنضاع مسكًا إذ تضوَّع عنبرا
والوصل ما سدَّت مطالعه ولا ... سدَّت لو شك فراق جيرته العرى
جزعوا أديم ثراه وهو مروَّض ... فغدا برّبات الخدور منوَّرا
وأسلت لمًّا أن أسال شعابه ... بمطيِّهم ماء المدامع أحمرا
وكذا العيون الفاتنات أسيرها ... لا يفتدى وقتيلها لن يوترا
وصريع صافية صبحت بمثلها ... قعدت عليه يد السُّلاف وما درى
لمّا استمرّ به الرُّقاد دعوته ... فأتى بفضل ردائه متعثرًا
قم فانشط اللَّذَّات من أشطانها ... فالنَّجم قد حبس العتاق عن السُّرى
والرَّوض قد حطَّ الغمام وسوقه ... في تربه فكساه بردًا أخضرا
/ ١٧٣ ب/ وغدت بأنوار الرَّبيع ونوره ... لمَّا بدا كلُّ المواطير عبقرا
فدع التَّنافس في سواها للورى ... وانهض إليها طائعًا لا مجبرا
واشرب على زهر الرَّبيع سلافها ... وتوخَّ مزمارًا يروق ومزهرا
من كفِّ أغيد ما رنا إلاَّ انتضى ... عضبًا من اللَّحظ الكحيل مجوهرا
فسقى الحيا ليلاً أحلت سراره ... بجبينه والكأس ليلاً مقمرا
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
محبّكم والعاشقون ضروب ... مصاب على حكم الهوى ومصيب
أسرتم وأسهرتم فؤادي وناظري ... فقلبي أسير والرقاد سليب
صلوا واصلاً فيكم غرامًا أقله ... يزيل الأسى من قلبه ويذيب
ورفقًا بما من عاشقيكم سكنتم ... فلسن حديدًا إنَّهنَّ قلوب
وأسمر معشوق الشَّمائل حسنه ... غريب كما حزني عليه غريب
стр. 623
بدا قمرًا في ليل فرع يقلُّه ... قوام يريك الغصن وهو رطيب
يجور على المشتاق وهو مجاور ... وينأى مزار منه وهو قريب
ألا حبَّذا وادي الأراك وأهله ... حلول وبرد العيش فيه قشيب
غصون على أوراقهن ذوائب ... بدور على أفلاكهنَّ جيوب
/ ١٧٤ أ/ جفوا فجفوني في المنازل بعدهم ... تعلِّم نوء المزن كيف يصوب
وأنشدني لنفسه من ابتداء قصيدة: [من الكامل]
صفت المدام فناد في أحلاسها ... وأبن ظلامهم بكوكب كاسها
وأجل قداح هواك في أقداحها ... تلبس من السَّرَّاء خير لباسها
بكر إذا ما زوجت بمزاجها ... نثرت هموم الشَّرب في أعراسها
جهميَّة أوصافها فإذا بكى ... راووقها ضحكت لنا في طاسها
كادت زجاجتها تطير بما حوت ... لو لم يرض بالماء فضل شماسها
خلصت سبيكة دنِّها من غشِّها ... لمّا غدت والدَّهر من روباسها
ما المسك تعبق موهنًا أنفاسه ... بألذَّ للمشتاق من أنفاسها
كلاَّ ولا المقباس في حلك الدُّجى ... بأتمَّ نورًا من سنى مقباسها
في حان محسنة أتت في حانها ... حزنًا على المنعوت من أجناسها
غالت عليًّ بسومها فقبلت ما ... قالت وما دلَّستها بمكاسها
وشربتها حتى تقضَّت ليلتي ... وانجابت الهبوات من أغلااسها
من كفِّ مقتبل الشَّباب غريرة ... خوطيِّ لين معاطف ميَّاسها
يجني علينا بالمدام ويجتنى ... من ورد روضة وجنتيه وآسها
/ ١٧٤ ب/ خلس القلوب بوارد من فرعه ... تفديه من فتانها خلاَّسها
وبزاهر من خدِّه وحواجب ... منها نبال اللَّحظ في أقواسها
لله من خبلت مواطن لذًّة ... من سفح جوشنها إلى بطياسها
حيث القصور اواهل ما بدِّلًت ... بالوحشة الشَّوهاء من إيناسها
стр. 624
والرِّيح تعبث وهي دانية السُّرى ... بمعاطف البانات من أغراسها
يصف الطُّلول الدَّارسات محيِّن ... وقف الشَّقاء به على أدراسها
مالي وللدَّار التي قد أقفرت ... أبكي على عرصاتها من ناسها
شغل البلى منها فأين بلون ما ... يتلون حلف الشَّوق من إحساسها
دعها فقد شغل الغياث بمدحه ... البابنا عن وصف ظبي كناسها
ملك إذا قيس الملوك بفضله ... ناجته بالتَّفضيل نفس قياسها
تفديه من حلاَّل أنديه الوغى ... خلاَّع كلِّ عجاجة لبَّاسها
مقدامها في يوم كلِّ كريهة ... مطامعها مطعانها مدعاسها
جاءت مواهبه بدرَّة جودًة ... كرمًا ولم تخرج إلى إبساسها
جم السبالة لو تقدم عصره ... لم تسم بالقدماء شدَّة بأسها
لو عاينت بكر بن وائل فتكه ... ما استعظمت ما جاء عن جسَّاسها
/ ١٧٥ أ/ فلاَّل كلِّ كتيبة ملمومة ... شعل السَّريجيَّات من أقباسها
وإذا تمرَّس بالكتائًب حاملاً ... رمحًا فقد نكست قوى أمراسها
محضرُّ وادي الجود عرِّيض النَّدى ... أمواله لم تثو في أكياسها
لعفاته ماسرَّ من إرفادها ... وعداته ما ساء من إتعاسها
ملأت مواهبه القلوب مودَّة ... حتى كفاك رجاؤها من ياسها
وتزَّينت بفعاله الدُّنيا كما ... طهرت بفيض نداه من أدناسها
تددعو له الأحياء في أوطانها ... وتهابه الآساد في أخياسها
فتملَّ يا اسنى الملوك سعادًة ... جاءتك راكضًة على أفراسها
وبناء دار للنُّجوم نواظر ... تسمو إذا نظرت إلى نبراسها
مأهولًة الأرجاء منك بمشبل ... نهَّاب أرواح العدا فرَّاسها
لو فاخرت غمدان أذعن رُّبهًا ... ولودَّ أن لو عدَّ من أحراسها
ولو الخورنق زارها لتطامنت ... شرفاته عن مس ترب أساسها
شرفًا بني أيُّوب فالأيَّام في ... أيّامكم قد بان لين مراسها
أنتم إذا وعدَّ الملوك كرامها ... وسواكم المعدود في أنكاسها
стр. 625
/ ١٧٥ ب/ وتفاضلت باللُّطف في أخلاقها ... ألفيتم الأكياس من أكياسها
وصفاتكم ما كدِّرت فكأنَّها ... راح يطاف بها على جلاَّسها
ولأنتم شرف الممالك مثلما ... شرف الخلائق في بني عبَّاسها
فتُّم ببأسكم بني حمدانها ... وفضلتم كرمًا بني مرداسها
والله يأبى أن تضام رعيَّة ... أصبحتم الأمناء من سوَّاسها
بدَّلتموها بالغنى من فقرها ... كرمًا وبالأثراء من إفلاسها
بمواهب الملك العزيز وعدله ... طهرت بلاد الله من أرجاسها
حسنت بسيرته وأنشر فضله ... رمم النَّدى والبأس من أرماسها
قل للملوك رميتم من عزمه ... بمبيد دار عدوَّه جوَّاسها
فتخوَّفوا منه فتى فتكاته ... اخلت زوايا الغاب من هرماسها
ودعوا له سبل العلاء فلستم ... من نبع دوحتها ولا أحلاسها
لا غير نوء نداه يخلف صيِّب الـ ... أنواء بل يوفي على رجَّاسها
ولنيل مصر دون نائله إذا ... ما ظلَّ معتليًا على مقياسها
تجد الكماة حياتها في سلم مضـ ... طلع بغلب الغلب من أشواسها
فإذا نحاها أكثرت من ضربها ... أخماسها للخوف في أسداسها
/ ١٧٦ أ/ لازالت الأعياد حاليًة به ... ما استمتعت عين امرئ بنعاسها
وأنشدني لنفسه أيضًا ما كتبه إلى بعض أصدقائه: [من الكامل]
يا أيها المولى الظَّهير ومن ... أحسانه لرحى العلا قطب
والماجد النَّدب الذي يده ... من سحِّها تتعلَّم السُّحب
في ترك خدمتك التي شرفت ... للدَّهر لا لغلامك الذَّنب
ولأنت تعلم أنَّني رجل ... بين الزَّمان وبينه حرب
والنَّاس قد خسَّت خلائقهم ... فمطالبي عن قصدهم نكب
من كلِّ جعد الكفِّ ليس له ... مذكان غير حطامه رب
لا يألمون إذا هجوتهم ... بل يفخرون ويكثر العجب
وبمثل مجدك لا يليق على ... عبد عرفت ولاءه العتب
لك من ودادي صفوه فإذا ... ما غبت عنك فعندك القلب
стр. 626
ذكر من اسمه عبد الرحمن
[٢٦٧]
عبد الرَّحمن بن محمَّد/ ١٧٦ ب/ بن عبد السَّميع بن عبد الله بن عبد السَّميع بن عليِّ بن القاسم بن الفضل بن الحسين بن أحمد بن جعفر بن سليمان بن عليِّ بن عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب، أبو طالب بن أبي الفتح الهاشميُّ العبَّاسيُّ الواسطيُّ:
كانت ولادته بواسط في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بها، ودفن بدير وردان، غربي واسط، في سادس المحرم سنة إحدى وعشرين وستمائة.
كان يسمى بواسط: الشيناتي؛ لأنه اجتمع فيه سبع شينات، لم تجتمع في أحد سواه من ذوي الشرف.
كان شيخًا في العلم والآداب، شافعي المذهب، يلقب شرف الدين، شريفًا شاعرًا، شروطيًا شاهدًا، وقد نظمت هذه الألفاظ ببيت شعر وهو: [من الخفيف]
شرف الدِّين شيخنا شافعي ... شاعر شاهد شريف شروطي
وهو من بيت العلم الغزير، والجاه الوافر، اعتنى بالحديث وسماعه، فصار فيه
стр. 627
إمامًا، يشار إليه، سمع بواسط من أبي جعفر ابن البوقي، وأبي الحسن علي بن المبارك بن نغوبا، وأبي طالب/ ١٧٧ أ/ محمد بن علي الكتّاني، وسمع ببغداد من أبي المظفر هبة الله بن أحمد ابن الشبلي وأبي الفتح بن البطي، ويحيى بن ثابت في جماعة، حدث بمسند مسدّد ابن مسرهد، عن علي بن نغوبا.
وكان ثقة صحيح السماع، فاضلاً، مصنفًا، عذب المنطق، حسن الفصاحة، جيد الكلام في الوعظ، ينشئ الخطب والفصول في المواعظ، وله مديح كثير في الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ﵁.
وصّنف كتبًا مفيدة منها: كتاب "اللباب المنقول في فضائل الرسول ﷺ "، و"كتاب الدرّ المنثور في معرفة الأيام والشهور"، وكتاب "المناقب العباسية"، وكتاب "مجموع الرسائل والوسائل"، وكتاب "تعبير الرؤيا"، وكتاب "الدرّة الفريدة في العقيد"، وهي أرجوزة، وكتاب "النخب في الخطب"، وكتاب "الخواطر العقلية والفصول الوعظية"/ ١٧٧ ب/، إلى غير ذلك من المصنفات.
أنشدني أبو نصر بن أبي طاهر البغدادي الهاشمي قال: أنشدني الشريف أبو طالب بن أبي الفتح لنفسه يذم الدنيا: [من البسيط]
دع ما يزول من الدُّنيا وزخرفها ... واطلب رضا الله في قول وفي عمل
ولا تطع آمرًا بالظُّلم مبتغيًا ... نيل الحطام غبيَّ الحسِّ ذا خطل
يغريك بالنور جهلاً منه بغيته ... ظلم العباد كثير الغيِّ والزَّلل
واعلم بأنَّك مسؤول فكن حذرًا ... من الوقوف غدًا في موقف الخجل
стр. 628
واشفق على الخلق إن وفِّقت مجتهدًا ... مادمت مقتدرًا واصفح عن الخلل
فالعفو والصَّفح عمَّن زلَّ مغتنم ... ولا تكن عجلاً فالخطء في العجل
واسأل إلهك توفيقًا وكن ورعًا ... تمسي وتصبح في خوف وفي وجل
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]
دار تكدرِّ صفوها ... وسرورها غير الليالي
ويحيل بهجة حسنها ... صرف الرَّدى في كلِّ حال
غدَّارة خوَّانة ... أفراحها مثل الخيال
وكمال صحَّتها يؤو ... ل إلى فناء أو خبال
من كان ساكنها يعدُّ ... الزَّاد حقًا لارتحال
أو كان مغترًا بها ... ألقته في شرك الوبال
/ ١٧٨ أ/ فارفض علائق حبِّها ... فصحيحها عين المحال
واعلم بأنَّك راحل ... عنها إلى دار المال
والموت قد نادى بنا ... فتأهبوا يا للرجال
وقال أيضًا في الوعظ: [من المنسرح]
إلى متى ذا الغرور يا غافل ... تخوض طول الزَّمان في الباطل
تضيع العمر منك في عمل ... لا يرتضيه لنفسه عاقل
وتدَّعي العلم ثمَّ تتركه ... مرتكبًا ما يعافه الجاهل
تستمع الوعظ ثمَّ ترفضه ... وأنت للَّغو سامع قائل
حبُّك دنياك لو عقلت فيه ... داء لعمري مستمكن قاتل
غرَّك حتى أطعته سفهًا ... وبعت أخراك منه بالعاجل
دع عنك ما أنت فيه مغتنمًا ... ما قد تبقَّى من عمرك الزَّائل
واعمل ليوم الحصاد مجتهدًا ... عساك تحظى من ذاك بالحاصل
وقل إلهي، لا تقطعن أملي ... منك وكن لي في بغيتي كافل
جد لي بما أنت أهله كرمًا ... يا خير مولى يعنو له الآمل
وأضرع إلى الله جلَّ مبتهلاً ... فإنَّه لا يخيِّب السَّائل
стр. 629
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
/ ١٧٨ ب/ تبًا لمن همُّه الدُّنيا وبغيته ... زيادة المال فيها وهو منتقص
يسعى ويدأب فيها ليس يدركه ... حرصًا وتنتابه الأسقام والغصص
كم أسعف الدَّهر أقوامًا يبغيهم ... فيها وأعطى فلمّا زادهم نقصوا
وكلَّما أدركوا ما أمَّلوا بطروا ... وكلَّما زيد في أموالهم حرصوا
رأس الخطيئة حبُّ المال فاسخ به ... واسمح وجد فذوو الأفضال قد خلصوا
والباخلون حظوا بالذَّمِّ إذ بخلوا ... وقتَّروا وعلى أعقابهم نكصوا
واحذر مصارعهم إن كنت متَّعظًا ... فقد أتتك به الأنباء والقصص
[٢٦٨]
عبد الرَّحمن بن صالح بن عمَّار بن عربدّ بن رافع بن المزعفر العربدَّيُّ، أبو محمَّد التَّغلبيُّ الدُّنيسريُّ:
كان يتولى الحسبة بدنيسر، تعلق بسبب قوي من علم العربية والعروض، وحفظ القرآن العظيم، وفهم طرفًا من اللغة والأدب، وكان شاعرًا فصيحًا، فيه سماحة ومروءة، حبسه الملك المنصور ناصر الدين أرتق أرسلان بن إيلغازي بن ألبي بن إيلغازي بن تمرتاش الأرتقي، صاحب ماردين/ ١٧٩ أ/ بسبب قصيدة نظمها في الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان يومئذ محاصرًا قلعة ماردين، فأنكر الملك المنصور تخلفه عن الصعود إليه إلى ماردين، وأنه امتدح الملك الأشرف، فأخذه وسجنه خمس سنين، ومات مسجونًا في أواخر ذي الحجة سنة سبع وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو الثناء محمود بن أسعد الهمذاني قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:
[من الوافر]
стр. 630
تزايد في هوى أملي جنوني ... وأورث مهجتي سقمًا شجوني
وصرت أغار من نظر البرايا ... عليه ومن خيالات الظُّنون
وأحرص أن يكون له وفاء ... من الأبصار قلبي أو جفوني
ويعذب لي عذابي في هواه ... وهذا نصُّ معتقدي وديني
فقل للاَّئمين عليه جهرًا ... دعوني لست أدركه دعوني
وقال أيضًا: [من البسيط]
دع الملامة فيه أيُّها اللاَّحي ... فما أطيع عليه قول نصَّاحي
/ ١٧٩ ب/ شدُّوا علىَّ فسدُّوا باب مصلحتي ... وظنُّهم أنهم جاءوا بإصلاحي
وهزَّة السُّكر لا يخطى بلذَّتها ... إلاّ خليع تحاشى حشمة الصَّاحي
وقال أيضًا: [من الكامل]
لاحي المتيم بالملام متيَّم ... وبما يضر أخا الصَّبابة تحكم
يلحاه وهو مدلَّه بأحبَّة ... لفؤاده ملكوا وفيه خيَّموا
سنُّوا الجفا فكلُّ هجر متلف ... في سنَّة العشَّاق يروى عنهم
وفتى تنمُّ بسرِّة أجفانه ... إن زمَّت الأجمال أنَّى يكتم؟
بالله يا ركب الحبيب ترفَّقوا ... بالمستهام أخي الصَّبابة وارحموا
لا تعجلوا قلص الرِّكاب فتتلفوا ... دنفًا بعيد فراقهم ما يسلم
متلهِّب الزَّفرات نار غرامه ... ما تأنلي في قلبه تتضرَّم
عملت جراح الهجر فيه ومالها ... إلاَّ الوصال وعزَّ ذلك مرهم
وإذا أتت برضا الأحبَّة خطَّة ... تردي فمثل الشَّهد منها العلقم
رفقًا بحقَّكم على ذي لوعة ... عنها تنشَّأ لحمه والأعظم
ما فارق الحمد المبرِّح قلبه ... نفسًا ويعدم والهوى لا يعدم
وقال من قصيدة/ ١٨٠ أ/ يمدح الملك المنصور أرتق أرسلان، صاحب ماردين:
[من الكامل]
стр. 631
لم تولينَّ الصَّبَّ يا ذات اللَّمى ... وتحلِّلين من الصُّدود محرَّما؟
يا ضرًّة القمرين بل يا غلطة ... الدُّنيا حجى وصيانًة وتكرُّما
إن كان في قتلي رضاك فقطِّعي ... كبدي بهجرك واسفكي منّي الدِّما
فلقد أطعت صبابتي وأضعت من ... كلفي الصَّواب وقد عصيت اللُّوَّما
وغدوت مكتئب الفؤاد مدلَّهًا ... قلق الحشا قرح الجفون متيَّما
فتكاد تحرق زفرتي أثل الغضا ... أسفًا وتغرق عبرتي أهل الحمى
يا من يبدِّد شمل دمعي في الهوى ... من وصفه لفظ وثغر نظِّما
قل للعباهلة الكرام بحرزم ... شرَّفتم عن كلِّ واد حرزما
هل تعرف مع الهجوع بأنني ... ما زلت بعدكم أناجي الأنجما
ليلي وليلكم سواء إنَّما ... قضَّيته سهدًا وبتُّم نوَّما
من كان عن ورد المراد محَّلاً ... ألفى حلاوة كلِّ شيء علقما
كم نظرة جنت الهوى وألذُّ من ... نظر العدوِّ منعَّمًا صفة العمى
يا عادليَّ بحقِّ ربِّكما ارحما ... ولهي لعلكما غدًا أن ترحما
/ ١٨٠ ب/ وترفَّقا بحشاشتي وتأيَّدا ... في قصَّتي بلِّغتما ما رمتما
إن كنت أخدع عن هواها إنَّني ... من جود أرتق ذي النَّدى غيث هما
ما سلَّ سيفًا فوق طرف أو رمى ... يوم الهياج إلى عدوٍّ أسهما
إلاَّ ظننت البدر حمِّل بارقًا ... ريح الصَّبا وأقض عنها أنجما
وقال أيضًا: [من الكامل]
أنا أوحد العشَّاق يتلف مهجتي ... من ساق سائلة الظّغائن أوحدا
قرح الجفون يظن ناقف حنظل ... إثر الظَّعائن أو مريضًا أرمدا
ومنها يقول:
لولا منظَّم ثغره وكلامه ... ما ظلَّ دمعي في الرُّسوم مبدَّدا
رشا أرقُّ من الهوى جسمًا حوى ... قلبًا قسا فحكى لحيني جلمدا
стр. 632
يا ذاكرين تذَّكروا كلفًا بكم ... ما نام قطُّ ولو سقوه المرقدا
بيد يردُّ بها الحداة عن السُّرى ... ويردُّ من وله على كبد يدا
أسفي على يومي القصير بوصلكم ... كيف استحال مع القطيعة سرمدا
يا عاذليَّ أتعلمان حقيقًة ... أنِّي أطيق مع القضا ردَّ الرَّدى
لو كنت أملك مهجتي يوم النَّقا ... ما كنت أنصف من على ضعفي اعتدى
/ ١٨١ أ/ وقال أيضًا: [من البسيط]
لا والَّذي بيديه البرء والسَّقم ... ما لي سوى وجنتيه في الهوى قسم
أحوى حوى السِّحر في أجفانه وعلى ... خدَّيه من مهجات المدنفين دم
مزنَّر الخصر واشوقًا إلى خصر ... في فيه يقصر عنه البارد الشَّبم
كالماء جسمًا ولكن قلبه حجر ... وما سباني إلاَّ وهو لي صنم
وقال أيضًا: [من البسيط]
أما وجفنيك والسِّحر الَّذي بهما ... لقد تقطَّع قلبي للنَّوى ندما
أظبية الخيف ألحاظًا متى سفكت ... دمًا غزيرًا بلا جرم لحاظ دمى؟
أما لهذا القلى والصدِّ من أمد ... أما رثيت لمقتول يذوب أما؟
وحرمة الحبِّ إيمانًا بمولده ... وصبوة الصًّب عشقًا عزَّ ذا قسما
زمُّوا الجمال عليها كلَّ مشبعة ... من الجمال لخضر يستغيث ظما
لمياء سحَّارة الأجفان ما تركت ... بالخيف إلاَّ مخافَّا يشتكي ألما
لها ذوائب تحكيها الأراقم من ... صاف مبين فويق الأرض ما رقما
كأنَّها ليل مهجور وأعجب ما ... في حسنها جمعها الأنوار والظُّلما
[٢٦٩]
عبد الرحمن بن يخلفتن/ ١٨١ ب/ بن أحمد، أبو زيد الفازازيُّ المغربيُّ، الساكن بمدينة مراكش:
стр. 633
فاضل عالم مقدّم في الأدب، كبير المحل في الفضل، شاعر مقتدر على الكلام، صاحب فصاحة في الإنشاء، نزل مراكش، وتقدم عند مليكها، وحظي لديه، وقلده الوزارة، وكتابة الإنشاء، وله شعر كثير في كل نوع.
أنشدني أبو القاسم عبد الرحيم بن أحمد بن علي بن طلحة الأنصاري السبتي، بمدينة إربل في أواخر ذي الحجة سنة ثلاثين وستمائة قال: أنشدني الوزير أبو زيد عبد الرحمن الفازازي لنفسه: [من الطويل]
أزيد اشتياقًا كلَّما زدتني بعدًا ... وآلف وجدًا حين أطَّرح الوجدا
وتشفع عندي في صدودك لوعة ... تجاذبني لا أستطيع لها ردَّا
وما مرَّ يوم من شديد مودتي ... وحقّك إلا زدت في غده ودّا
كأنَّ الهوى جسم ثوى بين أضلعي ... فضمَّ عليه الشَّوق من جسدي بردا
أرى نار إبراهيم بين جوانحي ... نشبُّ ولكن لا سلامًا ولا بردا
وما جزعي للموت إلا لعلَّة ... إذا لم تقرَّ العين لا تشمت الأعدا
عجبت لأهل الوجد ماتوا بوجدهم ... وما اعتنقوا غصنَّا ولا ارتشفوا شهدا
/ ١٨٢ أ/ فلو أنَّ ما أهواه في علم من مضى ... لما عشقت لبنى ولا مدحت سعدى
ولا مشت الخنساء تسحب ذيلها ... ولا علَّقت عفراء في جيدها عقدا
إذا ظفرت عيناي منك بنظرة ... فقد أسكنت عدنًا وجاوزت الخلدا
[٢٧٠]
عبد الرَّحمن بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسين بن أحمد بن محمَّد بن عيسى بن محمَّد بن حمدويه بن دينار بن شيلة بن شيلمة بن فذهر مز بن آه بن أوه بن أشك بن شكرك بن زاذان فرّوخ بن بيغان بن زاذان فرُّوخ الأكبر –وزير الحجاج بن يوسف-، وهو أخو
стр. 634
يزدجرد بن هرمز بن نوشروان ملك الفرس، المعروف بابن بصلا البندنيجي، وبصلا لقب لمحمَّد بن حمديه، أحد أجداده.
هكذا ساق هذا النسب شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي قال: أملاه عليّ من حفظه أبو المكارم عرفة بن علي، والد شيخنا عبد الحميد، وأثنى عليه خيرًا.
وعبد الرحمن، يكنى أبا محمد، كان متصوفًا، وسمع الحديث، وصحب الصوفية، قال القاضي أبو القاسم الحنفي: / ١٨٢ ب/ شيخ حسن صالح، وقور فاضل، من شيوخ الصوفية، قدم علينا حلب في صحبة شيخنا عمر بن محمد السُّهروردي، وسيره رسولاً إلى ملك الروم، ثم قدم مرّة أخرى في سنة ثماني عشرة وستمائة، وسمعنا منه الجزء الثاني والرابع من أمالي المحاملي بسماعه من أبي بكر أحمد بن المقرئ أبي الحسين بن الحسن الكرخي، وأبي القاسم يحيى بن ثابت بن بندار البقال.
وكانت ولادته سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وله أشعار، فمنها ما أنشدنيه أبو جعفر محمد بن عبد الحميد بن محمد الهمذاني قال: أنشدنا أبو محمد عبد
стр. 635
الرحمن بن بصلا لنفسه، وقد طلبت منه الإجازة: [من البسيط]
أجزت للولد المذكور ما سألا ... آتاه رِّبي التُّقى والعلم والعملا
فليرو عنِّي ما صحَّت روايته ... لديه ممَّا روى عنِّي وما نقلا
ويتَّق الله فالتَّقوى له شرف ... وأكرم النَّاس في تقواه من عقلا
وليجعل العلم مالاً يستعين به ... وليس ينفع إلاَّ من به عملا
ومن تحمل علمًا ليس يحمله ... فإنَّما هو أسفار لها حملا
وحامل العلم من يخشى الإله ومن ... يكون في كلِّ حال خاشعًا وجلا
/ ١٨٣ أ/ ومن تحمَّل علمًا وهو حامله ... فهو الَّذي عند أهل العلم قد كملا
فالله ينفع من هذا السُّؤال له ... والله أكرم مسؤول إذا سئلا
ثمَّ الصَّلاة على المبعوث من مضر ... خير الأنام ومن فاق الورى فعلا
[٢٧١]
عبد الرَّحمن بن نجم بن عبد الوهَّاب بن عبد الواحد بن أبي الفرج بن محمَّد بن عليِّ بن يعيش الأنصاريُّ، أبو الفرج الواعظ:
следующие страницы →