Полный текст (2 778 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
حاولن فلي صدورهنَّ تحرُّشًا ... فبكلِّ جؤجو بطَّة منقار
ما العيش إلاَّ خمسة لا سادس ... لهم وإن فطرت لها الأعمار
/ ٢٣٦ ب/ زمن الرَّبيع وشرخ أيّام الصِّبا ... والكأس والمعشوق والدِّينار
فاشرب مشعشعًة إلى لألائها ... يعزى الضِّياء وتنسب الأنوار
جسمًا تألَّف من نضار مائع ... فالماء من أجزائه والنَّار
تغشى بجوهرها البصائر مثلمًا ... تغشى بنور شعاعها الأبصار
مذ خلِّدت في الدَّنِّ لم يكشف لها ... بأنامل الخمّار قطُّ خمار
بكر بخاتمها لنا في شربها ... محض السُّرور وللهموم سرار
فلها إذا رقصت لصفق مزاجها ... في الكأس من درر الحباب نثار
من كفِّ ريم في مطاوي طرفه ... نبل يسنُّ وصارم بتَّار
ريشت بأهداب الجفون [فأعملت] ... رشقًا وما لقسيهِّا أوتار
ترمي فتصمي العاشقين ولا لها ... أثر وللرامي عليه ثار
طلعت لنا في ذيل ليل [أليل] ... شمس فليل العاشقين نهار
دلَّت محاسنه الطَّريق إلى الهدى ... وتتبّعوا تيه الدَّليل فحاروا
كم قد أخذت يد السُّلوِّ لتوبة ... من حبِّه فيقودني الإصرار
غصن على دعص يضيق بما جرى ... منه الإزار وتثمر الأزرار
ويكاد يدمى بالغلائل جسمه ... ترفًا ويجرح خصره الزنَّار
/ ٢٣٧ أ/ يا من أراق دمي لغير جريمة ... من قال إنَّ دم المحبِّ جبار؟
قسمًا بحقِّك إنَّ حقَّك واجب ... إنِّي عليك من النَّسيم أغار
هبني أسأت فكن لذنبي غافرًا ... إنَّ الكريم مسامح غفَّار
وقال غزلاً من قصيدة: [من مجزوء الكامل]
لو كفكف الهجران قاتله ... ونفى القلى قلَّت بلابله
شهدت بصدق الحبِّ عبرته ... طلاًّ وزكى الطَّلَّ وابله
والحب أطهر ما يكون إذا ... هجر المحبُّ ولجَّ عاذله
أخفى الغرام فلا جوارحه ... شعرت بذاك ولا مفاصله
كالسَّيف يصحبه الحمام ولم ... يعلم بما حملت حمائله
стр. 702
صبٌّ رهين في صبابته ... دنف نحيف الجسم ناحله
يهوى الصَّبا ويودُّ لو حملت ... فيها لذي وصب رسائله
مطل الدُّيون ولا ادَّعى عدمًا ... يستوجب الإنظار ماطله
لو قابل البدر المنير دجى ... بجماله استحيا يقابله
ومنها قوله:
/ ٢٣٧ ب/ أيحلُّ قتلي كم أبحت حمى ... قلب قطين هواك نازله؟
حرمًا عزيز الجار يسلمه ... للحين تغلبه ووائله
لولا الألى هجروا وما وصلوا ... ما بات ذا سقم يواصله
صدُّوا فما أبدت شفاعته ... نفعًا ولا قبلت وسائله
هل وقفة تشفي رسيس جوى ... يومًا على الوادي نسائله
لو بكائي على شفائي لما ... حمَّت لوارده مناهله
ما الجزع ما رمل العقيق وما ... بان اللِّوى لولا مطافله
عقلت عقول العاشقين به ... يوم النَّقا أسرًا عقائله
من كلِّ ذي قدٍّ يميد كمن ... سرت الشَّمول به تمايله
وأغنّ ما نطقت مراسله ... إلاَّ وقد خرست خلاخله
للرَّمل ما سترت مآزره ... والغصن ما ضمَّت غلائله
قمر يهيج لي البلابل إن ... ما سـ على صدغ بلابله
أمست منازله القلوب فيا ... لله ما تحوي منازله
وقال يمدح الملك الظاهر غياث الدين/ ٢٣٨ أ/ غازي بن يوسف بن أيوب صاحب حلب، وقد امتحنه، وسأله أن يرّكب من أعجاز أبيات البحتري الميمية، على صدور أبيات ينظمها، ويصف فيها القناة التي أخرجها بحلب: [من الكامل]
دون الصَّراة بدت لنا صور الدُّمى ... لا أدم صيران الصَّريم ولا الحمى
غيد هزرن من القدور ذوابلاً ... لدنًا ورشن من اللَّواحظ أسهما
стр. 703
عنَّت وكم دون الحريم أحلَّ من ... دم عاشق عان وكان محرَّما؟
فنهبن أنقاء الصَّريم روادفًا ... ووهبن إيماض البروق تبسُّما
وأعرن أنفاس الصَّريم من الصَّبا ... أرجًا أبت أسراره أن تكتما
وعلى أواناكم ونى يوم النَّوى ... جلد وعهد هوى وهى وتصرَّما
أأميم لولا فرط صدِّك لم أهم ... ظمًا ولا أظما إلى رشف اللَّمى
ولما وقفت بسفح سلمى منشدًا ... أمحلَّتي سلمى بكاظمة اسلما
خلَّفتني بين التَّجنِّي والقلى ... لا ممعنًا هربًا ولا مستسلما
وتركتني أقني الزَّمان معلِّلاً ... نفسي بذكر عسى وسوف وربما
/ ٢٣٨ ب/ ولكم طرقتك زائرًا فجعلت لي ... دون الوسادة والمها والمعصما
ومنحتني ضمًّا ولثمًا لم يكن ... حوض العفاف بورده متهدِّما
فاليوم طيفك لو ألمّ لبخله ... بالصَّبِّ في سنة الكرى ما سلَّما
يا سعد إنَّ حلاوة العيش الَّتي ... قد كنت تعهدها استحالت علقما
سر بي فلي السِّرب قلب سار في ... إثر الفريق مقوِّضًا ومخيِّما
قد فاز بالقدح المعلَّى من أتى ... نهر المعلَّى زائرًا ومسلِّما
لو لم تكن تلك القباب منازلاً ... ما قابلت فيها البدور الأنجما
يا ساكني دار السَّلام عليكم ... منِّي التحيَّة معرقًا أو مشئما
وعلى حمى حلب فإن مليكها ... ما زال صبًا بالمكارم مغرما
قرم ترى في الدِّرع منه لدى الوغى ... ذا لبدة قرمًا وصلاًّ أرقما
ويضم منه الدَّست في يوم النَّدى ... بحرًا طمى كرمًا وطودًا أيهما
ومنها في ذكر القناة:
روَّى ثرى حلب فصارت روضًة ... أنفًا وكانت قبله تشكو الظَّما
أحيا رفات مواتها فكأنَّه ... عيسى بإذن الله أحيا الأعظما
стр. 704
لا غرو إن أجرى القناة جداولًا ... ولطالما بقناته أجرى الدما
وبكفِّه للآملين أنامل ... منها العباب أو السَّحاب إذا همى
وقال يهجو الوزير ابن أبي يعلى:
إنَّ اللئيم ابن أبي يسفلٍ ... ولا أقول ابن أبي يعلى
رأي على دين نصيرٍ يرى ... أن عليا ربه الأعلى
عمامة من تحتها قرعة ... فارغة تحسبها سطلا
شيعته ما شهدت مشهدًا ... لم تلق فيه الكفَّ والنَّعلا
قد هجر الطاهر فعل الندى ... به وعاف الجود والبذلا
وكان يهواه قديمًا فمذ ... قدمه علمه البخلا
من جعل الخطَّاف بازيه ... صاد له الذُّبان والنَّملا
وقال يهجو الوزير الجلالي وزير إربل:
وثقيل على الفؤاد ولا التُّخمـ ... ـمة وافى بثقلها شوَّال
قرأت عند ثقل وطأته الأر ... ض لممشاه أوبي يا جبال
وقصيرٍ ولا المبارك في الهمَّة لكن له قرون طوال
ذي دماغ حوى من الطيش والخفـ ... ـفة ما حازه الوزير الجلالي
وقال يهجو الناصح يحيى بن سعيد بن الدهان النحوي الموصلي:
يقولون للدهان يحيى حليلة ... تخيرها دون النسا من صحابه
حصان ولكن مثل ما هو ناصح ... لأصحابه والغدر تحت إهابه
إذا ما خلا الشَّيخ الجليل بأمردٍ ... تخلَّت بأصحاب اللِّحى في جوابه
стр. 705
[٢٨٩]
عبد الرحمن بن أبي الفضل بن عبد الله، أبو محمَّد الأوانيُّ:
من أهل أوانا، وهي أشهر قرايا مدينة السلام، وهي فوقها بعشرة فراسخ، بجانبها الغربي.
رأيته بالموصل مرارًا كثيرًا، وكان نازلًا برباط الصوفية، وذكر لي أنه ينظم الأشعار في الغزل والنسيب، ولم ينشدني شيئاً، ثم لقيته بمدينة السلام، ووعدني أن يعلق لي جزًء من قيله، فما عدت إليه لتوان لحقني، وبعد مدة طالعت مجموع أشعار كبير، فوجدت فيه أقطاعًا من من شعره، وهي مكتوبة بخط يده، فنقلت منها قوله:
أشاقك إذ عنَّ برق لموع ... وأغراك إذ حنَّ ورق سجوع
وما كنت أحسب أنَّ الهوى ... له بذوي الحلم يومًا ولوع
إلى أن رأيتك في أسره ... تقاد وأنت سميع مطيع
وأنت حفيٌّ برجع خلت ... مرابعه وهو ناءٍ شسوع
تسائل هل مطرت أرضه ... وهل فيه بعد نواهم ربيع؟
وتعنو إذا الركب ألفيت في ... حقائبهم منه نشر يضوع
ألم تك ذا خلَّة لا تهي ... لخطبٍ فكيف اعتراك الخضوع؟
وأنَّى استفزّك حتى جزعـ ... ـت على الجزع يوم استقلُّوا الهلوع
هو الحبُّ أسهمه لا تني لموقعها تتشظًّى الدُّروع
فكيف إذا ساعدتها نوى ... تنوء بصبري وشمل صديع
وإني أرى الصبر فيما زعمت ... جميل العواقب لو أستطيع
ونقلت أيًا من خطه شعره:
وأبيكما إنًّ الذي تريانه ... مغنى الهوى فسلاه عن سكَّانه
стр. 706
إن تنكراه ففي ثراه لطيبهم ... عرف يدلّكما على عرفانه
وأسيل خد ما السلو بممكن ... عنه لأنَّ القلب من أعوانه
حجبوه يوم سروا بأسمر مثله ... لدن وأبيض سلَّ من أجفانه
وله من قطعة أولها:
دار الهوى بين الصريم وحاجر ... هل فيك منتجع لصاد صادر؟
عهدي بربعك عامرًا ولطالما ... عقلت به لبي عقائل عامر
عبد الرحمن بن أبي القاسم بن غنائم بن يوسف بن أحمد بن عبد الله، أبو محمَّد الكنانيُّ، المعروف بابن المسجَّف:
أصله من عسقلان، ومولده بمصر، ونشأ بدمشق، شاعر محسن بذيء اللسان، هجاء متهجم على الهجاء، متسلط على أعراض الكبراء من الناس، وذوي الجاه منهم، وعرف بالهجاء حتى عزي إليه ما ليس له، اكتسب بالشعر ثروة واسعة، ورزق منه حظَّا وافرًا.
لقيته بالموصل في شهر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وستمائة، وردها من بلاد الروم، فوجدته شابًا ذا نعمة ظاهرة، وحسن حال، وغلمان ظراف.
ثم سافر إلى دمشق، فتوفي بها في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وستمائة، وخلف مالًا جزيلًا، نحو ثلثمائة ألف درهم، وغيرها من الأثاث والبضائع، ولم يكن له وارث، ولا تزوج قط، وسمعت أنه كان بخيلًا ساقطًا مقترًا على نفس. فاستنشدته من أشعاره، فأنشدني كثيرًا منها، فمن ذلك قوله في ابن كساء الشاعر
стр. 707
المصري، يهجوه حين قدم الموصل، وسار عنها إلى العقر:
أرى ابن كساء قد تقدَّم حاله ... وذلك بالحدباء من عجب الدَّهر
تردََّى رداء الجهل والنَّقص فانثنى ... تدرُّ له الأرزاق من حيث لا يدري
كذلك أفعال اللَّيالي قديمة ... وشيمتها مع كلِّ منتحل الشِّعر
ولو كان مشهورًا بأدنى فضيلة ... لأصبح فيها ناقص الحظ والقدر
ولو لم يكن يحكي الذباب قذارًة ... لخسَّة مقدارٍ لما صار بالعقر
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يهجوه:
أرى ابن كسا يسرِّق كلَّ شيء ... مجاهرةً ويكذب حيث كانا
فلو أنَّ الًّزمان قصيد شعًر ... يصادمنا بها سرق الزَّمانا
ولولا أنَّه رجل جبان ... لساء الفعل وانتحل القرانا
وأنشدني لنفسه يهجو ابن عنين الشاعر:
يا علَّة القولنج لا تتركني ... من صحَّة العالم في سقمه
ولا تخلِّي درهمًا واحدًا ... من نجوه يخرج من سرمه
حلِّي قواه واشددي طبعه ... حتى تروح الروح من جسمه
لتسلم الأعراض من شتمه ... ويستريح النَّاس من ظلمه
وأنشدني لنفسه يصف الخمر:
ومدامة رقت فعيش نديمها ... ممَّا يكدِّره الزَّمان مروَّق
وأنشدني لنفسه فيها أيضًا:
حمراء تعقب شاربيها راحة ... فلأجل ذلك سميت بالرَّاح
طاف السُّقاة بها علينا في الدُّجى ... فجمعن بين اللَّيل والإصباح
وأنشدني لنفسه في صديق له يلقب بالكمال، وعبد الرحمن يلقب البدر
стр. 708
فقال في ذلك:
يا ابن هلال الكمال أضحى ... قدري وضيعًا وكان عالي
صاحبته فاكتسبت ذلًّا وكنت من قبل ذا دلال
والبدر لا يعتريه نقص ... إلا إذا لاذ بالكمال
وقال في إنسان يعرف بكتيع، وله غلام اسمه شمعة، كتبها على طريق المداعبة إلى صديق له:
هام الكتيع بشمعة فنهاره ... مع ليله عن ظهره لم ينزل
فاعجب لأسفل شمعًةٍ يطفا به ... طول الزَّمان لهيب ذاك المشعل
وله وقد أحالوه بحوالة على إنسان يعرف بالقمر:
قل للصَّفيِّ ومن أنامل كفِّه ... تغني إذا بخل الغمام عن المطر
كيف السبيل إلى الشَّعير ودونه ... الشَّعرى وأخذ حوالةٍ عند القمر؟
وقال يهجو:
وكيل بيت المال قد أصبح النـ ... ـجم وكم من حوله حاما
فهو لبيت المال أهل إذا أسقطت من آخره لاما
واخيبة الآمال في عصره ... وضيعة الأموال إن داما
وقال يهجو أهل الموصل:
تجنب مصاحبة الموصلِّي ... فإنَّك من تركها تربح
فلو قيل للكلب يا موصلي ... لما عاد من بعدها ينبح
وله في ابن عنين الشاعر، حين تقلد الوزارة للملك المعظم عيسى ابن أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق، وفي وفي البهاء ابن المتنبي، لما تولى دار الزكاة:
أرى ابن عنين والبها مذتولَّيا ... على النَّاي ولَّى الخير عن كلِّ مسلم
فوالله يا عيسى بمن شئت منهما ... بعثت ولو كنت المسيح بن مريم
وقال يهجو أصحاب الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر:
جماعة عند موسى ليس عندهم ... فضل ولا فيهم خير لمخلوق
стр. 709
ابن المحوّر والدُّخوار والفلك الـ ... ـمصريُّ وابن جريرٍ وابن مرزوق
وقال يهجو مدينة إربل:
إربل دار الفسق حقًا فلا ... يعتمد العاقل تعزيزها
لو لم تكن دار فسوق لما ... أصبح بيت النَّار دهليزها
وقال فيها أيضًا:
وقال فيها أيضًا:
إربل دار الظَّلم لا أخصبت ... ولا أشاد الله بنيانها
لو لم تكن بلدة سوءٍ لما ... أصبح بيت النَّار عنوانها
وقال يهجو الفصيح الشاعر:
إن يشا رزقنا الذي نحن فيه ... عدم الظَّلُّ عنده والهواء
مثل وجه الفصيح أسود مذمو ... م قبيح الصِّفات ما فيه ماء
وقال:
رأس الضِّيا بلسان الحال يخبرنا ... بما جنت كفُّ محيي الدِّين في الماضي
فاعجب لرأس وزيرٍ دأبه أبدًا ... يروي أحاديث صفعٍ عن يدي قاضي
عبد الرَّحمن بن وثَّاب بن نصر الله ين وثَّاب بن أبي المنيع زمام بن هبة الله بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد بن العبَّاس بن سعيد بن مشرف بن معاذ بن معارك بن عامر الصِّيهان بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو القاسم البزاعي:
стр. 710
وبزاعا قرية قريبة من حلب، وهي أشهر قراها.
وجده سعيد بن العباس بن سعيد هو أخو أبي موسى محمد بن العباس بن سعيد، كان الأمير المستولي على حلب وأعمالها في زمن أحمد بن طولون، وقد امتدحه أبو عبادة البحتري بالقصيدة السينية التي أولها:
(أقام كل ملث الودق رجاس"
وهي من فرائد قصائده وأشهرها، وأبو القاسم أخبرني بحلب المحروسة أنه ولد ببزاعا في شهور سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير بحلب، ودمشق، وبيت المقدس، والموصل، وحرّان، ومكة –حرسها الله تعالى- والمدينة، وبغداد، من أصحاب أبي الوقت، وحفظ القرآن الكريم، ودرس فقه الإمام الشافعي على الشيخ فخر الدين بن عساكر الدمشقي، حتى أتقن معرفته دراسة وفهمًا، وقرأ الخلاف والأصول، وتولى القضاء ببزاعا في سنة إحدى عشرة وستمائة، وأقام بها أيامًا قلائل، ثم عزل نفسه منها، ثم قدم حلب، وتولى الحسبة بظاهرها بالحاضر السليماني من سنة أربع وعشرين وستمائة، وكفّ بصره في سنة ثلاث وثلاثين وستمائه، ولم يعزل عنها، ثم أقام نائبًا عوضه في الحسبة، ثم رتِّب معيد درس الإمام عماد الدين أبي المجد إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن باطيش الفقيه المدرس الموصلي، بالمدرسة النورية المعروفة بالعِّزيَّة، ويختلف إليه جماعة من الفقهاء يشتغلون عليه، وهو رجل قصير، أشيب، ضرير، عالم فاضل، شاطر مناظر، له أشعار، أنشدني منها، وأنا سألته ذلك، وزعم أنه [قال] ذلك ارتجالًا:
ندبت إلى نظم القريض تأسِّيا ... بأهل النُّهى والعلم والجود والفضل
فقلت ارتجالًا ليس لي رتبة النُّهى ... ولا لي شعر يجتنيه أخو النِّقل
стр. 711
ولكنَّني صاحبت قوما أفاضلًا ... بهم يقتدى في كلِّ عقد وفي حلِّ
فأجهدت نفسي في اقتباس علومهم ... لعلي أنجي النَّفس من ورطة الجهل
فمن رام مِّني غير هذا فإنَّه ... كطالب خفض العيش في زمن المحل
عبد الرَّحمن بن أبي بكر بن يوسف بن بختيار، أبو سليمان البلخي والدًا، الكرخيني مولدًا ومنشًا:
اعتنى بعلم الحديث وسماعه، فتوجه إلى مدينة السلام سنة أربع عشرة وستمائة، فسمع على مشايخها كثيرًا، وحصل منه جملة، وكان متعلقًا بخدمة بعض أمراء إربل، فارتحل أستاذه إلى مرت منولاية إربل، وهو في صحبته، فبقي بها مدة إلى شوال سنة إحدى وعشرين وستمائة. فحين جاء التتر –خذلهم الله تعالى- بنواحي إربل، فقتلوا خلقًا عظيمًا، وسبوا، فاستشهد في جملة من كان في ذلك الوقت، وذلك في التاريخ المذكور –رحمه الله تعالى-
أنشدني لنفسه بإربل من قصيدة أولها:
برح الخفاء وبان صبر الواله ... فإلى م قلبك لا يرقُّ لحاله؟
حمَّلته عبء الغرام وجرت في ... شرع الهوى وعدلت عن آماله
يا أيها الرَّشا الرَّشيق ومن به ... عذب العذاب وطاب مرُّ دلاله
عد بالوصال وعدِّ عن هجري وجد ... بالودِّ وارث لمدنف بخياله
حتى م تمنحني البعاد تعمُّداً ... ويظلُّ طرفك راشقي بنباله
وعلام تقتل عاشقًا هجر الكرى ... لمّا هجرت وصدَّ عن عذَّاله
يصفو إذا هبَّت صبًا فتزيده ... وصبًا فصبُّ الدَّمع أحسن حاله
ويشوقه مر النَّسيم إذا سرى ... عبقًا بنشر ربى العقيق وضاله
يا صاح عج بالظعن منعرج اللوى ... ورد العذيب سقيت عذب زلاله
واستعطف الرَّشأ الأغن لمغرمٍ ... ظامٍ إلى مارقَّ من سلساله
وأنشدني لنفسه في الخمر:
قم هاتها قهوةً تجلو دجى الظُّلم ... وسقِّنيها ولو في الأشهر الحرم
стр. 712
/٢٤٤ ب/
ذر الملام فقد لجَّ الغرام بها ... هات المدام وسل ما شئت واحتكم
بكر تحدِّث عن عاد بلا كذب ... وعن ثمود بلا شكٍّ وعن إرم
حمراء قانية تعطيك إن قرعت ... بالمزج درًّا نظيمًا غير منفصم
ليس السُّرور الذي [تعطي] بمنقطعٍ ... ولا النَّعيم الذي تولي بمنصرم
تقدَّست ذاتها عن أن يحيط بها ... وصف ونعت سوى الموصوف في القدم
يديرها خنث الأعطاف ذو هيفٍ ... مشوبةً برضاب سلسلٍ شبم
أحوى حوى الحسن والإحسان شيمته ... تغنيك نغمته عن سائر النغم
عبد الرَّحمن بن منصور بن أبي بكر بن منصور بن الحسين بن ثامر القنطريُّ الإربليُّ:
شاب طويل أبيض اللون مشرب حمرةً، من أبناء القضاة، اعتنى بقول الشعر وعمله، من غير أن يشتغل بالأدب، فصار له طبع في إنشائه.
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل –أدام الله سعادته- ويعتذر إليه من شيء بلغه عنه:
أما وأيام وصلٍ بالحمى سلفت ... وما مضى من ليالي الشعب والعلم
ومنزل باللِّوى أقوت معالمه ... من الغواني ذوات الدَّلِّ والنعم
وما علا فوق أكوار المطيِّ ومن لبَّى ومن طاف حول البيت والحرم
لو أن لي كبداً تشتاق غيركم ... خرجت عنها وهذا أعظم القسم
فقد حملت من الأشواق جلَّ هوى ... لو قام رضوى بجزءٍ منه لم يقم
أكابد النَّوم في تلقاء طيفكم ... لولا رجا طيفكم في الحلم لم أنم
стр. 713
ومنها في المدح:
مولاي يا شرف الدِّين الذي شرفت ... به الأماجد من عرب ومن عجم
يا معدن الجود قد وافاك عبد وفا ... معوَّد منك بالإحسان والكرم
معفِّرًا فوق ترب الأرض وجنته ... خزيان يقرع أسنانًا من النَّدم
ومنشدًا بيت شعرٍ كان فاه به ... نجل النميري في أيامه القدم
إقبل معاذير عبد جاء معتذرًا ... يثني عليم بما أوليت من نعم
وأنشدني أيضًا لنفسه:
أحنُّ إلى رند الحمى ويشوقني ... عرار بنعمان على العلم الفرد
يذِّكرني أيام وصلٍ تصرّمت ... ونحن على شاطي الأجيرع من نجد
ولست كمن يشتاق دعداً وزينبًا ... ولا أنا مشغوف بميلٍ إلى هند
ولكنني أهوى عذارًا مزرَّدًا ... وأزهد في سعدى وأرغب في سعد
وضمِّ رشا عذب المراشف أشنبٍ ... إلى وجنتيه تنتمي حمرة الوردً
لذيذ التَّجنِّي مائس القدِّ اهيفً ... مليح التَّثنّي مشرق الثَّغر والخدَِّ
نعمت به عصرا مضى ليت أنني ... قضيت نحبي قبل أن يقضين بعدي
فللَّه كم عانقته في عشيَّةٍ ... وكم بات يسقيني حساريقه الشَّهد
وأنشدني أيضًا لنفسه:
حبَّذا حيٌّ على كاظمةٍ ... صرعت غزلانه أسد الشَّرى
عوِّدت آرامه سفك الدِّما ... فتقلًّدن عقيقًا أحمرا
عبد الرَّحمن بن عمر بن بركات بن شحانة، أبو محمَّد الحرَّانيُّ:
стр. 714
المحدِّث المؤرِّخ.
سمع الحديث الكثير بالشام، والعراق، وديار مصر، ولقي مشايخ العلم، والأدب، والحديث، وأخذ عنهم، واستفاد منهم، وكتب، وحصل وجمع، وألّف بحرّان تاريخًا كبيرًا ذا مجلدات عدة، وله شعر، وكتب لي إجازة بخطه.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي النيسابوري –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن شحانة لنفسه:
يا قاتلي لو أنَّ قلبك جلمد ... وشكوت أشواقي لرقَّ الجلمد
فيك اكتسيت الذُّلَّ بعد مهابة ... وبك اشتفى منِّي العدى والحسَّد
وسهرت في حبِّيك ليلي لم أنم ... أتراك مثلي ساهرًا لا ترقد؟
ويلاه من نارٍ بقلبي أضرمت ... ما إن لها إلا رضابك أبرد
وقسىِّ سحر من لحاظك فوِّقت ... فأصيب قلبي المستهام المكمد
ودمي بخدِّك قد أقرَّ بقتلتي ... فعلام يا مولاي جفنك يجحد؟
عبد الرَّحمن بن حمد الإسعرديُّ:
شاعر من أهل إسعرد، ضعيف الشعر، مشهور ببلده.
أنشدني خاصبك بن غازي بن طغلي قال: أنشدني عبد الرحمن لنفسه من جملة أبيات أولها:
ما شمت بالجزع برقًا أو شممت صبا ... إلا وهيج لي تذكاركم وصبا
يا نازحًا عن جفونٍ قلَّما رقدت ... ومدمعٍ مذنأيتم قلَّما نضبا
стр. 715
أنهنه الدَّمع كي أطفي به حرقي ... فلا يقلُّ ولا يفكُّ منسكبا
وما سمعنا بنار كلًّما طفيت ... بالماء تزداد إلاًّ زفرتي لهبا
أحبابنا بليالينًا بخيف منى ... بالأبرقين بعيش بالحمى ذهبا
هبوا لنا من هبوب الرِّيح رائحةً ... من نشركم نفحةً نشفي بها الكربا
ومنها يقول يخاطب الممدوح:
ظننتهم لك نوَّابًا وما برحوا ... في جمع مالك لمَّا حكِّموا نوبا
فاستكشف الأمر يا ابن الأكرمين فما ... من الجماعة إلاَّ من شنا وسبا
لا يخدعوك بما صاغوه من ملق ... وزخرفوه على أغراضهم كذبا
قد أضرموا في الورى بالظُّلم مسعرةً ... فاجعلهم لسعيرٍ أضرموا حطبا
لا تتق الله يومًا في عقوبتهم ... فليس يهزم من لله قد رقبا
عبد الرَّحمن بن محمد بن عبد العزيز بن نصر بن عبد العزيز بن نصر بن عبد الله بن إسماعيل بن إسحق بن محمَّد بن أحمد بن إسماعيل بن سويد بن مالك، أبو المحاسن الخطيب المرندي:
هكذا أملى عليَّ نسبه.
كان أجداده خطباء مرند على المنابر، وخطابته في عقبهم تتردد إلى زماننا هذا.
رأيت أبا المحاسن بمدينة إربل سنة ست وعشرين وستمائة، وردها مستميحًا نوال سلطانها الملك المعظم نظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ ومنتجعًا جدواه.
وأنشدني لنفسه في التاريخ [المذكور] قصيدة في الملك المعظم مظفر الدين، وسمعت من لا أشك في حديثه، أنَّ الشعر الذي يأتي به ليس له، إلاَّ أنَّه يسرقه ويمدح به الناس، والله أعلم.
стр. 716
ثم شاهدته بحلب، وبدمشق، وكان رجلًا من أشد الناس حرصًا على حطام الدنيا، يجول البلاد، ويرحل إلى الملوك يسألهم ويدخل معهم في الأمور الجدية والهزلية بكل طريق فيختارون حينئذ منادمته، لما يشاهدون منه، فتارة يوهمهم أنه خطيب، يخطب على المنبر أيام الجمع ومرّة بصنعة الطرب، والغناء، وأخرى بقول الشعر والاستجداء به، وغير ذلك.
وكان يزعم أنَّ له فصولًا وعظية من إنشائه، ولم يكن عنده مما يزعم شيء، وذكر لي أنه ولد بمرند في سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ومات بحلب في صفر سنة أربعين وستمائة.
ومما أنشدني وزعم أنه له، القصيدة التي تقدم ذكرها، وأوَّل القصيدة:
السَّعي في طلب العلياء لا الغزل ... والمجد يبنى على الخطيَّة الذُّبل
والعزُّ ما قاد نحو الهمِّ صاحبه ... وما عداه فأنفاس على علل
إن كنت تشكو إلى ورد الحمى ظمأ ... فاسق الحسام دمًا رطبًا على نهل
من لم يخض لجة الأخطار مبتدرًا ... عدَّته أقرانه في معشر عطل
إذا تدرَّع جنح اللَّيل ظلمته ... نضوت كالصُّبح عزمًا غير مرتحل
أنَّى أجوب على هوجاء جائية ... ظلَّت يضلُّ بها هادي بني ثعل
وجناء جنِّيَّة الأخلاق طائشة ... تلاحق الوحش إدراكًا على كلل
وقد تمطَّيت للإدلاج يعملةً ... حنَّت على كللٍ وجدًا إلى كلل
أجتاب بيدًا من الأيَّام ملتمسًا ... ميامن الغزل لا بيتًا من الغزل
ومنها قوله:
حتى إذا عالج النُّور الدُّجى سحرًا ... تعانق الصُّبح منه نفس مرتحل
وأقبل الأشهب الخقَّاق ملتقطًا ... [يجري] على حدق الجوزاء والحمل
والشمس تمحو من الظَّلماء آيتها ... كمحو كهف المعالي ككبري بن علي
стр. 717
[٢٩٧]
عبد الرَّحمن بن أبي الحسن بن عليٍّ بن عيسى بن أحمد بن يعرب البوازيجيُّ:
رأيته بإربل سنة ثلاثين وستمائة، شابًا طويلًا أشقر، ذا هوج وطيش، كثير الدعاوى في فن النظم والنثر، مفتخرًا بنفسه:
أنشدني له يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –رحمه الله تعالى-
باكر اللَّهو يا أخا اللَّذات ... واغتنم غفلة الزَّمان المواتي
قم بنا نصرف الهموم بصرف من عصير الرُّهبان والرَّاهبات
قبل أن يفطن الزَّمان ومن قبـ ... ـل وقوع المشيب بالشَّعرات
خذ من اللَّهو ما استطعت ومن أيـ ... يام شرخ الشباب قبل الفوات
لا تؤخِّر يوم السُّرور ففي مقـ ... ـدار لحظ تنبُّه الحادثات
فإلى كم أرى توانيك في الشُّر ... ب مع الشَّرب يا أخا التُّرًّهات
إن تكن تبت يا نديمي واقلعـ ... ـت عن الخمر بعد هاك وهات
فانفض التَّوبة التي تبت واطلب ... حانة الخمر بالفتى والفتاة
واصطبح كالعقيق لونًا وكالعنـ ... ـبر نشرًا يفوح بين السُّقاة
قهوًة تجلب السُّرور وتنفي ... الهمَّ قسرًا وتطرد الكربات
مرَّة تستطاب طعمًا ومن عجب ... شيء مرٌّ من الطيِّبات
بزلوها واللَّيل داج فلاحت ... من بعيد كالنجم في الظُّلمات
طاف يسعى بها علينا من التُّر ... ك غرير مورَّد الوجنات
حاز كلَّ الصِّفات حسنًا كما حا ... ز المعالي طرَّاً أبو البركات
قد هززناه للنَّدى فانثنى غصـ ... ـنًا رطيبًا عذب الجنى للجناة
وقصدنا جنابه فوجدنا ... هـ غزير العطا كثير الهبات
جلَّ في الجود عن شبيهٍ فقد أصـ ... بح فردًا في الجود والمكرمات
стр. 718
وتعالى عن المديح فقد جا ... وز حدَّ الثَّنا وحدَّ الصِّفات
عبد الرَّحمن بن أبي الفوارس المخزوميُّ:
خبِّرت أنَّه من عقر الحميدية، من أعمال الموصل، ولم أعرف من حاله شيئًا لأثبته عليه، وقع إليّ من قوله قصيدة طويلة يمدح بها المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام، سلطان المسلمين، شرف الملوك، تاج السلاطين، أبا الفضائل أتابك طغر لتكين بلكا، نصير أمير المؤمنين- أنفذ الله أمره، فما رأيت إيرادها بجملتها لطولها، وتعسف ألفاظها، وركة نظمها، فاقتصرت منها على ما اخترته من أبياتها، فإنني لم أر الإخلال بها، لكونها نظمت في معاليه، ففيها يقول:
يا أيُّها الملك العالي مناقبه ... وصاحب الفضل هاك الفضل فانتقد
واسرح بطرفك في أطراف جنته ... فأنت والله فينا بيضة البلد
أنت الذي هجر الياقوت مفتخرًا ... بأحمد وكذاك البحر ذو المدد
أبو الفضائل بدر الدِّين حاتم هذا ... العصر بل كعبة في البذل والصَّفد
أعطيت حتَّى فضلت البحر موهبةً ... وصلت حتى فضحت الصٍّيد فاقتصد
مآثر لك لا تحصى فضائلها ... عدَّ النُّجوم ومن بيض العطا تسد
والحق بدوحتك الغنَّاء واسم إلى ... العلا واعل إلى ما شئت من أمد
واجلس على تختك الميمون سدَّته ... واقص العدا واعتصب بالتَّاج واستند
واحكم ومر وانه واسلم ما عليك يد ... محسَّد المجد مأمونًا من العند
ولا تخف حدَّ ناب ناب أو ظفرٍ ... فسعد جدك ما ينفكُّ في صعد
واستعبد النَّاس بالإحسان سالمك الـ ... ـزمان فالدَّهر ما يبقي على أحد
فخير ما ادَّخر الإنسان من حصن ... حمد يضوع سناه آخر الأبد
فأنت يا خير من تحذى النِّعال له ... عين الكمال الّتي لم ترم بالرَّمد
стр. 719
[٢٩٩]
عبد الرَّحمن بن أبي غانم بن إبراهيم بن سندي بن أبي الحسين بن
منصورٍ، أبو الفضل الخفاجيُّ:
من أهل حلب، هكذا نسب لي نفسه لما سألته عنه، وأنَّ أصله كان من بني خفاجة، من عرب الشام.
روى عن أبي الحسن علي بن الحسن المعروف بشميم الحلي، وحماد بن خليفة، وأبي الحسن الفراء الدمشقي وغيرهم من الشعراء الشاميين.
شاهدته بحلب المحروسة، شيخاً /٢٥٠ أ/ كبيراً، وروى عن جماعة من الذين أدركهم، وأخبرني أنَّه ولد يوم الأربعاء ضاحي نهاره سنة ست وخمسين وخمسمائة، وتوفي في أوائل شهر صفر سنة أربعين وستمائة بحلب، وزعم أنه لم يشتغل بشيء من علم العربية والأدب والإقراء، [ولكنه مع ذلك كان] ينظم الأشعار بصحة ذوقه، وسلامة طبعه، ووجدته إذا أنشد يتحرَّى من اللحن، قلّ أن يلحن.
وكان رجلاً تاجراً، يسافر في البلاد للتجارة من الشام إلى العراق، وديار مصر، وهو ذو طبع حسن في إنشاء الشعر، وخاطر سهل، من المشايخ الظراف، يحكي الحكايات النادرة من حظفه، ويتشيع، ويذهب مذهب الإمامية.
أنشدني من شعره قوله بحلب المحروسة: [من الطويل]
ولمَّا برزنا للوداع وأحدجت ... جمالٌ وزمَّت للترَّحُّل نوق
وبان خليطٌ عن خليطٍ ورجَّعت ... حداة المطايا واستقلَّ فريق
ولم يبق إلاَّ ظاعنٌ أو مشيِّعٌ ... جرى من جفوني في العقيق عقيق
وعدت كأنِّي منتشٍ من مدامةٍ ... وسكران خمر الوجد ليس يفيق
/٢٥٠ ب/ أردِّد طرفي في ربوع ديارهم ... وإنسان عيني بالدُّموع غريق
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الطويل]
أشاقك ربعٌ بالغوير محيل ... عشيَّة زمَّت للقطين حمول
سروا فأذاب القلب حرُّ فراقهم ... فأصبح دمعاً في الخدود يسيل
стр. 720
أحبَّتنا لا حلت عن حفظ عهدكم ... ولا لام فيكم كاشحٌ وعذول
وكم يدَّعي مثلي هواكم تصنُّعاً ... يقول لدى قاضي الهوى وأقول
وأشتاق ريَّا أرضكم فعسى بها ... يبلُّ عليلٌ أو يبلُّ غليل
وأنتم وإن شطَّت بكم غربة النَّوى ... بقلبي لا وادي العقيق نزول
وإن أوحشت منكم ديارٌ أنيسةٌ ... فأنتم إذاً بين الضُّلوع حلول
وأجفان عيني مذ بعدتم قصيرةٌ ... وليلى مذ شطَّ المزار طويل
ولا القلب تهدا مذ هجرتم جفونه ... ولا الصَّبر من بعد الفراق جميل
وأنشدني لنفسه: [من الرمل]
عدِّ عن لومك لي يا من عذل ... حسن صبري مذ نأى الحبُّ رحل
وغدا قلبي في إثرهم ... حاملاً ثقل الهوى فيما حمل
ولكم ناديت في الحيِّ وقد ... فعل الشَّوق بقلبي ما فعل
/٢٥١ أ/ يا لقومي طلَّ في الحبِّ دمي ... بقدود السُّمر لا سمر الأسل
ولحاظ عجبي من سيفها ... لم يفارق جفنه كيف قتل؟
حرَّم الشَّرع الدِّما في حكمه ... فدمي يا ليت شعري كيف حل؟
يا حداة العيس إن سرتم بهم ... فاعدلوا بالظَّعن عن سفح الجبل
وإذا جزتم على كاظمةٍ ... فانشدوا قلبي في تلك الحلل
فبها سرب ظباً آجالها ... راتعاتٌ بعدها يدني الأجل
فيهم بدر جمال ما بدا ... للورى إلاَّ على البدر الخجل
قد تقضَّى العمر فيه بعسى ... وبسوف وبربَّ ولعل
وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة أولها: [من الكامل]
يا دار جادتك الدُّموع سجام ... وسقاك من سحب الجفون غمام
وحباك خفَّاق النَّسيم مسرَّة ... ورعى أناساً كان فيك أقاموا
عهدي بهم مثل الأهلَّة ما بدوا ... إلاَّ تجلَّى غيهبٌ وظلام
أنأتهم أيدي الفراق فأصبحوا ... بعد النَّوى وكأنَّهم أحلام
واستوطنوا داراً بمنعرج اللِّوى ... منِّى عليها ما حييت سلام
حلّوا بها فتأرجت أكنافها ... طيباً وحالت دونها الأيام
стр. 721
/٢٥١ ب/ وأنشدني أيضاً لنفسه من أبيات يصف فيها مجلساً في يوم ثلج:
[من الكامل]
وكأنَّ وجه الأرض وجه خريدة ... برزت لنا في حلَّة بيضاء
والنار يحكي لونها ما بيننا ... شمساً للغرب عند مساء
وكأنَّ نرجسنا عيون حاذرٍ ... يسرقنا نظراً من الرُّقباء
وكأنَّما الأترجُّ يحكي لونه ... لون المحبِّ إذا رمي بتناء
ولنا مغنٍّ إن شدا كحمامةٍ ... وإن انثنى كأراكةٍ خضراء
يسقي النَّدامى من كؤوس رضابه ... خمراً تنوب لهم عن الصَّهباء
كم قد أمات العاشقين بهجره ... وأعادهم بالوصل في الأحياء
مع فتيةٍ وقفوا على كسب الثَّنا ... أرواحهم فلهم بذاك ثنائي
غرر الزَّمان وجوههم وأكفُّهم ... تغني العفاة بها عن الأنواء
جادوا وقد ضنَّ الورى بنوالهم ... سمحوا وقد بخل السَّحاب بماء
[٣٠٠]
عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن أبي عليِّ بن إبراهيم الحلبيُّ:
كان جندياً في خدمة الأمير حسام الدين /٢٥٢ أ/ طمان بن غازي بن بلمن بن تنجول، من جبل سلور بحلب، رأيت له أرجوزة تاريخية لمدة ستين سنة هجرية، أولها سنة تسع وستين وخمسمائة، وآخرها إلى سنة ثمان وعشرين وستمائة، تدخل في مجلدين، أولها: [من الرجز]
أقول باسم الواحد الحميد ... الصَّمد المهيمن المجيد
أحمده حمداً كثيراً لم يزل ... متَّصلاً بين الغدوِّ والأصل
ثمَّ صلاة الله والسَّلام ... على الذي قام به الإسلام
محمد الهادي إلى الرَّشاد ... قامع أهل الشِّرك والإلحاد
стр. 722
سألتني يا أيُّها الرَّفيق ... والصَّاحب المساعد الشَّقيق
عن الذي عاينه عياني ... وكلِّ ما سمعت في زماني
وكلِّ ما شاهدته من العجب ... فيما تقضَّي من زماني وذهب
وما تهيَّا لي من المشاهده ... عند لقا الحروب والمطارده
فاسمع حديثاً يستفزُّ السَّامعا ... يعرفه من شاهد الوقائعا
أقصُّه عليك بالتَّاريخ ... مطرَّد النَّاسخ والمنسوخ
وذاك عند صحبتي طمانا ... وقد وجدت عنده إحسانا
/٢٥٢ ب/ وذاك في العام الذي صحبته ... في جلِّقٍ أوَّل ما خدمته
وكان ذاك العام في البدايه ... تسعاً وستِّين وخمسمايه
والنَّاس يثنون على براعته ... وعظم ما أظهر من شجاعته
ثنوا على ثنائه الخناصرا ... وعطَّروا بشكره المحاضرا
وذكره يلذُّ للمسامع ... ونحوه يشار بالأصابع
وهي طويلة جداً، عدد أبياتها أربعة آلاف وسبعمائة وبيت. وقال لما ختمها هذه الأبيات: [من البسيط]
الحمد لله رِّبي فهو يسَّرني ... لنظم أرجوزةٍ جاءت على قدر
وسمتها بطمانٍ إذ أشار بها ... ثمَّ استمرَّت فكانت سيرة السِّير
وشَّحتها بفنونٍ من حوادثها ... من المواعظ والآداب والعبر
فلو رآها وقد جاءت موافقةٌ ... نظم الجمان مع المرجان والدُّرر
ألفاظها لمعانيها مجانسةٌ ... في الاتَّحاد امتزاج النُّور بالبصر
وكالهيولى الأوالي وهي واحدةٌ ... عند القبول لأنواعٍ من الصُّور
إذاً تحقَّق أن الله أنطقه ... بما يكون قبيل الكون في البشر
/٢٥٣ أ/ والله يهدي القلوب المستنيرة بالإ ... شراق كالشَّمس تهدي النُّور للقمر
فيدركون بنور الحقِّ عن كثبٍ ... بعد الحوادي في مستقبل العصر
стр. 723
[٣٠١]
عبد الرَّحمن بن عثمان بن منصورٍ بن أبي الفوارس الإربلي، أبو زيد:
كانت ولادته في حدود سنة ست وثمانين وخمسمائة، شيخ من أهل إربل، خرج عنها، وأقام بحلب المحروسة، يتعيش في سوق البز، له قريحة في عمل الشعر، وطبع، وكنت أغشى حانوته كثيراً، وينشدني من أشعاره.
ومما أنشدني لنفسه، وكتبها إلى تاج الدين الوزير يوسف بن عبد الله بن علي بن شكر يعاتبه: [من الكامل]
يا سيِّد الوزراء إنَّ قضيَّتي ... قد اشكلت وعليك حلُّ المشكل
أبعدتني وأنا القريب وليس لي ... ذنبٌ يقال فكيف لي لو أنَّ لي؟
لكنَّما عثمان كان مصاحبي ... فرفضته وعدلت عنه إلى علي
وأنشدني لنفسه أيضاً ما كتبه إليه: [من الخفيف]
/٢٥٣ ب/ كم رقاعٍ كتبتها لك نظماً ... ورقاعٍ كتبتها لك نثرا
ودعاءٍ حفظته لك سراً ... ودعاءٍ رفعته لك جهرا
وشكاوى فضحت فيها وأوضحـ ... ـت ولم أحتشم وألمعت عذرا
لم تفدني شيئاً وغالب ظني ... أنَّ مولاي مضمرٌ لي شرَّا
ودليلي الحرمان منك وإحسا ... نك عمَّ البلاد براً وبحرا
وأنشدني لنفسه في صديق كان له، واتفق أنه كان مسجوناً، ومنع الناس عن زيارته: [من الخفيف]
لا ترع إن حجبت عن أعين النَّا ... س فهذا الزَّمان تفنى قطوعه
стр. 724
إنَّ بدر السَّماء ينقص حيناً ... فإذا ما استسرَّ يرجى طلوعه
[٣٠٢]
عبد الرَّحمن بن عليِّ بن يحيى بن خالد بن عمران الأمويُّ
الغماريُّ السَّبتيُّ:
ومولده في شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ببادية سبتة.
الفقيه المالكي، المدرس المفتي.
تفقه بفاس، وبها تأدب على /٢٥٤ أ/ الأستاذين زيدان، وابن خروف الأديب النحوي، وبالديار المصرية، وببغداد، والشام، وسمع البخاري، والموطأ، والسنن، ومسلم بفاس، وتفنن في علوم شتى من الأصولين، والخلاف، والحساب، والفرائض، وعلوم أخر، وقيل إنَّه استظهر على ثلاثين ألف بيت من الأشعار العربية.
فمن شعره: [من البسيط]
وافى بليلٍ وليل الشَّعر ساتره ... ظبيٌ غريرٌ غضيض الطَّرف فاتره
على قوامٍ يكاد اللِّين يمحقه ... لولا الكثيب الذي ضمَّت مآزره
حلو الشَّمائل مكحولٌ مدامعه ... ولم تغمَّض على كحل نواظره
كغرَّة البدر إشراقاً محاسنه ... ولمحة البرق إيماضًا سوافره
إذا رنا فسيوف الهند نابيةٌ ... في مضربيها ولم تنب بواتره
وإن سطت فعلى الأجساد سطوتها ... وسيفه في صميم القلب شاهره
كأنَّما بابلٌ من سحر مقلته ... وقد حشاها به هاروت ساحره
كأنَّ فاحمه والطِّيب غامره ... ريش الغراب إذا التفَّت غدائره
يقبِّل الأرض من اجلال ساحبه ... إذا تعثَّر فيه وهو ناشره
ووجنتاه كروض الورد باكره ... طلٌّ فلم يعد أن راقت بشائره
/٢٥٤ ب/ والثَّغر كالدُّرِّ لا بل من ملاحته الدُّرُّ النَّفيس إذا ما عدَّ فاخره
стр. 725
والرِّيق كالشَّهد أو طعم العقار إذا ... ما عاقر اللُّبَّ يوماً فهو عاقره
لو أنَّ من في حبيس الدَّار اسمعه ... منه حديثاً لأضحى وهو آسره
أو راء ميتاً وذاك الميت في كفنٍ ... في قعر لحدٍ لأمسى وهو ناشره
وأنشدني لنفسه في الحمى: [من الطويل]
سرت كالخيال لا حسيسٌ ولا نبح ... فوافت فراشي عندما اتَّضح الصُّبح
وقد سمحت بالوصل والصُّبح مسفرٌ ... ونجم السَّماك طاح من كفِّه الرُّمح
وألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوى ... وحلَّت بجسمي فاستبان لها البرح
تعانقني بالرَّغم لا عن مودَّة ... عناقاً يرى كالذبح أو دونه الذبح
وقد صار وصفي الخفض والضمُّ وصفها ... ولم يقترب منَّا سكونٌ ولا فتح
وأصبحت منكوحاً لها وهي ناكحٌ ... ويا من رأى أنثى يكون لها نكح
أجازت نكاح العهر من غير شرعةٍ ... كفعل النَّصارى لا طلاقٌ ولا صلح
وأنشدنا لنفسه: [من الكامل]
عبث النَّسيم بيانه وبهاره ... واستمطر الكافور من نوَّاره
/٢٥٥ أ/ وجلا عروساً طيبها وحلُّيها ... من مزنه وربيعه وقطاره
فسوارها وعقودها وحجولها ... وبهاؤها من راحتي آذاره
من أحمرٍ شرق وأبيض ناصعٍ ... ظهرت صفات الحقِّ في أنواره
من نرجسٍ وشقائقٍ وبنفسجٍ ... يجلو ثياب العجب من أزهاره
والياسمين بها إلى نيلوفرٍ ... ترنو لواحظه على أنهاره
عرسٌ جنت ثمر السُّرور شهوده ... لمَّا تشابه ليله بنهاره
فالمسك والجاديُّ من مشمومه ... والدُّرُّ والياقوت بعض نثاره
وعذابه الشُّحرور ينشد معرباً ... بلحونه ما رقَّ من أشعاره
يشدو على غصن الأراك تعجُّباً ... من صوته ومجاوباً لهزاره
حتَّى بكى قمريُّه للبعد عن ... معشوقه أو إلفه أو جاره
فبكلِّ قطرٍ جئت من أقطاره ... داود معتكفاً على مزماره
وترى الحباب على الجداول مائساً ... فعل المتيَّم من شدا أطياره
يجلو علينا الرَّاح أحور شادنٌ ... طلعت شموس الحسن من أزراره
стр. 726
فالمسك من أنفاسه وكأنَّها ... من طيبها وقفٌ على عطَّاره
بدرٌ [يضيء فيختفي من دونه] ... بأفوله وكسوفه وسراره
/٢٥٥ ب/ لا تهتدي أن تعلق الشمس المنيـ ... ـرة من ملاحته بذيل غباره
والفكر إما قام بين ثيابه ... مستغرقٌ عن خمره بخماره
فالرِّيُّ كلُّ الرِّيِّ في أردافه ... والمحل بين نطاقه وإزاره
يتفرُّ عن برد نضيد نظمه ... كالبرق حال وميضه ومطاره
وإذا دنا فالسَّيف يقصر فعله ... حال الضَّريبة عن فعال شفاره
غازلته حتى إذا وخط الدُّجى ... بالشَّيب فوق جبينه وعذاره
فرمى بسهمٍ ما تكامل نزعه ... حتى أصاب القلب في أعشاره
ومضى هزيم اللَّيل ينهض خلفه ... جيش الصَّباح فعاث في أقطاره
ففرى أديم اللَّيل عن شمس الضُّحى ... فمحا به ما اختطَّ من آثاره
حتى إذا طلعت لغرَّة أيبكٍ ... شمس الضُّحى أخذ النَّهار بثاره
стр. 727
ذكر من اسمه عبد الرحيم
[٣٠٣]
عبد الرَّحيم بن أحمد بن قائد بن محمد بن عبد الرحمن،
الحموني القائديُّ، أبو المكارم، وقيل أبو المظفِّر بن أبي نصر:
من أهل خويّ، ومن بيت الرئاسة المشهورة بها، الرئيس الفاضل الصدر، وكانت وفاته /٢٥٦ أ/ فيما أخبرني عبد السلام بن أحمد الحموني، يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة من سنة ثلاث وستمائة بخوي، ودفن بظاهر البلد بسوق دشنبه، جوار المدرسة التي أنشأها والده مجد الإسلام أبو نصر أحمد بن قائد.
أجرى ذكره الإمام محمد بن محمد الكاتب في خريدته، وقال: "هو الرئيس بعد أبيه، الوارث مجده وفضله"، ثم قال: "أنشدني له الحكيم يوسف ابن القطب الخونجي، وقد قدم بغداد سنة اثنتين وستين وخمسمائة أبياتاً كتبها عبد الرحيم رئيس خويّ إلى أخيه الأكبر يستهدي شراباً: [من الكامل]
بلِّغ جمال الدِّين عبد الواحد ... صدر الأنام الماجد ابن الماجد
برد الهواء وزاد في قلبي الهوى ... فانعم عليَّ بقلب ضدِّ البارد
ضد البارد، الحار، وقلبه: الراح".
وله في شمعة: [من الطويل]
تساهرني في ظلمة الليل شمعةٌ ... تشاركني في لوعتي وسهادي
لها ذوب جسم وانسكاب مدامعي ... وصفرة لوني واحتراق فؤادي
/٢٥٦ ب/ وقال أيضاً: [من الطويل]
стр. 728
يقولون: لا تجف القوافي بعدما ... إلى فكرك الوقَّاد ألقت زمامها
فقلت: الثُّريا لو تشتَّت شملها ... أنفت لنفسي أن أعيد نظامها
[٣٠٤]
عبد الرحيم بن النَّفيس بن هبة الله بن وهبان بن روميّ بن
سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان، أبو
نصر بن أبي جعفر البزوريُّ السلميُّ الحديثيُّ:
كان من حديثه النورة، على فراسخ من الأنبار، قلعة حصينة في وسط الفرات، والماء محيط بها.
كان كثير الطلب للحديث وسماعه، سمع أبا السعادات المبارك عبد الرحمن القزاز، وأبا منصور عبد الله بن محمد بن عبد السلام، وأبا الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وغيرهم.
طاف البلدان، وسمع بمصر، والحجاز، والشام، ودخل إلى خراسان، وأقام بمرور، وكان طالباً، ثقة، حافظاً، متقناً، عارفاً باللغة، قيِّماً بها، تفقه على مذهب الإمام الشافعي /٢٥٧ أ/ ﵁.
وله رسائل وشعر، صحبه أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، في القراءة على جماعة وافرة من مشايخ مرو وخوارزم، وتركه في خوارزم في سنة سبع عشرة
стр. 729
وستمائة، فقتله التتر شهيداً.
وكانت ولادته على ما أخبرني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن الحلبي قال: أخبرني إبراهيم الصريفيني [في] عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة بالحديثة.
أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي قال: أنشدني أبو نصر عبد الرحيم بن وهبان لنفسه: [من البسيط]
لي صاحبٌ لم أؤِّكد عقد خلَّته ... إلاَّ وقابلني في حلِّها دابا
يزورُّ عن جهة الإنصاف مقصده ... جهلاً فإن سمته حفظ الوداد أبى
داريته زمناً رعياً لذمَّته ... رجاء أن يرعوي عن غيِّه فنبا
فحيث عيل به صبري وأعجزني ... قطعت من ودِّه المخلولق السِّببا
وقلت: رح غير مصحوب إلى سقرٍ ... فكم أكابد فيك الويل والحربا
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني أبو نصر لنفسه، وكتبها إلى المفيد يونس /٢٥٧ ب/ بن أبي بكر البغدادي الفقيه الحربي، يتقاضاه بوعد الاجتماع:
[من المجتث]
ما هكذا كان ظنِّي ... مع المفيد الأجلِّ
أنجزت وعد التَّلاقي ... لكن بليٍّ ومطل
وعدتني منك قرباً ... ينسي الهموم ويبلي
فبتُّ أرقب طيف الـ ... ـخيال جهد المقلِّ
أجفى وأقصى ويحظى ... غيري بلذَّة وصل
يا قومنا ناصفونا ... ماذا قضيَّة عدل
стр. 730
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسين العقيلي قال: خرجت يوماً من سماع الحديث على شيخنا أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي الحلبي، ومعي أبو نصر عبد الرحيم بن وهبان، فناولني في الطريق رقعة بخطه من شعره في فضل أصحاب الحديث، فتأملتها فإذا فيها، وكتبتها من خطه: [من الكامل]
علم الحديث أجلُّ علمٍ يذكر ... وله خصائص فضلها لا ينكر
/٢٥٨ أ/ ركنٌ من أركان الشَّريعة موثقٌ ... وبنصِّه أي الكتاب يفسَّر
وهو الطَّريق إلى الهدى وضياؤه ... لظلام إشكال الأمور منوَّر
وهو الذَّريعة في معالم ديننا ... وبه الفقيه اللَّوذعيّ يعبِّر
لولاه لم يعرف لقوم سيرةٌ ... فلسانه عن كلِّ قرن يخبر
ورجاله أهل الزَّهادة والتُّقى ... وهم بتحقيق المناقب أجدر
وقفوا نفوسهم عليه فجدُّهم ... لا ينثني ودؤوبهم لا يفتر
ينفون عنه إفك كلٍّ معاندٍ ... بدلائلٍ متلألئاتٍ تزهر
ويقونه شبه الشُّكوك بجهدهم ... فيظلُّ بعد الشَّكِّ وهو مشهّر
ويميِّزون صحيحه وسقيمه ... بمقالة تبيانها لا يقصر
لله درُّهم رجالاً ما لهم ... في هذه الدُّنيا مغانٍ تعمر
في الله محياهم وفيه مماتهم ... وهم على كلف المشَّقَّة صبَّر
قنعوا بمجرى قوتهم من دارهم ... ورضوا بأطمارٍ رثاثٍ تستر
ما ضرَّهم ما فات من دنياهم ... فلذيذ عيشهم الهنيُّ مؤخَّر
وأنشدنا القاضي الإمام الكامل زين الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن /٢٥٨ ب/ بن عبد الله ابن علوان الأسدي –﵀ بمنزله المعمور، يوم الثلاثاء،
стр. 731
ثاني عشر رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني عبد الرحيم بن وهبان لنفسه:
[من المجتث]
أراك تنظر قولي ... فتزدريني لأجله
وقد حوى لو ذعياً ... شاعت محاسن فضله
يكفيك فعلاً وقولاً ... في عقد أمرٍ وحلِّه
إما بلوت حساماً ... فانظر إلى حدِّ نصله
ولا يغرَّك منه ... غمدٌ جديدٌ لصقله
بل اختبر ظبتيه ... تحط بكنه محلَّه
وأوله من شفيقٍ ... حمداً وذَّماً بفعله
هذا هو الرُّشد فاسلك ... منه مناهج عدله
[٣٠٥]
عبد الرَّحيم بن عليِّ بن إسحق بن شيث بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن مروان
بن محمد الحمار، أبو القاسم بن أبي الحسن الكاتب الصعيدي المصري /٢٥٩ أ/ القرشي:
بقية الشيوخ الكتاب البلغاء، وأصحاب الدواوين الفضلاء، وكان ذا فضائل كثيرة، ورسائل شهيرة، وتصانيف حسنة في أصول الدين والرقائق.
стр. 732
كتب الإنشاء بديوان مصر للملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب بن شادى، وبعد الملك العزيز رحل إلى دمشق، وصار منشئاً لسلطانها الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب- رحمه الله تعالى- وتوفي فيما بلغني في المحرم سنة خمس وعشرين وستمائة، وكانت ولادته في سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
حدثني القاضي أبو القاسم- أدام الله سعادته- قال: كان يكتب بين يدي القاضي الفاضل، وقدم علينا مدينة حلب في صفر من سنة ثلاث عشرة وستمائة في دولة الملك الظاهر، فأنزله، وأكرمه، وعرض عليه الإقامة بحلب ليستخدمه، ورشحه لوزارته، فأقام مدَّة، ولم يتهيأ له ما أراد، فتجهز للرحيل عن حلب، فصدّه الملك الظاهر، ووعده بوعود كثيرة /٢٥٩ ب/، وطالت إقامته بحلب، وكان متشوقاً إلى التوجه إلى الملك الأشرف موسى بن الملك العادل، وقد كان بينه وبينه معرفة أكيدة، وخدمة سالفة، حين كان الملك الأشرف بالبيت المقدس، فتوجه إليه، فلم يحظ عنده بما يريد، فأقام مدة، ثم عاد، واجتاز بحلب بعد موت الملك الظاهر، وتوجه إلى حماة، فأقام بها مدة في ضيافة الملك المنصور محمد بن عمر، ثم سار عن حماة إلى دمشق، وعاد إلى خدمة الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بها.
وكنت اجتمعت به بالبيت المقدس في سنة تسع وستمائة، وهو إذ ذاك يتولى الديوان بها، فأنشدني شيئاً من نظمه، ووهبني كتاباً من تأليفه، قرأته عليه، وأنشدني بحلب أقطاعاً كثيرة من شعره، وكان حسن النظم والنثر، بليغاً في الكتابة، وسألته عن مولده فقال: في محرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وكان قد ترشح قبل موته بأيام لوزارة الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم بن أبي بكر بن أيوب.
أنشدني القاضي أبو المآثر عبد الصمد /٢٦٠ أ/ بن عبد الله بن أحمد المصري قال: أنشدني أبو القاسم بن شيث لنفسه: [من الطويل]
стр. 733
وما قلمي في شرح ما أنا واجدٌ ... وإن كان في كفِّي ينوب منابي
فلست أرى يومي كتابي بالغاً ... مرادي ومن هذا قطعت كتابي
وأنَّ الذي بيني وبينك خالدٌ ... ليؤنسني في البعد عند غيابي
وأنشدني أبو المجد أسعد بن إبراهيم الكاتب الإربلي قال: أنشدني أبو القا سم ابن شيث لنفسه: [من الطويل]
إذا نحن أهدينا إليك فإنَّما ... بفعلك نهدى لا بجودك نهتدي
وما عندنا إلاَّ عطاياك فالَّذي ... يوافيك منّا بعض مالك من يد
وأنشدني قال: أنشدني أبو القاسم من شعره: [من الكامل]
ثقتي بفضلك توجب استرسالي ... ومحبَّتي لك تقتضي إدلالي
وكفى بأنَّك صافحٌ في ذا الَّذي ... أبديه من قولي ومن أفعالي
وقال أيضاً: [من الطويل]
وقد كنت ارجو من زماني لقاءه ... وأهواه من قبل اللِّقاء سماعا
فلمّا تلاقينا ومتَّعت ناظري ... برؤيته كان اللَّقاء وداعا
[٣٠٦]
عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن
منعة بن مالك، أبو القاسم بن أبي عبد الله الموصليُّ
من أبناء الفقهاء المدرسين، ومن بيت العلم والفقه، وأبو القاسم كانت ولادته في سنة أربع وستمائة.
стр. 734
تفقه على عمِّ والده الشيخ العلاَّمة أبي المعالي موسى بن يونس بن محمد بن منعة، وتميز على أبناء زمانه، وصار معيد درسه بالمدرسة المولوية البدرية – خلّد الله ملك منشئها-.
وهو شاب جميل، مناظر، فاضل، ذو كياسة ولطافة، وله أشعار رقيقة غزلة، أنشدني منها قوله: [من مجزوء الكامل]
قسماً بنرجس مقلتيه ... وشقائق في وجنتيه
وسنى أقاحي ثغره ... وبنفسجٍ في عارضيه
وبنور صبح جبينه ... وظلام ليل ذؤابتيه
إنِّي لأهوى أن أمو ... ت متيَّماً كلفاً عليه
وأنشدني أيضاً قوله: [من الرجز]
يا شادناً نفَّرني ... عن السُّلوِّ إذا نفر
/٢٦١ أ/ فتَّرتني إذا فترت ... عيناك عن كلِّ البشر
هجرتني فالنَّوم مذ ... هجرتني جفني هجر
يا من له قدٌّ قضيـ ... ـبيٌّ وخصرٌ مختصر
سحرت ليلي بالجفا ... فما لليلى من سحر
أقصر عن الفتك فإن كلّ مستطر
أحلَّ قتل الصَّبِّ في ... التَّنبيه أم في المختصر؟
لمَّا بدا شاربه ... مع العذارين وطر
أيقنت أنِّي في الهوى ... أقضي ولا أقضي وطر
[٣٠٧]
عبد الرحيم بن عمر بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي بن مروان بن
يعقوب، الملك الفائز، أبو منصورٍ بن الملك المظفر أبي المناقب:
стр. 735
كانت ولادته بحماة في حدود سنة ست وثمانين وخمسمائة، هكذا ذكر لي لما سألته عن ذلك فقال: كان لنا في العمر سنة ونصف، لما توفي والدي، وكانت وفاة والده في سنة /٢٦١ ب/ ثمان وثمانين وخمسمائة، وكان اجتماعي بالملك الفائز في شهر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة.
ترك ما كان عليه من أمور الإمارة والخدمة، وصار صوفياً يطلب الصوفية، ويعاشرهم، ويعاني قول الشعر الحجازي، ويلقيه على المغنين فيغنون به، ويتداولونه.
وشعره سهل الألفاظ سلس، وهو كثير العناية بصنعة الدوبيت، وحضور السماعات، ومعاشرة الفقراء.
أنشدني بحلب المحروسة في شهر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة لنفسه: [من الطويل]
إذا نفحت ريح المحصَّب من نجد ... طربت لمسراها بما هاج من وجدي
ثملت بريَّاها وحمَّلت نفحها ... غرامي بلقيا جيرة العلم الفرد
ألا يا صبا نجدٍ بحقِّك بلِّغي ... أحبَّتنا من شدَّة الشَّوق ما عندي
أسائلها عن ساكني الحيِّ سحرةً ... فتخبر أنَّ الظَّاعنين على عهدي
فيا لك من ريحٍ إذا هبَّ نفحها ... تزيد الَّذي في القلب من شدَّة الوقد
تحدِّث أخبار الغرام عن الحمى ... وتسنده نقلاً عن البارق النَّجدي
لها بأسانيد المحبَّة شاهدٌ ... صحيحٌ بما ترويه في الحبِّ عن عهد
/٢٦٢ أ/ عسى زائرٌ يأتمُّني من بلادهم ... أسائله من حلَّ دارهم بعدي
أحنُّ إلى الأوطان من ربع لعلعٍ ... وأعشق نشر الشِّيح والبان والرَّند
ولولا قدود الهيف ما كنت مولعاً ... بترنيح بان مذكرٍ أهيف القدِّ
فلا عيش إلاَّ ما قطعناه في الحمى ... بأيام لهوٍ أشبهت زمن الورد
стр. 736
[٣٠٨]
عبد الرَّحيم بن عبد الملك بن عليِّ بن عبد الكريم بن المفضَّل بن أبي شيبة القرشيُّ العبدريُّ
من أهل منبج، يكنى أبا شيبة، رجل من أهل الرئاسة والجلالة، أخبرني أنَّه ولد في شهر رجب سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
حافظ للقرآن الكريم، وكانت وفاته بحلب في شهر الله رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، في العشر الوسطى منه.
أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
ما لصرف الهموم غير المدام ... فاسقينها معرِّجاً عن ملامي
واغتنم ساعةً تريك سروراً ... إنَّ عمر الإنسان بالأحلام
واتَّخذ في زمانك الآن خلاًّ ... فلقد عزَّ كلُّ خلٍّ محامي
/٢٦٢ ب/ واصطبح في غبوق كأسك واعلم ... أن كلاًّ ترديه كاس الحمام
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الوافر]
بلوت النَّاس في عقلي ولبِّي ... فلم أر شافياً منهم لكربي
وعشت إذاً وحيداً في خمولٍ ... وملت إلى القناعة فهي حسبي
وألجيت الأمور إلى إلهي ... إلى أن ينقضي رزقي ونحبي
стр. 737
ذكر من اسمه عبد السلام
[٣٠٩]
عبد السَّلام بن عبد الرَّحمن بن يوسف، أبو محمد البوبانيُّ:
من أهل المغرب.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي ﵁ بأربل قال: كان أبو محمد ينسخ ويكتب واضحاً، قدم إربل غير مرة، وتوفي بها سنة أربع وستمائة، وأخذ عامل التركات تركته.
وكان شاعراً، قصد بشعره الملوك.
أنشدني ﵀ لنفسه في شهر رجب من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بإربل، وهي أول قدوماته: [من الوافر]
/٢٦٣ أ/ رويدك أيُّها الرَّشأ الغرير ... فكم أغرى بغرَّتك الغرور
ويرِّد يا فديتك حرَّ وجدي ... بوصلك إنَّ هجرك لي مبير
أما إن آن أن تحيي [معنّى] ... قتيل هوىً رضاك له نشور
إذا جنَّ الدُّجى جنَّ اشتياقاً ... فليس سوى النُّجوم له سمير
حكى يعقوب قبلاً مثل وجدي ... إلى أن جاء ينذره النَّذير
وأقسم لا يذوق النَّوم حتَّى ... يجيء بثوب يوسفه بشير
فوالهفي على زمن تقضَّى ... وغصن شبيبتي غضٌّ نضير
سقى صوب العهاد عهود لهو ... عهدناها وشاهدها السُّرور
ديارٌ للفؤاد بها غرامٌ ... مقيمٌ ما له عنها مسير
قضى صرف القضا عنها بصرفٍ ... وللأقدار أحكامٌ تجور
ترى الأيَّام تسمح واللَّيالي ... فيقضى لي إلى مصرٍِ مصير؟
فقد ضاق الصَّعيد عليَّ حتَّى ... كأنِّي بين أسرته أسير
стр. 738
[٣١٠]
عبد السلام بن المطهَّر بن عبد الله بن محمَّد بن هبة الله بن عليِّ
بن أبي عصرون، أبو العباس/٢٦٣ ب/ بن أبي المعالي التميمي:
الفقيه المفتي.
من أبناء العلماء، والقضاة، وبيت الفقه، والعلم، والرئاسة الظاهرة في الدين والجاه العريض والتقدم عند الملوك والسلاطين.
سمع أبا الفرج الثقفي، وجدَّه القاضي أبا سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، وكان فقيهاً حبراً، قرأ الخلاف والأصول، ودرّس الفقه بحلب، بالمدرسة التي أنشأها الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر –﵁ المنسبة إليهم.
وكان مع ذلك رجلاً عاقلاً، هيوباً، صيِّناً، ذات سمت ووقار، ورئاسة وجلالة، سمح اليدين، كريم النفس، باراً بالفقراء والمساكين، لا يرد قاصداً يفد عليه، وله إيثار ومعروف يصل إلى جماعة يردون عليه، ولم يكن يدّخر شيئاً من عرض الدنيا، وتوفي وعليه دين.
وكانت ولادته في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وكانت وفاته بدمشق في ليلة
стр. 739
الثلاثاء، الثامن والعشرين /٢٦٤ أ/ من المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بجبل الصالحية –رحمه الله تعالى-.
عثرت له بقصيدة مطوّلة سمّاها بالزكية في مدح سيد البرية ﷺ ، عدد أبياتها مائة وثمانية وثمانون بيتاً، ليست من جيد الشعر ورائقه، بل هي متكلفة الألفاظ، وفيها تعسّف، وذلك لأنه لم يكن نظم الشعر من شأنه، أنشأها في مدح النبي ﷺ ، وهي تشتمل على مناقبه، وفضائله، ومعجزاته التي ظهرت وانتشر ذكرها في أقطار الدنيا، وأنشدها عند قبره ﵇ لما حجَّ، وسمعها منه خلق كثير، ولم يقل من الأشعار سواها، فلم أر الإخلال بها، فأثبتُّ بعضها تبركاً بذكره ﵇، وكونها في مدحه، واعتمد فيما ضمنها من المعجزات والمناقب على "كتاب الشِّفا في شرف المصطفى"، تصنيف القاضي أبي الفضل عياض بن موسى السبتي، ثم على "كتاب الروض الأنُف" للسهيلي، ثم على سفر ابن عبد البر، ثم سيرة ابن هشام /٢٦٤ ب/ وغيرهم، نطق بذلك متأخراً في عجز القصيدة، أنشدنيها الشيخ العارف الأمين أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن عبد القاهر بن النصيبيني بحلب المحروسة، يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة سبع وثلاثين وستمائة، بدار الشيخ
стр. 740
الأجل المحترم الكبير محيي الدين بن صالح بن عبد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن العجمي –أدام الله تأييده؛ وقرن بالسعادة توفيقه وتسديده بمحمد وآله أجمعين –أولها: [من الطويل]
سأذكر مجداً لا أطيق له حصرا ... وأنشد فضلاً أعجز البدو والحضرا
لخير نبيٍّ أظهر الله دينه ... بإرساله براً وإظهاره بحرا
نبيٍّ كساه الله علماً ورفعةً ... وأعلى له شأناً وأسمى له قدرا
محمد المختار من آل هاشمٍ ... فأنعمه [موفورةٌ أبداً] تترى
مخالفه قد باء بالذُّل والشَّقا ... وناصره قد أحرز العزّ والنَّصرا
وأباؤه سادوا وكان ....... ... وفضلهم عمُّوا العمارة والقفرا
ومن فضلهم أنَّ الدَّعيَّين منهم ... أطاعا لأمر الله إذ فهما الأمرا
/٢٦٥ ب/ وأعمامه سادت فهر ومالكٍ ... بهم شرَّف الله السِّقاية والنَّصرا
فأوَّلهم ذكراً أبو طالب الذي ... حمى ابن أخيه ما أرادوا به المكرا
وحمزة والعبَّاس عمّا نبيِّنا ... أشادا له عزًّا وكانا له ظهرا
فجازاهما الرحمن خير جزائه ... وآتاهما نوراً واتبعه شكرا
وعترته حازوا المكارم والعلا ... فحسبهم فضلاً وحسبهم فخرا
فعزهم إرثٌ لهم عن أكابرٍ ... ومجدهم أعلى من الفلك المجرى
وأصحابه خير البريَّة كلِّها ... وأنصاره سادت من وطأ الغبرا
هم جاهدوا في الله حقَّ جهاده ... وقاموا به سراً وقاموا به جهرا
بهم أيَّد الله النَّبيَّ وشرعه ... فسرُّوا به دنيا وفازوا به أخرى
فعمَّهم الله الكريم بفضله ... وجازاهم خيراً وآتاهم برَّا
وبلَّغهم منه سلاماً ورحمةً ... يدومان في الأفلاك مادامت الخضرا
وأربعةٌ من صحبه خير صحبه ... بهم شرَّف الله الخلافة والعصرا
فأوَّلهم صدِّيقه وصفيُّه ... وثانيهم الفاروق ما افترقا دهرا
ويتلوهما عثمان ثمَّ ابن عمِّه ... أبو حسن قد أوهن الشِّرك والكفرا
فحيَّاهم الرَّحمن خير تحيَّةٍ ... فقد أحرزوا منه القرابة والصِّهرا
/٢٦٥ ب/ وفاطمة الزَّهراء خير نسائها ... وأولادها سادات من ركب الظَّهرا
следующие страницы →