← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

[٣٠٨] عبد الرَّحيم بن عبد الملك بن عليِّ بن عبد الكريم بن المفضَّل بن أبي شيبة القرشيُّ العبدريُّ من أهل منبج، يكنى أبا شيبة، رجل من أهل الرئاسة والجلالة، أخبرني أنَّه ولد في شهر رجب سنة أربع وتسعين وخمسمائة. حافظ للقرآن الكريم، وكانت وفاته بحلب في شهر الله رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، في العشر الوسطى منه. أنشدني لنفسه: [من الخفيف] ما لصرف الهموم غير المدام ... فاسقينها معرِّجاً عن ملامي واغتنم ساعةً تريك سروراً ... إنَّ عمر الإنسان بالأحلام واتَّخذ في زمانك الآن خلاًّ ... فلقد عزَّ كلُّ خلٍّ محامي /٢٦٢ ب/ واصطبح في غبوق كأسك واعلم ... أن كلاًّ ترديه كاس الحمام وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الوافر] بلوت النَّاس في عقلي ولبِّي ... فلم أر شافياً منهم لكربي وعشت إذاً وحيداً في خمولٍ ... وملت إلى القناعة فهي حسبي وألجيت الأمور إلى إلهي ... إلى أن ينقضي رزقي ونحبي

стр. 737

ذكر من اسمه عبد السلام [٣٠٩] عبد السَّلام بن عبد الرَّحمن بن يوسف، أبو محمد البوبانيُّ: من أهل المغرب. حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي ﵁ بأربل قال: كان أبو محمد ينسخ ويكتب واضحاً، قدم إربل غير مرة، وتوفي بها سنة أربع وستمائة، وأخذ عامل التركات تركته. وكان شاعراً، قصد بشعره الملوك. أنشدني ﵀ لنفسه في شهر رجب من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بإربل، وهي أول قدوماته: [من الوافر] /٢٦٣ أ/ رويدك أيُّها الرَّشأ الغرير ... فكم أغرى بغرَّتك الغرور ويرِّد يا فديتك حرَّ وجدي ... بوصلك إنَّ هجرك لي مبير أما إن آن أن تحيي [معنّى] ... قتيل هوىً رضاك له نشور إذا جنَّ الدُّجى جنَّ اشتياقاً ... فليس سوى النُّجوم له سمير حكى يعقوب قبلاً مثل وجدي ... إلى أن جاء ينذره النَّذير وأقسم لا يذوق النَّوم حتَّى ... يجيء بثوب يوسفه بشير فوالهفي على زمن تقضَّى ... وغصن شبيبتي غضٌّ نضير سقى صوب العهاد عهود لهو ... عهدناها وشاهدها السُّرور ديارٌ للفؤاد بها غرامٌ ... مقيمٌ ما له عنها مسير قضى صرف القضا عنها بصرفٍ ... وللأقدار أحكامٌ تجور ترى الأيَّام تسمح واللَّيالي ... فيقضى لي إلى مصرٍِ مصير؟ فقد ضاق الصَّعيد عليَّ حتَّى ... كأنِّي بين أسرته أسير

стр. 738

[٣١٠] عبد السلام بن المطهَّر بن عبد الله بن محمَّد بن هبة الله بن عليِّ بن أبي عصرون، أبو العباس/٢٦٣ ب/ بن أبي المعالي التميمي: الفقيه المفتي. من أبناء العلماء، والقضاة، وبيت الفقه، والعلم، والرئاسة الظاهرة في الدين والجاه العريض والتقدم عند الملوك والسلاطين. سمع أبا الفرج الثقفي، وجدَّه القاضي أبا سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، وكان فقيهاً حبراً، قرأ الخلاف والأصول، ودرّس الفقه بحلب، بالمدرسة التي أنشأها الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر –﵁ المنسبة إليهم. وكان مع ذلك رجلاً عاقلاً، هيوباً، صيِّناً، ذات سمت ووقار، ورئاسة وجلالة، سمح اليدين، كريم النفس، باراً بالفقراء والمساكين، لا يرد قاصداً يفد عليه، وله إيثار ومعروف يصل إلى جماعة يردون عليه، ولم يكن يدّخر شيئاً من عرض الدنيا، وتوفي وعليه دين. وكانت ولادته في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وكانت وفاته بدمشق في ليلة

стр. 739

الثلاثاء، الثامن والعشرين /٢٦٤ أ/ من المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بجبل الصالحية –رحمه الله تعالى-. عثرت له بقصيدة مطوّلة سمّاها بالزكية في مدح سيد البرية ﷺ ، عدد أبياتها مائة وثمانية وثمانون بيتاً، ليست من جيد الشعر ورائقه، بل هي متكلفة الألفاظ، وفيها تعسّف، وذلك لأنه لم يكن نظم الشعر من شأنه، أنشأها في مدح النبي ﷺ ، وهي تشتمل على مناقبه، وفضائله، ومعجزاته التي ظهرت وانتشر ذكرها في أقطار الدنيا، وأنشدها عند قبره ﵇ لما حجَّ، وسمعها منه خلق كثير، ولم يقل من الأشعار سواها، فلم أر الإخلال بها، فأثبتُّ بعضها تبركاً بذكره ﵇، وكونها في مدحه، واعتمد فيما ضمنها من المعجزات والمناقب على "كتاب الشِّفا في شرف المصطفى"، تصنيف القاضي أبي الفضل عياض بن موسى السبتي، ثم على "كتاب الروض الأنُف" للسهيلي، ثم على سفر ابن عبد البر، ثم سيرة ابن هشام /٢٦٤ ب/ وغيرهم، نطق بذلك متأخراً في عجز القصيدة، أنشدنيها الشيخ العارف الأمين أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن عبد القاهر بن النصيبيني بحلب المحروسة، يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة سبع وثلاثين وستمائة، بدار الشيخ

стр. 740

الأجل المحترم الكبير محيي الدين بن صالح بن عبد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن العجمي –أدام الله تأييده؛ وقرن بالسعادة توفيقه وتسديده بمحمد وآله أجمعين –أولها: [من الطويل] سأذكر مجداً لا أطيق له حصرا ... وأنشد فضلاً أعجز البدو والحضرا لخير نبيٍّ أظهر الله دينه ... بإرساله براً وإظهاره بحرا نبيٍّ كساه الله علماً ورفعةً ... وأعلى له شأناً وأسمى له قدرا محمد المختار من آل هاشمٍ ... فأنعمه [موفورةٌ أبداً] تترى مخالفه قد باء بالذُّل والشَّقا ... وناصره قد أحرز العزّ والنَّصرا وأباؤه سادوا وكان ....... ... وفضلهم عمُّوا العمارة والقفرا ومن فضلهم أنَّ الدَّعيَّين منهم ... أطاعا لأمر الله إذ فهما الأمرا /٢٦٥ ب/ وأعمامه سادت فهر ومالكٍ ... بهم شرَّف الله السِّقاية والنَّصرا فأوَّلهم ذكراً أبو طالب الذي ... حمى ابن أخيه ما أرادوا به المكرا وحمزة والعبَّاس عمّا نبيِّنا ... أشادا له عزًّا وكانا له ظهرا فجازاهما الرحمن خير جزائه ... وآتاهما نوراً واتبعه شكرا وعترته حازوا المكارم والعلا ... فحسبهم فضلاً وحسبهم فخرا فعزهم إرثٌ لهم عن أكابرٍ ... ومجدهم أعلى من الفلك المجرى وأصحابه خير البريَّة كلِّها ... وأنصاره سادت من وطأ الغبرا هم جاهدوا في الله حقَّ جهاده ... وقاموا به سراً وقاموا به جهرا بهم أيَّد الله النَّبيَّ وشرعه ... فسرُّوا به دنيا وفازوا به أخرى فعمَّهم الله الكريم بفضله ... وجازاهم خيراً وآتاهم برَّا وبلَّغهم منه سلاماً ورحمةً ... يدومان في الأفلاك مادامت الخضرا وأربعةٌ من صحبه خير صحبه ... بهم شرَّف الله الخلافة والعصرا فأوَّلهم صدِّيقه وصفيُّه ... وثانيهم الفاروق ما افترقا دهرا ويتلوهما عثمان ثمَّ ابن عمِّه ... أبو حسن قد أوهن الشِّرك والكفرا فحيَّاهم الرَّحمن خير تحيَّةٍ ... فقد أحرزوا منه القرابة والصِّهرا /٢٦٥ ب/ وفاطمة الزَّهراء خير نسائها ... وأولادها سادات من ركب الظَّهرا

стр. 741

به بشَّرتنا الرُّسل من قبل بعثه ... وردُّوا جميعاً أن يشدُّوا له آزرا وهذا القدر فيه كفاية من أبياتها. [٣١١] عبد السلام بن جعفر بن أبي محمد عبد الله بن أبي طاهر محمد بن محمدٍ، أبو الغنائم التكريتي، المعروف بابن الكتبيِّ: قرأ في صغره وفي كبره بتكريت على قاضيها أبي زكريا يحيى بن القاسم، وسافر إلى الموصل، وأقام بها مدة، ولقي بها جماعة من المشايخ والفضلاء، وأهل العلم، وصحبهم، وقرأ عليهم، ثم إلى مدينة السلام، وأقام بها واشتغل بفنون من علم الأدب، ورأى بها جماعة من العلماء، ولما قدم القاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى الشهرزوري إلى بغداد، وولي قضاء القضاة بها، وأمر الوقوف، استنابه في الوقوف العامة، وبعد ذلك استنابه عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء على الإشراف بالمنائر المعمورة. /٢٦٦ أ/ وكان جميل الأمر، ظاهر الديانة، معروفاً بالثقة والأمانة، رياناً من العلوم، يكتب الرسائل الحسنة، وينظم الأشعار المهذَّبة. فمن أشعاره إلى القاضي تاج الدين التكريتي: [من الطويل] وما نح تاج الدِّين كلَّ فضيلةٍ ... ومصفيه أوصافاً مضوَّعة النَّشر

стр. 742

وموليه أسباب السِّيادة والعلا ... ورافعه أوج السِّماكين والنَّسر وناظم شمل الفضل بعد شتاته ... بهمته العليا وآرائه الزُّهر وجاعله ردءاً لكلِّ مؤمِّلٍ ... مجيباً لمن نادى نداه بلا عذر لوقتٍ أرى فيه محيَّاه قبلتي ... وأهنا بحبِّيه لخالصة الدَّهر وأن انقضاء الوقت دون تيمُّني ... وأنسي به لا أرتضيه من العمر وقد كنت أرجو أن أسوِّغ قربه ... ومن لي بقرب السَّيِّد السَّند الذكر وإن كنت لم أنه الأمور تفضُّلاً ... فلا ريب أن الحال تشهد بالعذر ومن قبل ما تغدو الغزالة اغتدي ... وبين العشائين الرَّواح إلى الوكر فيا ربِّ روِّ القلب من قرب مجده ... وأوربه زند السِّيادة والفخر وقوله فيه: [من الكامل] /٢٦٦ ب/ مولاي مسَّاك الإله بنعمةٍ ... غرَّاء دائمة على الإيثار بلِّغت في علياك غاية بغيتي ... يا سيِّد العلماء والأبرار واشتدّ ازر العلم منك بصائب الـ ... آراء في الإيراد والإصدار وأقيم مناد الأمور بعزمك الـ .... ـماضي الشَّبا المشكور في الأخبار وسرت فضائلك الشَّهيرة في الورى ... حتى تؤرِّج سائر الأمصار حييت من مولى الأنام بكلِّ ما ... تختاره من رفعةٍ وفخار وخصصت من آلائه بمواهبٍ ... مشكورةٍ موفورة المقدار لازلت تحت رضاه يا من لم يزل ... ترضيه في الإعلان والإسرار لمَّا رآك مؤهَّلاً لمراتب ... ما إن لها إلاَّك في الأقطار أدنى محلَّك واجتباك ولم يزل ... نظر الخليفة في رضا الجبَّار لازال منصور الكتائب بالغاً ... أقصى المآرب باهر الأنوار وأراك أولى النَّاس قاطبةً بما ... أولاك فاشكر نشعمة المختار هذا هو الشَّرف الذي أضحى به ... ربع الفضائل ناضر الآثار زنت الفضائل والعلوم بأسرها ... وفرعت أوج المجد باستظهار ما كلُّ من نال العلوم بهمَّة ... علوية كمكاثر مكثار /٢٦٧ أ/ ليس اتِّفاق الأمر كاستحقاقه ... والحقُّ أبلج لائح الإسفار

стр. 743

فتيمَّمت بكريم مقدمك العلا ... وفداك كلُّ مباينٍ خوَّار قد كنت يا صدر الورى متأخِّراً ... من عارضٍ وضحت به أعذاري فهو الَّذي منع الحضور وصدَّ عن ... ذاك الجناب الفاغم المعطار ولقد ظمئت إلى اللِّقاء وهكذا ... الأشواق تنمى عند قرب الدَّار ولو استطعت أطعت شوقي إنَّه ... شوقٌ يتوق إلى أجلٍّ مزار لكنَّ ضعفي ظاهرٌ من وعكةٍ ... أرجو إزالتها بلطف الباري والبرء قد وافى وتمَّ وإنَّه ... عند اللَّقاء يتمُّ باستمرار ولقد عجبت من الزَّمان وكيف لم ... أر سائلاً عنِّي وعن أخباري وتأخُّري من أعجب الأشياء لو ... لا ما بدأت به من الأخبار ولي الهناء على الخصوص وسائر الـ ... جمهور أمنحهم من استبشاري هذا الذي قد كنت آمله وقد ... نلت المنى ونهاية الأوطار فبطالع السَّعد القدوم [مباركٌ] ... واسلم ودم في أسوغ الأعمار وأنشدني الشيخ العالم، تاج الدين أبو طالب علي بن النجيب بن عثمان بن عبد الله البغدادي /٢٦٧ ب/ بها في سنة تسع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو الغنائم عبد السلام بن جعفر بن عبد الله [قال: أنشدني]، أبو محمد بن محمد التكريتي لنفسه من قصيدة يمدح بها المستنصر بالله –رحمه الله تعالى-: [من الكامل] أبدي التجَّلُّد والضَّنى ما يستر ... وأروم كتمان الغرام ويظهر وأظلُّ محنيَّ الضُّلوع على أسى ... ورسيس شوقٍ ناره تتسعَّر وأحاول الصَّبر الجميل ومن يكن ... صبَّاً وحلف صبابة لا يصبر وأسرُّ ما بي ثمّ أظهر ضدَّه ... جلداً وباعي في التجلد يقصر وإذا ذكرت ليالياً سلفت لنا ... زمن الوصال يهيجني ما أذكر ولطالما حلَّ السُّرور لنابهٍ ... فيها وماس بها الحبيب الأحور وأباح فيها ما حمى من ريقه ... وهو السُّلاف البابليُّ المسكر وثنى قواماً قام عذر محبِّه ... لمَّا غدا في حسنه يتبختر واحوم حول حمى رضاه لعلَّه ... يوماً إليَّ بعين عطفٍ ينظر

стр. 744

مازلت متَّبعًا رضاه وطالبًا ... إعراضه فيما يحبُّ ويؤثر ما كان لي ذنبٌ فأحرم وصله ... وعلى محبَّته أموت وأحشر وهو العليم بكلِّ ما عانيته ... في حبِّه وبما أسرُّ وأجهر إن عادت الأيّام لي بطويلع ... أو ضمَّني والهاجرين محجَّر لأخبِّرنَّ بما لقيت من الهوى ... ولأشكونَّ بأدمعٍ تتحدَّر ولأعتبنَّ على أناسٍ لم أخل ... من بعد حسن وفائهم أن يغدروا عهدي بنا زمن التَّصابي والهوى ... غصنٌ نضير والهواء معنبر والشَّمل ملتئمٌ وإخوان الصَّفا ... يتراضعون مودَّةً لا تكدر فتفرَّقت تلك الجموع وأوحشت ... تلك الدِّيار وعاث فيها العثير وبقيت منفردًا أسامر سورة الـ ... ـبرحاء في اللَّيل الطَّويل أفكِّر مازالت الأيَّام موحشةً لمن ... قد آنسته وفعلها لا ينكر فاستجل أبكار الثَّناء بكلِّ ما ... تجني به ثمر الثَّواب وتذخر هاجر إلى الحرم الشَّريف وطف به ... لتنال غاية ما بفكرك يخطر وتعود موفورًا تصيب من الغنى ... تختال في حلل الحباء وتخطر فهناك أبلج من أسرَّة وجهه ... يتلألأ الكرم الأريج ويسفر ملكٌ تولَّاه الإله بلطفه ... واختصَّه بأجلِّ وصفٍ يؤثر الماليء الآفاق عدلًا نائب اللَّه الإمام المالك المستنصر خير الخلائف صفوة الله الذي ... كلُّ الورى في عصره قد أيسروا ما أنضر الدُّنيا بمالك رقِّ من ... فيها ومن بولائه نستبشر .. ! لازال في حرز السَّلامة خالدًا ... تزهى به الدُّنيا ويسمو المنبر [٣١٢] عبد السلام بن أبي عليِّ بن يحيى بن مناحيم. وهو الرابع عشر من أجداده. أبو الغنائم اليهوديُّ. من أهل حلب.

стр. 745

كانت ولادته عل ما أخبرني من لفظه يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. رجل متصرف في الأعمال الديوانية، فيه ذكاء وفطنة، ويعمل الشعر الصالح طبعًا، ولم يكن عنده شيء من علم العربية، ولا اشتغل به، وربّما مرّ له أبيات لا بأس بها، ويضاف إلى ذلك معرفته بعلم الحساب، وبالتصرف في إيراد أنواعه [وكان] يتولى بحلب الاستيفاء بديوانها العالي، وله أشعار كثيرة في المقطعات الغزلية وغيرها. أنشدني لنفسه: [من مجزوء الرمل] إنَّ يومًا أنت فيه ... لست تدري ما وراه لا تضع حقَّك فيه ... لفقيد لن تراه ليس بالحزن عليه ... يمنح الدَّهر لقاه لا ولا يلقى شقاءً ... أقرب النَّاس سلاه فاغنم العمر ولو فا ... رقت في الغنم رضاه وأنشدني لنفسه: [من المتقارب] ولمّا حكى مستدير العذار ... على صبح خدِّك خيط الظَّلام توهَّمه مزريًا بالجمال ... متى نزَّه الوهم طيب المنام؟ ولم يدر- أفديك- أنَّ العذار ... طراز الجمال ومسك الختام وأنشدني لنفسه: [من الكامل] يا لائمي في حبِّ معسول اللَّمى ... لو بالهوى يقضي عليك الأوجس لعلمت أنَّ اللوم مرٌّ في الهوى ... وعرفت ما فيه إذًا أتوجَّس وتركتني وهواي من في حبِّه ... سمعي الأصمُّ ودمعي المتبجَّس قمرٌ لعيني ما يلذُّ بوجهه ... فبخاطري سلوانه لا يهجس الخدُّ وردٌ والشِّفاه شقائقٌ ... والخطُّ آسٌ واللَّواحظ نرجس والثَّغر درٌّ في العقيق وخصره ... ما إن به ما يأكلنَّ الجرجس والصُّدع عقربه فلا راقٍ لها ... واللَّفظ سحرٌ ليس منه محبس

стр. 746

وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] قم بنا نجتلي كؤوس العقار ... فهي تجلو وساوس الأفكار ولئن كان ذا وجومك أفديـ ... ك لحرِّ اجتناب شمس النَّهار ففي بهجة المدام غناءً ... عن ضياء الشُّموس والأقمار وأنشدني لنفسه: [من الكامل] يا حادي الأظعان إن جئت اللِّوى ... سلِّم على اللَّاوي ذنوبي في الهوى حدِّثه أنَّ مدامعي من بعده الـ ... ـبحر الخضمّ وفي الحشا نار الجوى وبأنَّ سقمي قد تجاوز حدَّه ... لفراقه الموهي العزائم والقوى ولعلَّه يرعى العهود ويرعوي ... ولئن رعى أبرى الضَّناء أو ارعوى قمرٌ حوى في الحسن أوصافًا لها ... بل دونها الصِّدِّيق يوسف ما حوى سلوانه قبل النَّوى قلبي نوى ... وقد انثنى بعد النَّوى عمَّا نوى فكأنَّما بين الحبيب مقوِّمٌ ... عود الغرام إذا التوى بعد النَّوى وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المتقارب] أيا من تعرَّضني في الكرى ... وإعراضه نفطه يحرق تعهَّد عهودي عهود الهوى ... بماء الوفاء عسى تورق .. بدَّلته عذَّالي ... فما هو من شمسه يشرق ولا برقه غير ما خلَّبٍ ... ولا سحبه ماؤها يهرق نصحتك فاقبل وإلَّا فعن ... قريبٍ كذا الدَّمع قد يشرق وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الرمل] صاح دنيانا كبحرٍ ... من أذىً فيه نعوم إن تجد فيها نعيمًا ... فالشَّقا ذاك النَّعيم وأنشدني لنفسه أيضًا من شعره: [من مجزوء الرمل] صاح دنيانا مقامٌ ... ما بها شيءٌ يدوم ولذي الجهل جنانٌ ... ولذي العقل جحيم وأنشدني لنفسه تهنئة .. بولاية: [من الكامل]

стр. 747

كم من أناسٍ للولاية شرَّفوا ... وأرى الولاية شرِّفت بإياس القرم فخر الدِّين خير بني الدُّنى ... اللَّابس العلياء خير لباس قطب العلا ربُّ التُّقى حلف النُّهى ... حتف العدا خدن النَّدى والباس سارت بسعدٍ فلكه ونجومه ... تسري بعزٍّ ثابت الآساس وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل] عنَّ ادّكاركم فعنىً ... يا مدمن الإعراض عنّا كم ذا الجفا منكم لنا ... ولكم حميم الودِّ منَّا إن كان ذا حكم الهوى ... فلقد قضاه الله عنَّا عزَّ العزاء على شج ... بهواك هان وما تهنّا أنضاه صدُّك صبره ... وفؤاده والجسم أضنى فامنن عليه بالرِّضا ... نلت المنى وامنحه أمنا واحنن وحنَّ فحينه ... قد حان إلَّا أن تحنَّا وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل] يا أيُّها الرَّشا الَّذي ... امسى الأسى فيه سميري أسرفت في جورٍ علـ ... ـيَّ ولم تكن لي بالمجير أتظنّ أنَّي في الهوى ... -أفديك- خوَّانُّ الضَّمير. قسمًا بنرجس مقلتيـ ... ـك وخال أقناك العبيري وبنفسجٍ في عارضيـ ... ـك وورد خدَّيك النَّضير والأقحوانة في الشَّقيـ ... ـق بفيك والرِّيق النَّمير ما لي نظيرٌ في الوفا ... ء ولا لحسنك من نظير وانشدني لنفسه: [من الطويل] وأسمر كالخطِّيِّ همت به وجدًا ... ضنا خصره جسمي وأخفى به عدَّا إذا اهتزَّ عطفاه وماد قوامه ... حسبت قضيب البان من قدِّه قدَّا تخال إذا ما ماس من ثقل ردفه ... بساقيه قيدًا جاء في ثقله إدَّا له نبل لحظٍ في قسيِّ حواجبٍ ... على غرَّةٍ منه برت مقلتي عمدا

стр. 748

وجيدٌ غزاليٌّ وصدغٌ معقربٌ ... نكايته في القلب جاوزت الحدَّا ولام عذارٍ مستديرٍ منمنمٍ ... بذائب مسكٍ من ذوائبه مدَّا وشاربه الآسيُّ نقشة خاتمٍ ... كحقِّ عقيقٍ ضمَّ من لؤلؤٍ عقدا وريقته شهدٌ يشاب بقرقفٍ ... ووجنته الدّكناء مسكٌ علا وردا أكاتمه حبِّيه خوف نفاره ... لعلّي بالكتمان أن أبلغ القصدا رشًا إسمه هو خلقه ثم َّ أصله ... وحانوته فوه وفوه لنا أجدى لئن ساعف الدَّهر الجموح بوصله ... لأضعفنه أضعاف ذمَّ الورى حمدا [٣١٣] عبد السَّلام بن يحيى بن عبد الله بن المفرِّج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامدٍ التَّغلبي القاضي، أبو محمَّد بن القاضي أبي زكريا التكريتيُّ: آخر أولاد أبيه، يفوقهم فضلًا، وفهمًا، وذكاءً. ولد يوم الخميس بعد الظهر، وهو الثامن عشر من شعبان سنة سبعين وخمسمائة. قرأ القرآن العزيز في صغره، وحفظ فصولًا وعظية، ورتب له والده مجالس الوعظ، فحفظ منها عدة مجالس، وتكلم في دارهم حتى تمرّن وصارت له فيه دربة جيّدة، ولون حسن، فعقد له المجلس في بعض مشاهد تكريت، حيث يتكلم الوعاظ، وتكلم ووعظ الناس وعمره يومئذ تسع سنين، فكان يتعجب من يسمعه من جودة كلامه على صغر سنه، وكلّما قدم تكريت واعظ أو أحد من أهل العلم والأدب يحضر مجلسه. ولما قدم البلخي الواعظ، حضر مجلسه وقال: هذا عنده استعداد حسن، ثم انحدر صحبة والده إلى بغداد، واستحضر والده بالديوان العزيز عند الوزير معز الدين

стр. 749

أبي المعالي سعيد بن عليٍ بن أحمد بن الحسين بن حديدة واستصحب أبا محمد معه، ورتب له مجلسًا حسنًا، ودعا لأمير المؤمنين الناصر لدين الله- رضوان الله عليه- فاستأذن والد الوزير في أن يتكلم أبو محمد، ويدعو للخليفة، فأذن له، وحين شرع في الكلام، أشار إليه صاحب الحجاب فخر الدين بن الدوامي بأن يقوم ويتكلم قائمًا على عادة من يتكلم بحضرة الوزير، فقال له الوزير: تكلم على حالك، وإذا وصلت إلى الدعاء للخليفة قم قائمًا فشرع وتكلم بكلام حسن، وكان المجلس حافلًا بالصدور والحجّاب والأمراء، وذلك في العشر الوسطى من ذي الحجة من سنة أربع وثمانين وخمسمائة. وبعد ذلك سافر والده إلى تكريت، فتقدم الوزير إلى المدرس بالنظامية، وهو يومئذ أبو طالب بن الخل بتسليم غرفة لأبي محمد يسكنها، فسلم إليه مفتاح الغرفة، فأقام على أمر العمارة، وما يخرج عليها، واستمر الحال على ذلك إلى أن عزل الوزير ابن مهدي عن الوزارة، وولي بعده نيابة الوزارة ابن مسينا فولّاه الأشراف من جانب الديوان على تكريت، وجميع أعمالها، وخلع عليه كما جرت العادة، وكتب له التوقيع بذلك فاستمر على هذه الولاية يشارف ما يفعله النواب بالمدرسة، وبمعاملاتها، ويضبط القيام بوظائفها، وتولى بيع المشاعات في أوقاتها، وما أجرى له من حاصلها، إلى أن صرف عن ذلك في أواخر سنة ثمان وستمائة، وأقام عند أبيه في النظامية إلى أواخر سنة عشر وستمائة، وأنفذه والده إلى تكريت، وفوض إليه النظر في بعض الوقوف التي بها هناك، وتولي أمرها، وما كان يتعلق هناك بوالده وبه من أسباب، إلى أن تقدّم الديوان العزيز إلى مستحفظ قلعة تكريت بالنظر في أمر الوقوف فتسلم ما كان بيده ويد غيره، فرجع إلى مدينة السلام في سنة اثنتي عشرة وستمائة. من بيت القضاء والخطابة ببلده، والدين والعلم، وهو فاضل أديب، شاعر خطيب، له مؤلفات من الخطب والرسائل والأشعار، وقفت على جملة كبيرة منها. وهو الآن بالنظامية، في غرفة من غرفها، لقيته بها في سنة تسع وثلاثين وستمائة، ويختلف إليه جماعة من المستفيدين يقرأون عليه أنواعًا من الأدب والفقه والقرآن وغير ذلك.

стр. 750

فمما أنشدني لنفسه قوله: [من الطويل] خليليَّ قد بان الكثيب ولعلع ... وسحَّت لتذكار الأحبَّة ادمع قفا فاعجبا من جفن عيني تواصلت ... به عبراتٌ والفؤاد مفجَّع هم فارقوني واستقلَّت ركابهم ... وودَّع نومي مقلتي يوم ودَّعوا وأصبحت ذا شجوٍ بغير مؤانسٍ ... وحيدًا وقد أقوت ديارٌ وأربع أحنّ إلى رؤياهم كلَّ ساعةٍ ... واشتاقهم والشَّوق بالقلب مولع وأذكر أيامًا تقضّت بوصلهم ... يكاد لذكراها الفؤاد يصدَّع فقد كان لي عيشٌ هنيٌّ بقربهم ... ترى هل لنا في عود ذلك مطمع؟ قضى الله بالبين المفرِّق بيننا ... وما لقضاء الله في الخلق مدفع ترى ترجع الأيَّام بعد تفرُّقٍ ... تجمُّعنا هيهات هيهات تجمع وانشدني- أسعده الله- قال: كتب إليه هذان البيتان، وهما لبعض الشعراء في صدر كتاب من بغداد إلى تكريت: [من الطويل] ولي بعدكم من بعدكم فرط لوعةٍ ... لها في صميم القلب لذع شهاب سأغفر للأيّام كلَّ خطيئةٍ ... إذا بشَّرتني منكم بكتاب فأجاب لنفسه: [من الطويل] لئن كانت الأيَّام ضنَّت بقربنا ... فقد سمحت في وصلنا بكتاب وقد يعقب الصَّبر الجميل مسرةٌ ... فدونك فاكتب واستعدَّ جوابي وأنشدني عبد السلام لنفسه: [من البسيط] أنهنه الدَّمع جهدي وهو منذرف ... فالقلب في تعب والصَّدر مرتجف وأوحشت رحل الأحباب وانصرفوا ... دع الدُّموع على وجدي بهم تكف وأسأل حداة المطيِّ إن هم وقفوا يا غائبًا أثرت في القلب غيبته ... وأنبتت عندي الأسقام غربته من داؤه البين قد عزَّت أطَّبته ... فلا تلم من نأت عنه أحبَّته وغالبته يد الأسقام واللَّهف قد كنت من بينهم مستشعرًا حذرًا ... لو كان فرط حذاري يدفع القدرا

стр. 751

بانوا فبان سروري معهم وسرى ... سار وأسرت بهم بزل النَّوى سحرا لله ما ضمَّت الأكوار والسُّجف لو كنت يوم استقلَّ الظَّاعنون معي ... لكنت تعجب من ذلّي ومن جزعي حثُّو المطايا وسار القلب في التَّبع ... وما برحت أناديهم على طمع من الجواب فما حنُّوا ولا عطفوا رفقًا بصبٍّ يد الأسقام تهلكه ... يخفي الغرام وفيض الدَّمع يهتكه يروم قربهم لو كان يملكه ... أريد من زمني ما لست أدركه فما احتيالي ووجه الدَّهر منصرف؟ وأنشدني لنفسه يمدح المستنصر بالله- رذي الله عنه-: [من الكامل] ما عذر من شرخ الشَّباب معينه ... وزمانه صافٍ لديه معينه بادر إلى اللَّذات مادام المنى ... في بحر إقبالٍ تسير سفينه وانهض إلى عيشٍ يمرُّ زمانه ... قصرًا فعيش المرء يبعد حينه فالوقت يمضي لا يعود وكلُّ حـ ... يُّ سوف تعدمه الحياة منونه وانهب من العمر القصير مسرَّة ... فالموت في طيِّ الزَّمان كمينه في نهر من قد .. لي .. فعم ... فيه إذا عام فيه سفينه سر فيه في سيَّارةٍ حيزومها ... يفري الفرات كفري ماء نونه فالماء فضِّيُّ القميص تزرَّدت ... بعبير أنفاس الرِّياح متونه وعلى الجوانب منه نبت بنفسجٍ ... والزَّهر زاهٍ في الرِّياض فنونه والبان يرقص كلَّما هبَّ الصَّبا ... وتبوس ثغر الأرض منه غصونه والطِّير بين مجاوبٍ لقرينه ... ومفارقٍ يدني الغرام حنينه وترنُّم الدُّولاب يحكي عاشقًا ... لجَّ الغرام به فرقَّ أنينه فالقلب منه كقلب مهجورٍ به ... قلقٌ وكالماء السحوح شؤونه وأرقُّ من نوح المفارق نوحه ... وأصحُّ من كلِّ النَّشيد لحونه مع أغيدٍ قد علَّمت هاروت سحـ ... ـرًا لا يحلّ مدى الزَّمان جفونه يحكي سواد اللَّيل حالك فرعه ... طولًا ولونًا والهلال جبينه

стр. 752

وإذا استقر بك المكان وقابلت ... عيناك صاد فتى الجمال ونونه وجلا همومك لينه ورواؤه ... ودعا الدَّعابة لطفه ومجونه فاخلع إذا ثوب الوقار فخير من ... عقل الفتى عمَّا ذكرت جنونه واقطف جنى لين الشَّباب فإنَّه ... إن عشت سوف يصير يبسًا لينه واظنن برِّبك رحمةٌ فالعبد تنـ ... ـفعه لدى ربِّ العباد ظنونه لا تيأسنَّ مع المتاب وصدقه ... من محو ذنبٍ فالإله ضمينه وكذاك لا تجزع لعجم ملمَّةٍ ... فخليفة الله المكارم دينه مولىً على ركني عطاءٍ واسعٍ ... وعموم عدلٍ في العباد ركونه مولىً إذا ضنّ السَّحاب بقطره ... أغنت عن الغيث المغيث يمينه لازال يرفل في ثياب سعادة ... ما سحَّ من دمع السَّحاب هتونه دام الخليفة في الأنام خليفةً ... ما لازم القلب السَّليم وتينه فدعاؤه فرضٌ عليَّ وواجبٌ ... أبدًا فلا زالت عليَّ ديونه وأنشدني أيضًا لنفسه، وذلك بالمدرسة النظامية، في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من البسيط] لي فيك قلبٌ على وجدي يطاوعني ... وإن أردت سلوًا منك يعصيني وعاذلٌ دأبه عذلي يؤنبني ... وعاذرٌ مستهام القلب يغريني فالشَّوق والعذل قتلي في اجتماعهما ... بل واحدٌ منهما في ذاك يكفيني فإن أمت فاجعلوا قبري على جدد الـ ... ـطَّريق كيما يمرُّوا بي فيبكوني ووسِّدوا التُّرب خدِّي واكتبوا بدمي ... على الجوانب هذا قبر مسكين قتيل شوقٍ أذاب الحبُّ مهجته ... كما يموت ويقضي كلُّ محزون وإن أعش فحياةٌ غير طيّبة ... لا سيَّما وغريم العذل يؤذيني دعني أجنُّ فعقل المرء يعقله ... ما لذَّة العيش إلَّا للمجانين وقال وعظيّة وأنشدنيه: [من الكامل] يا نفس أنت عن الرَّشاد بمعزل ... لا تبصري غير الممات وتغفلي وتؤِّملي طول الحياة وهل سمعـ ... ـت بأنَّه طالت حياة مؤمِّل؟ غرَّتك من دنياك وهي غرورةٌ ... خدعٌ فبعت معجّلًا بمؤجَّل

стр. 753

لا تغفلي عمَّا يؤاتي بغتةً ... وسهامه لا تنثني عن مقتل أو ما مصارعه لديك ترينها ... أو ما شراب كؤوسها كالحنظل؟ وكما حملت إلى القبور جنازةً ... فتيقَّني لابدَّ من أن تحملي والموت منهل كلِّ حيٍّ فاعلمي ... لا مصرفٌ لك عن ورود المنهل ولكم منازل بعد موتك صعبةٌ ... تلقينها والقبر أول منزل إن كان سهلًا كان سهلًا بعده ... أو كان صعبًا كان أصعب مبتلي وقال في إحماد عاقبة الصبر: [من البسيط] لا تيأسنَّ وإن مسَّتك ضائقةٌ ... فآخر الضِّيق مقرونٌ به الفرج واصبر فإنَّ زمان الصَّبر منصرمٌ ... مادام قطُّ اتِّساعٌ لا ولا حرج وله في التعجب ممن يتناسى الموت: [من الطويل] عجبت لملتذٍّ بطيب رقاده ... ومختلس الأرواح ضيف وساده يحبُّ بأن يدعى حكيمًا ومن يكن ... حكيمًا يكن ذا همَّة لمعاده وقال في صدر كتاب جوابًا، وأنشدنيه: [من الكامل] أفدي الذي بشراي في مكتوبه ... وافى فروَّى غلَّتي بنسيبه فكأنَّه في العين حلَّة يوسفٍ ... وكأنَّه في القلب وصل حبيبه وقال في ذمّ اللجاج والعجب والتكبر وإتباع الهوى: [من الطويل] وأربعةٍ فيها لذي العقل راحةٌ ... إذا ما توقّاها وإصلاح شانه لجاجٌ وإعجاب الفتى وتكبرٌ ... ومن يتبع الأهوا يعش بهوانه وقال في الصديق، وأنشدنيه: [من الوافر] صديقك من تجافيه فيغضي ... ويحفظ عهدك الماضي ويرعى وليس صديقك المولي ثناءً ... من الحسنى وإن قاطعت أفعى وقال في فعل الشوق، وأنشدنيه بمدينة السلام: [من البسيط] أشكو من اللَّيل طولًا إذ شكا قصرا ... مهفهفٌ عنه قلبي قطُّ ما انزجرا كأنَّما الأسمر الخطيُّ قامته ... والسحر مع لحظه هاروت قد سحرا يصدُّ عنّي الكرى مهما يصدُّ وإن ... أبدى الوصال يعود العيش لي نضرا

стр. 754

يا ذا الَّذي وصله لي جنَّةٌ قربت ... وهجره بضرام الشَّوق قد سعرا إن كان قصدك قتلي في الهوى فأنا ... لم يبق لي الشَّوق لا سمعًا ولا بصرًا مازلت فيك أعاني كلَّ لائمةٍ ... وما رأيت لمثلي قطُّ من عذرا لولا تمنِّي وصالٍ منك آمله ... قد كان قلبي بطول الهجر منفطرا وقال في الاعتذار، وأنشدنيه: [من الطويل] أرجِّي لديك العذر فيما أقوله ... ومثلي إذا يشكو إليك له عذر لقد كنت في عيشٍ رغيدٍ ونعمةٍ وصحبة إخوانٍ بهم عسري يسر فقد عاد حظِّي بعد طول بياضه ... من الوقت والأحوال يسمعه الحرُّ وأنَّ الذي أرجو وآمل أنَّه ... يبيِّض بالإحسان ما سوَّد الدَّهر وقال في ذم الكلام، وأنشدنيه: [من الكامل] لا تكثرنَّ من الكلام فطالما ... جلب الكلام أذىً على المتكلِّم وقال غزلًا، وأنشدنيه: [من البسيط] بين العقيق وبين الضَّال والسَّمر ... تملَّك القلب منِّي أحور النَّظر مهفهف القدِّ ساجي اللَّحظ أكحله ... ما إن رأيت له شبهًا من البشر كأنَّما الغصن الميّاس قامته ... والفخر للَّيل في التشبيه بالشَّعر لطيف خلقٍ وخلقٍ شأنه خفرٌ ... منزّه القدِّ عن طولٍ وعن قصر يزورني والدُّجى مرخٍ غلائله ... فاكتفى بمحيَّاه عن القمر يكاد من حسنه العميان تبصره ... ومن سنى نوره يعمى ذوو البصر له من الريم جيدٌ والمها مقلٌ ... والسحر لحظٌ وجنح الليل في الطور كم من ليالٍ تقضَّت في منادمة ... وفي محادثة ترضى وفي سمر وأعين البين والحسَّاد غافلةٌ ... عنَّا وصفو اللَّقا خالٍ من الكدر فبينما نحن في روض الوصال إذا ... سهمٌ من البين يقفو مسرعًا أثري فلم أسرَّ بشيءٍ بعد موقعه ... وصرت للبين ذا وردٍ وذا صدر

стр. 755

فدع غرور الأماني فهي كاذبةٌ ... وكن على وجلٍ منها وفي حذر فكلُّ جمعٍ إلى التَّشتيت موئله ... وكلُّ حلوٍ فعقباه إلى مقر وقال: [من الكامل] رفقًا بمن أمسى لديك قتيلا ... يشكو الضَّنى وصبابةً ونحولا وحسام بينٍ مولعٍ بشباته ... ماضي المضارب لم يزل مسلولا يا عاذلي على الغرام إليكما ... عنِّي فإنِّي لا أطيع عذولا أظننتما أسلو هواه وحبَّه ... أو أنَّني أرجو إليه سبيلا فقفا على وادي الأراكة والنَّقا ... فعسى الوقوف به يبلُّ غليلا فلعلَّ من جلب السَّقام فراقه ... يحنو ويسعى بالوصال قليلا فالقلب من ألم الفراق مولَّهٌ ... والطَّرف أصبح بالسُّهاد كليلا عوجا على تلك الخيام فربعها ... فيه لذي الداء الدواء ... فلقد وقفت على رباها حائرًا ... والعيس تطوي البيد ميلًا ميلا صار السُّهاد لجفن عيني مألفًا ... يلقي مع السَّعات فيه مسيلا وقال بتكريت، وعرض في المعنى إلى شدَّة شوقه إلى والده ببغداد، وأنشدنيه: [من الخفيف] دمع عيني من الجفون سكوب ... وحشا حشوها أسىً ولهيب وسقامٌ له ترقُّ الأعادي ... وغرامٌ به تذوب القلوب إنَّ بين الضُّلوع نارًا تلظّى ... فالهوى واقدٌ وشوقي حطوب ما تريد النُّوى بنا كلَّ يومٍ ... منه تأتي فجائعٌ وخطوب؟ فرَّقتنا يد الشّتات فما العيـ ... ـش بحلوٍ ولا الحياة تطيب كيف بالعيش للمشوق أليفًا ... فاته الصَّبر حيث غاب الحبيب؟ يا غريب الدِّيار كن لي أنيسًا ... إنَّما يألف الغريب الغريب يتشاكى سهام بينٍ إذا ما ... ندبتها يد الفراق تصيب فلكم بالفراق سحَّت جفونٌ ... ولكم بالنَّوى قلوبٌ تذوب لا تلمني إن نمَّ بالسِّر دمعي ... ما يلام المفجَّع المكروب فهيامي بهم به ضجّ جاري ... وسقامي قد حار فيه الطَّبيب

стр. 756

سادتي بعدكم عدمت سروري ... وبقائي مع البعاد عجيب من نواكم أخذت أوفى نصيبٍ ... أترى لي من اللِّقاء نصيب؟ أتراه يعيد شملي قريبًا ... ألريح اجتماع شملي هبوب؟ إن يسرُّ الشَّمال قومًا فإنّي ... أشتهي أينما تهبُّ الجنوب وقال أيضًا: [من البسيط] صبٌّ معنىًّ بمعسول اللَّمى كمد ... لم يبق فيه على حمل الضَّنى جلد له من السُّقم ثوبٌ دام لابسه ... حلَّ القوى لبسه مذ أنحل الجسد يبيت من طول همٍّ ساهرًا وله ... جفنٌ قريحٌ بترداد البكار مد سقيًا لأيّامنا بالجزع إذ غفلت ... عنَّا الحوادث والواشون قد رقدوا إذ بات من ريقه لي قهوةٌ ومن الـ ... ـخدود وردٌ ودرُّ الثَّغر منتضد ومن ذؤابته ليلٌ وجبهته ... صبحٌ وقدٌّ كغصنٍ ما به أود فذلك العيش لا شيءٌ يعادله ... عليه نار الجوى في القلب تتَّقد ترى تعود ليالينا بمنعرج الـ ... ـلِّوى وهذا الجفا يقضى له أمد؟ هيهات هيهات ما في عودها طمعٌ ... ودون هذي الأماني ينفد الأمد لا تأملنَّ صفاءً قطُّ مطَّردًا ... وإنَّما الرَّنق والأكدار تطَّرد وكن مع الوقت فاقطف منه راحته ... فما ليوم التَّهاني والسُّرور غد فبسمة الدَّهر لا تبقي على أحدٍ ... وإن شككت فقل لي هل نجا أحد؟ وقال أيضًا: [من الخفيف] طال لبثي بدارهم ووقوفي ... باكيًا فقد مؤنسي وأليفي وزمانًا بلعلعٍ لست منه ... في رياضٍ من تالدٍ وطريف لست ألقى من الورى غير لومٍ ... أو سماعٍ [يبكي] وعذلٍ عنيف ورقيبًا أمرَّ من فجعة البيـ ... ـن ولذع القنا وضرب السيوف كان بدر السُّعود في برج وصلي ... ولحظِّي أمسى ببرج الكسوف وقال: [من الخفيف] ليس يثني الفؤاد عنه ملام ... فلماذا يلومني اللُّوَّام؟

стр. 757

فحرامٌ على الجفون كراهًا ... مثلما أنَّه الوصال حرام سيِّدي أمن كم تلوم وفي القلـ ... ـب لهذا الكلام منك كلام كم تراني أروم صبرًا عليه ... وهل الصَّبر في هواه يرام؟ رشا للعيون فيه رياضٌ ... مزهراتٌ وفي القلوب ضرام ومن الوجه لون وردٍ وآسٍ ... ومن الرِّيق قهوةٌ ومدام ومن العين نرجسٌ ومن الشَّعـ ... ـر سوادٌ وحلكةٌ وظلام ما القضيب الرَّطيب منه بشيءٍ ... في التَّثنِّي ولا القوام قوام لا ولا الدُّر كالثَّنايا إذا ما ... ثغره العذب بان منه ابتسام فعلى العيش والحياة جميعًا ... بعده أيُّها العذول سلام وقال في الفراق: [من الطويل] ترحَّل عنِّي الإلف فالعين تهمر ... وناديته والعيس تحدى وتزجر أيا سادتي منُّو عليَّ بنظرةٍ ... أبلُّ بها نار اشتياقٍ تسعَّر ففي كبدي للبين وخز أسنَّةٍ ... إذا أحدقت بالقلب زال التَّصبر فأدمع عيني لا ينال غريقها ... ونار غرامي في الجوانح تسجر فمن لقتيلٍ بين نارٍ وأبحرٍ ... لواعجه ما تأتلي قطُّ تفتر وقال أيضًا: [من الوافر] إذا لم ألق من يهدي سلامي ... ويشكو ما لقيت من الغرام أشير إلى الخيام وأيُّ شيءٍ ... يفيد لمن يشير إلى الخيام؟ نأوا عنِّي وكان الطيف إلفي ... فأشكو ما بقلبي في المنام فلمّا قاطعوا وجفوا وصدُّوا ... جفا جفني الكرى والدَّمع هامي هم رحلوا فزاد بهم هيامي ... وقلَّ تصبُّري والشَّوق نامي فخلِّ العذل لست وإن جفوني ... وصدُّوا قطُّ أصغي للملام

стр. 758

/٢٨٠ أ/ ذكر من اسمه عبد الصمد [٣١٤] عبد الصَّمد بن عبد الله بن الحسين المراغيُّ. المنشئ الكاتب. كان يكتب الإنشاء بمراغة للملكة ألغ خاتون بنت ركن الدين أقطاي، صاحبة مراغة. كان من الموصوفين بالفصاحة والكتابة، ولم ير في زمانه أفصح لسانًا منه مع حسن خط، وسهولة عبارة، وأخذ من الأدب أو في حظ، وله رسائل وأشعار. أنشدني من شعره أبو عبد الله محمد بن جعفر بن محمد الإربلي قال: أنشدني عبد الصمد الكاتب لنفسه، ولهذه الأبيات قصة: [من الطويل] ألم تر للكفَّار فوزًا ونصرةً ... كأنَّ زمان المسلمين قد انتهى؟ وغارت نجوم الدِّين وهي طوالعٌ ... وهدِّم من إسلامنا المجد والبها تولّى من الآفاق دين محمَّدٍ ... سلامٌ على الإسلام حيث توجَّها [٣١٥] عبد الصَّمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي نصر بن محمَّد، أبو المآثر الأنصاريُّ المصريُّ: ففيه شافعي فاضل، حافظ للمذهب، مناظر، وله معرفة بأصول الفقه، وصنَّف فيه كتابًا سمّاه: "أرواح الحقائق"، وعى ذهنه قطعة صالحة من التواريخ وأشعار أهل ديار مصر.

стр. 759

ولم يكن له في قرض الشعر حظ، إلَّا أنَّه يقول منه شيئًا نزرًا، ولم يتعدَّ البيتين أو الثلاثة، فأحببت أن أنبه على فضله ومعرفته، ولا أخلي الكتاب من ذكره. وكان يتولَّى قضاء قليوب ونواحيها من أعمال ديار مصر، وبلغني أنَّه تولّى الوكالة بنصيبين، وظهر منه ظلم أوجب عزله عنها. لقيت القاضي أبا المآثر بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وسألته عن ولادته فقال: ولدت في شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وروى لي جملة من أشعار أهل بلده، واستفدت منه. أنشدني لنفسه ما كتبه إلى جمال الدين أبي القاسم عبد الرحيم شيث الكاتب: [من الوافر] جمال الدِّين شوق العبد شوقٌ ... يقصِّر عن عبارته اللِّسان ولكن في ضميرك لي شهودٌ ... عدولٌ لا يجرِّحها العيان بقلبي منك حبٌّ ثبَّتته ... أيادٍ سابغاتٌ وامتنان فلا تخطب بقطع الكتب عتبى ... فمثلكً عن معاتبتي يصان [٣١٦] عبد الصَّمد بن محمَّد بن المجلِّي بن محمَّد بن المجلِّي بن المنصور بن المبارك أبو عليِّ بن أبي عبد الله: كانت ولادته بنصيبين ليلة النصف من شعبان سنة عشر وستمائة. وكان جدّه المجلّى بن محمد إليه رئاسة نصيبين، والحكم فيها. وأبو علي شاب يتوقد ذكاءً، متأدب في نفسه، لطيف، قرأ طرفًا من علم العربية على الرشيد أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني، ويرجع إلى سلامة عقيدة، [و] قريحة في صناعة القريض، وله أشعار حسان، ومديح جيد، ومدح الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فأنعم عليه إنعامًا سنيًّا. قدم الموصل قاصدًا شيخها الإمام كمال الدين أبا المعالي موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الفقيه الشافعي، ليقرأ عليه الفقه ونزل بالمدرسة

стр. 760

المولوية البدرية المطلة على دجلة- حرس الله منشئها- وهو ذو فضل واف وبشر وكياسة وسجاجة، وكان كثير التردد إلى مجلس الأمير الأصفهسلار، أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري السلطان، فيقبل عليه، ويبالغ في إكرامه، ويرفع من قدره. أنشدني لنفسه يمدح المولى الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، أبا الفضائل أتابك، غرس أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه- وأنشده إياها بظاهر البلد، بالجوسق المحروس، في جمادى، سنة إحدى وثلاثين وستمائة من حفظه: [من الوافر] [ألا] يا مالكًا أمست سطاه ... يذلُّ لعزِّها الخطب الجسيم ومن أضحت به الدُّنيا إذا ما ... دهى عوجٌ تقرُّ وتستقيم بك افتخرت ملوك الأرض وطرًا ... فأنت البدر حيث هم النُّجوم سموت علًا على كلِّ البرايا ... فما لك في النَّدى يومًا قسيم وجدت على رقيق نداك عفوًا ... ببرءٍ عنده يشفى السَّقيم فيمَّم بابك المحروس لمّا ... غدا يحدو به الحبُّ القديم وباتت نفسه تشكو إليه ... غرامًا لا يقرُّ لها غريم فقال لها رويدك فاستقرِّي ... فهذا المالك الملك الرَّحيم بلغت بقربه أقصى الأماني ... ونالك عزُّ دولته المقيم فبشرى بالَّذي قد نلت بشرى ... فهذا الفخر والشَّرف العظيم وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل] أيا ساكنًا بين الحشا والضَّمائر ... تعطف فإنَّ الصَّبر ليس بضائر ويا من إذا ما شاء فتَّر لوعتي ... بنظرة وصلٍ بالجفون الفواتر تصدَّق بوعدٍ يجعل اليأس قربةً ... من الوصل أو طيفٍ لكسري جابر فوجدي مقيمٌ والتَّجلُّد راحلٌ ... وعمري مضى والسِّتر ليس بسائر ويا عاذلي لا تلحني في معذِّبي ... فإنِّي على السُّلوان لست بقادر يجور على ضعفي لأنِّي في الهوى ... وحيدٌ ولكن [ليس] عندي بجائر ويقتلني بالهجر منه تغلُّبًا ... وإن كنت أزري في القتال بعامر

стр. 761

وكم كسر الأبطال لا بمثقَّفٍ ... ولا بالسيُّوف المرهفات البواتر ولكن بسحرٍ في الجفون كمينه ... بياض خدودٍ لا بياض خناجر وأنشدني لنفسه وقد ودّع أهله وصديقًا، فبكى عند ذلك: [من الطويل] ترحَّلت عن صحبي وقلبي لديهم ... رهينٌ ونار الشَّوق في القلب تلذع وودَّعت صفو العيش عند وداعهم ... فلا عضو إلَّا وهو منِّي مجدَّع أينكر هذا أو ألام على البكا ... وقلبي من فرط الصَّبابة موجع؟ وأعظم من هذا الذي قد ذكرته ... فراق فلان الدين والعين تدمع وأنشدني لنفسه وقد طلب منه بعض أصحاب الأمير أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، أن يعرِّض بذكره عند الأمير، وكان الأمير قد وعد ذلك الشخص أن يزوجه، فنظم هذه الأبيات في المعنى المقترح عليه: [من الطويل] أمالك رقِّي من له النَّهي والأمر ... ومن نطقه درٌّ وإنعامه بحر ومن هو كهفٌ للعفاة وملجأٌ ... إذا نابهم خطبٌ ومال بهم دهر تصدَّق على المملوك واسمع مقاله ... فأنت الذي يسمو به النَّظم والنَّثر عبيدك يرجو منك إنجاز وعده ... فليس له عمّا وعدت به صبر ولا يرتجي إلَّا سماحك شافعًا ... ليشفعه إذ قد أضرَّ به الوتر وأنشدني لنفسه جوابٍ كتاب، ورد من صديق له: [من الكامل] وصل الكتاب فمرحبًا بوصوله ... فنفى هموم القلب عند حلوله وقرأته فوجدت فيه فصاحةً ... تزري على قسٍّ بحسن فصوله واشتقت كاتبه فصار مصون ما ... ء العين حين قرأت من مبذوله وأنشدني لنفسه: [من الطويل] وما كنت أرجو من عدوٍّ إذا جرت ... نوىً بيننا نجفو فكيف من الخلِّ فإن يكن التَّقصير منِّي فتائبٌ ... إليه وإلَّا فهو في أوسع الحلِّ وأنشدني قوله: [من الطويل] وحقّ عهودٍ بيننا ما تأخَّرت ... مكاتبتي عنكم ملالًا ولا جفا ولكنَّ شوقي حين أشرحه لكم ... لهيبٌ ونارٌ والفراق قد انتفى

стр. 762

ولم يجتمع شوقٌ مع الطرس لحظةً ... وهذا هو العذر الذي لن يكيَّفا وأنشدني لنفسه وقد جاءه من صديق له كتاب: بمن المتقارب] أتاني كتابك يا مالكي ... فهيَّج قلبي لذكراكم وضاعف شوقي وزاد الغرام ... جنونًا إلى حسن رؤياكم فأنشدت حين تأمَّلته ... ولم أك والله أنساكم لئن غبت عنك فإنَّ الفؤاد ... مشوقٌ إلى طيب لقياكم وأنشدني لنفسه: [من الطويل] بنفسي أفدِّي كلَّ ضيمٍ بمؤمنه ... وإن حرمتني لذَّة النَّوم والسِّنه وإن قبحت بالهجر يومًا فطالما ... أتت بوصالٍ لم تزل فيه محسنه وأنشدني لنفسه يرثى عمَّه، ويعزي والده، وأنفذها إليه، ووالده بنصيبين، وعبد الصمد يقيم بالموصل: [من الطويل] ولمَّأ أتى ما صمَّ سمعي بذكره ... وإن كننت في حال الحقيقة أسمع شققت ردائي حسرةً وندامةً ... ولو شقَّ منِّي القلب ما كنت أقنع وأضحى به صبري يغيض وأدمعي ... تفيض ونار الحزن في القلب تلذع وذاك قليلٌ في فراق أحبَّتي ... وقد كنت أرجو الاجتماع وأطمع وكنت إذا حدَّثت قلبي ببعدهم ... يكاد من الوجد المبرح يصدع فكيف نوىً لا أستلذٌّ لأجلها ... بعمر ولو كان الَّذي أتوقع ولكن أسلِّي النَّفس عمّا أصابها ... بقاؤك لي إذ من بقائك مقنع وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى والده بنصيبين، وعبد الصمد بسنجار: بمن الكامل] وافي الكتاب وفي فؤادي لوعةٌ ... لم يلقها أحدٌ من العشّاق فقرأته والنار تحرق مهجتي ... والدَّمع منسكبُّ من الآماق وشكوت من ألم الفراق وبعض ما ... لاقيته من شدَّة الأشواق وسألت من جرت النَّوى بقضائه ... ما بين مشتاقٍ إلى مشتاق دعوى غريبٍ طالبٍ لقبوله ... أن يعقب الإبعاد يوم تلاقي

стр. 763

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] أروحي كم يعنِّفني العذول ... وما لي عن محبَّتكم نصول فوجدي تضرب الأمثال فيه ... وحسنك لا يعدّ له عديل فيا من وجهها شمسٌ وبدرٌ ... وقامتها كغصن نقًا يميل وخدٌّ يخجل التُّفّاح منه ... وريقٌ منه يجري السَّلسبيل وطرفٌ في الصِّناعة بابليٌّ ... وخصرٌ مثل عاشقها نحيل لئن حرَّمت من وصلي حلالًا ... فإنِّي في خيامكن قتيل فيا لله من ليلٍ تقضَّى ... وجادت باللِّقاء به الطُّلول فأحييت الصَّباح بلثم خدٍّ ... ووصلٍ عنده يشفى العليل وبتُّ أراقب البدرين فيه ... ولا واشٍ ينمُّ ولا عذول فبدرٌ يقطع الأفلاك سيرًا ... وبدر الحسن عندي لا يزول فلمّا أن دنا التَّوديع منه ... وصدري قد أحاط به الغليل أخذت عهوده قسمًا بوصلٍ ... وأكد صدقه وعدٌ جميل

стр. 764

ذكر من اسمه عبد العزيز [٣١٧] عبد العزيز بن النَّفيس بن هبة الله بن وهبان بن روميِّ بن سلمان البغداديُّ: وقد سيق نسبه بتمامه، عند ذكر أخيه أبي نصر عبد الرحيم. يكنّى أبا القاسم، كان يعاني نوع الأدب، ويتعاطى نظم الشعر، وكان لطيفًا مطبوعًا، ذ فضل وأدب ومروءة، وسماحة، فمن شعره قوله: [من المنسرح] أمسيت صبًّا ذا مدمعٍ صبب ... قد ذهبت عنك ظبية الذَّهب [فـ] يا ربيعًا خلت مرابعه ... من غصن بانٍ يهتزُّ في كثب روميَّة من يرومها كلفٌ ... مثلك إلَّا بكثرة الذَّهب أعطتك لون اسمها فوجهك مصـ ... ـفرٌّ بورس الغرام والشَّحب وأوقدت في حشاك وجنتها الـ ... ـحمراء نارًا شديدة اللَّهب أصبحت بالموصل الغداة بلا ... وصل حبيبٍ مستعذب الغضب كاسٍ من العلم والمناقب والمجـ ... ـد وعارٍ من حلَّة النَّشب ما ذات شعرٍ كالليل فوق سنى ... صبح بشعرٍ ينال أو خطب أكلَّ يومٍ تصبيك غانيةٌ ... رود الصِّبا ذات منظرٍ عجب هب أنَّ بغداد كنت ماجنها ... منهمكًا في السُّرور والطَّرب فكيف ترجو وأنت مغتربٌ ... إلفًا بلا عسجدٍ ولا ذهب؟ في كلِّ أرض تهوى الملاح وتلـ ... ـقينا بشكوى هواك في العطب كلا الهوائين عندك اجتمعا ... للباردين الشّتاء والنَّشب خمسون يومًا أقمتت في بلدٍ ... ولم تنل بغيةً من الطَّلب

стр. 765

/٢٨٥ ب/وقد أتاك الشِّتاء تبعثه ... مقدِّمات الرِّياح والسُّحب قل لي بماذا تلقى عساكره ... إذا أغارت في جحفلٍ لجب ماذا الخمول الذي دهاك وما ... زلت نبيهًا يا أفصح العرب؟ وقد تفيّأت ظلَّ ذي نسبٍ ... معرِّقٍ في العلاء والحسب أخيَّ مذ صرت في جناب جمًا ... ل الدِّين عانيت حرفة الأدب لا تيأسن إنَّما عنايته ... يأتيك منها الجناح عن كثب فارقت بغداد فهي شيِّقةٌ ... إلى بديع المديح والنَّسب كنت بها زهرة الرَّبيع وقد ... جيدت بهامي الرَّباب منسكب فاليوم تشتاقك المواسم والـ ... ـدُّولة والجالسون في الرُّتب سقيًا لأيامنا التي سلفت ... بنهر عيسى ومائه السَّرب ونحن بين الرِّياض في زهرٍ ... نوَّاره المستنير كالشُّهب حيث المخاليف لا تخالفنا ... يا سعد في لذَّة ولا أدب لهم قسيٌّ من الجفون ومن ... عيونهم أسهمٌ لمكتئب من كلِّ ظبي حبوب مغرزه ... لآليءٌ أو تراصف الحبب يحمي بسيف الجفاء مجلسه ... إذا سقانا سلافة العنب ذاك زمانٌ مضى بلذَّته ... فكيف أصبحت من جوى الكرب أنشدني الشيخ الأجل، العالم نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الشيباني الدمشقي بها في المحرَّم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو القاسم عبد العزيز بن النفيس بن هبة الله بن وهبان البغدادي لنفسه ما قاله بدمشق من قصيدة: [من الرمل] هاج وجدي عند تغريد الحمام ... فصبا قلبي إلى دار السَّلام بلدةٌ جانبتها إلا عن قلىً ... وإليها جذب الشَّوق زمامي

стр. 766

شاقني بالكرخ من غربيِّها ... رشأ من سقم جفنيه سقامي مخطف القدِّ رشيقٌ راشقٌ ... بسهام اللحظ أبناء الغرام لؤلؤيُّ الثَّغر معسول اللَّمى ... عندميُّ الخدِّ عسَّال القوام كيف لي بالورد من ريقته ... وبوردٍ أجتنيه بالشام؟ وهو محميُّ الحمى من قدِّه ... ومن اللحظ برمحٍ وحسام وهب الطيف اهتدى حين سرى ... هل تلاقي الطيف إلَّا في المنام؟ بعده طرفي وسمعي هجرا ... لمنامٍ ذا وهذا لملام عقَّني إذ عاقني عن قصده ... زمنٌ مغرىً بتشتيت التامي أبدًا يرشقني من صرفه ... بسهامٍ وقعها فوق سهام وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في غلام فقيه: [من مجزوء الرمل] يا فقيهًا طرفه الفتـ ... ـتان قد أفتى بقتلي والذي تلقي دروس الـ ... ـسِّحر عيناه وتملي أيُّ شرعٍ حلَّ هجري ... فيه أو حرَّم وصلي؟ قد رماني لحظ عينيـ ... ك من الغنج بنبل ولكم قد قتلت مقـ ... ـلتك الكحلاء قبلي يا بديعًا يسجد البد ... ر له عند التَّجلِّي ما يرى مثلك في الحسـ ... ـن ولا في الحزن مثلي وأنشدني قال: أنشدني أيضًا فيه لنفسه: [من مجزوء الكامل] يا قاتلي بصدوده ... لك في الوجيز أجيز قتلي أم طرفك الفتتاك قد ... أفتاك في تحريم وصلي؟ وأنشدني قال: أنشدني في غلام يرمي بالنشاب: [من مجزوء الكامل] روحي الفداء لشادنٍ ... روحي تعذَّب في يديه في كفِّه سهمٌ وقو ... سٌ غير محتاجٍ إليه وسهامه من لحظه ... حظ ورده من وجنتيه

стр. 767

إن أخطأت يده فما ... تخطي رماية مقلتيه وأنشدني له قال: أنشدني يداعب شخصًا لقبه نجم الدين: [من السريع] يا أيُّها النَّجم الذي لم نزل ... في ظلمة الفسق به نهتدي النَّجم ينقضُّ على ماردٍ ... وأنت تنقضُّ على أمرد وأنشدني قال: أنشدني لنفسه من قصيدة: [من البسيط] لا يطمع العذل في إذنٍ على أذنٍ ... فلست أصغي للومٍ لا يلائمني ولا جفوني في طيب الرُّقاد ولا ... فؤادي الصَّبُّ أن يخلو من الشَّجن مادام لي نظراتٌ تحتها طمعٌ ... فإنَّ لي زفراتٍ ما تفارقني وكيف أعدم يوماً من دمشق هوىً ... وقد بليت بغزلانٍ تغازلني أين التفتُّ رأت عيناي بدر دجىً ... من كلِّ ناحيةٍ فيها يطالعني وقد تملَّك رقِّي منهم رشأ ... أراق إعراضه دمعي وأرَّقني إن صدَّني عن لماه العذب عذبني ... وإن حمى رشف ذاك الظَّلم يظلمني فكيف لي بوصال وهو يعجزني ... أم كيف بالصَّبر عنه وهو يعوزني؟ وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل] هجر الحبيب وهجر قول معنفي ... قدحا بقلبي لوعةً ما تنطفي عجبًا أذمُّ على الهوى الواشي به ... وتشي دموعي فيه بالسِّرِّ الخفي مالي أراعي عهد من لا يرعوي ... وإلى وصالي لا يفيء ولا يفي؟ يا صاحبي أودى هواه بمهجتي ... وظمئت فانقع غلَّتي بالقرقف قم فاسقنيها خمرةً ذهبيَّةً ... واذهب بصرف الراح همِّي واصرف من كفِّ ذي غيدٍ يجود إذا سقى ... كالغصن معتدل القوام مهفهف ظبيٌ من الأتراك لم تترك ظبا ... أجفانه فعلًا لحدِّ المرهف شاكي السِّلاح إذا رنا وإذا انثنى ... أردى الكميَّ بصارمٍ ومثقَّف في دوحةٍ جاد السَّحاب رياضها ... فالنَّبت بين مدَّبحٍ ومفوَّف

стр. 768

[٣١٨] عبد العزيز بن محمَّد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن علي بن زيدٍ الكرابيسيُّ النَّيسابوريّ، أبو محمَّد بن جعفر بن العجميِّ: من أهل حلب، ومن بيت معروف بها في التقدُّم والرئاسة والثروة واليسار، كانت ولادته في شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفي يوم الجمعة، ثالث عشري جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة، ودفن بالقرب من مقام إبراهيم ﵇ في مشهد أنشأه والده شرقي المقام. كان عدلًا على الخزانة، من قبل ولاة حلب، الملك العزيز غياث الدين، وبعده لولده الملك الناصر يوسف، وكان أوَّلًا قد قرأ فقهًا ونحوًا وأدبًا، وسمع الحديث النبوي على جماعة منهم القاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي، وأبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الآدمي، وابن روزبة، وغيرهم، من الذين قدموا محروسة حلب، وفهم طرفًا جيّدًا من الفرائض، والحساب، وقال شعرًا صالحًا من المقطعات النادرة. وكان مع ذلك فيه مروءة وسماحة، يحبّ أهل الفضل، وأرباب العلم، أنشدني من شعره ولده كمال الدين أبو يوسف أحمد قال: سمعت والدي ينشد لنفسه: [من الطويل] سقى الله دهرًا كان يجمع بيننا ... إذ العيش غضٌّ والحبيب قريب نجرِّر أذيال الصِّبا في رياضه ... ويدعو بنا داعي الهوى فنجيب

стр. 769

وأنشدني أيضًا ولده قال: أنشدني والدي من شعره: [من الطويل] وقد كنت أرجو أنَّ عهدي دائمٌ ... وأنَّ مكاني من ودادك لا يخلو فأخلقت الأيّام ظنِّي بعهدكم ... وإن كان قلبي لا يملُّ ولا يسلو وأنشدني نجم الدين عثمان قال: أنشدني ابن عمّي أبو محمد بن أبي جعفر لنفسه: [من الوافر] ألا لله من عيش تقضَّى ... عساه يعيد لذَّهته إليّا وذه فيروز لمّا أن تغنَّت ... ظنّنا معبدًا قد عاد حيّا علقت بحبِّها طفلًا صغيرًا ... وأسكرني الهوى سكر الحميّا إذا قبَّلتها قالت بغنجٍ ... لق أضجرتني فتنحَّ هيَّا ومن شعره أيضًا ما كتبه إلى وزير الوقت، زين الدين عبد المحسن بن محمد بن عبد الواحد بن حرب، وهو يتولّى يومئذ وزارة الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، بمحروسة حلب: [من الوافر] إذا ما طاولتني الشُّهب يومًا ... رأت شرفًا ينزَّه عن عيان بقربك لا بقرب سواك خلقًا ... وجدت مكانتي أعلى مكان وكيف أخاف حربًا من فلانٍ ... وأنت السِّلم لي أبد الزَّمان؟ [٣١٩] عبد العزيز بن محمَّد بن أبي الفضائل بن أبي البركات، أبو محمَّد ابن أبي المعالي البغداديُّ الواعظ، المعروف بابن الدِّيناري: كانت ولادته بمدينة السلام بباب المراتب، ليلة الجمعة العاشر من رجب سنة ستٍّ وخمسين وخمسمائة، وقرأ القرآن الكريم على أبي الحسن علي بن عساكر بن

стр. 770

المرحب البطائحي وغيره، وسمع الحديث على جدِّه لأمّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن هبة الله بن أبي طالب الفرغاني الديناري، وقرأ الأدب على الإمام أبي البركات عبد الرحمن بن محمَّد الأنباري، وأبي محمد إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي النحوي، وأبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار اللغوي البغدادي، وأبي العز محمد بن محمد بن مواهب الخراساني، وأبي محمد الحسن بن عبيدة المقرئ الكرخي، وتفقه على الشيخ أبي طالب البارك بن المبارك الكرخي المعروف بغلام ابن الخل الفقيه الشافعي. ثم قدم الموصل، وتفقَّه بها على القاضي أبي الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، وأبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، وقرأ الفرائض على أبي الثناء الضرير الفرضي، واشتغل بالوعظ وتميّز فيه، واشتهر به. وكان مليح الكلام، حلو العبارة، حسن الإيراد، أقام بالموصل يعظ بالمدرسة الأتابكية العتيقة، ثم توجَّه إلى الشام، ودخل ديار مصر، وسكنها مدّة، يعظ ويفيد الناس، ثمَّ عاد إلى الموصل في سنة أربع عشرة وستمائة، ومكث بها مديدة على عزم العودة إلى الشام، ونزل دمشق، وتوفي بها يوم الجمعة، رابع ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وكان متميزًا متقنًا، ينظم الشعر الرائق، أنشدني من شعره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي- أيَّده الله تعالى- بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدنا أبو محمد عبد العزيز الديناري بالموصل في ثاني عشر المحرم سنة خمس عشرة وستمائة لنفسه في الغزل: [من مجزوء الكامل] مالزال يمطلني بديني ... بدرٌ له قدُّ الرُّديني

стр. 771

/٢٩٠ ب /ظبيٌ غريرٌ أحورٌ ... يسبي بخدٍّ كاللُّجين ترمي سهام جفونه ... فينا قسيُّ الحاجبين كم يسترق متيَّمًا ... بعذاره والسَّالفين سفكت دمي ألحاظه ... عمدًا بسهم المقلتين ما لي ألوم على الهوى ... قلبي وطرفي جرَّ حيني؟ أنا كلَّ يومٍ معهما ... في حرب بدرٍ أو حنين أألام في قمرٍ على ... خدَّيه صورة عقربين؟ دبَّت على قلبي وما ... جلب البلية غير عيني وأنشدني أيضًا قال: أنشدني عبد العزيز بن أبي المعالي يرثي شيخنا الإمام أبا المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، [وكان قد] توفي يوم الأحد، ثالث المحرّم من سنة خمس عشرة وستمائة- رحمه الله تعالى-: [من الخفيف] أوحشتنا لمَّا تولّى الدُّروس ... والفتاوى بكته والتَّدريس آه واحسرتاه على شرف الدِّين ... ومن كان صمته تقديس وإذا فاه بالفوائد تملى ... صحفٌ من علومه وطروس ولكم كان ينشر الدُّرًّ إن نا ... ظر في محفلٍ وتجلى عروس ولكم عمَّ حزنه وتساوى ... في عزاه الرئيس والمرؤوس كلُّ عينٍ عرى وكلُّ فؤادٍ ... فيه من حزنه الطويل رسيس ولقد ألبس الزَّمان حدادًا ... فهو بالحزن ظلمةٌ خندريس عجبًا كيف حلَّ في اللَّحد طودٌ ... وهو في ضيق تربه مرسوس ولبحرٌ ثوى بقعر الثَّرى فيه ... من المأثرات درٌّ نفيس ولقبرٌ حوى بضيقته ليـ ... ثًا هزبرًا له ثراه حبيس ولئن أظلمت لحودٌ ففي قبـ ... ـرٍ حواه من العلوم شموس أو شكت وحشةً فقد حلَّ في لحـ ... ـدٍ به حلَّ من بقاه أنيس وبه الدَّهر كان طلق المحيّا ... وهو الآن حين بان عبوس ولو أنَّ المصاب يفدى بشيءٍ ... لفدته من الحمام النُّفوس وأنشدني القاضي الإمام كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي

стр. 772

المدرس- أدام الله تأييده- بحلب في سنة أربعين وستمائة قال: أنشدني أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن أبي الفضائل بن أبي البركات الفقيه الشافعي البغدادي الواعظ المعروف بابن الديناري لنفسه بحلب سنة اثنتين وعشرين وستمائة: [من الطويل] غزالٌ سباني فاتر الطَّرف أحور ... يقدُّ الردينيات بالقدِّ أسمر إذا ما رنا أصمى الرَّميَّة لحظه ... وفي طرفه سيفٌ من اللَّحظ أبتر وكم قتلت ألحاظه من متيَّمٍ ... يسلُّ عليه باللواحظ خنجر وقد أمرضت جسمي مراض جفونه ... ومذ فترت سقمي بها ليس يفتر بخدٍّ نقيٍّ كاللُّجين بياضه ... ومن فوقه وردٌ من الحسن أحمر وثغرٌ هو الإغريض لا بل لآليءٌ ... منضدةٌ عند التَّبسُّم تبهر ترى الدرَّ منظومًا إذا كان باسمًا ... ولكنَّه للدُّرِّ بالنُّطق ينثر ونكهته المسك الذكيُّ تخالها ... بعيد الكرى بل مازج المسك عنبر وريقته يشفي المتيَّم رشفها ... ورائقها عند الترشُّف يسكر بأجفانه إمَّا دنا سحر بابلٍ ... ومن لفظه أو لحظه الصَّبُّ يسحر إذا صدَّ الصَّبر عنّي بصدِّه ... ويهجرني طيف الكرى حين يهجر وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب] حفظت العهود وضيَّعتم ... فأين الحفاظ وأين العهود؟ ففي القلب منكم جوىً ناره ... لها في الحشا مذ حللتم وقود أأكتم ما بي من حبِّكم ... وقد خدِّدت بالدُّموع الخدود وإن أنا أنبأت سرَّ الهوى ... فها زفرتي ودموعي شهود وقد كنت قبل الهوى صابرًا ... جليدًا وفي الحبِّ يفنى الجليد سقى الله نجدًا وأرض الحمى ... ملثًّا بتلك المغاني يجود أحبُّ زرودًا وتلك الرُّبوع ... فكم جمعتنا قديمًا زرود زكم قد سحبت برود الشَّباب ... بها فازهتني تلك البرود وكان الشَّباب شفيعي ولي ... غدائر تسبي المحبِّين سود فشبت وما شاب وجدي بكم .. وإن كنت شبت فحبي وليد

стр. 773

وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه أبياتًا عملها في طريق مكة، وقد حجَّ من العراق في سنة ثلاث وستمائة، وحجَ في تلك السنة صدر جهان وكانت الوقفة الجمعة، وهلك من الحاج خلق كثير من العطش، ولا سيَّما في منزلة به تسمى العسيلة: [من مجزوء الكامل] يا سائلي عمّا جرى ... إنِّي اختصرت لك العبارة إنَّ العسيلة أصبحت ... فينا حلاوتها مرارة وكذا النُّقيرة قبلها ... عدم الفتى فيها قرارة كم من شبابٍ شاحبٍ ... بعد الملاحة والنّضارة أضحى بقفرٍ عادمًا ... فيه أقاربه وجاره مستوطنًا بمفازةٍ ... وفراشه فيها الحجارة لا ليله ندري به ... عند الظَّلام ولا نهاره ولكم رأى من يستجيـ ... ـر به ولكن ما اجاره ترك النِّساء أراملًا ... وجفا لسفرته دياره كم من وقورٍ عادمٍ ... بالموت بينهم وقاره متوسِّد يمناه فو ... ق جبينه ألقى يساره كم مرضعٍ ورضيعها ... تومي إلينا بالإشارة من ذا يبرِّد غلَّتي ... بالماء يربح بالتِّجارة؟ كم مترفٍ ومنَّعمٍ ... والرمل قد أضحى دثاره كم مات منهم جالسٌ ... بين الحجارة والمحارة كم من وجوهٍ سوِّدت ... من قبل كانت مستشارة كم من قطارٍ مات والـ ... ـجمَّال متَّبعٌ قطاره وجميعهم صرعى كأنَّ ... السُّكر ألأبسهم خماره وأتاهم البيت الحرا ... م إلى العسيلة للزِّيارة إنَّ الملائكة الكرا ... م أتت إليهم بالبشارة

стр. 774

إنَّ الإله رضي لهم ... في جنة المأوى جواره قد كان ينتفع الفتى ... بالذِّكر لو أبدى ادِّكاره أو كان يفتكر اللَّبيـ ... ـب ويكثر الدَّهر افتكاره لرأى بعين العقل أنَّ ... محاسن الدُّنيا معاره فاترك تجارتها فإنَّ ... تجارة الدُّنيا خسارة فالملك فيها لا يدو ... م فكيف يفرح بالإمارة واعدل إذا ولِّيت أمـ ... ـرًا فالإمارة بالعمارة وقوله: وأتاهم البيت الحرا ... م إلى العسيلة للزِّيارة قيل: رأى بعض الحاج في منامه كأنَّ البيت الحرام مشى، فقيل: إلى أين؟ فقال: إلى زيارة الموتى بالعسيلة. [٣٢٠] عبد العزيز بن قرّى، ينعت بالقاضي الأمجد المصري: كان من الفضلاء في زمانه أدبًا، وفضلًا، وعلمًا، وتبريزًا، له يدٌ في كتابة الإنشاء، مع حفظ القرآن، وتدريس الفقه، وقول الشعر، والأدب الوافر. ومن شعره: [من الكامل] قد كنت أحذر من وقوع فراقكم ... وأعافه وأخافه حتَّى جرى سبق القضاء به فقدَّر يومه ... حتمًا فلا ردٌّ لما قد قدِّرا ساروا فلو ألقي يسير تشوُّقي ... يومًا على الصَّخر الأصم تفطّرا ولو أنَّ بحرًا صادفته قطرةٌ ... من دمعتي لجرى نجيعًا أحمرا يا عاذل العشَّاق جهلًا بالهوى ... ما كان أحسن أن ترقَّ وتعذرا إن كنت لم تر قطُّ يومًا قيمة الـ ... ـدُّنيا ففارق من تحبُّ لكي ترى

стр. 775

[٣٢١] عبد العزيز بن محمَّد بن عليِّ بن حمزة بن القبَّيطيِّ، أبو البركات، الحرَّانيُّ الأصل، البغداديُّ المولد: شيخ فاضل حافظ القرآن العظيم، متقن له، مجيد لأدائه، حسن التلفّظ به، شيخ صالح، ذو سكون ظاهر، سمع الحديث، وكان فيه فضل وأدب، سمع شهدة بنت الإبري، ومن بعدها، وحدث وسمع، وكانت وفاته في منتصف ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بمدينة السلام. أنشدني أبو طالب علي بن الحسن بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة [قال] أنشدني عبد العزيز بن محمد بن القبيطي لنفسه من قصيدة طويلة في المستنصر بالله- ﵁: [من الطويل] حمى شرعة الإسلام من كلّ باطل ... إمام هدى برٌّ كريم الشمائل إمام هدىً أعطى الخلافة حقَّها ... وقام بمفروضاتها والنوافل وأعلى من الإسلام كلَّ دعامةٍ ... وشيَّد من أركانه كلَّ مائل يذبُّ عن الإسلام منه حميَّةً ... يبيد أعاديه عديد الجحافل
следующие страницы →