← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2099

النحو المصفى

محمد عيد

Полный текст (712 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

روابط جملة الخبر بالمبتدأ: لاحظ الأمثلة التالية: - الظلْم مرتَعُه وَخِيمٌ. والحمقُ عاقبتُه الندامةُ الرابط الضمير. - الإحسانُ ذلك خُلُقٌ كريم. والإساءةُ تلك خلّةٌ ذميمة. الرابط الإشارة للمبتدأ. - الإحسانُ لا يضيعُ الإحسانُ مع الكريم. الإساءةُ لا ينسى الإساءةَ إلا الأحمقُ. إعادة المبتدأ بلفظه. - نِعْمَ الإحسانُ المروءةُ. وبئسَ الإساءةُ النَّذَالةُ. العموم في الخبر - شِعارُنا: اللهُ أكبرُ والعزَّةُ للعرب. لا حاجة للرابط. لعل من المفيد أن يذكر هنا الفكرة اللغوية التالية: اللغة مسلك اجتماعي يصدق عليه ما يصدق على أنواع السلوك الاجتماعية الأخرى، وفي علاقاتنا الاجتماعية إذا قامت صلة بين شخص ومن هو قريب له، لم تكن في حاجة إلى دلائل تثبتها، أما إذا قامت العلاقة بين شخص وأجنبي عنه، احتاجت إلى ما يسوغها من نسب أو منفعة أو صداقة. هذه الفكرة الاجتماعية السابقة تصدق على المبتدأ في علاقته بجملة الخبر فإذا كان الخبر هو نفس المبتدأ في المعنى -كلاهما من وادٍ واحد- لم يحتج الخبر إلى رابط يربطه بالمبتدأ، كقولك "اعتقادُنا: اللهُ واحدٌ ومحمدٌ رسولٌ".

стр. 212

وما ورد في القرآن من قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١)، وقول الرسول: "أفضلُ ما قلتُه أنا والنبيون من قَبلي: لا إله إلا الله" (٢). أما إذا كانت جملة الخبر أجنبية عن المبتدأ -كلاهما من وادٍ مختلف عن الآخر- ففي هذه الحالة لا بد من رابط يربطها بالمبتدأ، وهو أحد الأمور التالية: ١ - الضمير الذي يعود على المبتدأ من جملة الخبر، كقول القرآن: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٤). ٢ - إعادة المبتدأ بلفظه في الخبر، كقول القرآن: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٥) وقوله: ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٦). ويأتي الأسلوب السابق غالبا في موقف التهويل والتفخيم. ٣ - أن يكون في الخبر إشارة للمبتدأ، مثل قول القرآن: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٧). ٤ - أن يكون في الخبر لفظ عام يشتمل على المبتدأ وغيره، وغالبًا ما يأتي

стр. 213

ذلك في أسلوب المدح أو الذم، كما يقال: "بئس الخلقُ الخيانةُ" أو "نعم الدّينُ الإسلامُ". الإخبار بالزمان أو المكان عن اسم الذات واسم المعنى: ينبغي أولًا التعرف على معاني الكلمات الآتية: - اسم الذات: يقصد به ما دل على شيء له حجم من إنسان أو غيره أو بتعبير أحد المحدثين: "والمراد به الجسم في أي وضع كان" وذلك مثل "خالد، أحمد، كتاب، ورقة، زهرة". - اسم المعنى: وقد سبق بيانه في أول المبتدأ بأنه الاسم الذي يدل على المعنى المجرد، ويمثله في اللغة العربية المصدر بأنواعه المختلفة مثل "شجاعة، عزم، إصرار، حرية، انتصار، فرح". - اسم المكان: وهو ما يدل على مساحة من الأرض أو الفضاء مثل "أمام، خلف، قدام، حيث، عند، لدى، إزاء، هنا، هناك". - اسم الزمان: وهو ما يدل على وقت مثل "يوم، ليلة، لحظة، شهر، حول، ساعة، لحظة، برهة". ولقد سبق أن اسم الزمان أو المكان إذا استعملا ظرفين -باستيفاء شروط الظرف- فإنهما يقعان خبرا مما أطلق عليه "شبه جملة" تقول: "النيَّةُ قبل العمل" وتقول: "النصرُ مع الصبر". فإذا لم يستوفيا شروط الظرف، فإن اسم الزمان أو المكان -كأي اسم آخر- يحتل الوظائف النحوية المختلفة -مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو غيرها- تقول: "اليومُ العيدُ وهو يومٌ مبارك وقد أظلَّتْنا ساعاتُه ونحن في سرور وأمن وحرية".

стр. 214

من المتصور إذن في جملة المبتدأ والخبر أن يكون المبتدأ فيها اسم ذات أو اسم معنى، وأن يكون الخبر مع كل واحد منهما اسم الزمان أو اسم المكان فتلك أربع صور من الناحية العقلية. لكن، هنا فكرة مهمة جدًّا، احتكم إليها علماء النحو حين أوردوا المستعمل من هذه الصور الأربع وغير المستعمل، تلك الفكرة تلخصها عبارة واحدة هي: يصحّ الإخبار باسم الزمان أو المكان عن غيره مطلقًا إذا أفاد. ا. هـ. "الفائدة" هي أساس ما يقبل وما يرفض، والفائدة يقصد بها أن تؤدي الجملة معنى تامًّا متكاملا يمكن أن يصمت بعده المتكلم، ويقنع به السامع دون نبوّ أو نشاز. وقد أدى استقراء الكلام العربي لمعرفة ما يفيد وما لا يفيد من الصور الأربع السابقة إلى ما يلي: أولا: ما يفيد، وهي صور ثلاث: - الأولى: أن يكون المبتدأ اسم معنى والخبر اسم زمان، كقولك: "الباطلُ ساعةٌ والحقُّ إلى يوم السَّاعة". - الثانية: أن يكون المبتدأ اسم معنى والخبر اسم مكان، كقولك: "العدلُ قبل الرّحمة والعفوُ عند المقدرة". - الثالثة: أن يكون المبتدأ اسم ذات والخبر اسم مكان، كقولك: "شارفْنا نهاية الرحلة بالطائرة والمدينةُ تحتنا والمطارُ قربنا". هذه الصور الثلاث السابقة هي التي استعملتها اللغة، والحديث بها مفيد كما ترى في الأمثلة السابقة

стр. 215

ثانيا: ما لا يفيد وهي صورة واحدة، حيث يكون المبتدأ اسم ذات والخبر اسم زمان وهي صورة يرفضها الاستعمال اللغوي؛ لأنها لا تفيد شيئًا، إذ ما معنى أن نقول: "الشجرةُ الساعة، الورقةُ الآن، الصحيفةُ الحين"، هذا كلام لا معنى له ولا فائدة فيه، ومن أجل ذلك لم تستعملها اللغة، ونص النحاة على رفضها. لكن، أوردت كتب النحو بعض عبارات قديمة فيها الإخبار باسم الزمان عن اسم الذات ومن أشهرها: - قول امرئ القيس: اليومَ خمرٌ وغدًا أمرٌ. - قول امرئ القيس: اليومَ قِحَافٌ وغدًا نِقَافٌ (١). - قول العرب: الرّطَبُ شَهْرَيْ ربيع. - قول العرب: الليلةَ الهلالُ. - قول الشاعر: أكلّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه … يُلْقِحه قومٌ وتنْتِجونه (٢)

стр. 216

وقد خضعت هذه العبارات لتأويلات لا طائل تحتها، والحق أن المتأمل لهذه الاستعمالات يحسّ نُبُوّها عن الذَّوق اللغوي السليم، وينبغي الاقتصار على ما سمع منها. تعدد الخبر: لاحظ الأمثلة التالية: العملُ حقٌّ واجبٌ شرفٌ … البطالةُ ضياعٌ مهانةٌ مذلةٌ الخبر صفة في المعنى، وكما أن الإنسان أو الشيء قد يوصف بأكثر من صفة، فإنه يمكن أيضًا أن يخبر عنه بأكثر من خبر، فيكون المبتدأ واحدا والخبر متعددا، ففي المثال الأول أخبر عن "العمل" بأخبار ثلاثة هي "حق، واجب، شرف" وفي المثال الثاني أخبر عن المبتدأ "البطالة" بأخبار ثلاثة هي "ضياع، مهانة، مذلة" وهكذا ورد في نصوص فصيحة صحيحة. - قال القرآن: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١). - ومن رجز رؤبة: من يك ذا بَتٍّ فهذا بَتِّي مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي أخذتُه من نعجاتٍ سِتِّ

стр. 217

سودٍ، نعاجٌ كنعاجِ الدَّشْتِ (١) - قال حميد بن ثور يصف الذئب: ينامُ بإحْدى مُقْلَتَيْهِ ويتَّقي … بأخرى المنايا فهو يقظانُ هاجعُ (٢) ذلك هو أصل الموضوع، ومع ذلك فإنه ينبغي التنبه للأمرين التاليين: الأول: أن الأخبار المتعاطفة لا تعتبر من هذا الأسلوب، فهناك فرق بين: أن نقول: النفاقُ غشٌّ كذبٌ خداعٌ. وأن نقول: النفاقُ غشٌّ وكذبٌ وخداعٌ. إذ يلاحظ أن الأخبار في الأول متجهة كلها إلى المبتدأ "النفاق" وأما في الثاني فقد اتجه منها للمبتدأ الاسم الأول فقط، أما الثاني فهو متجه للأول بواسطة حرف العطف، والثالث متجه للثاني بواسطة حرف العطف وهكذا. من أجل ذلك تعتبر الصورة الأولى من تعدد الخبر، أما الثانية فليست من تعدد الخبر. الثاني: أن الأخبار المتعددة قد تكون من نوع واحد، أي من المفردات أو الجمل أو شبه الجمل، وقد تختلف، فيكون بعضها مفردا وجملة وشبه جملة، تقول: "طوال الليل أنا ساهرٌ أتَملمَلُ".

стр. 218

- وقال القرآن: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (١). - قال عَلِيّ بن أبي طالب -فيما ينسب إليه- مرتجزا: أنا الذي سمّتني أمّي حَيْدَرَه كلَيْثِ غاباتٍ غليظِ القَصَره أَكِيلُكُمْ بالسّيف كَيْلَ السَّنْدَرَه (٢) فالخبر في البيت الأول مفرد "الذي"، وفي الثاني شبه جملة "كليث" وفي الثالث جملة كاملة وهي "أكيلكم بالسيف". التطابق بين المبتدأ والخبر: البخيلُ عدوُّ نفسه وعدوُّ الناس.

стр. 219

والحريصُ صديقُ نفسهِ وعدوُّ الناس … والكريمُ صديقُ نفسِه وصديقُ الناس في الأمثلة الثلاثة السابقة يلاحظ التطابق التام بين المبتدأ والخبر من حيث العدد والنوع، فالمبتدأ والخبر كلاهما مفرد مذكر، ولو تغير الأمر في هاتين الصفتين لتطابقا أيضًا تقول: "البخلاءُ أعداءُ أنفسهم وأعداءُ الناس" وتقول: "الحريصان صديقا أنفسِهما وعدوَّا الناس" وتقول: "الكريماتُ صديقاتُ أنفسهنّ وصديقاتُ الناس" فالمبتدأ الذي له خبر يجب أن يتفق معه خبره في اثنين من خمسة: أ- الإفراد والتثنية والجمع ب- التذكير والتأنيث أما المبتدأ الذي له مرفوع يغني عن الخبر، فإن الأمر فيه يختلف، إذ يرد على الصور الثلاث الآتية: الصورة الأولى: التطابق في الإفراد ما صديقٌ البخيلُ لنفسه أو للناس … ما بغيض الكريمُ لنفسه أو للناس في هذه الصورة -من حيث الصناعة النحوية- يمكن أن يكون الوصف من المبتدأ الذي له مرفوع يغني عن الخبر، وتعرب الكملتان "البخيل الكريم" على أنهما فاعل سد مسد الخبر للوصفين "صديق، بغيض"

стр. 220

ويمكن أن يكون الوصف خبرا مقدما، والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخر، فالخبر في المثالين هو الوصف المقدم "صديق، بغيض" والاسم المرفوع هو المبتدأ المؤخر، وهو في المثالين "البخيل، الكريم". الصورة الثانية: التطابق في غير الإفراد ما أصدقاءُ البخلاءُ لأنفسهم أو للناس. ما بغيضان الكريمان لأنفسهما أو للناس. في هذه الصورة يتعين أن يكون الوصف خبرا مقدّما والاسم المرفوع مبتدأ مؤخر، ولا يكون الوصف من المبتدأ الذي له مرفوع يغني عن الخبر إذ يكون حينئذٍ فاعلا به، والوصف عاملا له، وعامل الفاعل لا يثنى ولا يجمع في اللغة الفصحى، ومن أجل ذلك يتعيين هنا أن يكون الوصف خبرا مقدما وهو في المثالين "أصدقاء، بغيضان" والاسم المرفوع مبتدأ مؤخر، وهو في المثالين "البخلاء، الكريمان". الصورة الثالثة: عدم التطابق ما صديقٌ البخلاءُ لأنفسهم أو للناس. "صحيح لغويًّا. ما بغيضٌ الكرماءُ لأنفسهم أو للناس. "صحيح لغويًّا. ما أصدقاءُ الكريمُ لنفسه أو للناس. "خطأ لغويًّا". ما بغيضان البخيلُ لنفسه أو للناس. "خطأ لغويًّا". الذي جاء في اللغة الفصحى في عدم التطابق أن يكون الوصف مفردا والمرفوع بعده مثنى أو جمعا، وحينئذٍ يتعين أن يكون الوصف مبتدأ، والمرفوع بعده أغنى عن الخبر، وعلى ذلك فإن الوصفين "صديق، بغيض" في

стр. 221

المثالين مبتدأ، وأما الكلمتان "البخلاء، الكرماء" فهما فاعل أغنى عن الخبر. لكن لم يرد في اللغة الفصحى العكس، بأن يكون الوصف مثنى أو جمعا والمرفوع بعده مفرد، فلم تستعمل اللغة ذلك، والحديث به خطأ، استنادا لرفض الاستعمال في اللغة. والخلاصة في هذا الموضوع كله ما يلي: ١ - إذا تطابق الوصف والمرفوع بعده في الإفراد، صح في الوصف أن يكون مبتدأ والمرفوع بعده أغنى عن الخبر، كما يصح فيه أن يكون خبرا مقدما، والمرفوع بعده مبتدأ مؤخر. ٢ - أما إذا تطابقا في غير الإفراد، تعين أن يكون الوصف خبرا مقدما والمرفوع مبتدأ مؤخر. ٣ - وإذا لم يتطابقا -فيما استعملته الفصحى- تعين أن يكون الوصف مبتدأ، والمرفوع بعده أغنى عن الخبر. الترتيب في جملة المبتدأ والخبر: لاحظ الأمثلة الآتية: بلادُنا مزدحمةٌ بالسكان. وتلك مشكلةٌ خطيرةٌ لمواردنا. "الترتيب على الأصل".

стр. 222

مزدحمةٌ بالسكان بلادُنا. مشكلةٌ خطيرة تلك لمواردنا. "الخبر مقدم على المبتدأ". الأصل أن تأتي الجملة الاسمية علي الترتيب الأصلي -بأن يتقدم المبتدأ ويتأخر الخبر- لكن اللغة الفصحى استخدمت فيها الجملة الاسمية كثيرا على غير الأصل، إذ يتقدم الخبر على المبتدأ، ومن ذلك قول القرآن: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١) وقوله أيضا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (٢) وقول العرب: "منشوءٌ من يشنؤك" (٣). فالترتيب بين المبتدأ والخبر -في استعمال الفصحى- ترتيب مطلق والذي يميز المبتدأ من الخبر ظروف الكلام، تلك التي تعين المحكوم عليه من الحكم، والأول هو المبتدأ -تقدم أم تأخر- والثاني هو الخبر -تقدم أيضا أم تأخر-. لكن هذا الإطلاق في الترتيب بين الاثنين يصير مقيدا بتحديد موضع المبتدأ والخبر على التفصيل التالي: أولا: وجوب تقدم المبتدأ وتأخر الخبر وذلك ينحصر في اتجاهين رئيسين:

стр. 223

١ - أن يكون الترتيب هو وسيلتنا الوحيدة لمعرفة المبتدأ والخبر، بأن نتعرف على المبتدأ بأنه قد جاء أولا، ونتعرف على الخبر بأنه قد جاء ثانيا. ولا دليل لدينا غير ذلك، حينئذٍ يجب تقدم المبتدأ وتأخر الخبر؛ فإن الخبر لو تقدم، لأدى إلى ارتباك في تحديد وظائف الكلمات في الجملة الاسمية أو إلى ارتباك آخر باختلاط الجملة الاسمية بالفعلية، نقول: "الأصدقاءُ المخلصون" ويقول الرسول: "الدِّينُ المعاملةُ" فالكلمتان "الأصدقاءُ، الدين" مبتدآن، والكلمتان "المخلصون، المعاملة" خبران، ولو تقدم الخبر هنا لاختلط الأمر، إذ يمكن أن تكون حينئذٍ الكلمتان الأخيرتان هما الخبر، فيما لو قلت: "المخلصون الأصدقاء" أو قلت: "المعاملة الدين" والمتكلم لا يريد ذلك. وينطبق هذا نفسه على قولنا: "الحق ينتصر، والباطل يندحر" إذ لو تقدم الخبر فقلنا: "ينتصر الحق، ويندحر الباطل" لأدى إلى اختلاط الجملة الاسمية بالفعلية، والمتكلم يقصد الأولى لا الثانية. فإذا تعين الخبر بسياق الكلام -بحيث يمكن التعرف عليه تقدم أم تأخر- حينئذٍ لا يلتزم فيه تحديد موضعه، ومن ذلك الشواهد التالية: - قول الكميت: كلامُ النبيّين الهُدَاةِ كلامُنا … وأفعالَ أهلِ الجاهليةِ نفعلُ (١) - قول حسان بن ثابت يهجو:

стр. 224

قبيلةٌ أَلْأمُ الأحياءِ أكرمُها … وأغدرُ الناس بالجيران وافيها (١) - العبارة المأثورة في قولهم: أبو يوسف أبو حنيفة (٢). ٢ - أن يوجد في المبتدأ أو الخبر دليل لفظي يحدد موضوع المبتدأ والخبر فيوجب هذا الدليل أن يأتي المبتدأ أولا، أو يوجب هذا الدليل أن يأتي الخبر أخيرا، فلنتأمل الأمثلة التالية: - ما غرض الدِّين من بيان الخير والشر!. وأيُّ السبيلين أسْلَمُ للإنسان!. "المبتدأ اسم استفهام "ما، أي"، فيجب تقدمه".

стр. 225

- لَلْغَرضُ سعادةُ الإنسان في الحياة. "المبتدأ متصلة به لام الابتداء، فيجب تقدمه". - فإنّما الخيرُ سلامٌ وأمنٌ، وما الشرُّ إلّا تعاسةٌ وضررٌ. "الخبر وقع في أسلوب القصر البلاغي بعد "إلا، إنما"، فيجب تأخيره". الاستعمال العربي هو الذي حدد الترتيب هنا بأنه يجب أن يأتي على الأصل -المبتدأ أولا والخبر ثانيا- ذلك أنه باستقراء هذا الاستعمال وجد أن أسماء الاستفهام -ومثلها الشرط- تأتي في بداية الكلام، فإذا كان المبتدأ واحدا منها وجب تقدمه، وكذلك إذا اتصل بالمبتدأ "لام الابتداء" فإنه يأتي أولا، وهي متقدمة عليه -وهكذا ارتضى الأسلوب العربي- ويترتب على ذلك بداهة أن يتأخر الخبر. وفي الجانب المقابل فإن الخبر إذا جاء في أسلوب القصر "مقصورا عليه" فإنه يجب تأخره، ويترتب على ذلك بداهة أن يتقدم المبتدأ. هذا، وقد ورد على غير هذا الاتجاه بعض الشواهد، وهي -في رأي النحاة- شاذة، وفي رأيي أنها لغة الشعر الخاصة، ومن ذلك: - قول الكميت: فيا ربّ هل إلا بكَ النّصرُ يُرْتَجَى … عليهم وهل إلا عليكَ المعوَّلُ (١)

стр. 226

- قول الآخر: خَالِي لأنت ومن جرير خالُهُ … ينل العلاءَ ويكرم الأخوالا (١) وخلاصة هذا الموضوع كله في عبارة واحدة: "يتقدم المبتدأ ويتأخر الخبر حتما إذا كان هذا الترتيب وحده هو الذي يهدينا في التعرف على المبتدأ والخبر، أو إذا كان في الجملة دلائل لفظية تحدد موضع المبتدأ أولا أو الخبر أخيرا". ثانيا: تقدم الخبر وتأخر المبتدأ: لاحظ الأمثلة التالية: - أين العدالةُ في الدنيا وكيف السبيلُ إليها؟. الخبر هنا اسم استفهام "أين، كيف"، ويجب تقدمه. - فما في طبع البشر عموما إلا الظلمُ، وإنّما في بعضهم الخيرُ. المبتدأ وقع في أسلوب القصر البلاغي بعد "إلا، إنما"، فيجب تأخره. - ففي ظلمِ الإنسان لأخيه متعتُه، وفي سيطرةِ القوي على الضعيف نفعُه. المبتدأ اشتمل على ضمير يعود على شيء في الخبر.

стр. 227

- وقد قيل، مع القويِّ حقٌّ وللضعيفِ ذلّةٌ. تقدم الخبر سوغ الابتداء بالنكرة. إنما يجب تقدم الخبر وتأخر المبتدأ إذا وجد في الكلام دلائل لفظية تقتضي تقدم الخبر أو تقتضي تأخر المبتدأ، وذلك بأن تحتم تلك الدلائل عكس الترتيب في الجملة الاسمية -حينئذٍ لا يستعمل الخبر إلا مقدما، وبداهة لا بد أن يتأخر المبتدأ- تماما كما كان الأمر في تقدم المبتدأ وتأخر الخبر مع اختلاف الموقف في الصورتين. فإذا كان الخبر اسم استفهام مثل "أين، كيف" فإنه يجب أن يذكر في الكلام أولا، وبداهة أن المبتدأ يجب تأخره، كما تقول: "أين الغايةُ قبل المذْهب؟ ". وإذا جاء المبتدأ والخبر في أسلوب قصر بلاغي، والمبتدأ "مقصور عليه" في أحد الأسلوبين "ما وإلّا، إنما" ففي هذه الحالة يجب تأخر المبتدأ وبداهة أن الخبر يجب تقدمه، كقولنا: "ما للبخيلِ إلّا المهانةُ، وإنّما من عمله جزاؤه". كذلك إذا كان في المبتدأ ضمير يعود على شيء في الخبر، حينئذٍ يجب تأخير المبتدأ من أجل هذا الضمير، لكي يتقدم نطقا الخبر الذي يرجع الضمير إلى شيء فيه، كما ورد من قول المجنون: دعا المحرمون الله يستغفرونه … بمكة يومًا أن تُمَحَّى ذنوبُهَا وناديتُ يا ربَّاهُ، أوَّلَ سُؤْلَتِي … لنفسيَ لَيْلى ثم أنت حَسيبُها

стр. 228

أهَابُكِ إجلالًا وما بك قدرةٌ … عليَّ ولكنْ مِلْءُ عينٍ حبيبُها (١) ومن ذلك أيضًا ما سبق ذكره في مسوغات الابتداء بالنكرة، إذ يكون خبرها ظرفا أو جارًّا ومجرورًا مقدمًا عليها. تلك الأمور السابقة وغيرها من المسوغات -مما لم يذكر- يجمعها كلها عبارة واحدة هي "يتقدم الخبر على المبتدأ حتما إذا وجد في الجملة دلائل لفظية تحدّد موضع الخبر أولا، وموضع المبتدأ أخيرا". الحذف في الجملة الاسمية: لاحظ النصوص الآتية للتعرف على المحذوف فيها من المبتدأ والخبر: من القرآن: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾. من القرآن: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾. من القرآن: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُون﴾. من كلام العرب: رميةٌ من غير رَامٍ.

стр. 229

الأصل في الكلام العربي أن يكون مذكورًا، ولا يصح حذفه، فإن الحذف ضد الأصل، لكن من رأي النحاة الحذف، وهذا يحدث في أبواب كثيرة -ستأتي- ومن هذه الأبواب باب المبتدأ والخبر، فكل من المبتدأ والخبر قد يغيب عن الكلام إذا دل سياق الكلام وظروفه على الغائب دون وجوده، فيعتبر كأنه موجود ذهنيًّا، ليكمل هذا "العمل الذهني" الموجودَ الباقي منهما، فتتم الجملة بالطرف المنطوق فعلا، والطرف المقدر ذهنًا، ومن ذلك قول القرآن: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (١) أي "دائم" وقول قيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راضٍ والرأي مختلف (٢) وأصل الكلام "نحن بما عندنا راضون" فحذف الخبر. لكن قد ينقلب هذا الحذف أمرا لازما فلا يمكن النطق بالمحذوف إطلاقا -وهذا غريب- ويشمل الحذف كلا من المبتدأ أو الخبر على التفصيل التالي: أولا: حذف المبتدأ وجوبا: تكاد كتب النحو تتفق في ذلك على أربعة مواضع مشهورة لهذا الحذف هي: ١ - مع الخصوص بالمدح أو الذم -في بعض الآراء- مثل: "نعم الخلقُ الاستقامةُ وبئس الخلقُ الانحرافُ" وسيأتي تفصيله في موضعه.

стр. 230

٢ - في النعت المقطوع: كقولنا: "إن من شعراءِ العصر الحديث حافظًا شاعرُ النيل" وسيأتي تفصيله في موضعه أيضًا. ٣ - ما حكى أبو على الفارسي ﵀ من قول العرب: "في ذمَّتي لأفعَلَنَّ كذا" وتقديره "في ذمَّتِي يَمِينٌ". ٤ - ما جاء في لسان العرب من الشواهد التالية نثرا وشعرا: - قول القرآن: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١). - قول منذر بن درهم الكلبي: وأحدثُ عهدي من أميمةَ نظرةٌ … على جانبِ العلياءِ إذْ أنا واقفُ فقالتْ حنانٌ ما أتى بك ههنا … أذو نسبٍ أم أنت بالحيِّ عارفُ فقلتُ أنا ذو حاجةٍ ومسلّمٌ … فَضُمَّ علينا المأزِقُ المتضايفُ (٢)

стр. 231

فكلمة "حنان" في البيت الثاني خبر لمبتدأ محذوف تقديره "شعوري حنان". - ما ورد من قول العرب "سمع وطاعة" بمعنى "خلقي سمع وطاعة". ثانيا: حذف الخبر وجوبًا: تكاد كتب النحو تتفق أيضا على ذكر أربعة مواضع مشهورة لهذا الحذف فلنلاحظ أولا الأمثلة التالية: لولا المرضُ ما عُرفت الصِّحة. وايمن الله، إن الصحة أغلى من كنوز الأرض. ولذلك قيل عن السعادة العبارة "الصحةُ وراحةُ البال". فابتهاجُ المرءِ مُعَافًى واكتئابُه مريضًا. هذه المواضع الأربعة التي يحذف فيها الخبر وجوبًا هي: ١ - أن يكون المبتدأ بعد كلمة "لولا" كقولنا في الدعاء "اللّهم لولا أنتَ ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلَّيْنا، فأنزلَن سكينةً علينا" هذا هو الرأي المشهور، وفي المسألة كلام كثير لا حاجة إليه هنا. ٢ - أن يكون المبتدأ من الألفاظ التي تستخدم في القسم فقط، أو بتعبير

стр. 232

كتب النحو "نصٌّ في اليمين" كقول القرآن: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١). ٣ - أن يتعاطف المبتدأ مع اسم آخر بواو تدل على المصاحبة -بمعنى مع- ومن ذلك العبارة النحوية المشهورة "كلُّ رجلٍ وضيعتُه". ٤ - ما ورد في الأسلوب العربي من أمثال، قول الرسول: "أقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد" (٢)، انظر الهامش.

стр. 233

نواسخ المبتدأ والخبر: تمهيد: معنى النسخ جاء في قطر الندى: النواسخ جمع ناسخ، وهو في اللغة من النسخ بمعنى الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل: إذا أزالته، وفي الاصطلاح: ما يرفع حكم المبتدأ والخبر ا. هـ. ومن المعلوم أن المبتدأ والخبر وظيفتان نحويتان تشغلهما عادة الأسماء -أو ما يقوم مقامها من الجمل أو شبه الجمل- وكل اسم يشغل إحدى هاتين الوظيفتين فإنه يأخذ شكلًا خاصًّا هو علامات الرفع الأصلية أو الفرعية. فلنلاحظ الأمثلة: القارئُ الجادُّ إنسانٌ مستنيرٌ. صار القارئُ الجادُّ إنسانًا مستنيرًا. إنّ القارئَ الجادَّ إنسانٌ مستنيرٌ. علمتُ القارئَ الجادَّ إنسانًا مستنيرًا. بملاحظة الأمثلة السابقة يتضح أن المبتدأ قد تتغير وظيفته فقط ويبقى شكله وقد تتغير وظيفته وشكله كلاهما، وأن الخبر يصدق عليه الكلام السابق نفسه؛ إذ تتغير وظيفته فقط ويبقى شكله، وقد تتغير وظيفته وشكله كلاهما. من أجل ذلك فإنه يمكن أن يفهم ما جاء مختصرًا في عبارة "قطر الندى" من أن النسخ هو "ما يرفع حكم المبتدأ والخبر" بطريقة أكثر تفصيلا ووضوحًا على النحو التالي:

стр. 234

النسخ: هو إزالة حكم المبتدأ والخبر من حيث "الوظيفة والشكل" كلاهما أو من حيث "الوظيفة" وحدها إذا دخل على الجملة أفعال أو حروف خاصة. والنواسخ على ذلك: هي تلك الأفعال الخاصة أو الحروف التي يتغير معها المبتدأ والخبر من حيث الوظيفة والشكل أو من حيث الوظيفة. وهذه النواسخ هي الأبواب السبعة التالية: ١ - كان وأخواتها: كقولنا: "صَارَ الصّعبُ سهلًا". ٢ - كاد وأخواتها: كقولنا: "كاد الصّعبُ يهونُ". ٣ - الحروف التي بمعنى "ليس" مثل: "ما الصّديقُ خائنًا". ٤ - إن وأخواتها: مثل: "إن الكذب قبيح". ٥ - لا: النافية للجنس: مثل "لا صدق قبيح". ٦ - ظن وأخواتها: مثل: "علمتُ الصّدْقَ مُنْجِيًا". ٧ - أعلم وأرى وأخواتهما: مثل: "أَرَيْتُ الجاحدَ الدّليلَ واضحا".

стр. 235

كان وأخواتها: ١ - الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر "عددها، شروطها، صورها". ٢ - ترتيب الجملة مع هذه الأفعال. ٣ - معنى المصطلحين النحويين "التمام، النقصان". ٤ - ما تختص به "كان" وحدها من الأحكام. أ- زيادتها حشوا في الكلام. ب- حذفها مع اسمها. ج- حذف نونها. الصنف الأول من الأفعال النواسخ "كان وأخواتها" وللتعرف على هذه الأفعال تمامًا ينبغي النظر إليها من نواحٍ ثلاث، هي على الترتيب "عددها، شروطها، صورها". عددها: هي ثلاثة عشر فعلا، وإليك هذه الأفعال ومعانيها: ١ - كان: وهي لاتِّصاف الاسم بالخبر في الماضي، تقول: "كان الحفلُ رائعًا، وكانت الليلةُ ممتعةً". ٢ - أمسى: لاتّصاف الاسم بالخبر مساء، تقول: "أمسى الجوُّ منعشًا وأمست الرياحُ رخاءً".

стр. 236

٣ - أصبح: وهي لاتِّصاف الاسم بالخبر في الصباح، تقول: "أصبح الضوءُ ساطعًا، وأصبحت الرؤيةُ واضحةً". ٤ - أضحى: وهي لاتِّصاف الاسم بالخبر في وقت الضحى، تقول: "أضحت الشمسُ متوهِّجَةً وأضحى الجوُّ حارًّا". ٥ - ظل: وهي لاتِّصاف الاسم بالخبر طوال النهار، تقول: "ظلَّ المؤمنُ صائمًا". ٦ - بات: وهي لاتِّصاف الاسم بالخبر في الليل، تقول: "بات القَلِقُ مسهَّدًا" أو "بات الشرطيُّ ساهرًا". ٧ - صار: وهي لتحول الاسم إلى الخبر، تقول: "صار المهملُ مجتهدا وصار الكسولُ نشيطا". ٨ - ليس: وهي تفيد نفي معنى الخبر عن الاسم تقول: "ليس الصدقُ مهلكا، وليس الكذبُ منجيًا". ٩، ١٠، ١١، ١٢ الأفعال الأربعة: "زال، برح، فَتِئَ، انْفَكَّ" ومعناها دوام اتصاف الاسم بالخبر، تقول: "ما زالت اللغةُ العربيةُ حيّةً متجدّدةً، وما بَرحَ أهلُها محافظين عليها، وما انْفَكَّ التفاهمُ بها ميسورًا بين العربِ جميعًا". ١٣ - دام: ومعناها بقي واستمر، وتفيد في جملتها دوام اتصاف اسمها بالخبر ما بقي كل منهما مرتبطا بالآخر، تقول: "لن يُغْلَبَ العربُ ما داموا متَّحدين". ذلك هو أصل الباب يتكون من هذه الأفعال الثلاثة عشر مع معانيها السابقة، ولكن يتفرع على هذا الأصل السابق الأمران التاليان:

стр. 237

الأول: أن الأفعال الخمسة "كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل" تستعمل في اللغة بمعنى "صار" أي أنها تفيد التحول والانتقال، وهذا الاستعمال يطلق عليه في اللغة اسم "التّضمين" ومعناه أن يتحمل فعل له معنى خاص معنى فعل آخر، وحينئذٍ يأخذ حكمه، ومن ذلك: - قول القرآن: ﴿وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً، وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ (١). - قول القرآن ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢). - قول الشاعر: ثم أضْحَوا كأنهم ورقٌ جـ … ـفَّ فألوَتْ به الصَّبا والدَّبُورُ (٣)

стр. 238

قول النابغة: أمستْ خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا … أخْنَى عليها الذي أخْنَى على لبد (١) الثاني: وردت أفعال أخرى -غير الأفعال السابقة التي هي أصل الباب- بمعنى الفعل "صار" أيضًا عن طريق "التضمين" وهي -كما أوردها الأشموني- عشرة أفعال "آضَ، رَجَعَ، عَادَ، استَحَالَ، قَعَدَ، حَارَ، ارتَدَّ، تَحَوَّلَ، غَدَا، رَاحَ" فلنتأمل الشواهد التالية: - قول الرسول: "فلا ترجعوا بعدي كفَّارا، يضربُ بعضُكم رِقَاب بعض" (٢). - قول الرسول: "فاسْتَحَالَتْ غربا" (٣). - قول الشاعر: وكان مُضِلِّي مَنْ هُدِيتُ بِرُشْدِهِ … فَلِلَّهِ مُغْوٍ عاد بالرُّشْدِ آمِرا (٤)

стр. 239

- قول الشاعر: إنَّ العداوةَ تستحيلُ مودّةً … بتدارُكِ الهفواتِ بالحَسناتِ (١) - قول امرئ القيس: وبدَّلتُ قَرْحًا دَامِيًا بعد صحّةٍ … لعلَّ مَنَايَانَا تحوّلْنَ أبْؤُسا (٢) وهذه الأفعال الأخيرة ليست موضوعة أصلا لتكون من النواسخ، وإنما

стр. 240

تصير ناسخة إذا ورد استعمالها بمعنى الفعل "صار" أي أنها حين تتضمّن معنى هذا الفعل ينسخ معها حكم المبتدأ والخبر، فيرفع الأول وينصب الثاني. شروطها: لاحظ الأمثلة التالية: - كان العربُ -في الجاهلية- جُهَّالًا متفرقين. - وصار الإسلامُ حضارتَهم وقوتهم. - وأصبحتْ لغةُ القرآنِ أسلوبَهم ووحدتهم. لا يحتاج إلى شروط - وما زال الدِّينُ سَنَدًا قويا لأخلاقهم. - وما برحت الفصحى وسيلةَ صلتهم ثقافيا واجتماعيا يحتاج لتقدم نفي أو شبهه - وسيبقى العربُ أقوياء ما داموا محافظين على دينهم ولُغَتهم. يحتاج لتقدم "ما" المصدرية الظرفية. الأفعال الثلاثة عشر التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر يمكن تصنيفها من حيث شروطها إلى الأنواع الثلاثة التالية: الأول: ما يحتاج إلى شروط إطلاقًا، وذلك ثمانية أفعال هي "كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل، بات، صار، ليس" تقول: "كان الطريقُ موحشا، وأمسى الغريبُ وحيدا" وتقول: "بات العاصي مسهَّدا وصار ليلُه كئيبا". الثاني: ما يجب معه -حين يرفع الاسم وينصب الخبر- أن يتقدم عليه

стр. 241

"نفي أو نهي أو استفهام إنكاري" وهو أربعة أفعال "زال، برح، فتئ، انفكّ". - قال القرآن: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١). - قال الشاعر: صَاحِ شمِّر ولا تزلْ ذاكرَ المو … تِ فنيسانُه ضلالٌ مبين (٢) - قال ذو الرُّمَّة: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ ميٍّ على البلى … ولا زال مُنْهلًّا بجرْعائِك القَطْرُ (٣) هذا .. والأصل في النفي والنهي والاستفهام الذي يتقدم على هذه الأفعال أن يكون مذكورًا لفظًا، لكن ربما وردت هذه الأفعال وبعدها الاسم مرفوع والخبر منصوب دون أن يتقدم عليها شيء من ذلك، وحينئذٍ

стр. 242

ينبغي أن يقدر معها النفي اطرادا للقاعدة، وهذا قليل في اللغة، ومن هذا القليل: قول القرآن: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، تقديره "لا تفتؤ" (١) - قول خليفة بن نزار: تنفكُّ تسمع ما حييـ … ـتَ بهَالِكٍ حتى تكونه (٢) تقديره "لا تنفك". الثالث: ما يجب أن يتقدم عليه "ما" المصدرية الظرفية وهو الفعل "دام" كقول القرآن: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾. صورها: يقصد بذلك الصور الصرفية التي يمكن أن تأتي من هذه الأفعال وهذه الصور هي "الماضي، المضارع، الأمر، المصدر، اسم الفاعل فمثلا الفعل "أصبح" يمكن أن يأتي منه "أصبح، يصبح، أصبح، إصباح، مصبح" وكذلك "أمسى" يمكن أن يأتي منه " أمسي، يمسي، أمس، إمساء، ممسي" وهكذا. وفائدة هذا الموضوع هنا: أن الصيغ التي تأتي من هذه الأفعال حكمها حكم الأفعال الماضية فيرفع الاسم معها، وينصب الخبر. وهذه الأفعال الثلاثة عشر -من حيث الصور التي تأتي منها- تنقسم إلى الأنواع الثلاثة التالية: الأول: ما يتصرف تصرفا مطلقا، إذ يأتي منه "الماضي والمضارع

стр. 243

والأمر والمصدر واسم الفاعل" وذلك سبعة أفعال هي "كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل، بات، صار" تقول: "راقب الطبيبُ المريضَ في بَيَاتِه مُستريحا، ووجده في النهار مُصبحًا هادئا" وتقول: "كلّ مهملٍ صائرٌ إلى الضياع" ومن ذلك قول الشاعر: ببذْلٍ وحِلْمٍ سادَ في قومه الفتى … وكونُك إيّاه عليك يَسيرُ (١) وقول الآخر: وما كلُّ من يُبدي البَشَاشَةَ كائنا … أخاك إذا لم تُلْفِه لك مُنجِدا (٢) الثاني: ما يتصرف تصرفا ناقصا، إذ يأتي منه "الماضي والمضارع واسم الفاعل" ولا يأتي منه "الأمر والمصدر" وهو أفعال الدوام والاستمرار "زال، برح، فتئ، انفك" ومن ذلك ما ينسب إلى عَلِيٍّ: "ما يزال الرجلُ عالِمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جَهِل" ومن ذلك أيضًا قول الحسين بن مطير الأسدي: قضى الله يا أسماءُ أنْ لستُ زائلًا … أحبُّك حتى يُغْمِضَ الجفنَ مُغْمِضُ (٣) الثالث: ما لا يتصرف مطلقًا، بل يبقى على ما هو عليه من الماضي وذلك الفعلان "ليس -باتفاق-، دام -على الأصح-" فلا يأتي منهما

стр. 244

"مضارع ولا أمر ولا مصدر ولا اسم فاعل" وما ورد من استخدام اللغة من "دام" مثلا "يدوم، دم، دائم" فإنه -فيما رأى العلماء- من "دام" التامة، لا من "دام" التي ترفع الاسم وتنصب الخبر. ترتيب الجملة مع هذه الأفعال لاحظ الأمثلة التالية: - كان الضَّباب كثيفًا، وصارت الرّؤيةُ متعذرةً. الترتيب على الأصل. - كان كثيفًا الضبابُ، وصارت متَعذِّرةً الرؤيةُ. الخبر متوسط بين الفعل الناسخ والاسم. - كثيفا كان الضبابُ، متعذرةً صارت الرّؤيةُ. الخبر تقدم على الفعل الناسخ والاسم. الترتيب في جملة كان وأخواتها يأتي على الصور الثلاث الآتية: الصورة الأولى: أن يكون الترتيب على الأصل، فيأتي هكذا "الفعل الناسخ + الاسم + الخبر" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ (١). الصورة الثانية: أن يتوسط الخبر بين الفعل الناسخ والاسم، فيأتي الترتيب هكذا "الفعل الناسخ + الخبر + الاسم" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).

стр. 245

- وقول السموءل بن عاديا: سلي إنْ جهلْتِ الناس عنَّا وعنهم … فليس سواءً عالم وجهولُ (١) - وقول الآخر: لا طِيبَ للعيش ما دامتْ منغَّصَةً … لذّاتُهُ بادِّكارِ الموتِ والهَرَمِ (٢) - وقول الآخر: ما دام حافظَ برّي من وثقتُ به … فهو الذي لستُ عنه راغبًا أبدا (٣) الصورة الثالثة: أن يتقدم الخبر على الناسخ، وبذلك يكون الترتيب "الخبر + الفعل الناسخ + الاسم" تقول: "مَطْلَبًا كريما ما زالت الحرّيةُ وغنمًا كبيرا يصبح الحصول عليها". هذا هو أصل الموضوع، يصح في الخبر أن يتأخر، ويمكن أن يأتي في الكلام متوسطًا، ويمكن أن يأتي متقدما على الفعل الناسخ نفسه. لكن ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار -مع هذا الأصل- الملاحظات الآتية:

стр. 246

أولا: يمكن أن يتصور صورة رابعة مع هذه الصور الثلاث، وهي تقدم الاسم على الناسخ، إذ يقال في "أصبح الجوُّ صحوًا" "الجوُّ أصبح صحوًا" وهذا أمر غير وارد هنا؛ لأن الجملة كلها تصير اسمية مكونة من مبتدأ هو كلمة "الجو" والخبر هو الجملة الناسخة، وقد جاءت مرتبة على الأصل، فهي بهذا الاعتبار من الصورة الأولى. ثانيا: لم يرد في اللغة تقدم الخبر على الفعلين "ليس، دام" وهذا هو رأي جمهور النحاة، وفي المسألة حديث طويل لا حاجة إليه هنا. ثالثا: إذا كان خبر المبتدأ مما يجب أن يتأخر عن المبتدأ، أو مما يجب تقدمه على المبتدأ، ثم دخل عليه الفعل الناسخ، فإنه يبقى له موضعه في الترتيب وجوبا، فالكلام هنا إذن إنما هو عن المبتدأ والخبر اللذين يصح فيهما التقدم والتأخر. رابعا: هناك خلاف كثير متشعب حول ما إذا تقدم معمول الخبر، ويقصد به ما إذا كان الخبر فعلا أو اسما شبيها بالفعل وله مفعول، فجاء حينئذٍ بعد الفعل الناسخ مباشرة، مثل "بات الشرطيُّ مؤدّيًا واجبه" حيث يقال "بات واجِبَه الشرطيُّ مؤدِّيا" والحق أن هذا الخلاف لا فائدة فيه وأن تأويلات النحاة للنصوص التي وردت عنه تأويلات متكلفة، والذي أراه أن هذا الاستعمال يقبله الذوق اللغوي وبخاصة في الشعر، وأنه قد ورد في نصوص صحيحة لا داعي لإجهادها ذهنيا بالتأويل المتكلف، ومن ذلك: - قول الشاعر: باتت فؤاديَ ذاتُ الخالِ سالبةً … فالعيشُ إن حُمَّ لي عيشٌ من العَجَبِ (١)

стр. 247

- قول الآخر: لئن كان سَلْمَى الشّيبُ بالصدِّ مُغْريًا … لقدْ هَوَّنَ السُّلوانَ عنها التَّحَلُّمُ (١) التمام والنقصان: لاحظ الأمثلة التالية: - كان الإسلامُ مغلوبًا في أوّل الدعوة. - ثم صار المسلمون أقوياءَ أعزّاء. - فأصبح الدينُ بهم غالِبًا عزيزًا. الأفعال الناسخة ناقصة.

стр. 248

- في الحديث: "كان اللهُ ولا شيءَ معه فخلق السمواتِ والأرض". - وتقول: نمت حتى أضحيت. - وتقول: تأخرت في الطريق حتى أمسيت. الأفعال الناسخة تامة. يلاحظ أن الأفعال "كان، صار، أصبح" في مجموعة الأمثلة الأولى احتاجت الجملة التي وردت فيها إلى اسم مرفوع بعدها، ثم إلى اسم منصوب ولم يتم معناها إلا بوجود هذا الأخير، وهو في الأمثلة السابقة "مغلوبا، أقوياء، غالبا" على التوالي. أما المجموعة الثانية من الأفعال وهي "كان، أضحى، أمسى" فقد ورد بعدها اسم مرفوع فاعل بها، واكتفت به، ولم تحتج إلى الاسم المنصوب وهذا الاسم المرفوع في الأمثلة هو على التوالي "الله" في المثال الأول، وضمير المتكلم في المثالين الأخيرين. وعلى ذلك يمكن فهم المصطلحين النحويين "النقصان، التمام" بما يلي: النقصان: عدم اكتفاء الفعل بالاسم المرفوع بعده، بل يبقى المعنى ناقصًا محتاجًا إلى الإكمال، حتى يأتي الاسم المنصوب، فتكمل الجملة، ويكون معناها تعليق الخبر على المبتدأ بواسطة الفعل الناقص، أو بعبارة أخرى: نسبة الخبر للاسم بواسطة الفعل الناقص، كقول القرآن: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (١) وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ (٢).

стр. 249

والأفعال الناقصة هي التي تنسخ المبتدأ والخبر، فترفع الأول، وتنصب الثاني، وهي هدف الدراسة في باب "كان وأخواتها". التمام: معناه اكتفاء الفعل بالاسم المرفوع بعده فيتم المعنى تمامًا دون حاجة إلى المنصوب، وهذا المعنى التام يحدده الأسلوب الذي ورد فيه كقول القرآن: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ (٢) وكما تردد العبارة "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" وقول امرئ القيس: تطاول ليلُك بالإثمِدِ … وبات الخليُّ ولم تَرْقُدِ وبات وباتتْ له لَيلةٌ … كليلة ذي العَائِرِ الأرْمَدِ (٣) والأفعال التامة لا علاقة لها بنسخ المبتدأ والخبر، بل هي أفعال عادية والمرفوع بعدها فاعل تتم به الجملة. هذا، وجميع أفعال هذا الباب "الثلاثة عشر" تستعمل ناقصة وتامة -بالفهم السابق- ما عدا ثلاثة أفعال هي "ليس، زال، فتئ" فلا تستعمل إلا ناقصة فقط.

стр. 250

ما تختص به "كان" دون أخواتها: تفردت "كان" وحدها -دون أفعال الباب- بورودها في اللغة باستعمالات خاصة هي: أ- زيادتها في الكلام ب- حذفها مع اسمها ج- حذف نونها وكل واحد من الثلاثة في حاجة إلى تفصيل القول معه. زيادة "كان" في الكلام: لاحظ الأمثلة الآتية: - ما كان أرْوَعَ ظهورَ الإسلام، وما كان أسرعَ انتشاره. "زائدة بين ما وفعل التعجب". - ويوم ظهر الإسلامُ ارتفع -كان- صوتُ العدل. "زائدة بين الفعل والفاعل". - بعد أن عاش الناس في ظلامٍ -كان- دامسٍ. "زائدة بين الموصوف والصفة". لفهم هذا الموضوع ينبغي الإحاطة بالأمور الثلاثة الآتية: أ- المقصود بزيادتها في الكلام ب- الصيغة التي ترد عليها حين الزيادة ج- المواضع التي تزاد فيها جاء في قطر الندى: ولا نعني بزيادتها أنها لم تدل على معنى ألبَتَّة، بل إنها لم يؤت بها للإسناد ا. هـ. ومن هذا الكلام المركز نفهم زيادة "كان" بالصفتين التاليتين:
следующие страницы →