← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2099

النحو المصفى

محمد عيد

Полный текст (712 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أولا: يمكن أن يتصور صورة رابعة مع هذه الصور الثلاث، وهي تقدم الاسم على الناسخ، إذ يقال في "أصبح الجوُّ صحوًا" "الجوُّ أصبح صحوًا" وهذا أمر غير وارد هنا؛ لأن الجملة كلها تصير اسمية مكونة من مبتدأ هو كلمة "الجو" والخبر هو الجملة الناسخة، وقد جاءت مرتبة على الأصل، فهي بهذا الاعتبار من الصورة الأولى. ثانيا: لم يرد في اللغة تقدم الخبر على الفعلين "ليس، دام" وهذا هو رأي جمهور النحاة، وفي المسألة حديث طويل لا حاجة إليه هنا. ثالثا: إذا كان خبر المبتدأ مما يجب أن يتأخر عن المبتدأ، أو مما يجب تقدمه على المبتدأ، ثم دخل عليه الفعل الناسخ، فإنه يبقى له موضعه في الترتيب وجوبا، فالكلام هنا إذن إنما هو عن المبتدأ والخبر اللذين يصح فيهما التقدم والتأخر. رابعا: هناك خلاف كثير متشعب حول ما إذا تقدم معمول الخبر، ويقصد به ما إذا كان الخبر فعلا أو اسما شبيها بالفعل وله مفعول، فجاء حينئذٍ بعد الفعل الناسخ مباشرة، مثل "بات الشرطيُّ مؤدّيًا واجبه" حيث يقال "بات واجِبَه الشرطيُّ مؤدِّيا" والحق أن هذا الخلاف لا فائدة فيه وأن تأويلات النحاة للنصوص التي وردت عنه تأويلات متكلفة، والذي أراه أن هذا الاستعمال يقبله الذوق اللغوي وبخاصة في الشعر، وأنه قد ورد في نصوص صحيحة لا داعي لإجهادها ذهنيا بالتأويل المتكلف، ومن ذلك: - قول الشاعر: باتت فؤاديَ ذاتُ الخالِ سالبةً … فالعيشُ إن حُمَّ لي عيشٌ من العَجَبِ (١)

стр. 247

- قول الآخر: لئن كان سَلْمَى الشّيبُ بالصدِّ مُغْريًا … لقدْ هَوَّنَ السُّلوانَ عنها التَّحَلُّمُ (١) التمام والنقصان: لاحظ الأمثلة التالية: - كان الإسلامُ مغلوبًا في أوّل الدعوة. - ثم صار المسلمون أقوياءَ أعزّاء. - فأصبح الدينُ بهم غالِبًا عزيزًا. الأفعال الناسخة ناقصة.

стр. 248

- في الحديث: "كان اللهُ ولا شيءَ معه فخلق السمواتِ والأرض". - وتقول: نمت حتى أضحيت. - وتقول: تأخرت في الطريق حتى أمسيت. الأفعال الناسخة تامة. يلاحظ أن الأفعال "كان، صار، أصبح" في مجموعة الأمثلة الأولى احتاجت الجملة التي وردت فيها إلى اسم مرفوع بعدها، ثم إلى اسم منصوب ولم يتم معناها إلا بوجود هذا الأخير، وهو في الأمثلة السابقة "مغلوبا، أقوياء، غالبا" على التوالي. أما المجموعة الثانية من الأفعال وهي "كان، أضحى، أمسى" فقد ورد بعدها اسم مرفوع فاعل بها، واكتفت به، ولم تحتج إلى الاسم المنصوب وهذا الاسم المرفوع في الأمثلة هو على التوالي "الله" في المثال الأول، وضمير المتكلم في المثالين الأخيرين. وعلى ذلك يمكن فهم المصطلحين النحويين "النقصان، التمام" بما يلي: النقصان: عدم اكتفاء الفعل بالاسم المرفوع بعده، بل يبقى المعنى ناقصًا محتاجًا إلى الإكمال، حتى يأتي الاسم المنصوب، فتكمل الجملة، ويكون معناها تعليق الخبر على المبتدأ بواسطة الفعل الناقص، أو بعبارة أخرى: نسبة الخبر للاسم بواسطة الفعل الناقص، كقول القرآن: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (١) وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ (٢).

стр. 249

والأفعال الناقصة هي التي تنسخ المبتدأ والخبر، فترفع الأول، وتنصب الثاني، وهي هدف الدراسة في باب "كان وأخواتها". التمام: معناه اكتفاء الفعل بالاسم المرفوع بعده فيتم المعنى تمامًا دون حاجة إلى المنصوب، وهذا المعنى التام يحدده الأسلوب الذي ورد فيه كقول القرآن: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ (٢) وكما تردد العبارة "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" وقول امرئ القيس: تطاول ليلُك بالإثمِدِ … وبات الخليُّ ولم تَرْقُدِ وبات وباتتْ له لَيلةٌ … كليلة ذي العَائِرِ الأرْمَدِ (٣) والأفعال التامة لا علاقة لها بنسخ المبتدأ والخبر، بل هي أفعال عادية والمرفوع بعدها فاعل تتم به الجملة. هذا، وجميع أفعال هذا الباب "الثلاثة عشر" تستعمل ناقصة وتامة -بالفهم السابق- ما عدا ثلاثة أفعال هي "ليس، زال، فتئ" فلا تستعمل إلا ناقصة فقط.

стр. 250

ما تختص به "كان" دون أخواتها: تفردت "كان" وحدها -دون أفعال الباب- بورودها في اللغة باستعمالات خاصة هي: أ- زيادتها في الكلام ب- حذفها مع اسمها ج- حذف نونها وكل واحد من الثلاثة في حاجة إلى تفصيل القول معه. زيادة "كان" في الكلام: لاحظ الأمثلة الآتية: - ما كان أرْوَعَ ظهورَ الإسلام، وما كان أسرعَ انتشاره. "زائدة بين ما وفعل التعجب". - ويوم ظهر الإسلامُ ارتفع -كان- صوتُ العدل. "زائدة بين الفعل والفاعل". - بعد أن عاش الناس في ظلامٍ -كان- دامسٍ. "زائدة بين الموصوف والصفة". لفهم هذا الموضوع ينبغي الإحاطة بالأمور الثلاثة الآتية: أ- المقصود بزيادتها في الكلام ب- الصيغة التي ترد عليها حين الزيادة ج- المواضع التي تزاد فيها جاء في قطر الندى: ولا نعني بزيادتها أنها لم تدل على معنى ألبَتَّة، بل إنها لم يؤت بها للإسناد ا. هـ. ومن هذا الكلام المركز نفهم زيادة "كان" بالصفتين التاليتين:

стр. 251

الأولى: أن المقصود بزيادتها أن تقع حشوا بين أمرين متلازمين فلا تحتاج إلى مرفوع ولا إلى منصوب، فهي فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. الثانية: أنه ليس معنى الزيادة أنها لا معنى لها في الكلام، وإلا كان ذكرها عبثًا فيه، بل إنها تفيد الكلام الدلالة على معنى المضي، أي الدلالة على أن معنى الجملة التي وردت فيها قد حدث في الماضي، تقول متذكرا ظهور النتيجة: "ما كان أسْعَدَ الناجحين بنجاحهم، وما كان أرْوَعَ إشراق وجوههم". فمن البيّن أن وجود "كان" في الجملتين صرف معناهما إلى المضي، ولولا ذلك لكان الكلام مطلقًا لا تحديد له من حيث الزمن. أما الصيغة التي ترد عليها حين الزيادة فهي الماضي دون بقية الصيغ الأخرى التي جاءت من الماضي كالمضارع والأمر إلى آخره. وقد وردت زيادتها بلفظ المضارع في الرجز التالي الذي ينسب إلى "أم عقيل" بن أبي طالب ترقص به ابنها: أنتَ -تَكونُ- ماجدٌ نبيلُ إذا تهبُّ شَمْأَلٌ بَليلُ تُعْطِي رجالَ الحَيِّ أو تُنيلُ (١) وهذا قد تفرد عن استعمال اللغة، فهو -كما يرى النحاة- شاذ.

стр. 252

أما عن مواضع زيادتها فقد جاء في ابن عقيل ما يلي: وذكر "ابن عصفور" أنها تزاد بين الشيئين المتلازمين ا. هـ، هكذا بهذا الإطلاق!! ومن الأشياء المتلازمة أداة التعجب وفعل التعجب، الفعل ومرفوعه، الصلة والموصول، الصفة والموصوف، الجار والمجرور، فأي اثنين من ذلك جميعه وردت بينهما "كان" فإنها تكون حينئذٍ زائدة، وهذا الرأي أوجه الآراء التي دارت حول هذا الموضوع، مما لا داعي لذكره هنا. على أنه ينبغي أن يفهم أن المقصود "بالتلازم" هو وجود الصلات النحوية بين الشيئين المتلازمين، مما لا يترتب عليه بالضرورة وجودهما متواليين في الكلام، فالفعل والفاعل مثلا متلازمان بهذا الاعتبار، وإن لم يكن من اللازم مجيئهما متواليين، تقول مثلا: "يستفيد العاقل من الأحداث" أو "يستفيد من الأحداث العاقل". ومما ورد من زيادتها الشواهد التالية: - قول العرب "ولدتْ فَاطمةُ بِنتُ الخُرْشُبِّ الأنماريَّةُ الكَمَلَةَ من بني عَبْس: لم يوجد -كان- أفضل منهم". - قول الشاعر: أبا خالدٍ ما كان أدْهَى مصيبة … أصابت مَعَدًّا يوم أصبحتَ ثاوِيَا (١)

стр. 253

- قول الآخر: سَرَاةُ بني أبي بكرٍ تَسَامَى … عَلَى كان المسَوّمةِ العِرَابِ (١) - من الشواهد التي اختلف حولها الرأي قول الفرزدق: فكيف إذا مررتَ بدارِ قوم … وجيرانٍ لنا كانوا كرَامِ (٢) وتوضيح الرأي في ذلك كما يلي: ١ - أن "كان" هنا ناقصة وليست زائدة؛ لأنه لم يتحقق فيها صفة الزيادة من تجردها من الإسناد، بل هي مسندة إلى واو الجماعة، وبذلك تكون "واو الجماعة" اسمها والجار والمجرور "لنا" خبر مقدم، والجملة كلها صفة لكلمة "جيران" وجاءت بعدها صفة أخرى هي كلمة "كرام"، وهذا رأي وجيه. ٢ - أن "كان" هنا زائدة -مع إسنادها لواو الجماعة- بين الصفة

стр. 254

والموصوف، والذي يفهم من هذا الرأي أن الجار والمجرور "لنا" صفة لكلمة "جيران" وأن "كانوا" كلها زائدة مع إسنادها لواو الجماعة وكلمة "كرام" صفة أخرى، وهذا فيما أرى توجيه مرجوح. حذف "كان" مع اسمها: لاحظ الأمثلة الآتية: - تتوالى الحروبُ في الدنيا إنْ حقًّا وإنْ باطلا. - ويذكر المتحاربون دائمًا أسبابا لحربِهم إن صِدقًا وإن كذِبًا. حذفت كان واسمها بعد "إنْ". - وفي بعض الظروف تَصير الحربُ ضرورةً ولو صعبةً. - ففي سبيل الحرّيَّة يهونُ ما يُبْذَلُ ولو أرْواحًا. حذفت كان واسمها بعد "لو". باستقراء الأساليب العربية وجد أن "كان واسمها" يحذفان من الكلام إذا تقدم عليهما إحدى أداتي الشرط "إن، لو" ففي المثال الأول "تتوالى الحروبُ في الدنيا إنْ حقًّا وإنْ باطلا" تقدير الكلام "إن كانت الحروب حقا وإن كانت الحروب باطلا"، وفي المثال الأخير "ففي سبيل الحرية يهون ما يبذل ولو أرواحا" تقدير الكلام "ولو كان المبذول أرواحا". وهذا الحذف -بعد هاتين الأداتين- جائز لا واجب، بمعنى أنه يمكن أن تنطق الجملة كاملة دون حذف -وهذا هو الأصل- كما يمكن نطقها بالحذف وهذا خلاف الأصل، فمثلا إذا قلنا "تقبَّل النُّصحَ ولَوْ مُرًّا" يمكن أن نقول "تقبلْ النّصحَ ولو كان النُّصحُ مُرًّا".

стр. 255

وقد ورد من ذلك الشواهد التالية: - قول الرسول: "لا يتمنّى أحدُكم الموتَ إمّا مُحسِنًا فَلَعَلَّه يزدادُ، وإمّا مُسِيئا فلعلّه يَسْتَعْتِبُ" (١). - قول الرسول عن المهْر في الزّواج: "انظر ولو خاتمًا من حديد" (٢). - قول النعمان بن المنذر: قد قيلَ ما قيلَ إنْ صِدْقًا وإن كَذِبًا … فما اعتذارُكَ من قولٍ إذا قيلا (٣) - قول الشاعر: انطِقْ بحقٍّ وإنْ مستخرِجًا إحَنًا … فإنّ ذا الحقِّ غلّابٌ وإن غُلِبَا (٤)

стр. 256

- قول الآخر: لا يأمنُ الدّهرَ ذو بغْيٍ ولو مَلِكًا … جنودُه ضاق عنها السَّهْلُ والجبلُ (١) هذا .. وقد أوردت كتب مسائل النحو صورة أخرى للحذف، وهي حذف "كان" وحدها دون اسمها وخبرها. قال ابن هشام بالنص: وكثر ذلك بعد "أن" المصدرية في مثل "أمَّا أنت منطَلِقًا انطلقتُ" أصله "انطلقتُ لأن كنتَ منطلقا" ثم قدمت اللام وما بعدها على "انطلقت" للاختصاص، ثم حذفت اللام للاختصار، ثم حذفت "كان" لذلك، فانفصل الضمير، ثم زيدت "ما" للتعويض، ثم أدغمت النون في الميم للتقارب ا. هـ. والحق أن هذه الكلام السابق -بما فيه من تقديم وتأخير وحذف وزيادة وإدغام- صناعة ذهنية مجهدة، هدفها تسويغ حذف "كان" في مثل هذا الأسلوب، وإن كانت اللغة -وهي أسلوب التعبير السَّلِس- تبرأ تماما من تلك الصناعة النحوية. والذي أراه -إن لم يجانبي الصواب- أنه لا حذف في هذا الأسلوب

стр. 257

وإعرابه كالآتي: أمَّا: حرف شرط وتفصيل، أنت مبتدأ، منطلقا حال، انطلقت جملة فعلية في محل رفع خبر، والعائد محذوف تقديره "أمَّا أنت منطلقا انطلقتُ مثلك". وهذا الإعراب السابق يتوافق مع إعرابه جملة "أما" في صورها اللغوية، فهو أمر لا جديد فيه، ولكنه مريح من عناء التصور الذهني المجهد للأسلوب الذي معنا. حذف نون "كان": تحذف "نون كان" من الفعل تخفيفا اذا اجتمع لجملتها الصفات التالية: أ- أن تكون بلفظ المضارع "أكون، يكون، تكون، نكون". فلا تحذف نون الماضي ولا الأمر ولا غيرهما من الصيغ التي ترد منها. ب- أن يكون المضارع مجزوما، فلا تحذف إذن من المضارع المرفوع أو المنصوب. ج- أن يكون المضارع مجزوما بالسكون مثل "لم يكن" فإن كان من الأفعال الخمسة، لا تحذف نون الفعل؛ لأن جزمه -كما سبق- بغير السكون. د- أن يكون الحرف الذي يلي النون حرفا متحركا، فإن وليها ساكن لا تحذف نون الفعل. هـ- ألا يكون الفعل متصلا بضمير نصب متصل فإن اتصل به هذا الضمير لا تحذف

стр. 258

هذه الصفات المتعددة إذا اجتمعت في جملة الفعل الناسخ "يكون" صح حذف نونه من الكلام، وهو حذف جائز لا واجب، فإنه يصح أيضًا ذكرها وإن اجتمعت كل هذه الصفات التي ذكرها قطر الندى في عبارة واحدة هي "وحذف نون مضارعها المجزوم بالسكون إن لم يلقها ساكن ولا ضمير نصب متصل" ومن ذلك قول القرآن: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً﴾ (١)، وقول علقمة: ذهبتَ منَ الهِجْرانِ في كل مَذْهَبِ … ولم يكُ حقًّا كلُّ هذا التجَنّبِ (٢) ومنه قول المتنبي: ومن يكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مريضٍ … يجدْ مُرًّا به الماءَ الزّلَالَا (٣)

стр. 259

الحروف النافية الناسخة: ما، لا، لات ١ - ما: في لغة الحجازيين نثرا وشعرا "وصف جملتها، شروط عملها" ٢ - لا: في لغة الحجازيين نثرا وشعرا "وصف جملتها، شروط عملها" ٣ - لات، في اللغة المشتركة عامة نثرا وشعرا "وصف جملتها، شروط عملها" تمهيد: الأصل في الحروف الثلاثة "ما، لا، لات" -وبخاصة الأولين منها- أن تستعمل مع الجملة الفعلية والاسمية جميعًا، تقول: "لا يجبنُ قلبُ المؤمن وما يخافُ إلا الله" وتقول: "ما المؤمنُ جبانٌ ولا كبيرَ عنده إلا الله" فإذا دخلت على الجملة الفعلية، أفادت معنى النفي فقط دون تغيير في وظائف كلماتها النحوية، أما إذا دخلت على الجملة الاسمية -المبتدأ والخبر- اختلف الأمر إذ تتغير وظائف ركنيها برفع المبتدأ ونصب الخبر -كما هو واضح في دراستنا هنا- أو نصب المبتدأ ورفع الخبر كما سيأتي في "لا" النافية للجنس، لكن هذا التغيير يحدث في الجملة الاسمية مع هذه الحروف في المناخ الآتي: أولا: أنه نطق للفصحى في لغة بعض القبائل دون البعض الآخر، أو في لغة القبائل جميعًا.

стр. 260

ثانيا: أنه لا بد من توافر صفات خاصة -شروط- لتغيير جملة المبتدأ والخبر معها. وإليك هذه الحروف الثلاثة مراعى في عرض كل منها الجانبان السابقان ما: الحجازية -ما المخلصُ مضاعًا وإن تأخّر جزاؤه. -وما الغشاشُ ناجيا وإن تأخّر عقابه. نطق الحجازيين. - ما المخلصُ مضاعٌ وإن تأخر جزاؤه. - وما الغشَّاشُ ناجٍ وإن تأخر عقابه. نطق التميميين. اختلف العرب الفصحاء في نطق الفصحى حين تستعمل "ما" النافية مع الجملة الاسمية، إذ نطقها أهل الحجار بطريقة خاصة، ونطقها بنو تميم بطريقة أخرى، ونقل إلينا وصف كلا النطقين على التفصيل التالي: أهل الحجاز: يرفعون الاسم بعدها وينصبون الخبر، وبذلك تكون الجملة معها مماثلة تمامًا لها مع الفعل"ليس" فهي إذن حرف ناسخ يرفع بعدها الاسم، وينصب الخبر، كما أن "ليس" فعل ناسخ يرفع بعده الاسم وينصب الخبر، ومن ذلك: - قرأ الحجازيون الآيتين ﴿مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (١) وكذلك: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (٢) برفع المبتدأ ونصب الخبر.

стр. 261

- قول الشاعر ينذر قومه بجيش مهاجم: وأنا النّذيرُ بحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ … تصلُ الجيوشُ إليكم أقوَادَهَا أبناؤها متَكنِّفون أباهم … حَنِقُو الصُّدورِ، وما هم أولادَهَا (١) أما بنو تميم: فإنهم يبقون الجملة على ما كانت عليه قبل دخول "ما" فتبقى جملة من مبتدأ وخبر، وكلاهما مرفوع، والذي أفادته "ما" هو معنى النفي فقط، وقد قرئت الآيتان السابقتان على لغتهم هكذا: "مَا هَذَا بَشَرٌ" و"مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهِمْ" برفع الكلمتين "بَشَرًا، أُمَّهَاتِهِمْ" التزاما للغتهم في القراءة. لكن أهل الحجاز لا ينطقون برفع الاسم ونصب الخبر إلا إذا استوفت الجملة صفات خاصة من أهمها ما يلي:

стр. 262

١ - أن يتقدم الاسم ويتأخر الخبر، بأن تأتي الجملة بعدها على الترتيب الأصلي -كما هو واضح في الأمثلة السابقة- فإن تقدم الخبر على المبتدأ بعدها أهملت "ما" وأفادت النفي فقط، ومن تقديم الخبر معها ما مر من قول العرب: "ما مسيءٌ من أعْتَبَ" وقول الشاعر: وما خُذَّلٌ قَوْمِي فأخضعَ للعِدا … ولكن إذا أدعوهُمُ فَهُمُ هُمُ (١) ٢ - ألا يقترن الاسم بالحرف "إنْ: الزائدة" فإن جاء هذا الحرف مع الاسم أهملت "ما" وكانت حرف نفي فقط، والجملة بعدها مبتدأ وخبر مرفوعان، كقول الشاعر: بني غُدَانَةَ ما إنْ أنتم ذَهَبُ … ولا صَرِيفٌ ولكن أنتم الخَزَفُ (٢) ٣ - ألا يقترن الخبر بالحرف "إلا" فإن اقترن به أهملت أيضًا، ورفع المبتدأ والخبر، ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٣). هذا، وهناك غير هذه الشروط -مما ذكره النحاة- فأوصلها بعضهم إلى

стр. 263

ستة شروط، وكذلك هناك نقاش واستدراكات حول هذه الصفات الثلاث السابقة مما لا داعي لإيراده هنا، إذ كل ذلك جهد ذهني موضع أخذ وردّ لا غناء فيه، ولا ضرر في تركه. لا في لغة الحجازيين: جاء في ابن عقيل نصا: أما "لا" فمذهب الحجازيين إعمالها عمل "ليس" ومذهب تميم إهمالها. ا. هـ. ومعنى ذلك أن هذا الحرف "لا" الذي يفيد النفي نطقه العرب مع الجملة الاسمية على النحو التالي: أهل الحجاز: ينطقون معها المبتدأ مرفوعا، والخبر منصوبا، فتكون الجملة معها مثل "ليس" تماما، تقول: "لا أحدٌ مفضلًا على أحد أمام عدل الله" وتقول: "لا المجدُ بعيدًا عن تناول المجتهد ولا هو قريبًا من يد المهمل". أما بنو تميم: فإنهم قد نطقوا المبتدأ معها مرفوعا، وكذلك الخبر، فهي لا تفيد إلا معنى النفي فقط، والجملة بعدها على ما كانت عليه -مبتدأ وخبر مرفوعان- فينطق على لغتهم: "لا أحدٌ مفضلٌ على أحدٍ أمام عدل الله" وكذلك "لا المجدُ بعيدٌ عن تناول المجتهد ولا هو قريبٌ من يد المهمل". ولكن أهل الحجاز لا ينطقون برفع الاسم بعدها ونصب الخبر إلا إذا توافرت لجملتها الصفات التالية: ١ - أن يكون الترتيب في الجملة الاسمية بعدها واردًا على الأصل: المبتدأ أولا والخبر ثانيًا.

стр. 264

٢ - ألا يقترن الخبر بالحرف "إلّا" وهي في هذين الشرطين تتفق مع ما ذكر للجملة التي فيها الحرف "ما" أما الشرط الثالث هناك وهو ألا يقترن الاسم "بإنْ: الزائدة" فلا موضع له هنا؛ لأن اللغة الفصحى لم تستعمل ذلك مع "لا". ٣ - هناك اتجاه بين النحاة من رأيه أن الاسم والخبر يجب أن يكونا نكرتين، كقول الشاعر: تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض بَاقِيَا … ولا وَزَرٌ مما قضى اللهُ وَاقِيَا (١) وهناك اتجاه آخر لا يقيد الاسم والخبر بتلك الصفة -أن يكونا نكرتين- فقد يأتيان معرفتين أو مختلفين، وهذا رأي له وجاهته التي يؤيدها الاستعمال، ومن ذلك قول النابغة الجعدي: بدتْ فِعْلَ ذي وُدٍّ فلما تبعتُها … تولَّتَ وبقَّت حاجتي في فؤاديا

стр. 265

وحلَّت سَوَادَ القَلب لا أنا بَاغِيَا … سواها ولا عن حبّها متراخِيا (١) لَاتَ: في اللغة المشتركة عامة لاحظ الأمثلة الآتية: يندمُ الظَّالِمُ يوم القيامة ولات حينَ ندمٍ. وإنه ليأسَفُ على ما فات ولات ساعةَ أسفٍ. ويحاولُ الاعتذارَ عن ظلمه ولات أوانَ اعتذارٍ. كلمة "لات" تفيد أيضا النفي، فهي مثل "لا" وإن كانت تختلف عنها في أنه متصل بها التاء لتأنيث اللفظ أو المبالغة، ومثلها في ذلك "رُبَّتَ، ثُمَّتَ". وهذه الكلمة تستعمل في الأساليب العربية التي تدل على الأسى والأسف لشيء فات أوانه ولا يمكن إرجاعه، فتفيد هذا المعنى السابق كله عن طريق نفي الزمن المضاف للحدث الذي فات أوانه. هذا هو معنى جملتها التي ترد فيها في النثر أو الشعر في اللغة المشتركة لدى جميع قبائل العرب، وحينئذٍ تكون جملتها على الصفتين التاليتين:

стр. 266

١ - أنها تستخدم مع ثلاث كلمات هي "الحين، الساعة، الأوان" غالبا، وهذه الكلمات من ألفاظ الزمن، وتكون معها مضافة للحدث الذي فات أوانه. ٢ - هذه الكلمات الثلاث تكون منصوبة غالبا على أنها خبر "لات" والاسم محذوف، ويمكن أن تكون مرفوعة على أنها اسم "لات" والخبر محذوف، والأول هو الأكثر في الاستعمال. - في القرآن: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (١). قرئت كلمة "حِينَ منصوبة، فهي الخبر، والاسم محذوف، وقرئت مرفوعة فهي الاسم والخبر محذوف. - قول الشاعر: نَدِمَ البُغَاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ … والبغْيُ مَرْتَعُ مُبتغيه وَخِيمُ (٢) وردت الرواية بنصب كلمة "ساعة" على أنها الخبر، والاسم محذوف

стр. 267

كاد وأخواتها: أفعال المقاربة ١ - أفعال هذا الباب "اسمها، عددها، صيغها" ٢ - المعاني التي ترد لها هذه الأفعال "المقاربة، الرَّجاء، الشروع" ٣ - وصف الجملة التي ترد فيها هذه الأفعال نحويًّا ٤ - اقتران خبرها بالحرف "أن" أو تجرده منها ٥ - ما تختص به "عسى" من الأحكام وهي: أ- الرأي في اعتبار الكلمة من الأفعال أو الحروف ب- شكل وسطها -السين- حين اتصالها بضمائر الرفع المتحركة ج- استعمالها تامة "يشاركها في ذلك: أوشك، اخلولق" أفعال الباب: كادت الرّوايةُ تقطعُ أنفاسَ النَّظَّارة لقوة تأثيرها. وعسى بعضُ المشاهدين أن يكرّرَ رؤيتها مرة أخرى. وبعد أن انصرف الحاضرون أخذ الآخرون يتزاحمون للدخول. قال ابن هشام: أفعال المقاربة، وهذا من باب تسمية الكل باسم الجزء، كتسميتهم الكلام كلمة ا. هـ. ومعنى ذلك أنه يطلق على هذا الباب اسم "أفعال المقاربة" حيث يغلب إطلاق هذا المصطلح على أفعال هذا الباب كلها مع أنها ليست كلها -كما سيأتي- للمقاربة، بل إن أفعال المقاربة جزء منها فقط، فإطلاق هذا الاسم على كل

стр. 268

أفعال الباب من باب إطلاق الجزء على الكل كما قال ابن هشام، ومنعا لهذا اللبس جاءت في بعض كتب النحو تحت عنوان: "كاد وأخواتها" وهذا أسلم. وأشهر أفعال هذا الباب ثلاثة عشر فعلا هي: "كَادَ، كَرَبَ، أوْشَك، عَسَى، حَرَى، اخْلَوْلَقَ، أنشَأ، أخَذَ، جَعَلَ، طَفقَ، عَلِقَ، هَلهلَ، هبَّ". والحق أن هذه الأفعال لا تنحصر في هذه المذكورة؛ لأن أفعال الشروع كثيرة ومنها مثلا "بدأ، شرع، استهل" إلخ، من كل ما يدل على الشروع والبدء في شيء ما، فذكر هذه الأفعال الثلاثة عشرة لشهرتها وكثرة دورانها على الألسنة فقط. أما من حيث التصرف وعدمه فقد دار حوله حديث طويل -سواء من حيث تحديد الأفعال التي تتصرف أم كيفية تصرفها- وأهم ما يؤخذ من هذا الحديث الأمران الآتيان: أ- أن معظم أفعال هذا الباب تلتزم الماضي، فهي أفعال جامدة لا تتصرف. ب- الفعلان "كاد، أوشك" يتصرفان تصرفًا ناقصًا، فيأتي من الأول المضارع "يكاد" ويأتي من الثاني المضارع واسم الفاعل "يوشك، موشك" قال القرآن: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ (١) ومن ذلك قول أمية بن أبي الصلت:

стр. 269

يُوشِكُ مَنْ فَرَّ من مَنِيَّتِه … في بعض غِرَّاتِه يُوَافِقُها (١) وقول كثير عزة مشبِّبا بإحدى الجواري واسمها "غاضرة": فإنكَ موشكٌ أن لا تراها … وتعدُو دونَ غَاضِرَة العَوَادِي (٢) وقول أبي سهم الهذلي: فموشِكَةٌ أرضُنا أن تعودَ … خلافَ الأنيس وُحُوشًا يَبَابَا (٣) كاد الليل ينقضي، وأوشك الفجرُ يطلع. "تفيد مقاربة الاسم للخبر".

стр. 270

- عسى السحابُ أن يتكاثف. - واخلولقت السماءُ أن تمطر. رجاء المتكلم تحقق الخبر. - لقد تحقق الرجاء. - أخذت الرياح تشتد. - وجعل المطر يهطل. تفيد شروع الاسم في القيام بالخبر. تنقسم أفعال هذا الباب باعتبار معانيها التي ترد لها إلى أنواع ثلاثة هي: أفعال المقاربة: وهي ثلاثة "كاد، كرب، أوشك". وتفيد هذه الأفعال في جملتها مقاربة الاسم للخبر، أي أن نسبة الخبر للاسم قريبة الحدوث وإن لم تحدث فعلا، وأن وصول الاسم إلى معنى الخبر يدنو من التحقق، ومن ذلك ما ينسب إلى عَلِيّ "ض": "كاد الفقرُ أنْ يكونَ كفرًا". أفعال الرجاء: وهي ثلاثة "عسى، حرى، اخلولق". وتفيد ترجي المتكلم تحقق الخبر للاسم، فالرجاء إذن من المتكلم وإن كان المرجو هو تحقق الخبر للاسم والرجاء يقصد به -كما يقال- طلب الأمر المحبوب الممكن الحدوث، قال القرآن: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ (١). أفعال الشروع: وهي -كما ذكر ابن هشام- كثيرة، ومن أشهرها "أنشأ، أخذ، جعل، طفق، علق، هلهل، هب".

стр. 271

وتفيد هذه الأفعال شروع الاسم في القيام بالخبر، أي بدء الاسم في إنجاز أمر من الأمور -عملا أو قولا أو إحساسا- مما يدل عليه الخبر تقول: "أنشأ الشاعرُ ينشدُ شعره، وأخذ الجمهورُ يصغي إليه، وهبَّ يصفّقُ له بعد النهاية". هذا … وقد جاء في شذور الذهب تعليقًا على أفعال هذا الباب قوله: "هلهل، هب" أغرب أفعال الشروع و"طفق" أشهرها، وهي التي وقعت في التنزيل في قول القرآن: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (١) وقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ (٢) ا. هـ. وجاء فيه أيضا: ولا أعرف من ذكر "حرّى" من النحويين غير "ابن مالك" وتوهم "أبو حيان" أنه وهم فيها، وإنما هي "حرى" بالتنوين اسمًا لا فعلا، وأبو حيان هو الواهم، بل ذكرها أصحاب كتب الأفعال من اللغويين. وأنشدوا عليها شعرا، وهو قول الأعشي: إن يقلْ هُنَّ من بني عبد شمس … فحرَى أن يكون ذاك وكانا. ا. هـ ويتلخص مضمون هذا التعليق في أمور ثلاثة: ١ - أن الفعلين "هلهل، هب" فيهما غرابة، ويبدو أن أساس هذه الغرابة هو الاستعمال، فهما غير مستعملين بكثرة في معنى الشروع.

стр. 272

٢ - أن الفعل "طفق" -بفتح الفاء وكسرها- له شهرة يبدو أنها أيضا ترجع إلى استعماله في الشروع، مما أيده القرآن بوروده فيه مرتين. ٣ - أن الفعل "حرى" مختلف فيه بين الاسمية والفعلية، والمرجح أنه فعل يفيد معنى الرجاء. وصف الجملة التي ترد فيها هذه الأفعال: كاد اليأسُ ينقلبُ إلى قنوط. وأوشك الصبرُ أن يتحول إلى جزع. وعسى اللهُ أن يتداركَ الأمر بحكمته. "كاد وأخوتها" أفعال ناسخة ناقصة، يأتي الاسم بعدها مرفوعا والخبر منصوبا، فهي تماثل "كان وأخوتها" في الصفتين السابقتين، في أنها ناسخة ترفع الاسم وتنصب الخبر، وأنها ناقصة لا تكتفي بالاسم المرفوع بعدها. وقد كان من الممكن -ما دام الأمر كذلك- أن تدرس في موضع واحد من "كان وأخوتها" وهذا حق!! لكنها أفردت بباب مستقل نظرا لاختصاص خبرها بطريقة متفردة يأتي عليها -سيأتي شرحها- ومن أجل ذلك درست وحدها، فهي كما يقول ابن هشام نصا: "ولولا اختصاص خبرها بأحكام ليست لكان وأخواتها، لم تنفرد بباب على حدة" ا. هـ. وتتكون الجملة التي ترد فيها هذه الأفعال مما يلي: أ- الفعل الناسخ، سواء أكان من أفعال المقاربة أم الرجاء أم الشروع. ب- الاسم، ويكون بعدها مرفوعا.

стр. 273

ج- الخبر، ولا بد أن تجتمع له صفات خاصة يجمعها خاصة يجمعها كلها عبارة واحدة هي: "أن يكون جملة فعلية، فعلها مضارع، رافعا لضمير الاسم السابق مقترنا "بأن" أو مجردًا منها". فالخبر مع هذه الأفعال الناسخة ذو صفات خمس هي على التوالي: ١ - جملة ٢ - فعلية ٣ - فعلها مضارع ٤ - يرفع ضميرا يعود على الاسم ٥ - يتقدم عليه "أن" أو يتجرد منها على التفصيل الذي سيأتي بعد ذلك في الفقرة التالية، كما يلاحظ تحقق ذلك في كل الأمثلة السابقة. هذا هو الأصل في الخبر، ومع ذلك وردت بعض الشواهد التي لا تتحقق فيها بعض الصفات السابقة، فقد خرجت عن هذا الأصل، فحكم عليها بالشذوذ، ومن أهمها: - قول العرب "عسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا"، وهو مثل عربي يضرب لكل ما يخشى منه الشر (١). - قول تأبّط شرًّا: فأبْتُ إلى "فَهْمٍ" وما كدتُ آئبا … وكم مثلِها فارقتُها وهي تَصْفِرُ (٢)

стр. 274

فالخبر في هذين الشاهدين مفرد، وهو في المثل "أبؤسا"وفي البيت "آئبا". - قول ابن عباس: فجعل الرجلُ -إذا لم يستطع أن يخرجَ- أرسلَ رسولا: فالخبر جملة فعلية فعلها ماض وهي "أرسل رسولا". - قول ذي الرمة: وقفتُ على ربْعٍ لِمَيَّةَ ناقتي … فما زلتُ أبكي عنده وأخاطِبُهْ وأسقيه حتى كاد ممَّا أبُثُّه … تكلمني أحجارُه ومَلاعِبُه (١) فالخبر جملة "تكلمني أحجاره وملاعبه" وهي فعلية فعلها مضارع لكن لم يرفع ضمير الاسم السابق. فهذه النصوص خرجت عن المسلك العام لصفات الخبر لأفعال هذا الباب، لذلك حكم عليها -كما سبق- بالشذوذ. اقتران الخبر "بأن" أو تجرده منها هذا الموضوع يتفرع عن الموضوع السابق مباشرة، حيث يلتزم في خبر "كاد وأخواتها" صفات خاصة، ومنها أنه قد يقترن بالحرف "أن" أو يتجرد منها، وهنا بيان ذلك بالتفصيل الآتي:

стр. 275

١ - ما يصح اقتران خبره "بأن" أو تجرده منها، والأفصح هو التجرد، وذلك فعلان "كاد، كرب" وهما من أفعال المقاربة. ومن الأفصح قول القرآن: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١)، وقول الشاعر: كَرَبَ القلبُ من جَوَاهُ يذوبُ … حين قال الوُشَاةُ هندٌ غَضُوبُ (٢) ومن الأقل فصاحة ما ينسب إلى جبير بن مطعم: "كاد قلبي أن يطير" وما نسب للإمام عَلِيّ من قوله: "كاد الفقرُ أن يكون كفرا". ٢ - ما يصح في خبره الاقتران بالحرف "أن" والتجرد منها، والأفصح هو الاقتران، وذلك فعلان "أوشك، عسى"، وأولهما من أفعال المقاربة والثاني من أفعال الرجاء. ومن الأفصح في الاستعمال قول القرآن: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ (٣). وقول الشاعر: أيا مالكٍ لا تسأل النَّاسَ والْتَمِسْ … بكفَّيك فضلَ اللهِ واللهُ أوسعُ

стр. 276

ولو سُئِلَ النّاسُ التّرابَ لأوشكوا … إذا قِيل هَاتُوا أن يمَلُّوا ويمنعُوا (١) ومن الأقل فصاحة قول الشاعر: عليكَ إذا ضاقتْ أمورُكَ والتوتْ … بصبرٍ فإن الضيقَ مفتاحُه الصبرُ ولا تشكُوَنْ إلا إلى الله وحده … فَمِنْ عنده تأتي الفوائدُ واليُسْرُ عسى فرجٌ يأتي به اللهُ إنَّه … له كلّ يومٍ في خليقته أمرُ (٢) ٣ - ما يجب في خبره الاقتران "بأن" وذلك فعلان "حرى، اخلولق" وهما بقية أفعال الرجاء. تقول: "حرَى الرياح أن تهب" ومن أمثلة سيبويه "اخلولقتْ السّماءُ أن تُمطر".

стр. 277

٤ - ما يجب في خبره أن يتجرد من "أن" وذلك أفعال الشروع كلها، سواء في ذلك ما ذكر منها هنا -في هذا الباب- أو ما لم يذكر، ومن ذلك قول الشاعر: أراكَ عَلِقْتَ تظلمُ من أجَرْنا … وظُلْمُ الجارِ إذلالُ المجيرِ (١) وقول الآخر: هببتُ ألُومُ القلبَ في طاعةِ الهوى … فلجَّ كأنِّي كنت باللَّوْمِ مُغْرِيَا (٢) ما تختص به "عسى" من الأحكام: تفردت كلمة "عسى" -دون أفعال الباب- ببعض المباحث الجانبية وهي ثلاثة: أ- نوع كلمتها "اسم، فعل، حرف"

стр. 278

ب- شكل وسطها حين اتصالها بضمائر الرفع المتحركة ج- استعمالها تامة نوع كلمتها: اختلف الرأي حول كلمة "عسى" من حيث اعتبارها فعلا أو حرفا على النحو التالي: أولا: هناك من يرى أنها حرف يدل على الرجاء، مثلها تمامًا مثل "لعلَّ" وقد استند هذا الرأي إلى أنها ينطبق عليها معنى الحروف، حيث لا يظهر معناها إلا بانضمام غيرها إليها، تمامًا مثل الحرف "لعل". وعلى هذا الرأي تكون الجملة الاسمية معها مثل "لعل" تمامًا، حيث ينصب الاسم ويرفع الخبر، والغالب في الاسم أن يكون ضميرا متصلا منصوبا كقول صخر بن العود الحضرمي: فقلت عَسَاها نارُ كأسٍ وعَلَّهَا … تَشَكَّى فآتِي نحوها فأعُودُها (١) ثانيا: هناك من يرى أنها فعل يدل على الرجاء، وهذا هو الاتجاه الغالب ومستند هذا الرأي أنها تقبل علامات الفعل الماضي "تاء الفاعل، تاء التأنيث"

стр. 279

كقول القرآن: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١) وتقول أيضًا: "عست النتيجة أن تكونَ مفرحة". وعلى هذا الاتجاه تكون من باب "كاد وأخواتها" ويصدق عليها الأحكام التي تنطبق على هذا الباب مما سبق تفصيله. وخلاصة الأمر: أنها تعتبر حرفا، لأن دلالتها الحرف، وهي حرف ترجّ ينصب الاسم ويرفع الخبر، أو أنها تعتبر فعلا؛ لأنها تقبل علامات الأفعال، وهي فعل ناسخ، يرفع الاسم وينصب الخبر، والأخير هو الاتجاه الغالب بين النحاة. شكل وسطها: حين ترد كلمة "عسى" مسندة لواحد من ضمائر الرفع المتحركة "التاء، النون، نا" فتقول: "عسيتُ أن أنالَ أهدافي في الحياة وعسينا أن نقدِّم للوطن ما يرجوه منَّا" فإن وسط الكلمة -السين فيها- يمكن أن تشكل بالفتح أو الكسر. قال ابن عقيل: يجوز كسر سينها -مع الضمائر المتحركة- وفتحها والفتح أشهر، وقرأ نافع: "فهل عسِيتم إن توليتم" بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها ا. هـ. استعمالها تامة: قال الله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 280

يستعمل الفعل "عسى" تاما، ومعنى تمامه هنا -مثل كان- أن يستغني بالمرفوع عن المنصوب، والمرفوع الذي يستغني به عن المنصوب هو المصدر المؤول من "أن والفعل بعدها" حيث يكون هذا المصدر المؤول فاعلا لها. ففي الآية الكريمة: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ هنا الفعل "عسى" تام وفاعله هو المصدر المؤول "أن تكرهوا شيئا"، ومثلها تمامًا: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾. وينبني على ما تقدم من استعمال "عسى" ناقصة وتامة الصور الثلاث الآتية: الصورة الأولى: لاحظ المثال الآتي عسى العدلُ أن يسود الأرض. وتتكون هذه الصورة من: الفعل الناسخ + اسم ظاهر يليه + أن المصدرية والفعل بعدها. وفي هذه الصورة تكون ناقصة باتفاق، والاسم الظاهر بعدها اسمها والجملة التالية له خبرها. الصورة الثانية: لاحظ المثال الآتي الظالمُ عسى أنْ يُعَاقَبَ من الله في الدنيا. وفي هذه الصورة يتقدم الاسم الظاهر على الفعل "عسى" ولك حينئذٍ من حيث الصناعة النحوية أن تعتبر الفعل "عسى" تاما أو ناقصًا على النحو التالي: أ- يكون تامًا، ويكون المصدر المؤول بعده فاعلا به ب- يكون ناقصًا، واسمه ضمير مستتر و"الفعل" خبره في محل نصب وكلا هذين الاعتبارين مساوٍ للآخر في صناعة النحو

стр. 281

الصورة الثالثة: لاحظ المثال الآتي عسى أن يتمكَّنَ المظلومُ من ظالمه. وفي هذه الصورة يتأخر الظاهر عن "أن والفعل" مع أنه هو المسند إليه في المعنى: ولك أيضًا من حيث الصناعة أن تعتبر الفعل "عسى" تاما أو ناقصا على النحو التالي: أ- أن يكون تاما، ويكون ما بعده على ما هو عليه "أن والفعل والفاعل" وتكون أن وما دخلت عليه فاعل للفعل "عسى". ب- أن يكون ناقصا، ويكون ترتيب ما بعده على غير ما هو عليه، بل ذلك على التقديم والتأخير، حينئذٍ يعتبر الاسم الظاهر اسم "عسى" مؤخرا و "أن والفعل" خبرا مقدما على الاسم، وكأنما الكلام "عسى المظلوم أن يتمكن من ظالمه". وفي هذه الصورة يترجح الاعتبار الأول على الثاني، أي: اعتبار "عسى" تامة على اعتبارها ناقصة. هذا، والفرق بين الصورتين الثانية والثالثة يظهر حين يكون الاسم الظاهر -المتقدم أو المتأخر- مثنى أو جمعا أو مؤنثا -حينئذٍ يختلف الاستعمال بين الاعتبارين، مما يمكن أن يدرّب المرء نفسه عليه في أمثلة مختلفة- ولا داعي لإيراد نماذج منها هنا، لئلا تتشعب المسألة ويضطرب أمرها.

стр. 282

إن وأخواتها: ١ - معاني الحروف الستة التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر. ٢ - ترتيب الجملة بعد هذه الحروف مع مقارنته بترتيبها مع "كان". ٣ - كفها عن العمل وأثره في الإعراب ونوع الجملة بعدها. ٤ - تخفيف النون المشددة للحروف الأربعة "إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ". ٥ - ما تختص به "إن" من الأحكام. أ- دخول لام الابتداء في جملتها. ب- كسر همزتها وفتحها وجواز الأمرين. معاني الحروف الستة: ينبغي أولا التنبه إلى أن هذه الحروف الستة: "إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ، لَيْتَ، لَعَلَّ" ينصب المبتدأ بعدها ويرفع الخبر، وهي حروف لا أفعال، كما جاء في الأثر "إنّ البِرَّ شيءٌ هَيِّن: وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن" فالمبتدأ وهو كلمة "البر" منصوب بعد "إن" والخبر وهو كلمة "شيء" مرفوع بعدها. والمعاني التي ترد لها هذه الحروف الستة هي: ١ - إنّ وتفيد التوكيد، ومعناه توكيد نسبة الخبر للاسم، حيث تفيد تثبيته في الذهن وتقويته، ويعبر عنها المعربون بقولهم: "إنَّ: حرف توكيد ناسخ ينصب الاسم ويرفع الخبر" تقول: "إنَّ العدلَ أساسُ النظام، وإن الرحمةَ أساسُ التَّعاطف".

стр. 283

٢ - أنَّ وتفيد تماما ما تفيده "إنَّ" المكسورة الهمزة، فهي أيضا للتوكيد، ويعبر عنها في الإعراب "أنّ: حرف توكيد ناسخ، ينصب الاسم ويرفع الخبر" لكن لا بد أن يسبقها كلام، تقول: "يساعدُ على النجاح أنَّ الهدفَ واضحَ ويحقِّق الهدفَ أنَّ العزيمةَ قويةٌ". ٣ - كأنّ وهي للتشبيه، فتفيد تشبيه معنى الاسم بالخبر، ويعبر عنها المعربون بقولهم: "حرف تشبيه ناسخ ينصب الاسم ويرفع الخبر" تقول: "كأنَّ الأرضَ كرةٌ" أو "كأنَّ الضبابَ سحابٌ". ٤ - لكنَّ وتفيد الاستدراك، ومعناه التعقيب على كلام سابق يرفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، تقول: "قد يكونُ الطريقُ شاقًّا، لكنَّ الانتصارَ ممتعٌ". ٥ - ليت وتفيد التمني، ومعناه: طلب الأمر المستحيل حدوثه أو المتعذر حصوله عادة، ويعبر عنها المعربون بقولهم: "ليت: حرف تمنٍّ ناسخ، ينصب المبتدأ ويرفع الخبر" تقول: "ليت الإنسانَ يكشفُ غايتَه قبل طريقه" أو "ليت السلم يعم الأرض"، ومن ذلك قول أبي العتاهية: ألا ليت الشبابَ يعودُ يومًا … فأخبره بما فَعَلَ المشيب (١)

стр. 284

٦ - لعلّ تفيد معنى التوقع، وقد يكون التوقع للأمر المحبوب، فيسمى "الرجاء" وهذا أكثر ما تستعمل له "لعلَّ" وقد يكون التوقع للأمر المكروه فيسمى "الإشفاق" وذلك كقول الفلاح: "لعلَّ المحصولَ وفيرٌ لكنْ لعلَّ السعرَ رخيصٌ". ترتيب الجملة بعد هذه الحروف: إنّ التَّعَفُّفَ ثروةُ الفقير. "الترتيب على الأصل، أسلوب صحيح". إنَّ ثروةُ الفقير التَّعَفُّفَ. "الخبر متوسط، أسلوب خطأ". ثروةُ الفقيرِ إنَّ التَّعَفُّفَ. "تقدم الخبر، أسلوب خطأ". الأصل أن تجيء جملة المبتدأ والخبر بعد هذه الحروف على الترتيب الأصلي هكذا "الحرف الناسخ + الاسم + الخبر" فلا يصح توسط الخبر بين هذه الحروف وبين الاسم، كما لا يصح أن يتقدم على الحروف الناسخة من باب أولى. ولعل من الواضح هنا أن هناك فرقا بين ترتيب الجملة بعد هذه الحروف وبين ترتيبها مع "كان وأخواتها" فهنا لا يصح التصرف في الخبر بالتوسط أو التقدم، بل يبقى دائمًا متأخرًا عن الاسم، أما مع "كان وأخواتها" فيصح التصرف فيه بالتوسط أو التقدم، كما سبق شرحه. جاء في قطر الندى: والفرق بينهما أن الأفعال أمكن في العمل من

стр. 285

الحروف، فكانت أحْمل؛ لأن يُتصرف في معمولها ا. هـ. وهذا تعليل لا قيمة له في دراسة اللغة، وإن كان يفيد في تثبيت الفكرة في الذهن؛ لأن الأساس في كل ذلك هو استعمال اللغة نفسها. لكن، يستدرك على هذا ما إذا كان الخبر ظرفًا أو جارا ومجرورا -شبه جملة- فإنه يصح حينئذٍ توسطه بين هذه الحروف وبين الاسم، ومن ذلك العبارة المشهورة "إنّ من البَيَانِ لسحْرًا، وإنَّ من الشِّعرِ لحِكْمَةً" وقول القرآن: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (٢). بل إن هذا الاستدراك يشمل أيضا معمول الخبر -وذلك بأن يكون اسما يشبه الفعل وله مفعول- حيث يصح أيضًا أن يتوسط بين هذه الحروف وبين الاسم والخبر، ومن ذلك ما أورده سيبويه من قول الشاعر: فلا تَلْحَنِي فيها فإنّ بحبِّها … أخاك مصابُ القلبِ جَمُّ بَلَابِلُه (٣)
следующие страницы →