الصورة الثالثة: لاحظ المثال الآتي
عسى أن يتمكَّنَ المظلومُ من ظالمه.
وفي هذه الصورة يتأخر الظاهر عن "أن والفعل" مع أنه هو المسند إليه في المعنى: ولك أيضًا من حيث الصناعة أن تعتبر الفعل "عسى" تاما أو ناقصا على النحو التالي:
أ- أن يكون تاما، ويكون ما بعده على ما هو عليه "أن والفعل والفاعل" وتكون أن وما دخلت عليه فاعل للفعل "عسى".
ب- أن يكون ناقصا، ويكون ترتيب ما بعده على غير ما هو عليه، بل ذلك على التقديم والتأخير، حينئذٍ يعتبر الاسم الظاهر اسم "عسى" مؤخرا و "أن والفعل" خبرا مقدما على الاسم، وكأنما الكلام "عسى المظلوم أن يتمكن من ظالمه".
وفي هذه الصورة يترجح الاعتبار الأول على الثاني، أي: اعتبار "عسى" تامة على اعتبارها ناقصة.
هذا، والفرق بين الصورتين الثانية والثالثة يظهر حين يكون الاسم الظاهر -المتقدم أو المتأخر- مثنى أو جمعا أو مؤنثا -حينئذٍ يختلف الاستعمال بين الاعتبارين، مما يمكن أن يدرّب المرء نفسه عليه في أمثلة مختلفة- ولا داعي لإيراد نماذج منها هنا، لئلا تتشعب المسألة ويضطرب أمرها.
стр. 282
إن وأخواتها:
١ - معاني الحروف الستة التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر.
٢ - ترتيب الجملة بعد هذه الحروف مع مقارنته بترتيبها مع "كان".
٣ - كفها عن العمل وأثره في الإعراب ونوع الجملة بعدها.
٤ - تخفيف النون المشددة للحروف الأربعة "إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ".
٥ - ما تختص به "إن" من الأحكام.
أ- دخول لام الابتداء في جملتها.
ب- كسر همزتها وفتحها وجواز الأمرين.
معاني الحروف الستة:
ينبغي أولا التنبه إلى أن هذه الحروف الستة: "إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ، لَيْتَ، لَعَلَّ" ينصب المبتدأ بعدها ويرفع الخبر، وهي حروف لا أفعال، كما جاء في الأثر "إنّ البِرَّ شيءٌ هَيِّن: وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن" فالمبتدأ وهو كلمة "البر" منصوب بعد "إن" والخبر وهو كلمة "شيء" مرفوع بعدها.
والمعاني التي ترد لها هذه الحروف الستة هي:
١ - إنّ
وتفيد التوكيد، ومعناه توكيد نسبة الخبر للاسم، حيث تفيد تثبيته في الذهن وتقويته، ويعبر عنها المعربون بقولهم: "إنَّ: حرف توكيد ناسخ ينصب الاسم ويرفع الخبر" تقول: "إنَّ العدلَ أساسُ النظام، وإن الرحمةَ أساسُ التَّعاطف".
стр. 283
٢ - أنَّ
وتفيد تماما ما تفيده "إنَّ" المكسورة الهمزة، فهي أيضا للتوكيد، ويعبر عنها في الإعراب "أنّ: حرف توكيد ناسخ، ينصب الاسم ويرفع الخبر" لكن لا بد أن يسبقها كلام، تقول: "يساعدُ على النجاح أنَّ الهدفَ واضحَ ويحقِّق الهدفَ أنَّ العزيمةَ قويةٌ".
٣ - كأنّ
وهي للتشبيه، فتفيد تشبيه معنى الاسم بالخبر، ويعبر عنها المعربون بقولهم: "حرف تشبيه ناسخ ينصب الاسم ويرفع الخبر" تقول: "كأنَّ الأرضَ كرةٌ" أو "كأنَّ الضبابَ سحابٌ".
٤ - لكنَّ
وتفيد الاستدراك، ومعناه التعقيب على كلام سابق يرفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، تقول: "قد يكونُ الطريقُ شاقًّا، لكنَّ الانتصارَ ممتعٌ".
٥ - ليت
وتفيد التمني، ومعناه: طلب الأمر المستحيل حدوثه أو المتعذر حصوله عادة، ويعبر عنها المعربون بقولهم: "ليت: حرف تمنٍّ ناسخ، ينصب المبتدأ ويرفع الخبر" تقول: "ليت الإنسانَ يكشفُ غايتَه قبل طريقه" أو "ليت السلم يعم الأرض"، ومن ذلك قول أبي العتاهية:
ألا ليت الشبابَ يعودُ يومًا … فأخبره بما فَعَلَ المشيب (١)
стр. 284
٦ - لعلّ
تفيد معنى التوقع، وقد يكون التوقع للأمر المحبوب، فيسمى "الرجاء" وهذا أكثر ما تستعمل له "لعلَّ" وقد يكون التوقع للأمر المكروه فيسمى "الإشفاق" وذلك كقول الفلاح: "لعلَّ المحصولَ وفيرٌ لكنْ لعلَّ السعرَ رخيصٌ".
ترتيب الجملة بعد هذه الحروف:
إنّ التَّعَفُّفَ ثروةُ الفقير. "الترتيب على الأصل، أسلوب صحيح".
إنَّ ثروةُ الفقير التَّعَفُّفَ. "الخبر متوسط، أسلوب خطأ".
ثروةُ الفقيرِ إنَّ التَّعَفُّفَ. "تقدم الخبر، أسلوب خطأ".
الأصل أن تجيء جملة المبتدأ والخبر بعد هذه الحروف على الترتيب الأصلي هكذا "الحرف الناسخ + الاسم + الخبر" فلا يصح توسط الخبر بين هذه الحروف وبين الاسم، كما لا يصح أن يتقدم على الحروف الناسخة من باب أولى.
ولعل من الواضح هنا أن هناك فرقا بين ترتيب الجملة بعد هذه الحروف وبين ترتيبها مع "كان وأخواتها" فهنا لا يصح التصرف في الخبر بالتوسط أو التقدم، بل يبقى دائمًا متأخرًا عن الاسم، أما مع "كان وأخواتها" فيصح التصرف فيه بالتوسط أو التقدم، كما سبق شرحه.
جاء في قطر الندى: والفرق بينهما أن الأفعال أمكن في العمل من
стр. 285
الحروف، فكانت أحْمل؛ لأن يُتصرف في معمولها ا. هـ. وهذا تعليل لا قيمة له في دراسة اللغة، وإن كان يفيد في تثبيت الفكرة في الذهن؛ لأن الأساس في كل ذلك هو استعمال اللغة نفسها.
لكن، يستدرك على هذا ما إذا كان الخبر ظرفًا أو جارا ومجرورا -شبه جملة- فإنه يصح حينئذٍ توسطه بين هذه الحروف وبين الاسم، ومن ذلك العبارة المشهورة "إنّ من البَيَانِ لسحْرًا، وإنَّ من الشِّعرِ لحِكْمَةً" وقول القرآن: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (٢).
بل إن هذا الاستدراك يشمل أيضا معمول الخبر -وذلك بأن يكون اسما يشبه الفعل وله مفعول- حيث يصح أيضًا أن يتوسط بين هذه الحروف وبين الاسم والخبر، ومن ذلك ما أورده سيبويه من قول الشاعر:
فلا تَلْحَنِي فيها فإنّ بحبِّها … أخاك مصابُ القلبِ جَمُّ بَلَابِلُه (٣)
стр. 286
ففي هذا البيت اسم "إنّ" هو كلمة "أخاك" وخبرها "مصابُ" والجار والمجرور "بحبها" معمول للخبر؛ لأن الخبر اسم مفعول، وهذا الجار والمجرور قد توسط بين هذا الحرف وبين الاسم والخبر.
كفها عن العمل:
ينبغي أولا التنبه إلى أن هذه الحروف الناسخة ترد في الكلام العربي ولها مع جملتها الخاصيتان الآتيتان:
أ- أنها تدخل على الجملة الاسمية لا الجملة الفعلية
ب- أن الاسم بعدها منصوب والخبر مرفوع
تقول: "إن الاستقامةَ طريقُ النجاةِ، وإن الانحرافَ طريقُ الهلاك فليت الناس يفهمون" ويتحقق في هذه العبارة ما سبق ذكره من خواص هذه الحروف.
ومعنى الكف عن العمل: وجود حاجز بين هذه الحروف وبين الجملة التي تليها، يقف فاصلا بينهما هو "ما: الزائدة" ويترتب على وجوده زوال الخاصيتين السابقتين في جملة هذه الحروف، حينئذٍ:
أ- لا تختص بالجملة الاسمية، بل يصح أن يأتي بعدها أيضًا الجملة الفعلية.
ب- لا ينصب بعدها الاسم ولا يرفع الخبر، بل تعود الجملة ثانية إلى أصلها "مبتدأ وخبر" تقول: "إنما الحقُّ قوةٌ من الله" وتقول: "إنَّما يُحقُّ اللهُ الحقَّ ويُبطلُ الباطل" ففي الجملة الأولى كفت "إن" بالحرف "ما"
стр. 287
وبعدها جملة اسمية من باب المبتدأ والخبر، وفي الجملة الثانية كفت "إن" بالحرف "ما" وبعدها جملة فعلية، ويطلق على الكلمتين معا "إنما" عبارة نحوية هي "كافة ومكفوفة" ومثل ذلك أيضًا أخواتها "أنّما، كأنّما، لكنّما، ليتما".
- جاء في القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١).
- جاء في القرآن عن المنافقين: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ (٢).
هذا الحكم السابق ينطبق على كل هذه الحروف الناسخة ما عدا الحرف "ليت".
جاء في قطر الندى: ويستثنى منها "ليت" فإنها تكون باقية مع "ما" على اختصاصها بالجملة الاسمية، فلا يقال: "ليتما قام زيد" فلذلك أبقوا عملها وأجازوا فيها الإهمال حملا على أخواتها ا. هـ.
- وقد جاء على ذلك قول النابغة الذبياني يصف امرأة بقوة البصر:
قالتْ ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فَقدِ (٣)
стр. 288
وقد ورد هذا البيت بروايتين لكلمة "الحمام" حيث شكلت بالضم أو الفتح، فقد رواها الرواة مرفوعة ومنصوبة، وتوجيه الروايتين نحويا كما يلي:
التوجيه الأول: أن الحرف "ليت" قد كف عن العمل بالحرف "ما" واسم الإشارة مبتدأ وكلمة "الحمام" بالرفع بدل منه، والجار والمجرور بعده خبر.
التوجيه الثاني:
أن الحرف "ليت" لم يكف عن العمل بالحرف "ما" فاسم الإشارة بعد اسمه في محل نصب، وكلمة "الحمام" بدل من المنصوب فهي منصوبة، والجار والمجرور خبر "ليت"، فكلتا الروايتين قد وردتا عن العلماء، وكلا التوجيهين صحيح نحويًّا.
تخفيف النون المشدّدة لما جاءت في آخره:
الذي في آخره النون المشددة أربعة أحرف هي: "إنَّ، أنَّ، لكنَّ، كأنَّ" وتخفيف النون معناه: أن ينطق بها نون واحدة ساكنة، فتصير هذه الحروف: "إنْ، أنْ، لكنْ، كأنْ".
على أنه يجب أن يراعى أن هذه الحروف يصدق عليها تلك الصفة -المخففة من الثقيلة- إذا وردت في جملة يدل السياق على أنها كانت في الأصل
стр. 289
ثقيلة، بحيث إذا قدر هذا الأصل ذهنيا -تشديد النون- كانت الجملة من باب النواسخ.
فمثلا قول القرآن: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (١) فالحرف "أن" هنا مخفف من الثقيل، وأصله "أن"، إذ يتيح لنا التقدير الذهني أن نقول: إن الأصل "علم أنه سيكون منكم مرضى" وهذه جملة من باب النواسخ ولا مراء، ثم خففت "أنّ" فجاءت الكلمة كما وردت عليه في الآية.
أما إذا لم يصح هذا التقدير، فإن الحروف لا تكون مخففة من غيرها، بل تكون أصيلة في استعمالها، ولا علاقة للجملة معها بباب النواسخ بل يكون الحرف "إن" للشرط، والحرف "أن" مصدري ونصب للمضارع والحرف"لكن" للعطف، أما "كأن" فتكون مكونة من حرفين، إحداهما الكاف والآخر "أنْ".
وخلاصة هذه الفكرة -قبل الحديث عن هذه الحروف- ما يلي:
أ- أنها تكون مخففة من الثقيلة إذا صح تقدير جملة أصلية لها تكون هي مشددة فيها، والجملة من باب النواسخ.
ب- إذا لم يصح هذا التقدير، فإنها تكون أصيلة في شكلها المخفف فلا تكون من باب النواسخ، بل لكل منها أبواب أخرى تنسب إليها كالشرط أو نواصب المضارع أو العطف أو غيرها.
على أنه ينبغي أن نتذكر مرة أخرى أن الحروف الناسخة ذات خاصيتين مع الجملة بعدها هما:
أ- أنها تدخل على الجملة الاسمية لا الفعلية.
стр. 290
ب- أنها تنصب الاسم وترفع الخبر
إذا عرف ذلك كله، واستعملت الحروف الأربعة "إنّ، أنّ، كأنّ، لكنّ" مخففة من الثقيلة -بتطبيق التصور الذهني السابق- فكيف تستعمل مع الجملة التي وردت فيها من حيث بقاء الخاصيتين السابقتين أو تركهما؟ يجب أن نتناول بالتفصيل هذه الحروف الأربعة المشددة النون حين تخفف مصطحبين معنا التصور الذهني السابق، وأيضًا ما لها من خواص قبل التخفيف.
الحرف: إنْ
هو "إنْ" المخففة من "إنّ" المشدّدة النون، وحين تخفف يصح معها الآتي:
- مراعاة الأصل قبل التخفيف، فتبقى لها خواص الحروف الناسخة من دخولها على الجملة الاسمية ونصب الاسم ورفع الخبر.
- كما يصح أيضًا صرف النظر عن هذا الأصل، فتزول خواصها جميعًا فيصح حينئذٍ دخولها على كلتا الجملتين الفعلية والاسمية، كما أنه لا ينصب بعدها الاسم ويرفع الخبر في الجملة الاسمية، وتعرب "إن" على أنها حرف مهمل، لا موضع له من الإعراب، فلنلاحظ الأمثلة:
إنْ قلبَ الإنسانِ موضعُ سرِّه. … "بعدها جملة اسمية، عاملة".
إنْ لسانُه لدليلٌ على ما في قلبه. … "بعدها جملة اسمية، مهملة".
ويوزن بهذين وإنْ كان لغافلًا عن ذلك. … "بعدها جملة فعلية، مهملة".
стр. 291
وتوضيح ما سبق أن الجملة التي ترد فيها "إنْ" المخففة تكون واحدة مما يلي:
أ- تأتي مع جملة اسمية، ويراعى أصلها المشدد، فينصب الاسم ويرفع الخبر -كما كان الأمر وهي مشددة- تقول: "إنْ الوقتَ ثمينٌ جدًّا للجادِّين وإنْه رخيصٌ جدًّا للغافلين"، ويكون الدليل على أنها مخففة من الثقيلة نصب الاسم ورفع الخبر.
ب- تأتي مع جملة اسمية، ولا يراعى الأصل، فتكون حرفًا مهملا لا محل له من الإعراب، وحينئذٍ تعود الجملة الاسمية إلى أصلها -باب المبتدأ الخبر- ويدخل على خبر المبتدأ معها لام تسمى "اللَّام الفَارِقَة" تكون هي الدليل في الجملة على أنّ "إنْ" مخففة من الثقيلة، فلا تختلط بغيرها من أنواعها الأخرى، تقول "إنْ النفسُ لأمارةٌ بالسوء، وإنْ المؤمنُ لقادرٌ على السيطرةِ عليها بالإرادة".
ج- تأتي مع جملة فعلية، وهي حينئذٍ مهملة، غاية الأمر أن هذه الجملة الفعلية بعدها غالبا ما تكون مصدّرة بفعل ناسخ "كان وأخواتها، كاد وأخواتها، ظن وأخواتها".
- من القرآن: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (١).
- من القرآن: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (٢).
стр. 292
الحرف: أنْ
أيقن المتهمُ أن الحكمُ في صالحه.
بعد ظنِّه أنْ لن يبرأَ من التّهمةِ الكاذبة.
تكون "أنْ" مخففة من الثقيلة في جملة لها الصفات الثلاث التالية مجتمعة:
أ- أن يتقدم عليها ما يفيد اليقين أو الظن مثل "علم، أيقن، تأكّد، ظن، حسب، زعم".
ب- أن يكون اسمها ضمير الشأن محذوفا، أي "الموضوع أو الحال أو الشأن أو القصة".
ج- أن يكون الخبر جملة اسمية دعائية، أو جملة فعلية، وهذه الأخيرة تصدر غالبا بأحد الأحرف "قد، السين، سوف، ما: النافية، لا: النافية، لو".
- جاء في القرآن: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
- قال الشاعر:
واعلمْ فعلمُ المرءِ ينفعُه … أنْ سوف يأتي كلُّ ما قُدِرَا (٢)
стр. 293
هذا الكلام السابق هو الأصل في تخفيف "أن" وقد خرج عن هذا الأصل بعض الشواهد أشهرها:
لقد علم الضيفُ والمُرْمِلُون … إذا اغبَرَّ أفْقٌ وهبّت شمَالا
بأنْك ربيعٌ وغيثٌ مريعٌ … وأنْك هناك تكون الثّمالا (١)
ففي البيت الثاني جاء الاسم ضميرًا مذكورا في "أنك" وكان الخبر مفردًا لا جملة، وهو "ربيع"، وقد وصف ابن هشام هذا النص وأشباهه بأنها خارجة عن الأصل، ووسمها أحيانا بأنها ضرورة شعرية، وأحيانا أخرى بأنها نادرة الاستعمال.
الحرف: كأنْ
يوم مات عمر، خيّم الصمتُ على الناس كأنْ الحياةُ متوقِّفَةٌ.
ثم انفجر الناس بالبكاء كأنْ لم يمتْ أحدٌ قبله.
جاء في شذور الذهب: وإذا كان الحرف المخفف "كأنْ" فيغلب لها ما وجب "لأن" ا. هـ.
стр. 294
ومعنى ذلك أن الصفات التي ترد عليها جملتها هي غالبا الصفات التي سبقت في جملة "أنْ" المخففة، وتوضيحها كما يلي:
أ- أن يكون اسمها ضمير الشأن محذوفا.
ب- أن خبرها يكون أيضا جملة اسمية أو فعلية، فإذا جاء من النوع الأخير -الفعلية- تصدر الجملة أحد الحرفين "قد، لم".
- جاء في القرآن: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ (١).
هذا هو الأصل في الحرف "كأنْ" المخفف من "كأنَّ" لكن خرج عن هذا الأصل بعض شواهد ورد فيها الاسم مذكورًا، والخبر مفردا لا جملة، ومن أشهرها ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
ويومًا تُوَافِينَا بوجهٍ مُقَسَّمِ … كأنْ ظبية تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَم (٢)
فقد رويت كلمة "ظبية" في هذا البيت بروايات ثلاث:
الأولى: بنصب "ظبيةً" على أنها اسم "كأن" والخبر محذوف وكلمة "ظبية" قد ذكرت في الكلام، فهي ليست ضمير شأن، وهذا خارج عن الأصل.
стр. 295
الثانية: برفع كلمة "ظبيةٌ" على أن تكون خبر "كأنْ" واسمها ضمير الشأن محذوف، وإذا كانت خبرًا، فإنها ليست جملة بل مفردًا، وهذا أيضًا خارج عن الأصل.
الثالثة: بجر كلمة "ظبيةٍ" على اعتبار "أنْ" زائدة، وكلمة "ظبية" مجرورة بالكاف.
الحرف: لكنْ
حين يخفف هذا الحرف تنقطع علاقته بأصله "لكنَّ" تمامًا، ومعنى قطع علاقته بأصله زوال خواصه التي كانت له وهو مشدد، فلا يبقى اختصاصه بالجملة الاسمية، بل يدخل على الجملتين الاسمية والفعلية، وكذلك لا ينصب الاسم ولا يرفع الخبر في الجملة الاسمية، بل تعود الجملة مرة أخرى إلى باب المبتدأ والخبر.
أما الحرف "لكن" المخفف: فيكون حرف ابتداء غير ناسخ، سواء أكان مع الجملة الفعلية أم الاسمية، تقول: "الحياةُ غاليةٌ، لكنْ تهونُ في سبيل الحرية" وتقول: "الحياةُ غاليةٌ، لكنْ الهوانُ مذلةٌ".
ما تختص به "إنّ" من الأحكام:
اختصت "إن" من بين أخواتها بمسألتين مهمتين هما:
أ- دخول لام الابتداء في جملتها
ب- كسر همزتها أو فتحها أو جواز الأمرين
وإليك تفصيل القول في هاتين المسألتين:
стр. 296
لام الابتداء في جملة "إن" المكسورة:
لاحظ الأمثلة الآتية:
إنّ من الحِلْم لقوّة في بعض المواطن.
وإنّ من الحِلْمِ لضعفًا في مواطن أخرى.
فإنّ الحِلْمَ لَهُوَ العفوُ عن مقدرة.
يلاحظ في الأمثلة السابقة وجود لام في كل مثال منها، وذلك مع الكلمات "لقوة، لضعفا، لَهُوَ".
هذه اللام يطلق عليها علماء البلاغة "لام التوكيد" ويسميها النحاة "لام ابتداء، أو: اللام المزحلقة" ولكل من هذه التسميات الثلاث توجيه وجيه.
فهي "لام التوكيد" لأنها تفيد تثبيت الجملة وتقويتها في ذهن السامع وهي تستخدم مع ضرب خاص من ضروب الخبر، حيث يكون السامع منكرا وفي حاجة إلى تثبيت الخبر وتقويته له، وهذا معنى بلاغي سيفيدنا فيما نحن بصدده نحويًّا.
وهي "لام ابتداء" الأصل فيها أن تدخل على المبتدأ، فتأتي حينئذٍ في بداية الكلام، تقول: "لَلْحِلْمُ قوةٌ في بعض المواطن، ولَلتَّجَبُّرُ طغيان في بعضها الآخر"، فالأصل فيها أن تأتي مع المبتدأ مثل كلمة "الحلم" وكذلك كلمة "التَّجَبُّرُ" فإذا جاءت "إنَّ" مع العبارة السابقة، نطقت هكذا "إنَّ الحلمَ لقوةٌ في بعض المواطن وإنّ التّجبرَ لطغيانٌ في بعضها الآخر" وهذا يفسر السر في تسميتها "لام الابتداء" باعتبارها في الأصل كانت في المبتدأ.
стр. 297
وتسمى أيضًا "اللام المزحلقة" لأنها في الأصل كانت مع المبتدأ وتفيد التوكيد -كما سبق شرحه- فلما دخلت "إنَّ" عليها، وهي أيضًا تفيد التوكيد -وكان من المكروه في الاستعمال العربي اجتماع أمرين يفيدان التوكيد في موضع واحد- زحلقت اللام عن موضعها إلى مواضع أخرى في الجملة الاسمية مع "إنّ" أهمها ثلاثة:
١ - خبر "إن" كقول القرآن: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
٢ - اسم "إن" إذا تقدم عليه الخبر -يتقدم إذا كان شبه جملة كما سبق- ومن ذلك العبارة المشهورة -الحديث-: "إنّ من البَيَانِ لسحرًا وإنّ من الشعرِ لحكمةً".
٣ - ضمير الفصل الذي يأتي بين المبتدأ والخبر المعرفتين، كقول القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٢).
همزة "إن":
"أنّ" المفتوحة الهمزة من حروف المصادر، بخلاف "إن" المكسورة الهمزة، ومعنى أن الأولى من حروف المصادر -كما سبق في باب المبتدأ- أنه يمكن استخلاص مصدر منها ومن جملتها معا يطلق عليه "المصدر المؤول" -وهذا المصدر المؤول -المتخيل- يعتبر كأنه كلمة موجودة فعلا- -وإن كان متخيلا- ويشغل الوظائف النحوية المختلفة، إذ يأتي مبتدأ وخبرا وفاعلا ومفعولا إلخ، فلنلاحظ ما يلي من الأمثلة:
стр. 298
من سماتِ الجادّين أنّهم صامتون عادة. … "المصدر المؤول تقديره "صمتُهم" وهو مبتدأ".
إذ يُسعدهم أنّهم عامِلون لا قوّالون … "المصدر المؤول تقديره "عملُهم" وهو فاعل".
إذا علم ذلك، فإن الضابط الذي يُعرف به شكل همزة "إنّ" من حيث الكسر أو الفتح أو جواز الأمرين تلخصه العبارة "تفتح همزة "أنّ" في الكلام إذا صح استخلاص مصدر منها ومن جملتها لشغل الوظائف النحوية المختلفة، وتكسر الهمزة إذا لم يصح ذلك، ويجوز الأمران إن صح التأويل وتركه".
هذا الكلام السابق فهم مجمل ومفيد لمعرفة الأسلوب الذي ترد فيه الهمزة مفتوحة أو مكسورة أو جائزة الفتح والكسر، وهو بذلك -لمن يحسن تطبيقه- يغني عن حصر الفروع والجزئيات التي تندرج تحته، مما يتعب الذهن، ويشق على المبتدئ.
لكن، قد فصلت كتب النحو ذكر مواضع الكسر أو الفتح أو جواز الأمرين تفصيلا واسعا "راجع -إن شئت- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك فقد وفَّى هذا الموضوع بإفاضة" ونحن هنا نختار أهم مواضع الفتح والكسر وجواز الأمرين، بقصد المعاونة في توضيح الضابط العام السابق فقط.
أ- مواضع فتح الهمزة:
١ - أن يكون المصدر المؤول مبتدأ كقولنا: "من المفيد للإنسانِ أنَّه
стр. 299
يتذكرُ وينسى" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (١).
٢ - أن يكون المصدر المؤول خبرا كقولنا: "إحساسُ الخيرِ أنّ الحياةَ مضيئةٌ، وإحساسُ الشر أنّ الكونَ ظلامٌ".
٣ - أن يكون المصدر المؤول فاعلا، كقولنا: "يسهِّلُ صعب الأعمال أنها محبوبةٌ، ويهون التعب فيها أن هدفَها شريفٌ".
٤ - أن يكون المصدر المؤول نائب فاعل، كما يجيء في كتب الحديث "رُوِيَ أن الرسول قال كذا" وكقول القرآن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٢).
٥ - أن يكون المصدر المؤول مفعولا، كقولك: "سمعتُ أنّ الخبرَ منشورٌ في الصحيفة، وأنه خبرٌ مؤثرٌ للغاية".
٦ - أن يكون المصدر المؤول مجرورًا بالحروف أو الإضافة، كقولنا: "لا يخاف المجاهدُ الموتَ مع أنه صعبُ المذاق، فهو يموتُ على الحق لأنّ غايتَه نبيلةٌ وحقٌّ".
ب- من مواضع كسر الهمزة:
١ - أن تقع في أول الكلام، كقول القرآن: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣).
стр. 300
وكذلك ما يأتي في أول جملة الصلة أو الصفة أو الحال أو جواب القسم مثل "ألا إنّ الإنسانَ لجهولٌ حيث يهملُ أمرًا إنه مفيدٌ له، ويصنع ما إنَّه ضار به" وكقولنا: "والله إن الدّينَ لحقٌّ وإن هدفَه سعادةُ النَّاس".
فمن البيّن أن ما بعد الحرف "ألا" جملة جديدة، وأن ما يقع في أول الصلة أو الصفة أو الحال أو القسم في أول جملة جديدة في ذاتها -وإن كان لها علاقة بما قبلها- فهذا كله يصدق عليه أنه بداية كلام جديد، فإذا جاءت "إن" في أوله كسرت همزتها.
٢ - أن تقع بعد الكلمتين "حيث، إذ" وهما كلمتان تضافان للجمل بعدهما ولا تضافان للمفردات، فلا يصح إذن تقدير المصدر المفرد بعدهما ولذلك يجب كسر همزة "إن" حين تليهما، ليكون ما بعدهما جملة كاملة كقولنا: "من السذاجةِ أن تصطنعَ الحلم حيث إن الموقفَ جهلٌ، ومن المفيد اصطناعُ الحلمِ إذ إنّه الخلقُ المطلوب".
٣ - أن تقع بعد القول، كقول إبراهيم "وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (١) وكقول عيسى في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ (٢).
стр. 301
من مواضع جواز الأمرين:
يغلب ذلك بعد الأداتين الآتيتين:
١ - إذا "التي تفيد المفاجأة" كقولنا: "صحوْنا ذاتَ صباحٍ صيفا فإذا إنَّ البرْدَ شديدٌ" فيجوز هنا نطق همزة "إن" مكسورة أو مفتوحة ومن ذلك ما أنشده سيبويه قال: سمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به:
وكنتُ أرَى زيدًا كما قيل سيِّدًا … إذا أنَّه عبدُ القَفَا واللَّهَازِمِ (١)
حيث روي هذا البيت بفتح همزة "إن" وكسرها.
٢ - الفاء "التي تقع في جواب الشرط" كقولنا: "إن تحترم الزمنَ فإنَّك متحضرٌ وإن تَغْفَلْ عنه فإنك متخلف" حيث يصح في همزة "إنّ" في هذه العبارة الكسر والفتح، ومما جاء بالوجهين -كما أورده ابن عقيل- قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا
стр. 302
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) قرئ "فإنه غفور رحيم" بالفتح والكسر للهمزة.
فكلا الوجهين جائز من الوجهة اللغوية -وجهة الاستعمال- حيث وردت النصوص مع هاتين الأداتين وبعدهما "إنَّ" مفتوحة أو مكسورة.
ووجهة الصناعة النحوية في ذلك أنه إذا كسرت الهمزة كانت الجملة تامة ولا حديث بعدها وإذا فتحت وجب أن تؤول بمصدر يكون مبتدأ وخبره محذوف أو العكس.
стр. 303
لا النافية للجنس:
١ - معنى "نفي الجنس" مع الموازنة بين استعمالَي "لا" مع المبتدأ والخبر.
٢ - وصف الجملة التي ترد فيها -شروط عملها.
٣ - المقصود باسم "لا" "المفرد، المضاف، الشبيه بالمضاف".
٤ - من المسائل المكملة لهذا الباب ما يلي:
أ- تكرار "لا".
ب- كلمة "ألا" واستعمالها في اللغة.
ج- حذف خبر "لا".
نفي الجنس ونفي الوحدة:
لا ذليلَ أهلٌ للحرية.
لا سفيهَ مستحِقٌّ للتكليف الاجتماعي.
لا نَمَّامَ قادرٌ على كتمان الأسرار.
اسم "لا" لا بد أن يكون نكرة -كما سيأتي- ومعنى ذلك أن معناه عام وشامل، مثل "ذليل، سفيه، نمام" في الأمثلة السابقة.
ومعنى نفي الجنس أن الذي يستفاد من جملة "لا" كلها نفي معنى الخبر عن الاسم نفيا شاملا يستغرق جميع أفراد الاسم دون استثناء، وبحيث لا تفيد إلا هذا المعنى السابق.
стр. 304
فالمثال الأول "لا ذليل أهل للحرية" يفهم منه نفي أهلية الحرية عمّن يتصف بالذل في أي صورة من صوره، من ضعف لغاصب، أو خنوع لمستبد أو استكانة لعادة سيئة متحكمة.
والمثال الثاني "لا سفيه مستحق للتكليف الاجتماعي" يفهم منه نفي استحقاق التكليف الاجتماعي عن كل فرد يتصف بالسفاهة، ومن ذلك سفاهة القول وعدم المروءة والتصرف، فكل هؤلاء يصل بهم السقوط إلى حد لا يستحقون معه معاملة سويّة من العقلاء.
وهنا ينبغي التعرض لنقطة مهمة، فقد مر علينا من قبل أن "لا" تأتي في جملة تماثل جملة الفعل "ليس" حيث يرفع الاسم وينصب الخبر فيها وهنا تأتي "لا" في جملة من نوع آخر حيث تماثل جملة "إن" فينصب فيها الاسم ويرفع الخبر، فما الفرق بين هاتين الصورتين؟
في البداية يجب أن يعلم أن كلتا هاتين الصورتين نطق عربي وارد فالفصحاء من العرب هم الذين نقل عنهم "لا شيءٌ على الأرض باقيا" -برفع الأول ونصب الثاني- وقد نقل عنهم أيضا ما يماثل "لا شيئًا على الأرض باقٍ" بنصب الأول ورفع الثاني، وإلى ذلك النطق العربي الفصيح -الذي اختلفت صورتاه- يعود الأمر في دراسة جملة "لا" مرتين في النواسخ ومن حقنا أن نستخدم هذه الصورة أو تلك إذا توافرت صفات استعمالها لدى العرب الفصحاء.
أما الموازنة بين هاتين الصورتين فيتجه الأمر فيها اتجاهين:
أحدهما يعود لصورتي الجملتين، والآخر يعود لمعناهما، على التوضيح التالي:
стр. 305
أولا: في إحدى الصورتين يكون الاسم مرفوعًا والخبر منصوبًا، وفي الأخرى يكون الأمر بالعكس.
ثانيا: في صورة "لا" التي يرفع بعدها الاسم وينصب الخبر قد تفيد الجملة "نفي الجنس" أي نفي الخبر عن الاسم نفيًا شاملا، كقولنا: "لا شيءٌ على الأرض باقيا"، وقد تفيد ما يسمى "نفي الوحدة" أي النفي القاصر على فرد أو مجموعة واحدة، دون أن يشمل ذلك النفي أفرادًا أخر أو مجموعات أخر، كقولنا: "لا كفٌّ واحدة مصفقةٌ" أو قولنا "من حسن الحظ أنه لا دولةٌ حائزةً للذرّة وحدها" والذي يحدد واحدا من هذين سياق الكلام.
أما في صورة "لا" التي ينصب معها الاسم ويرفع الخبر فإنها تفيد نفي الجنس فقط، ولا تحتمل غير ذلك، فإذا قلنا "لا شيئًا على الأرض باقٍ" نفت بقاء أي شيء على الأرض، ولا يحتمل أسلوبها غير ذلك.
فالفرق في المعنى باختصار: أن "لا" التي يرفع معها الاسم وينصب الخبر تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، والذي يحدد أحدهما أسلوب الكلام، أما "لا" التي ينصب بعدها الاسم ويرفع الخبر فلا تفيد إلا نفي الجنس فقط، ولا تستعمل في غير هذا الأسلوب.
جاء في ابن عقيل عن "لا: النافية للجنس" نصًّا: والمراد بها "لا" التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كله، وإنما قلت: "التنصيص" احترازا عن التي يقع الاسم بعدها مرفوعا، نحو "لا رجل قائما" فإنها ليست نصا في نفي الجنس، إذ يحتمل نفي الواحد ونفي الجنس
стр. 306
فبتقدير إرادة نفي الجنس لا يجوز "لا رجلٌ قائما بل رجلان" وبتقدير إرادة نفي الوحدة يجوز "لا رجلٌ قائما بل رجلان" ا. هـ.
وصف الجملة التي ترد فيها:
جملة "لا: النافية للجنس" تحمل الصفات التالية مجتمعة:
أ- أن يتقدم الاسم ويتأخر الخبر، فيكون الترتيب بينهما أصليًا.
ب- أن يكون كل من الاسم والخبر نكرتين، وهذا باتفاق النحاة.
ج- ألّا يدخل عليها حرف جر، كقولنا: "المنافق بلا ضمير".
فهذه الصفات متضامنة يجب أن تتحقق في الجملة التي يطلق عليها جملة "لا: النافية للجنس" والتي ينصب فيها الاسم ويرفع الخبر، كقول مصطفى كامل: "لا يأسَ مع الحياة ولا حياةَ مع اليأس" وقولنا: "دعا الإسلام للعدل والمساواة، فلا غنيَّ مقدّمٌ لجاهِه ولا فَقيرَ مؤخَّرٌ لبؤسه".
اسم "لا" المفرد، المضاف، الشبيه بالمضاف:
لاحظ الأمثلة الآتية:
الاسم مفرد.
- لا مهملَ متفوقٌ.
- ولا مهملَين متفوقان.
- ولا مهملِين متفوقون.
الاسم مضاف.
- لا مهمِلَ واجبٍ متفوقٌ.
- ولا مقدرَ مسئوليةٍ مخذول.
стр. 307
الاسم شبيه بالمضاف.
- لا مهملا الواجِبَ متفوقٌ.
- ولا مقدّرًا المسئوليةَ مخذولٌ.
اسم "لا" يكون كما يلي:
المفرد:
يقصد به -في هذا الباب- ما ليس مضافًا ولا شبيها بالمضاف، وإن كان مثنى أو مجموعا، فهو هنا يقابل المضاف وشبيهه، كما اعتبر في باب الخبر مقابلا للجملة وشبه الجملة.
واسم "لا" المفرد مبني دائما على ما ينصب به لو كان معربا، وتفصيل هذا الكلام المجمل أن اسم "لا" إن كان مفردًا أو جمع تكسير يبنى على الفتح، كقولك: "لا قسوةَ في الإسلام ولا قُساةَ بين المؤمنين"، وإن كان مثنى أو جمع مذكر فإنه يبنى على الياء، كقول الشاعر:
تعزَّ فلا إلفَيْن بالعيش مُتِّعَا … ولكن لوُرَّادِ المنونِ تَتَابُعُ (١)
стр. 308
وإن كان جمع مؤنث سالمًا يبنى على الكسر -ويصح فيه أيضًا البناء على الفتح- كقول سلامة بن جندل السعدي:
إنّ الشّبابَ الذي مجدٌ عواقبُه … فيه نَلَذُّ ولا لذّات للشِّيبِ (١)
فقد روي البيت بكسر "لذات" وفتحه.
المضاف:
وهو الاسم الذي ينضم إليه اسم آخر مجرور بعده يكمل به معناه يطلق عليه: "المضاف إليه"، والمضاف إليه في هذا الباب لا بد أن يكون نكرة في الإضافة المعنوية، لما سبق من قبل أن اسمها وخبرها لا بد أن يكونا نكرتين، إذ لو كان المضاف إليه معرفة، لتعرّف المضاف أيضًا وخرجت الجملة عن هذا الباب.
واسم "لا" المضاف معرب منصوب، كقولنا: "لا أرضَ أحرارٍ مستباحةٌ، ولا شرفَ كرام مهانٌ".
الشبيه بالمضاف:
جاء في ابن عقيل: والمراد به كل اسم له تعلُّقٌ بما بعده ا. هـ.
стр. 309
ومعنى ذلك أن الشبيه بالمضاف ما يتم معناه بواسطة ما بعده -غير المضاف إليه- فلا يسمى مضافًا؛ لأنه لا يتحقق فيه صفات المضاف لفظًا، وليس في قوته معنى، ولكنه يشبهه فقط، لحاجته لما يتمم معناه مثله.
وحكم الشبيه بالمضاف أيضًا أنه معرب ومنصوب، كقولنا: "لا عزيزًا جانبُه مهانٌ، ولا صانعًا المعروفَ مضيّعٌ، ولا شفيقًا على النَّاس مكروهٌ" فكل من الكلمات "عزيز، صانع، شفيق" في العبارة السابقة يطلق عليه أنه "شبيه بالمضاف" إذ ارتبط بها ما بعدها، فقد ارتبط بالأول "عزيز" كلمة "جانبه" وهي فاعل به، وقد ارتبط بالثاني "صانع" كلمة "المعروف" وهو مفعول به له، وارتبط بالثالث "شفيق" الجار والمجرور "على الناس" وهو متعلق به.
المسائل المكملة للباب:
وهي مجموعة مسائل فرعية تتعلق بهذا الباب -بعد التصور العام لمباحثه الأساسية- وعددها ثلاث:
أ- تكرار "لا".
ب- كلمة "ألا" واستعمالاتها في اللغة.
ج- حذف خبر "لا".
وكل واحدة من هذه المسائل في حاجة إلى إيضاح مستقل.
تكرار "لا":
تأتي "لا" مكررة على النحو التالي:
أولا: إذا اختل شرط من شروطها التي يتحقق بها لجملتها أنها من هذا الباب
стр. 310
بأن تقدم الخبر على الاسم أو كان أحدهما معرفة لا نكرة، حينئذٍ تهمل فتكون حرف نفي فقط، وتعود الجملة بعدها لباب المبتدأ والخبر، وأيضا يجب تكرار "لا" مثل:
لا في الجنةِ موتٌ ولا ألَمٌ. … "تقدم الخبر، لا: مهملة مكررة".
فلا الإنسانُ يفنى ولا النعيمُ يزول. "الاسم معرفة، لا: مهملة مكررة".
ثانيا: تتكرر "لا" مع استيفاء شروط جملتها التي تكون بها نافية للجنس، مثل قولنا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وهذا تكرار جائز لا واجب.
وفي هذه الصور الأخيرة، يفتح الباب واسعا للصناعة النحوية لتشكيل الاسم مع "لا" الأولى والمكررة، بالتوضيح المختصر الآتي "من أراد المزيد من الصنعة، فليراجع شرح الأشموني -أوضح المسالك- شرح ابن عقيل".
١ - فتح الاسمين -اسم "لا" واسم "لا" الأولى، و اسم "لا" الثانية، كقولنا: "لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله"، و"لا" هنا نافية للجنس فيهما، والاسم بعدها مبني على الفتح.
٢ - رفع الاسمين: كقول الراعي النميري:
وما هجرتُكِ حتى قلتِ معلنةً … لا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ (١)
стр. 311
و "لا" هنا مثل "ليس" ترفع الاسم وتنصب الخبر.
٣ - فتح الأول ورفع الثاني، كقول الشاعر:
هذا لعمركم الصَّغارُ بعينه … لا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أب (١)
و "لا" الأولى نافية للجنس، والثانية مثل "ليس".
٤ - رفع الأول وفتح الثاني -عكس السابق- كقول أمية بن أبي الصلت يصف الجنة:
فلا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها … وما فَاهُوا به أبدا مُقيمُ (٢)
стр. 312
والأولى مثل "ليس" والثانية نافية للجنس.
٥ - فتح الأول ونصب الثاني مع تنوينه، كقول العباس بن مرداس:
لا نَسَبَ اليوم ولا خُلَّةً … اتَّسع الخَرْقُ على الرَّاقِعِ (١)
والأولى نافية للجنس، والثانية مهملة، والاسم بعدها معطوف على محل الأول، ومحله النصب.
هذا مع ملاحظة أن الخبر في أسلوب "لا" المكررة يكون واحدًا فقط غالبا، ويوجه للأولى، ويحذف من الباقي، وهذا أحسن الآراء فيه.
استعمال "ألا" في اللغة:
قال ابن مالك:
وأعطِ "لا" مع همزة استفهام … ما تستحق دون الاستفهام
"لا" النافية للجنس إذا دخلت عليها همزة الاستفهام، فإنه يبقى لها جميع أحكام الباب. ومن ذلك قول الشاعر:
ألا عُمْرَ ولَّى مستطاعٌ رجوعُه … فيرْأب ما أثْأتْ يدُ الغَفَلاتِ (٢)
стр. 313
ومن البيّن أن "ألا" هنا مكونة من كلمتين هما: همزة الاستفهام، لا: النافية للجنس.
لكن، قد تستعمل "ألا" في اللغة كلمة واحدة، وذلك في موضعين:
الأول: أن يقصد بها التنبيه والاستفتاح وتدخل حينئذٍ على الجملتين الفعلية والاسمية، كقول القرآن: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
الثاني: أن يقصد بها الدعوة إلى فعل شيء ما، فإن كانت هذه الدعوة برفق سمى ذلك "العرض" وإن كانت الدعوة بشدة يسمى ذلك "التحضيض" ولا تدخل حينئذٍ إلا على الجملة الفعلية، كقول القرآن: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) وقول الوالد لابنه "ألا تكفّ عن الإهمالِ فتذاكرَ دروسك".
ومن الواضح أن "ألا" في هذين الموضعين لا علاقة لها بهذا الباب فهي حرف "استفتاح، أو عرض، أو تحضيض".
стр. 314
حذف خبر "لا":
من العبارات الشائعة التي تستخدم بيننا كثيرا "لا بُدَّ، لا محالةَ، لا شكَّ، لا بأسَ، لا ضيرَ" والخبر في كل هذه العبارات محذوف جوازا ويفهم من سياق الكلام، فالخبر يحذف اختصارا إذا كان معلوما، ومن هذا قول القرآن: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (٢).
стр. 315
ظنَّ وأخواتها:
١ - الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر مفعولين "معانيها، شواهدها، صورها"
٢ - المقصود بالمصطلحات النحوية الثلاثة "الإعمال، الإلغاء، التعليق"
٣ - إجراء القول مجرى الظن
الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر:
لاحظ الأمثلة الآتية:
علمتُ الصدقَ منجيًا.
ووجدتُ الكذبَ مهلكًا.
وأظن ذلك بدهِيًّا.
في الأمثلة السابقة: الأصل في الجمل أنها مكونة من مبتدأ وخبر، هما على التوالي في الأمثلة "الصدق منج، الكذب مهلك، ذلك بدهيّ" ثم دخلت عليها الأفعال الناسخة "علم، وجد، أظن" بعد أن استوفت فاعلها فنصب -في كل مثال- المبتدأ مفعولا أولا، والخبر مفعولا ثانيا.
وينبغي التعرف على هذه الأفعال ومعانيها إجمالا وتفصيلا مع إيراد بعض الشواهد لها من الكلام العربي.
تنقسم أفعال الباب كلها إلى قسمين رئيسين "أفعال القلوب" و"أفعال التصيير والتحويل" وإليك تفصيل الحديث في هذين النوعين:
стр. 316
أولا: أفعال القلوب:
ويقصد بها ما يدل على معنى يعود إلى قلب الإنسان مثل "العلم والظن" وهذه الأفعال صنفان:
الصنف الأول: أفعال اليقين:
وهي التي تقيد التحقق من نسبة الخبر للاسم، كقولك: "علمتُ اللهَ موجودًا" فنسبة الوجود لله أمر محقق باستخدام الفعل "علم"، وأهم هذه الأفعال ستة هي "رَأى، عَلِمَ، وَجَدَ، دَرَى، ألْفَى، تَعَلَّم بمعنى اعْلَمْ".
١ - رأى: من رؤية القلب لا من رؤية البصر، فهي التي تفيد العلم لا المشاهدة فإن الأخيرة تنصب مفعولا واحدًا فقط، ومثال "رأى" العلمية قول خداش بن زهير:
رأيتُ اللهَ أكبرَ كُلِّ شيءٍ … محاولةً وأكثرَهم جُنُودا (١)
٢ - عَلِمَ: كقول الشاعر:
علمتُكَ الباذِلَ المعروف فانبعثتْ … إليك بِي وَاجِفَاتُ الشَّوْقِ والأملِ (٢)
стр. 317
٣ - وَجدَ: كقول القرآن: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (١).
٤ - دَرَى: كقولك: "دريتُ الخبرَ صحيحًا".
٥ - ألفَى: بمعنى "وجد، علم" كقول القرآن: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ (٢).
٦ - تَعَلَّمْ: بمعنى "اعْلَمْ" وهو ملازم للأمر -وسيأتي ذلك- كقول رياد بن سيَّارَ:
تَعَلَّمْ شِفاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّها … فبالغْ بلُطفٍ في التَّحَيُّلِ والمَكْرِ (٣)
الصنف الثاني: أفعال الرجحان:
وهي التي تفيد التردد بين نسبة الخبر للاسم وعدم نسبته له، وإن كان الأرجح نسبته له، وذلك "كالظن والزعم" ونحو ذلك، تقول: "اليومَ أظن
стр. 318
الجوَّ باردا وأحسبُ المطرَ منهمرا" وأهم هذه الأفعال سبعة "ظَنَّ، حَسِبَ، خَالَ، زَعَمَ، عَدَّ، حَجَا، هَبْ، بمعنى: افْرِض".
١ - ظَنَّ: كقولك "أظنُّ الفوزَ مؤكدًا مع أنَّ الجهدَ شاقٌّ".
٢ - حَسِبَ: كقول لبيد:
حسبتُ التُّقَى والجودَ خيرَ تجارةٍ … ربَاحًا إذا ما المرءُ أصبح ثَاقِلا (١)
٣ - خَالَ: بمعنى "ظنَّ" ومضارعه "يخَالُ" بخلاف "خَالَ" بمعنى "سَاسَ ورَعَى" فمضارعه "يخُولُ" وليس مما نحن فيه، ومن شواهد الناصب للمفعولين:
إخالُكَ إن لم تغضُض الطَّرْفَ ذَا هوى … يَسُومُك ما لا يُستطاعُ من الوَجْدِ (٢)
стр. 319
٤ - زَعَمَ: كقولك "زعم الجاحدون القرآنَ كلامَ البشَر".
٥ - عَدَّ: بمعنى "ظن وحسب" لا بمعنى "ذكر مقدار الأعداد" تقول "عددتُ الصداقةَ وفاءً فخانني الصَّديق" فهذه تنصب المفعولين بخلاف "عددت ما معي من النقود" بمعنى "أحصيته" فلا تنصب إلا مفعولا واحدا، ومن شواهد الناصبة للمفعولين قول النعمان بن بشير:
فلا تعدُد المولَى شريكَك في الغنى … ولكنَّما المولى شريكُك في العُدْمِ (١)
٦ - حَجَا: بمعنى "ظن وحسب" أيضًا لا بمعنى "غلب في المحاجاة" وهي الجدل، تقول: "حجوتُ العهدَ ثقةً، فضَاعتْ الثقة" فهذه تنصب مفعولين، بخلاف "حجوتُ المجادِلَ" بمعنى "أفحمته وغلبته" فإنها تنصب مفعولا واحدا.
٧ - هَبْ: بمعنى "افرِضْ" ومعناها بالنسبة للمخاطب: افرضْ مرجحا نسبة الخبر للاسم، كقولك "هَبْ قولَك صحيحا فما الرأي!! " وهذه تنصب مفعولين، بخلاف "هَبْ" بمعنى "أعْطِ" كقولك "هبْ مالا للفقراء"
стр. 320
فهذه تنصب مفعولا واحدا، ومن شواهد التي تنصب مفعولين قول عقبة بن هبيرة الأسدي يخاطب معاوية:
فهبْها أمَّةً هلكتْ ضَيَاعًا … يزيدُ أميرُها وأبو يزيدِ (١)
ثانيا: أفعال التعبير والتحويل:
وهي التي تفيد تحول معنى الاسم إلى معنى الخبر، تقول: "صيَّرَ النجَّارُ الخشَبَ كرسيًّا وجعلَ الصائغُ الذهبَ قِلادةً"، فمن البيّن أن الخشب قد تحول -بالصنعة- إلى كرسي، وأن الذهب قد تحول -بمهارة الصائغ- إلى قلادة، وأهم أفعال التصيير والتحويل سبعة هي "صَيَّرَ، جَعَلَ، اتَّخَذَ، تَخِذَ، رَدَّ، تَركَ، وَهَبَ".
١ - صيَّرَ: كقولك: "صيرتُ الصّدقَ عادةً لي".
٢ - جَعَلَ: بمعنى "صيّر" كقولك لصديق مريض: "جعلني الله فداءك" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٢).
٣ - اتَّخَذَ: بمعنى "صيّر" أيضًا، كقولك: "اتخذْتُ الضّميرَ هاديًا في سلوكي واتخذتُ العقلَ مرشدًا في تفكيري" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣).