١ - إذا جاءت بعد "لمّا، الحينيَّة" كقول القرآن: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (١).
٢ - إذا جاءت بين القسم وأداة الشرط "لو" مثل "أحلفُ بالله أن لو غضبتُ ما ظَلَمْتُ" ومن ذلك قول المسيب بن علس:
فأقسمُ أن لو التقينا وأنتُمُ … لكان لكم يومٌ من الشّرِّ مُظْلِمُ (٢)
٣ - أن تقع بين حرف الجر "الكاف" ومجرورها، تقول: "بدا السرابُ في الصحراء كأنْ سحابٍ".
الاستعمال الثالث: المخففة من الثقيلة:
معنى "المخففة من الثقيلة" أن أصلها "أن" الناسخة التي تنصب الاسم وترفع الخبر ولكن خفقت نونها فأصبحت نونا واحدة ساكنة.
وتكون "أنْ" مخففة من الثقيلة إذا سبقها في الكلام ما يفيد اليقين أو الظن فيأتي الفعل بعدها مرفوعًا، ويفصل منها بأحد الحروف التالية "السين، سوف، النفي، قد، لو" (٣) تقول: "عملتُ أنْ ستبذلُ غايةَ جهدك بعد ما ظننتُ أنْ لا تقدّرُ مسئوليتك" ومن ذلك قول القرآن:
﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٤).
стр. 352
"وحسبوا أَلا تكونُ" (١) في قراءة رفع تكون.
قال ابن هشام عن الواقعة بعد الظن: يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة فيكون حكمها -كما ذكرنا- ويجوز أن تكون ناصبة وهو الأرجح في القياس والأكثر في كلامهم، ولهذا أجمعوا على النصب في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فقرئ بالوجهين ا. هـ.
ومعنى ذلك باختصار: أن "أنْ" الواقعة بعد اليقين مخففة من الثقيلة دون توجيه آخر، أما الواقعة بعد الظن فيصح أن تكون مخففة من الثقيلة وأن تكون ناصبة للمضارع، وستأتي.
الاستعمال الرابع: المصدرية الناصبة للمضارع:
وهي غير ما سبق من استعمالات "أن" الثلاثة.
- يقول أحد الشعراء المعاصرين:
أريدُ أنْ أعشَقَ أنْ ألمَسَ الـ … ـأعماقَ أن ألمسَ أعماقي
أن أعبدَ الله كما لم أكن … أعبدُه في عمري الباقي
بي ظمأٌ بي ظمأٌ قاتلٌ … فأين يَنبوعُك يا ساقي (٢)
ويقال عنها في الإعراب "حرف مصدري ونصب" فهي حرف مصدري
стр. 353
تؤول مع ما بعدها بمصدر يشغل الوظائف النحوية المختلفة، وهي حرف نصب لأنها تنصب الفعل المضارع.
لكن ورد من الشعر المجهول القائل:
يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسكما … وحيثما كنتُما لاقيتُما رشدا
إن تَقْضِيَا حاجةً لي خفّ محملُها … تَسْتَوْجِبَا منَّة عندي لها ويدا
أن تقرآن على أسماءَ ويحكُما … منّي السّلامَ وأن لا تُشعرا أحدا (١)
وقد أثار البيت الأخير مناقشات حادة، إذ جاء الفعل "تقرآن" مرفوعا بعد "أن" وهذا ما دعا إلى القول بأن الحرف "أن" يهمل، فلا ينصب الفعل المضارع.
والحق أنه لا داعي لكل ذلك، فهذه لغة الشعر، ويؤيد ذلك الشطر الثاني من البيت، إذ استخدمت فيه "أن" ناصبة للمضارع، وهذا يناقض إهمالها، إذ لا يعقل أن يستخدم الشاعر لغات متعددة لحرف واحد وفي بيت شعري واحد.
الحرف الثاني: لَنْ:
لاحظ الأمثلة الآتية:
стр. 354
لن أخونَ العهد ولن أقصّرَ في الواجب.
ولن أكذبَ ولن أغشَّ ولن أخادعَ.
يعبر المعربون عن الحرف "لن" بقولهم "لن: حرف نفي ونصب واستقبال" فهي تفيد النفي، وينصب المضارع بعدها، ويصير معناه خالصا للمستقبل بعد أن كان صالحا بدلالته على الحال والمستقبل، وإلى هنا اتفق النحاة والمعربون في شأن "لن".
أما أن هذا الحرف يفيد تأبيد النفي، بمعنى أنك إذا قلت لن أخطئ في حق غيري فمعناه أنك لن تخطئ أبدا، فيبدو أن الاستعمال العربي لا يؤيده، ولنتأمل الاستعمال القرآني:
- ما جاء على لسان مريم: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (١) "النفي مقيد باليوم فهو غير مؤبد".
- ما جاء عن الكفار والموت ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (٢) … "كلمة: أبدا أفادت التأبيد، لا: "لن".
وأما أن هذا الحرف يقيد تأكيد النفي، فإذا قلت: "لن أنافِقَ القَوِيَّ ولن أحتقِرَ الضّعِيفَ" فهو أقوى في النفي من قولك: "لا أنافِقُ القَوِيَّ ولا أحتقِرُ الضعيفَ" فإن المتأمل للاستعمال العربي يتأكد لديه أنه لا مزية للحرف "لن" على غيره من أدوات النفي في إفادة المعنى.
والخلاصة أن الحرف "لن" يفيد النفي والنصب والاستقبال، وما عدا ذلك لا يؤيده الاستعمال.
стр. 355
الحرف الثالث: إذن:
لاحظ المحادثة التالية:
- سألتقي بك الليلةَ في الرابعة مساء.
- إذن نذهبَ معًا للنزهة.
- ولعلك تذكرُ حفل الكلية في الثَّامنةِ مساء.
- إذن نتوجهَ إليه بعد ذلك.
يقول المعربون: "إذن: حرف جواب وجزاء" فهي بذلك تأتي في جواب كلام سابق، وهي أيضا تفيد المكافأة في هذا الجواب، أما أنها تفيد الجواب فهذا أمر لازم لها لا يتخلف عنها، وأما أنها تفيد الجزاء فليس أمرا دائما والمحادثة السابقة لا جزاء فيها، لكن في المحادثة التالية:
- سأنتبهُ للأسَاتذةِ وأذاكرُ بفهْم.
- إذن تتفوَّقَ.
ففي هذه المحادثة تتضح المكافأة وهي "التفوق" فهي هنا حقا حرف جواب وجزاء، وسواء أفادت الجواب فقط أم الجواب والجزاء، فإنها تنصب الفعل المضارع بعدها، بشرط أن يتوافر لجملتها الصفات التالية:
أ- أن تقع "إذن" في أول جملة الجواب، فلا يتقدمها شيء غيرها فإن وقعت حشوا لم تنصب المضارع، بل يرفع، كما يعلق رئيس العمال في أحد المصانع على حسن سير العمل بقوله: "العمل إذن يتقدَّمُ بسرعة، والعمالُ إذن يؤدّون واجباتهم بإخلاص".
ب- أن يكون الفعل بعدها مستقبلا، أي خلص معناه للمستقبل
стр. 356
فلا يدل على الحال، فإن دل على الحال لم ينصب المضارع، بل يرفع، كما يبدو في المحادثة التالية:
- نزل الفريقان أرضَ الملعبِ وبدأت المباراة.
- إذن يلعبان مباراةً شائقة.
ج- أن تتصل "إذن" بالفعل بعدها، فلا يفصل بينهما فاصل، كما هو واضح في الأمثلة السابقة، فإن فصل بينهما فاصل رفع الفعل بعدها ولنتأمل ما يلي:
- أتَمَنَّى أن تُثَقِّفَ نفسك بقراءتِك الذاتية.
- إذن -في الإجازة الصيفية- أحقِّقُ هذه الأمنية.
- وقد استثني من الشرط الأخير "الفصل بالقسم" حيث ينصب الفعل المضارع مع الفصل به، وأشهر ما ورد شاهدا لذلك قول حسان بن ثابت:
إذَنْ واللهِ نرميَهم بحربٍ … تُشِيبُ الطفلَ من قبلِ المشيبِ (١)
الحرف الرابع: كَيْ
تأتي "كي" في اللغة بالاستعمالات الآتية:
الاستعمال الأول: حرف مصدري ونصب
لاحظ من الأمثلة ما يلي:
- جئتُ لكي أطمئنَّ عليك.
- وأحضرتُ الطبيب لكي يراك.
стр. 357
فالحرف "كي" في هذا الاستعمال "مصدري ونصب" مثل "أن" الناصبة للمضارع تماما، وإنما تكون كذلك إذا تقدم عليها حرف الجر "اللام" ومن ذلك قول القرآن: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (١).
الاستعمال الثاني: حرف تعليل وجر:
لاحظ من الأمثلة ما يلي:
دعوتُ الله كيما أنْ يُسَاعِدَنِي.
ورجوتُه كيما أنْ يرعاني.
فالحرف "كي" هنا حرف تعليل وجر -مثل اللام تماما- وإنما تكون كذلك إذا فصل بينها وبين الفعل "أن: المصدرية".
وقد ورد على هذا الاستعمال قول جميل:
فقالتْ أكلَّ الناسِ أصبحتَ مانحًا … لسانَك كيما أنْ تَغُرَّ وتَخْدعا (٢)
الاستعمال الثالث: حرف مصدري ونصب -أو- تعليل وجر "وجهان":
لاحظ من الأمثلة ما يلي:
стр. 358
- الاستقامةُ عاملٌ مهمٌّ كي يتحقَّقَ الأمل.
- والانحرافُ عاملٌ مدمّرٌ لكيما أنْ تتعثَّرَ الحياة.
وفي هذا الاستعمال يصح في الحرف "كي" الوجهان، أن تكون مصدرية وأن تكون تعليلية، وإنما تكون كذلك إذا خلت مما يجذبها للمصدرية أو التعليلية، أو إذا تنازعها ما تكون به مصدرية وتعليلية، ويأتي ذلك كما يلي:
١ - إذا لم يتقدم عليها "اللام" ولم تأت بعدها "أن" المصدرية، حيث تستعمل وحدها في الجملة، كقول القرآن عن المال: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ فيصح توجيه "كي" مصدرية أو تعليلية.
٢ - أن يتقدم عليها "اللام" وتتأخر عنها "أن" فاللام تقتضيها مصدرية ووجود "أن" يقتضيها تعليلية، حينئذٍ يصلح توجيهها على أنها مصدرية أو تعليلية كما في المثال السابق "الانحرافُ عاملٌ مدمّرٌ لكيما أنْ تتعثّرَ الحياة".
إضمار "أن" وجوبا
هكذا يرى جمهور النحاة: تضمر "أن" وجوبا، فهي لم تظهر أبدا ومع ذلك فهي مقدرة بعد حرفين من حروف الجر، وثلاثة من حروف العطف، ففي الأمثلة:
لولا الجامعةُ ما كنت لأتثقَّفَ علميًّا أو لأتهذَّبَ اجتماعيًّا.
وإنني لأبذلُ غايةَ الجَهْدِ حتى أحققَ الغايتين معا.
الأفعال "أتثقف، أتهذب، أحقق" على التوالي منصوبة "بأنْ" مضمرة وجوبا، أي مضمرة دائما ولا تظهر أبدا.
стр. 359
والذي دعا إلى هذا التقدير الغريب أمر ذهني هو "الرغبة في اطّراد القواعد" وتوضيح ذلك فيما نحن بصدده أن إضمار "أن" -كما سنعرف بالتفصيل- يأتي بعد حرفين للجر هما "لام الجحود، حتى" وبعد ثلاثة للعطف هي "أوْ، فاء السببيبة، واو المعية" فإذا جاء المضارع منصوبا بعد الأولى يجب أن تبقى حروف جر، ويبحث له عن حرف نصبه هو "أن" المضمرة، وإذا جاء منصوبا بعد الأخيرة، يجب أن تبقى حروف عطف ويبحث له عن ناصب هو "أن" المضمرة.
ذلك منطقهم!! وهو منطق متكلف، ومن السهل نقضه، إذ إن استعمال هذه الحروف مع الأفعال المنصوبة يختلف عن استعمالها حروف جر أو عطف مع غيرها، فلماذا يفرض استعمال على استعمال!! ولماذا لا تكون مع الأفعال المنصوبة حروف نصب مثل الحرف "أن" تماما!! لعل ذلك كان وجهة نظر الكوفيين ومن يعتد بهم من النحاة -كابن مضاء- الذين قالوا بما يقرب من هذا الرأي السابق.
وعلى كل حال، فسنتناول هذه الحروف الخمسة، واحدا بعد الآخر على أساس أن "أنْ" مضمرة بعدها متابعة لجمهور النحاة.
الحرف الأول: لام الجحود "لام التعليل، لام العاقبة":
لاحظ الأمثلة التالية:
غداة الهزيمةِ لم يكنْ هناك عربيٌّ ليقْبَلَ العارَ
وما كان أحدٌ ليتوقّعَ أن يحدُثَ ما حَدث. … "لام الجحود".
لكن اليهود بيَّتُوا الغدرَ ليُفاجئونا. … "التعليل".
стр. 360
فهاجموا مواقعَ الطيرانِ لينتصروا انتصارًا رخيصًا مُذهِلا. … "العاقبة".
لام الجحود: الجحود معناه: شده الإنكار والرفض، ومن ذلك ما يقال: "جحد الكفار الإسلام" أي: أي رفضوه أشدّ الرفض، ولام الجحود تفيد النفي المؤكد.
وتحدد نحويا بأنها هي التي تقع بعد "مَا كَانَ" أو بعد "لم يَكُنْ".
ومن البيّن أن "ما كان" نفي، وأيضا "لم يكن" نفي، فتأتي اللام بعد ذلك مفيدة تأكيد النفي، كقولك: "لم أكن منافقًا لأكذِبَ وما كنت نَمَّامًا لأفسِدَ ما بين الناس" ومن ذلك قول القرآن:
- ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (١).
- ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢).
وهذه اللام تضمر "أن" بعدها وجوبا، فالفعل منصوب "بأن المضمرة" هذا .. وتستعمل اللام أيضًا مع المضارع الاستعمالين الآتيين:
لام التعليل: وهي التي يكون ما بعدها سببا فيما قبلها، إذ تفيد أن ما قبلها يترتب على ما بعدها، كقولنا: "جاهد الرسولُ ليُسلمَ النَّاس، ورفض الطغاةُ ليعاندوه" ومن ذلك قول القرآن:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٣).
стр. 361
- ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
لام العاقبة: وتسمى أيضا "لام الصّيرورة" و "لام المآل" وهي التي يكون ما بعدها غير متوقع بالنسبة لما قبلها، فهو أمر مفاجئ لم يكن منتظرا كالمثال السابق "هاجمت إسرائيلُ لتنتصرَ انتصارا رخيصا مذهلا" فالانتصار -بهذا الوصف- كان مفاجأة بالنسبة للهجوم، ومن ذلك قول القرآن عن موسى:
- ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
والفعل بعد اللامين الأخيرتين -لام التعليل والعاقبة- ينصب "بأن" مضمرة جوازا.
قال النحاة: لأنه يمكن النطق بها بعد هذين الحرفين بخلاف لام الجحود.
لكن ينبغي التنبه إلى استدراك على إضمار "أن" مع لام التعليل، هذا الاستدراك توضحه الأمثلة التالية:
بكَّرتُ في اليقظة لئلَّا أتاخرَ في النَّوم. … "ظهرت "أنْ" بعد اللام".
وجئتُ سريعا لئلَّا يفوتَ الموعد. … "ظهرت "أنْ" بعد اللام".
وملخص هذا الاستدراك: أنه إذا توسط بين لام التعليل والفعل المضارع حرف "لا" فإنه يجب إظهار "أن" ولا يصح إضمارها.
ومن ذلك قول القرآن:
- ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).
стр. 362
الحرف الثاني: حتّى:
ينبغي درس ما يتعلق بهذا الحرف من ناحيتين:
الأولى: استعمالات "حتى" في الكلام العربي
الثانية: "حتى" حين ينصب بعدها المضارع
الناحية الأولى: "حتى" في الكلام العربي
تجيء في اللغة كما يلي:
أولا: حرف جر:
- سنجاهدُ حتى الرمقِ الأخير.
- وسنحرّرُ أرضَنا حتى آخرِ شبرٍ فيها.
فهي في ذلك حرف جر مثل "إلى" ولها شروط خاصة ستأتي في مكانها في باب "حروف الجر".
ثانيا: حرف عطف:
لاحظ الأمثلة التالية:
- وَسِعَ قلبُ الرّسولِ كلَّ النَّاسِ حتّى العصاةَ.
- وشمِلَ عدلُ عمرَ الرّعية حتى الظلمةَ.
فهي هنا حرف عطف، وما بعدها تابع لما قبلها، ولها صفات خاصة ستأتي في مكانها في باب "عطف النسق".
ثالثا: حرف ابتداء:
لاحظ الأمثلة التالية:
- راقتْ سهرةُ الليلة حتّى السّهادُ شائقٌ.
стр. 363
- وطالتْ سهرَتُنا حتى انصرفنا في الفجر.
- وكان الكونُ ساكِنًا حتى يتجاوَبُ فيه الصمتُ.
ففي هذه الأمثلة جميعا وقع بعد الحرف "حتّى" جملة اسمية أو جملة فعلية، فعلها ماض أو مضارع مرفوع، فهي في كل ذلك حرف ابتداء.
هذا وقد وقفت كتب النحو عند المضارع المرفوع بعد "حتى" -في باب إعراب المضارع- فوضعوا من شروطه ما تلخصه العبارة الآتية "أن يكون ما قبلها سببا فيما بعدها، وأن يكون المقصود بالفعل المضارع بعدها الزمن الحالي بالنسبة للمتكلم".
وبالتطبيق على المثال السابق يتضح أن الفعل في "يتجاوبُ فيه الصمت" سببه "سكون الكون" وأن هذا الفعل صاحب ما قبله، فهو يحدث معه، وهو أيضًا صاحب وقت المتكلم به، إذ نطقت هذه الجملة بعد سهرة شائقة بين أصدقاء خرجوا بعدها يجوبون الشوارع في صمت الفجر.
هذا ويمثل النحاة للفعل المضارع المرفوع بمثال مشهور هو "مرِض زيد حتى لا يرجونه" (١).
رابعا: ما ينصب بعدها المضارع:
لاحظ الأمثلة التالية:
يناقشُ القاضي الأدلة حتى تظهر الحقيقة.
стр. 364
- وكلُّ إنسانٍ بريءٌ حتى تثبت إدانَتُه.
وكلُّ متّهمٍ تحت الشك حتى تبرأ سَاحَتُه.
في هذه الأمثلة ينصب الفعل بعد "حتى" باعتبارها حرف جر والفعل منصوب "بأنْ" مضمرة على ما هو رأي جمهور النحاة، أو باعتبار "حتى" حرفا ينصب المضارع على ما هو رأي الكوفيين، وقد اشترط لنصب المضارع بعدها شرط مهم تلخصه العبارة التالية "أن يكون الفعل الذي بعدها مستقبلا بالنسبة لما قبلها، سواء أكان مسببا عنه أم لا".
وبتأمل الأمثلة السابقة يتضح فيها جميعا أن ما بعد "حتى" مستقبل بالنسبة لما قبلها، وربما يكون مستقبلا أيضا بالنسبة للمتكلم، مما يحدده ظروف النطق بها.
ومن شواهد هذا الاستعمال الرابع ما يلي:
- قول القرآن: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١).
- قول القرآن: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (٢).
الناحية الثانية معاني "حتى" مع نصب المضارع.
تأمل الأمثلة التالية:
стр. 365
سأسهرُ الليلَ حتى يطلعَ الصباح … "بمعنى: إلى".
وسأصابرُ السّفيه حتى يفارِقَ … "بمعنى: إلى".
سأعملُ بجدٍّ حتى أتفوَّقَ … "بمعنى: كي".
وأؤدي الواجبَ حتى أرضي ضميري … "بمعنى: كي".
الحرف "حتى" الذي ينصب بعده المضارع يأتي بالمعاني الآتية:
أ- بمعنى "إلى" إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كما هو واضح في المثالين الأولين، ومن ذلك ما يمثل به النحاة من قولهم: "لأسيرَنَّ حتى تطلُعَ الشمس".
ب- بمعنى "كي" إذا كان ما قبلها سببا فيما بعدها، كما هو واضح في المثالين الأخيرين، ومن ذلك ما يمثل به النحاة من قولهم: "أسْلِمْ حتى تدخُلَ الجنة".
ج- قد تصلح للمعنيين السابقين جميعا إذا كان الظرف اللغوي الذي ورد فيه الكلام صالحا لهما.
الحرف الثالث: أوْ:
لاحظ الأمثلة الآتية:
أتقنُ عملي بإخلاصٍ أو أرضِيَ ضميري. … "بمعنى إلى".
وأناضِلُ ضدَّ الزَّيف أو تنجليَ الحقيقة. … "بمعنى إلى".
لا أتركُ ما أقتنعُ به أو يثبتَ أنه خطأ. … "بمعنى إلَّا".
وأصدِّقُ حديثَ النصحِ أو أحِسَّ غشه. … "بمعنى إلَّا".
يأتي هذا الحرف في اللغة وبعده الفعل المضارع المنصوب، وفي هذه الحالة يكون له المعنيان التاليان:
стр. 366
أ- أن تكون بمعنى "إلى" إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، ويمثل له النحاة بقولهم: "لألْزَمَنَّك أو تقضيَني حقّي"، ومن ذلك قول الشاعر:
لأسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أو أدْرِكَ المنى … فما انقادت الآمالُ إلا لصابر (١)
ب- أن تكون بمعنى "إلا" إذا كان ما بعدها مستدركًا على ما قبلها، ويمثل له النحاة بقولهم: "لأقتلَنَّ الكافِرَ أو يُسْلِمَ"، ومن ذلك قول زياد الأعجم:
وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ قومٍ … كسرتُ كُعوبَها أو تستقيما (٢)
قال علماء النحو: إنها تعطف مصدرا مؤولا على مصدر متوهم، والمؤول يجيء من "أن" المضمرة والفعل بعدها، والمتوهم يتخيل مما قبلها.
الحرف الرابع: فاء السببية:
لاحظ الأمثلة الآتية:
هل نتعلمُ من الماضي فنعتبرَ في الحاضر!!
الحقيقة: أن بعضنا لا يتعلَّمُ منه فيقعَ في الخطأ.
فهلَّا أخذنا حِذْرَنا فنتجنَّبَ العَثَرات
стр. 367
اسمها "فاء السبيبة" لأن ما بعدها يترتب على ما قبلها، أو بعبارة أقرب يتسبب عما قبلها، كما هو ملاحظ من أن "الاعتبار في الحاضر" يترتب على "التعلم من الماضي" في المثال الأول، وكذلك "الوقوع في الخطأ" الذي يترتب على "عدم التعلم من الماضي" وهكذا.
وهذه الفاء يأتي المضارع بعدها منصوبا -على الرأي الشائع- بأن مضمرة وجوبا، وإنما يكون ذلك إذا سبقها ما يلي:
أ- الطلب بأنواعه المختلفة "الأمر، النهي، الدعاء، الاستفهام، العرض، التحضيض، التمني، الرجاء".
ب- النفي.
ومما ورد شاهدا لذلك ما يلي:
- قول القرآن عن أهل النار: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (١).
- قول القرآن: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٢).
- قول الشاعر:
ربِّ وَفِّقني فلا أعدِلَ عن … سَنَنِ السَّاعين في خيرِ سَنَن (٣)
стр. 368
- قول الآخر:
هل تعرفون لبَانَاتي فأرجُوَ أنْ … تُقْضَى فيرتدَّ بعضُ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ (١)
وهكذا بقية أنواع الطلب وصور النفي.
الحرف الخامس: واو المعية:
لاحظ الأمثلة الآتية:
الإنسانُ الذكيُّ لا يعتدي على الناس ويأخُذَ حِذْرَه منهم.
فلا تُسَالِم النَّاسَ وتأمنهم، فإنّ ذلكَ بَلاهَة.
تسمى "واو المعية" ومعناها: مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وعلامتها أن يصح وضع كلمة "مع" مكانها، ولا يختل المعنى.
هذه الواو ينصب المضارع بعدها -على ما هو الشائع- بأن مضمرة وجوبا في المواضع نفسها التي ترد فيها فاء السببية، وهي جمل النفي والطلب ومما ورد لذلك الشواهد الآتية:
- من القرآن: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
- قول الحطيئة:
стр. 369
ألَمْ أكُ جارَكم ويكونَ بيني … وبينكم المودَّةُ والإخاءُ (١)
- قول أبي الأسود:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم (٢)
وهكذا بقية أنواع الطلب وصور النفي.
إضمار "أنْ" جوازا:
لاحظ الأمثلة الآتية:
لولا الضميرُ فيزجُرَ العُصَاةَ لتمادَوا في الشر.
ولولا الحربُ ويرتدعَ الطّغاةُ لعمَّتْ الفوضى.
ومن دلائلِ الإيمانِ مجاهدةُ المرءِ نفسَه أو يحاولَ هذه المجاهدة.
ومن المفيد في الحياة استقامة خلق الإنسان ثم يداوم على ذلك.
في الأمثلة السابقة أفعال مضارعة منصوبة هي على التوالي "يزجر، يرتدع، يحاول، يداوم" وبمعاودة النظر لهذه الجمل يتضح الآتي:
أ- أن الفعل قد جاء بعد أحد حروف العطف الأربعة "الواو، الفاء، أو، ثم".
ب- أنه قد سبقه اسم معطوف عليه هو على التوالي في الأمثلة "الضمير، الحرب، مجاهدة، استقامة".
стр. 370
قال النحاة: ولا بد أن يكون هذا الاسم -المعطوف عليه- خالصا من التأويل بالفعل ا. هـ.
ومعنى هذا أنه لا يصح وضع الفعل موضعه، وغالبا ما يكون مصدرًا أو اسم ذات.
وبناء على ذلك: فالفعل المضارع الذي يرد بعد أحد حروف العطف الأربعة السابق ذكرها، ويتقدم عليه الاسم الخالص معطوفا عليه، هذا المضارع ينصب -على ما هو الشائع- بأن مضمرة جوازًا، ويصحّ إظهارها في الكلام ومن ذلك الشواهد التالية:
- قول القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ (١).
- قول ميسون بنت بَحْدَل زوج معاوية تشكو حياة الترف:
ولُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقرّ عيني … أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفوف (٢)
- قول أنس بن مدركة الخثعمي:
إني وقَتْلِي سُلَيْكًا ثم أعْقِلَهُ … كالثور يُضربُ لما عافت البقرُ (٣)
стр. 371
إضمار "أنْ" شذوذا:
سبق عرض الحروف التي يرد المضارع منصوبا بعدها، وأن ذلك النصب في الرأي الشائع، بأن مضمرة وجوبا أو جوازا.
أما ما ورد من العبارات منصوبا فيه المضارع من غير المواضع السابقة فيقتصر فيه على السماع من العرب، ويعتبر منصوبا "بأن مضمرة شذوذًا" ومن ذلك:
- قول العرب في المثل "تسمعَ بالْمُعَيدِيِّ خيرٌ من أن تراه" تقديره: أن تسمع.
- قول العرب في المثل" خذ اللصَّ قبل يأخذَك" تقديره: أن يأخذك.
- قول العرب "مُرْه يحفرَها" تقديره: أن يحفرها.
- قول طرفة بن العبد:
ألا أيهذا الزَّاجري أحضُرَ الوغى … وأنْ أشْهَدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدِي (١)
تقديره "أن أحضر الوغى"
ويبدو -إن لم يجانبني التوفيق- أن من رَوَوْا هذه العبارات النثرية عن العرب قد أخطئوا السماع، فسقط الحرف "أنْ" من النطق في الرواية ثم درست كذلك، أما البيت الشعري وأمثاله، فقد سقط منه "أنْ" لإقامة الوزن ضرورة.
стр. 372
جزم الفعل المضارع:
١ - الجزم في جواب الطلب.
٢ - ما يجزم فعلا واحدًا "لَمْ، لَمَّا، لام الطلب، لا: الطلبية".
٣ - ما يجزم فعلين "إنْ، إذْ مَا، مَنْ، مَا، مَهْمَا، مَتَى، أيَّانَ، أيْنَ، أنَّى، حَيْثُمَا".
٤ - من المسائل المهمة في الجملة الشرطية ما يلي:
أ- اقتران جواب الشرط بالفاء.
ب- العطف "بالواو، الفاء" بين الشرط والجزاء أو بعدهما.
ج- اجتماع الشرط والقسم.
د- الحذف في أجزاء الجملة الشرطية.
٥ - أدوات الشرط غير الجازمة.
الجزم في جواب الطلب:
لاحظ الأمثلة التالية:
- استقِمْ تغنمْ راحةَ الضمير ورِضا الله.
- وتعلَّمْ من أخطائك تتجنب الوقوع في غيرها.
- لا تترَدَّدْ تُحقِّقْ ما تريد.
الأفعال "تغنم، تتجنب، تحقق" في الأمثلة السابقة مجزومة، وقد تقدم عليها ما يدل على الطلب وهو الأمر في المثالين الأولين، والنهي في المثال
стр. 373
الثالث، ومن ذلك قول القرآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (١) ويطلق المعربون -كما هو مشهور- على الفعل المجزوم أنه "مجزوم في جواب الطلب".
هذا الأسلوب ينبغي أن تتحقق له الصفات التالية:
أ- أن يتقدم الطلب قبل الفعل المجزوم، فإن كان الكلام مثبتًا أو منفيًّا لا يجزم المضارع، بل يرفع، تقول: "إنك منافقٌ تدعي صداقتي تودُّ عدوي" وتقول: "إنك صديق مخلص، فأنت لا تخذلُني تنصرُني".
ب- أن يكون المضارع المجزوم مترتبا على الطلب السابق، بأن يكون مسببا عنه في العادة والعرف، فإن لم يكن كذلك رفع المضارع، مثل "اغنمْ من الحياة فرصةً تسنحُ لك" و "خذ من حياتك لنفسك ساعةً تمرح فيها" فالمضارع في المثالين غير مسبب عن الطلب السابق، فهو مرفوع على أنه صفة لما قبله.
ج- أن يكون النهي -وهو واحد من صور الطلب- في الجملة مما يمكن رفعه من الكلام ويوضع موضعه "أداة شرط + لا النافية + فعل شرط" ويصح المعنى -وحينئذٍ يجزم المضارع، فإذا لم تصلح تلك التجربة رفع الفعل المضارع، ولم يجزم، لاحظ الآتي:
- لا تُصادِق الأشرارَ تَتَّقِ الشبهات. … "يصح: إنْ لا تصادق الأشرارَ تَتَّقِ الشبهات، الفعل مجزوم".
- لا تُصادق الأشرارَ تتحملُ وِزرَهم. … "لا يصح: إن لا تصادق الأشرار تتحمل وزرهم؛ لفساد المعنى، الفعل مرفوع.
стр. 374
ويبدو أن السبب في هذا الشرط الأخير هو الشرط الثاني، فإن هذه التجربة الذهنية السابقة لصحة المعنى إنما هي وسيلة -مع النهي خاصة- لمعرفة ترتب الفعل على الطلب أو عدم ترتبه عليه، وبذلك يكون جزمه أو رفعه.
وقد وضع ابن هشام لذلك علامة في قوله:
"وشرط الجزم بعد النهي كون الجواب أمرا محبوبا كدخول الجنة والسلامة في قولك: "لا تكفرْ تدخل الجنة" و "لا تدنُ من الأسد تسلَم" فلو كان أمرا مكروها كدخول النار وأكل السبع في قولك: "لا تكفرْ تدخلُ النار" و "لا تدنُ من الأسد يأكلُك" تعين الرفع ا. هـ.
الحروف التي تجزم فعلا واحدا:
وهي أربعة أحرف "لم، لما، لام الطلب، لا: الطلبية" ويمكن الحديث عنها في مجموعتين على النحو التالي:
المجموعة الأولي: لم، لما:
لاحظ الأمثلة الآتية:
الشعب الواعي من لم ينخدع بالمظاهر والكذب.
لكن: ألم نكذبْ على أنفسنا حتى فاجأتنا الحقيقة؟
وألمّا ننافق الأقوياءَ ونُغْفَلْ صوتَ العقل؟
ومع ذلك فلمَّا نفقدْ كلَّ الأملِ بعد.
من حروف جزم المضارع "لم، لمّا" ويطلق على الأول أنه "حرف نفي وجزم وقلب" ومعنى ذلك أنه ينفي المضارع المثبت، ويجزمه، ويقلب معناه للماضي، ويطلق على الحرف الثاني -لمَّا- مثل الأول تمامًا.
стр. 375
وتدخل على كل منهما همزة الاستفهام، كقول القرآن: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١) وقول العرب: "ألَمَّا تصحُ والشيبُ وازعُ".
وإلى هنا يتفق الحرفان الجازمان "لم، لما" لكنهما يختلفان بعد ذلك من حيث تحديد المعنى والاستعمال اللغوي.
أما من حيث تحديد المعنى -مع أنهما يفيدان النفي- فيتمثل ذلك في أمرين:
أ- أن "لمْ" تنفي الماضي مطلقا بصرف النظر عن استمرار النفي حتى وقت التكلم، أما "لمّا" فإنها تنفي الماضي، حتى زمن التكلم.
ب- أن "لمْ" تنفي الماضي ولا شأن لها بالمستقبل، أما "لمّا" فإنها تنفي الماضي مع توقع حدوث ما نُفِيَ في المستقبل.
فلنلاحظ الشواهد التالية:
- قول القرآن: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (٢).
- قول القرآن: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإيمَانُ فِي قُلُوبِكُم﴾ (٣).
- قول الشاعر:
فإن كنتُ مأكولًا فكنْ خيرَ آكلٍ … وإلَّا فأدركْني ولما أُمَزَّقِ (٤)
стр. 376
وأما الذي يتعلق بالاستعمال اللغوي فأمران أيضا:
أ- أن الحرف "لم" يأتي بعد أداة الشرط "إن" فتقول: "إنْ لم تتعلَّمْ من أخطائِك وقعت فيها" ولا يصح ذلك مع "لمّا" فلا تقول: "إنْ لمَّا".
ب- أن "لم" لا يحذف المضارع بعدها بخلاف "لمّا" فإنه يصح في النثر والشعر حذف المضارع بعدها، تقول: "كدت اليوم أخرج للنزهة لكن لما" أي "لما أخرج".
المجموعة الثانية: لام الطلب، لا: الطلبية:
لاحظ الأمثلة التالية:
ليتمسك الأحرارُ بحريتهم.
وليدافعوا عنها بكل ما يستطيعون.
فلا تعتدِ على حرياتِ الآخرين.
ولا تترك غيرَك يعتدي على حريتك.
تسمى اللام في المثالين الأولين "لام الطلب" كما تسمى في المثالين الأخيرين "لا: الطلبية" والفرق بين الاثنين أن الأولى تطلب الفعل، أما الثانية فإنها تطلب الترك.
стр. 377
فإن كان طلب الفعلِ للتوجيه فهي "للأمر" كخطاب الله لأهل الغنى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾.
وإن كان طلب الفعل للاستعطاف فهي "للدعاء" كخطاب أهل النار لخازن النار: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
وكذلك إن كان طلب الترك بالحرف "لا" للتوجيه، فهي "للنهي" مثل "لا تنسَ حقَّك على نفسك، ولا تُهملْ حقَّ اللهِ عليك" ومن ذلك قول الرسول لأبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) وإن كان طلب الترك للاستعطاف فهي "للدعاء" مثل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢).
ما يجزم فعلين:
إن تراقبْ ضميرَك تُتْقنْ عملك.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾.
هي الأدوات التي تدخل جملة تفيد تعليق أمر على آخر بواسطة هذه الأدوات، وتسمى هذه الجملة "جملة شرطية" وتتكون من:
أ- أدوات الشرط: الإحدى عشرة الجازمة
ب- جملة الشرط: وتحتوي على الفعل المضارع المجزوم، ويسمى "فعل الشرط".
ج- جملة جواب الشرط: وتحتوي على الفعل المضارع المجزوم ويسمى "فعل جواب الشرط".
هذه الأدوات الإحدى عشرة تنقسم من حيث نوع الكلمة العربية إلى قسمين رئيسين:
стр. 378
القسم الأول: إن، إذْ ما
وهما من الحروف، الأداة الأولى باتفاق النحاة، والأداة الثانية على الاتجاه المشهور، فلنلاحظ الأمثلة التالية:
إنْ تُحافظ الأمّةُ على علمائِها، تصُنْهم من الابتذال.
وإذْ مَا يَسُدْ هذا الخلقُ فيها، يُساعدْ على رُقيّها.
- قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (١).
- قال الشاعر:
وإنك إذْ مَا تأتِ ما أنت آمِرٌ … به تُلفِ من إيَّاهُ تأمرُ آتيا (٢)
القسم الثاني: "مَنْ، مَا، مَهْمَا، متى، أيَّان، أنَّى، حَيْثُمَا، أيّ".
هذه جميعها تشترك في أنها "أسماء للشرط" لكن يختلف استعمالها بحسب الأصل على التفصيل التالي:
١ - مَنْ:
وهي في الأصل لمن يعقل، ثم ضمنت معنى الشرط، كقول زهير:
ومن لم يُصَانِعْ في أمورٍ كثيرةٍ … يُضرَّسْ بأنيابٍ ويُوطأْ بِمَنْسَمِ (٣)
стр. 379
٢ - مَا، مَهْمَا:
وهما في الأصل لما لا يعقل، ثم ضمنتا معنى الشرط، ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (١).
- قول زهير:
ومهما تكنْ عند امرئ من خَلِيقَةٍ … وإن خَالَهَا تخفى على النَّاسِ تُعْلَمِ (٢)
٣ - مَتَى، أيَّانَ:
الأصل فيهما أنهما اسمان للزمان، ثم ضمنا معنى الشرط، ومن ذلك:
- قول الحطيئة:
متى تأتِه تعْشُو إلى ضوءِ ناره … تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ (٣)
стр. 380
- قول الآخر:
أيَّانَ نُؤْمِنْك تأمنْ غيرَ ناو إذا … لم تُدْرِك الأمْنَ مِنَّا لم تزلْ حَذِرا (١)
٤ - أيْن، أنَّى، حَيْثُمَا:
الأصل فيها أنها أسماء للمكان، ثم ضمنت معنى الشرط، ومن شواهدها ما يلي:
- قول القرآن: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢).
- قول الشاعر:
خليليّ أنَّى تأتيانِيَ تأتيا … أخا غيرَ ما يُرضيكما لا يُحَاوِلُ (٣)
- قول الآخر:
حيثما تستقِمْ يُقدّر لك اللهُ … نجاحًا في غابِرِ الأزمانِ (٤)
٥ - أي:
لاحظ الأمثلة التالية:
أيّ امرئ تصادقْه تنصحْه. … "استعملت للعاقل".
وأي شيء يؤذك مرة تحذرْه. … "استعملت لغير العاقل".
стр. 381
وأيّ وقت تسنحْ فيه الفرصة تغتنمْه. … "استعملت للزمان".
وأيّ مكانٍ تجدْ رزقك فيه تسكنه. … "استعملت للمكان".
قال النحاة: كلمة "أي" بحسب ما تضاف إليه، فهي تستمد معناها من المضاف إليه، فإن كان للعاقل أو لغيره فهي له، وإن كان للزمان أو المكان فهي له، ومن شواهدها قول القرآن: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١).
اقتران أسماء الشرط ب "ما" الزائدة:
ذكر الأشموني أن الأداتين "إذ، حيث" لا بد أن تقترنا بالحرف "ما" الزائد حين استعمالهما للشرط، فيقال: "إذ ما، حيثما".
وأن الأدوات "إن، متى، أيان، أين، أي" يجوز اقترانها بالحرف "ما" أو عدم اقترانها به، راجع ما سبق من شواهدها.
أما باقي الأدوات "من، ما، مهما، أنّى" فلا تقترن به مطلقًا.
اقتران جواب الشرط بالفاء:
لاحظ الأمثلة التالية:
من يُرِدْ الاستقامةَ، فبابُ الله مفتوح.
ومن يتعلَّقْ بالشرّ، فلن يلومَ إلَّا نفسَه.
فإن تُطِعْ الخُلُقَ الكريم، فعسى أنْ تستفيد.
يقترن جواب الشرط بالفاء فيما لخصه النحاة في جملة واحدة هي "كل ما لا يصح أن يقع جملة شرط"، ثم فعلوا ذلك موضحا في الآتي:
أ- الجملة الاسمية.
ب- الجملة الطلبية مثل "الأمر، النهي، الاستفهام"
стр. 382
ج- الجملة التي يأتي في أولها فعل جامد مثل: "عسى، ليس، نعم، بئس".
د- الجملة التي يأتي في أولها أحد حرفي النفي "ما، لن".
هـ- الجملة التي يأتي في أولها أحد حروف الاستقبال "السين، سوف".
و- الجملة التي يأتي في أولها الحرف "قد".
فكل واحد من هذه المواضع إذا جاء "جملة الجواب" يجب اقترانه بالفاء وجوبًا، بل زاد بعضهم فنظمها شعرا في قوله:
اسمية طلبية وبجامد … وبما ولنْ وبقد وبالتنفيس
فلنتأمل الآيات التالية:
- ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (١).
- ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٢).
- ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣).
هذا، وينبغي أن يذكر هنا أن حرف "الفاء" في هذه المواضع واجب الذكر، ولا يصح إسقاطه إلا حين يضطر الشاعر لذلك لضيق الوزن والقافية، ويطلق على هذا اسم "ضرورة الشعر" ومن ذلك:
- قول كعب بن مالك:
مَنْ يفعل الحسناتِ اللهُ يشكرها … والشرُّ بالشرِّ عند الله مِثْلَانِ (٤)
стр. 383
- وقول الآخر:
ومَنْ لا يزلْ ينقاد للغَيِّ والصِّبا … سيُلْفى على طول السلامة نَادِمَا (١)
العطف بين الشرط والجزاء أو بعدهما:
لاحظ الأمثلة التالية:
- من يُخلصْ ويستمر على إخلاصه يثقْ به الناس. … "العطف بين الشرط والجزاء".
- ومن يُنافقْ فيشتهر بالنفاق، يحتقرْه النّاس. … "العطف بين الشرط والجزاء".
- ومن يحبَّ نفسَه فقط يكرهْه الناس ويجتنبه أصدقاؤه. … "العطف بعد الشرط والجزاء".
- ومن يبذُلْ من نفسه للآخرين يقدره الناس فيرغم أعداؤه على احترامه. "العطف بعد الشرط والجزاء".
يأتي العطف "بالواو أو الفاء" بين الشرط والجزاء، كالمثالين الأولين وحينئذٍ لك في الفعل المعطوف بعدهما نصبه وجزمه، فإن جاء العطف بعد الجزاء -كالمثالين الأخيرين- فلك رفعه ونصبه وجزمه، وهكذا ورد في اللغة.
- من القرآن: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).
стр. 384
- قول الشاعر:
ومن يقتربْ منَّا ويخضع نُؤوِه … ولا يخشَ ظُلمًا ما أقام ولَا هضْما (١)
- قول زهير:
ومن لا يُقَدَّمْ رجلَه مطمئنَّةً … فيثبتها في مُستَوى الأرضِ يَزلَقِ (٢)
فقد قرئت الآية في الفعل "يغفر" بالرفع والنصب والجزم.
وجاء البيت الأول بنصب "يخضع" والبيت الثاني ينصب "يثبت" فقط قال النحاة: والرفع على أن الحرفين -الفاء والواو- للاستئناف والنصب على أن الواو للمعية والفاء للسببية، والجزم للعطف على الشرط أو الجواب.
اجتماع الشرط والقسم:
ينبغي قبل فهم هذا الموضوع معرفة صفات الجملة التي تقع جوابًا للشرط أو جوابا للقسم، وذلك على التفصيل التالي:
أ- جواب الشرط يكون مجزومًا أو مقترنًا بالفاء على ما تقدم الحديث عنه.
ب- جواب القسم يأتي على التفصيل التالي:
стр. 385
أولا: الجملة المثبتة
إذا كانت الجملة فعلية فعلها مضارع أكد باللام -لام جواب القسم- ونون التوكيد، كقولك: "والله لأنالَنَّ حقي ولو بعد حين" وإذا كانت فعلية فعلها ماض، جاء معه اللام -لام جواب القسم- والحرف "قد" مثل قولك: "أقسم لقد اغتَرَّ الطغاةُ والغرورُ هلاك".
فإن كانت الجملة المثبتة اسمية، جاءت معها إنّ -المكسورة الهمزة- واللام -لام الابتداء- مثل قولك: "والله إنّ الراحةَ لمطلوبةٌ، وإنّ النفوسَ المجهدةَ لقليلةُ الإنتاج".
ثانيا: الجملة المنفية
سواء أكانت فعلية أو اسمية، فإنه يجب أن تنفى بأحد حرفي النفي "ما، لا" تقول: "أقسم ما نجحت أمة بغير أخلاق، ولا هلكت أمة مع التمسك بالأخلاق".
إذا علم ذلك، فماذا يكون الأمر إذا اجتمع الشرط والقسم، وكل منهما في حاجة إلى الجواب؟، لاحظ الأمثلة الآتية:
والله إن تمكنتُ لأصْنَعَنَّ المعروف. … "الجواب للقسم، وحذف جواب الشرط".
وإن لم أتمكنْ أقسم فما قصرتُ في الخير. … "الجواب للشرط، وحذف جواب القسم".
المعروفُ والله إن فعلتَه فعاقبته خير. … "الجواب للشرط، وحذف جواب القسم".
قال علماء النحو ﵏ إذا اجتمع الشرط والقسم، واتجه معناهما لجواب واحد، فإن المتقدم منهما يأخذ الجواب، أما المتأخر فيحذف جوابه، كما ترى في المثالين الأول والثاني.
فإن تقدم على كل من الشرط والقسم مبتدأ -كما في المثال الثالث- روعي الشرط تقدم أو تأخر، فكان الجواب له.
стр. 386
هذا هو الأصل في استعمال اللغة، وما ورد غير ذلك مرفوض ما لم يكن ضرورة لشاعر، لضيق الأمر عليه بالوزن والقافية، والضرورات يبحن المحظورات.
الحذف في الجملة الشرطية:
الأصل في الكلام العربي أن يكون كله مذكورا، فالحذف على خلاف الأصل، ومما يحذف جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما معا، وهذا الأخير أمره عجب!! إذ تغيب الجملة الشرطية كاملة، ولا يبقى منها سوى الأداة.
وكل ذلك إنما يصح في الكلام إذا كان المحذوف معلومًا من السياق لفظًا أو دلالة.
وعلى ذلك جاء الحذف على النحو التالي:
أولا: حذف جملة الجواب:
وهذا كثير في اللغة، تقول: "أنت ناجٍ إن احترسْتَ" والمثال المشهور في كتب النحو "أنت ظالمٌ إنْ فعلتَ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ﴾ (١) تقدير الجواب المحذوف "فافعل".
ثانيا: حذف جملة الشرط
وهذا قليل في اللغة، وأغلب ما يأتي مع أداة الشرط "إن" وبعدها "لا: النافية" كقول الأحوص يتحدث عن حبيبته التي زوجوها من غيره واسمه "مطر":
стр. 387
سلامُ الله يا مطرٌ عليها … وليس عليك يا مطَرُ السلامُ
فإن يكن النكاحُ أحلَّ شيء … فإنَّ نكاحَها مطرًا حرامُ
فلا غفرَ الإلهُ لمنْكحيها … ذنوبَهم وإنْ صلُّوا وصاموا
فطلِّقْها فلستَ لها بكُفْءٍ … وإلَّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحسامُ (١)
ثالثا: حذف الجملتين جميعا
وهذا نادر في اللغة، وأكثر ما يرد في الشعر، ومن استعماله في النثر ما يقال في مواقف العناد والتحدي "وإنْ" أو "وَلَوْ" فالتقدير "وإن اعتذر فلن أقبل اعتذاره" وأيضا "ولو هدّد فلن أخاف".
أدوات الشرط غير الجازمة:
هي تلك الأدوات التي تقوم بالربط بين شيئين أحدهما يترتب على الآخر فهذه الأدوات تستدعي إذن جملة شرطية كاملة، فيها "أداة الشرط + جملة الشرط + جملة جواب الشرط" لكن هذه الأدوات لا تجزم الأفعال لا في الشرط ولا في الجواب، فلنلاحظ الأمثلة التالية:
لو أنصفَ الناسُ، استراحَ القاضي. … "الأداة، لو".
لولا اختلافُ الأذواقِ، لبارت السّلع. … "الأداة: لولا".
إذا عرفتَ عدوَّك، أمِنْتَ غِرَّتَه. … "الأداة: إذا".
كلما ازدادَ المرءُ علمًا، قَلَّ جهلا. … "الأداة: كلما".
لما اشتدت الأزمة، انتظرت الفرج. … "الأداة لما: الحينية".
стр. 388
أشهر أدوات الشرط غير الجازمة خمس هي "لَوْ، لَوْلَا، إذَا، كُلَّمَا، لَمّا: الحينية" وإليك معاني هذه الأدوات كما ينطقها المعربون ووصفا مختصرًا للجملة الشرطية التي تقع بعدها، وشواهدها من الاستعمال العربي.
- لَوْ:
هي -كما يقول المعربون- "حرف امتناع لامتناع" ومعنى ذلك أن الجملة التي تأتي بعدها مجرد افتراض، إذ تفيد امتناع حدوث الجواب لامتناع الشرط، وتتكون جملتها الشرطية كما يلي:
أولا: جملة الشرط: تأتي على الصورة التالية:
أ- أن يكون فعل الشرط فيها فعلا ماضيًا في اللفظ والمعنى، وهذا هو الغالب فيها في اللغة، ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (١).
ب- أن يكون فعل الشرط ماضيا لفظا ومستقبلا في المعنى، مثل قول القرآن: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢).
ج- أن يكون فعل الشرط مضارعا، ولكن معناه الماضي، كقول كُثَيِّر عزّة:
رهبانُ مدينَ والذين عهدتهم … يبكون من حَذَرِ العذاب قُعُودا
لو يسمعون كما سمعتُ كلامَها … خَرُّوا لعزّةَ رُكَّعا وسجودا (٣)
стр. 389
د- أن تأتي بعدها جملة "أنَّ واسمها وخبرها" وهذا كثير في اللغة ومن ذلك قول توبة بن الحُمَيّر:
ولو أنَّ لَيلَى الأخيلِيَّةَ سلّمتْ … عَلَيَّ ودوني جَنْدَلٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زَقَا … إليها صَدىً من جانبِ القبر صائحُ (١)
وحينئذٍ يكون المصدر المؤول من "أن واسمها وخبرها" فاعلا لفعل محذوف على الرأي المشهور.
ثانيا: جملة الجواب، وتأتي على الصور التالية:
أ- أن يكون فعلا ماضيا مثبتا، مثل "لو قَدر اللَّئيم على الكريمِ لأهانَه، ولو قدر عليه الكريمُ لعفا عنه".
ب- أن يكون فعلا ماضيا منفيا بالحرف "ما" مثل "لو أُهْمِلَ العلمُ في
стр. 390
الأمّة، ما بقيتْ لها حضارة" وفي كلتا الصورتين السابقتين يصح أن يأتي في أول الجواب لام تسمى "لام جواب الشرط".
ج- أن يأتي الجواب فعلا مضارعا منفيا بالحرف "لم" مثل "لو حكمتُ لم أظلمْ، ولو ارتقيتُ لم أغتر".
- لَوْلَا:
يقول عنها المعربون: إنها "حرف امتناع لوجود" ومعنى هذه العبارة أن جوابها امتنع لوجود الشرط، فإذا قلت "لولا لطفُ الله لهلك العُصاة" فمعنى هذه الجملة أنه امتنع هلاك العصاة لوجود لطف الله.
وتأتي الجملة بعدها كما يلي:
أولا: جملة الشرط: وهي جملة اسمية يذكر المبتدأ فيها بعد "لولا" ويحذف الخبر وجوبا.
ثانيا: جملة جواب الشرط: وهي جملة فعلية على التفصيل السابق في حرف الشرط "لو".
- من الدعاء المأثور "اللهم لولا أنت، ما اهتدينا، ولا تصدَّقْنا ولا صلَّيْنا، فأنْزلَنْ سكينةً علينا، وثبّت الأقدامَ إن نادينا".
- قول الشاعر:
لولا رجاءُ لقاءِ الظّاعنين لما … أبقت نَوَاهم لنا رُوحًا ولا جَسَدا (١)