← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2099

النحو المصفى

محمد عيد

Полный текст (712 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هذا هو الأصل في استعمال اللغة، وما ورد غير ذلك مرفوض ما لم يكن ضرورة لشاعر، لضيق الأمر عليه بالوزن والقافية، والضرورات يبحن المحظورات. الحذف في الجملة الشرطية: الأصل في الكلام العربي أن يكون كله مذكورا، فالحذف على خلاف الأصل، ومما يحذف جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما معا، وهذا الأخير أمره عجب!! إذ تغيب الجملة الشرطية كاملة، ولا يبقى منها سوى الأداة. وكل ذلك إنما يصح في الكلام إذا كان المحذوف معلومًا من السياق لفظًا أو دلالة. وعلى ذلك جاء الحذف على النحو التالي: أولا: حذف جملة الجواب: وهذا كثير في اللغة، تقول: "أنت ناجٍ إن احترسْتَ" والمثال المشهور في كتب النحو "أنت ظالمٌ إنْ فعلتَ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ﴾ (١) تقدير الجواب المحذوف "فافعل". ثانيا: حذف جملة الشرط وهذا قليل في اللغة، وأغلب ما يأتي مع أداة الشرط "إن" وبعدها "لا: النافية" كقول الأحوص يتحدث عن حبيبته التي زوجوها من غيره واسمه "مطر":

стр. 387

سلامُ الله يا مطرٌ عليها … وليس عليك يا مطَرُ السلامُ فإن يكن النكاحُ أحلَّ شيء … فإنَّ نكاحَها مطرًا حرامُ فلا غفرَ الإلهُ لمنْكحيها … ذنوبَهم وإنْ صلُّوا وصاموا فطلِّقْها فلستَ لها بكُفْءٍ … وإلَّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحسامُ (١) ثالثا: حذف الجملتين جميعا وهذا نادر في اللغة، وأكثر ما يرد في الشعر، ومن استعماله في النثر ما يقال في مواقف العناد والتحدي "وإنْ" أو "وَلَوْ" فالتقدير "وإن اعتذر فلن أقبل اعتذاره" وأيضا "ولو هدّد فلن أخاف". أدوات الشرط غير الجازمة: هي تلك الأدوات التي تقوم بالربط بين شيئين أحدهما يترتب على الآخر فهذه الأدوات تستدعي إذن جملة شرطية كاملة، فيها "أداة الشرط + جملة الشرط + جملة جواب الشرط" لكن هذه الأدوات لا تجزم الأفعال لا في الشرط ولا في الجواب، فلنلاحظ الأمثلة التالية: لو أنصفَ الناسُ، استراحَ القاضي. … "الأداة، لو". لولا اختلافُ الأذواقِ، لبارت السّلع. … "الأداة: لولا". إذا عرفتَ عدوَّك، أمِنْتَ غِرَّتَه. … "الأداة: إذا". كلما ازدادَ المرءُ علمًا، قَلَّ جهلا. … "الأداة: كلما". لما اشتدت الأزمة، انتظرت الفرج. … "الأداة لما: الحينية".

стр. 388

أشهر أدوات الشرط غير الجازمة خمس هي "لَوْ، لَوْلَا، إذَا، كُلَّمَا، لَمّا: الحينية" وإليك معاني هذه الأدوات كما ينطقها المعربون ووصفا مختصرًا للجملة الشرطية التي تقع بعدها، وشواهدها من الاستعمال العربي. - لَوْ: هي -كما يقول المعربون- "حرف امتناع لامتناع" ومعنى ذلك أن الجملة التي تأتي بعدها مجرد افتراض، إذ تفيد امتناع حدوث الجواب لامتناع الشرط، وتتكون جملتها الشرطية كما يلي: أولا: جملة الشرط: تأتي على الصورة التالية: أ- أن يكون فعل الشرط فيها فعلا ماضيًا في اللفظ والمعنى، وهذا هو الغالب فيها في اللغة، ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (١). ب- أن يكون فعل الشرط ماضيا لفظا ومستقبلا في المعنى، مثل قول القرآن: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢). ج- أن يكون فعل الشرط مضارعا، ولكن معناه الماضي، كقول كُثَيِّر عزّة: رهبانُ مدينَ والذين عهدتهم … يبكون من حَذَرِ العذاب قُعُودا لو يسمعون كما سمعتُ كلامَها … خَرُّوا لعزّةَ رُكَّعا وسجودا (٣)

стр. 389

د- أن تأتي بعدها جملة "أنَّ واسمها وخبرها" وهذا كثير في اللغة ومن ذلك قول توبة بن الحُمَيّر: ولو أنَّ لَيلَى الأخيلِيَّةَ سلّمتْ … عَلَيَّ ودوني جَنْدَلٌ وصفائحُ لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زَقَا … إليها صَدىً من جانبِ القبر صائحُ (١) وحينئذٍ يكون المصدر المؤول من "أن واسمها وخبرها" فاعلا لفعل محذوف على الرأي المشهور. ثانيا: جملة الجواب، وتأتي على الصور التالية: أ- أن يكون فعلا ماضيا مثبتا، مثل "لو قَدر اللَّئيم على الكريمِ لأهانَه، ولو قدر عليه الكريمُ لعفا عنه". ب- أن يكون فعلا ماضيا منفيا بالحرف "ما" مثل "لو أُهْمِلَ العلمُ في

стр. 390

الأمّة، ما بقيتْ لها حضارة" وفي كلتا الصورتين السابقتين يصح أن يأتي في أول الجواب لام تسمى "لام جواب الشرط". ج- أن يأتي الجواب فعلا مضارعا منفيا بالحرف "لم" مثل "لو حكمتُ لم أظلمْ، ولو ارتقيتُ لم أغتر". - لَوْلَا: يقول عنها المعربون: إنها "حرف امتناع لوجود" ومعنى هذه العبارة أن جوابها امتنع لوجود الشرط، فإذا قلت "لولا لطفُ الله لهلك العُصاة" فمعنى هذه الجملة أنه امتنع هلاك العصاة لوجود لطف الله. وتأتي الجملة بعدها كما يلي: أولا: جملة الشرط: وهي جملة اسمية يذكر المبتدأ فيها بعد "لولا" ويحذف الخبر وجوبا. ثانيا: جملة جواب الشرط: وهي جملة فعلية على التفصيل السابق في حرف الشرط "لو". - من الدعاء المأثور "اللهم لولا أنت، ما اهتدينا، ولا تصدَّقْنا ولا صلَّيْنا، فأنْزلَنْ سكينةً علينا، وثبّت الأقدامَ إن نادينا". - قول الشاعر: لولا رجاءُ لقاءِ الظّاعنين لما … أبقت نَوَاهم لنا رُوحًا ولا جَسَدا (١)

стр. 391

- إذا: يقول عنها المعربون "ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه" ومعنى هذه العبارة تفصيلا ما يلي: أ- أن "إذا" مع إفادتها الشرط، فإنها اسم بمعنى "حين" وهي منصوبة على الظرفية في محل نصب. ب- أن الشرط والجواب يكون معناهما في المستقبل، سواء أجاء لفظهما ماضيا أو مضارعا أم جاء الجواب أمرا. ج- أن جملة الشرط كلها تكون في محل جر بالإضافة إلى "إذا". د- أن الذي ينصب "إذا" هو الجواب، فهو -في رأي النحاة- عامل الظرف. من العبارات المأثورة "كان عمر بن الخطاب إذا تكلَّمَ أسمع، وإذا ضربَ أوجعَ، وإذا مشَى أسرعَ". - كُلَّمَا: يقول عنها المعربون "حرف يفيد الاستمرار، أداة شرط" ومعناه استمرار تكرار الجواب كلما تكرر الشرط، تقول: "كُلَّمَا ارتفعَ قَدْرُ الكريم، ازداد تواضُعًا، وكُلَّمَا ارتفعَ شأنُ اللئيم، ازدادَ خِسَّة" ومن البيّن أن هذا الارتباط لا يتوقف على الماضي أو الحاضر أو المستقبل، إذ يمكن أن يتحقق فيها جميعا. - قال القرآن: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ ١.

стр. 392

ومن شعر العقاد يشكو صدمته في الأصدقاء الأوفياء: أكُلَّمَا لاحَ لي نجمٌ فأتبعه … خبا الضياءُ فلم أبْصِرْ سوى كَدَرِ أكلما قلتُ هذا جوهرٌ نطقت … عليه دون بَنَاني خِسَّةُ الحَجَرِ أكلَّما قلتُ هذا كوثرٌ خَصِرٌ … تجمَّعَ الصّابُ لي في الكوثرِ الخصِرِ هي الحقيقةُ أنساها وأذكرُها … في كلِّ يومٍ ولمَّا يُجْدِنِي حَذَرِي (١) - لَمّا: الحينية هكذا يصفها المعربون فيقال: "لما: حينية، أداة شرط" ومفهوم هذا الوصف أنها بمعنى "حين" فتفيد أيضا تعليق الجواب على الشرط، تقول: "لَمّا التقى الجمعان، ثبتَ الشجاعُ وفرّ الجبان" ومن ذلك قول المتنبي: ولما صار وُدُّ النَّاس خِبًّا … جزيتُ على ابتسامٍ بابتسامِ وصرتُ أشكُّ فيمن أصْطفيه … لعلمي أنّه بعضُ الأنامِ (٢)

стр. 393

الفاعل: ١ - المقصود بالفاعل لدى النحاة. ٢ - من أهم مباحث الفاعل الأمور التالية: أ- الفاعل وعامله من حيث الذكر والحذف. ب- عامل الفاعل من حيث الإفراد والتثنية والجمع. ج- عامل الفاعل المؤنث من حيث التأنيث والتذكير. د- الترتيب في الجملة بين الفعل والفاعل والمفعول. الفاعل: لاحظ الأمثلة التالية: يظلم الأمّةَ ضعفُها أمام الطغاة. … "الفاعل اسم صريح". يظلم الأمّةَ أن تَضعفَ أمام الطغاة. … "الفاعل اسم مؤول بالصريح". هل يتجَبَّرُ الطغاةُ على الأمَّة إلا بضعفها. … "عامل الفاعل فعل صريح". هل مُتَجبرٌ الطغاةُ على الأمة إلا بضعفها. … "عامل الفاعل اسم شبيه بالفعل". أذلَّ الجبنُ أعناقَ الرجال. … "لقد قام الفاعل بالفعل وعمله". ذلَّ رجالٌ من طبعهم الجبن. … "لقد قام الفعل بالفاعل فنسب إليه". الفاعل -كما جاء في قطر الندى- اسم صريح أو مؤول به، أسند إليه فعل أو شبيه به، مقدم عليه بالأصالة، واقعا منه أو قائما به ا. هـ.

стр. 394

ومن هذا التعريف المركز يمكن أن توصف الجملة التي فيها الفاعل بالصفات التالية: أ- أن الفاعل يكون اسما صريحا سواء أكان ظاهرا أم مضمرا، تقول: "أوحى الله الرسالةَ للنبيين فبلّغوا للبشر ما سمعوه" وقد يكون اسمًا مؤولًا بالصريح، والحروف التي تؤول بالصريح هنا ثلاثة هي "أن، أن، ما" تقول: "ساءني أنَّك مريض وسرَّني أنْ شُفِيتَ إذ أبْهَجَنَا ما نجوتَ من الخطر". ب- أن يكون عامله فعلا أو شبه الفعل "اسم فاعل، أمثلة مبالغة، صفة مشبهة، اسم التفضيل، إلخ" تقول: "الشر نادِمٌ فاعلُه" أو "الفسادُ نمَّامٌ ناقِلُه". ج- أن يقوم الفاعل بالفعل ويعمله، فيقع منه، أي يفعله حقيقة، مثل: "صنعْتُ المعروفَ وتناسيتُ صنعَه" أو ينسب الفعل للفاعل دون أن يعمله مثل: "انتصرَ الحقُّ، وانهزم الباطلُ" ومثل: "تحطمت الطائرةُ، واصطدمت بالأرض" فليس معنى أنه "فاعل" أنه قام بالعمل فعلا، بل قد يقوم به، وقد ينسب إليه، كما هو واضح في الأمثلة. الفاعل وعامله من حيث الذكر والحذف: يقصد بعامل الفاعل -لدى النحاة- ما رفع به الفاعل، سواء أكان فعلا أم شبه فعل، والأصل -كما سبق- ألا يحذف شيء من الكلام العربي بل يكون الكلام كله مذكورا، فلا يقدر شيء على ما هو مذكور فعلا، لكن من منهج النحاة الحذف، فما هو الرأي في حذف كل من العامل والفاعل؟ أولا: حذف العامل لاحظ المحادثة التالية: - هل لبّى الأصدقاءُ دعوتَك لهم؟

стр. 395

- نعم .. بعضُهم. - ألم يعتذر إليك الغائبون؟ - بلى .. الغائبون بل الحاضرون نيابة عنهم. ففي هذه المحادثة جاء في الرد الأول حذف الفعل، فأصل الجملة "نعم لبّى بعضهم" وكذلك في الرد الثاني حذف من الجملة فعلان، وأصلها "بلى اعتذر الغائبون بل تأسّفَ الحاضرون نيابة عنهم" وكل ذلك لأن الكلام قد فهم منه ذلك المحذوف، ومن ذلك الشواهد التالية: - قول القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١). - قول الشاعر: تجلّدْتُ حتى قِيل لم يعْرُ قلبَه … من الوجْدِ شيءٌ قلتُ بل أعظمُ الوجدِ (٢) لكن: يصبح هذا الحذف واجبا بعد أدَاتي الشرط "إن، إذا" إذا وجد بعدهما اسم مرفوع وقد تأخر عنه مفسر للمحذوف، تقول: "إنْ سفيهٌ أهانَك فلا تجبْه، وإذا كريمٌ غضبَ منك فصالحه" ومن ذلك الشواهد التالية: - قول القرآن: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (٣).

стр. 396

- قول أميّة بن أبي الصلت لابنه: إذا ليلةٌ نابتْك بالشكْوِ لم أبِتْ … لشكواكَ إلَّا ساهرًا أتَمَلمَل (١) ثانيا: حذف الفاعل من المعلوم أن هناك فرقا بين الاستتار والحذف، فالاستتار يوصف به "الضمير" وهو في حكم المذكور، أما الحذف فهو من صفات "الاسم الظاهر" والمحذوف يعتبر غير موجود أصلا. فالأصل في الفاعل أن يكون مذكورا، مثل: "طال اللّيلُ وسهرَ المتْعَبون" وقد يكون مستترًا مثل: "تخير الأوقاتَ المناسبة لزيارة أصدقائك ولا تزعجهم في غير تلك الأوقات". أما حذف الفاعل، فالرأي المشهور عنه أنه ممنوع، إلا في مواضع خاصة تذكر في أبوابها. هذا وتسوق كتب النحو الحديث التالي: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٢)، إذ يشعر هذا الحديث أن فاعل "يشرب" محذوف، إذ لا يمكن أن يكون ضميرًا يعود على "الزاني"؛ لأن هذا غير ذاك، لكن اتساقا مع الرأي المشهور اعتبر فاعله ضميرا مستترا يعود على "الشارب" من مضمون الكلام.

стр. 397

عامل الفاعل من حيث الإفراد والتثنية والجمع: لاحظ الأمثلة التالية: قدّم العلم أجلَّ الخدمات لمدنيّة عصرنا. … "العامل مفرد، الفاعل مفرد". وأدَّى العلماءُ دورهم في خدمة الإنسانية. … "العامل مفرد، الفاعل جمع". وتتسابق الدولتان الكبريان في العالم لاحتواء العلماء. "العامل مفرد، الفاعل مثنى". عامل الفاعل قد يكون فعلا وقد يكون اسما شبيها بالفعل -كاسم الفاعل مثلا- والدلالة على التثنية في الفعل تكون بإلحاق ألف الاثنين به، والدلالة على الجمع تكون بإلحاق علامة الجمع به، أما الشبيه بالفعل فيكون بتثنيته أو جمعه. إذا علم ذلك، فإن الأصل في اللغة المشتركة أن تبقي العامل مفردًا دائمًا فلا يثنى ولا يجمع -كما هو ملاحظ في الأمثلة السابقة- سواء كان الفاعل مفردا أم مثنى أم مجموعا، وهكذا وردت النصوص اللغوية التي يعتد بها شعرا ونثرا. لكن، يبدو أن الخطأ في منهج جمع اللغة حيث أخذت عن قبائل متعددة قد كان له أثر في الاستدراك على هذه الفكرة السابقة. قال ابن هشام: وحكى البصريون عن "طَيِّئ" وبعضهم عن "أزْد شنوءة" نحو "ضربوني قومُك وضربْنَنِي نسوتُك وضرباني أخواك" ا. هـ. ومعنى ذلك أن بعض قبائل العرب تلحق علامات التثنية والجمع بعامل الفاعل المثنى أو المجموع، وتروى لذلك الشواهد التالية:

стр. 398

- قول عبد الله بن قيس الرقيات: تولّى قتال المارِقين بنفسه … وقد أسْلَمَاهُ مبْعَدٌ وحَمِيم (١) قول العتبي: رأيْنَ الغَواني الشّيْبَ لاحَ بعارِضي … فأعرضْنَ عني بالخدود النّواضِرِ (٢) هذا وقد حمل على هذه اللغة قول الرسول: "يَتَعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار" (٣) حيث ألحقت علامة الجمع بالفعل "يتعاقبون". كما حمل عليها أيضا قول الرسول في حديثه مع "ورقة بن نوفل" إذ قال له: "وسيخرجُك قومُك" (٤) فقال ﵇: "أَوَمُخْرِجِيّ هم" بتشديد الياء، وأصلها "مُخْرِجُويَ" بإلحاق علامة الجمع. والحق أن هذين الحديثين كثر حولهما حديث الناس في التأويل والتخريج، وأحسن ما يختار من ذلك ما يلي:

стр. 399

أن الحديث الأول روي ناقصا، وأصله: "إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم، ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار"، ولا شاهد فيه على هذه الرواية. وأن الحديث الثاني -فيما أظن- روايته الصحيحة: "أَوَمُخرجي هم" دون تشديد الياء، وعلى ذلك لا شاهد فيه. وتطلق كتب النحو على هذه اللغة "لغة أكلوني البراغيث" وسماها ابن مالك لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة" إشارة للحديث السابق. والذي أراه أن هذه اللغة رديئة، بدليل أنه لا يستعملها في وقتنا الحاضر إلا الصبيان الصغار الذين لم يتمرسوا بالفصاحة، وكذلك عوام الناس في اللهجة الدارجة، حيث يقول الصغار في موضوعات الإنشاء "انصرفوا الطلبة" ويقول العوامّ "صحُوا الأطفال". عامل الفاعل المؤنث من حيث التأنيث وتركه: ينبغي قبل الحديث عن هذا الموضوع فهم أمور ثلاثة هي "كيفية تأنيث العامل فعلا أو شبه فعل، المؤنث الحقيقي التأنيث، المؤنث المجازي التأنيث". أ- فأما تأنيث العامل، فإنه إن كان فعلا ماضيا لحقته تاء التأنيث الساكنة، مثل "أورقتْ، سمتْ، أثمرتْ، ترامتْ" وإن كان فعلا مضارعا، فإن تأنيثه يكون بمجيء حرف المضارعة "التاء" في أوله إشارة للمفردة الغائبة، مثل "تنمو، تورق، تثمر، تحصد، تجمع، تُثري" وإن كان العامل اسما يشبه الفعل -كاسم الفاعل أو اسم المفعول- فإن تأنيثه يكون بإلحاق التاء المتحركة في آخره، تقول "مؤدبة، طيّبة، محافظة، متبرجة، مذمومة، مهانة".

стр. 400

ب- أما المؤنث الحقيقي فيقصد به كل ما يبيض أو يلد من الإنسان والحيوان والطيور، مثل: "فاطمة، سعاد، زينب، الزرافة، الحمامة، اليمامة، الحدأة". ج- أما المؤنث المجازي فهو كلمات في اللغة استعملت مؤنثة وإن كانت مما لا يبيض أو يلد، وقد دل على استعمالها مؤنثة أنه يشار إليها على أنها مؤنثة، ويعود الضمير المؤنث عليها في الكلام، مثل: "شجرة، برتقالة، يد، شمس، طريق" تقول: "اهتَزّتْ شجرةُ البرتقال فسقطتْ منها برتقالةٌ فالتقطتُها" إذا علم ذلك، فإن تأنيث العامل مع الفاعل المؤنث على التفصيل التالي: أولا: وجوب التأنيث يكون ذلك في موضعين: ١ - أن يكون الفاعل مؤنثا حقيقي التأنيث، ولم يفصل بينه وبين عامله فاصل مثل: "تثقفت الفتاةُ في مجتمعنا، وأدت المرأةُ دورها بجوار الرجل". وتقول: "زاملت الطالبةُ الطالبَ في الجامعة، وأدّت واجبها مثله في الحياة العملية". ٢ - أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا أو ضميرًا متصلًا يعود على مؤنث سابق مثل قولك: "الجامعةُ أدَّتْ أجَلَّ الخدمات للوطن، فقدْ صنعتْ حضارةً وخبرةً أضاءَتَا حياتنا وحياةَ غيرنا من الشعوب" وتقول: "الفتاةُ العربية تسيء إلى نفسها إذ تتنازل عن شخصيتها لتقلِّد غيرها في النافع والضار". هذا هو الأصل في وجوب التأنيث، وقد وردت شواهد على غير هذا الأصل، وإليك نموذجا من هذه الشواهد: - قول لبيد يخاطب ابنتيه: تمنَّى ابنتاي أن يعيشَ أبوهما … وهل أنا إلّا من ربيعة أو مُضَرْ

стр. 401

فقُوما وقولا بالذي تعلمانِه … ولا تخْمِشَا وَجْهًا ولا تحلِقَا شَعَرْ وقولا هو المرءُ الذي لا صديقَه … أضاعَ ولا خان الخليلَ ولا غدَرْ إلى الحوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما … ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعْتَذَرْ (١) وقد حمل ترك تاء التأنيث في هذا البيت على لغة الشعر الخاصة إذا اعتبر الفعل ماضيًا، وأصله "تَمَنَّتْ" أما إذا اعتبر الفعل مضارعا "تَتَمَنَّى" فإن ترك التاء الأولى جائز صرفيا. جواز التأنيث وتركه: يصح تأنيث العامل وترك تأنيثه مع الفاعل المؤنث إذا جاء في جملته على الصفات التالية: ١ - أن يكون الفاعل مؤنثا حقيقي التأنيث ولم يتصل بالعامل، بل فصل بينهما، تقول: "روتْ عن النبي في بيته عائشةُ زوجه، وعاشت بعده شهورًا قليلة فاطمةُ ابنتُه" ومن ذلك قول الشاعر: إن امرأً غره منكنَّ واحدةٌ … بعدي وبعدَك في الدنيا لمغرورُ (٢)

стр. 402

٢ - أن يكون الفاعل مؤنثًا مجازيًّا مطلقا، تقول: "أقلعت الطائرةُ من المطار" أو "أقلعَ الطائرةُ من المطار" وتقول: "أورقت الشجرةُ في الربيع" أو "أورقَ الشجرةُ في الربيع" قال القرآن: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ (٢). ٣ - أن يكون الفاعل جمع تكسير -باتفاق النحاة- تقول: "سَتَنْقَشِعُ السُّحُبُ عن حياتنا وتصفو الأيَّامُ" ولك أن تقول: "سينقشع السحبُ عن حياتنا وتصفو الأيام" ولك أن تقول: "سينقشع السحبُ عن حياتنا ويصفو الأيامُ" قال القرآن: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ وقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾. ومثل هذا الجمع في جواز التأنيث وتركه اسم الجمع -ما لا واحد له- مثل "قوم، رهط، نسوة" واسم الجنس الجمعي، ما يفرق بينه وبين واحده بالتاء أو ياء النسب، مثل: "شَجَر، جُنْد، رُوم". أما جمع المؤنث السالم فإن العامل -على الرأي المشهور- يؤنث معه مثل: "في حروب الإسلام تحمَّلَت المجاهداتُ نصيبهنَّ مع المجاهدين". أما جمع المذكر السالم، فإن العامل -على الرأي المشهور أيضا- يجب تذكيره، كقولك: "في عَهْدِ أبي بكر تمسك المسلمون بعقيدتهم، وقاتلوا دفاعا عنها، فثابَ المرتدُّون إلى الحق بعد الضلال". هذا هو الأصل في هذه المسألة، يلخصه ما يأتي: أ- جمع التكسير: يصح في العامل معه التذكير والتأنيث

стр. 403

ب- جمع المؤنث السالم: يجب تأنيث العامل معه. ج- جمع المذكر السالم: يجب تذكير العامل معه. وفي هذه المسألة خلاف حاد حول "جمع المؤنث السالم وجمع المذكر السالم" لا داعي لذكره هنا، ولك -إن شئت- العودة إليه في "أوضح المسالك لابن هشام". الترتيب بين الفعل والفاعل والمفعول: لاحظ الأمثلة التالية: لاحت الفرصةُ فانتهزها الجسورُ. الفرصةُ لاحت فالجسورُ انتهزها. من أحكام الفاعل أن يأتي بعد عامله، ولا يتقدم عليه، فإن تقدم على العامل ترك وظيفة "الفاعل" إلى وظيفة أخرى هي "المبتدأ". فالترتيب إذن بين الفعل والفاعل يجب أن يكون على الأصل، بأن يتقدم الفعل ويتأخر الفاعل، وإنما الترتيب الذي يحدث في الجملة يكون عن الطرف الأخير -المفعول- فهو الذي يترك موضعه ليتوسط أحيانا بين الفعل والفاعل أو ليتقدم عليهما معا، وذلك على التفصيل التالي: أولا: توسط المفعول بين الفعل والفاعل. وهذا أمر مباح في اللغة، وهو كثير جدا في النصوص العربية، تقول: "بلَّغ الرسالةَ الرسولُ" وتقول: "وَقَّرَ الكبيرَ الصغيرُ وعاونَ الصغيرَ الكبيرُ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ (١).

стр. 404

لكن، يصبح هذا التوسط أمرًا ضروريًّا في مسألتين: الأولى: أن يتصل الفاعل بضمير يعود على المفعول. لاحظ الأمثلة التالية: أحبَّ الوطنَ أهلُه. إذ يتعشقُ الأرضَ فلّاحوها. ويحبُّ المصانعَ عمالُها. ففي الأمثلة يجب أن يتأخر الفاعل عن المفعول، ولا يصح تقدمه. - قال القرآن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ (١). - وقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ (٢). فالترتيب في هذه الصورة يكون هكذا: الفعل + المفعول + الفاعل ولم ترد على الأصل إلا لغة الشعر، ومن ذلك قول سليط بن سعد جزَى بنوه أبا الغَيْلانِ عن كِبَرٍ … وحسْنِ فعلٍ كما يُجْزَى سِنِمَّارُ (٣) الثانية: أن يكون الفاعل محصورا بطريقتَيْ "إنَّما، إلّا".

стр. 405

لاحظ الأمثلة التالية: - إنما يقدّسُ الحريةَ الأحرارُ. - ولا يبغضُ الكرمَ إلا اللؤماء. فالترتيب في هذه الصورة أيضًا يكون هكذا: الفعل + المفعول + الفاعل ومن ذلك قول القرآن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (١) ولم يرد الترتيب على الأصل مع "إلا" في غير لغة الشعر، ومن ذلك: ما عابَ إلَّا لئيمٌ فِعلَ ذي كَرَمٍ … ولا جَفَا قطُّ إلا جُبَّأٌ بطلا (٢) ثانيا: تقدم المفعول على الفعل والفاعل لاحظ الأمثلة الآتية: الصدقَ التزمتُ والكذبَ اجتنبتُ. الصراحةَ أحببتُ والغِشَّ كرهتُ. في كل مثال من الأمثلة الأربعة السابقة تقدم المفعول على الفعل والفاعل جميعا، وهذا شائع في لسان العرب، ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (٣).

стр. 406

لكن يصبح هذا التقديم واجبا في ثلاث مسائل هي: الأولى: أن يكون المفعول مما له صدارة الكلام. لاحظ الأمثلة التالية: أيّ الدراستين تحب النحو أم الأدب!! وماذا اخترتَ لدراستك العليا منهما؟! كلمة "أي" في المثال الأول، وكلمة "ماذا" في المثال الثاني، كل منهما مفعول مقدم -بل واجب التقديم- في المثالين؛ لأنهما من "أسماء الاستفهام" وأسماء الاستفهام لا ترد داخل الكلام، بل لها -كما يقول النحاة- صدارة الكلام، ومثلها أيضًا "أسماء الشرط". الثانية: في مثل قول القرآن: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ (١). فكل من الكلمتين "اليتيم" و "السائل" مفعول مقدم، بل واجب التقديم. جاء في أوضح المسالك تحديد هذه المسألة بقوله: أن يقع عامله بعد الفاء وليس له منصوب غيره مقدم عليها، نحو ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ و ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ بخلاف "أما اليوم فاضرب مزيدا" ا. هـ. الثالثة: أن يكون المفعول ضميرا منفصلا، لو تأخر لوجب اتصاله كقول القرآن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) ولو تأخر، كانت الجملة "نَعْبُدُكَ" وهذا غير مراد، والمراد الانفصال.

стр. 407

نائب الفاعل: ١ - وصف جملة النائب عن الفاعل وصفا إجماليا. ٢ - توضيح مفصل لما يتعلق بجملة النائب عن الفاعل ويشمل: أ- الأغراض التي يحذف لأجلها الفاعل. ب- ما ينوب عن الفاعل. ج- شكل الفعل المبني للمجهول. ٣ - ما ورد من الأفعال مبنيا للمجهول دائما. جملة النائب عن الفاعل إجمالا: لاحظ الأمثلة التالية: أ- مبني للمعلوم. … ب- مبني للمجهول. يُرَاعِي القاضي جانبَ الحق. … يُرَاعَى جانبُ الحق ويَبْحَثُ عن الحقيقة بين الكذب. … ويُبْحَثُ عن الحقيقة بين الكذب. فَيَحْكُمُ على المتهمِ بالعدل. … فَيُحْكَمُ على المتهم بالعدل. جملة النائب عن الفاعل هي: كلمة جملة حذف منها الفاعل لغرض من الأغراض، وأقيم مقامه، مع تغيير شكل الفعل للمبني للمجهول ا. هـ. فجملة النائب عن الفاعل تتكون مما يلي تفصيلا: أ- أنه يحذف منها الفاعل كما هو واضح في الأمثلة، بحذف كلمة "القاضي" في المثال الأول، ومما يعود عليه من الضمائر في الجملتين التاليتين. ب- إقامة غير الفاعل مقام الفاعل، كما هو واضح في الأمثلة في "جانب، عن الحقيقة، على المتهم".

стр. 408

ج- يغير شكل الفعل ليطلق عليه حينئذٍ أنه مبني للمجهول، مثل "يُرَاعَى، يُبْحَثُ، يُحْكَمُ". وهذه الأمور الثلاثة السابقة في حاجة إلى تفصيل لكل منها. أغراض حذف الفاعل: الحق أن جملتي الفاعل والنائب مختلفتان تماما في المعنى والاستعمال، مثلا "رَاعَى المؤمنُ ضميرَه" تختلف عن "رُوعِيَ الضميرُ" من حيث المعنى ومن حيث الاستعمال. لكن النحاة ربطوا بين الجملتين ذهنيا، فجعلوا جملة النائب عن الفاعل محولة عن جملة الفاعل، أو بعبارة أوضح: اعتبروا جملة الفاعل هي الأصل، وأن الفاعل قد حذف منها، فراحوا يبحثون عن أسباب حذفه. ولو اقتصر على الاستعمال بالتفريق بين الجملتين، لما كان هناك داعٍ بالمرة للبحث عن الفاعل المحذوف. ومع ذلك فإن هذا البحث عن الفاعل المفقود إنما هو مبحث أسلوبي يهتم به دارس البلاغة، ولا يهم كثيرا دارس النحو. لذلك، فإنه ينبغي التعرف على أسباب غياب الفاعل بصورة موجزة فيما يلي: أ- أن يكون الفاعل مجهولا جهلا تاما للمتكلم، فهو لا يعرفه، بل يعرف آثار فعله فقط، كأن نسمع "يُشاع كذا وكذا" إذا لم يعلم صاحب الإشاعة، وكذلك ما يأتي في كتب الحديث: "رُوِيَ الحديث الديني … " دون أن يعرف الراوي ويمثل النحاة لذلك بقولهم: "سُرِقَ المتاعُ" إذا لم يعلم السارق.

стр. 409

وربما تعمد المتكلم تجاهل الفاعل قصدا -مع أنه يعرفه- بهدف التعمية على المخاطب تحقيقا لمصلحته الشخصية أو مصلحة الفاعل وسلامته، كقول شخص لآخر "نُقِل إلَيَّ ذمُّك لي" أو قوله "يقال عنك كذا وكذا" فلا شك أن هناك شخصا قد نقل الكلام إلى المتكلم -وهو يعرفه- وكذلك لا شك أن هناك شخصا قد تحدث عن المخاطب بما يقول المتكلم -وهو يعرفه- لكنه تحقيقا لسلامة الناقل أو القائل أو تحقيقا لمصلحته الشخصية-كيلا يعاتب على ذلك- يرفض ذكر الفاعل في الكلام. ب- أن يكون الفاعل معلوما تماما، بحيث يكون من العبث وفضول الكلام ذكره، كقولك لأحد المثقفين: "ألقِيَت القنبلةُ الذّرية على اليابان سنة (١٩٤٥) " أو قولك: "أوقِفت الحربُ العالمية الأولى سنة (١٩١٨) " ومن ذلك قول القرآن: ﴿خُلِقَ الْإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (١) فالخالق معلوم وهو الله. ج- أن يصرف النظر عن الفاعل تمامًا؛ لأن الذهن متجه لغيره، فليس من المفيد علمه أو جهله، كقولك: "أعْلِنَتْ نتيجةُ الامتحان، فنجحت ونجح الزملاء" ويقال: "يُكرَم القريبُ لرحِمِه، ويُكرَمُ الغريبُ لوحدته". د- استقامة موسيقى الكلام -سواء كان سجعا أم شعرا- ومن أشهر ما يساق لذلك قولهم في الحكمة "من طَابَتْ سريرتُه، حُمِدَتْ سيرتُه". وقول الشاعر: وما المالُ والأهلون إلّا ودائع … ولا بدَّ يَومًا أن تُرَدَّ الودائع (٢)

стр. 410

مبني للمعلوم مبني للمجهول نائب الفاعل يُقَدِّم الجادّون العملَ على الكلام ويُقدِّم المهرّجون الكلامَ على العمل يُقَدَّمُ العملُ على الكلام من الجادّين ويُقَدَّم الكلامُ على العمل من المهرجين المفعول به يَتَمَادَى الظالمون في الغرورِ والصَّلَف ويَنْتَظِرُ المظلومون أيامًا طويلة للخلاص حيث يَبْتَهِجُون ابتهاجًا صحيحا بالحرية يُتَمَادَى في الغرورِ والصَّلف من الظالمين وتُنْتَظَرُ أيامٌ طويلة للخلاص حيث يُبْتَهَجُ ابتهاجٌ صحيحٌ بالحرية الجار والمجرور الظرف المصدر ينوب عن الفاعل -بعد حذفه- أحد شيئين مرتبين كما يلي: الأول: المفعول به -إذا كان الفعل متعديا- كما هو واضح في القسم الأول من الأمثلة، ومن ذلك قول القرآن ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (١). وقول الشَّنْفرى: وإن مُدّت الأيْدي إلى الزَّاد لم أكن … بأعجلهم إذ أجشَعُ القومِ أعجل (٢) الثاني: الجار والمجرور أو الظرف أو المصدر -إذا كان الفعل لازما- كما هو واضح في القسم الثاني من الأمثلة ومن ذلك:

стр. 411

- قول القرآن: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ (١). - وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٢). ويشترط في هذه الثلاثة -كما قال ابن مالك- أن تكون قابلة للنيابة عن الفاعل، بأن تكون مفيدة في استعمالها، ويتحقق هذا في الظرف والمصدر خاصة بأن يكون كل منهما "متصرفا، مختصا" كما في الأمثلة والشواهد السابقة "سيأتي فهم هذين المصطلحين في بابي: المفعول المطلق والظرف". هذا هو أصل الموضوع، ينوب المفعول به أولا، فإن لم يوجد في الكلام مفعول به كان النائب واحدا من الأمور الثلاثة السابقة، وعلى ذلك رأي جمهور النحاة. لكن بعض النحاة يرى أنه يصح أن ينوب واحد من هذه الثلاثة مع وجود المفعول به في الكلام، ويوردون لذلك بعض الشواهد، ومنها: - قول جرير يهجو الفرزدق: ولو ولدتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كلبٍ … لَسُبَّ بذلك الجَرْوِ الكلابا (٣) - قول الآخر: وإنما يُرْضِي المنيبُ رَبَّه … ما دام مَعْنِيًّا بذكْرٍ قلبَه (٤)

стр. 412

هذان البيتان وأمثالهما موضع أخذ وردّ كثير بين النحاة حول هذه القضية مما لا داعي لذكره هنا. شكل الفعل المبني للمجهول: يحدث في شكل الفعل المبني للمجهول تغير على النحو التالي: أولا: الفعل الماضي: الأصل فيه أن يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، مثل "سُمِعَ، كُتِبَ، أُكْرِمَ، أُهِينَ" وهذا مطرد في كل الأفعال الماضية. ويضاف لهذا الأصل أن الفعل إذا بدئ بتاء زائدة، وجب ضم الحرف الثاني منه أيضا، تقول: "تُعُلِّم، تُرُوِّي، تُنُودِيَ، تُرُوكِمَ، تُشُورِكَ". فإذا بدئ الفعل الماضي بهمزة وصل، وجب ضم الحرف الثالث منه زيادة على ضم الأول، مثل "ابْتُدِئَ، انْتُصِرَ، اسْتُغْفِرَ، اسْتُبِيحَ". فإذا كان الفعل الماضي أجوف مثل "سَامَ، لَامَ، نَامَ، قَالَ، رَامَ، بَاعَ، رادَ، لان" فقد ورد عن العرب في تشكيل فائه ونطق عينه، ثلاث لغات هي: أ- كسر فاء الفعل فيكون حرف العلة ياء، وحينئذٍ فالنطق هو "سِيمَ، لِيمَ، نِيمَ، قِيلَ، رِيمَ، بِيعَ". ب- ضم فاء الفعل فيكون حرف العلة واوا، وحينئذٍ فالنطق هو "سُومَ، لُومَ، نُومَ، قُولَ، رُومَ، بُوعَ" ومن ذلك ما ورد منسوبا لرؤبة من قوله:

стр. 413

لَيْتَ وهل ينفعُ شيئا ليتُ … لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فاشتريتُ (١) ج- الإشمام: وهو -كما يقول ابن عقيل- الإتيان بالفاء بحركة بين الضم والكسر، ولا يظهر ذلك إلا في اللفظ، ولا يظهر في الخط ا. هـ. هذه اللغات الثلاث نطقت بين العرب، ونقلها عنهم النحاة، وكلها -في رأيهم- صحيحة فصيحة، وأن كان أفصحها هو اللغة الأولى، تليها الثانية ثم الأخيرة. وهنا ينبغي فهم الملاحظات التالية: - قرئت بعض الأفعال المبنية للمجهول في الآية: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بالوجوه الثلاثة السابقة. - إذا كان الفعل على وزن "افْتَعَلَ" أو "انْفَعَلَ" وهو أجوف مثل "اختار، اعتاد، انقاد، انجاب" فقد ورد في الحرف الذي قبل عينه اللغات الثلاثة السابقة حين يبنى للمجهول. - إذا بني الفعل الثلاثي الأجوف للمجهول، وكان نائب الفاعل ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب مثل العبارتين "لامَنِي الجاهلون وجاءَنِي لَوْمُهم" أو "لَامَكَ الجاهلون وجَاءَكَ لَوْمُهم" حين تبنى الأفعال فيها للمجهول فيكون ضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب هو نائب الفاعل، والأحسن حينئذٍ ما يلي: أ- أن ينطق ما أصله واويًّا بالكسر أو الإشمام فقط منعا للخلط بينه وبين المبني للمعلوم، فيقال: "لِمْتَ، أو: لِمْتُ".

стр. 414

ب- أن ينطق ما أصله يَائيًّا بالضم أو الإشمام فقط منعا للخلط بينه وبين المبني للمعلوم، فيقال: "جُؤْتُ، جُؤْتَ". ثانيا: الفعل المضارع: يضم أوله ويفتح ما قبل آخره بلا تفصيل مثل "يُفْهَم، يُسْمَع، يُقَال، يُنْتَقَى، يُرْتَجَى، يُسْتَبَاح". ثالثا: المرفوع بعد الوصف المشتق، لاحظ الأمثلة التالية: إنّ الحقَّ عالٍ صوتُه. … "كلمة: صوتُه، فاعل بعد كلمة: عالٍ". وإن الباطلَ مهزومٌ صاحبه. … "كلمة: صاحبه، نائب فاعل بعد: مهزوم". هذه نقطة دقيقة، فإن المرفوع بعد الاسم المشتق الدال على الصفة الذي يطلق عليه "اسم المفعول" يكون نائب فاعل، كقولك: "هذا الإنسانُ محمودٌ سيرتُه" فإذا كان المرفوع بعد الوصف المشتق غير ذلك -كاسم الفاعل- رفع على أنه فاعل لا نائب فاعل، فنقول: "أبالغٌ المسافرُ غايتَه". وأساس هذا الموضوع أن اسم المفعول يبنى صرفيا من الفعل المبني للمجهول وأما غيره من أسماء الصفات فتأتي من الفعل المبني للمعلوم، بدليل أنك لو وضعت في الجملة التي يردان فيها فعلا مناسبا بديلا عنهما، لجاء مبنيا للمجهول بدل اسم المفعول، ومبنيا للمعلوم بدل اسم الفاعل وأمثلة المبالغة واسم التفضيل والصفة المشبهة. ما ورد من الأفعال مبنيا للمجهول دائما: أورد كتاب "شذا العرف" ما يلي من هذه الأفعال: "عُنِيَ" بمعنى: اهتم، "زُهِيَ" بمعنى: تكبَّر، "فُلِجَ" أصابه الفالج، "حُمَّ" أصيب بالحمى، "سُلَّ" أصابه السّل، "جُنَّ" ذهب عقله، "غُمَّ الهلال" احتجب، "أغْمِيَ عليه" غُشِيَ عليه، "شُدِهَ" تحير، "امتُقِعَ أو انْتُقِعَ لونه" تغير، والمرفوع بعدها فاعل لا نائب فاعل ا. هـ.

стр. 415

أساليب المدح والذم: تأتي أساليب المدح والذم في اللغة العربية في المجموعات الثلاث التالية: المجموعة الأولى: نعم، بئس، ساء: لاحظ الأمثلة التالية: نِعْمَ الصَّديقُ أبو بكر. نِعْمَ صديقُ الرسولِ أبو بكر. نِعْمَ صديقًا أبو بكر. بِئْسَ الرجلُ أبو جهل. بِئْسَ رجلُ الأذى أبو جهل. بِئْسَ رَجلًا أبو جهل. ساءَ الشعبُ اليهودُ. ساءَ شعبُ الغَدْرِ اليهودُ. ساء شعبًا اليهود. تتكون جملة المدح والذم مع هذه المجموعة من: فعل المدح أو الذم + الفاعل + المخصوص بالمدح أو الذم، ولكل واحد من هذه الثلاثة حديث يخصه. أ- فعل المدح أو الذم: وهو "نعم، بئس، ساء" وهي أفعال جامدة ماضية لإنشاء المدح أو الذم، والأول منها وهو "نعم" يفيد المدح والأخيران يفيدان الذم، وهكذا يعبر عنها المعربون، فيقولون: في "نعم" مثلا "نعم: فعل ماض جامد لإنشاء المدح".

стр. 416

ب- فاعل هذه الأفعال لا بد أن يكون فيه الألف واللام أو مضافا لما فيه الألف واللام أو ضميرا مستترا مفسرا بتمييز بعده، كما ترى في الأمثلة السابقة. ج- المخصوص بالمدح أو الذم: ويأتي بعد الفعل أو قبلهما معا، ويقصد به الاسم المحدد الذي تمدحه الجملة الفعلية أو تذمه، وهو في الأمثلة السابقة "أبو بكر، أبو جهل، اليهود". ويعرب هذا الاسم على أنه مبتدأ -تأخر أو تقدم- وخبره الجملة الفعلية وهذا أحسن الآراء في إعرابه "راجع ابن عقيل". وربما حذف هذا الاسم -المخصوص- إذا كان مفهوما من الكلام. ومن شواهد تلك المجموعة ما يلي: قول القرآن: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (٣)، وقول الشاعر: لنعمَ موْئِلًا المولى إذا حُذِرَتْ … بأساءُ ذي البغي واستيلاءُ ذي الإحَنِ (٤)

стр. 417

المجموعة الثانية: حبّذا، لا حبّذا: لاحظ الأمثلة التالية: حَبَّذَا الصّدقُ ولا حبَّذا الكذبُ. حَبَّذا الصراحةُ ولا حَبَّذا الغشُّ. تتكون الجملة في هذه المجموعة من الآتي: أ- الفعل "حَبَّ" الماضي لإفادة المدح، وينفي بالحرف "لا" لإفادة الذم. ب- كلمة "ذا" اسم الإشارة فاعل الفعل فيهما. ج- المخصوص بالمدح أو الذم، وهو مبتدأ، خبره الجملة الفعلية. وهذا الذي ذكر هنا أحسن ما قيل عن هذا الموضوع "راجع ابن عقيل" ومن شواهد ذلك قول ذي الرمة: ألَا حَبَّذَا أهلُ المَلَا غيرَ أنَّه … إذا ذُكِرَت مَيٌّ فلا حَبَّذَا هِيَا على وجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ من مَلَاحَةٍ … وتحت الثيابِ العارُ لو كان بادِيا (١) المجموعة الثالثة: ما جاء على وزن "فَعُل": كل فعل ثلاثي يصح مجيئه على وزن "فَعُل" بقصد المدح أو الذّم سواء أكان على هذا الوزن أصلا أم حول إليه بهذا القصد، وحينئذٍ تتكون جملته مما تتكون منه جملة "نعم، بئس" تقول: "شرُفَ الرجلُ الرسولُ" و "قَبُحَ الرجلُ أبو لهب" و "خبُثَت المرأةُ حمالةُ الحطب".

стр. 418

المفاعيل الخمسة: المفعول به: ١ - المقصود بالمفعول به كما حدده النحاة. ٢ - الأساليب النحوية الثلاثة المرتبطة بالمفعول به، وهي: أ- أسلوب الاختصاص. ب- أسلوب الإغراء. ج- أسلوب التحذير. المفعول به: من المروءةِ أن يعاون القويُّ الضعيفَ المحتاجَ. ومن حسنِ المروءةِ أن يتجاهلَ المرءُ المعروفَ بعد أدائِه. في المثالين السابقين كلمتان وقعتا مفعولا به، هما "الضعيف، المعروف". فالضعيف يقصد بالمعاونة من القويّ والمعاونة متجهة إليه، والمعروف يقصد بالتجاهل من المرء والتجاهل منصب عليه. لذلك يعرف المفعول به كما جاء في قطر الندى: المفعول به ما وقع عليه فعل الفاعل كضربت زيدا ا. هـ. وهو وظيفة نحوية من وظائف النصب، فكل اسم يشغله فهو منصوب بحركة أصلية أو فرعية أو مقدرة، أو مبنيًّا في محل نصب. هذا .. والذي ينصب المفعول به هو الفعل المتعدي وحده دون اللازم وربما كان للفعل المتعدي أكثر من مفعول، وسيأتي تفصيل ذلك في باب "عمل الأفعال في الجملة".

стр. 419

وقد يحذف الفعل الذي نُصِبَ في جملته المفعول به اختصارا إذا كان مفهوما من الكلام، كقولك لصديقك الذي يسألك عن مقصد الرحلة "الفيومَ" تقديره "نقصدُ الفيومَ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً﴾ (١) ومن ذلك قول العقاد: يَدَيْكَ فامْحُ ضنًى يا موتُ في كبدي … فلستَ تمحوه إلّا حينَ تمحُونِي فالتقدير "امدد يديك". أسلوب الاختصاص: لاحظ الأمثلة التالية: نحن -الجامعيين- نصنع حضارة الشعب. وأنتم -طلابَ العلم- ملزَمون بتقديم الخبرة والجهد لأمتكم. وأنتم -أهل الوطن- ملزَمون بمعاونة الطلاب ماديًّا ومعنويًّا. في الأمثلة السابقة أسماء منصوبة على الاختصاص هي "الجامعيين، طلاب العلم، أهل الوطن" ومعنى نصبها على الاختصاص أنها منصوبة بفعل محذوف وجوبا تقديره "أخص". وينبغي لمعرفة هذا الأسلوب الإحاطة بأمرين عنه، هما: تحديده من تعريف النحاة له مع وصف جملته وصفا شاملا، ثم الأغراض التي يأتي لها هذا الأسلوب.

стр. 420

أسلوب الاختصاص ووصف جملته: نحن -أهلَ الأرض- نتطلع لغزو الفضاء. ولكم الفضل في ذلك أيُّها العلماء. جاء في شذور الذهب: حقيقته أنه اسم ظاهر معرفة قُصِدَ تخصيصُه بحكم ضمير قبله ا. هـ. ومن هذا التعريف المركز يتضح لنا الآتي: أولا: أن المنصوب على الاختصاص اسم ظاهر لا ضمير، وهو معرفة لا نكرة فهو إذن باختصار -كما قال ابن هشام- اسم ظاهر معرفة، وهو بالتحديد ما يلي: ١ - أن يكون مقترنا "بأل" كما جاء عن العرب قولهم: "نحن العربَ أقْرَى الناسِ للضيف". ٢ - أن يكون مضافا لمعرفة مطلقًا، كما نسب للرسول قوله: "إنّا آل محمدٍ لا تحلُّ لنا الصدقة" (١). ٣ - أن يكون كلمة "أي، أية" فتعامل كما تعامل في النداء، بمعنى أنها تبنى على الضم وتوصف باسم فيه "أل" كقولك: "لنا تاريخ مجيدٌ أيُّها المصريون". ثانيا: يتقدم على المنصوب على الاختصاص ضمير ينسب له معنى من المعاني، والمقصود بهذا المعنى في الحقيقة إنما هو الاسم المنصوب على الاختصاص.

стр. 421

إذ هو الهدف من الجملة كلها، وهذا الضمير والمعنى المنسوب له يلاحظ فيهما ما يلي: ١ - الغالب في الضمير أن يكون لمتكلم، ويقل أن يكون لمخاطب ويندر أن يكون لغائب. ٢ - المعنى الذي ينسب للضمير قد يأتي متأخرا عن المنصوب على الاختصاص -كما ترى في المثال الأول- وقد يأتي متقدما عليه كما ترى في المثال الثاني. أغراض أسلوب الاختصاص: الباعث على استخدام أسلوب الاختصاص ما يلي: ١ - الفخر: مثل قولنا "نحن -المسلمين- خيرُ أمةٍ أخرِجَت للناس" ومن ذلك قول الشاعر: لنا مَعْشَرَ الأنصارِ مجدٌ مؤثّلٌ … بإرضائِنا خَيْرَ البريّةِ أحمدا (١) ٢ - التواضع والاستعطاف: كقول أحد الفلسطينيين "نحن -اللاجئين- طُرِدْنا من أرضنا ظُلْمًا وعدوانًا". ٣ - البيان: كقولنا "نحن -الجامعيين- نعرفُ واجبَنا تِجَاهَ الأمة" وقولك: "نحن -المصريين- نعرف مكانَنا ومكانتَنا في العالم".

стр. 422

الإغراء والتحذير … "إغراء". المروءةَ المروءةَ … "إغراء". المروءةَ والنجدةَ … "إغراء". النفاقَ النفاقَ … "تحذير". النفاقَ والكذبَ … "تحذير". إيَّاكَ والنفاقَ … "تحذير". الإغراء: دعوة المخاطب إلى أمر محبوب ليلزمه. التحذير: تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليتجنّبه. وكل من الإغراء والتحذير يأتي على الصورتين الآتيتين: ١ - التكرار: والمقصود بذلك أن يتكرر اللفظ نفسه، فيؤكد الثاني الأول توكيدا لفظيا مثل: "التَّصْميمَ التَّصْميمَ" أو "الغشَّ الغشَّ" ومن ذلك قول مسكين الدارمي: أخاك أخاكَ إن من لا أخَا له … كساعٍ إلى الهَيْجا بغير سلاح (١) وإن ابنَ عَمِّ المرءِ فاعلَمْ جناحُه … وهل ينهض البَازِي بغير جناحِ ٢ - العطف: ويقصد به عطف اسم مفرد على آخر، مثل "الإرادةَ والتصميمَ" وأيضا "الغشَّ والنّفاقَ". وفي هاتين الصورتين يكون الاسم الأول منصوبا بفعل محذوف وجوبا

стр. 423

تقديره في الإغراء "الزَمْ" وفي التحذير "احذرْ" والاسم الثاني توكيد له أو معطوف عليه. وينبغي التنبه هنا إلى مسألة خاصة بأسلوب التحذير وحده وهي استعمال الضمير "إياك" -هكذا للمخاطب- سواء أجاء مكررا أم معطوفا عليه أم بدون عطف ولا تكرار، ومن شواهد ذلك: - قول الشاعر: فإيَّاكَ إيَّاكَ المِراءَ فإنه … إلى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وللشرِّ جالِبُ (١) - وقول الآخر: فإيَّاكَ والأمْرَ الذي إنْ توسّعَتْ … مَوَارِدُهُ أعْيَتْ عليك مصادرُه (٢) وينبغي أيضا معرفة أن العطف في التحذير مع "إياك" ليس من عطف المفردات -في أحسن الآراء- بل هو من عطف الجمل، ففي قول عمر لمعاوية "إياك والاحتجابَ دون الناس" يقدّر لكلمة "إياك" فعل تقديره "أحذّر" أما كلمة "الاحتجاب" فيقدر لها فعل آخر تقديره "اجتنبْ" ثم تعطف الجملة الثانية كلها على الأولى.

стр. 424

المفعول المطلق: ١ - تمهيد صرفي: عن المصدر وأنواعه، وإفراده وتثنيته وجمعه. ٢ - المقصود بالمفعول المطلق لدى النحاة، ومعرفة صوره في اللغة. ٣ - ما ينوب عن المصدر في المفعول المطلق. ٤ - حذف عامل المفعول المطلق جوازا ووجوبا. لاحظ الأمثلة الآتية: لَمَسَ الطبيبُ موضع الألم لَمْسًا رقيقًا. … "مصدر أصلي". ثم فحص المريض فحصًا دقيقًا. … "مصدر أصلي". لمس الطبيب موضع الألمِ مَلْمَسًا رقيقا. … "مصدر ميمي". ثم فحص المريض مَفْحَصًا دقيقا. … "مصدر ميمي". وبعد أن لقط لمرضه لَقْطَةً بالأشعة. … "مصدر: اسم مرة". أمره أنْ يشربَ الدواء جَرْعَةً كل يوم. … "مصدر: اسم مرة". وطلب منه طِلْبَةَ الحريصِ على مصلحته … "مصدر: اسم هيئة". أن يعيش مدّةً عيشة الراحة … "مصدر: اسم هيئة". يأتي المصدر في اللغة العربية على الصور التالية: المصدر الأصلي: وهو الذي يدل على مطلق الحدث الموجود في الفعل المشتق منه، مثل: "لَمْس، فَحْص، شجاعة، اقتحام، عَمَل، جِدّ". المصدر الميمي: هو الذي بدئ بميم زائدة ودل على الحدث، مثل:

стр. 425

"مَلْمَس، مفْحَص، مَوْعِد، مُرْتَقى، مُلْتقى، مُعْتَقَد" إذا جاءت في الجملة بمعني المصدر الأصلي، فتكون بمعنى "لَمْس، فَحْص، وَعْد، ارتِقَاء، الْتِقاء، اعْتِقَاد". اسم المرة: هو الذي يدل على حصول الحدث مرة واحدة، مثل: "جَرْعَة، لَقْطَة، رَمْيَة، ابْتِسَامَة". اسم الهيئة: هو الذي يدل على هيئة الحدث حين فعله، مثل "طِلْبَة، عِيْشَة، رِعْشَة، رِعْدَة". هذه أنواع المصادر الأربعة، والثلاثة الأخيرة منها أنواع خاصة من المصدر، وكل هذه الأنواع تصاغ بطرق خاصة يرجع إليها في كتب الصرف. المهم هنا أن يعلم أن "اسم المرة والهيئة والميمي" يصح تثنيتها وجمعها في رأي جمهور النحاة، فتقول: "رَمْيَتَيْ تماس، رمْيات التَّماسّ" وتقول: "جَرْعَتَيْن، جَرْعَات" وتقول: "رِعْدَتَيْن، رِعْدات" وتقول: "ضربت له موعدين أو مواعيد" أما المصدر الأصلي فحول تثنيته وجمعه كلام طويل وخلاف حاد لا داعي لذكره، والحق، فيما أظن، يتلخص في أن المصدر الأصلي يمكن تثنيته وجمعه في حالتين: أ- إذا كان بالتاء في آخره، مثل: "تجربة، مُقابلة، مُهادنة" تقول: "تجربتين وتجارب" و "مقابلتين، ومقابلات" و "مهادنتين ومهادنات". ب- إذا دل على التنوع مثل: "احتمال" تقول: "في هذا الموضوع احتمالان بل احتمالاتٌ" وكذلك "اتجاه" تقول: "يحتمل الرأي اتجاهين أو اتجاهات" ومن ذلك أيضًا "إجراء، إنشاء" حيث نسمع كثيرا "إجراءات، إنشاءات".
следующие страницы →