الحال من حيث التعريف والتنكير:
الأصل في الحال أن تكون نكرة، فلا تكون معرفة، هذا هو مذهب جمهور النحاة.
وقد وردت عبارات في اللغة العربية يبدو من لفظها أن الحال فيها معرفة لا نكرة، لكن النحاة اتفاقا مع قاعدتهم في أن الحال لا بد أن تكون نكرة لا يبقون تلك العبارات على ظاهر لفظها المعرف، بل يؤولونها بالنكرة أو بعبارة أوضح: يتخيلون لفظًا منكرًا من معاني ألفاظ الحال التي وردت معرفة وهذا التأويل أو التخيل -في رأى النحاة- هو وسيلة الاتفاق بين القاعدة وبين ما ورد من عبارات مأثورة لا تتفق معها.
والحق أن هذه العبارات المأثورة التي وردت فيها الحال معرفة لا يكاد أكثرها يستعمل الآن، والقليل منها هو المستعمل فقط، وإليك هذه العبارات وتأويل النحاة لها:
- ما قرئ من قوله تعالى: "لئن رجعنا إلى المدينة لَيَخْرُجَنَّ الْأَعَزُّ منها الأذلَّ" (١)، وتأويلها: ذليلا.
- ما نعبر به من قولنا: آمنتُ بالله وحْدَه، وتأويلها: منفردا.
- من كلام العرب: ادْخُلوا الأول فالأول، وتأويلها: مترتبين.
- ومنه أيضا: أرسلَها العِرَاكَ، وتأويلها: متزاحمة.
- ومنه أيضا: جاءوا الجَمَّاءَ الغَفِيرَ، وتأويلها: جميعًا.
стр. 457
- ومنه أيضًا: جاءُوا قَضَّهُمْ بِقَضِيضِهم، وتأويلها: جميعا.
وبعد: فلعلنا بعد هذا الحديث المستفيض عن تحديد معنى الحال، ثم عن الحال وصاحبها من حيث التعريف والتنكير يمكننا أن نفهم وأن نناقش تلك العبارة النحوية المشهورة بين المشتغلين بالنحو التي تقول: "ولا تكون الحال إلا نكرة، ولا يكون صاحبها إلا معرفة، ولا تكون الحال إلا بعد تمام الكلام".
المصطلحات النحوية في باب الحال:
من المفيد أن يذكر هنا أن باب الحال طويل جدا، وقد خرجت من تأملي لهذا الباب في الكثير من مراجع النحو أنه مما يعين على دراسة هذا الباب -على طوله- فهم المصطلحات النحوية التي يتردد في حديث النحاة عنه، وقد اخترت منها ١٢ مصطلحا تحيط -فيما أعتقد- بأهم ما ينبغي معرفته في هذا الباب.
الحال المبينة "المؤسسة" والحال المؤكدة:
جاء إليَّ صديقي ضاحكا. … جاء إليَّ صديقي مقبلا.
جلس الطلابُ كُلُّهم منصتين. … جلس الطلابُ كلُّهم جميعا.
هذا أبي مهندسًا. … هذا أبي عطوفًا عَلَيَّ.
الحال المبينة: هي التي يصدق عليها التعريف الذي ذكر للحال فيما سبق بأنها اسم وصف فضلة مبين للهيئة، ويتضح من هذا التعريف لماذا سميت "المبينة" إذ تبين صفة صاحبها أو هيئته أو الكيفية التي هو عليها، ويحددها النحاة بقولهم:
стр. 458
هي التي لا يستفاد معناها بدون ذكرها، فهي إذن تعتبر أساسا لمعنى جديد لا يفهم من الجملة قبلها، ولهذا يطلق عليها أيضًا اسم "المؤسِّسَة".
الحال المؤكدة: هي التي يستفاد معناها من الكلام السابق عليها في جملتها، وفائدتها إذن تأكيد هذا المعنى المستفاد، ولهذا سميت "المؤكدة" ولها الصور الآتية:
١ - المؤكدة لعاملها: وذلك إذا كان معناها في هذا العامل، كقول القرآن: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً﴾ (١) وقوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢).
٢ - المؤكدة لصاحبها: وهي التي يستفاد معناها من صاحبها، كقول القرآن: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ (٣).
٣ - المؤكدة لمضمون الجملة: هي التي يستفاد معناها من النسبة بين الخبر والمبتدأ، على معنى أنه إذا ذكر المبتدأ ونسب له الخبر بعد ذلك، فهم معناها دون ذكرها، إذ تتضمن هذه النسبة معناها عادة، كما نقول "الأستاذ قويٌّ في مادّته مُفهِمًا" وكما نقول: "هذا أخوك ناصرا لك" أو "هذا أبي رحيمًا بي" ومن ذلك قول الشاعر:
أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نسبي … وهل بدارةَ يا للنَّاسِ من عَارِ (٤)
стр. 459
الحال المُنْتَقِلَة واللّازمة:
يبقى المسلمون نهارَ رمضان صائمين. … خلق الله جسمَ الإنسانِ مستقيما.
ويقطعون مُعْظَمَ ليله ساهرين. … ومنحه العقْلَ مفكِّرا.
ويتَّجهون إلى الله مبتهلين خاشعين. … وشرع له الدِّينَ الحقَّ هاديًا.
تقدم في تعريف الحال أنها لا بد أن تكون وصفا، فهي في الحقيقة صفة تنسب إلى صاحبها، وهذه الصفة قد تكون صفة عارضة للمتصف بها، بمعنى أنها تحدث له ثم تزول عنه، وقد تكون صفة ملازمة له لا تنفك عنه لسبب عرفي أو خلقي، ويطلق على النوع الأول اسم "الحال المنتقلة" وهي الأصل في الحال، وأكثرها شيوعًا في الكلام العربي، ويطلق على النوع الثاني اسم "الحال اللازمة"، وهذه أقل من الأولى في الكلام العربي، وإن وردت فيه.
وعلى هذا يتحدد معنى المصطلحين السابقين كالآتي:
الحال المنتقلة: هي ما جاءت دالة على وصف عارض، يجيء ثم يذهب بالنسبة لصاحبه، تقول: "نَمَا النَّبَاتُ مخضرًّا" أو "تدلَّتْ فروعُ الأشجارِ مثمرةً".
الحال اللازمة: -كما يقول ابن هشام نصًّا- هي ما جاءت دالة على وصف ثابت، كقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ (١). أي "مبينا" وقول العرب: "خَلَقَ اللهُ الزرافةَ يَديْهَا أطْوَلَ من رجليها" ا. هـ.
стр. 460
ومن الشواهد التي أوردها "ابن عقيل" لهذه الحال الأخيرة -اللازمة- قول الشاعر:
فجاءتْ به سَبْطَ العِظَامِ كأنَّما … عمامتُه بين الرجال لِواءُ (١)
فسبط العظام، بمعنى طولها وامتدادها، وصف خلقي ملازم لصاحبه وهو دليل القوة والهيبة، يقابله قصر العظام، وهو دليل القماءة والضعف.
الحال المُشْتَقَّة والمُوَطِّئَة والجامدة:
مرة أخرى يذكر أنه اشترط في تعريف الحال أن تكون وصفا، ويقصد به الأسماء التي تؤخذ من مصادر عن طريق الاشتقاق دالة على الصفة "كاسم الفاعل أو اسم المفعول أو أفعل التفضيل أو الصفة المشبهة".
فالاسم الذي يقع حالا يكون من هذا الصنف غالبا، لكن ليس ذلك دائما، إذ يأتي أحيانا اسما جامدا موصوفا بمشتق أو غير موصوف بشيء على الإطلاق، والجامد الموصوف بالمشتق يطلق عليه اسم "الحال الموطئة" في مقابل "الحال الجامدة" التي لم توصف بشيء على الإطلاق.
وعلى ذلك تحدد المصطلحات الثلاثة السابقة بما يلي:
المشتقة: يقصد بها أن تكون وصفا مأخوذا من مصدر "اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة، اسم تفضيل" كقولنا: "ارتفعت الشَّمْسُ متوهَّجةً وأرسلَت الحرارةَ مُحْرِقَةً".
стр. 461
الموطئة: وهي ما كانت اسما جامدا موصوفا بمشتق، مثل: "تساقط الماء من السماء مطرًا غزيرًا" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١) وقوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ (٢).
ومعني كلمة "موطئة" ممهدة فكأن الحال في الحقيقة هي الكلمة المشتقة التي وقعت صفة، أما الاسم الجامد فقد مهد لذلك المشتق، وكان وسيلة له.
الجامدة: هي الحال التي جاءت اسما جامدا، ويقصد به: ما لم يؤخذ من غيره سواء أكان اسم ذات أم اسم معنى، يلتزم بعض المعربين تأويلها بالمشتق، ومن أهم المواضع التي ترد فيها الحال الجامدة ما يلي:
١ - أن تدل على سعر: "بعتُه القمحَ إردبًّا بعشرة جنيهات" (٣) تأويلها: مسعَّرًا.
٢ - أن تدل على المفاعلة: مثل "بعتُه يدًا بِيَدٍ" أي "مقابِضا" أو "قابلتُ صديقي وجْهًا لِوَجْهٍ" أي "مواجِها" أو "سلمتُ عليه يَدًا بِيَدٍ" أي "مُصافِحًا".
٣ - أن تدل على تشبيه: بأن تكون الحال في قوة "المشبه به" كقولنا: "بدت الأرضُ من الفضاءِ كرةً" فهي في قوة "مُشَابِهَةً للكرة".
ومن ذلك قول هند بنت عتبة تحرض قريشا:
أفي السّلمِ أعيارًا جفَاءً وغلظَةً … وفي الحرب أشْبَاهَ النساء العَوَارِكِ (٤)
стр. 462
وقول أحد أصحاب عَلِيّ:
فما بالُنَا أمسِ أسْدَ العَرين … وما بالُنا اليومَ شاءَ النجَف (١)
٤ - أن تكون الحال مصدرا. وذلك كثير في اللغة العربية، كقولنا: "تغير الجوُّ فجأةً" و "جاء الفرسُ ركْضا" و"قُتِلَ المجرمُ شنْقًا".
ومن الغريب أن هذا النوع الأخير مع كثرته يحكم عليه بأنه غير قياسي في اللغة.
والذي أراه أنه قياسي، وأن لنا أن نستعمله كما استعمله العرب فنأتي بالحال مصدرًا كما استعملوا ذلك.
الحال المتفردة والمتعددة:
لاحظ الأمثلة التالية:
- دعا المؤمنُ ربَّه راكعًا ساجدًا قائما قاعدًا. … "صاحب الحال واحد الحال متعددة".
- ناجَى المؤمنُ ربَّه غفورًا تائبًا. … "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، الدليل معنوي".
стр. 463
- كَبَّر الحُجَّاجُ لله سميعا مخلصين. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، الدليل لفظي".
- انتصر العدلُ على القوةِ مندحرةً قويًّا. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، الدليل لفظي".
- اختصم الباطل والحق قويًّا مقهورًا. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، لا دليل".
سبق في باب خبر المبتدأ أن الخبر قد يأتي مفردا أو متعددا، وهذا الأمر الأخير غير العطف، تقول: "الحقُّ قويٌّ" وتقول: "الحقُّ قويٌّ قاهرٌ غلابٌ".
وهنا أيضًا في الحال تأتي متفردة ومتعددة على التوضيح التالي:
الحال المتفردة: هي ما كانت وصفا واحدا، وذلك هو الغالب في الحال حيث تأتي في اللغة العربية بكثرة من هذا الصنف. مثل "يدافعُ المؤمن عن قِيَمِه شجاعا".
الحال المتعددة: هي ما كانت أكثر من صفة؛ سواء أكانت لواحد فقط أم لمتعدد، تقول: "دافع المؤمن عن قِيَمِه مقتنعا شجاعا" بدون عطف والحال المتعددة تأتي على الصورتين التاليتين:
الصورة الأولى: أن تكون الحال متعددة وصاحبها واحدًا فقط، مثل: "أحبُّ المرءَ صادقا مستقيما" ومن ذلك ما ينسب قوله للمجنون:
عَلَيَّ إذا ما جئت ليلى بخفية … زيارةُ بيتِ اللهِ رجْلانَ حافيا
شكورًا لربي حين أبصرتُ وجهها … ورؤيتُها قد تسقني السُّمَّ صافيا (١)
стр. 464
الصورة الثانية: أن تكون متعددة وأصحابها متعددون أيضا وتحت هذه الصورة التفصيل التالي:
أ- أن يكون هناك دليل معنوي يوجه كل حال لصاحبها، مثل قولك: "تحدث الأستاذ مع الطالب مستمعا ناصحا" فمن البيّن أن "المستمع" هو الطالب عادة. وأن "الناصح" هو الأستاذ، وحينئذٍ لا داعي لترتيب الأحوال المتعددة.
ب- أن يكون هناك دليل لفظي يوجه كل حال لصاحبها -كالتثنية والجمع أو التذكير والتأنيث- كما تقول: "عشق المجنونُ ليلى مدلّهًا عفيفةً".
أو تقول: "زار الأصدقاءُ المريضَ مُمْتَنًّا مواسين"، فمن البيّن أنه في المثال الأول توجه الأحوال المتعددة بالتذكير والتأنيث، وفي المثال الثاني يوجهها الإفراد والتثنية والجمع، ومن هذا قول الشاعر:
لَقِيَ ابني أخوَيْه خائفًا … مُنجِدَيْهِ فأصابوا مَغْنَمًا (١)
وقول امرئ القيس:
стр. 465
خرجتُ بهَا أمشي تَجُرُّ وراءنا … على أثرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطِ مرحل (١)
وهنا أيضا لا حاجة إلى ترتيب الأحوال المتعددة.
ج- ألا يكون هناك دليل يوجه الأحوال المتعددة لأصحابها، وحينئذٍ لا بد من الترتيب التالي:
تعتبر الحال الأولى للثاني والثانية للأول، وهكذا .. وهذا غريب؟!
ومن أمثلة النحو "لقيتُهُ مُصْعِدًا مُنْحَدِرًا" فكلمة "مصعدا" حال من ضمير الغائب، وكلمة "منحدرا" حال من ضمير المتكلم.
والذي أراه، إن لم يجانبني الصواب، أنه يجب هنا أن ترتب الحال ترتيبا على الأصل، بحيث تكون الأولى لصاحبها الأول، والثانية للثاني وهكذا؛ لأن ذلك هو الذي يتجه إليه الذهن حين النطق، فلِمَ نعكس الأمر بهذه الصورة الغريبة!! فإذا قلنا: "عامل الصديقُ صديقَه وَدُودا مخلصًا" كانت "ودودا" للأول "الصديق" وكانت "مخلصا" للثاني "صديقه" ولا داعي لعكس الموضوع.
وخلاصة هذا الموضوع كله: أن الحال المتعددة لمفرد أو المتعددة لمتعدد مع وجود الدليل المعنوي أو اللفظي لنسبتها لمن هي له لا يلزم فيها ترتيب.
وأما إذا تعددت لمتعدد بلا دليل، فإنها -في رأيي- يجب ترتيبها على الأصل.
стр. 466
الحال المفردة والجملة وشبه الجملة:
لاحظ الأمثلة التالية:
- وقف الشرطيُّ منَظِّما حركةَ المرور.
- ويسهرُ رجالُ الأمن محافظين على المواطنين.
الحال مفردة.
- يؤدي شرطيُّ المرورِ واجبَه بين مفارق، الطرق في الزّحام.
الحال شبه جملة.
- ويسهرُ رجالُ الأمن والمواطنون نائمون، فيطاردون الجريمةَ وهم معرَّضون للخطر.
الحال جملة.
تأتي الحال مفردة وجملة وشبه جملة -تماما كما كان الأمر في خبر المبتدأ- والأصل في الحال أن تكون مفردة، ويقابلها في ذلك شبه الجملة والجملة على التحديد التالي:
الحال المفردة: هي ما كانت غير جملة ولا شبه جملة، وإن كانت مثناة أو مجموعة، تقول: "من حقّ العاملِ للمجتمع أنْ يعيشَ مستريحا" وتقول: "من حقِّ العاملين لخير المجتمع أن يعيشوا مستريحين" وكلا المثالين من نوع المفرد.
شبه الجملة: يقصد بذلك أن تكون الحال ظرفا أو جارا ومجرورا، مثل قولك: "إن الحرمان وقتَ الحاجةِ أقَلّ أَلَمًا من العطاء مع المَنِّ" وتقول: "استمعتُ للنصيحة من لسانٍ مخلص"، قال ابن هشام: ويتعلقان "بمستقر أو استقر محذوفين".
الجملة: هي ما تكونت من مسند ومسند إليه، سواء أكانت اسمية أم
стр. 467
فعلية، تقول: "سهرتُ والناسُ نائمون" وتقول: "انتشر الناسُ في الأرْضِ يبتغون الرزق".
هذا، ومن أهم شروط الجملة التي تقع حالا، فعلية أم اسمية، أن يكون بها رابط يربطها بصاحبها، وهذا الرابط واحد من أمور ثلاثة:
أ- الواو: وتسمى "واو الحال" وعلامتها، كما يقول ابن عقيل، صحة وقوع "إذ" موقعها، تقول "ربَّما يتعبُ الجسمُ والضميرُ مستريحٌ وربما يرتاحُ الجسمُ والضميرُ مُتْعَبٌ" قال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (١).
ب- الضمير وحده: ويقصد بذلك الضمير الذي يرتبط بصاحب الحال ويعود إليه، تقول: "يعيش العلماء في عصرنا حياتهم لغيرهم"، ومن ذلك قول القرآن: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (٢).
ج- الواو والضمير جميعا: كقولك: "تتحرك عين المنافق وهي قلقة وتستقر عين المخلص وهي هادئة" ومن ذلك في القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٣).
ذلك أصل الموضوع، أن الرابط في الجملة قد يكون الواو فقط أو الضمير فقط أو الواو والضمير جميعا، ويستدرك على هذا الأصل الملاحظتان التاليتان:
الأولى: أن الجملة الفعلية الواقعة حالا إذا كان فعلها مضارعا مثبتا، وتقدم عليها الحرف "قد" فإنها يجب أن يتقدم عليها "واو الحال" ولا تأتي
стр. 468
بدونها، مثل قول القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ (١).
الثانية: أن واو الحال يمتنع مجيئها مع بعض الجمل التي من أهمها ما يلي:
١ - الجملة الفعلية المبدوءة بمضارع مثبت، مثل: "وقف المنتصرُ يبتسمُ وجلس المهزومُ ينتحبُ".
٢ - الجملة الفعلية المبدوءة بمضارع منفي بالحرف "لا" كقول الشاعر:
ولو أنَّ قومًا لارتفاعِ قبيلةٍ … دخلوا السماءَ دخلْتُها لا أُحْجَبِ (٢)
٣ - الجملة الفعلية المبدوءة بمضارع منفي بالحرف "ما" كقول مسكين الدارمي:
عَهِدْتُكَ ما تَصْبُو وفيكَ شَبيبةٌ … فما لَكَ بعد الشَّيبِ صبًّا مُتَيَّمًا (٣)
٤ - الجملة الحالية التي تأتي مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، كقولنا: "هو الحقُّ لا شكَّ فيه" وقول القرآن: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً﴾ (٤).
стр. 469
مسائل مهمة تتعلق بالحال:
الأولى: مجيء الحال من المضاف إليه.
لاحظ الأمثلة التالية:
من آياتِ الله إمساكُ الأرضِ في الفضاء مُعَلَّقَةً.
ومن أعظمِ آياته أن يستقرَّ ماءُ الأرضِ عليها مكوَّرَةً.
ومن رائع حكمته أن يبقى هواءُ الأرضِ حولها جاذبةً له.
من رأي جمهور النحاة أن الحال لا يأتي من "المضاف إليه" في اللغة العربية إلا إذا جاء "المضاف" على الصفات التالية:
أ- أن يكون المضاف اسما يقوم بوظيفة الفعل "كالمصدر واسم الفاعل .. إلخ" مثل: "من آيات الله إمساكُ الأرضِ في الفضاءِ مُعَلَّقَةً" ومن ذلك قول مالك بن الريب:
تقول ابنتي إنّ انطلاقَكَ واحدًا … إلى الرّوْعِ يومًا تَارِكِي لا أَبَا لِيَا (١)
ب- أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه، مثل: "ومن أعظم آياته أنْ يستقرَّ ماءُ الأرضِ عليها مكوَّرَةً" ومن ذلك قول القرآن: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ (٢).
ج- أن يكون المضاف كجزء من المضاف إليه، مثل: "ومن رائع حكمته
стр. 470
أن يبقي هواء الأرض حولها جاذبة له" ومن ذلك قول القرآن: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ (١).
هذا، ومن رأي أبي عَلِيّ الفارسي -وهو إمام نحوي جليل- جواز مجيء الحال من "المضاف إليه" مطلقًا دون هذه الصفات السابقة، ومن ذلك قول تأبّط شرًّا:
سلبتَ سِلاحِي بائِسا وَشَتَمْتَنِي … فيا خيْرَ مسلوبٍ ويا شرَّ سالبِ (٢)
ويبدو أن لهذا الرأي الأخير وجاهته التي يؤيدها الاستعمال، إذ نقول: "نستقبل أضواءَ الصبَاحِ باكرًا" و"نستقبل أحداثَ اليومِ جديدا" و"نرى كلَّ يومٍ معالِمَ الحياةِ متجدِّدَة".
الثانية: ترتيب جملة الحال.
الأصل في اللغة العربية أنه يصح تأخر الحال عن عاملها وصاحبها ويصح توسطها بينهما أو تقدمها عليهما معا، وعلى ذلك فإن الصور الآتية كلها صحيحة لجملة واحدة.
يذهبُ الطالبُ إلى الجامعة نشيطا.
يذهب نشيطا الطالبُ إلى الجامعة.
نشيطا يذهب الطالبُ إلى الجامعة.
ومن ذلك قول عروة بن حزام:
стр. 471
حلفتُ برب الراكعين لربهم … خُشُوعًا وفوق الراكعين رقيبُ
لئن كان بردُ الماءِ هيمانَ صاديًا … إليّ حبيبًا إنها لحبيبُ (١)
فالكلمتان "هيمان، صاديا" حالان من ضمير المتكلم المجرور في "إلي" وهو متأخر.
لكن، يستدرك على هذا الأصل الأمران التاليان:
الأول: إذا كان الحال هو الاسم "كيف" فإنه يجب تقدمه.
هذا، وينبغي التنبه إلى أن كلمة "كيف" اسم مبني على الفتح، وله -كما يقال- صدارة الكلام، وتستعمل -كما جاء في "مغني اللبيب"- كما يلي:
١ - أن تكون أداة شرط غير جازمة، ويجيء بعدها فعلان متفقان في اللفظ والمعنى، مثل: "كيف تصنعُ أصنعُ".
٢ - أن تكون اسم استفهام -وهو الاستعمال الغالب فيها- فإن كانت الجملة بعدها تحتاج إلى خبر، أعربت خبرا، مثل قولنا: "كيف حالك؟ " و"كيف كانت ليلتك؟ " و"كيف علمت الحقيقة؟ ".
فإن كانت الجملة بعدها لا تحتاج إلى خبر، أعربت حالا -وهذا هو المقصود هنا- ومن ذلك قول حافظ إبراهيم:
стр. 472
كيفَ يَحْلُو من القويِّ التَّشَفِّي … في ضعيفٍ ألقى إليه القيادا (١)
الثاني: يحب تأخر الحال في مواضع، أهمها أن يكون العامل "فعل تعجب، اسم تفضيل، اسم فعل، عامل معنوي" كما يلاحظ في الأمثلة التالية:
ما أجْمَلَ القمرَ في ليالي الرّيف مشرقًا.
هواءُ الرّيف أنفعُ الأشياءِ نقيًّا.
فتلك هِبَاتُ الطبيعةِ لنا سخيَّةً.
الثالثة: حذف عامل الحال.
الأصل -كما سبق غير مرة- ألا يحذف من الكلام العربي شيء، وأن تكون كل أجزائه مذكورة، لكن في صناعة النحو صحة الحذف، ومن الأشياء التي تحذف أحيانا من جملة الحال عامل الحال، كما يلاحظ في النصوص التالية:
- قول القرآن: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٢).
- قول العرب للقادم من الحج: "راشدًا مأجورًا".
- قول العرب في التوبيخ: "أتميميًّا مرة وقيسيًّا أخرى".
- قولنا بعد الطعام والشراب: "هنيئا لك".
стр. 473
التمييز:
١ - المقصود بالتمييز لدى اللغويين والنحاة، والموازنة بينه وبين الحال.
٢ - الأمور المبهمة التي يفسرها التمييز نوعان:
أ- المفردات الأربعة المبهمة "الأعداد، المقادير، أشباه المقادير، فرع التمييز".
ب- النسب الأربعة المبهمة "الفعل والفاعل، الفعل والمفعول، المبتدأ والخبر، النسبة مطلقا".
التمييز لدى اللغويين والنحاة:
عاشت حضارةُ العربِ أربعةَ عشر قرنا.
وتأثر بها العالمُ ثقافةً وأخلاقًا.
ويقررُ المؤرخون ذلك إنصافا وعدْلًا.
ويشكك أعداءُ العرب فيها زُورًا وكذبًا.
يقول اللغويون: الألفاظ الثلاثة "تمييز، تفسير، تبيين" بمعنى واحد فهي ألفاظ مترادفة تفيد توضيح الشيء وإزالة الغموض عنه، وبهذا المعنى ورد القرآن: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ بمعني: يفصل كلا منهما عن الآخر، فيتضح وحده، ويوم القيامة يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
أي: اظهروا وحدكم بلا خفاء ولا اختلاط.
يقول ابن هشام: التمييز اسم نكرة فضلة جامد يرفع إبهام اسم أو إجمال نسبة ا. هـ.
стр. 474
إذا تأملنا هذا التعريف اتضح لنا أنه يشتمل على صفات خمس لها يقع تمييزا هي على الترتيب:
١ - أن يكون اسما.
٢ - أن يكون نكرة.
٣ - أن يكون فضلة.
٤ - أن يكون جامدا.
٥ - أن يوضح إبهام ما قبله.
والأمور الأربعة الأولى قد مر تفسيرها -فيما سبق- فنحن قد عرفنا "الاسم والنكرة والفضلة والجامد" فلا حاجة إلى إعادة توضيحها، أما القيد الأخير ففي حاجة إلى توضيح؛ لأن فكرة التمييز تقوم عليه.
إن التمييز -كما مر في المعنى اللغوي والنحوي- يبين شيئا مبهما في جملته أو بعبارة أخرى: يوضح أمرا غامضا في تلك الجملة، فيرفع الإبهام والغموض وهذا الشيء المبهم أو الغامض هو ما نسميه "الممَيَّز أو المفَسَّر" ولو أنه ذكر وحده دون التمييز لحارت النفس فيه، وذهبت بها حيرتها في كل اتجاه.
إذا عاودنا النظرة إلى الأمثلة السابقة، وقلنا في المثال الأول: "عاشت حضارة العرب أربعة عشر" -هكذا دون التمييز- لأثار ذلك تساؤلا هو أي شيء هذه الأربعة عشر؟ "يوما، شهرا، أسبوعا، قرنا" فإذا ذكر التمييز "قرنا" ذهبت تلك الحيرة، وفي المثال الثاني لو قلنا: "تأثر بها العالم" -هكذا دون التمييز- لأثار ذلك تساؤلا هو: بأي شيء تأثر العالم؟! في "الحضارة، التخلف، العقيدة، الثقافة، الأخلاق، التاريخ؟! " كل هذه احتمالات لا تزول إلا بذكر التمييز، فإذا ذكر التمييز "ثقافة وأخلاقا" زالت هذه الاحتمالات جميعا، وبان الأمر، فقرّت النفس.
стр. 475
بين الحال والتمييز:
بالنظر إلى الصفات التي يجب توافرها في كل من الحال والتمييز يمكن الموازنة بينهما نحويا بما يلي:
أولا: يتفق كل من الحال والتمييز في أمرين:
١ - كل منها نكرة لا معرفة.
٢ - كل منهما فضلة لا عمدة.
ثانيا: يفترقان في أمرين:
١ - الحال مشتق في الأصل، ولا يكون جامدًا إلا في مواضع خاصة والتمييز جامد دائما.
٢ - الحال يبين هيئة صاحبه، ويجيب عن السؤال بكلمة "كيف" أما التمييز فيوضح المبهم قبله، ويجيب عن السؤال "من أي جهة؟ ".
الأمور المبهمة وأنواعها:
تنقسم الأمور المبهمة التي يوضحها التمييز إلى صنفين:
الصنف الأول: مفردات مبهمة تحتاج إلى ما يوضحها، ويسمى التمييز في هذه الحالة "تمييز المفرد" أو "تمييز الذات"؛ لأنه يفسر اسما مفردا يدل على ذات مبهمة.
والمفردات التي تحتاج إلى التفسير والتوضيح أمور أربعة هي:
١ - الأعداد من "١١ - ٩٩" -ولو جاءت مع المائة فما فوقها- لأن
стр. 476
هذه الأعداد يأتي بعدها التمييز منصوبا، كقول القرآن: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ (١) وقول زهير:
سَئِمتُ تكاليفَ الحياةِ ومنْ يَعِشْ … ثمانين حولًا لَا أبا لَكَ يَسأمِ (٢)
٢ - أسماء المقادير: ويقصد بها ما يدل على مقدار منضبط وزنا أو كيلا أو قياسا تعارف عليه الناس وارتضوه للوزن أو الكيل أو القياس، ومن ذلك:
- موازين: الطن، القنطار، الأقة، الكيلو، الرطل، الأوقية، الدرهم، الجرام.
- مكاييل: الإردب، الكيلة، القدح، الجريب، الصاع.
- مقاييس: الفدان، القيراط، السهم، القصبة، المتر، الياردة، الكيلو متر.
كقولنا: "تزنُ القِلادَةُ أوقيّةً ذهبًا" أو "بعضُ الفلاحين يملك فقط فدانًا أرضًا فَيَغِلُّ عليه عددا من القناطير قُطْنًا وعددا آخر من الأرادب قمحًا".
٣ - أشباه المقادير: ويقصد بها ما تدل على مقدار غير منضبط وزنا أو كيلا أو قياسا، ولم يتعارف الناس عامة على استعمالها لذلك.
تقول: "شربتُ بعد الإفطار كُوبًا شايًا بعد أن أضفتُ إليه إناءً لَبَنًا".
فهذا يشبه الكيل، ومن كلام أهل الريف "نَمَا النباتُ حتى بلغَ باعًا طولًا ثم نَمَا حتى بلغ قامَةَ رجلٍ ارْتِفَاعًا" فهذا يشبه القياس، ومن كلام أبناء البلد: "اشتريتُ وَزْنَ حجرٍ عِنَبًا" فهذا يشبه الوزن، وقد جاء من ذلك ما يلي:
стр. 477
- قول القرآن: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (١). … "يشبه الوزن".
- قول العرب: ما في السَّماء قدرُ راحةٍ سحابًا. … "يشبه القياس".
٤ - أن يكون الاسم المبهم فرعا للتمييز، على معنى أن يكون التمييز المفسِّر هو الأصل، والمفسَّر بعضا منه، كقولنا: "هذا ثوبٌ حريرًا" أو "هذا خاتمٌ ذهبًا".
الصنف الثاني: النسبة المبهمة بين شيئين في الجملة، أو بعبارة أخرى العلاقة المجملة -غير المفصلة- بين أمرين في الجملة، ويسمى التمييز في هذا الصنف "تمييز النسبة"؛ لأنه قد جاء ليوضح تلك النسبة المبهمة، وليفصل ويبين تلك العلاقة المجملة بين الشيئين في الجملة.
والنسبة المبهمة أربعة أنواع:
١ - النسبة المبهمة بين الفعل والفاعل، ويسمى التمييز في هذه الحالة "محوّلا عن الفاعل" كقولك: "انتصرت قضيّتُنَا عدْلًا" و "ارتفع طلابُ العلمِ في وطننا شأنًا" ومنه قول القرآن: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (٢).
٢ - النسبة المبهمة بين الفعل والمفعول ويسمى التمييز في هذه الحالة "محولا عن المفعول" كقول الفلاح: "زرعتُ الأرضَ شجرا" وقولي: "شرحتُ الكتابَ نحوًا" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ (٣).
٣ - النسبة بين الخبر والمبتدأ كقولنا: "المثقفُ أفضلُ من الجاهل خُلُقًا" وأيضا "الأساتذةُ أفضلُ من الناسِ عِلْمًا" ومنه قول القرآن: ﴿أَنَا أَكْثَر
стр. 478
مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ (١) ويسمى التمييز في هذه الحالة "محولا عن المبتدأ".
٤ - النسبة المبهمة مطلقا: وهي النسبة المبهمة في الجملة غير الأمور الثلاثة السابقة، ويسمى التمييز في هذه الحالة مفسرا للنسبة المبهمة فقط، وهو "غير محول" عن غيره.
وقد ورد هذا النوع الأخير -غير المحول- في نماذج من الأمثلة ترد غالبا في موقف التعجب والتأثر، ومن ذلك:
- قول العرب: "لله دَرُّهُ فارِسًا" أسلوب تعجب سماعي، فارسا: تمييز.
- قولنا: "أكرمْ بِهِ أبًا" أسلوب تعجب قياسي، أبا: تمييز.
- قولنا: "ما أشْجَعَهُ رَجُلًا" أسلوب تعجب قياسي، رجلا: تمييز.
- ما ينسب للأعشى من قوله:
بانَتْ لِتَحْزُنَنَا عَفَارَهْ … يَا جَارَتَا ما أنتِ جَارَهْ (٢)
يقول ابن هشام عن هذا البيت "ما" استفهام مبتدأ و "أنت" خبره، والمعنى "عَظُمْتِ" كما يقال: "زيدٌ وما زيدٌ" أي شيء عظيم، و "جارة" تمييز، وقيل: "ما" نافية، و "أنت" اسمها و "جارة" خبر ما الحجازية أي: لست جارة، بل أنت أشرف من الجارة، والصواب الأول ا. هـ.
وبعد: فلعلنا بعد هذا العرض للمفردات المبهمة وأنواعها، وللنسب المبهمة وصورها يمكننا أن نفهم وأن نشرح عبارة "ابن هشام" المشهورة بين المشتغلين بالنحو وهي "التمييز يرفع إبهام اسم أو إجمال نسبة" بعد أن مر علينا بالتفصيل الأسماء المبهمة والنسب المجملة.
стр. 479
أساليب الاستثناء:
١ - المقصود بأسلوب الاستثناء لغة ونحوا، مع بيان أجزاء جملته التي يتكون منها
٢ - المقصود بالمصطلحات النحوية الأربعة "الكلام التام، الكلام الموجَب، المستثنى المتَّصِل، المستثنى المنقَطِع".
٣ - المستثنى بعد الحرف "إلا" يتبع ما قبله أو ينصب بحسب أساليبه المختلفة.
٤ - المستثنى بالاسمين "غير، سوى" مجرور دائما وتعرب الكلمتان إعراب ما بعد "إلا".
٥ - المستثنى بالكلمات "خلا، عدا، حاشا" ينصب إذا اعتبرت أفعالا، ويجر إذا اعتبرت حروفا.
٦ - مسألة تكرار "إلّا".
أسلوب الاستثناء وأجزاؤه:
ينصُرُ المواطنون بلادَهم إلا الخونة.
لا يشمتُ الناس في الضّعيف إلا اللؤماء.
يحترم الصادقون آراءَهم إلا الكذوب.
في حياتنا العادية الدارجة تتردد كلمات لها صلة بهذا الموضوع، إذ يقال حين محاباة شخص دون المجموعة بشيء ما "دا يا عمّ مستثنى من المجموعة" ويقصد بذلك أنه متفرد عنها لا يسري عليه ما يسري عليها، وأشهر العبارات بين المثقفين عن ذلك "الاستثناء يثبت القاعدة" على معنى أن لكل شيء شذوذه، وأن بعض الأشياء أو الناس قد تخرج عما هو مقرر لأمثالها، وذلك لا يخل بالقاعدة؛ لأنه طبيعي.
стр. 480
يقول اللغويون: الاستثناء في اللغة هو الإخراج مطلقا بالقول أو بالفعل فالطالب الذي يطلب منه عدم الاشتراك في الرحلة، فيترك زملاءه استثني من مجموعهم، وخرج عن زمرتهم.
أما لدى النحاة: فأسلوب الاستثناء هو الأسلوب الذي يتحقق فيه الإخراج بواسطة أداة من أدوات الاستثناء "إلا وأخواتها"، ففي المثال "ينصر المواطنون بلادهم إلا الخونة" هذا أسلوب استثناء متكامل، إذ خرج "الخونة" من "المواطنون" الذين ينصرون وطنهم بواسطة الأداة "إلا" وتتكون جملة الاستثناء المتكاملة من الأمور التالية:
المستثنى: هو الاسم الواقع بعد أدوات الاستثناء، ويحدد علميا بأنه الاسم المخرج من أمثاله الذين تقرر لهم حكم خاص في الجملة قبل أداة الاستثناء وهو في الأمثلة السابقة على التوالي "الخونة، اللؤماء، الكذوب".
أدوات الاستثناء: هي كلمات خاصة تستعمل في الجملة لتفيد إخراج ما بعدها من حكم ما قبلها، وهي بالتحديد "إلا، غير، سوى، خلا، عدا، حاشا" وهناك أداتان أخريان "ليس، لا يكون" وقد مر ذكرها في النواسخ.
المستثنى منه: ويقع قبل أدوات الاستثناء، ويحدد علميا بأنه الاسم العام الذي ينسب له الحكم في الجملة ومنه يكون إخراج المستثنى، وهو في الأمثلة السابقة على التوالي "المواطنون، الناس، الصادقون".
الحكم: هو المعنى الذي ينسب للمستثنى منه -إثباتا أو نفيا- بحيث يكون إخراج المستثنى من المستثنى منه إخراجا من هذا الحكم في الوقت نفسه وهو في الأمثلة السابقة مستفاد من "ينصر، لا يشمت، يحترم".
стр. 481
وهنا ينبغي التنبه إلى أمرين:
الأول: أن أدوات الاستثناء ليست حروفا كلها، بل منها حروف وأسماء وأفعال، كما سيأتي.
الثاني: أن المستثنى ليس منصوبا دائما، بل يكون منصوبا ومرفوعا ومجرورا، كما سيأتي بالتفصيل.
المصطلحات النحوية الأربعة:
الكلام التام: هو -كما جاء في كتب النحو- ما كان المستثنى منه مذكورا فيه، كقولنا: "أخلص أهل المدينة للرسول إلا اليهود" وتقول: "ينامُ أهلُ القاهرةِ إلا رجالَ الأمن".
الكلام الموجب: هو ما لم يتقدمه في جملته نفي أو نهي أو استفهام كقولك: "سهرتُ الليلَ غير ساعة" فإن تقدمه نفي أو نهي أو استفهام سمي "كلاما غير موجب" كقولك: "لا يشمتُ الناسُ في الضعيفِ إلا اللؤماء" وأيضا "هل يهابُ الناسُ الأعداءَ إلا الجبناء".
المستثنى المتصل: يقصد به ما كان المستثنى من جنس المستثنى منه بأن يكون المستثنى منه من وادٍ واحد، بحيث إذا لم يذكر المستثنى في الكلام كان معناه متضمنا في المستثنى منه، كقولك: "أدَّيتُ الصلواتِ في أوقاتِها إلا الفجر".
المستثنى المنقطع: يقصد به أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، على معنى أن المستثنى والمستثنى منه ليسا من صنف واحد، بحيث إذا ذكر المستثنى منه، ثم ذكر المستثنى بعده، كان وروده على الذهن غريبا، كقولنا: "يتحمَّلُ الرجالُ مَشَاقَّ الحياةِ إلا المرأة وتتحمَّلُ النساءُ تربيةَ الأطفالِ إلا الرجل".
стр. 482
ويمثل النحاة لذلك بمثال يجسد الفكرة ويقربها وهو "شَرِبَ الخيلُ إلا حمارا" فمن الواضح أن "الحمار" ليس من جنس الخيول.
بعد هذه المقدمة الضرورية لمعرفة جملة الاستثناء وما يطلق عليها من مصطلحات نحوية ندرس أدوات الاستثناء متوالية من حيث كيفية ورود كل منها في الكلام العربي، وأحكام المستثنى مع كل منها رفعا ونصبا وجرًّا.
الاستثناء بالحرف "إلا":
يجب التنبه إلى أن "إلا" حرف استثناء مبني، وليست فعلا ولا اسما وهي أشهر أداة من أدوات الاستثناء، والاسم الذي يقع بعدها يختلف الحكم عليه باختلاف الأسلوب الذي ترد فيه.
والجملة التي ترد فيها "إلا" في الكلام العربي تأتي على صور ثلاث تفصيلها في الآتي:
الصورة الأولى:
أورقت الأشجارُ إلا واحدةً.
تُمْتِعُنَا فصولُ العامِ إلا الصَّيفَ.
تحلو فتراتُ العمرِ إلا الشيخوخةَ.
أن ترد في كلام تام موجب، ومن البيِّن -بعد ما تقدم- أن المراد بهذه الصورة أن يكون المستثنى منه مذكورا والكلام خالٍ من النفي والنهي والاستفهام، وفي هذه الصورة يجب نصب المستثنى، كما ترى في الأمثلة السابقة من نصب الكلمات "واحدة، الصيف، الشيخوخة" وجوبا، ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ (١) ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ
стр. 483
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (١) وقول الشاعر:
لكلِّ داءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ به … إلّا الحماقةَ أعْيَتْ من يُدَاوِيها (٢)
الصورة الثانية:
لا تُرى الكواكبُ بالعين المجردة إلا القمر.
لا تُرى النجومُ بالعين المجردة إلا القمر.
ما بقيتْ فرصُ الحريةِ إلّا القتال.
ما بقيتْ المساعي السّلميةُ إلا القتال.
أن يكون الكلام تاما غير موجب، بأن يكون المستثنى منه مذكورا في الكلام، وتقدمه نفي أو نهي أو استفهام، وفي هذه الصورة تفصيل كما يلي:
أولا: إذا كان الاستثناء متصلا -بأن كان المستثنى من جنس المستثنى منه- صح في المستثنى أمران:
أ- الإتباع للمستثنى منه في إعرابه رفعا ونصبا وجرا، فيعرب -على الرأي الراجح- بدلا منه، بدل بعض من كل، والبدل كما سيأتي أحد التوابع.
ب- النصب على الاستثناء، فيكون ما بعد "إلا" منصوبا كما في الصورة الأولى.
ففي المثال "لا تُرى الكواكبُ بالعين المجردة إلا القمر" يصح في كلمة "القمر" الإتباع للكلمة "الكواكب" بدلا منها، فترفع، كما يصح
стр. 484
نطقها بالنصب على الاستثناء، ومثله أيضا "ما بقيتْ فرصُ الحريةِ إلا القتال" كلا الوجهين إذن جائز في المستثنى المتصل، لكن الأفصح في اللغة هو الإتباع، وعلى ذلك جاء نطق الحجازيين والتميميين، وأيدته قراءات القرآن.
- من القرآن: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (١) قرئت"قليل" بالرفع والنصب.
- من القرآن: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٢) قرئت "امرأتك" بالرفع والنصب.
قال ابن هشام: فإن كان متصلا، جاز في المستثنى وجهان، أحدهما -وهو الراجح- أن يعرف بإعراب المستثنى منه على أن يكون بدلا منه بدل بعض من كل، والثاني النصب على أصل الاستثناء، وهو عربي جيد والإتباع أجود منه ا. هـ.
ثانيا: إذا كان الاستثناء منقطعا، بأن كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه، فقد ورد عن العرب ما يلي:
أ- أهل الحجاز يلتزمون نصبه، ويصف النحاة هذه اللغة بأنها اللغة العليا.
ب- بنو تميم يرجحون نصبه، والإتباع لديهم جائز وهو أقل فصاحة ففي المثال "لا تُرَى النُّجُومُ بالعين المجرَّدةِ إلا القمر" فإن المستثنى "القمر" ينصب وجوبا على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة بني تميم الأفصح نصبه أيضا لكن يصح رفعه إتباعا لكلمة "النجوم" ومثله أيضا المثال "ما بقيت المساعِي السلميةُ إلا القتال".
стр. 485
ولكل من النطقين ما يؤيده من شواهد اللغة:
فقد وردت قراءات القرآن على لغة الحجازيين في التزام النصب في الآيتين:
- ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (١).
- ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢).
لكن ورد على لغة بني تميم شعر فصيح وفيه الإتباع، ومن ذلك قول الراجز:
يا ليتني وأنت يا لَمِيسُ
في بلدةٍ ليس بها أنيسُ
إلا اليَعافيرُ وإلّا الْعِيسُ (٣)
ثالثا: هذا التفصيل السابق إنما هو في المستثنى المتأخر عن المستثنى منه أما إذا تقدم على المستثنى منه، فيجب نصبه سواء أكان متصلا أم منقطعا لا فرق بين الاثنين في ذلك، وقد أوردت معظم كتب النحو الشاهد التالي في مدح آل البيت، قال الكميت:
وما لِيَ إلّا آلَ أحمدَ شِيعَةٌ … وما لِيَ إلّا مَذْهَبَ الحقِّ مَذْهَبُ (٤)
стр. 486
بنصب كلمة "آل" في الشطر الأول، ونصب كلمة "مذهب" في الشطر الثاني.
الصورة الثالثة:
لا يكذبُ إلا الجبانُ.
فلا يعرف القويُّ إلا الصراحةَ.
ولا يتحدّثُ إلا بالصدقِ.
أن يكون الكلام غير تام وغير موجب، والمقصود بهذه الصورة إذن أن يكون الأسلوب خاليا من المستثنى منه، وأن يتقدمه نفي أو شبهه، كما ترى في الأمثلة السابقة.
في هذه الصورة تصبح "إلّا" ملغاة لا عمل لها، ويقول عنها النحاة في الإعراب: "إلا: أداة استثناء ملغاة لا عمل لها" ويعرب الاسم الذي بعدها بحسب ما يقضي به نظام الجملة، فإن احتاجت إلى فاعل أو نائب فاعل رفع وإن احتاجت لاسم منصوب نصب، وإن احتاجت لاسم مجرور جاء مجرورا ففي المثال: "لن يفيدَ إلا النضالُ" كلمة "النضال" فاعل مرفوع، وفي الجملة "هل يخسر اللاجِئُ إلا خيمتَه" كلمة "الخيمة" منصوبة مفعول به، وفي الجملة "لا تُنْصِتَ إلا للكلامِ المفيد" الفعل لازم، فاحتاج إلى جار ومجرور هو "للكلام".
وينبغي الإشارة هنا إلى أمرين مهمين:
الأول: أن النحاة يطلقون على هذه الصورة -غير التام وغير الموجب- أحد مصطلحين "الاستثناء المفرغ، أو الاستثناء الناقص" ولكل من التسميتين تسويغه لديهم، فهو استثناء مفرّغ -كما يقول ابن هشام- لأن ما قبلها قد تفرغ
стр. 487
للعمل فيما بعدها، وهو استثناء ناقص؛ لأن جملة الاستثناء نقصت ركنا مهما من أركانها هو "المستثنى منه".
الثاني: أن العلامة التي تُعرف بها هذه الصورة من الاستثناء أن تحذف "إلا" مع حرف النفي أو شبهه ويبقى الكلام سليما والجملة متكاملة، فتقول مثلا في: "لن يفيد إلا النضال" تقول: "يفيد النضال" وهكذا.
المستثنى بالاسمين "غير وسوى":
ينبغي التنبه إلى أن الكلمتين "غير، سوى" من الأسماء المعربة والأولى معربة بحركات ظاهرة، والثانية معربة بحركات مقدرة؛ لأنها اسم مقصور.
ويتلخص رأي النحاة في أساليب الاستثناء بهما في العبارتين التاليتين:
أ- المستثنى مجرور بهما دائما بالإضافة إليهما.
ب- الكلمتان "غير، سوى" اسمان معربان، وحكمهما في الإعراب حكم الاسم الواقع بعد "إلا" بحسب أساليبه المختلفة التي سبق شرحها.
فلنتأمل الأمثلة الآتية:
- أشرقت الشمسُ كلَّ ساعاتِ النَّهارِ غيرَ ساعةٍ.
- أضاءتْ مصابيحُ الشارعِ سوى مصباحٍ.
تام وموجب.
- ما وَطِئ القمرَ بشرٌ غير بضعةِ رجالٍ.
- ما فازَ الكَسَالَى سوى المُجِدِّ.
تام وغير موجب.
- ما فازَ سوى المجِدِّ.
- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة﴾.
مفرغ.
стр. 488
في الأمثلة السابقة جاء المستثنى بعد الكلمتين "غير، سوى" مجرورا دائما بالإضافة إليهما، أما الكلمتان أنفسهما "غير، سوى" فقد خضعتا في الإعراب لما يخضع له الاسم الواقع بعد "إلا" ففي الكلام التام الموجب يجب نصبهما على الاستثناء، وفي الكلام التام غير الموجب يتبعان ما قبلهما أو ينصبان بحسب نوع المستثنى متصلا أو منقطعا وما ورد من اختلاف النطق بين الحجازيين والتميميين، وفي الاستثناء المفرغ يعربان بحسب ما يقتضيه سياق الكلام قبلهما، ويمكن تطبيق هذا الفهم على هاتين الكلمتين في الأمثلة السابقة.
وقد ورد من شواهد الاستثناء المفرغ مع كلمة "سوى" قول الفَنْد الزِّمَّاني:
فلما صرَّحَ الشَّرُّ … وأمسى وهْوَ عُريانُ (١)
ولم يبقَ سوى العُدوا … نِ دِنَّاهم كما دَانُوا
وقول أبي دهبل الجمحي:
أأتركُ لَيْلَى ليس بيني وبينها … سوى ليلةٍ إنِّي إذنْ لصبورُ (٢)
стр. 489
المستثنى بالكلمات "خلا، عدا، حاشا":
سَيَفْنَى كلُّ شيءٍ في الحياةِ ما خلا وجهَ الله.
وكلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ ما حاشا الأنبياءَ.
ويغفرُ الله كلَّ الذنوبِ ما عدا الشّركَ بالله.
يرى النحاة أن هذه الكلمات الثلاث "خلا، عدا، حاشا" تستعمل أفعالا جامدة ماضية أو حروف جر، وهذا غريب!! إذ كيف تستعمل الكلمة الواحدة فعلا مرة وحرف جر مرة أخرى!.
لكن، يبدو أن لكلام النحاة توجيها صحيحا؛ لأنهم حين استقر أول الأساليب العربية التي ترد فيها هذه الكلمات، وجدوا أن الاسم بعدها يرد منصوبا أحيانا ومجرورا أحيانا أخرى، وفي حالة نصبه بعدها وجدوها تقبل بعض علامات الأفعال، مثل تاء التأنيث فيقال: "خلتْ، عدتْ" ومن ذلك العبارة المأثورة عند العرب من قولهم: "عدت القبيلةُ طورها" وهي لا تكون إلا مع الأفعال، بخلاف ما إذا ورد الاسم بعدها مجرورا فإنها لا تقبل هذه العلامات، فحكموا بأنها أفعال في الاستعمال الأول وحروف في الاستعمال الثاني.
والخلاصة أن الأسلوب الذي ترد فيه هذه الأدوات أفعالا يختلف عن الأسلوب الذي ترد فيه حروفا للجر، فلا غرابة إذن في قول النحاة ولا تناقض.
إذا تقرر ذلك فإن الذي يلخص أساليب الاستثناء بهذه الكلمات عبارة واحدة هي "إنما ينصب المستثنى بعدها إن قدرتها أفعالا، ويجر إن قدرتها
стр. 490
حروفا جارة للمستثنى" وتفصيل هذه العبارة المختصرة يتحقق في الصور الثلاث التالية:
الأولى: أن يتقدم على هذه الكلمات الثلاث "ما: المصدرية" فتكون أفعالا قطعا؛ لأن "ما المصدرية" لا تدخل إلا على الأفعال: وحينئذٍ يجب نصب المستثنى بعدها على أنه مفعول به لهذه الأفعال، كقولنا: "سيفنى كلُّ شيءٍ ما خلا وجهَ الله" وقولنا: "كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ ما حاشا الأنبياءَ".
ومن ذلك:
- قول لبيد:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ … وكلُّ نعيمٍ لَا مَحَالَةَ زائلُ (١)
- ما ينسب للرسول: "أسامة أحب الناس إليّ ما حاشا فاطمة" (٢).
الثانية: ألا يتقدم عليها "ما المصدرية" وتعتبر أفعالا، حينئذٍ ينصب المستثنى بعدها أيضًا على أنه مفعول به، فنقول: "سيفنى كلُّ شيءٍ خلا وجهَ الله" ونقول: "كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ حاشا الأنبياءَ".
الثالثة: ألا يتقدم عليها "ما المصدرية" وتعتبر حروفا للجر، حينئذٍ يجب جر المستثنى بعدها بها، تقول: "سيفْنَى كلُّ شيءٍ خلا وجهِ الله".
وتقول: "كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ حاشا الأنبياء".
стр. 491
تكرار "إلّا":
"المجموعة الأولى".
- اخضرت أشجار الحديقة إلا واحدة إلا أوراقها
- أثمرت أشجار الحديقة إلا شجرة برتقال وإلا شجرة ليمون.
"المجموعة الثانية".
- أثمرت أشجار الحديقة إلا شجرة برتقال إلا شجرة ليمون.
- ما نضجت الثمار في الحديقة إلا ثمرة برتقال إلا ثمرة ليمون.
- ما نضج من الثمار إلا ثمرة برتقال إلا ثمرة ليمون.
تأتي "إلا" مكررة، إذ يجيء بعد "إلا" الأولى واحدة أحرى أو اثنان أو أكثر، فيكون حكمها النحوي كالآتي:
أولا: أن يأتي بعد "إلا" المكررة ما يكون "بدلا" مما قبله، أو "معطوفا عطف نسق" على ما قبله، وحينئذٍ توجَّه الجملة نحويا كما يلي:
١ - تعامل "إلا" الأولى بحسب الأصل في صوره المختلفة التي سبقت دراستها، بل إنها لتتعين لذلك.
٢ - تعتبر "إلّا" المكررة بعد الأولى "ملغاة" تفيد التوكيد فقط، ويعبر عنها في الإعراب "إلا: حرف توكيد ملغاة" وما بعدها بدل أو معطوف على ما قبله، كما ترى في مجموعة الأمثلة الأولى "راجعها وطبّق عليها ما فهمت".
ثانيا: أن تتكرر "إلا" ولا يكون ما بعدها "بدلا أو عطف نسق" وحينئذٍ يوجه حكمها النحوي كالآتي:
١ - تعامل "إلا" الأولى بحسب الأصل في صوره المختلفة التي سبقت دراستها، وجاء في "أوضح المسالك": إنها لا تتعين لذلك بل تترجح.
٢ - تعتبر "إلا" المكررة عاملة، فينصب ما بعدها على الاستثناء واحدا أو أكثر "راجع مجموعة الأمثلة الثانية، وطبق عليها ما فهمت".
стр. 492
أساليب النداء:
تمهيد: النداء ونوع جملته:
النداء في اللغة معناه: دعوة المخاطب للانتباه والاستماع بأيّ لفظ كان.
والنداء لدى النحاة: الدعوة إلى الانتباه والاستماع بواسطة حروف خاصة يطلق عليها حروف النداء، وهي "يا: وأخواتها".
والمنادى: هو الذي وجهت له الدعوة من إنسان أو غيره من الأشياء إذا افترضت فيها الحياة والفهم.
لكن، لماذا اعتبرت جملة النداء ملحقة بالجملة الفعلية؟
لقد سبق أن الجملة في النحو إما اسمية أو فعلية، وجملة النداء تؤدي معنى كاملا، ولا تندرج تحت واحدة من هاتين الاثنتين، فإذا قلنا: "يا محمد" أدت هذه الجملة معنى كاملا، وليست فعلية ولا اسمية.
لذلك حاول النحاة قسرها على الدخول تحت الجملة الفعلية باعتبار المعنى إذ وجدوا أن "يا محمد" تساوي من حيث المعنى "أدعو محمدا" وما دامت بمعناها فهي مثلها، بل إن بعض النحاة اعتبر الحرف "يا" في الإعراب بمنزلة الفعل "أدعو" ودرس "ابن هشام" باب " النداء" في بعض كتبه بعد "المفعول به" مباشرة، فقال: "ومنه المنادى".
هذا الافتراض السابق يمكن مناقشته ونقضه، فإن الجملتين "يا محمد" و "أدعو محمدا" مختلفتان لفظيا كالآتي:
- يا محمد: أداة نداء + اسم بعدها.
- أدعو محمدا: فعل + فاعل مستتر + مفعول به.
فجملة النداء بالتحليل اللغوي مستقلة عن الجملة الفعلية، ولذلك آثرتُ دراستها "ملحقة بالجملة الفعلية".
стр. 493
النداء على الأصل:
١ - حروف النداء مع ذكر معانيها في نداء القريب والبعيد وشواهدها من الكلام العربي.
٢ - حرف النداء "يا" يصح حذفه من الكلام، والمنادى قد يحذف في مواضع خاصة.
٣ - الأسماء التي تنادى هي "المفرد العلم، النكرة المقصود، النكرة، غير المقصودة، المضاف، الشبيه بالمضاف".
٤ - حكم المنادى المضاف لياء المتكلم والمضاف إلى مضاف للياء.
٥ - كيفية نداء الاسم المعرف بالألف واللام.
حروف النداء:
أهم حروف النداء ستة أحرف هي: "الهمزة، أيْ، يا، أيَا، هَيَا، وا" وأشهرها تداولا بيننا الحرف "يا"، وإليك هذه الحروف الستة ومعانيها وشواهدها.
أ- الهمزة: لنداء القريب، وقد ذكر السيوطي أنه "قد جمع من كلام العرب أكثر من ثلاثمائة شاهد للنداء بالهمزة، وأنه قد أفرد هذا الموضوع بتأليف" ومن شواهدها:
- قول امرئ القيس:
أجارتَنا إن الخطوبَ تنوبُ … وإنِّي مُقيمٌ ما أقامَ عَسيبُ (١)
أجارتَنا إنّا غريبانِ ههُنا … وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ
стр. 494
٢ - أي: اختلف حولها الرأي في استعمالها لنداء القريب أو البعيد فمن رأي المبرد -وهو إمام نحوي جليل- أنها لنداء القريب، ومن رأي ابن مالك أنها لنداء البعيد، ورأي المبرد -فيما أرجح- هو الأقرب لاستعمال اللغة، ومن ذلك:
- قول الرسول يناجي ربّه: "أي ربّ، إن لم يكنْ بك غضَبٌ عليَّ فلا أبالي".
- قول أعرابية توصي ابنها: "أيْ بنيّ، إيَّاك والنميمةَ، فإنها تزرع الضّغينةَ وتُفَرِّقُ بين المحبين".
٣ - يا: يقول ابن مالك: "وللمنادى النائي أو كالنائي "يا" فمن رأيه إذن أنها لنداء البعيد فقط، وهناك آراء أخرى، فيقول أبو حيان -وهو إمام نحوي جليل- "هي أعم الحروف وتستعمل للقريب والبعيد مطلقا".
ويرى ابن هشام مثل هذا الرأي في قوله: "وأعمها "يا" فإنها تدخل على كل نداء".
والمتأمل لاستعمال الحرف "يا" في النداء يصح لديه أنها تستعمل حقا للقريب أو البعيد بلا تفريق، تقول لصديقك: "يا محمد" فتناديه سواء أكان قريبا منك أم بعيدا عنك، وشواهدها أكثر من أن تحصى.
- حين ظفر الرسول بقريش قال لهم: "يا معشرَ قريش ما تظنون أني فاعلٌ بكم"، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطُّلَقَاء" ا. هـ.
فلا شك أن الرسول كان يخاطبهم وهم بالقرب منه، بدليل أنهم أجابوه حين سألهم.
٤ - أيا: يبدو أنها -كما يقول ابن مالك- لنداء البعيد، ومن شواهدها
стр. 495
- قول المجنون:
أَيَا شِبْهَ لَيْلَى لا تُرَاعِي فإنني … لك اليومَ من وَحشِيَّةٍ لصديقُ (١)
٥ - هَيَا: يبدو أيضا أنها تستعمل لنداء البعيد، وهي تماثل الحرف السابق "أيا" والهمزة والهاء يتبادلان صوتيا في اللغة العربية، لأنهما من مخرج واحد، كقولنا "هَيَا محمدُ تعالَ".
ويتلخص هذا الموضوع في الآتي:
أ- الهمزة: لنداء ما هو قريب، وكذلك "أي" على الرأي الراجح الذي يؤيده الاستعمال
ب- يا: لكل من القريب والبعيد على الرأي الراجح الذي يؤيده الاستعمال.
ج- أيا، هيا: لنداء البعيد دون خلاف يستحق الذكر.
ويبقى حرف واحد هو "وا" ويستعمل في أسلوب خاص للنداء هو أسلوب الندبة، وسيأتي ذكره هناك.
حذف حرف النداء:
ينبغي التنبه إلى أن هذا الحكم خاص بالحرف "يا" وحده دون أخواته فالأصل في حرف النداء أن يكون مذكورا، وهذا ما ينطبق على كل حروف النداء غير "يا" أما هذا الحرف فقد ورد في استعمال اللغة محذوفا تخفيفا واختصارا؛ لكثرة دوران استعماله على الألسنة، ومن شواهد حذفه:
- قول القرآن: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٢).
- قول القرآن: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ (٣).