← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2099

النحو المصفى

محمد عيد

Полный текст (712 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ما يتعلق بالجملتين الاسمية والفعلية: يشمل ذلك ما يلي: ١ - حروف الجر. ٢ - الإضافة. ٣ - التعجب السماعي والقياسي. ٤ - التوابع الخمسة وهي: أ- النعت. ب- التوكيد. ج- عطف البيان. د- عطف النسق. هـ- البدل. ٥ - وظائف الأفعال في الجملة = عمل الأفعال في الجملة. ٦ - الأسماء التي تقوم بوظائف الأفعال. أ- اسم الفعل. ب- المصدر واسم المصدر. ج- اسم الفاعل. د- أمثلة المبالغة. هـ- اسم المفعول. و- الصفة المشبهة. ز- اسم التفضيل.

стр. 527

حروف الجر: ١ - حروف الجر -كما عدها ابن مالك في الألفية- عشرون حرفا. ٢ - تقسيم حروف الجر من حيث كثرة الاستعمال وقلته في اللغة العربية. ٣ - الحروف المتداولة -في رأي ابن هشام- باعتبار ما تجره من الأسماء الظاهرة والمضمرة. ٤ - زيادة "ما" مع بعض حروف الجر، بينها وبين مجرورها. ٥ - حذف حرف الجر "رب" مع بقاء عمله في المجرور. ٦ - حرف الجر الأصلي والزائد والشبيه بالزائد. حروف الجر: تلك التي تقوم بربط الأسماء بالأسماء، كقولنا "الطالبُ في الكليةِ" أو ربط الأسماء بالأفعال كقولنا "جئتُ إلى الكليةِ". وينبغي ابتداء معرفة الرأي فيما خاضت فيه مطولات النحو من ذكر معاني الحروف العشرين الجارة، ولنأخذ نموذجًا الحرف "مِنْ" فإن له سبعة معانٍ -كما جاء في أوضح المسالك- هي: ١ - التبعيض مثل: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). ٢ - بيان النوع مثل: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٢). ٣ - ابتداء المكان أو الزمان مثل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٣) وفي الحديث: "مُطِرْنَا من الجمعة إلى الجمعة".

стр. 528

٤ - العموم مثل: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (١). ٥ - معنى البدل مثل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٢). ٦ - الظرفية مثل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٣). ٧ - التعليل مثل: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (٤). وهكذا تورد هذه المطولات معاني كل حرف فتذكر "للّام" اثني عشر معنى، و"للباء" مثلها وللحرف "في" ستة معانٍ، وللحرف "على" أربعة، إلى آخر ذلك. والحق أن هذه المعاني تفيد دارس البلاغة، فهو الذي يبحث عن الحروف وما تؤديه من جملة إلى أخرى، أما دارس النحو، فإن الذي يهمه من هذه الحروف هو معانيها النحوية، أو بعبارة أخرى: يهمه أن يعرف فقط أن هذه الحروف تجر الأسماء التي بعدها مهما كان المعنى الذي تؤديه في الجملة. على أن حصر معاني هذه الحروف -على طولها- ليس حصرا نهائيا لأن هناك قاعدة معنوية عن حروف الجر تقول "حروف الجر يتبادل كل منها موضع الآخر كثيرا" فمثلا الحرف "على" يأتي بمعني "في" مثل: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ (٥). والحرف "عن" يأتي بمعني "على" مثل: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٦) فهذه الحروف تتبادل، فمن غير المفيد

стр. 529

كثيرًا حصر معانيها، إذ يقع بعضها موقع بعض، والأمر مرجعه أولا وأخيرًا سياق الكلام الذي يحدد لنا معنى الحرف، ويدل عليه. وخلاصة الأمر أنه من السهولة والتيسير ألا تعرض هنا معاني الحروف الجارة؛ لأن ذلك لا يفيدنا نحويا، ولأن ذلك غير منضبط تماما، ومع ذلك فمن أراد معرفة تلك المعاني تفصيلا، فليراجعها في "شرح ابن عقيل، أوضح المسالك، شرح "الأشموني" ليستزيد ويستفيد. وحروف الجر عشرون حرفا حصرها ابن مالك في البيتين الآتيين: هَاكَ حُرُوفَ الجر وهي مِنْ إلى … حَتَّى خَلا حَاشَا عَدَا في عَنْ عَلَى مُذْ مُنْذُ رُبَّ اللامُ كي وَاوٌ وتَا … والكافُ والبا ولعلَّ ومَتَى ومن هذه الحروف العشرين ثلاثة لن نتحدث عنها هنا، وهي "خلا، حاشا، عدا" فهي من أدوات الاستثناء، وقد مر الحديث عنها هناك بالتفصيل ولا حاجة إلى إعادته مرة ثانية. حروف الجر من حيث كثرة الاستعمال وقلته: يقصد بالكثرة والقلة هنا نطق العرب أصحاب اللغة، وبعبارة أقرب أن معظم هذه الحروف قد استعمل في اللغة العربية المشتركة بين العرب وهذا معنى الكثرة، وبعض هذه الحروف استعمل في الفصحى أيضا في نطق إحدى قبائل العرب فقط، لكن لم يقدر له الذيوع والانتشار في نطق جميع قبائل العرب، وذلك الحرفان "مَتَى، لَعَلَّ". فالأصل -كما هو مشهور- أن "مَتَى" اسم زمان، وقد يستعمل ظرفا كقولنا "مَتَى قدمتَ من سفرك" بمعنى "في أيّ وقت؟؟ " أما استعمالها حرف جر فهو لغة قبيلة "هذيل"، ومن شواهدها:

стр. 530

- سُمِعَ أحد الهذليّين يتحدث عن بعض اللصوص بقوله: "أخرجها متى كُمِّهِ" بمعنى "أخرجها من كُمِّه". - من شعر أبي ذؤيب الهذلي يصف السحاب: شَرِبْنَ بماء البحر ثم ترفّعتْ … مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنّ نَئِيجُ (١) وأما "لَعَلَّ" فالمشهور عنها أنها حرف يفيد الترجي من أخوات "إن" تنصب المبتدأ وترفع الخبر، واستعمالها حرف جر لغة قبيلة "عُقَيْل" ويسوق لها النحاة شاهدين أحدهما بيت شعري قبيح لا داعي لذكره، والآخر في قول كعب بن سعد يرثي أخاه أبا المغوار: ودَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى … فلم يستجبْه عند ذاك مُجيبُ فقلتُ ادع أخرى وارفع الصوتَ جَهْرَةً … لعلّ أبِي المغوارِ منكَ قريبُ (٢)

стр. 531

والحق أن استخدام هذين الحرفين للجر في اللغة الفصحى قليل، بل سماه "ابن هشام" شاذا، فينبغي -بعد معرفتهما- صرف النظر عنهما أيضا، ليبقى من حروف الجر العشرين خمسة عشر حرفا هي موضع حديثنا الآتي: حروف الجر وما تجره من الأسماء الظاهرة والمضمرة: سلك ابن هشام في كتابيه "شذور الذهب، أوضح المسالك" طريقة رائعة في تقسيمه لحروف الجر باعتبار دخولها على الأسماء الظاهرة والمضمرة فتنظيمه لهذه الفكرة في كتابيه السابقين لا يكاد يدانيه فيه أحد من النحاة لذلك كان من المفيد اتباعه في طريقته مع تصرف يسير. تنقسم حروف الجر الخمسة عشر المتداولة إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: ما يجر الأسماء الظاهرة والمضمرة جميعا، وهو سبعة أحرف هي "من، إلى، عن، على، في، الباء، اللام. ومن أمثلة ذلك في القرآن: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (١)، و: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (٢)، و: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (٣)، و: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (٤)، و: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥)، و: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٦)، و: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ (٧)، و: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ (٨)، و: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ (٩)، و: ﴿آمِنُوا بِهِ﴾ (١٠)، و: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١١)، و: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١٢).

стр. 532

القسم الثاني: ما يجر الأسماء الظاهرة فقط، وهو يشمل بقية الحروف "حتى، الكاف، الواو، التاء، كَيْ، مُذْ، مُنْذُ، رُبَّ". لكن ينبغي ألا يتبادر إلى الأذهان أن هذه الحروف الثمانية تدخل على كل الأسماء الظاهرة فتجرها، إنها تتفق فقط في دخولها على الأسماء الظاهرة ورفض الأسماء المضمرة، أما ما يدخل عليه كل منهما من الأسماء الظاهرة فهو على التفصيل التالي: ١ - "حتى، الكاف، الواو" تدخل على كل الأسماء الظاهرة: ومن أمثلة ذلك في القرآن: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١)، و: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (٢)، و: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣)، ومن البيّن أن الواو معناها القسم. وينبغي التنبه إلى أن "حتى" تكون حرف جر مثل "إلى" في المعنى والعمل بشرطين: أ- أن يكون المجرور بها ظاهرا لا مضمرا. ب- أن يكون نهاية لما قبله، آخرًا له أو متصلا بالآخر. كقولنا "سنجاهد حتى الرّمقِ الأخير، وسنحرّر أرضنا حتى آخرِ شبرٍ فيها". ٢ - "التاء" هذا الحرف يجر لفظين فقط من الأسماء الظاهرة هما: أ- لفظ الجلالة "الله" مثل: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٤). ب- كلمة "رب" مضافة إلى "الكعبة أو ياء المتكلم" مثل قول العرب: "تَرَبِّ الكعبة" و"تَرَبِّي لأفعلنَّ كذا". ومن البيّن أن التاء مع هذين اللفظين تفيد أيضا معنى القسم.

стр. 533

٣ - "كَيْ" وقد تقدم عنها أنها حرف لنصب الفعل المضارع مثل "أن" لكنها تستعمل حرف جر في موضعين: أ- مع "ما" الاستفهامية: وحينئذٍ تحذف ألف "ما" ويأتي معها هاء السّكت، تقول مثلا "سهرتُ أمْس" فأسألك عن سبب السهر قائلا "كَيْمَهْ" مماثلة تماما قولي "لِمَهْ". ب- مع "أنْ" التي تنصب المضارع، وقد سبق في نواصب المضارع أنه إذا كانت "كي" ناصبة المضارع، فلا علاقة لها بالمجرورات، أما إذا كان المضارع منصوبا -كما سبق شرحه- بأن ظاهرة أو مضمرة، فتكون "كي" حرف جر والمصدر المؤول من "أن والفعل" مجرور بها "راجع ذلك تفصيلا". ٤ - مُذْ، مُنْذُ لاحظ الأمثلة الآتية: ما كفَّ الإنسانُ عن الشّرِّ منذُ فجرِ الحياة … حرف جر ومنذُ الصراعُ الدَّامِي بين ابْنَي آدمَ والناسُ في صراع … اسم مبتدأ ومذْ تحكَّمت الأهواءُ استخدِمَت القوة … اسم ظرف ترد هاتان الكلمتان في اللغة حرفين للجر أو اسمين على التفصيل الآتي: أولا: تكونان حرفين للجر إذا ورد بعدهما اسم يدل على الزمان الماضي أو الحاضر، كقولك "ما رأيت أهْلِي منذُ شهرٍ" أو "ما رأيتُ صديقي مذ يومِنَا". ثانيا: تكونان اسمين وذلك في الآتي: أ- أن يقع بعدهما اسم مرفوع، كقولنا "مُنْذُ الافتراقُ

стр. 534

بيننا لم يحدث لقاء"، حينئذٍ تعرب الكلمتان -على الرأي المشهور- مبتدأ والاسم المرفوع بعدهما خبر. ب- أن يقع بعدهما جملة تامة -اسمية أو فعلية- فتقول: "أحببتُ الجامعةَ مُذْ أنا طالبٌ فيها، واحترمتُ تقاليدَها منذُ انتسبتُ إليها" حينئذٍ تعرب الكلمتان ظرف زمان مبنيًّا في محل نصب. ومن شواهد دخولهما على الجملة ما يلي: - قول الأعشى: وما زلتُ أبْغي المالَ مُذْ أنا يَافعٌ … وَليدًا وكَهْلًا حين شِبْتُ وأمْرَدَا (١) فكلمة "مذ" في البيت جاء بعدها جملة اسمية هي "أنا يافع" فتعرب ظرفا. ٥ - رُبَّ: ومعناها التقليل أو التكثير بحسب ما يدل عليه سياق الكلام، ولا تجر إلا النكرات، تقول "رُبَّ صَمْتٍ خيرٌ من كَلام" أو "رُبَّ صُدْفَةٍ خيرٌ من ألفِ ميعاد". هذا، وربما دخلت "رُبَّ" على ضمير الغيبة المفرد المذكر ويأتي بعد ذلك تمييز منصوب يفسر الضمير، كقولنا "لا تحتقِرْ أحدًا فَرُبَّهُ

стр. 535

إنسانًا عظيمًا يتفوّق عليك، ولا تستقلَّ عدوًّا فرُبَّهُ قوةً هائلةً تهزمُك". ومن ذلك قول الشاعر: رُبَّهُ فتيةً دعوتُ إلى ما … يُورِثُ المجدَ دائِبًا فأجابُوا (١) زيادة "ما" مع بعض حروف الجر: لحروف الجر مع المجرور بعدها الخاصيتان الآتيتان: أ- أنها تجر الاسم بعدها بالكسرة أو ما ينوب عنها. ب- أن الذي يأتي بعدها هو المفرد لا الجملة. إذا علم ذلك، فإن "ما" الزائدة -لا الموصولة ولا المصدرية- تجيء مع بعض حروف الجر متوسطة بينها وبين مجرورها، فلا يكون لزيادتها تأثير في صورة الجار والمجرور، بل تبقى الخاصيتان السابقتان لها، وتجيء مع بعض حروف الجر الأخرى، فتتغير الصورة، وتزول الخاصيتان السابقتان جميعا على التفصيل الآتي: أولا: تزاد "ما" بعد حروف الجر الثلاثة "مِنْ، عَنْ، الباء" فلا تكف هذه الحروف عن جر الاسم بعدها، ويبقى لها اختصاصها بهذا الاسم المجرور، ومن ذلك قول القرآن: - ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً﴾ (٢). - ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ (٣).

стр. 536

- ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ (١). ثانيا: تزاد "ما" بعد الحرفين "رُبَّ، الكاف" فتكفهما عن جر ما بعدهما، كما يزول اختصاصهما بالاسم المفرد، فيدخلان على الجملة الاسمية والفعلية، ومن شواهد ذلك: - قول القرآن ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢). - قول رؤبة رجزا: لا تَشْتُم النَّاس كمَا لَا تُشْتَمُ (٣) هذا هو الأصل في هذين الحرفين، لكن ورد على غير الأصل معهما بعض الشواهد التي جاءت "ما" فيها زائدة بعدهما، وبقي لهما اختصاصهما وهذا قليل في اللغة، ومنه قول عمرو بن براقة الهمداني: وننصرُ مولانَا ونعلمُ أنه … كما النّاسِ مجرومٌ عليه وجارِمُ (٤)

стр. 537

حذف "رُبَّ" وبقاء عملها: الأصل في حرف الجر أن يكون مذكورا، ولا يصح حذفه مع بقاء عمله فإذا حذف ضاع تأثيره، ولم يعد له وجود في الكلام لا لفظا ولا تقديرا. ويستثنى من الأصل السابق الحرف "رُبَّ" إذ يصح حذفه من الكلام مع بقاء تأثيره، فيكون الاسم مجرورا دون حرف الجر، ويقال عنه: إنه مجرور "برُبَّ المحذوفة" وقد وردت "رُبَّ" محذوفة في اللغة بعد حروف ثلاثة هي "الواو، الفاء، بل" ومن شواهد ذلك: - قول امرئ القيس: وليلٍ كموجِ البحرِ أرْخَى سُدُولَه … عَلَيَّ بأنواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي (١) - قول رؤبة: بل بلدٍ ملءُ الفجاجِ قَتَمُه … لا يُشْتَرَى كِتَّانُهُ وجَهْرَمُه (٢) حرف الجر الأصلي والزائد والشبيه بالزائد: يتردد على ألسنة المعربين قولهم: "حرف جر، حرف جر زائد، حرف جر شيبه بالزائد" وينبغي تحديد المقصود بهذه الثلاثة وما ينطبق عليه من

стр. 538

حروف الجر، وما يترتب على ذلك في الإعراب مع أخذنا في الاعتبار أنه إذا قيل "حرف جر" فقط، فالمقصود بذلك "حرف الجر الأصلي". الأصلي: هو ما له معنى خاص في سياق الجملة، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه فيها، كما أنه يرتبط في الجملة بعامل من فعل أو شبه فعل ا. هـ. ومعظم حروف الجر أصلية، يترتب عليها جر الاسم لفظا وتقديرا وأمثلتها أكثر من أن تحصى. الزائد: ما ليس له معنى خاص في سياق الجملة بحيث يمكن الاستغناء عنه فيها، وإنما يؤتى به لمجرد تأكيد الكلام فقط، كما أنه لا يحتاج إلى عامل يرتبط به من فعل أو شبه فعل ا. هـ. وهنا فكرة مهمة جدا هي أن حرف الجر الزائد يجر الاسم من حيث اللفظ فقط بالكسرة أو ما ينوب عنها، لكن الاسم من حيث التقدير يأخذ الوظائف النحوية المختلفة، كأنما حرف الجر غير موجود، فتقدر لكل وظيفة الحركة المناسبة لها التي يمنع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. والذي أعلمه أن الذي يزاد من حروف الجر -في بعض الأحيان لا في كل الأحيان- حرفان "مِن، الباء". - أما "مِن" فإنها تزاد إذا جرت اسما نكرة، وسبقها نفي أو نهي أو استفهام، كقول القرآن: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِير﴾. - وأما "الباء" فتزاد غالبا في المواضع الآتية: أ- إذا جاءت خبرا للفعل "ليس" أو جاءت بعد النفي بالحرف "ما" كما جاء في الحديث "ليس الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنما الشَّديدُ من يملكُ نفسَه عند الغَضَب".

стр. 539

ب- مع فاعل الفعل "كَفَى" كقولنا "كَفَى بالصدْقِ نجاةً، وكَفَى بالكَذبِ هلاكًا". ج- في صيغة التعجب "أفْعِلْ بِهِ" مثل "أكْرِمْ بالإسلامِ دينًا وأصْدِقْ بالقرآنِ حديثًا". فلنلاحظ الآيات الآتية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ … المجرور فاعل تقديرا. ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ … المجرور مفعول بعد تقديرا. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ … المجرور مبتدأ تقديرا "في بعض الآراء". ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ … المجرور فاعل "كفى" تقديرا. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ … المجرور فاعل فعل التعجب. الشبيه بالزائد: ما له معنى خاص يفهم من سياق الكلام، لكن ليس له عامل يرتبط به من فعل أو شبه فعل، ويجر الاسم لفظا، لكن الاسم يأخذ الوظائف النحوية الأخرى تقديرا بحسب ما يقتضيه سياق الكلام ا. هـ. هو إذن يشبه الحرف الأصلي في أن له معنى، ويشبه الحرف الزائد في عدم حاجته إلى عامل يرتبط به، وفي أنه يجر الاسم لفظا لا تقديرا، ولغلبة شبهه بالزائد سمي "حرف جر شبيه بالزائد"، والحرف الوحيد الشبيه بالزائد "رُبَّ" وإن كانت محذوفة، كقولك "رُبَّ فقيرٍ خيرٌ عند الله من غنيّ".

стр. 540

الإضافة: ١ - الإضافة لدى اللغويين والنحاة. ٢ - ما يتجرد منه المضاف حين الإضافة. ٣ - الإضافة اللفظية "غير المحضة" والإضافة المعنوية "المحضة". ٤ - الأسماء الملازمة للإضافة وما تضاف إليه: أ- ما يضاف للضمائر، وهو "وَحْد، لَبَّيْك، وأخواتها". ب- ما يضاف للجمل وهو "حيثُ، إذْ، إذَا". ج- ما يضاف لاسم ظاهر أو مضمر، وهو "لَدُنْ، مَعَ، قُصَارَى". د- ما يضاف لمثنى ظاهر أو مضمر وهو "كِلَا، كِلْتَا". ٥ - ما يضاف أحيانا، وما يجب حينئذٍ إضافته له: أ- ما يضاف للجمل وهو أسماء الزمان المبهمة. ب- ما يضاف لاسم ظاهر أو مضمر وهو أسماء المكان المبهمة. معنى الإضافة: تأمل الأمثلة الآتية: - بورسعيد، حضرموت، نيويورك، سيبويه. … مركب مَزْجِي. - جَادَ الله، جَادَ الرَّبّ، فتح الله، نحمده. … مركب إسنادي. - روعةُ الانتصارِ، ذلّةُ الهزيمةِ، جمالُ الحريةِ. … مركب إضافي. - الكلمات المركبة التي وردت في اللغة العربية ثلاثة أنواع: الأول: المركب المَزْجِي: وهو ما تكون من كلمتين اندمَجَتَا معا حتى

стр. 541

كوّنتا كلمة واحدة ويعرب هذا الصنف إعراب ما لا ينصرف على الجزء الأخير منه فيرفع بالضمة وينصب ويجر بالفتحة دون تنوين، فإذا ختم بكلمة "وَيْهِ" بني آخره على الكسر. الثاني: المركّب الإسْنَادِيّ: وهو ما تكون من جملة كاملة سمي بها شخص أو شيء، فخرجت من مجال الجملة إلى التسمية بها -وهذا الصنف قليل في اللغة- ويعرب تفصيلا على أنه جملة كاملة، ثم تنزل منزل المفرد، فتشغل الوظائف النحوية بحسب سياقها في الكلام، وتقدر عليها علامات الإعراب التي يمنع من ظهورها حكاية الجملة للتسمية بها كما هي. الثالث: المركب الإضافي: وهو المقصود بالدراسة في هذا الباب لكثرة أحكامه وتنوع صوره. فالإضافة في اللغة: مطلق الإسناد والضم، فنقول في حياتنا العادية "أضفتُ اللَّبَنَ إلى الشَّاي" بمعنى ضممته إليه وخلطته به، ومن ذلك أيضا "الضّيف" لأنه حين ينزل بالقوم ينضاف إليهم وينضم إلى جمعهم، ويقول امرؤ القيس يصف بيتا استضافه وأصحابه فأسندوا ظهورهم فيه إلى مساند مخططة: فلمّا دخلْنَاه أضفْنا ظُهُورَنا … إلى كلِّ حَارِيٍّ جديدٍ مُشَطَّبِ أما لدى النحاة: فالإضافة ضم اسم إلى آخر مع تنزيل الثاني من الأول منزلة تنوينه أو ما يقوم مقام تنوينه، وبحيث لا يتم المعنى المقصود إلا بالكلمتين المركبتين معا ا. هـ. ومن نماذج ذلك على كثرته "قسوةُ الظُّلمِ، تَجَبُّرُ الطُّغاةِ، ذلّةُ الضعفاءِ، نورُ الحرّيةِ، شرفُ الكلمةِ، نبلُ الأقوياءِ، قوَّة الروحِ، صفاءُ الذهنِ". وينبغي أن يراعى أمران يتعلقان بالمضاف والمضاف إليه: الأول: أن الاسم الأول من المركب الإضافي يسمي "المضاف" ويكون

стр. 542

إعرابه بحسب ما يقتضيه سياق الكلام رفعًا ونصبًا وجرًّا، أما الاسم الثاني فيطلق عليه "المضاف إليه" وهو دائما مجرور بالإضافة. الثاني: أن كلا من المضاف والمضاف إليه يجب أن يكونا اسمين، فلا يكون أحدهما فعلا ولا حرفًا، ويستثنى من ذلك ما إذا جاء المضاف إليه جملة كاملة -وذلك مع كلمات قليلة ستأتي- حينئذٍ تكون الجملة كلها في محل جر لوقوعها موقع المفرد. ما يتجرد منه المضاف حين الإضافة: يتجرّد المضاف حين الإضافة من الأمور الثلاثة الآتية: الأول: التنوين: فالكلمات "سهرٌ، كدحٌ، راحةٌ، هدوءٌ" كلها منونة، فإذا أضيفت، حذف منها التنوين، فنقول "سهرُ الليْلِ، كدحُ النَّهارِ، راحةُ النَّومِ، هدوءُ البالِ"، ومن الواضح أن الحكم السابق خاص بالاسم المنصرف، أما الممنوع من الصرف فهو مجرد أصلا من التنوين فنقول في "مساجد، مصابيح" حين الإضافة: "مساجدُ اللهِ، مصابيحُ الهدايةِ". الثاني: نون المثنى وجمع المذكر: ففي الكلمتين "فترتان، متساويتان" حين الإضافة يقال: "فترتا الدّراسة متساويتا الوقتِ" وفي الكلمتين: "نابِهون، متفوّقون" حين الإضافة "نابِهُو الطَّلبةِ متفوِّقُو الامتحانِ". الثالث: "أل" أداة التعريف: ففي الكلمات: "الحريّة، الأمن، الهدوء، الصفاء" تصير حين الإضافة "حرّية المواطنِ وأمنُه يحقِّقان هدوءَ البالِ وصفاءَ النَّفسِ" ونقول في "البلاد، الطيّبة، العذبة" حين الإضافة: "بلادُنا طيّبةُ الثرى عذبةُ المياهِ" بحذف الألف واللام في المضاف من هذه الكلمات جميعا.

стр. 543

هذا، وقد استدرك النحاة على هذا الأمر الأخير -حذف الألف واللام من المضاف- صورتين من الإضافة اللفظية يصح فيهما بقاء الألف واللام مع المضاف حين الإضافة وهما: الأولى: أن يكون المضاف وصفا وهو مثنى أو جمع مذكر سالم، فلك أن تقول في "الشاهدان، المقترفان" حين الإضافة "الشاهدا الزُّورِ هما المقترفا الكبيرةِ" ولك أن تقول في "المرتفعون، المنحنون" حين الإضافة "من الناس المرتَفِعُو رؤوسٍ مظهرًا وهم أذلاء، ومنهم المنْحَنُو ظهورٍ عَمَلًا وهم شرفاء" ببقاء الألف واللام في المضاف في كل الكلمات السابقة ومن ذلك قول عنترة: ولقد خشِيتُ بأنْ أموتَ ولم تَدُرْ … للحربِ دائرةٌ على ابْنَيْ ضَمْضَمِ الشاتِمِي عِرْضِي ولمْ أشتُمْهما … والناذِرَيْن إذا لم القَهُما دمي (١) الثانية: أن يكون المضاف وصفا غير ذلك، لكن في المضاف إليه الألف واللام، كقولك: "المضبوطُ الموعدِ، المُحْكِمُ الخطةِ، المتوقِّدُ الذكاء، الطيبُ القلبِ، النَّاعمُ الشعرِ" أو أن الألف واللام في المضاف إلى المضاف إليه، كما تقول في الأمثلة السابقة "المضبوط تحديدِ الموعدِ، المُحْكِمُ رَسْمِ الخُطَّةِ، المتوقدُ شعلةِ الذَّكاءِ، الطيبُ سريرةِ القلبِ، الناعمُ ملمسِ الشعرِ" فقد بقيت الألف واللام في المضاف في كل تلك الأمثلة وهي الكلمات "المضبوط، المحكم، المتوقد، الطيب، الناعم" على التوالي.

стр. 544

الإضافة اللفظية والمعنوية: الإضافة اللفظية: ما كان المضاف فيها اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة والمضاف إليه معمولا لتلك الصفة، ومن نماذجها "كاتمُ السّرِّ، ناصرُ الضَّعيفِ، مُوَاسِي المريضِ، مرفوعُ الرأسِ، طيبُ القلبِ، ليّنُ الجانبِ". قال ابن هشام: هي عبارة عما اجتمع فيها أمران، أمر في المضاف وهو كونه صفة، وأمر في المضاف إليه وهو كونه معمولا لتلك الصفة، وذلك يقع في ثلاثة أبواب، اسم الفاعل كضارِب زيدٍ، واسم المفعول كمُعْطَى الدينارِ، والصفة المشبهة كحَسَن الوجهِ ا. هـ. هذا النوع من الإضافة لا يستفيد منه المضاف تعريفا ولا تخصيصا، فالمضاف لا يتعرف بالمضاف إليه وإن كان معرفة، وكذلك لا يتخصص به -بمعنى تقليل إبهامه وتقريبه من المعرفة- بل إن المضاف يبقى نكرة دائما مع هذا النوع من الإضافة. والدليل على أن المضاف لا يتعرّف في الإضافة اللفظية أنه يقع في مواضع النكرة، ولو استفاد التعريف، ما صح وقوعه في هذه المواضع، ومن ذلك: أ- وقوعه صفة النكرة، تقول "لي صديقٌ كاتمُ السرِّ طيبُ القلبِ". ب- وقوعه حالا، ومعلوم أن الحال لا تكون إلا نكرة غالبا، تقول: "عشْ في الحياة محمودَ السِّيرةِ نقيَّ السريرةِ" وتقول: "جاء صديقي صارمَ الوجهِ حادَّ القَسَمَاتِ". ج- وقوعه مجرورًا بالحرف "رُبَّ" تقول: "رُبَّ شَاقِّ الأمرِ هَانَ صَعْبُه، ورُبَّ ميسورِ الأمرِ صَعُبَ سَهْلُه" وما جاء في الأثر من "رُبَّ قارِئِ القرآنِ والقرآنُ يَلْعَنُه". أما أن هذه الإضافة لا تفيد التخصيص فلأن التركيبين قبل الإضافة

стр. 545

وبعد الإضافة متساويان في المعنى بلا زيادة ولا نقصان، فقولنا: "الله مجيب الدّعاءِ" يساوي في المعنى: "الله مجيبٌ الدعاءَ". خلاصة الأمر أن هذه الإضافة اللفظية لا تفيد التعريف ولا التخصيص فما الذي تفيده إذن؟ قال النحاة: إنها تفيد التخفيف بحذف التنوين من المضاف، وكذلك نون التثنية والجمع المذكر، فلا شك أن قولنا: "الإنسانُ المثقفُ مصقولُ العقلِ والضميرِ" أخف مما لو قلنا "مصقولٌ العقلُ والضميرُ"، وهذا هو السبب في أن هذه الإضافة سميت "لفظية" لأنها أفادت أمرًا لفظيًّا هو التخفيف كما سبق شرحه. ويطلق على هذه الإضافة اللفظية اسم "غير محضَة" ومعنى المحضة: الخالصة، فهذه الإضافة إذن غير خالصة للإضافة، أو بعبارة أقرب، إنها إضافة غير حقيقية، إذ لا يترتب عليها ما يترتب على الإضافة الحقيقية من تعريف الاسم أو تخصيصه، ولذلك قالوا: إنها على تقدير الانفصال بين الكلمتين، فقولنا: "الفتاةُ رائعةُ الجمالِ" يساوي تماما: "الفتاةُ رائعةٌ الجمالَ". قال ابن هشام: وإنما سميت هذه الإضافة غير محضة، لأنها في نية الانفصال إذ الأصل "ضاربٌ زيدا" في "ضاربُ زيدٍ" وإنما سميت لفظية: لأنها أفادت أمرًا لفظيًّا وهو التخفيف فإن "ضاربُ زيدٍ" أخفّ من "ضاربٌ زيدًا" ا. هـ.

стр. 546

الإضافة المعنوية: هي ما انتفى منها الشرطان المذكوران أو أحدهما وهذا النوع هو الإضافة الحقيقية، وهي كثيرة جدا في اللغة العربية، مثل "عميدُ الكليةِ، طلابُ العلمِ، روعةُ الانتصارِ، ذلّةُ الهزيمةِ". هذا النوع من الإضافة يستفيد منه "المضاف" التعريف أو التخصيص على النحو التالي: ١ - إذا كان المضاف إليه معرفة كان المضاف معرفة مثل: "في محاضراتِ النحوِ سهولةُ الأسلوبِ وثَراءُ الأفكارِ". ٢ - إذا كان المضاف إليه نكرة أفاد تخصيصه فقط دون تعريفه مثل: "قولُ حقٍّ في وجهِ ظالمٍ شجاعةُ ضميرٍ ودليلُ حريَّةٍ". ومن هذا يفهم لماذا سميت "معنوية" لأنها تفيد أمرًا معنويا هو تعريف المضاف أو تخصيصه. ومن هذا أيضا يفهم لماذا سميت"مَحْضَة"؛ لأنها هي الإضافة حقيقة إنها الإضافة الخالصة التي يترتب عليها الأحكام السابقة، ولا يمكن فيها فصل المضاف عن المضاف إليه ولو على سبيل التقدير. هذا وقد درست كتب مسائل النحو العلاقة بين المضاف والمضاف إليه من جهة المعنى في الإضافة المعنوية وحدها؛ لأنها -كما سبق- هي الإضافة حقا التي يتلازم فيها المضاف والمضاف إليه ويتكاملان، بخلاف اللفظية فإن الإضافة فيها على تقدير الانفصال بين المضاف والمضاف إليه. وخلاصة ذلك: أن الإضافة المعنوية تأتي في اللغة العربية على صور ثلاث: الأولى: ما تأتي بمعني "في" وضابطها ما كان المضاف إليه ظرفا للمضاف، وبعبارة أقرب: أن يصح إحلال المضاف في المضاف إليه وتقدير "في"

стр. 547

بينهما، كقولنا: "سهرُ الليلِ ويقظةُ النهارِ" ومن كلام العرب: "عثمانُ شهيدُ الدارِ والحسينُ شهيدُ كربلاء، ومالكٌ عالِمُ المدينةِ" وقول القرآن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ وقوله أيضا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. الثانية: ما تأتي بمعنى "من" وضابطها -في تحديد النحاة- ما كان المضاف إليه كلًّا للمضاف، وبعبارة أخرى: ما كان المضاف جزءا من المضاف إليه ويصح تقدير "مِنْ" بينهما، كقولنا "بدلةُ صوفٍ وقميصُ حريرٍ وخاتمُ ذهبٍ". الثالثة: ما تأتي بمعنى "اللام" وهي غير النوعين السابقين، وهي كثيرة جدا في اللغة العربية، مثل "صداقةُ العمر وأستاذُ المادّةِ وحريةُ الوطنِ وحضارةُ الأمةِ". وقد جاء في "أوضح المسالك" عن ترتيب هذه الصور الثلاث في الاستعمال العربي ما يلي "تكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية وعلى معنى "مِنْ" بكثرة وعلى معنى "في" بقلّة" ا. هـ. والحق أن "الكثرة والقلة" لا يمكن ضبطهما هنا تماما؛ لأن الشواهد والأمثلة لكل من هذه الصور أكثر من أن تحصى، والأمر كله مرجعه للذوق اللغوي الذي بمقتضاه يمكن معرفة صورة الإضافة بتقدير "من" أو "في" أو "اللام". الأسماء الملازمة للإضافة وما يجب أن تضاف إليه: الأصل في الأسماء العربية أن تكون صالحة لاستعمالها مضافة، وأن تكون صالحة أيضا لاستعمالها مفردة -أي

стр. 548

لكن هناك أسماء في اللغة خرجت على هذا الأصل، فلا تستعمل أبدا إلا مضافة، وأسماء أخرى خضعت لهذا الأصل، لكنها إذا أضيفت التزمت الإضافة إلى أمور خاصة في اللغة فوجب التنبيه عليها هنا لهذا السبب. والحق أن استيفاء هذه الفكرة بفرعيها يحتاج لحديث طويل -موضعه مطولات النحو- ولذلك فإن ما يذكر هنا هو أهم ما يحيط بهذه الفكرة دون أن يشملها جميعا. وأهم الأسماء الملازمة للإضافة أبدا تتلخص فيما يلي: أولا: ما تلزم إضافته للضمائر: أ- كلمة "وَحْد" وتضاف للضمائر جميعا -الغيبة والخطاب والتكلّم- فتقول "سَهرْتُ وَحْدِي" و "أجَبْتُكَ وَحْدَكَ" و: "عَبَدْتُ الله وَحْدَه" ومن هذا قول الراجز: لَمْ يَكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكَا … وكنتَ إذْ كنتَ إلهي وَحْدَكا (١) ب- ما يضاف لضمير الخطاب فقط، وهي كلمات في اللغة توصف بأنها "مصادر مثناة اللفظ وتفيد التكرار" وهي "لَبَّيْك، سَعْدَيْك، حَنَانَيْك، دَوَالَيْك، هَذَاذَيْك" ومعنى "لبَّيك" إجابة لك بعد إجابة، والإجابة يتبعها الاستجابة، ويتّجه الحجاج لله قائلين: "لبّيك اللهمّ لبّيك"، ومعني "سعديك" إسعادا لك بعد إسعاد، فلك السعادة الدائمة، ومن ذلك ما جاء في الأثر عمن يحج من مال حرام أنه إذا قال "لبيك" أجابه من السماء من يقول: "لا لبَّيْك ولا سَعْدَيْك وحَجُّك مردودٌ عليك"، ومعنى "حنانيك"

стр. 549

حنانا منك بعد حنان، فهو حنان غامر للمتعب الحزين، ومن ذلك قول أحد الشعراء المعاصرين يتألم من تربية الصغار: حَنَانَيْكَ إنِّي قد بَرِمْتُ بفتيةٍ … أرُوحُ وأغْدُو كلَّ يومٍ إليهمُ صغارٌ نربّيهم بمثلِ عقولهم … ونبنيهمُ لكنّنا نتهدَّمُ (١) ومعنى "دَوَالَيْك" حدوثا للأمر مرة بعد أخرى، ومن ذلك العبارة الشائعة "وهكذا دَوَالَيْك" ومعنى "هَذَاذَيْك" إسراعا بعد إسراع فهي سرعة لا تتوقف، ومن ذلك قول الراجز: ضَرْبًا هَذَاذَيْكَ وطعنًا وخْضًا … يُمْضِي إلى عَاصِي العُروقِ النَّحْضَا (٢) وهذه المصادر تعرب على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف من لفظها أو من معناها، وجاء في "أوضح المسالك": وعامل "لبّيك، هذاذيك" من معناهما، والبواقي من لفظها. ثانيا: ما تجب إضافته إلى الجمل: أ- كلمة "حيث" وهي اسم مكان مبهم مبني على الضم، وتضاف لكل من الجملتين الاسمية والفعلية كما جاء في الأثر: "اجلس حيث انتهى بك المجلس"

стр. 550

ومن النصائح المفيدة "اذهبْ إلى الريف حيثُ الحياةُ طلقةٌ صافيةٌ مبهجةٌ". وهذا هو الأصل، لكن وردت بعض الشواهد في اللغة على غير هذا الأصل، إذ أضيفت فيها "حيث" إلى المفرد إلى الجملة، وهذه الشواهد تُحمَل على أنها لغة الشعر الخاصة، ومن ذلك: - قول الراجز: أما تَرَى حيثُ سهَيْلٍ طَالِعَا … نجمًا يضيءُ كالشِّهابِ لَامِعَا (١) - قول الآخر: ونطْعَنُهم حيثُ الكُلَى بعدَ ضربِهم … ببيض المَوَاضي حيثُ ليِّ العَمَائِمِ (٢) ب- كلمة "إذ" وهي اسم زمان للماضي مبني على السكون، وتضاف أيضا لكل من الجملتين الاسمية والفعلية، كقولك: "فرحتُ إذْ نجحت وإذ أصدقائي ناجحون أيضا". وهنا ينبغي التنبه إلى فكرة مفيدة هي: أن كلمة "إذْ" ساكنة غير منونة فإذا نونت استغني عن الجملة التي تضاف إليها بالتنوين الذي يطلق عليه "تنوين

стр. 551

العوض" كقول القرآن: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (٢). ج- كلمة "إذا" وهي -كما سبق في أدوات الشرط- أداة شرط لما يستقبل من الزمان، وتضاف لجملة الشرط بعدها، ولا بد أن تكون جملة فعلية، ولا يصح أن تكون جملة اسمية، كقولك: "إذا تواضعتُ فعنْ قدرة، وإذا سكتُّ عن الكلام فلحكْمة" وجاء في القرآن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (٣). ثالثا: ما تجب إضافته لاسم ظاهر أو مضمر وهي ألفاظ أربعة ينبغي التعرف على معانيها وأمثلتها. أ- كلمة "لدن" جاء في ابن عقيل: هي لابتداء غاية زمان أو مكان، وهي مبنية عند أكثر العرب ا. هـ. والأكثر في استعمالها أن تكون مجرورة بالحرف "مِنْ" كما جاء في القرآن: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (٤) وهي في الآية مضافة إلى الضمير، ومن إضافتها للاسم الظاهر قول الرّاجز يصف "الملاريا": تنتَهضُ الرّعْدةُ في ظهيْري … منْ لَدُن الظُّهْرِ إلى العصيْرِ (٥)

стр. 552

ب- كلمة "لَدَى" وهي مثل "لَدُنْ" في المعنى والإضافة، تقول: "أودعتُ أسراري لَدَى صديقي، فحفِظها، وصانها، وأفرغتُ لَدَيْه شكوايَ، فخفّفها، ووَاساها". ج- كلمة "مَعَ" قال ابن هشام: هو اسم لمكان الاجتماع معرب ا. هـ. فهي إذن تدل على مكان الالتقاء والاجتماع في الصحبة، ومن العبارات الشائعة بيننا: "إن الله مع الصابرين" وأيضا: "اذهبُوا ومعكم السّلامة". وهنا ملاحظة مفيدة هي: أن كلمة "مع" إذا كانت بمعنى "جميعا" فإنها لا تضاف بل تنون وتنصب على الحال، تماما مثل كلمة "جميعا" تقول: "أجادَ أفرادُ فريقِ الكرةِ معًا" ومن ذلك قول "متمم بن نويرة" يرثي أخاه "مالكا": فلمَّا تفرّقنا كأنّي ومالكًا … لطولِ افتراقٍ لم نبتْ ليلةً مَعَا (١) ج- كلمة "قُصَارَى" جاء في القاموس: قُصَارَاكَ أي جهدك وغايتك ا. هـ. تقول: "قصاراك أن تحيا سعيدًا" وأكثر ما تستخدم في نهاية كلام سابق، فتقول: "قُصَارَى القَوْلِ" ثم تأتي بملخص مفيد لما سبق من الكلام. رابعا: ما يجب إضافته لمثنى ظاهر أو مضمر: وذلك كلمتان "كِلَا، كِلْتَا" إذ يضافان لمثنى حقيقة، وهو الاسم

стр. 553

الظاهر المثنى، مثل ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (١) أو مثنى في المعنى لا في الحقيقة وهو الضمير الدال على التثنية، مثل "كلاهما، كلتاهما" أو الضمير الذي يشمل المثنى وغيره، مثل "كلانا" ومن ذلك قول عبد الله بن الزبعرى: إنّ للخيرِ وللشرِّ مدى … وكلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ (٢) الأسماء التي تضاف أحيانا وما تضاف إليه: الصنف الثاني المشابه للصنف السابق الملازم للإضافة، وهي بعض أسماء لا تلزم الإضافة دائما، لكنها إذا أضيفت التزم في المضاف إليه معها صفات خاصة، ومن البيّن أن الفرق بين الاثنين أن الصنف الأول يلازم الإضافة بخلاف ما سنذكره هنا، فإنه لا يلزم، ومن البيّن أيضا أنهما يتشابهان في حالة الإضافة في اشتراط صفات خاصة في "المضاف إليه" معهما، وإليك كلمات الصنف الثاني وشرح ما تضاف إليه: أولا: بعض أسماء الزمان المبهمة مثل: "حين، وقت، زمان، يوم .. إلخ" وهذه حين تضاف يجب إضافتها إلى الجمل اسمية أو فعلية بشرط واحد هو "أن تبقى على إبهامها" فتعامل حينئذٍ معاملة الكلمتين "إذ، إذا" معنى واستعمالا، تقول: "ذهبتُ إلى المصيف زمنَ الجوُّ حارٌّ" أو "ذهبتُ إلى المشْتَى حينَ جاءَ الشِّتَاءُ" أو "يوم يتهيأ العربُ للوحدَةِ سيتحدون".

стр. 554

قال علماء النحو ﵏ وأسماء الزمان المبهمة حين تضاف للجملة فعلية أو اسمية يصح إعرابها، فتتغير على حسب ما تشغله من الوظائف النحوية، ويصح أيضًا أن تبنى على الفتح، فلا يتغير شكلها في التركيب الذي وردت فيه كقولنا: "ليتنا امتلكنا حرّيتنا من وقت قامت الثورةُ العرابيَّةُ في القرن الماضي" فيصح أن تشكل كلمة "وقت" بالكسر إعرابا، ويصح أن تشكل بالفتح بناء. هذا هو الأصل في إعراب أسماء الزمان المبهمة حين الإضافة، والتفصيل في الترجيح بين الإعراب والبناء أيهما هو الأحسن على الوجه التالي: أ- يترجح بناء الاسم المبهم على الفتح إذا كانت الجملة التي "أضيفت إليه" جملة فعلية فعلها ماضٍ -وهو مبني كما نعرف- أو فعلية فعلها مضارع مبني أيضا، حينئذٍ يكون بناء المبهم أحسن حيث يتوافق مع ما أضيف إليه ومن ذلك: - قول النابغة: عَلَى حين عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا … فقلتُ ألمَّا تصحُ، والشيبُ وازعُ (١) - قول الآخر:

стр. 555

لأجْتَذِبَنْ منهنَّ قلبي تَحَلُّمًا … على حين يستصبِينَ كلَّ حَليمِ (١) فقد رويت كلمة "حين" في كلا البيتين بالفتح على البناء -وهو أحسن- وبالكسر على الإعراب وهو مرجوح. ب- ترجح إعراب الاسم المبهم على بنائه على الفتح، وذلك إذا أضيف إلى جملة فعلية فعلها مضارع معرب -مضارع غير متصل بالنونين- أو أضيف إلى جملة اسمية، حينئذٍ يكون الإعراب أحسن ليتوافق مع ما أضيف إليه. - جاء في القرآن: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٢). قرئت الآية بضم كلمة "يوم" على الإعراب -وهو أحسن- وبفتحها على البناء وهو مرجوح. - يقول الشاعر: تذكَّرَ ما تذكّرَ من سُلَيْمى … على حين التّواصلُ غيرُ دَانِي (٣)

стр. 556

روي البيت بالوجهين في كلمة "حين" بالكسر على الإعراب -وهو أحسن- وبالفتح على البناء وهو مرجوح. وخلاصة الأمر في اسم الزمان المبهم حين الإضافة ما يلي: أنه يضاف للجملة، والأفصح أن يتوافق بناء وإعرابا مع الجملة التي أضيفت إليه، فيبنى على الفتح إذا كانت الجملة فعلية فعلها ماضٍ أو مضارع مبني، ويعرب إذا كانت الجملة فعلية فعلها مضارع معرب أو كانت الجملة اسمية. ثانيا: بعض أسماء المكان المبهمة مثل "قبل، بعد، أوّل، دون، أسماء الجهات الست، عَلُ، غير في قولنا: ليس غير" وهذه الأسماء حين تضاف يجب إضافتها للمفرد سواء أكان ظاهرا أو مضمرا ا. هـ يقال في المثل: "الرّفيق قبلَ الطريق" ويقال أيضا: "رُبَّ صداقةٍ بعد عداوة" وأيضا: "أوّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ ثم ينْهَمِرُ". هذا، والكلمات السابقة تأتي في اللغة على الصور الثلاث التالية: الأولى: أن تكون منونة، وهي حينئذٍ نكرة ومعربة، كقولنا: "اللهُ موجودٌ من قبْلٍ ومن بَعدٍ" فهو "قَبْلٌ" بلا بداية وهو "بَعْدٌ" بلا نهاية، ومن ذلك قول يزيد بن الصّعق: فَسَاغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا … أكادُ أغَصُّ بالماءِ الحميمِ (١)

стр. 557

الثانية: أن تكون هذه الكلمات مضافة، فتعرب أيضا بحسب ما تشغله من الوظائف النحوية، كقولك: "أخذتُ مكاني في المدرّج قبلَ دخولِ الأستاذ" أو: "قمتُ نشيطا بعدَ نومٍ هنِيء". الثالثة: أن تكون غير منونة وغير مضافة، وهي حينئذٍ معرفة، إذ تدل -بهذه الصورة- على "قبل شيء معين" أو "بعد شيء معين" أو "أوّل شيء معروف" وهكذا، ولعلماء النحو في شكل آخرها اتجاهان: أ- ضم آخرها دائما، وهي مبنية تلزم هذا الضم ولا تتغير، كقولك: "كُنتُ على وشْك دخول الكلية، ولكنْ رجعتُ من قبلُ" أو: "حين تأتي الساعةُ الثامنةُ الليلةَ سأحضرُ إليك بعدُ"، ومن ذلك قول معن بن أوس: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإني لأوْجَلُ … على أيِّنا تَعْدُو المنيّةُ أوّل (١) ب- أن تشكل بحسب ما تشغله من وظائف النحو، فتتغير، وهي حينئذٍ معربة، كقولنا: "إن شاء الله ستحرر قواتنا سيناء، فتأتيها من شمالِ وجنوبِ وأمامِ وخلف" ومن ذلك:

стр. 558

قول الشاعر: ومن قبلِ نادى كلُّ مَوْلى قَرَابَةً … فما عطفتْ مَوْلى عليه العواطفُ (١) وخلاصة الأمر في أسماء المكان المبهمة ما يلي: تستعمل هذه الكلمات منونة فتعرب، وتستعمل مضافة -لاسم ظاهر أو مضمر- فتعرب أيضًا، وتستعمل غير منونة وغير مضافة، فيصح فيها الإعراب والبناء. وبناء على ذلك يمكن توجيه الآتي: - قرئ قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ بكسر الكلمتين مع التنوين -وبالكسر دون تنوين- وبالضم دون تنوين. - حكى أبو على الفارسي: "ابدأْ بذا من أوّل" بضم اللام وفتحها وكسرها في "أوّل". - ما روي من قولهم: "قبضت عشرة ليس غيرُ" بضم "غير" دون تنوين على أنها اسم "ليس" أو خبرها.

стр. 559

أساليب التعجب السماعية والقياسية: ١ - المقصود بالتعجب لدي اللغويين والنحاة. ٢ - أساليب التعجب السماعية "المقصود بها، نماذج منها". ٣ - ما يدل على التعجب يأتي على صيغتين هما: أ- ما أفْعَلَه. ب- أفْعِل به. ٤ - الصلة بين فعل التعجب والمتعجب منه، ومتى يصح الفصل بينهما. التعجب لدي اللغويين والنحاة: نسمع الناس في حياتنا العادية يرددون في مواقف خاصة قولهم "إذا عرف السبب بطل العجب" ومفهوم هذه العبارة بالطبع أن العجب دهشة تثير فضول الناس لأمر غريب عليهم إذا كان السبب في هذه الغرابة غير معلوم ولا مفهوم، فموقف التعجب لدى الرجل العادي يتحقق إذا توفرت ظروف هي: غرابة في أمر من الأمور مع جهل السبب بهذه الغرابة، حينئذٍ تتحقق الدهشة التي قد يصحبها التعبير عنها بالصفير أو المصمصة أو الكلام. ولعلنا بذلك نفهم ما يقوله اللغويون عن "التعجب" إذ يعرفونه بقولهم: انفعال ما يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ا. هـ. فهذا الانفعال النفسي -حتى بدون ألفاظ- يطلق عليه أنه "تعجب" لدى اللغويين. أما النحاة فعرفوا التعجب بقولهم: استعظام زيادة في وصف المتعجب منه تفرد بها عن أمثاله أو قلَّ نظيره فيها وقد خفي سببها، مع التعبير عن ذلك بكلام يدل على الدهشة والاستغراب ا. هـ.

стр. 560

فالنحاة في ذلك يتفقون مع استعمال التعجب في حياتنا العادية ومع ما رآه اللغويون عنه من حيث وجود الأمر الغريب الذي خفيت أسباب غرابته، لكنهم يتفردون بتخصيص التعجب بنطق كلامي يدل على الدهشة والاستغراب ويقصدون بذلك صيغ التعجب التي ستأتي تفصيلا، فالتعجب لا يتحقق لدى النحويين إلا بهذا النطق، كقولنا: "ما أرْوَعَ العِلْمَ في عصرنا". أساليب التعجب السماعية: يقصد بها تلك الأساليب التي هي أصلا لغير التعجب، ثم تدل عليه بالاستعمال المجازي، فالألفاظ المنطوقة لهذه الأساليب لا علاقة لها بالتعجب فهي مستعملة في اللغة لغيره، ومعاني هذه الألفاظ في الأصل لا يفهم منها التعجب، لكنها دلت عليه دلالة عارضة عن طريق المجاز وظروف النطق. من تلك الأسباب التي وردت عن العرب ما يلي: - قول القرآن: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ فكلمة "كيف" أصلا بلفظها ومعناها للاستفهام، ولكنها دلت على التعجب دلالة عارضة على سبيل المجاز، ومثل ذلك كل استفهام دلَّ على التعجب. - قول الرسول: "سبحانَ الله!! إنّ المؤمنَ لا يَنْجَسُ حيًّا ولا ميّتًا". فسبحان الله: بلفظها ومعناها للدعاء والعبادة، ثم استخدمت في التعجب على غير الأصل. - قول عمرو بن العاص عن عمر بن الخطاب: "لله درُّ ابن حَنْتَمة أيّ رجل كان!! ".

стр. 561

جاء في القاموس: لله دره: أي عمله، ونسبة العمل لله لا تدل أصلا على التعجب، ولكنها دلت عليه -في هذا الموقف- عن طريق المجاز. - ما ورد من قول العرب: "لله أنتَ من رجل!! " فنسبة المخاطب لله لا تدل على التعجب، لكن لورود هذا الأسلوب غالبا في مواقف الإعجاب والدهشة أفاد معنى التعجب. صيغ التعجب القياسية: يقصد بها تلك الصيغ التي تدل بلفظها ومعناها على التعجب، فهي بلفظها معدَّة لذلك صرفيا، وهي بمعناها تدل على التعجب، وهكذا استعملتها اللغة. والصيغ القياسية اثنتان هما: أ- ما أفْعَلَه: مثل "ما أعْظَمَ شَعْبَنَا وما أرْوَعَه عند الخطوب وما أوْفَاهُ للمخلصين من أبنائه". ب- أفْعِلْ بِهِ: مثل "أكْرِمْ برجالِ شعبِنا وأهْوِنْ بالخطوب مع عزمَاتهم". وإليك تفصيل الحديث عن هاتين الصيغتين: ما أفْعَلَه: تتكون هذه الصيغة من أمور ثلاثة هي ما + فعل التعجب + المتعجب، وفي كل واحد من الثلاثة حديث طويل يمكن تقريبه بما يلي: أ- ما: نكرة بمعنى "شيء عظيم" فهي إذن في قوة الموصوفة، ولذلك صح الابتداء بها، فهي إذن مبتدأ، وهذا الرأي السابق أشهر الآراء فيها. ب- فعل التعجب: وهو فعل ماضٍ جامد لا يتصرف مثل "ليس، عسى" إذ تدخل عليه نون الوقاية فتقول: "ما أحْوَجَني إلى الإخلاص، وما أفْقَرَنِي

стр. 562

إلى عفو الله" وفيه ضمير مستتر يعود على "ما" أداة التعجب، والجملة كلها خبر "ما"، وهذا الرأي السابق أشهر ما قيل عن الفعل، بصرف النظر عمن قالوا باسميّته. ج- المتعجب منه: وهو الاسم المنصوب الذي يأتي بعد فعل التعجب وهو منصوب على أنه مفعول به مكمل للجملة الفعلية الواقعة خبرا، وهذا أيضا أشهر الآراء فيه. نقول: "ما أسْهَلَ النَّحْوَ حين يُشْرَحُ وما أصْعَبَه مع غُموضِ معناه" ونقول أيضا: "ما أجْمَلَ الحلمَ مع المهذّب الكريم وما أقْبَحَ الضعفَ مع السّفيه اللئيم". أفعل به: تتكون أيضا من أمور ثلاثة هي فعل التعجب + الباء + المتعجب منه. أ- فعل التعجب: يصفه المعربون بقولهم: "فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر" وهي عبارة غريبة!! فكأنما هذا الفعل في التقدير ماضٍ، وفي الصورة فعل أمر، ويترتب على ذلك أمران: أولهما: أن يعرب هو نفسه على أنه فعل أمر. ثانيهما: أن يعرب ما بعده على تقدير أنه فعل ماضٍ. ب- الباء حرف جر زائد، فالاسم الذي بعدها مجرور بها لفظًا، لكنه فاعل تقديرًا. ج- المتعجب منه: يجر بالباء لفظا، لكنه فاعل في التقدير لفعل التعجب باعتباره فعلا ماضيا في التقدير أيضا. هكذا حُلِّلَت هذه الصيغة هذا التحليل الغريب، ومع ذلك فإنه هو

стр. 563

الاتجاه المشهور بين النحاة والمعربين في تحليلها، بصرف النظر عن اتجاهات أخرى لا داعي لذكرها، فلنتأمل الآتي: جملة التعجب … أصلها تقديرا أصْدِقْ بكلامِ الرَّسول في شئون الحياة … أصْدقَ كلامُ الرسولِ في شئون الحياة أعذِبْ بالقرآنِ أدبًا وتهذيبًا … أعْذَبَ القرآنُ أدبًا وتهذيبًا أعْظِمْ بالعلمِ في العصر الحديث نفعًا … أعْظَمَ العلمُ في العصر الحديثِ نفعًا ويقال: إن الهمزة في الأفعال الماضية "أصْدَقَ، أعْذَبَ، أعْظَمَ" للصيرورة، فمعنى "أصْدَقَ كلامُ الرسول" أنه "صار ذا صدق عظيم" ثم حُوّل للأمر، وزيدت معه "الباء"، وكذا الباقي ا. هـ. الصلة بين أجزاء صيغتي التعجب: الأصل في صيغتي التعجب مجيئهما على الترتيب الذي سبق شرحه، فلا يتقدم عليهما معمولهما، كما لا يصح أن يفصل شيء بين مكونات جملة التعجب بترتيبها السابق، وبعبارة أقرب: لا يفعل شيء بين "ما" وفعل التعجب، ولا بين فعل التعجب والمتعجب منه. هذا هو الأصل، لكن استدركت عليه أمور ثلاثة هي: أ- جواز الفصل بين "ما" وفعل التعجب "بكان الزائدة" تقول: "ما كانَ أصْبرَ الرسولَ على أَذَى المشركين، وما كانَ أثبَتَ المسلمين على عقيدتهم مع هذا الأذى" وتقول: "ما كان أتْعَسَ شعبنا غداة الهزيمة، وما كان أقواهُ إذ تماسك من جديد". ب- جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالجار والمجرور، ومن ذلك: - قول العرب: ما أحسنَ بالرّجُل أن يصدُقَ، وما أقبحَ بِه أنْ يكْذبَ.

стр. 564

- قول عمرو بن مَعْدِ يكربَ عن بني سُلَيم: لله دَرَّ بني سُلَيْم ما أحسن في الهيْجَاءِ لقاءها، وأكرم في اللّزَبَاتِ عطاءها، وأثبتَ في المكرماتِ بقاءها. - قول الشاعر: خليليّ ما أحْرى بذي اللُّبّ أنْ يُرى … صبُورا ولكنْ لا سبيل إلى الصّبر (١) ج- جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالظرف، تقول: "ما أثبتَ لحظةَ الهوْل المؤمنَ وما أجبنَ ساعة اللقاء المنافقَ"، ومن ذلك قول معن بن أوس: أقيمُ بدار الحزْم ما دام حزمُها … وأحْرِ إذا حالتْ بأن أتحوَّلا (٢) ملاحظة مهمة: صياغة "التعجب" من الأفعال مبحث صرفيّ، ومع ذلك سيأتي في "اسم التفضيل" إذ يتفقان في شروط تلك الصياغة "انظر ص (٦٨٠) " مع ملاحظة اختلاف التعجب عن التفضيل.

стр. 565

التوابع الخمسة: تمهيد: تكاد كتب النحو الكبرى تتفق في تعريف "التابع" على عبارة واحدة هي "التابع هو الاسم المشارك لما قبله في إعرابه الحاصِل والمتجدِّد وليس خبرا ا. هـ". والإعراب "الحاصل" يقصد به الإعراب الموجود فعلا في الجملة -أي جملة- وفيها يشارك التابع متبوعه رفعا أو نصبا أو جرا، وربما أيضا تبعه في الجزم إذا كان المتبوع فعلا، وهو قليل. نقول: "المجتمعُ المتحضرُ يرَاعِي الضميرَ الوازعَ قبل القانونِ الرَّادعِ" فمن الملاحظ أن الكلمات "المتحضر، الوازع، الرادع" تتبع ما قبلها في الإعراب، الأولى تبعته رفعا، والثانية تبعته نصبا، والثالثة تبعته جرًّا. ويقصد "بالمتجدِّد" ما إذا تغيرت الجملة، فتغيرت وظائف الكلمات المتبوعة فيها، حينئذٍ تتغير أيضا وظائف الكلمات التابعة لها، فإذا غيرنا الجملة السابقة فقلنا: "إنّ المجتمعَ المتحضرَ يُراعَى فيه الضميرُ الوازعُ سابقًا القانونَ الرادعَ" فإنه يلاحظ تغير التوابع في إعرابها بعد أن تجدد إعراب المتبوعات في الجملة الجديدة. ويبقى هذا القيد الأخير "ليس خبرا" ويقصد به صورة واحدة من صور الخبر هي "الأخبار المتعددة" فنحن نقول مثلا: "عصرنا علْمٌ عملٌ قوّةٌ" فالأخبار المتتالية متفقة في الإعراب، فلو غيرنا الجملة اتفقت في الإعراب.
следующие страницы →