جاء في القاموس: لله دره: أي عمله، ونسبة العمل لله لا تدل أصلا على التعجب، ولكنها دلت عليه -في هذا الموقف- عن طريق المجاز.
- ما ورد من قول العرب: "لله أنتَ من رجل!! " فنسبة المخاطب لله لا تدل على التعجب، لكن لورود هذا الأسلوب غالبا في مواقف الإعجاب والدهشة أفاد معنى التعجب.
صيغ التعجب القياسية:
يقصد بها تلك الصيغ التي تدل بلفظها ومعناها على التعجب، فهي بلفظها معدَّة لذلك صرفيا، وهي بمعناها تدل على التعجب، وهكذا استعملتها اللغة.
والصيغ القياسية اثنتان هما:
أ- ما أفْعَلَه: مثل "ما أعْظَمَ شَعْبَنَا وما أرْوَعَه عند الخطوب وما أوْفَاهُ للمخلصين من أبنائه".
ب- أفْعِلْ بِهِ: مثل "أكْرِمْ برجالِ شعبِنا وأهْوِنْ بالخطوب مع عزمَاتهم".
وإليك تفصيل الحديث عن هاتين الصيغتين:
ما أفْعَلَه:
تتكون هذه الصيغة من أمور ثلاثة هي ما + فعل التعجب + المتعجب، وفي كل واحد من الثلاثة حديث طويل يمكن تقريبه بما يلي:
أ- ما: نكرة بمعنى "شيء عظيم" فهي إذن في قوة الموصوفة، ولذلك صح الابتداء بها، فهي إذن مبتدأ، وهذا الرأي السابق أشهر الآراء فيها.
ب- فعل التعجب: وهو فعل ماضٍ جامد لا يتصرف مثل "ليس، عسى" إذ تدخل عليه نون الوقاية فتقول: "ما أحْوَجَني إلى الإخلاص، وما أفْقَرَنِي
стр. 562
إلى عفو الله" وفيه ضمير مستتر يعود على "ما" أداة التعجب، والجملة كلها خبر "ما"، وهذا الرأي السابق أشهر ما قيل عن الفعل، بصرف النظر عمن قالوا باسميّته.
ج- المتعجب منه: وهو الاسم المنصوب الذي يأتي بعد فعل التعجب وهو منصوب على أنه مفعول به مكمل للجملة الفعلية الواقعة خبرا، وهذا أيضا أشهر الآراء فيه.
نقول: "ما أسْهَلَ النَّحْوَ حين يُشْرَحُ وما أصْعَبَه مع غُموضِ معناه" ونقول أيضا: "ما أجْمَلَ الحلمَ مع المهذّب الكريم وما أقْبَحَ الضعفَ مع السّفيه اللئيم".
أفعل به:
تتكون أيضا من أمور ثلاثة هي فعل التعجب + الباء + المتعجب منه.
أ- فعل التعجب: يصفه المعربون بقولهم: "فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر" وهي عبارة غريبة!! فكأنما هذا الفعل في التقدير ماضٍ، وفي الصورة فعل أمر، ويترتب على ذلك أمران:
أولهما: أن يعرب هو نفسه على أنه فعل أمر.
ثانيهما: أن يعرب ما بعده على تقدير أنه فعل ماضٍ.
ب- الباء حرف جر زائد، فالاسم الذي بعدها مجرور بها لفظًا، لكنه فاعل تقديرًا.
ج- المتعجب منه: يجر بالباء لفظا، لكنه فاعل في التقدير لفعل التعجب باعتباره فعلا ماضيا في التقدير أيضا.
هكذا حُلِّلَت هذه الصيغة هذا التحليل الغريب، ومع ذلك فإنه هو
стр. 563
الاتجاه المشهور بين النحاة والمعربين في تحليلها، بصرف النظر عن اتجاهات أخرى لا داعي لذكرها، فلنتأمل الآتي:
جملة التعجب … أصلها تقديرا
أصْدِقْ بكلامِ الرَّسول في شئون الحياة … أصْدقَ كلامُ الرسولِ في شئون الحياة
أعذِبْ بالقرآنِ أدبًا وتهذيبًا … أعْذَبَ القرآنُ أدبًا وتهذيبًا
أعْظِمْ بالعلمِ في العصر الحديث نفعًا … أعْظَمَ العلمُ في العصر الحديثِ نفعًا
ويقال: إن الهمزة في الأفعال الماضية "أصْدَقَ، أعْذَبَ، أعْظَمَ" للصيرورة، فمعنى "أصْدَقَ كلامُ الرسول" أنه "صار ذا صدق عظيم" ثم حُوّل للأمر، وزيدت معه "الباء"، وكذا الباقي ا. هـ.
الصلة بين أجزاء صيغتي التعجب:
الأصل في صيغتي التعجب مجيئهما على الترتيب الذي سبق شرحه، فلا يتقدم عليهما معمولهما، كما لا يصح أن يفصل شيء بين مكونات جملة التعجب بترتيبها السابق، وبعبارة أقرب: لا يفعل شيء بين "ما" وفعل التعجب، ولا بين فعل التعجب والمتعجب منه.
هذا هو الأصل، لكن استدركت عليه أمور ثلاثة هي:
أ- جواز الفصل بين "ما" وفعل التعجب "بكان الزائدة" تقول: "ما كانَ أصْبرَ الرسولَ على أَذَى المشركين، وما كانَ أثبَتَ المسلمين على عقيدتهم مع هذا الأذى" وتقول: "ما كان أتْعَسَ شعبنا غداة الهزيمة، وما كان أقواهُ إذ تماسك من جديد".
ب- جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالجار والمجرور، ومن ذلك:
- قول العرب: ما أحسنَ بالرّجُل أن يصدُقَ، وما أقبحَ بِه أنْ يكْذبَ.
стр. 564
- قول عمرو بن مَعْدِ يكربَ عن بني سُلَيم: لله دَرَّ بني سُلَيْم ما أحسن في الهيْجَاءِ لقاءها، وأكرم في اللّزَبَاتِ عطاءها، وأثبتَ في المكرماتِ بقاءها.
- قول الشاعر:
خليليّ ما أحْرى بذي اللُّبّ أنْ يُرى … صبُورا ولكنْ لا سبيل إلى الصّبر (١)
ج- جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالظرف، تقول: "ما أثبتَ لحظةَ الهوْل المؤمنَ وما أجبنَ ساعة اللقاء المنافقَ"، ومن ذلك قول معن بن أوس:
أقيمُ بدار الحزْم ما دام حزمُها … وأحْرِ إذا حالتْ بأن أتحوَّلا (٢)
ملاحظة مهمة: صياغة "التعجب" من الأفعال مبحث صرفيّ، ومع ذلك سيأتي في "اسم التفضيل" إذ يتفقان في شروط تلك الصياغة "انظر ص (٦٨٠) " مع ملاحظة اختلاف التعجب عن التفضيل.
стр. 565
التوابع الخمسة:
تمهيد:
تكاد كتب النحو الكبرى تتفق في تعريف "التابع" على عبارة واحدة هي "التابع هو الاسم المشارك لما قبله في إعرابه الحاصِل والمتجدِّد وليس خبرا ا. هـ".
والإعراب "الحاصل" يقصد به الإعراب الموجود فعلا في الجملة -أي جملة- وفيها يشارك التابع متبوعه رفعا أو نصبا أو جرا، وربما أيضا تبعه في الجزم إذا كان المتبوع فعلا، وهو قليل.
نقول: "المجتمعُ المتحضرُ يرَاعِي الضميرَ الوازعَ قبل القانونِ الرَّادعِ" فمن الملاحظ أن الكلمات "المتحضر، الوازع، الرادع" تتبع ما قبلها في الإعراب، الأولى تبعته رفعا، والثانية تبعته نصبا، والثالثة تبعته جرًّا.
ويقصد "بالمتجدِّد" ما إذا تغيرت الجملة، فتغيرت وظائف الكلمات المتبوعة فيها، حينئذٍ تتغير أيضا وظائف الكلمات التابعة لها، فإذا غيرنا الجملة السابقة فقلنا: "إنّ المجتمعَ المتحضرَ يُراعَى فيه الضميرُ الوازعُ سابقًا القانونَ الرادعَ" فإنه يلاحظ تغير التوابع في إعرابها بعد أن تجدد إعراب المتبوعات في الجملة الجديدة.
ويبقى هذا القيد الأخير "ليس خبرا" ويقصد به صورة واحدة من صور الخبر هي "الأخبار المتعددة" فنحن نقول مثلا: "عصرنا علْمٌ عملٌ قوّةٌ" فالأخبار المتتالية متفقة في الإعراب، فلو غيرنا الجملة اتفقت في الإعراب.
стр. 566
أيضا، فنقول: "أصبح عصرُنا علْمًا عملًا قوّةً" كلها أيضا منصوبة، ومع ذلك لا يعتبر الثاني أو الثالث منها من التوابع مع أنه يتبع ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد، لأنه خبر، ومشروط في التابع ألا يكون خبرًا.
هذا، ومما يعرض له النحاة في حديث التوابع البحث عن العامل فيها كما هو الشأن في بحثهم عن عوامل كل الوظائف النحوية، ويختلفون في ذلك اختلافا كثيرا، وهو موضوع غير مفيد نحويا، لكنه صورة ذهنية لمشاكل العامل وفلسفته في النحو، فليكن العامل في المتبوع هو العامل التابع، أو فليكن العامل في التابع معنويا، أو فليكن العامل محذوفا مماثلا للمذكور المتبوع، فكل ذلك لا يفيد شيئا، والمفيد حقا أن يذكر أن التابع يماثل ما تبعه في إعرابه، وهذا يكفي.
والتوابع خمسة هي:
١ - النعت = الصفة: كقولنا: مصاحبةُ الأشرارِ المنحرفين تُورثُ سوء الظن بالأبرارِ المستقيمين.
٢ - التوكيد: كقول القرآن: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
٣ - عطف البيان: كقولنا: من مفاخر الإسلام عهدُ الصديقِ أبي بكر والفاروقِ عمر.
٤ - عطف النسق: كقولنا: التوابع هي النعتُ والتوكيدُ والبيانُ والنسقُ والبدلُ.
٥ - البدل: كقولنا: يحترم المجتمع المرأةَ تعليمَها وأخلاقَها.
стр. 567
النعت " الصفة":
١ - معنى النعت لدى اللغويين والنحاة، وما يفيده للمنعوت من معانٍ نحوية وبلاغية.
٢ - المقصود بالمصطلحين النحويين "النعت الحقيقي، النعت السببي" وكيفية مطابقتهما للمنعوت.
٣ - ما ينعت به هو "المشتق، ما يشبه المشتق، المصدر، الجملة، شبه الجملة".
٤ - قطع النعت عن المنعوت "معناه، الأسلوب الذي يرد فيه".
- حذف كل من النعت أو المنعوت.
معني النعت:
اختار النحاة كلمة "النعت" دون "الصفة" وإن كان كلاهما بمعنى واحد في اللغة، فقد جاء في أساس البلاغة: هو منعوت بالكرم وبخصال الخير، ومن كلام العرب: هو حُرُّ المنابِت حسَنُ المناعت، أي: طيّب الأصل حسن الصفات.
فالغالب على تعبير النحاة أن يقولوا: "النعت والمنعوت" وتساوي تماما: "الصفة والموصوف" لكن المعربين -وبخاصة المبتدئين- على العكس من ذلك، إذ الغالب عليهم أن يستعملوا الصفة والموصوف، ويقل في كلامهم أن يستعملوا النعت والمنعوت.
أما لدى النحاة فقد اختلفت الألفاظ التي تحدد النعت، وإن تلاقت جميعها في النهاية على معنى واحد، والذي يستخلص من مجموع كلامهم أن النعت يمكن تحديده بما يلي:
стр. 568
هو الاسم المشتق أو المؤول بالمشتق الذي يكمل به المنعوت ببيان صفة من صفاته أو من صفات اسم آخر له صلة بالمنعوت ا. هـ.
فالذي يجب أن يتوافر للنعت إذن هو الصفات التالية:
أ- أن يكون مشتقا أو مؤولا بالمشتق -سيأتي بيانهما- كما تقول: "أنا إنسانٌ مُعتَزٌّ بعروبته، قد أكونُ مُواطِنًا مصريًّا، لكنني أتكلم لغةً عربيةً، وأعيشُ فوق أرض عربيةٍ".
ب- أن يكمل به المنعوت، والمقصود بذلك أن يكون تابعا له، فيتكامل معناهما، فالمنعوت في حاجة إليه، وهو متمم لمعناه، كما تقول "ذاكرتُ مذاكرةً جيدةً بنفسٍ راضيةٍ وعقلٍ متفتحٍ".
ج- أن يدل على صفة في المنعوت -وهذا هو الأصل في النعت- أو صفة لاسم آخر يأتي بعده له صلة بالمنعوت، فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
انتبه الطَّالبُ المتفتِّحُ، انتبه الطالبُ المتفتِّحُ عقلُه.
دخلتُ حديقةً مزهرةً، دخلت حديقةً مزهرةً أشجارُها.
المعاني النحوية والبلاغية التي يفيدها النعت:
عبارة واحدة تحدد ما يفيده النعت نحويا هي "النعت يوضح المعارف ويخصص النكرات" فالنعت إذن يفيد أحد أمرين:
الأول: توضيح المعارف: فإذا كان المنعوت معرفة، كانت مهمة النعت أن يجلوَه أكثر لنا، تقول "شوقي الشاعرُ لُقِّبَ بأمير الشعراء سنة ١٩٢٧" أو "العقادُ الكاتبُ مفكِّرٌ عظيم أجاد كتابةَ العبقرياتِ الإسلامية".
الثاني: تخصيص النكرات: فإذا كان المنعوت نكرة، كانت مهمة النعت تخصيصه، بمعنى التقليل من إبهامه، وتقريبه نوعا ما من الوضوح، كقولنا "يحتاج العلم إلى قلب مفتوح وعقل متفتح".
стр. 569
فالغرضان السابقان يفيدهما النعت نحويًّا، ولا يخلو أسلوب من أساليبه من واحد منهما، ومع ذلك فإنه يفيد معاني أُخَر إلى جوارهما وهي معانٍ بلاغية لا نحوية، وهي كثيرة يحددها أسلوب الكلام الذي وردت فيه وإليك بعض هذه المعاني بصرف النظر عن الخلاف حول عددها، فهو خلاف لا طائل وراءه؛ لأنها -كما سبق- معانٍ بلاغية أسلوبية، ومنها:
١ - المدح: كقولك: "لي صديقٌ كريمُ النفس طيّبُ الأخلاق".
٢ - الذم: كقولك: "أحتقرُ الضَّيفَ الثقيل والزائرَ المطيل والمضيف البخيل" ومن ذلك قولنا في بداية القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
٣ - الترحم والاستعطاف: كقول المحامي في موقف القضاء: "انظروا إلى هذا المتَّهمِ المظلومِ، فإنه أبٌ لأبناءٍ مساكينَ".
٤ - التوكيد: إذا كان معنى النعت مستفادا من المنعوت، كقول العرب: "أمْسِ الدابرُ المنقضي زمانُه لا يعود" وقول القرآن: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
٥ - التعميم: كقولنا: "تُطَبّقُ العدالةُ على الناسِ الفقراءِ والأغنياءِ الصغيرِ منهم والكبير" ومن ذلك ما ورد في الأثر: "إن الله يرزقُ عبادَه الطائعين والعاصين الساعيةَ أقدامُهم الساكنةَ أجسامُهم".
٦ - التفصيل: كقولك: "زارني صديقان قاهريٌّ وريفي" أو: "قرأت كتابين نحويًّا وأدبيًّا".
إلى غير ذلك من الأغراض، وهي كثيرة تعرف من سياق الكلام الذي وردت فيه.
النعت الحقيقي والنعت السببي:
"الحقيقي والسببي" مصطلحان نحويان مشهوران ينسبان لباب النعت
стр. 570
يصفان الصورتين اللتين يرد عليهما النعت في اللغة العربية، وكل منهما في حاجة إلى فهم أمور ثلاثة عنه هي:
أ- المقصود بهذه التسمية، وبعبارة أخرى: لماذا سمي الأول حقيقيا والثاني سببيًّا.
ب- تصور النحاة لهما، أو بعبارة أخرى: تحديد النحاة لكلتا الصورتين.
ج- صفات التطابق النحوية التي ينبغي أن تصحب كل واحدة من الصورتين، وذلك بالتوضيح التالي:
النعت الحقيقي:
الإجازةُ فرصةٌ طيبةٌ لراحةِ الجسمِ المجهدِ والعقلِ المكدودِ.
والحياةُ فرصةٌ فريدةٌ للعملِ النافعِ والعيشِ المريحِ.
يسمي هذا النعت "حقيقيا"؛ لأنه بالنسبة للمنعوت صفة حقيقية له من حيث المعنى ومن حيث اللفظ، ولنتأمل في الأمثلة السابقة "فرصة طيبة، الجسم المجهد، العقل المكدود، العمل النافع، العيش المريح" حيث نجد الكلمة الثانية أدت مهمة النعت للكلمة التي سبقتها سواء أكان ذلك من حيث المعنى أم اللفظ، وقد جاء في تنقيح الأزهرية توضيح ذلك بما يلي: "سمي هذا النعت حقيقيا لجريانه على المنعوت لفظا ومعنى، أما لفظا؛ فلأنه تابع له في إعرابه، وأما معنى؛ فلأنه نفسه في المعنى"ا. هـ.
لذلك: حدد النحاة هذا النعت بتعريفات متعددة يجمعها كلها الآتي:
النعت الحقيقي: هو ما اتجه لمتبوعه السابق عليه في المعنى وفي اللفظ فهو من حيث المعنى قد أفاد صفة للمتبوع السابق، ومن حيث اللفظ يتبعه في الإعراب وأحوال التطابق الأخرى، فمن كلام الرسول: "المؤمنُ القويُّ خيرٌ
стр. 571
وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ" ونقول: "القوةُ الجاهلةُ حماقةٌ مهلكَةٌ والقوةُ العاقلةُ شجاعةٌ مفيدةٌ".
فالصلة إذن في هذه الصورة بين النعت والمنعوت صلة قوية جدا، ومن أجل ذلك يجب التطابق التام بينهما، بأن يتفق مع المنعوت السابق عليه في الآتي:
أ- أوْجُه الإعراب، الرفع والنصب والجر.
ب- التعريف والتنكير.
ج- الإفراد والتثنية والجمع.
د- التذكير والتأنيث.
فهذه صفات عشر يحمل النعت ومنعوته أربعا منها في كل مثال، حيث يتطابقان تماما في هذه الأربعة، فلنطبق ذلك على الأمثلة التالية:
الصديقُ الوفيُّ خيرٌ من أخٍ شقيقٍ.
الصديقان الوفيّان خيرٌ من أخوين شقيقين.
إن الأصدقاءَ الأوفياءَ خيرٌ من الإخوةِ الأشقاءِ.
الصديقةُ الوفيةُ خيرٌ من أختٍ شقيقةٍ.
ولعلّنا بعد هذا الشرح السابق نفهم تلك العبارة المشهورة بين المشتغلين بالنحو -والمعربين منهم خاصة- عن النعت الحقيقي وهي: "يتبع النعت الحقيقي منعوته في أربعة من عشرة" ويقصدون بذلك أنه يتفق معه في واحد من أوجه الإعراب الثلاثة، وفي واحد من التعريف أو التنكير، وفي واحد من الإفراد أو التثنية أو الجمع، وفي واحد من التذكير أو التأنيث، فيجتمع فيه في وقت واحد أربع صفات من عشر، وهكذا هو دائما.
стр. 572
النعت السببي:
وَيْلٌ لأمَّةِ سائدٍ جُهَّالُها متحكِّمٍ فيها سفهاؤُها.
وَوَيْلٌ لشعبٍ صامتٍ عقلاؤُه متسلطةٍ عليه أهواؤُه.
يسمى هذا النعت "سببيا" لأنه في الحقيقة وواقع الأمر ليس تابعا للاسم السابق عليه من حيث المعنى، فهو لا يتجه إليه، وإنما يتجه للاسم الذي يأتي بعده، ففي الأمثلة السابقة مثلا يلاحظ أن "السيادة" متجهة للجهال لا للأمة، وأن "التحكم" متجه للسفهاء لا للأمة أيضا، وكذلك "الصمت" للعقلاء لا للشعب، ومثله "التسلط" للأهواء لا للشعب.
فهذه الصورة إذن -بهذا الاعتبار- خارجة عن مفهوم التوابع لولا أن الاسم المتأخر الذي يتجه إليه الوصف يحمل ضمير الاسم السابق على الوصف كما يلاحظ في "جهالها، سفهاؤها، عقلاؤه، أهواؤه"، فهذا الضمير إذن صلة بين المتبوع والمتقدم والموصوف الحقيقي -إنه سفير بينهما- وأدى بالتالي إلى وجود صلة بين الوصف والمتبوع المتقدم، فهو إذن سبب اعتبار هذه الصورة في اللغة من باب النعت، وأطلق عليها النحاة اسم "النعت السببي" بسبب هذا الضمير.
وقد عرف النحاة هذه الصورة من صور النعت تعريفات متعددة يمكن توضيحها بما يلي:
النعت السببي: ما اتجه من حيث المعني لوصف اسم ظاهر بعده مرفوع واتجه من حيث اللفظ إلى المتبوع السابق عليه، ووجدت الصلة بين المتبوع المتقدم والموصوف المتأخر بضمير يحمله الاسم اللاحق.
стр. 573
فلنلاحظ الأمثلة التالية:
- يحترمُ الناسُ كلَّ فتاةٍ متينةٍ أخلاقُها
فتاة: متبوع متقدم
متينة: نعت سببي
أخلاقُها: مرفوع متأخر بالنعت وفيه ضمير المتبوع
- فهم يُقبلون على الفتاةِ الشريفِ اسمُها
الفتاة: متبوع متقدم
الشريف: نعت سببي للفتاة
اسمها: مرفوع متأخر بالنعت، وفيه ضمير المتبوع
- ويعرضون عن الأخرى السيّئةِ سمعتها
الأخرى: المتبوع المتقدم
السيئة: نعت للأخرى
سمعتها: مرفوع بالنعت، ويحمل ضميرا يعود إلى كلمة "الأخرى"
فالنعت السببي -كما سبقه فهمه- يتنازعه المتبوع السابق عليه والمرفوع به اللاحق له من حيث اللفظ والمعنى، فكيف يكون موقفه من حيث أحوال التطابق العشرة السابقة في النعت الحقيقي؟؟
لقد روعي كلا الجانبين في هذا النعت من حيث أحوال التطابق على التفصيل التالي:
أ- يراعى جانب المتبوع السابق في أحوال الإعراب الثلاثة، وفي التعريف والتنكير، فيجب حينئذٍ أن يطابقه في الإعراب، وفي التعريف والتنكير.
стр. 574
ب- يراعى جانب الاسم المرفوع به اللاحق في الأمور الخمسة الباقية وهي الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فيعامل النعت حينئذٍ باعتباره عاملا رفع الاسم الظاهر بعده "راجع باب الفاعل" فيبقى دائما مفردا فلا يثنى أو يجمع -كما هو شأن الفعل مع الفاعل في اللغة الفصحى- ويذكر أو يؤنث بحسب التفصيل الذي مر في باب الفاعل، فلنطبق ذلك على ما يلي:
- قول القرآن: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١).
- قول الشاعر:
لَحَا اللهُ وَفْدَيْنَا وما ارتَحَلَا بِهِ … من السَّوْءَةِ البَاقِي عليهم وَبَالُها (٢)
هذا: وقد وضع النحاة علامة يمكن بواسطتها التفريق بين الصورتين السابقتين للنعت قالوا:
النعت الحقيقي: ما رفع ضميرا مستترا يعود إلى المنعوت، نحو "جاء محمد العاقل".
стр. 575
والنعت السببي: ما رفع اسما ظاهرا متصلا بضمير يعود إلى المنعوت نحو "جاء محمد العاقل أبوه" ا. هـ.
ما ينعت به
الذي يقع نعتا أمور خمسة هي: المشتق، والمؤول به، والمصدر، والجملة، وشبه الجملة، ولكل منها حديث يخصه على التفصيل الآتي:
أولا: المشتق:
هذا هو الأصل في النعت، ولا يقصد المشتق عامة، بل يقصد نوع خاص منه هو الوصف، ويقصد به -كما تقدم في الحال- ما دل على حدث وصاحبه وذلك:
ا- اسم الفاعل: كما جاء في الأثر: "الغنيُّ الشاكرُ خيرٌ عند الله من الفقيرِ الصابرِ".
٢ - اسم المفعول: كقولنا "شيئان يجلبان العار: الحقُّ المنهوبُ والشرفُ المسلوبُ".
٣ - الصفة المشبهة: كقولنا: "لا يستوي في الميزان الرجلُ الشجاعُ والآخر الجبانُ".
٤ - أمثلة المبالغة: كقولنا: "قِوَامُ الإنسانِ شيئان: لسانٌ قَوَّالٌ وقلبٌ مِقْدَامٌ".
٥ - أفعل التفضيل: كقولنا في سجود الصلاة: "سبحانَ ربِّنا الأَعْلَى".
ثانيا: ما يشبه المشتق:
ويقصد به الأسماء الجامدة التي يمكن أن تؤول بمشتق، أي يمكن أن يتصور من معناها اسم مشتق تدل عليه.
стр. 576
ومن البيّن أن هذا الصنف على خلاف الأصل، وهي أمور كثيرة من أشهرها ما يلي:
١ - أسماء الإشارة، ولا بد أن تكون بعد أسماء معارف، ليتفق الاثنان في التعريف، كقولنا "قابلتُ صديقي هذا في الشارعِ ذاك".
ويؤول ذلك بكلمة "المشار إليه" وهي مشتقة، وأيضا أسماء الموصول المبدوءة بهمزة الوصل، مثل "القرآن كلام الله الذي أنزل على محمد".
٢ - ما كان بمعنى صاحب من الأسماء، وذلك "ذو" وما تفرع عنها وكذلك "أولو" و "أولات" -وقد تقدم ذكرها جميعا- كقولنا: "شعبُنا شعبٌ ذو تاريخ، وأمَّتُنا أمّةٌ ذاتُ حضارة، ففيها فتيانٌ أولو خبرةٍ وفتياتٌ أولاتُ أخلاق" ويؤول ذلك بكلمة "صاحب" وما يتفرع عنها، وهي مشتقة.
٣ - ما كان من الأسماء مختوما بياء النسب: كقولنا: "ما زال الإنسانُ الأوروبيُّ يتعالَى على الإنسانِ الإفريقيِّ ويُعادِيه بسبب لونه".
ويؤول هذا بكلمة "المنسوب إلى كذا" وهي مشتقة، وأيضا كلمة "ابن" بين علمين وليست خبرا، مثل: "عاش محمد بن عبد الله فقيرا ومات فقيرا".
٤ - أسماء الأعداد، كقولنا: "يتكونُ بابُ النعتِ من أفكارٍ خَمْسٍ" أو: "ألقيتُ المحاضرةَ على الطلابِ التسعين".
وهذا يؤول بتقدير كلمة "المعدود" وهي مشتقة.
٥ - لفظة "أي" إذا أضيفت لنكرة تماثل المنعوث في المعنى، كقولنا "كان عمرُ بنُ الخطاب عادلا أيَّ عدل" أو "اتَّخَذَ النبيُّ أبا بكر صاحبًا أيَّ صاحبٍ"، ومثل ذلك الألفاظ "كلّ، جِدّ، حَقّ" مضافة لاسم جنس يكمل معنى الموصوف، مثل "هذه هي الحقيقةُ كلُّ الحقيقة" و "أنت صديقٌ جِدّ وفيّ" أو "أنت الصديقُ حقُّ الصديق".
стр. 577
ثالثا: المصدر قال ابن مالك
ونعتوا بمصدرٍ كثيرا … فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا
ومن البيّن أن المصدر اسم معنى جامد، فالنعت به على خلاف الأصل، ومن صفته حين ينعت به أن يلتزم دائما في الإفراد والتذكير، فلا يثنى أو يجمع وكذلك لا يؤنث، تقول: "كان الخلفاءُ الراشدون رجالًا عَدْلًا في حكمهم" ويقال: "شهادةُ امرأتين عَدْلٍ تقوم مقام رجلٍ فَرْدٍ".
وليس من المفيد التعرض هنا لخلاف العلماء حول علاقة المصدر بالمنعوت "من النعت بلفظه أو تأويله بمشتق أو تقدير مضاف معه"، وإنما المفيد أن يعلم أن المصدر يقع نعتا بكثرة، تماما كما يقع حالا بكثرة في اللغة.
رابعا: الجملة الاسمية والفعلية
نقول: "دعا الإسلامُ إلى أمةٍ كلمتُها واحدة، وإلى مجتمعٍ يتكافل أهلُه؛ ليعيش المسلمون قوّة لا تُقهر وحُبًّا لا غِشَّ فيه".
ففي العبارة السابقة أربع جمل وقعت صفات هي:
- كلمتها واحدة.
جملة اسمية في محل جر صفة لكلمة "أمة".
- يتكافل أهله.
جملة فعلية في محل جر صفة لكلمة "مجتمع".
- لا تقهر.
جملة فعلية في محل نصب صفة لكلمة "قوة".
- لا غش فيه.
جملة اسمية في محل نصب صفة لكلمة "حبا".
وأهم الصفات الواجب توافرها في الجملة الخبرية -لا الإنشائية- التي تقع صفة -كما يلاحظ على الأمثلة السابقة- ما يلي:
أ- أن يكون المنعوت نكرة، فتكون الجملة حينئذٍ صفة، أما إذا
стр. 578
كان الاسم السابق معرفة فإن الجملة تكون حالا، قال القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
قال النحاة: ويصح أن تقع الجملة صفة للاسم الذي اتصلت به "أل" الجنسية "مثل الرجل، الطالب، الإنسان، المرأة".
ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (١).
وقول الشاعر:
ولقد أمُرُّ على اللئيمِ يَسبُّني … فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ: لا يَعْنيني
غضبانَ ممتلئًا عَلَيَّ إهابُهُ … إني وحقِّك سُخْطُهُ يُرضِيني (٢)
ب- أن تشتمل الجملة على رابط يربطها بالموصوف وهو الضمير، كما يلاحظ ذلك في كل الجمل السابقة.
وربما حذف هذا الرابط من جملة الصفة إذا كان معلوما من الكلام وظروفه ومن ذلك قول جرير:
ألا أبلغْ معاتبتي وقَوْلِي … بني عمِّي فقد حَسُنَ العِتَابُ
стр. 579
وما أدري أغَيّرهم تناءٍ … وطولُ الدهرِ أم مالٌ أصَابُوا (١)
فأصل الكلام "أصابوه" فحذف الضمير الرابط: لأنه معلوم من الكلام.
خامسا: شبه الجملة
يقصد بذلك -كما مر في غير موضع- الظرف والجار والمجرور، حيث يقعان صفة بعد الاسم النكرة، كقولك: "شاهدتُ روايةً في السينما واستمعتُ إلى تمثيليةٍ في المذياع" وكذلك قولك: "لنا لقاءٌ يومَ الخميس عندَ بابِ الجامعة".
قطع النعت عن المنعوت:
معناه: صرف النظر عن صلة النعت بالمنعوت، فلا يتبعه في إعرابه، وإنما يكون ذلك إذا كان المنعوت معلوما وصفه بتلك الصفة دون ذكرها تقول: "درسْنا قصيدة للمتنبِّي الشاعر" أو "قرأنا "عبقريةَ عمر" للعقادِ الكاتب" أو "سرْنا ليلا في ضوءِ القمرِ المنير" فمن البيّن أن تلك الصفات "الشاعر، الكاتب، المنير" مفهومة بدون ذكرها لأصحابها، وفي مثل هذه الجمل يجوز قطع النعت عن المنعوت.
فإذا قطع النعت عن المنعوت صح في إعرابه وجهان:
الأول: أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
الثاني: أن ينصب بفعل محذوف وجوبا، يكون تقديره مناسبا لسياق الكلام.
وخلاصة الأمر: أن إتباع النعت للمنعوت هو الأصل في الكلام.
стр. 580
العربي، ويصح قطعه عنه إذا كان معلوما بدونه، وحينئذٍ يصح في إعرابه الوجهان السابقان.
فلنطبق ما عرفناه على ما يلي:
- قال سيبويه: سمعنا بعض العرب يقول: "الحمد لله ربَّ العالمين" (١).
بالنصب، فسألت عنها يونس، فزعم أنها عربية.
- من القرآن: "وامرأته حمالةَ الحطب" (٢) قرأ الجمهور "حمالةُ الحطب" بالرفع، وقرأ عاصم -أحد القراء السبعة- بالنصب على الذم.
- قالت الخِرْنِق -شاعرة عربية جاهلية- تمدح قومها:
لا يبْعدَنْ قومي الذين هم … سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزُرِ
النازلين بكل مُعْتَرَكٍ … والطيِّبين معاقدَ الأزُرِ (٣)
فقد رويت الكلمتان "النازلين، الطيبين" بالرفع والنصب.
стр. 581
حذف النعت والمنعوت:
قال ابن مالك:
وما من المنعوتِ والنعتِ عُقِل … يجوز حذفُه وفي النَّعتِ يقل
ومعنى البيت أنه يصح حذف كل من النعت والمنعوت إذا كان معلوما من سياق الكلام، بمعنى أنه مفهوم من الجملة المنطوقة فيتخيل وجوده، ويفرض على الكلام المنطوق فعلا، ومما سيق لذلك من الشواهد الآتي:
- قول القرآن: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (١) والتقدير "دروعا سابغات".
- ما روي عن العرب: "مِنَّا ظَعَنَ ومِنَّا أقَامَ" والتقدير: "فريقٌ ظَعَنَ وفريقٌ أقَامَ".
- قول القرآن: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ (٢).
والتقدير: "كل سفينة صالحة".
- قول العباس بن مرداس يخاطب الرسول:
وقد كنتُ في الحربِ ذا تُدْرَأ … فلم أعْطَ شيئا ولم أمْنَعِ (٣)
стр. 582
التوكيد:
١ - المقصود بالتوكيد في اللغة وعند النحاة.
٢ - التوكيد اللفظي: معناه، والفرق بينه وبين التكرار.
٣ - التوكيد المعنوي: معناه، وألفاظه هي: "النفس والعين، كلا وكلتا، كل وجميع، أجمع وما تفرع عنه".
٤ - من مباحث التوكيد المهمة المسائل الآتية:
أ- توكيد الضمائر توكيدا لفظيا.
ب- توكيد الحروف توكيدا لفظيا.
ج- توكيد الضمير المرفوع المتصل باللفظين "النفس والعين".
د- توكيد النكرة توكيدا معنويا.
معنى التوكيد:
جاءت هذه الكلمة في اللغة على ثلاث صور هي "التوكيد" بالواو و"التأكيد" بالهمزة و "التاكيد" بتخفيف الهمزة إلى الألف، وأكثرها شهرة في الفصحى الأولى، ولذلك جاء في القاموس قوله: "التوكيد والتأكيد والأول أفصح" وإن كانت الثانية "التأكيد" أكثر استعمالا في حياتنا العادية الدارجة.
ومعنى "التوكيد" في اللغة: التثبيت والتقوية، ويستعمل في الحياة العادية الدارجة بهذا المعنى نفسه، ومن التعبيرات الشائعة بيننا "أنا متأكد من كلامي" بمعنى: متثبت منه مقتنع به، و"تأكدت منه أنه سيجيء" بمعنى تثبت، و"أكّدت عليه الكلام" بمعنى كررته عليه؛ تقوية له، وتثبيتًا في ذهنه.
стр. 583
هذا المعنى نفسه هو الذي روعي في استخدام النحاة للكلمة، إذ يقصدون بالتوكيد: استخدام طرق خاصة لتقوية الكلام السابق وتثبيته سواء بإعادة اللفظ نفسه أم استعمال كلمات خاصة؛ لتثبيت المعنى ودفع الشبه عنه، وذلك كقولنا: "النفاقُ غشٌّ غشٌّ" أو قولنا: "سنقاتل سنقاتل، ولن نستسلم" أو قولنا: "الجبانُ لا يستحق الحياةَ نفسَها".
وقد ورد التوكيد في اللغة -بالمعنى السابق- على صورتين: صورة التوكيد اللفظي، وصورة التوكيد المعنوي.
التوكيد اللفظي:
هو -كما جاء في قطر الندى- إعادة اللفظ الأول بعينه ا. هـ، ويقصد بذلك أن يعاد المؤكَّد نطقا ومعنى، بقصد التقرير أو خوف النسيان أو عدم الإصغاء أو عدم الاعتناء، وقد يكون هذا اللفظ المعاد اسما أو فعلا أو حرفا أو جملة.
- ففي الاسم تقول: "المروءةَ المروءةَ" و"النفاقَ النفاقَ" وقول الجندي لزميله "انتبه، فقد هاجمتْنا الطائراتُ الطائراتُ".
وما روي من قول الرسول: "أيّما امرأةٍ قاصرٍ أنكحتْ نفسها بغير إذْنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ".
- وفي الفعل نقول: "صَمَّمَ صَمَّمَ شعبُنا على تحرير أرضه بعد ما تَأَلَّمَ تَأَلَّمَ لضياعِها".
ومن ذلك قول الشاعر:
فأينَ إلى أيْنَ النجاةُ ببغلتي … أتَاك أتاك اللّاحقون احبس احبس (١)
стр. 584
- وفي الحرف ترد مثلا على من يسألك: "هل أنت منتبه؟ " فتقول: "نعم نعم أنا منتبه" وكثيرًا ما يسمع مثل هذا التعبير في تعليق المذيعين على الأخبار: "لا، لا يُهانُ شرفُنَا أو تُستذلُّ أرضُنا".
ومن ذلك قول جميل:
لا لا أبوحُ بحُبِّ بثْنَةَ إنّها … أخذت عليّ مَوَاثِقًا وعُهُودًا (١)
- وفي الجملة تعاد الجملة بألفاظها، وربما اقترنت الثانية بحرف من حروف العطف، وقد وردت كثيرا في اللغة، ومن ذلك:
قول القرآن ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وقول الرسول وقد بلغه نقض قريش للعهد: "واللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، واللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا".
стр. 585
وفي خاتمة هذه الفكرة ينبغي التنبه للفرق بين أمرين كثيرا ما يختلطان هما: التوكيد اللفظي والتكرار.
فالتوكيد اللفظي -كما سبق- هو إعادة اللفظ بعينه، أي بنطقه ومعناه تماما.
أما التكرار: فهو إعادة اللفظ بنطقه وما يشبه معناه لا بمعناه نفسه، فالأول إذن شيء واحد، وقد استخدم له اللفظ مرتين، أما الثاني فهو شيء تكرر مرتين أو أكثر واستخدم له في كل مرة نفس اللفظ، فلنتأمل الآتي:
- دخل إلى المدرَّجِ طالبٌ طالبٌ.
أسلوب توكيد: لأن الطالب واحد وأعيد اللفظ.
- دخل الطلابُ للمدرَّجِ طالبًا طالبًا.
تكرار: لتعدد الطلبة وإن اتحد اللفظ.
- اقتحمَ موقعَ الأعداءِ جنديٌّ جنديٌّ.
توكيد: لأن الجندي واحد واللفظ هو المعاد.
سارت الكتيبة متراصّةً جنديًّا جنديًّا.
تكرار: لتعدد الجنود وإن اتحد اللفظ.
وعلى ذلك يفهم ما جاء في قطر الندى لابن هشام من قوله نصًّا:
"وليس من تأكيد الاسم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ (١) خلافا لكثير من النحويين؛ لأنه جاء في التفسير أن معناه: دكا بعد دكّ، وأن الدَّكَّ كرر عليها حتى صارت هباء منبثا، وأن معنى: ﴿صَفّاً صَفّاً﴾ أنه تنزل ملائكة من كل سماء
стр. 586
فيصطفون صفا بعد صفّ محدقين بالجن والإنس، وعلي هذا فليس الثاني فيه تأكيدًا للأول، بل المراد به التكرير، كما يقال: "علّمتُه الحسابَ بابًا بابًا"، وكذلك ليس من تأكيد الجملة قول المؤذن: "الله أكبر، الله أكبر" -خلافا لابن جني- لأن الثاني لم يؤتَ به لتأكيد الأول، بل لإنشاء تكبير ثانٍ، بخلاف قوله: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" فإن الجملة الثانية خبر ثانٍ جيء به لتأكيد الأول" ا. هـ.
التوكيد المعنوي:
في عبارة واحدة يمكن تحديد التوكيد المعنوي بأنه تثبيت معنى المتبوع بدفع الاحتمالات عنه ا. هـ.
فنحن نقول مثلا: "اجتمعَ الرؤساءُ العربُ أنفسُهم" فلو اقتصر الأمر على المؤكَّد لاحتمل الأمر أن الذين اجتمعوا هم مندوبوهم، فإذا ذكر لفظ التوكيد "أنفسهم" ارتفع ذلك الاحتمال.
ونحن نقول أيضا: "درسْنَا النحوَ كلَّه" فلو اقتصر على المؤكَّد "النحو" لاحتمل الأمر أن الذي درس معظمه أو أبواب منه، فحين يذكر لفظ التوكيد "كله" يرتفع ذلك الاحتمال.
وحول هذا المعنى السابق جاءت التعريفات النحوية التي سيقت لهذه الصورة من صور التوكيد، ومعظمها بألفاظ غامضة تؤدي في النهاية للتحديد السابق، ومن نماذجها:
يقول ابن عقيل: هو ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكد أو توهم عدم إرادة الشمول.
ويقول ابن هشام: هو تابع يقرر أمر المتبوع في النسبة أو الشمول.
стр. 587
ويقول الأشموني: التابع الرافع احتمال إرادة غير الظاهر.
ألفاظ التوكيد المعنوي:
يمكن أن تصنف ألفاظ التوكيد المعنوي التي استقرئت من استعمال اللغة في مجموعات أربع تتفق ألفاظ كل مجموعة منها من حيث الصفات التي تتصف بها حين تستعمل في التوكيد، وبيانها في الآتي:
المجموعة الأولى: النفس والعين:
تشترك هاتان الكلمتان حين استخدامهما للتوكيد في الصفات التالية:
أ- أنهما يستعملان للمفرد والمثنى والجمع، ويكون لفظهما مفردًا مع المفرد، ويجمعان على وزن "أفْعُل" مع المثنى والجمع كليهما.
ب- أن يضافا إلى ضمير يطابق المؤكَّد إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا، تقول: "شاهدَ الصحابةُ الرسولَ نفسَه" و"تداركَ صَاحِباهُ أبو بكر وعمر أنْفُسُهما وَحْدَة المسلمين يوم السّقيفة" و"اغتيلَ ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين أعْيُنهم ظلما".
ج- إذا استدعى الموقف استعمال كلتا الكلمتين معا في تعبير واحد قدمت كلمة "النفس" على كلمة "العين" ولا يصح العكس، تقول "مَشَى رجالُ الأرض فوق القمرِ نفسِه عينِه" ويقال: "نزل الملائكةُ أنْفُسُهُم أعْيُنُهُم يُقاتلون مع المسلمين يوم بدر".
وهنا فكرة جانبية مهمة هي: أن الكلمتين "النفس والعين" قد تردان في اللغة مجرورتين بحرف الجر "الباء" وحينئذٍ تعتبر هذه الباء زائدة، تقول: "إنّ اليهودَ هم الخبثُ بنفسِه والحقدُ بعينِه"، ومن ذلك قول الشاعر:
هذا لَعَمْرُكمُ الصَّغارُ بعينِه … لا أمَّ لي إن كان ذاكَ ولا أبُ (١)
стр. 588
المجموعة الثانية: كِلَا وكِلْتَا:
تستعمل الكلمة الأولى لتوكيد المثنى المذكر فقط، وتستعمل الكلمة الثانية لتوكيد المثنى المؤنث فقط، وحين استخدامها في التوكيد يتصل بهما ضمير مطابق للمؤكَّد، فيلحقان حينئذٍ بالمثنى في إعرابه -كما تقدم ذكره- تقول: "زرتُ صديقيَّ كِلَيهما" و"ذهبتُ مع زملائي في الرّحلتين كلْتَيهما".
المجموعة الثالثة: كل وجميع:
يرد هذان اللفظان حين استخدامها للتوكيد على الصفات التالية:
أ- أنهما يستعملان في اللغة للمفرد -ذي الأجزاء- والجمع، ولا يستعملان للمثنى.
ب- أن يُضافا إلى ضمير يطابق المؤكَّد إفرادا وجمعا وتذكيرا وتأنيثا تقول: "البلادُ العربية كلُّها متّحدةُ المشاعر، وإنْ اختلفتْ فيها النُّظُمُ والحكومات، والعربُ جميعُهم إخوةٌ، لغتُهم واحدةٌ، وتاريخهم واحد".
ج- قال ابن هشام عن الكلمة "جميع" والتوكيد "بجميع" غريب، ومنه قول امرأة ترقص ابنها:
فدَاك حيُّ خَوْلَانْ … جميعُهم وهَمْدان
وكلُّ آل قحطان … والأقرمون عدنان (١)
د- مثل "كلّ" كلمة "عامّة" وقد ذكرها سيبويه، تقول: "حضر المدعوّون عامتُهم" وجاء في "ابن عقيل"، وقلّ من ذكرها من النحويين.
стр. 589
وعلي ذلك يفهم ما جاء في أوضح المسالك نصا قال: وليس منه -أي التوكيد: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (١) خلافا لمن وهم، ولا قراءة بعضهم: "إِنَّا كُلًّا فِيهَاْ" (٢) خلافا للفراء والزمخشري، بل "جميعًا" حال و "كلًّا" بدل. ا. هـ.
فمن البيّن أن الآيتين لم تكونا من باب التوكيد؛ لأن اللفظين "جميع، كل" لم يضافا فيهما إلى الضمير، فخرجا من هذا الباب إلى أبواب أخرى في الإعراب.
المجموعة الرابعة: أجْمَع وما تفرع عنه:
يقصد بما تفرع عنه: "جمعاء " للمفردة المؤنثة و "أجمعون" لجماعة الذكور و "جُمَع" لجماعة الإناث.
ومن الصفات التي تأتي عليها هذه الألفاظ حين التوكيد بها ما يلي:
أ- أنها تستعمل لتوكيد المفرد والجمع فقط فلا تستعمل في المثنى.
ب- أنها لا تتصل بضمير يعود على المؤكد، بل يكتفى بصيغها -المفردة والمجموعة- عن هذا الضمير، بخلاف "كل، جميع" حيث تبقى على صورة واحدة وتوجه للمؤكَّد بواسطة الضمير.
ج- أن الغالب في هذه الصيغ أن تستعمل"لزيادة التوكيد" أو بعبارة أخرى "لتوكيد التّوكيد" وذلك بأن ترد بعد لفظ "كل" في الكلام.
стр. 590
تقول: "قَرّبتْ أجهزةُ الإعلامِ العالَمَ كلَّهُ أجْمَعَ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (١).
وربما استعملت هذه الكلمات وحدها دون لفظ "كل" وهذا قليل في اللغة، ومع ذلك فقد ورد في نصوص صحيحة فصيحة، ومن ذلك:
- قول القرآن حكاية عن إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢).
- قول الرسول: "إذا صلى الإمامُ جالسًا فصَلُّوا جلوسا أجمعون".
توكيد الضمائر لفظيًّا:
سبق أن الضمائر نوعان: مستترة وبارزة، وأن النوع الأخير صنفان:
منفصلة ومتصلة، وينبغي أن نتبين الطريقة التي يؤكد بها كل من هذه الضمائر توكيدا لفظيا في الآتي:
أ- الضمائر المستترة: وتؤكد بالضمير البارز المنفصل، فتقول: "أجِبْ أنتَ يا غافلُ دعوة الحق" أو "أَأَلْهُو أنا والحياة جَادّةٌ!! ".
ب- الضمائر البارزة المنفصلة: وهذه أيضا تؤكد بضمير بارز منفصل مناسب، فتقول مثلا مشيرا للمجرم: "أنت أنت القاتلُ" ومن ذلك ما كان يقوله جماعة الرافضة في شوارع الكوفة مشيرين لعَلِيّ: "أنت أنت اللهُ" فأمر بهم، فحرقوا بالنار.
ومن ذلك قول الشاعر:
стр. 591
فإيَّاكَ إيَّاكَ المِرَاءَ فإنه … إلى الشَّر دعَّاءٌ وللشَّرِّ جالِبُ (١)
ج- الضمائر البارزة المتصلة: هذه أيضا تؤكد بضمير بارز متصل مرفوع فتقول "استَمعتُ أنا للنّصيحةِ منكَ أنتَ، فاتبعْتُها هي، فسعدت ونجحت" وعن هذه الصورة الأخيرة يقول ابن مالك:
ومُضْمَرُ الرفعِ الذي قد انفَصَلْ … أكِّدْ به كلَّ ضميرٍ اتَّصَلْ
والخلاصة: أن الضمير البارز المنفصل يأتي توكيدًا لفظيا لكل أنواع الضمائر مستترة أو بارزة ومتصلة أو منفصلة.
توكيد الحروف لفظيا:
هناك حروف يطلق عليها اسم "حروف الجواب" (٢)، إذ يجاب بها عن كلام سابق غالبا ما يكون سؤالا، ومن أشهرها في العربية "نَعَمْ، لا، بَلَى" ويشبه الحرف "نعم" حروف أخرى استعملت في الفصحى هي "أَجَلْ، إي، جَيْرِ".
- هذه الحروف السابقة إذا أكدت تأكيدا لفظيا تعاد ألفاظها نفسها يقول لك السائل "هل تنبه العربُ لضرورةِ وَحْدَتِهم!! " فتجيب "نَعَمْ نَعَمْ تنبهوا لذلك" أو يقول السائل "هل استسلَم العربُ لنكسةٍ
стр. 592
عارضةٍ في حياتهم؟ " فتجيب: "لا، لا، لم يستسلموا لذلك" ومن هذا ما مرّ من قول جميل:
لا لا أبوح بِحُبِّ بثْنَةَ إنها … أخذتْ عَلَيَّ مَوَاثِقًا وعُهُودا
فإذا كان الحرف من غير حروف الجواب وهي كثيرة، فإنه يؤكد لفظيا بطريقة خاصة هي: أن يعاد الحرف مرة أخرى لكن بشرط أن يتصل بحرف التوكيد ما اتصل بالحرف المؤكَّد، كقول المتهم أمام القاضي: "إنَّني إنَّني بريءٌ" وقوله وهو يحكي: "في حياتي في حياتي قصة مروعة".
وما ورد على غير ما سبق من الشواهد فهو نادر أو شاذ، ومن ذلك قول الشاعر:
إنَّ إنَّ الكريمَ يحْلُمُ ما لم … يَرَينْ مَنْ أجَارَهُ قد ضِيمَا (١)
وقول مسلم بن معبد وقد نهبت إبله في الصَّدَقة:
بكتْ إبلِي وحُقَّ لها البكاءُ … وفرَّقها المظالِمُ والعَدَاءُ
فَلَا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بي … ولا لِلِمَا بهمْ أبدًا دواءُ (٢)
стр. 593
توكيد الضمير المرفوع المتصل بالنفس والعين:
هذه صورة خاصة من صور التوكيد المعنوي تجتمع فيها الصفتان التاليتان:
أ- أن يكون المؤكَّد ضميرا متصلا مرفوعا.
ب- أن يكون التوكيد من ألفاظ المجموعة الأولى وهي: "النَّفْس، العَيْن" حينئذٍ لا يصلح التوكيد المباشر بهذين اللفظين، بل لا بد أن يؤكد أولا الضمير المتصل بضمير منفصل، ثم يؤتى بعد ذلك بلفظ من هذين اللفظين "النفس، العين"، فلنلاحظ:
- قَاوِمُوا أنتم أنفسُكم عدوَّكم.
كلام صحيح؛ لوجود الضمير المنفصل.
- وتمسَّكُوا أنتم أعينُكم بحريتكم وأرضكم.
كلام صحيح؛ لوجود الضمير المنفصل.
- وتَلَاقَوْا أنفسُكم حَولَ رغبة الجهاد.
كلام خطأ؛ لعدم وجود الضمير المنفصل.
- وتجَمَّعُوا كلُّكم حولَ رايةِ الجهاد.
كلام صحيح؛ لأنه لا يشترط معه الضمير المنفصل.
توكيد النكرة توكيدًا معنويًّا:
لقد اشترط في مجموعات ألفاظ التوكيد المعنوي -كما سبق- أن تكون مضافة لضمير يعود للمؤكَّد، وما لا يضاف منها إلى ضمير -كالمجموعة الأخيرة- اعتبر -لدى النحاة- مضافا تقديرًا، ومعنى ذلك أن هذه الألفاظ من المعارف، ولكي تتطابق مع ما تؤكده يجب أيضا أن يكون معرفة مثلها.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الأصل في المؤكَّد أن يكون معرفة ولا يكون نكرة، وهذا اتجاه له أنصاره بين النحاة.
لكن .. هناك اتجاه آخر من رأيه أن النكرة يمكن أن تؤكَّد بشرط أن يتصف أسلوب توكيدها بالصفتين التاليتين:
стр. 594
أ- أن يكون المؤكَّد النكرة دالا على زمن محدود، بمعنى أنه موضوع لمدة لها ابتداء وانتهاء، مثل: "أسبوع، شهر، حول، سنة، عام، يوم".
ب- أن يكون التوكيد لفظ "كلّ، جميع" فقط.
وقد استند هذا الرأي الأخير على ورود ذلك في الشعر والنثر الفصيح ومن ذلك:
- قول عبد الله بن مسلم:
لكنه شَاقَهُ أنْ قِيلَ ذا رَجَبُ … يا ليتَ عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّه رَجَبُ (١)
- قول عائشة عن رسول الله "ما صَامَ رسولُ الله ﷺ شهرًا كلَّه إلّا رمضانَ".
ولورود ذلك في الشعر والنثر قَبِلَهُ من يُعتدّ بهم من النحاة بالصفتين السابقتين.
يقول ابن مالك:
وإنْ يُفِدْ تَوْكيدُ منْكورٍ قُبِلْ … وعن نُحاةِ البَصرة المنْعُ شَمِلْ
ويقول ابن هشام أيضا: وإذا لم يفد توكيد النكرة، لم يجز باتفاق وإن أفاد جاز عند الكوفيين، وهو الصحيح. ا. هـ.
стр. 595
عطف البيان:
١ - المقصود بعطف البيان لدى اللغويين والنحاة وما يفيده لمتبوعه من معانٍ نحوية وبلاغية.
٢ - ما يتطابق فيه عطف البيان مع متبوعه في وجوه التطابق العشرة.
٣ - الموازنة بين عطف البيان والنعت.
٤ - الموازنة بين عطف البيان والبدل.
معنى عطف البيان:
كان الصدِّيقُ أبو بكر نحيلَ الجسم، ولكنه ذو إرادةٍ قوية.
وكان أميرُ المؤمنين عمرُ من أعدلِ العادلين، ومع ذلك ماتَ مظلومًا.
ويعتبر الخليفةُ معاويةُ أوّلَ من خرج على سَنَن الخلفاء الراشدين في الحكم.
في حياتنا الدارجة نقول: "اعطف عَلَيَّ" بمعنى: عدْ إليَّ حنونا رحيما.
ونقول أيضا: "عنده عطف على أبنائه وأقاربه" بمعنى: أنه ينظر في شئونهم ويعاملهم بالرفق والرحمة، فكأن اللفظ يفيد في الاستعمال العادي النظر إلى شخص أو شيء لإصلاح شأنه وكفايته.
يقول القاموس: العطف هو الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، ومن ذلك قولهم: "عَطَفَ الفارسُ على قِرْنِه" بمعنى: عاد إلى من يساويه في الشجاعة بقصد الصراع والغلبة ا. هـ وفي هذا أيضا عود لآخر للنظر في أمره من حيث الشجاعة أو غيرها.
أما لدى النحاة فيقصد به: التابع الجامد الذي يكشف قصد المتكلم من المتبوع ببيانه وشرحه ا. هـ.
стр. 596
ومن ذلك في الأمثلة السابقة "الصدِّيق أبو بكر، أمير المؤمنين عمر، الخليفة معاوية" فكلمة "أبو بكر" عطف بيان لكلمة "الصدِّيق" وكذلك كلمة "عمر" عطف بيان بعد "أمير المؤمنين" وأيضا كلمة "معاوية" عطف بيان بعد "الخليفة" ومن البيّن أن الكلمات "أبو بكر، عمر، معاوية" أسماء جامدة جاءت بعد متبوعها، فبيّنته تماما، ووضحت المقصود منه وشرحته. ولهذا يسمى هذا التابع "عطف بيان" لأن الثاني يشبه أن يكون مرادفا؛ لأن الذات المدلول عليها باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان" ا. هـ.
ومن استعمالات عطف البيان التي تتردد على ألسنتنا "خليل الله إبراهيم، كليم الله موسى، المسيح عيسى بن مريم، خاتم الأنبياء محمد، ذو النورَيْن عثمان، الإمام عَلِيّ بن أبي طالب، سيد الشهداء الحسين، السيدة أم هاشم، السيد أحمد البدوي، المرسي أبو العباس، أم المؤمنين عائشة، ذات النّطاقين أسماء، ربة الجمال فينوس، حيَّة النيل كليوباترة، المعرِّي أبو العلاء، المتنبي أحمد بن الحسين، شاعر الرسول حسّان، أمير الشعراء شوقي، شاعر النيل حافظ، كاتب الشرق العقاد، عميد الأدب العربي طه حسين، الإمام مالك، الشيخ الرئيس ابن سينا".
- ومن شواهده:
قول القرآن: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (١).
قول القرآن: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (٢).
стр. 597
قول أحد الرجاز يتحدث عن عمر بن الخطاب:
أقسمَ باللهِ أبو حَفْصٍ عُمَرْ
ما مَسَّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ
فاغفِرْ له اللَّهم إن كان فَجَرْ (١)
ما يفيده عطف البيان نحويًّا وبلاغيًّا:
يفيد عطف البيان نحويا غرضين رئيسين هما:
الأول: توضيح المعرفة: تقول: "مدحَ القرآنُ المسيحَ عيسى بن مريم وذمَّ اليهودَ، إذ آذَوْا كليمَ الله موسى".
الثاني: تخصيص النكرة: تقول: "نحن الآن في جَوِّ ربيع، وكنا قبل ذلك في طَقس شتاء" ومن ذلك قول القرآن: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (٢).
هذا الغرضان السابقان لا يخلو عطف البيان من أحدهما في أي جملة تحتوي عليه، لكنه -مع ذلك- يفيد أغراضا أسلوبية أخرى تُهِمُّ دارس البلاغة لا دارس النحو، ومن هذه الأغراض مثلا:
стр. 598
١ - المدح: كما نقول: "كان من شهداءِ أُحُد حمزةُ عَم الرسول".
٢ - الذم: كما تقول: "كان من قَتْلَى بدْر أبو جهل رأسُ الكفر".
إلى غير ذلك من الأغراض التي يدل عليها سياق الكلام والأسلوب الذي وردت فيه.
ما يتطابق فيه عطف البيان مع متبوعه:
يتطابق عطف البيان مع متبوعه في الأمور الآتية:
أ- أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، فيتبعه في واحد منها
ب- التعريف والتنكير: فإن كان المتبوع معرفة كان عطف البيان معرفة وإن كان المتبوع نكرة، كان عطف البيان نكرة مثله.
ج- الإفراد والتثنية والجمع: فيتطابق معه في العدد إفرادا أو تثنية أو جمعا.
د- التذكير والتأنيث، فيتطابق معه في النوع.
فلنطبق وجوه التطابق السابقة على النصائح التالية:
يا صديقي الطالب الحياةُ فرصة فاغتنمْها.
يا صديقتي الفتاة زينتُك الأخلاقُ، فتمسكي بها.
يا أصدقائي الطلاب، المستقبلُ لكم، فاعملوا له.
وعلى ذلك، يمكن أن يقال: إن عطف البيان يتوافق مع متبوعه في أربعة من عشرة، بمعنى أن أيّ مثال يحمل دائما أربع صفات من صفات التطابق العشرة، واحدة من أوجه الإعراب الثلاثة، والثانية من التعريف والتنكير، والثالثة من الإفراد والتثنية والجمع، والرابعة من التذكير والتأنيث فيصدق عليه ما سبق أن عرفناه عن "النعت الحقيقي" تماما.
стр. 599
الموازنة بين عطف البيان والنعت:
من العرض السابق تتضح -بأدنى تأمل- وجوه الموازنة بين النعت وعطف البيان، فهما يتفقان في أمرين، ويفترقان أيضا في أمرين، فهما يتفقان في الآتي:
١ - الأغراض التي يفيدها كل منهما لمتبوعه نحوا وبلاغة.
٢ - وجوه التطابق بين النعت الحقيقي ومتبوعه تماثل وجوه التطابق بين عطف البيان ومتبوعه.
وهما يفترقان في الآتي:
١ - أن النعت اسم مشتق أو مؤول به، أما عطف البيان فاسم جامد دائما.
٢ - أن النعت يوضح المتبوع ببيان صفة من صفاته، أما البيان فيكشف قصد المتكلم من المتبوع ببيانه.
الموازنة بين عطف البيان والبدل:
هناك علاقة وثيقة بين البدل وعطف البيان، فكل اسم صح إعرابه "عطف البيان" يصلح في الوقت نفسه أن يكون "بدل كُلّ من كُلّ".
جاء في "قطر الندى" نصًّا: كل اسم صح الحكم عليه بأنه عطف بيان مفيد للإيضاح أو للتخصيص، صح أن يحكم عليه بأنه بدل كُلٍّ من كُلّ ا. هـ.
تقول: "إن هذا الوطنَ حبيبٌ إلينا، ففوق هذه الأرضِ عاش آباؤنا وتحت هذه السماءِ تعاقبت أجيالنا".
وتقول "من أئمة النحو الأعلام سيبويهِ عَمْرُو بن قنبر، وجلالُ الدين عبد الرحمن السّيوطي".
стр. 600
هذا هو الأصل، كل ما صلح عطف بيان صلح بدل كلّ من كلّ.
لكن يستثنى من هذا الأصل ما عُبِّر عنه بقولهم: "إن لم يمتنع إحلالُه مَحَلَّ الأول".
ومعنى هذه العبارة: أن الاسم الثاني -التابع- لا يمكن وضعه موضع الأول -المتبوع- حينئذٍ يكون هذا الاسم عطف بيان، ولا يصح بدلا.
ويندرج تحت هذا الأصل العام الأمثلة والشواهد التالية:
- قولنا: "يا ربنا الرَّجاء" أو: "يا عَلِيّ الرِّضا" وما يرد في كتب النحو من: "يا زيدُ الحارث".
- قول المرّار بن سعيد:
أنا ابنُ التارِكِ البكريِّ بِشْرٍ … عليه الطيرُ ترقُبُه وُقُوعًا (١)
- قول طالب بن أبي طالب: