← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2099

النحو المصفى

محمد عيد

Полный текст (712 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ومن ذلك في الأمثلة السابقة "الصدِّيق أبو بكر، أمير المؤمنين عمر، الخليفة معاوية" فكلمة "أبو بكر" عطف بيان لكلمة "الصدِّيق" وكذلك كلمة "عمر" عطف بيان بعد "أمير المؤمنين" وأيضا كلمة "معاوية" عطف بيان بعد "الخليفة" ومن البيّن أن الكلمات "أبو بكر، عمر، معاوية" أسماء جامدة جاءت بعد متبوعها، فبيّنته تماما، ووضحت المقصود منه وشرحته. ولهذا يسمى هذا التابع "عطف بيان" لأن الثاني يشبه أن يكون مرادفا؛ لأن الذات المدلول عليها باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان" ا. هـ. ومن استعمالات عطف البيان التي تتردد على ألسنتنا "خليل الله إبراهيم، كليم الله موسى، المسيح عيسى بن مريم، خاتم الأنبياء محمد، ذو النورَيْن عثمان، الإمام عَلِيّ بن أبي طالب، سيد الشهداء الحسين، السيدة أم هاشم، السيد أحمد البدوي، المرسي أبو العباس، أم المؤمنين عائشة، ذات النّطاقين أسماء، ربة الجمال فينوس، حيَّة النيل كليوباترة، المعرِّي أبو العلاء، المتنبي أحمد بن الحسين، شاعر الرسول حسّان، أمير الشعراء شوقي، شاعر النيل حافظ، كاتب الشرق العقاد، عميد الأدب العربي طه حسين، الإمام مالك، الشيخ الرئيس ابن سينا". - ومن شواهده: قول القرآن: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (١). قول القرآن: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (٢).

стр. 597

قول أحد الرجاز يتحدث عن عمر بن الخطاب: أقسمَ باللهِ أبو حَفْصٍ عُمَرْ ما مَسَّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغفِرْ له اللَّهم إن كان فَجَرْ (١) ما يفيده عطف البيان نحويًّا وبلاغيًّا: يفيد عطف البيان نحويا غرضين رئيسين هما: الأول: توضيح المعرفة: تقول: "مدحَ القرآنُ المسيحَ عيسى بن مريم وذمَّ اليهودَ، إذ آذَوْا كليمَ الله موسى". الثاني: تخصيص النكرة: تقول: "نحن الآن في جَوِّ ربيع، وكنا قبل ذلك في طَقس شتاء" ومن ذلك قول القرآن: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (٢). هذا الغرضان السابقان لا يخلو عطف البيان من أحدهما في أي جملة تحتوي عليه، لكنه -مع ذلك- يفيد أغراضا أسلوبية أخرى تُهِمُّ دارس البلاغة لا دارس النحو، ومن هذه الأغراض مثلا:

стр. 598

١ - المدح: كما نقول: "كان من شهداءِ أُحُد حمزةُ عَم الرسول". ٢ - الذم: كما تقول: "كان من قَتْلَى بدْر أبو جهل رأسُ الكفر". إلى غير ذلك من الأغراض التي يدل عليها سياق الكلام والأسلوب الذي وردت فيه. ما يتطابق فيه عطف البيان مع متبوعه: يتطابق عطف البيان مع متبوعه في الأمور الآتية: أ- أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، فيتبعه في واحد منها ب- التعريف والتنكير: فإن كان المتبوع معرفة كان عطف البيان معرفة وإن كان المتبوع نكرة، كان عطف البيان نكرة مثله. ج- الإفراد والتثنية والجمع: فيتطابق معه في العدد إفرادا أو تثنية أو جمعا. د- التذكير والتأنيث، فيتطابق معه في النوع. فلنطبق وجوه التطابق السابقة على النصائح التالية: يا صديقي الطالب الحياةُ فرصة فاغتنمْها. يا صديقتي الفتاة زينتُك الأخلاقُ، فتمسكي بها. يا أصدقائي الطلاب، المستقبلُ لكم، فاعملوا له. وعلى ذلك، يمكن أن يقال: إن عطف البيان يتوافق مع متبوعه في أربعة من عشرة، بمعنى أن أيّ مثال يحمل دائما أربع صفات من صفات التطابق العشرة، واحدة من أوجه الإعراب الثلاثة، والثانية من التعريف والتنكير، والثالثة من الإفراد والتثنية والجمع، والرابعة من التذكير والتأنيث فيصدق عليه ما سبق أن عرفناه عن "النعت الحقيقي" تماما.

стр. 599

الموازنة بين عطف البيان والنعت: من العرض السابق تتضح -بأدنى تأمل- وجوه الموازنة بين النعت وعطف البيان، فهما يتفقان في أمرين، ويفترقان أيضا في أمرين، فهما يتفقان في الآتي: ١ - الأغراض التي يفيدها كل منهما لمتبوعه نحوا وبلاغة. ٢ - وجوه التطابق بين النعت الحقيقي ومتبوعه تماثل وجوه التطابق بين عطف البيان ومتبوعه. وهما يفترقان في الآتي: ١ - أن النعت اسم مشتق أو مؤول به، أما عطف البيان فاسم جامد دائما. ٢ - أن النعت يوضح المتبوع ببيان صفة من صفاته، أما البيان فيكشف قصد المتكلم من المتبوع ببيانه. الموازنة بين عطف البيان والبدل: هناك علاقة وثيقة بين البدل وعطف البيان، فكل اسم صح إعرابه "عطف البيان" يصلح في الوقت نفسه أن يكون "بدل كُلّ من كُلّ". جاء في "قطر الندى" نصًّا: كل اسم صح الحكم عليه بأنه عطف بيان مفيد للإيضاح أو للتخصيص، صح أن يحكم عليه بأنه بدل كُلٍّ من كُلّ ا. هـ. تقول: "إن هذا الوطنَ حبيبٌ إلينا، ففوق هذه الأرضِ عاش آباؤنا وتحت هذه السماءِ تعاقبت أجيالنا". وتقول "من أئمة النحو الأعلام سيبويهِ عَمْرُو بن قنبر، وجلالُ الدين عبد الرحمن السّيوطي".

стр. 600

هذا هو الأصل، كل ما صلح عطف بيان صلح بدل كلّ من كلّ. لكن يستثنى من هذا الأصل ما عُبِّر عنه بقولهم: "إن لم يمتنع إحلالُه مَحَلَّ الأول". ومعنى هذه العبارة: أن الاسم الثاني -التابع- لا يمكن وضعه موضع الأول -المتبوع- حينئذٍ يكون هذا الاسم عطف بيان، ولا يصح بدلا. ويندرج تحت هذا الأصل العام الأمثلة والشواهد التالية: - قولنا: "يا ربنا الرَّجاء" أو: "يا عَلِيّ الرِّضا" وما يرد في كتب النحو من: "يا زيدُ الحارث". - قول المرّار بن سعيد: أنا ابنُ التارِكِ البكريِّ بِشْرٍ … عليه الطيرُ ترقُبُه وُقُوعًا (١) - قول طالب بن أبي طالب:

стр. 601

أيَا أخَويْنَا عبدَ شمسٍ ونَوْفَلَا … أُعيذُكُمَا باللهِ أنْ تُحْدِثَا حَرْبا (١) ففي الأول لا يصح وضع الكلمات "الرجاء، الرضا، الحارث" موضع المنادى، لأن فيها "أل". وفي الثاني لا يمكن وضع "بشر" موضع "البكري" إذ يترتب عليه إضافة الوصف المقترن "بأل" للخالي منها. وفي الثالث: لا يمكن وضع "عبد شمس ونوفلا" موضع المنادى، لأن الثاني منصوب، وكان يجب بناؤه على الضم. خاتمة: بعض استعمالات عطف البيان في الكلام العربي: من مواضع عطف البيان في الكلام العربي ما يلي: - الاسم المقترن "بأل" بعد أسماء الإشارة: تقول: "إن هذه الأمةَ العربية واحدة، يربطُ بينها هذا اللسانُ المبين وتلك العواطفُ المشتركة". - استعمال الاسم العلم مع اللَّقب: تقول: "من النساء الشهيرات في الإسلام الصِّدِّيقةُ عائشةُ وذاتُ النِّطاقَين أسماء، وكلتاهما من ولد الصِّدِّيقِ أبي بكر".

стр. 602

- استعمال الاسم العلَم مع الكنية تقول: "من النساء الشهيرات في عصرنا الحاضر أمُّ كلثوم فاطمةُ". - استعمال الكلمة مفسرة لغيرها، سواء مع استعمال الحرف "أي" أو بدونه، تقول وأنت تفسر بعض كلمات أحد النصوص: يقصد بالخِبّ: الخدّاع، الأنام أي: الناس، فكل من الكلمتين "الخدّاع، الناس" عطف بيان لما فسرته.

стр. 603

عطف النسق: ١ - المقصود بعطف النسق لدى اللغويين والنحاة. ٢ - حروف العطف ومعانيها، وهي "الواو، الفاء، ثُمَّ، حتى، أم، أو، بل، لكنْ، لا". ٣ - من مسائل عطف النسق ما يلي: أ- العطف على الضمائر بأنواعها المختلفة. ب- العطف في الأفعال. عطف النسق: مصطلح نحوي مكون من كلمتين "عطف ونسق" والمقصود بالعطف -كما سبق- الرجوع إلى الشيء للنظر في شأنه، أما النسق؛ فيقصد به هنا "النظم" فإن الاسم المعطوف يُنظم مع المعطوف عليه في طريقة واحدة من حيث الإعراب والمعنى. ويصف النحاة عطف النسق بقولهم: هو التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف ا. هـ. ومن البيّن أن فهم اللغويين له يتكامل مع فهم النحاة، فبينما يصف النحاة الصورة اللفظية التي يرد عليها، يتضح من التسمية اللغوية -عطف النسق- ما يترتب على الصورة اللفظية من أحكام نحوية هي المشاركة في الإعراب والمعنى، فلنلاحظ الأمثلة الآتية: يتحمل اليهودُ والعربُ معًا مسئوليةَ مأساةِ فلسطين. ضاعت من العرب تحت الضغطِ والفرقة. بينما قام اليهود برسمِ الهدفِ فالهجرةِ فالاحتلالِ.

стр. 604

ففي هذه الأمثلة أسماء معطوفة في المثالين الأولين بحرف "الواو" وفي المثال الأخير بحرف "الفاء" وكل اسم معطوف يتحقق له ما سبق ذكره من أنه يشارك ما قبله في الإعراب المعنى. من ذلك التفسير السابق تُفهم العبارة النحوية المشهورة عن جملة العطف وهي "أن تصلح لصنع جملتين مستقلتين منها" نظرًا لاشتراك كل من المعطوف والمعطوف عليه في الأمرين السابقين -الإعراب والمعنى- ولعل هذا يفسر تسمية سيبويه لهذا الباب في كتابه بأنه "باب الشّرِكَة". حروف العطف ومعانيها: تمهيد: حروف العطف -على ما هو مشهور- عشرة أحرف هي "الواو، الفاء، ثم، حتى، أم، أو، بل، لكن، لا، إما" لكن الحرف الأخير "إما" موضع أخذ ورد كثير، ومثاله ما ورد في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فقد قال ابن عقيل بعد أن أورد الآية: وليست "إمَّا" هذه عاطفة خلافا لبعضهم؛ وذلك لدخول الواو عليها وحرف العطف لا يدخل على حرف العطف ا. هـ. وعلى هذا النهج سار كثير من النحويين، فتركوا هذا الحرف ولم يتعرضوا له في حروف العطف، واعتبروها تسعة أحرف فقط. هذا وقد أسهبت كتب مسائل النحو في الحديث عن معاني هذه الحروف التسعة، والمناقشات حول هذه المعاني، بحيث إن هذا الباب كله يمكن اعتباره حديثا عن معاني هذه الحروف. والحق أن المعاني التي تذكر لهذه الحروف كقولهم مثلا: "ثم: للترتيب والتراخي" أو قولهم: "حتى: للتدريج والغاية" دراسة أسلوبية حيث يتضح

стр. 605

من خلالها معنى هذه الحروف في الأساليب التي وردت بها، فهي إذن من اختصاص دارس البلاغة لا دارس النحو. وعلى ذلك، كان من المنتظر أن يترك هنا -في دراستنا النحوية- الحديث عن هذه القضية التي شغلت الكثير من الصفحات في غير اختصاصها إذ يكفي دارس النحو أن يعلم أن هذه الحروف المذكورة تشرك ما بعدها مع ما قبلها في الإعراب والوظيفة النحوية. والحق أنني هممت أن أترك هذا البحث تماما، لولا أن بعض هذه المعاني يرتبط به أحيانا أمور نحوية في الجملة التي بها العطف أو في العطف بها وذلك مثل الحروف" أم، أوْ، بلْ، لكِنْ" حيث يعطف ببعضها بعد النفي أو الإيجاب -وهذه معانٍ نحوية- كما أن بعضها الآخر يكون عاطفا أو غير عاطف مثل "أمْ" وأن ذلك مرتبط بمعانيها كما سيأتي. من أجل ذلك نسوق هذه المعاني -دون إسهاب ولا اضطراب- مع ذكر أمثلة وشواهد لهذه الحروف التسعة، وربما كان ذكر هذه الأمثلة والشواهد أهم -في نظري- من ذكر معاني هذه الحروف، وإليك إذن هذه الحروف ومعانيها. ١ - الواو: مطلق الجمع: المقصود من ذلك أنها تجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في حديث واحد وهذا معناها فقط، فلا يفهم منها تأخر المتأخر ولا تقدم المتقدم ولا العكس ولا تصاحبهما معا. قال السيرافي: أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين على أن الواو للجمع من غير ترتيب ا. هـ.

стр. 606

تقول: "ذاكرتُ النَّحوَ والأدبَ" ونقول: "يَوْمِي مُوَزّع بين اللَّعِبِ والجدِّ والهدوءِ والحركةِ والعملِ والراحة". فلنتأمل الشواهد التالية: - قول القرآن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ (١) الترتيب على الأصل. - قول القرآن: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٢) الترتيب على خلاف الأصل. - قول القرآن: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) الترتيب على خلاف الأصل. - قول القرآن: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ (٤) المعطوف والمعطوف عليه متصاحبان. ٢ - الفاء: الترتيب والتعقيب: معنى "الترتيب" أن المعطوف عليه يحدث أولا، والمعطوف يحدث بعده، ومعنى "التعقيب" أن الثاني يحدث بعد الأول مباشرة بحسب ظروفه تقول: "طريق الشاب الناجح واضح، الدراسة، فالتخرج، فالعمل" جاء في قطر الندى: وتعقيب كل شيء بحسبه، فإذا قلت: "دخلتُ البصرةَ فبغدادَ، وكان بينهما ثلاثة أيام، ودخلت بعد الثالث" فذلك تعقيب في

стр. 607

مثل هذا عادة، فإذا دخلت بعد الرابع أو الخامس، فليس بتعقيب، ولم يجز الكلام ا. هـ. ٣ - ثُمَّ: الترتيب والتَّراخِي: أما "الترتيب"؛ فقد سبق معناه، وأما "التراخي"؛ فمعناه أن هناك مهلة بين المعطوف والمعطوف عليه، تقول: "ينحصر العام الدراسي بين بَدْءِ الدّارسة ثم الامتحانِ" وتقول: "حضرتُ للكلية في الصباح، ثم عدتُ لمنزلنا في المساء". ٤ - حتَّى: التدريج والغاية: ومعنى "التدريج" أن ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا إلى أن يبلغ إلى الغاية وهو الاسم المعطوف، ومعنى "الغاية" آخر الشيء ونهايته، تقول: "وَسِعَ قلبُ الرسول كلَّ الناس حتى العصاةَ، وشملَ عدلُ عمرَ كلَّ الرعيةِ حتى الظلمةَ"، وجاء في "مغني اللبيب": وتكون حرف عطف مثل "الواو" في المعنى والعمل بشرط أن يتحقق لجملتها الصفات الآتية: أ- أن يكون المعطوف بها اسما ظاهرا، كما هو واضح في الأمثلة السابقة. ب- أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه، كما ترى في الأمثلة السابقة. ج- أن يكون المعطوف بها غاية في الزيادة أو القلة، أي نهاية في الكمال أو النقص، وقد يكون كل منهما حسيًّا أو معنويًّا، كما ترى في الأمثلة التالية: - فالغاية في الزيادة الحسية كقولنا: "تصدَّقَ المحسنُ بالأعدادِ الكثيرةِ حتَّى الألوف".

стр. 608

- والغاية في الزيادة المعنوية كقولنا: "ماتَ الناسُ حتى الأنبياءُ". - والغاية في القلة الحسية كقولنا: "الله يُحصِي الأشياءَ حتى مثقالَ الذّرة". - والغاية في القلة المعنوية كقولنا: "غلبكَ الناسُ حتى الصبيانُ". وقد اجتمعت الغايتان -الزيادة والقلة- في قول أبي دؤاد الإيادي: قَهَرْنَاكُمُ حتَّى الكُمَاةَ، فأنتم … تَهَابُونَنَا حتَّى بَنِينَا الأصَاغِرَا (١) ٥ - أمْ: المتّصلة والمنقطعَة: يأتي هذا الحرف "أم" على الصور التالية: الأولى: أن يتقدم الجملة التي وردت فيها "همزة الاستفهام" ويكون القصد من الجملة تعيين واحد من اثنين فيها، تقول: "آلواجبَ الشاقَّ تفضّلُ أم الراحةَ الرخيصةَ؟ وأَعنْ حبِّ الناس تبحثُ أم عن احترامِهم؟؟ ". وتسمى همزة الاستفهام هذه "همزة التعيين" -والحرف "أم" لعطف المفرد غالبا- ويأتي بعد الهمزة ما يُسأل عنه، وبعد "أمْ" ما يقابله. الثانية: أن يتقدم الجملة التي وردت فيها "همزة الاستفهام" على أن تسبق

стр. 609

الهمزة بكلمة "سواء" ويكون القصد من الجملة استواء أمرين متقابلين فيها تقول: "الإنسانُ النظيفُ يؤدي الواجبَ سواءٌ أثقلَ عِبْئُه أم هانَ وهو يبحث عن الاحترام سواءٌ أكرِهَهُ الناسُ أمْ أحبُّوه" ومن ذلك قول القرآن: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١)، وقول متمم بن نويرة في رثاء أخيه "مالك": ولستُ أبَالِي بعد فَقْدِيَ مَالِكًا … أَمَوْتِيَ ناءٍ أم هو الآن وَاقعُ (٢) فإن جملة "لست أبالي" تساوي تمامًا كلمة "سواء" في المعنى. وتسمى همزة الاستفهام هنا "همزة التسوية"، والحرف "أم" لعطف الجمل الاسمية أو الفعلية التي تؤول بعد ذلك -فيما يقال- بمصادر متعاطفة. الثالثة: ما كانت في غير الصورتين السابقتين، ويكون القصد من الجملة التي وردت فيها صرف النظر عن الكلام السابق عليها، والاتجاه إلى ما ورد بعدها، كقولك: "هل يستوي السموُّ والخسة أم هل يستوي النفع والضرر". وقول القرآن: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٣) وقول عمر بن أبي ربيعة:

стр. 610

ألا ليت أنِّي يومَ تُقْضَى مَنِيَّتِي … لَثَمْتُ الذي ما بين عينيك والفَمِ وليت طَهُورِي كان ريقَكِ كلَّه … وليتَ حَنُوطِي من مُشَاشِك والدّمِ وليت سُلَيْمَى في المنام ضجيعتي … هنالك أم في جنةٍ أم جهنّمِ (١) والحرف "أم" في هذه الصورة "حرف ابتداء" ويعبر عنه المعربون بقولهم "حرف يفيد الإضراب" ومعناه الإضراب عما سبقه والاتجاه لما بعده، ولذلك تعتبر الجملة التي بعده جملة جديدة مستقلة. وبناء على ما سبق يمكن فهم المقصود من وصف "أم" بأنها متصلة أو منقطعة. فالمتصلة: هي ما كان الكلام بعدها ذا صلة بما قبلها، ويتحقق هذا في الصورتين الأولى والثانية، وهذه عاطفة كما سبق. والمُنْقَطِعَة: ما كان الكلام بعدها لا صلة له بما قبلها، لصرف النظر

стр. 611

عما قبلها، ويتحقق هذا في الصورة الأخيرة، وهذه حرف ابتداء لا صلة لها بالعطف. ٦ - أوْ: وتأتي بالمعاني الخمسة الآتية: أولا: التخيير: كقولنا في موقف النصيحة "كنْ شجاعًا أو جبانًا وعشْ كريمًا أو بخيلًا" وكقولك لصديقك: "إذا عدتَ من الكلية للبيت فقُمْ بالمذاكرةِ أو النومِ" ويمثل النحاة لذلك بقولهم: "تزوَّجْ هندًا أو أختَها". ثانيا: الإباحة: كقول الخطيب الواعظ: "أشفِقْ على المساكينِ أو الضعفاءِ واحتقر المنافقين أو الأدعياءَ" وكما تقول لصديقك: "اذهبْ إلى الحديقةِ أو السينما" ويمثل النحاة لذلك بقولهم: "جالس العلماءَ أو الزهادَ". قال ابن هشام عن التخيير والإباحة: والفرق بينهما أن التخيير يأبى جواز الجمع بين ما قبل "أو" وما بعدها، والإباحة لا تأباه" ا. هـ. وهذان المعنيان تأتي لهما "أو" بعد الطلب، وبخاصة ما دل منه على الأمر. ثالثا: الشك: كقولك: "قمت من النوم مروّعا على صوت أنينٍ أو استغاثةٍ وحِرْتُ في تحديد ذلك بين الوهْمِ أو الحقيقةِ" وتقول لصديقك: "زرتُك أمس حوَالي الثانيةِ أو الثالثةِ" ويحكي القرآن عن أهل الكهف قولهم حين استيقظوا من نومهم الطويل: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (١). رابعا: التشكيك أو الإبهام: لنفترض محاورة بين أحد العلماء المسلمين وأحد الأجانب الباحثين عن المعرفة، يذكر فيها العالم المسلم في بداية حديثه ما يلي:

стр. 612

- يا سيدي، يدعو الإسلام إلى العِلْم والتدبير أو الجهل والتسليم. - والقرآن من عند الله أو من كلام محمد. - سنتناقش في ذلك لنعرف الحقَّ أو الباطلَ. فلا شك أن العالم المسلم يعرف حقيقة الأمر فيما ردده من أمور متقابلة لكنه -في موقف المحاورة- يعمّي الأمر على المخاطب، بقصد الاستدراج له إلى النقاش، ثم الوصول معه إلى الحقيقة. خامسا: الإضراب: ويقصد به صرف النظر عما سبقها، والاتجاه لما يأتي بعدها، فتكون "حرف ابتداء" كقول جرير يخاطب هشام بن عبد الملك: ماذا تَرَى في عيال قد بَرِمْتُ بهم … لم أُحْصِ عدَّتَهم إلَّا بِعَدَّاد كانوا ثمانين أوْ زادوا ثمانيةً … لولا رجاؤُك قد قتّلتُ أولادي (١) والمعاني الثلاثة الأخيرة تأتي لها "أو" بعد الخبر لا الطلب. ٧ - لكِن: ويعطف بها في النفي والنهي، ويكون معناها حينئذٍ إقرار الكلام قبلها.

стр. 613

على ما هو عليه من نفي أو نهي وإثبات نقيضه لما بعدها، تقول: "ما سافرتُ يومَ الخميس لكن يوم الجمعة" وتقول أيضا: "لا تُصاحب الأشرارَ لكن الأخيارَ" ومن المعلوم أن ضد النفي الإثبات وضد النهي الأمر. هذا إذا جاء بعدها مفرد، فإن جاء بعدها جملة كاملة، فهي حينئذٍ حرف ابتداء لا عطف، وعلى ذلك ورد قول زهير بن أبي سلمى: إنَّ ابنَ وَرْقَاءَ لا تُخْشَى بوادره … لكنْ وقائعُه في الحربِ تنتظرُ (١) ٨ - لَا: وهي على العكس تماما من "لكن" إذ يعطف بها بعد الإثبات والأمر ويكون معناها إقرار ما قبلها على ما هو عليه من إثبات أو أمر، وإثبات نقيضه لما بعدها، تقول: "سافرتُ صباحًا لا مساءً"، و"اسمع النصيحةَ الصَّادقةَ لا الرّياءَ الكاذبَ". ٩ - بَل وتأتي في صورتين: الأولى: أن تكون مثل "لكن" تماما بمعنى أن يعطف بها بعد النفي النهي، ويكون معناها حينئذٍ إقرار ما قبلها على ما هو عليه من نفي أو نهي

стр. 614

وإثبات نقيضه لما بعدها، تقول: "لا يغش الصديقُ بل المنافقُ"، ونقول: "لا تُنصتْ للغشاشين بل المخلصين". الثانية: أن تأتي بعد الإثبات أو الأمر، وتفيد حينئذٍ ما يطلق عليه "الإضراب" ومعناه صرف النظر عن الكلام السابق عليها لتقرير هذا السابق عليها نفسه لما بعدها، تقول: "زارني صديقي أحمدُ بل صديقي محمدٌ"، وتقول: "ليحضر إليِّ منكم اثنان بل ثلاثة". ويتلخص أمر هذه الحروف الثلاثة فيما يلي: - لكن: يعطف بها بعد النفي أو النهي، فيكون لما بعدها ضد ذلك وهو الإثبات والأمر. - لَا: يعطف بها بعد الإثبات والأمر، فيكون لما بعدها ضد ذلك وهو النفي والأمر. - بَل: يعطف بها بعد النفي والنهي، فتكون مثل "لكن" تماما، ويعطف بها بعد الإثبات والأمر، فتفيد معنى "الإضراب". وبعد: فلعله قد اتضح بعد هذا الشوط الطويل مع حروف العطف ومعانيها ما سبق أن قلته من أن الحديث عن هذه المعاني دراسة أسلوبية لولا ما يترتب عليها من حديث نحوي سواء فيما يتعلق بالجملة قبلها أم العطف بها. العطف على الضمائر المختلفة: سبق -غير مرة- أن الضمائر مستترة وبارزة وأن البارزة منها المتصلة والمنفصلة، والمتصلة تأتي مرفوعة ومنصوبة ومجرورة، أما المنفصلة فمنها ضمائر رفع وضمائر نصب فقط.

стр. 615

المهم هنا أن يذكر أن معظم الضمائر في عطف النسق حكمها حكم الأسماء الظاهرة، فكما تقول: "الإنسان الحقُّ من له عقلٌ صريحٌ وضميرٌ نظيفٌ" تقول أيضًا: "أنا وصديقي نتعاملُ بفكرٍ مستنيرٍ وقلبٍ مفتوحٍ" ويقول القرآن: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ (١). لكن يستثنى من ذلك صور خاصة في العطف على الضمير لا بد أن تتوافر في جملتها صفات معيَّنة حين العطف عليها، وهي ما يلي: الصورة الأولى: أن يكون الضمير المعطوف عليه مستترا، وحينئذٍ يسبق حرف العطف توكيده بضمير منفصل، تقول: "أبذلُ أنا والزملاءُ غايةَ الجهد في الفهمِ والمذاكرة" ومن قول القرآن: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢). هذا هو الأصل في الضمير المستتر، أن يؤكد بضمير منفصل قبل العطف عليه، ومع ذلك فقد وردت شواهد لا تتحقق لها هذه الصفة، إذ عطف فيها على الضمير المستتر دون توكيد، وهذا نادر في اللغة وضعيف في الاستعمال ومن ذلك: - ما ورد عن العرب من قولهم: مررتُ برجل سواءٍ والعدم (٣). - قول جرير يهجو الأخطل:

стр. 616

ورَجَا الأخَيْطلُ من سفاهةِ رأيِه … ما لم يكنْ وأبٌ له لِيَنَالَا (١) الصورة الثانية: أن يكون الضمير المعطوف عليه متصلا مرفوعا، وحينئذٍ يسبق حرف العطف أيضا توكيده بضمير منفصل، تقول: "ذهبتُ أنا والأسرةُ للمصيف في الإسكندرية" قال القرآن: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢). قال النحاة: ويصح في هذه الصورة أن يكون الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه شيء آخر غير الضمير المنفصل، وهذا ما عبر عنه ابن مالك بقوله "أو فاصل ما" ومن ذلك: - قول القرآن: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ (٣). - قول القرآن: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ (٤). هذا هو الأصل في الضمير المرفوع المتصل حين العطف عليه أن يؤكد بضمير منفصل أو يفصل بينه وبين ما عطف عليه بغير هذا الضمير، ومع ذلك فقد وردت نصوص من الشواهد لا تتحقق لها هذه الصفة؛ إذ عطف على الضمير المرفوع المتصل دون توكيد ولا فصل، وذلك نادر في اللغة وقليل في الاستعمال.

стр. 617

- روي عن ابن عباس قال: إني مع قوم ندعو الله لعمر بن الخطاب -وقد وضع على سريره- إذا رجل من خلفي مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله، إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرا ما كنت أسمع الرسول ﷺ يقول: كنت وأبو بكر وعمر وانطلقْتُ وأبو بكر وعمر، قال ابن عباس: فالتفتُّ فإذا هو عَلِيّ بن أبي طالب. الصورة الثالثة: أن يكون الضمير متصلا مجرورا، وحينئذٍ لا يصح العطف عليه إلا بإعادة الجار، تقول: "اللهُ غفورٌ رحيمٌ، فاتجهت إليه وإلى رحمتِه"، ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١). هذا هو الأصل أن يعاد الخافض مع المعطوف حين العطف على الضمير المتصل المخفوض، ومع ذلك فقد وردت بعض الشواهد لا تتحقق لها هذه الصفات، فورد العطف على الضمير المتصل المخفوض دون إعادة الخافض، وذلك قليل في اللغة، ومن ذلك: - ما ورد من قراءة الآية: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (٢)، بجر كلمة "الأرحام". - قول الشاعر: فاليومَ قَرَّبْتَ تهجونا وتشتُمنا … فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَبِ (٣)

стр. 618

والخلاصة في هذا الموضوع كله ما يأتي: أولا: أن الضمير بأنواعه المختلفة حكمه في العطف عليه كالاسم الظاهر لا فرق في ذلك بين الاثنين. ثانيا: يستثنى من ذلك ما يلي: أ- الضمير المستتر حين العطف عليه، وهذا يؤكد قبل العطف عليه بضمير منفصل، وما ورد غير ذلك نادر. ب- الضمير المرفوع المتصل حين العطف عليه، وهذا يؤكد قبل العطف عليه بضمير منفصل أو فاصل آخر، وما ورد غير ذلك نادر. ج- الضمير المجرور المتصل، وهذا يعطف عليه مع إعادة الجار، وما ورد غير ذلك قليل في اللغة. العطف في الأفعال: من المعلوم أن الأفعال ثلاثة "ماضٍ ومضارع وأمر" وأقدم هنا الملاحظات التالية حولها في عطف النسق: أ- إذا عطف فعل أمر على أمر آخر فليس من عطف الأفعال أو بعبارة أخرى: ليس من عطف المفردات، بل هو من عطف الجمل أقول: "ذاكِرْ واجتهدْ واترك الباقِيَ لله" فهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات وكذلك الشأن في كل فعل يستتر فيه الضمير وجوبا. ب- قال ابن هشام نصا: ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما سواء اتحد نوعاهما أم اختلفا ا. هـ. ومعنى ذلك أنه يُعطف ماضٍ على ماضٍ ومضارع على مضارع أو يعطف مضارع على ماضٍ والعكس بشرط أن يتحدا في الزمن وإن اختلفا في الصيغة.

стр. 619

تقول: "تَدَثَّرَ فنام المُجْهَدُ" وتقول: "يُحيي ويُميتُ ربُّ الناس" ومن ذلك: - قول القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ (١). - قول القرآن: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢). ج- يمكن العطف بين الفعل وما يشبه الفعل من الأسماء -كاسم الفاعل أو المفعول- تقول "يسمعُ الحاكم العادلُ رأيَ الرعيَّةِ ومستجيبٌ لطلباتهم" ومن ذلك: - قول القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ (٣). - قول الراجز "جندب بن عمرو": يا ليتني عَلِقتُ غيرَ حَارِجْ قبل الصّباحِ ذاتَ خَلْقٍ بارِجْ أُمَّ صبيٍّ قد حَبَا أو دارِجْ (٤)

стр. 620

البدل: ١ - المقصود بالبدل لدى اللغويين والنحاة. ٢ - صور البدل التي يرد عليها في اللغة هي: "بدل الكل من الكل، بدل البعض من الكل، بدل الاشتمال، بدل البَدَاء، بدل النّسيان، بدل الغلط". ٣ - البدل والمبدل منه من حيث الإظهار والإضمار. ٤ - البدل في الأفعال والجمل. معنى البدل: دوَّخَ سيفُ الله خالد قُوادَ عصرِه، ومات على فراش بيته. كان ذو النّورين عثمانُ رقيقَ القلبِ، فطمِعَ فيه أقرباؤه. وضربَ سيدُ الشهداء الحسينُ مَثَلًا رائعا لاحترام المبدأ. تتردد كلمة "البدل" ومشتقاتها بيننا في الحياة العادية، فتقول لمن أعطاك شيئا، فضاع منك: "سأعطيك بَدَلَه" أي شيئا يساويه في القيمة يعوضك عن فقده، وتقول حين الرغبة في إرسال إنسان في بعض الأمور ولم يحضر "سأذهب بَدَلًا منه" أي: سأقوم بالمهمة عوضا عنه. فكلمة "البدل" في اللغة معناها "العِوَض"، جاء في القاموس: بدل الشيء وبديله: الخلف منه، وبادله مبادلة: أعطاه مثل ما أخذ منه ا. هـ. ومن ذلك ما جاء في القرآن: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا﴾ (١) بمعنى: يعوضنا وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً﴾ (٢) بمعنى: استعاضوا عن

стр. 621

الإيمان بالكفر، فضلّوا وأضلوا قومهم. أما تحديد البدل لدى النحاة، فتكاد كتب النحو تتفق على عبارة واحدة هي: البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة ا. هـ. ومن هذه العبارة السابقة تفهم الصفتان للاسم الذي يقع بدلا وهما: أ- أن البدل -في حقيقة الأمر- هو الذي يتجه إليه المعنى الذي في الجملة، والمبدل منه ما هو إلا تمهيد له وطريق إليه، فالمقصود بالحكم في الأمثلة السابقة هو "خالد، عثمان، الحسين" ومهد لكل منها على التوالي "المتبوع" وهو "سيف الله، ذو النُّورين، سيد الشهداء". وبالصفة السابقة يفترق البدل عن النعت والتوكيد وعطف البيان، فإن المعنى في الجمل التي ترد فيها يتجه إلى المتبوع، وهي مكملة له، بخلاف "البدل" فإن المعنى يتجه إليه هو نفسه، فلنطبق ذلك على الأمثلة الآتية: دوّخ سيفُ الله خالدُ قوادَ عصره ومات على فراشِ بيته. أسلوب البدل. دوّخ سيفُ الله المسلولُ قوادَ عصرِه ومات على فراشِ بيته. أسلوب النعت. دوَّخ سيفُ الله نفسُه قوادَ عصره ومات على فراش بيته. أسلوب التوكيد. مع ملاحظة أن المثال الأول يصلح أيضا أن يكون لعطف البيان لكن يكون المعنى متجها للاسم الأول "سيف الله" والثاني "خالد" موضح له، بعكس البدل -كما قدمنا- فإن المعنى متجه للثاني والأول تمهيد له، وبذلك نفهم تحديد النحاة له "المقصود بالحكم". ب- أن البدل يكون بعد المبدَل منه بغير واسطة، وهذا بخلاف العطف بالحروف إذ يتحقق بواسطة هي حرف بين المعطوف والمعطوف عليه، فالمعطوف وإن كان مقصودا أيضا بمعنى الجملة إلا أنه بواسطة هي حرف

стр. 622

العطف، بخلاف البدل، فحين نقول مثلا: "ألتقي مع الزملاء في الكلية صباحًا ومساءً" تكون كلمة "مساء" مقصودة أيضا بمعنى الجملة كالبدل في جملته، لكن بواسطة حرف العطف، ومن ذلك نفهم ما جاء في تحديده من أنه "بلا واسطة". وخلاصة الأمر أن البدل يتميز عن غيره من التوابع بهاتين الصفتين: قصده بالحكم وبغير واسطة. وعلى ذلك ينبغي فهم الملاحظتين التاليتين عنه: الأولى: أنه ما دام مقصودا بالمعنى، فإنه يمكن الاستغناء عن "المبدل منه" ووضع "البدل" موضعه ويستقيم معنى الجملة، تقول: "شكرتُ الصديقَ معروفَه" فيمكن الاستغناء عن الكلمة الأولى ووضع الثانية موضعها، فتكون الجملة: "شكرتُ معروفَ الصديقِ" ولا خلل فيها، وتقول: "تأمَّلْتُ الحديقةَ أشجارَها" فيمكن أن تقول: "تأملتُ أشجارَ الحديقةِ" بالاستغناء عن المبدل منه ووضع البدل موضعه، وهذه الطريقة -الاستغناء عن المبدل منه ووضع البدل مكانه- هي العلامة الذهنية المميّزة للتعرف على أسلوب البدل. الثانية: أنه ما دام المقصود بالمعنى هو الكلمة الثانية فما فائدة الكلمة الأولى في هذا الأسلوب؟؟، إن الفائدة من ذكر المبدل منه في الكلام هو التمهيد والتهيئة لذكر الثانية، فكأنك ذكرت الجملة مرتين، مرة مجملة ومرة أخرى واضحة محددة، فيكون المقصود النهائي من الجملة أرسخ في الذهن وهذا هو السر في قولهم "البدل في حكم تكرير العامل". صور البدل في اللغة: باستقراء النحاة للغة وجدوا أن البدل يَرِدُ على الصور التالية: بدل الكُلّ من الكُلّ: وهو بدل الشيء مما هو طِبْق معناه، ولهذا

стр. 623

يسمى أحيانا "البدل المطابق" بأن يكون الاسم الثاني -البدل- هو عين الاسم الأول، تقول "نَظَمَ أبو عبد الله محمدٌ بن مالك ألفيته الشهيرة في النحو" أو "ضربَ أبو الشهداءِ الحسين مَثَلًا رائعا للتضحية في سبيل المبدأِ". ومن ذلك قول القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). بدل البعض من الكلّ: يقصد به أن يكون البدل جزءا من المبدل منه تقول: "قطعت الطريقَ نصفَه" أو "ذاكرت الليلَ ثُلُثَيه" أو "ارتفعت العمارةُ دوران منها" ومن ذلك قول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ (٢). وفي هذه الصورة يكون في البدل ضمير يعود على المبدل منه. بدل الاشتمال: يقصد به -كما يقول ابن عقيل- الدال على معنى في متبوعه، ومعنى ذلك أن متبوعه يشتمل على معناه، وأن هذا المعنى قائم به تقول: "أفادني الأستاذُ علمُه" وتقول: "هداني القمرُ ضوؤه" فمن البيّن أن "الأستاذ" تنسب له معانٍ كثيرة ومنها "العلم" فهو يحمل العلم، والعلم قائم به، ومن البيّن أن "للقمر" معاني كثيرة ومنها "الضوء" فهو مصدر الضوء للأرض، والضوء منسوب إليه، وفي هذه الصورة يكون في البدل ضمير المبدل منه. هذا هو معنى الاشتمال الذي يسمى به هذا البدل، فالبدل معنى من المعاني يشتمل عليه متبوعه، ولا داعي بعد ذلك لذكر ما خاض فيه النحاة عن معنى هذه الكلمة "الاشتمال" فإن لذلك حديثا طويلا لا يضر جهله. ومن ذلك قول القرآن: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٣). وأيضا قول القرآن: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ (٤).

стр. 624

بدل البداء: البداء، معناه اللغوي الظهور والوضوح، ويقصد بهذا النوع من البدل إذن: ظهور أمر آخر للمتكلم بعد أن لم يكن ظاهرا له فيصرف النظر عن الأمر الأول بعد قصده إلى ذلك الأمر الجديد الذي بدا له، تقول مثلا: "قصد الظمآن ماءً سرابًا" وتقول: "غَفَوْتُ الليلةَ ساعتين ساعةً"، فمن البيّن أن المتكلم قصد الاسم الأول في المثالين، ثم بدا له غير ذلك، فعدل عنه إلى الاسم الأخير، ولهذا يطلق على هذا البدل اسم "بدل الإضراب". بدل الغَلَط: يقصد به أن يقصد المتكلم أمرا من الأمور، فيسبق لسانه إلى أمر آخر، ثم يتبين له غلطه، فيعدل عنه إلى الصحيح، تقول مثلا: "قابلت أستاذ النحوِ الأدبِ" إذا كنت قد قصدت "الأدب" فسبق لسانك إلى "النحو" وتقول أيضا: "أضاءتْ لي النجومُ القمرُ" إذا كنت قد قصدت "القمر" فسبق لسانك لذكر "النجوم" ثم تبين لك الغلط، وهذا أمر كثيرا ما يحدث لنا في حياتنا أثناء الكلام العادي. بدل النِسْيَان: يقصد به أن يذكر الإنسان شيئا نتيجة السهو الذهني ثم يتبين له وجه الصواب، فيذكره أيضا، فيسمى هذا "بدل النسيان" أي بدلا من اللفظ الذي ذكر سهوا، تقول: "حضرت من طنطا الإسكندرية" إذا كان ذكر "طنطا" كان عن طريق السهو، ثم تبين السهو، فذكرت "الإسكندرية". يقول: "ابن هشام" عبارة مفيدة للتفريق بين النوعين الأخيرين وهي: وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان، واللسان متعلق بالجنان ا. هـ "الجنان: العقل".

стр. 625

البدل والمبدل منه من حيث الإظهار والإضمار: تصور كل من البدل والمبدل منه ظاهرًا أو ضميرًا يتحصل منه أربع صور بأن يكونا ظاهرين أو مضمرين أو مختلفين، الأول مضمر، والثاني ظاهر أو العكس، فهذه أربع صور، لكن الذي استعملته اللغة من هذه الأربع صورتان فقط هما: الأولى: إبدال الظاهر من الظاهر -كما مر من الأمثلة- وكقولنا: "ممن ناصروا الرسولَ عمُّه أبو طالب وزوجُه خديجة، وممن آذَوه عمُّه أبو جهل وجارتُه حمالةُ الحطب". الثانية: إبدال الظاهر من الضمير، وفيه التفصيل الآتي: أ- إذا كان الضمير للغيبة جاز البدل مطلقا، كقولك: "أحترمهم جميعا الزّملاءَ والزميلاتِ" ومن ذلك: - قول القرآن: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١)، الذين: بدل من واو الجماعة، بدل بعض من كل "في بعض الآراء". - قول القرآن: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (٢)، "أن أذكره" مصدر مؤول بدل من ضمير الغيبة في "أنسانيه" بدل اشتمال. ب- إذا كان الضمير للمتكلم أو المخاطب، والبدل بعض أو اشتمال جاز البدل أيضا، ومما ورد تأييدا لذلك قول النابغة الجعدي في حضرة الرسول: بَلَغْنَا السماءَ مَجْدُنَا وسَنَاؤُنَا … وإنَّا لنرجو فوق ذلك مَظهَرا (٣) فإن "مجدُنا" بدل من ضمير المتكلمين فيِ "بلغنا" بدل اشتمال

стр. 626

ج- إذا كان الضمير للمتكلم أو المخاطب، فلا يصح أن يأتي منه بدل الكل من الكل إلا إذا دل على إحاطة، بمعنى أن يبين البدل المقصود من الضمير بيانا شاملا لكل أفراده، عندئذٍ فقط يصح مجيء بدل الكل من ضمير المتكلم والمخاطب، كما جاء في القرآن: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ (١). البدل في الأفعال والجمل: لعلَّه أمر غير جديد أن يكرر هنا مرة أخرى أن الأصل في التوابع أن تكون في الأسماء المفردة، وما خرج عن هذا الأصل يشار إليه في مكانه كمجيء التوكيد اللفظي في الحروف والأفعال والجمل، وكذلك العطف في الأفعال والجمل، وهنا أيضا فيِ "باب البدل". أ- يمكن إبدال الفعل من الفعل، تقول: "إن تصم تمتنع عن المفْطِرَاتِ تَنَلْ ثواب الله" وتقول: "إنْ تُصل تسجد لله فتلك عبادة"، ومن ذلك ما أورده سيبويه من قول الشاعر: إنّ عَلَيّ اللهَ أن تُبَايعَا … تُؤخَذَ كرْهًا أو تَجيءَ طائعا (٢) ب- تجيء الجملة أيضا بدلا من الجملة، ومن ذلك قول الشاعر: أقولُ له ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عندنا … وإلَّا فكُن في السرِّ والجهرِ مُعلنا (٣) فجملة "لا تقيمن" بدل من جملة "ارحل" وهي بمعناها كما ترى.

стр. 627

عمل الأفعال في الجملة: ١ - المقصود بالمصطلحات النحوية الأربعة "الناقص، التام" و "اللازم، المتعدي". ٢ - ما يتفق كل من اللازم والمتعدي في أدائه في الجملة نحويًّا. ٣ - الأفعال المتعدّية مع المفعول به واحدا أو أكثر. ٤ - الأفعال اللازمة والنصب على نزع الخافض. الناقص: هو مصطلح خاص بنوعين من النواسخ -مر الحديث عنهما- "كان وأخواتها، كاد وأخواتها" ويقصد به -كما سبق- ما لا يكتفي بمرفوعه إذ لا بد له من المنصوب وهو خبره، كقولنا: "صار الصّعبُ سهلا" وكذلك ما نسب إلى عَلِيّ ﵁: "كاد الفقرُ أن يكونَ كُفرا". التام: هذا المصطلح يطلق على الأفعال باعتبارين: أحدهما: ما يطلق عليه الناقص من الأفعال النواسخ، ومعناه -كما سبق أيضا- ما يكتفي بمرفوعه ولا يحتاج لمنصوب، كما جاء في الأثر: "كان اللهُ ولا شيءَ معه فخلق السماواتِ والأرضَ" وتقول أيضا: "انتهيتُ من العمل أو أوْشَكْتُ". ثانيهما: ما يقابل الناقص من الأفعال، ومعناه حينئذٍ هو: ما كان من الأفعال غير ناقص، مثل الأفعال "قام، جلس، انتصر، التقى، فهم، سمع". وينبغي أن يلاحظ أن الناقص لا شأن له بما نحن بصدده من الحديث عن عمل الأفعال؛ لأنه يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفع أحدهما، وينصب الآخر، فهو صورة خاصة مر الحديث عنها في مكانها.

стр. 628

كما ينبغي أن نلاحظ ثانيا أن الفعل الناقص إذا استعمل تاما، فإنه حينئذٍ يدخل في باب الفعل اللازم الذي يكتفي بمرفوعه -كما سيأتي- فيكون جملة مكونة من فعل وفاعل. كما ينبغي أن يلاحظ ثالثا أن معنى "التام" على الاعتبار الأخير يشمل المصطلحين التاليين "اللازم، المتعدي" إذ تندرج الأفعال اللازمة والمتعدية كلها تحت مصطلح "التمام". اللازم: يسمى أيضا "القاصر" والمراد ما يقتصر على الفاعل، ولا يتجاوزه إلى المفعول به لينصبه، أو ما يأتي معه بعد الفاعل جار ومجرور له صلة به تقول مثلا: "التقى الجمعان فانتصرت الشجاعةُ والمبدأ وانهزم الجبنُ والتخاذلُ" وتقول أيضا: "التقيتُ بصديقي وذهبنا للنزهة". المتعدّي: ويسمى أيضا "المجاوِز" وهو ما ينصب بعده المفعول به واحدًا أو أكثر من واحد، كقولك: "أرسلت خطابا وجاءني الرد" وكذلك: "رأيتُ الهدى حقًّا فاتبعته، وعلمتُ الباطلَ ضلالًا فاجتنبته". ما يتفق اللازم والمتعدي في أدائه في الجملة: كلا الفعلين اللازم والمتعدي يشتركان -أو يتفقان- في أنهما يؤديان في الجملة الفعلية التي يردان فيها الأمرين التاليين: أولا: أنهما يرفع بعدهما الفاعل ما داما واردين على صيغتهما الأصلية فتقول: "أقلَعَت السفينةُ من الميناء، وأخذتْ طريقها في البحر". فإذا بني الفعل للمجهول رفع النائب عن الفاعل، تقول: "أُعْلِنَت النتيجةُ وزُفَّ الخبرُ إليّ" ويمثل ذلك قول القرآن: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ثانيا: أن كلا من اللازم والمتعدى يأتي معه الأسماء المنصوبة -ما عدا

стр. 629

المفعول به- فكل منهما يأتي بعده المفاعيل الأربعة الباقية: المفعول المطلق، المفعول لأجله، المفعول معه، وكذلك الحال والتمييز والمستثنى. تقول مثلا: "فرحتُ فَرحًا لا يُوصف؛ ابتهاجًا بصديقي يومَ عَوْدَتِه من الخارج بعد غُرْبةٍ طويلة" وكذلك تقول: "ذاكرتُ مذاكرةَ المتَأنّي؛ رغبةً في الفهم والتحصيل مستعينا على ذلك بالصبر والاستمرار". فمن البيّن أن الفعل الأول "فرح" فعل لازم، وقد جاء في جملته -على الترتيب- مفعول مطلق "فرحا" ثم مفعول لأجله "ابتهاجا" ثم مفعول فيه "يوم" و"بعد"، وفي المثال الثاني الفعل متعدٍّ وهو "ذاكر" وقد جاء في جملته -على الترتيب- مفعول مطلق "مذاكرة" ومفعول لأجله "رغبة" وحال "مستعينا" وكلها -كما نعلم- أسماء منصوبة جاءت مع الفعل اللازم والمتعدي. والخلاصة أن كلا الفعلين -اللازم والمتعدي- يأتي بعدهما الأسماء المرفوعة وكذلك الأسماء المنصوبة ما عدا المفعول به فإنه خاص بالمتعدي. الأفعال المتعدية مع المفعول به: قال ابن هشام في شذور الذهب نصا: "وقد قسمت الفعل بحسب المفعول به تقسيما بديعا ا. هـ". والحق أنه تحدث عن هذا الموضوع بطريقة رائعة بحيث يمكن أن أضيف إلى كلمته السابقة القول: "بأن هذا التقسيم لم يُسْبَقْ به ولم يلحق به" وفي هذه الفكرة ينبغي الاعتراف بمتابعته بصورة عامة وإن اختلف منهج العرض وأسلوبه وأمثلته. فالفعل المتعدي -بحسب المفعول به- يأتي في أقسام ثلاثة رئيسية ويندرج تحت كل قسم منها صور من الأفعال وهي: الأول: ما ينصب بعده مفعول به واحد فقط. الثاني: ما ينصب بعده مفعولان.

стр. 630

الثالث: ما يُنصب بعده ثلاثة مفعولات. ما يُنْصَبُ بعده مفعول واحد: يأتي على الصور الثلاث الآتية: ١ - ما يأتي بعده مفعول دائما ولا يتخلف عنه، وذلك كثير جدا من الأفعال، مثل "سمع، أجاب، صلّى" كقولك: "سمعتُ الأذانَ، فأجبْتُ الدُّعاءَ، وصليتُ الفريضةَ". ٢ - ما يأتي بعده مفعول به ينصب أحيانا ويجر بحرف الجر أحيانا أخرى، ومن ذلك "شكر، نصح، قصد" تقول: "شكرتُ المعروفَ" أو "شكرتُ للمعروفِ" وتقول: "نصحتُ الصديقَ" أو "نصحتُ للصديقِ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ (١)، و: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (٢). ٣ - ما يأتي بعده مفعول به منصوب، وقد لا يوجد المفعول بالمرة، فيكون الفعل حينئذٍ لازما، ومن ذلك "فَغَر" نقول: "فَغَرَ فَاه" إذا فتحه أو "فغر فُوه" انفتح. ما يُنْصَب بعده مفعولان: ويأتي أيضا على الصور الثلاث الآتية: ١ - ما يأتي بعده مفعولان منصوبان، وقد ينقطع عنهما فيستعمل فعلا لازما، ومن ذلك الفعلان "زاد، نقص" تقول "زدتُ الوزنَ قنطارا". وأيضا قول القرآن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (٣)، وتقول: "زاد ماءُ النيل، فزاد الخيرُ وعمَّ" وتقول أيضا:

стр. 631

"نقص قدْرُ البخيلِ بين الناس"، و"نقصتُ الغاشَّ درجاتٍ". ٢ - ما يأتي بعده مفعولان أولهما منصوب دائمًا، وثانيهما قد يأتي منصوبًا وقد يأتي مجرورا بحرف الجر، والمشهور من ذلك عشرة أفعال هي "أَمَرَ. استغْفَرَ، اخْتَارَ، صَدَّقَ، زَوَّجَ، كَسَى، سَمّى، دَعا، كَالَ، وَزَنَ" فلنطبق ذلك على الشواهد التالية: - قول عمرو بن معد يكرب: أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به … فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ (١) - قول القرآن: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢). - قول الآخر: أستغفرُ اللهَ ذنبًا لستُ مُحْصِيَه … ربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ (٣)

стр. 632

- قول الشاعر: وسمَّيتُهُ يحيى لِيَحْيَا فلم يكنْ … لأمرٍ قَضاهُ الله في الناسِ من بُدِّ (١) - قول القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٢). - قول القرآن: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣). ٣ - ما يأتي بعده مفعولان منصوبان دائما؛ وهو نوعان: الأول: ما ليس أصل المفعولين المبتدأ والخبر، وهي الأفعال "كَسَا، أَلْبَس، أعْطى، مَنَح" تقول: "أعطيتُ الوفاءَ حقَّه، ومنحتُ الواجبَ شرفَه" ونقول: "ألْبست الفتاةُ الجمالَ خُلقًا فكستْهُ جلالًا". الثاني: ما أصل المفعولين المبتدأ والخبر، وذلك باب "ظنَّ وأخواتها". سواء الأفعال الدالة على القلوب أو التَّصيير، وقد سبق الحديث عن هذا الباب في نواسخ المبتدأ والخبر. ما ينصب بعده ثلاثة مفعولات: وهو الأفعال "أعْلَم، أرَى، أنْبأ، نَبَّأ، أخْبَر، خبَّرَ، حدَّثَ" وقد تقدم ذكر هذا الباب في النواسخ أيضا. النَّصبُ على نزع الخافض: هذا تعبير شائع بين المعربين، إذ يصفون أحيانا بعض الكلمات المنصوبة

стр. 633

بقولهم: "منصوب بنزع الخافض" ولهذا التعبير أصل يتعلق بما نحن بصدده في دراسة اللازم والمتعدي. لقد مر في معرفة الفعل اللازم أنه قد يقتصر على الفاعل بعده، كقولنا: "ارتقى المجدُّ" و"وانتصرَ المثابرُ" وقد يأتي بعده الجار والمجرور، كقولك: "ارتقى المجدُّ إلى غايته" "انتصرَ المثابرُ على كلِّ صعب". وفي هذه الصورة الأخيرة -الجار والمجرور- يمكن أن يستغنى عن حرف الجر، وينصب المجرور بعده، ويطلق عليه حينئذٍ أنه "منصوب على نزع الخافض". ويتحقق النصب على نزع الخافض في النثر والشعر على النحو التالي: أولا: التوسع في الكلام المنثور -وأكثر ما يأتي في أسماء المكان المختصة- كقولك: "ذهبتُ الشّامَ" و"دخلتُ الدارَ" و"صلَّيْتُ المسجدَ" و"سرتُ الطريقَ". ثانيا: لغة الشعر الخاصة وما تفرضه من ترك حرف الجر، ومن ذلك الشواهد التالية: - قول جرير: تمرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا … كلامُكُم عَلَيَّ إذنْ حَرَامُ (١)

стр. 634

- قول عمر بن أبي ربيعة: غضبتْ أن نظرتُ نحو نساءٍ … ليس يعرفْنَنِي مَرَرْنَ الطريقَا (١) هذا، ويقول النحاة عن النوعين السابقين بأن ذلك سماعي لا يقاس عليه، والحق أنه لا حاجة لهذا التضييق والتوقف على ما ورد عن العرب؛ لأن حاجة الناثر للتوسع وحاجة الشاعر للغته الخاصة لا تتوقف على عصر دون عصر، ولا قائل دون آخر، فالأحسن -إن لم يجانبني الصواب- أن يباح ذلك لأصحاب الحاجة إليه نثرا أو شعرا. ثالثا: يطّرد ترك حرف الجر مع الحروف المصدرية الثلاثة "أنْ، أنَّ، كي" تقول: "تألمتُ أنْ أصبتَ وفرحتُ أنَّك نجوتَ، وجئت كي أهنئَك". ومن ذلك: - قول القرآن: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢). - قول الفرزدق: وما زرتُ ليلى أن تكونَ حبيبةً … إليَّ ولا دينٍ بها أنا طَالِبُه (٣)

стр. 635

وتؤول هذه الحروف المصدرية مع ما بعدها بمصدر منصوب على نزع الخافض "طبق هذا على الأمثلة والشواهد". يقول ابن عقيل عن هذا الموضوع كله "وحاصله أن الفعل اللازم يصل إلى المفعول بحرف الجر، ثم إن كان المجرور غير "أنّ وأنْ" لم يجز حذف حرف الجر إلا سماعا، وإن كان "أنّ وأنْ" جاز قياسا عند أمْن اللَّبْس ا. هـ.
следующие страницы →