← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20

مختصر تحفة المحتاج بشرح المنهاج

مصطفى سميط

Полный текст (2 142 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وَلَوِ اجْتَمَعَ حُدُودٌ للهِ تَعَالَى قُدِّمَ الْأَخَفُّ فَالْأَخَفُّ. أَوْ عُقُوبَاتٌ للهِ تَعَالَى، وَلِآدَمِيِّينَ قُدِّمَ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى زِنًا، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ، وَأَنَّ الْقِصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى الزِّنَا قطع نحو أنملة؛ لأن الجرح عظيم الخطر وربما أدى إلى الزهوق. (ولو اجتمع حدود لله تعالى) كأن زنى بكرا وسرق وشرب وارتد (قُدِّم) وجوبا (الأخف) منها (فالأخف)؛ حفظا لمحل القتل كحد الشرب ثم بعد برئه منه الجلد ثم بعد برئه القطع فالقتل، ويقدم التغريب على قطع السرقة (١). ولو اجتمع قطع سرقة وقطع محاربة قطعت يده اليمنى لهما ثم رجله للمحاربة، أو قتل زنا وقتل ردة فعل الإمام (٢) الأصلح من الرجم للزنا أو السيف للردة. ولو اجتمعا قتل الزنا وقتل الردة وقتل قطع الطريق قدم قتل قطع الطريق وإن قلنا أنه حد; لأنه حق آدمي. (أو) اجتمع (عقوبات) لله تعالى أو للآدمي واستوت خِفة أو غلظا قدم الأسبق فالأسبق وإلا فبالقرعة أو عقوبات (لله تعالى ولآدميين) كأن كان مع هذه حد قذف وكأن شرب وزنى وقذف وقطع وقتل (قدم) حق الآدمي إن لم يفوت حق الله تعالى أو كانا قتلا فيقدم (حد قذف) وقطع (على) حد (زنا)؛ لأن حق الآدمي مبني على المضايقة، ومن ثم قدم ولو أغلظ كما قال: (وإلا صح تقديمه) أي حد القذف وكذا القطع (على حد الشرب، و) الأصح (أن القصاص قتلا وقطعا يقدم على) حد (الزنا) إن كان رجما بالنسبة للقتل لا القطع كما تقرر تقديما لحق الآدمي بخلاف جلد الزنا وتغريبه وحد الشرب فإنهما يقدمان على القتل؛ لئلا يفوتا. ولو اجتمع مع الحدود تعزير قدم عليها كلها كما علم مما مر; لأنه أخفُّ وحقُّ آدميٍّ.

стр. 1752

كتاب الأشربة كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ. وَحُدَّ شَارِبُهُ إلَّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَحَرْبِيًّا وَذِمِّيًّا وَمُوجَرًا (كتاب الأشربة) حقيقة الخمر عند أكثر أصحابنا المسكر من عصير العنب وإن لم يَقذِف بالزبد فتحريم غيرها قياسي، و لا يكفر مستحل المسكر (١) من عصير غير العنب؛ للخلاف فيه من حيث الجنس؛ لحل قليله على قول جماعة، أما المسكر بالفعل فهو حرام إجماعا بخلاف مستحله من عصير العنب الصرف الذي لم يطبخ ولو قطرة; لأنه مجمع عليه بل ضروري. (كل شراب أسكر كثيره) من خمر أو غيرها ومنه المتخذ من لبن الرمكة (٢) فإنه مسكر مائع كما مر في النجاسات (حَرُم قليله (٣) وكثيره؛ لخبر الصحيحين ((كل شراب أسكر فهو حرام)) (وحُدَّ شاربه) وإن لم يسكر أي متعاطيه؛ لما يأتي أن الحد لا يتوقف على الشرب وإن اعتقد إباحته؛ لضعف أدلته ولأن العبرة في الحدود بمذهب القاضي لا المتداعيين. وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات فلا حد فيها وإن حرمت وأسكرت بل التعزير؛ لانتفاء الشدة المطربة عنها ككثير البنج والزعفران والعنبر والجوزة والحشيشة المعروفة، ولا حد بمذابها الذي ليس فيه شدة مطربة بخلاف جامد الخمر؛ نظرا لأصلهما بل التعزير الزاجر له عن هذه المعصية الدنيئة. ومن أقبح الكبائر استعمال نحو النباتات التي تمسخ البدن والعقل، ولا حجة لمستعملي ذلك في قولهم إن تركنا له يؤدي للقتل فصار واجبا علينا; لأنه يجب عليهم التدرج في تنقيصه شيئا فشيئا وإلا فهم فسقة آثمون لا عذر لهم ولا لأحد في إطعامهم إلا قدر ما يحيي نفوسهم لو فرض فوتها بفقده، وحينئذ يجب على من رأى فاقده وخشي عليه ذلك إطعامه ما يحيا به لا غير كإساغة اللقمة بالخمر الآتية. ويحرم شرب ما ذكر ويحد شاربه (إلا صبيا ومجنونا)؛ لرفع القلم عنهما لكن ينبغي تعزير المميز على قياس ما مر (وحربيا) أو معاهدا؛ لعدم التزامه (وذميا) ; لأنه لم يلتزم بالذمة مما لا يعتقده إلا ما يتعلق بالآدميين (وموجرا) مسكرا مقهرا؛ إذ لا صنع له.

стр. 1753

وَكَذَا مُكْرَهٌ عَلَى شُرْبِهِ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَنْ جَهِلَ كَوْنَهَا خَمْرًا لَمْ يُحَدَّ، وَلَوْ قَرُبَ إسْلَامُهُ فَقَالَ: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهَا لَمْ يُحَدَّ، أَوْ جَهِلْتُ الحَدَّ حُدَّ. وَيُحَدُّ بِدُرْدِيِّ خَمْرٍ، لَا بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيقُهُ بِهَا، وَمَعْجُونٍ هِيَ فِيهِ، وَكَذَا حُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَسَاغَهَا بِخَمْرٍ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا. وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهَا لِدَوَاءٍ (وكذا مكره على شربها على المذهب)؛ لرفع القلم عنه، ويلزمه -ككل آكل أو شارب- حرام تقيؤه إن أطاقه (١)، ولا نظر إلى عذره وإن لزمه التناول; لأن استدامته في الباطن انتفاع به وهو محرم وإن حل ابتداؤه؛ لزوال سببه. ومن حُدَّ ثم شرب المسكر حال سكره في الشرب الأول حُدَّ ثانيا (٢). (ومن جهل كونها خمرا) فشربها ظانا إباحتها (لم يحد)؛ لعذره، ويصدق بعد صحوه بيمينه إذا ادعى هذا أو الإكراه أي وبَيَّن معنى الإكراه إن لم يعلم منه أنه يعرفه (ولو قرب إسلامه فقال جهلت تحريمها لم يحد) ; لأنه قد يخفى عليه ذلك والحد يدرأ بالشبهة، ويؤخذ منه (٣) أن من نشأ بين أظهرنا بحيث تقضي قرينة حاله بأن تحريمها لا يخفى عليه حُدَّ (أو) قال علمت التحريم و (جهلت الحد حُدَّ)؛ إذ كان عليه -إذ علم التحريمَ- أن يتجنبها. (ويحد بدردي خمر) أو مسكر آخر وهو ما يبقى آخر إنائها؛ لأنه منها، وكذا بثخينها إذا أكله (لا بخبز عجن دقيقه بها) ; لأن عينها اضمحلت بالنار ولم يبق إلا أثرها وهو النجاسة (ومعجون هي فيه) وماء فيه بعضها والماء غالب بصفاته؛ لاستهلاكها (وكذا حقنة وسَعوط) لا يحد بهما (في الأصح) وإن حصل منهما إسكار; لأن الحد للزجر ولا حاجة إليه هنا إذ لا تدعو إليه النفس. (ومَن غَص بلقمة) وخاف الهلاك منها إن لم تنزل إلى الجوف ولم يمكنه إخراجها، وخصوص الهلاك شرط للوجوب الآتي لا لمجرد الإباحة (أساغها) وجوبا (بخمر إن لم يجد غيرها)؛ إنقاذا للنفس من الهلاك ولا حد. (والأصح تحريمها) صرفا (٤) (لدواء) لمكلف أو صبي أو مجنون؛ لخبر مسلم أنه ﷺ ((قال لمن سأله أنه يصنعها للدواء أنه ليس بدواء ولكنه داء))، أما مستهلكة مع دواء آخر فيجوز التداوي بها كصرف بقية النجاسات إن عرف

стр. 1754

وَعَطَشٍ، وَحَدُّ الحُرِّ أَرْبَعُونَ، وَرَقِيقٍ عِشْرُونَ، بِسَوْطٍ أَوْ يَدٍ أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ. وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيلَ حَدٌّ. وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، لَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَسُكْرٍ وَقَيْءٍ، أو أخبره عدلُ طِبٍّ بنفعها وتعينها بأن لا يغني عنها طاهر، ويظهر في متنجس بخمر ونجس غيره أنه يجب تقديم هذا. ولو احتيج في نحو قطع يد متآكلة إلى زوال عقله جاز بغير مسكر مائع (و) جوع و (عطش) لمن ذكر ولو لبهيمة; لأنها لا تزيله، بل تزيده حرا؛ لحرارتها ويبوستها، نعم تجوز لمن أشرف على التلف عطشا. ومع تحريمها للدواء والعطش لا حَدَّ بها وإن وجد غيرها؛ للشبهة. [تنبيه] يحرم إسقاؤها الحيوان؛ لأنها تضره سواء للعطش وغيره، والقياس حل إطعامها نحو حشيش وبنج للجوع وإن تخدرت، ويظهر جوازه لآدمي جاع ولم يجد غير ذلك وإن تخدر; لأن المخدر لا يزيد في الجوع. (وحد الحر أربعون)؛ لخبر مسلم الدال على ذلك (ورقيق) أي من فيه رق وإن قل (عشرون) ; لأنه على النصف من الحر، ويجلد ما ذكر القوي السليم (بسوط أو أيد أو نعال أو أطراف ثياب)؛ للاتباع، ولا بد في طرف الثوب من فتله وشده حتى يؤلم، (وقيل يتعين سوط) ; لأن غيره لا يحصل به الزجر. أما النضو ولو خلقة فيجلد بنحو عثكال ولا يجوز بسوط (ولو رأى الإمام بلوغه) أي حد الحر (ثمانين) جلدة (جاز في الأصح)؛ لما مر عن عمر ﵁ لكن الأولى أربعون (والزيادة) على الأربعين (تعزيرات)؛ إذ لو كانت حدا لم يجز تركها لكن لو كانت تعزيرات جازت زيادتها فالوجه (١) أن فيها شائبة من كل منهما، (وقيل حد) أي ومع ذلك لو مات بها ضمن (٢). (ويحد بإقراره أو شهادة رجلين) - وإن لم يقل (٣) مختاراً عالماً -أو علم السيد دون غيره نظير ما مر في السرقة (لا بريح خمر، و) هيئة (سكر وقيء)؛ لاحتمال أنه احتقن أو استعط بها أو أنه شربها مع عذر لغلط أو إكراه وحد عثمان ﵁ بالقيء اجتهاد له.

стр. 1755

وَيَكْفِي فِي إقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ شَرِبَ خَمْرًا، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ. وَلَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ، وَسَوْطُ الحُدُودِ بَيْنَ قَضِيبٍ وَعَصًا وَ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ إلَّا المَقَاتِلَ وَالْوَجْهَ، قِيلَ وَالرَّأْسَ، وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ، وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ، (ويكفي في إقرار وشهادة (شَرِب خمرا) أو شربتُ أو شرب مما شرب منه فلان فسكر وساغ له ذلك في شرب النبيذ; لأنه قد يسمى خمرا شرعا، (وقيل يشترط) في كل من المقر والشاهد أن يقول شربها (وهو عالم) به (مختار) كالشهادة بالزنا، ويزيد أيضا (من غير ضرورة)، ومحل الخلاف حيث لم يَرْتَبْ الحاكم في الشهود وإلا وجب الاستفصال جزما، وقياسه أنه إذا ارتاب في عقل الشارب لزمه ذلك أيضا. (ولا يحد حال سكره) فيحرم ذلك؛ لفوات مقصوده من الزجر مع فوات رجوعه إن كان أقر، فإن حد والحال أنه لم يصر ملقى لا حركة فيه اعتد به، وكذا يجزئ في المسجد وإن كره فيه (١). (وسوط (٢) الحدود) والتعازير يكون (بين قضيب) أي غصن رقيق جدا (وعصا) غير معتدلة (و) بين (رطب ويابس) بأن يعتدل عرفا جرمه ورطوبته؛ ليحصل به الزجر مع عدم خشية نحو الهلاك فيمتنع كونه ليس كذلك; لأنه إما يخشى منه الضرر الشديد أو لا يؤلم (ويفرقه) أي السوط من حيث العدد (على الأعضاء) وجوبا؛ لئلا يعظم ألمه بالموالاة في موضع واحد، ومن ثم لا يرفع عضده حتى يرى بياض إبطه كما لا يضعه وضعا لا يؤلم (إلا المَقَاتِل) كثغرة نحر وفرج؛ لأن القصد زجره لا إهلاكه (والوجه) فيحرم ضربهما؛ لأمر علي كرم الله وجهه بالأول ونهيه عن الأخيرين والرأس فإن جلده على مقتل فمات فلا ضمان، (قيل والرأس)؛ لشرفه، وردَّ بأنه مستور بالشعر غالباً، ومحل الخلاف إن لم يقل طبيب عدل رواية بإضراره ضررا يبيح التيمم وإلا حرم جزما; لأن الحد لا يتوقف عليه، (ولا تشدُّ يده) بل تترك؛ ليتقي بها إن شاء وليضرب غير ما وضعها عليه; لأن وضعها بمحل يدل على شدة تألمه بضربه، ويجلد الرجل قائما والمرأة جالسة، ويحرم إلقاؤه على وجهه بخلاف مده فيكره (ولا تجرد ثيابه) التي لا تمنع ألم الضرب أي يكره ذلك أيضا بخلاف نحو جبة محشوة بل ينبغي وجوب تجريدها إن منعت وصول الألم المقصود، وتؤمر وجوبا أيضا امرأة أو محرم بشد ثياب المرأة عليها كلما تكشفت ولا يتولى الجلد إلا رجل

стр. 1756

وَيُوَالِي الضَّرْبَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتَنْكِيلٌ. فصل يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ ويحسن أن يضرب المتهافت على المعاصي في الملأ وذا الهيئة يضرب في الخلاء. والخنثى كالمرأة لكن لا يتولى نحو شد ثيابها إلا محرم فقط (ويوالى الضرب) عليه (بحيث يحصل) له (زجر وتنكيل) بأن يضرب في كل مرة ما يؤلمه ألماً له وقع ثم يضرب الثانية وقد بقي ألم الأول، فإن فات شرط من ذلك لم يعتد به وحرم. (فصل) في التعزير (يُعَزَّرُ في كل معصية (١) لله أو لآدمي (لا حد فيها) أراد به ما يشمل القود ليدخل نحو قطع طرف (ولا كفارة) سواء كانت تلك المعصية مقدمة لما فيه حد وغيرها إجماعا ولأمره تعالى الأزواج بالضرب عند النشوز ولما صح من فعله ﷺ . وما ذكره المصنف هو الأصل، وقد ينتفي هذا الأصل بأن يفعل معصية لا حد فيها ولا كفارة ولا يعزر عليها كذوي الهيئات -وهم من لم يُعْرف بالشر- على الصغائر فيحرم تعزيرهم؛ للحديث المشهور ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود))، وكمن رأى زانيا بأهله وهو محصن فقتله؛ لعذره بالحمية والغيظ، هذا إن ثبت ذلك وإلا حلّ له قتله باطنا وأقيد به ظاهرا، وكقطع الشخص أطراف نفسه. ولو دخل قوي ما حماه الإمام للضعفة فرعاه حرم وعُزِّر ومنع من الرعي و لكنه لا يغرم، ويؤيده تعزير مخالف تسعير الإمام وإن حرم على الإمام التسعير فهذا أولى، ومثله ما لو حمى أحد الرعية حمى ورعاه فلا يغرم؛ لأنه أحد المستحقين، وكمن قال لمخاصمه ابتداء ظالم فاجر أو نحوه؛ لأن أحدا لا يخلو عنها، وكردة (٢) وقذفه لمن لاعنها وتكليفه قنه ما لا يطيق وضربه تعديا حليلته ووطئها في دبرها أول مرة في الكل، وكالأصل لحق فرعه ما عدا قذفه كما مر، وكتأخير قادر نفقة زوجة طلبتها أول النهار فإنه لا يحبس ولا يُوَكِّل به وإن أثم،

стр. 1757

بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ، وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وكتعريض أهل البغي بسب الإمام. وقد يجامع التعزير الكفارة كمجامع حليلته نهار رمضان، وكالمظاهر، وحالف يمين غموس، وكقتل من لا يقاد به. وقد يجامع الحد وحده أو مع الكفارة كتعليق يد السارق في عنقه ساعة زيادة في نكاله، وكالزيادة على الأربعين في حد الشرب، وكمن زنى بأمه في الكعبة صائما رمضان معتكفا محرما فيلزمه الحد والعتق والبدنة ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة. وقد يوجد التعزير حيث لا معصية كغير مكلف فعل ما يعزر به المكلف أو يحد، وكمن يكتسب باللهو المباح فيعزر المحتسب الآخذ والمعطي؛ للمصلحة، وكنفي المخنث للمصلحة وإن لم يرتكب معصية. ثم التعزير يكون (١) (بحبس أو ضرب) غير مبرح فإن علم أنه لا يزجره إلا المبرح لم يحل المبرح ولا غيره، وعليه فينبغي أنه ينتقل به إلى نوع آخر أعلى من الضرب فإن فرض أن جميع أنواع التعزير لا تفيد فيه كان نادرا فيفعل به أعلاها من غير نظر لذلك (أو صفع) وهو الضرب بجمع الكف أو بسطها (أو توبيخ) باللسان أو تغريب أو كشف رأس أو قيام من المجلس أو تسويد وجه أو حلق رأس أو لحية (٢) وإركابه الحمار منكوسا والدوران به كذلك بين الناس وتهديده بأنواع العقوبات، ويتعين على الإمام أن يفعل من هذه الأنواع في حق كل مُعَزَّرٍ ما يراه لائقا به وبجنايته وأن يراعي في الترتيب والتدريج ما يراعيه في دفع الصائل فلا يرقى لرتبة وهو يرى ما دونها كافيا فـ ((أو)) التي في المتن للتنويع ويصح كونها لمطلق الجمع؛ إذ للإمام الجمع بين نوعين أو أكثر منها بحسب ما يراه. (ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) كما تقرر؛ لأنه غير مقدر شرعا فوكل إلى رأيه واجتهاده؛ لاختلافه باختلاف مراتب الناس والمعاصي. وأفهم كلامه أنه ليس لغير الإمام استيفاؤه، نعم للأب والجد تأديب ولده الصغير والمجنون والسفيه للتعلم وسوء الأدب، ومثلهما الأم ومن نحو الصبي في كفالته. وللسيد تأديب قنه ولو لحق الله تعالى وللمعلم تأديب المتعلم منه لكن بإذن ولي المحجور، وللزوج تعزير زوجته لحقه كالنشوز لا لحق الله تعالى إن كان لا يبطل أو ينقص شيئا من حقوقه، نعم يلزمه (٣) أمر زوجته بالصلاة في

стр. 1758

وَقِيلَ إنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخٌ. فَإِنْ جُلِدَ وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ مِنْ عِشْرِينَ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيعُ المَعَاصِي فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ فَلَا تَعْزِيرَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ تَعْزِيرٍ فَلَهُ فِي الْأَصَحِّ أوقاتها وضربها (١) عليها إن توقف الفعل عليه ولم يخش أن يترتب عليه مشوش للعشرة يعسر تداركه كما أن له تأديب صغيرة للتعلم أو اعتياد الصلاة واجتناب المساوئ (وقيل إن تعلق بآدمي لم يكف توبيخ)؛ لتأكد حقه، وأفتى ابن عبد السلام بإدامة حبس من يكثر الجناية على الناس ولم ينفع فيه التعزير حتى يموت (فإن جلد وجب أن ينقص) عن أقل حدود المعزر فينقص (في عبد عن عشرين جلدة) ونصف سنة في الحبس والتغريب (وحر عن أربعين) جلدة وسنة فيهما (وقيل) يجب النقص فيهما (عن عشرين)؛ لخبر ((من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين))، (ويستوي في هذا) أي النقص عما ذكر في كل قول (جميع المعاصي في الأصح. ولو عفا مستحق حد فلا تعزير (٢) يجوز (للإمام في الأصح)؛ إذ لا نظر له فيه (أو) مستحق (تعزير فله) أي الإمام التعزير (في الأصح)؛ لتعلقه بنظره وإن كان لا يستوفيه إلا بعد طلب مستحقه، والفرق أنه بالعفو يسقط فيبقى حق الإصلاح لينكف عن نظير ذلك وقبل الطلب الإصلاح منتظر فلو أقيم لفات على المستحق حق الطلب وحصول التشفي. [خاتمة] للإمام ترك التعزير لحق الله تعالى إن رآه مصلحة، ولا يجوز تركه إن كان لآدمي عند طلبه كالقصاص .

стр. 1759

كتاب الصيال وضمان الولاة لَهُ دَفْعُ كُلِّ صَائِلٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ. فَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ. وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ، وَيَجِبُ عَنْ بُضْعٍ، (كتاب الصيال وضمان الولاة) والختان وضمان الدابة الأصل فيه قوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ البقرة: ١٩٤. (له) أي الشخص المعصوم، وكذا غيره بالنسبة للدفع عن غير المعصوم، وكذا عن نفسه إن كان الصائل غير معصوم أيضا (دفع كل صائل (١) مكلف وغيره عند غلبة ظن صياله (على) معصوم له أو لغيره من (نفس أو طرف) أو منفعة (أو بضع) أو نحو قُبْلة محرمة. (أو مال) وإن لم يتمول واختصاص، وذلك؛ لما في الحديث الصحيح ((أن من قُتِل دون دمه أو ماله أو أهله فهو شهيد)). وإذا صيل على الكل قدم النفس وما يسري إليها كالجرح فالبضع فالمال الخطير فالحقير إلا أن يكون لذي الخطير غيره، أو صيل على صبي بلواط وامرأة بزنا قدّم الثاني (٢)، ولو قيل إن كانت المرأة في مظنة الحمل قدم الدفع عنها; لأن خشية اختلاط الأنساب أغلظ في نظر الشارع من غيرها وإلا قدم الدفع عنه لم يبعد. (فإن قتله) بالدفع على التدريج الآتي (فلا ضمان) بشيء وإن كان صائلا على نحو مال الغير; لأنه مأمور بدفعه وذلك لا يجامع الضمان غالبا، نعم يحرم دفع المضطر لماء أو طعام ويلزم صاحب المال تمكينه والمكره على إتلاف مال الغير بل يلزم مالكه أن يقي روحه أي مثلا بماله، نعم إن عُدَّ المُكْرَه به حقيرا محتملا عرفا في جنب قتل الحيوان لم يجز قتله حينئذ (ولا يجب الدفع عن مال) غير ذي روح لنفسه من حيث كونه مالا; لأنه يباح بالإباحة، نعم يجب الدفع عن مال نفسه إذا تعلق به حق للغير كرهن وإجارة، وأما ذو الروح فيجب دفع مالكه وغيره عن نحو إتلافه؛ لتأكد حقه، ويلزم الإمام ونوابه الدفع عن أموال رعاياهم (ويجب) إن لم يخف على نحو نفسه أو عضوه أو منفعته الدفع (عن بضع) ولو لأجنبية مهدرة; إذ لا سبيل لإباحته، بل يجب ولو

стр. 1760

وَكَذَا نَفْسٍ قَصَدَهَا كَافِرٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، لَا مُسْلِمٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ، وَقِيلَ يَجِبُ قَطْعًا. وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا ضَمِنَهَا فِي الْأَصَحِّ على نحو قبلة، ومر أن الزنا لا يباح بالإكراه فيحرم عليها الاستسلام لمن صال عليها ليزني بها مثلا وإن خافت على نفسها. (وكذا نفس قصدها كافر) محترم أو مهدر فيجب الدفع عنها; لأن الاستسلام له ذل ديني (١) فالأوجه اشتراط إسلام المصول عليه -ووجوب الدفع عن الذمي إنما يخاطب به الإمام لا الآحاد- لا احترامه (٢) (أو بهيمة) ; لأنها تذبح لاستبقاء المهجة فكيف يستسلم لها!! (لا مسلم) محترم ولو غير مكلف فلا يجب دفعه (في الأظهر) بل يسن الاستسلام له؛ للخبر الصحيح ((كن خير ابني آدم))، أما غير المحترم كزان محصن وتارك صلاة وقاطع تحتم قتله فكالكافر. ويجب الدفع عن العضو عند ظن السلامة وعن نفس ظن بقتلها مفاسد في الحريم والمال. (والدفع عن غيره) مما مر بأنواعه (كهو عن نفسه) جوازا ووجوبا ما لم يخش على نفسه، نعم لو صال كافر على كافر لم يلزم المسلم دفعه عنه وإن لزمه دفعه عن نفسه. ولو صيل على ما بيده كوديعة لزمه الدفع عنه; لأنه التزم حفظه (وقيل يجب) الدفع عن الغير إذا كان آدميا محترما ولم يخش على نفس (قطعا) ; لأن له الإيثار بحق نفسه دون حق غيره، ومحل الخلاف في غير النبي فيجب الدفع عنه قطعاً، وفي غير الإمام ونوابه؛ لوجوب ذلك عليهم قطعا. ولا يختص الخلاف بالصائل بل من أقدم على محرم فللآحاد منعه حتى بالقتل ما لم يخش فتنة من والٍ جائر; لأن التغرير بالنفس والتعرض لعقوبة ولاة الجور ممنوع (ولو سقطت جرة) مثلا من عُلْو على إنسان (ولم تندفع عنه إلا بكسرها) -هذا قيد للخلاف- فَكَسَرَها (ضمنها في الأصح) وإن كان كسرها واجبا عليه لو لم تندفع عنه إلا به; إذ لا اختيار لها يحال عليه بخلاف البهيمة فصار كمضطر لطعام يأكله ويضمنه; لأنه لمصلحة نفسه، نعم لو وضعها صاحبها بمحل يضمن كروشن أو مائلة أو على وجه يغلب على الظن سقوطها لم يضمنها كاسرها قطعا; لأن واضعها هو الذي أتلفها. ولو حالت بهيمة بينه وبين طعامه لم تكن صائلة عليه; لأنها لم تقصده فلا يلزمه دفعها ويضمنها.

стр. 1761

وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بِالْأَخَفِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِكَلَامٍ وَاسْتِغَاثَةٍ حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حَرُمَ سَوْطٌ، أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ عَصًا، أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ حَرُمَ قَتْلٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبٌ فَالمَذْهَبُ وُجُوبُهُ، وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ (ويدفع الصائل) المعصوم على شيء مما مر، ومنه أن يدخل دار غيره بغير إذنه ولا ظن رضاه (بالأخف) فالأخف باعتبار غلبة ظن المصول عليه، ويجوز هنا العض، ومحله بعد الضرب وقبل قطع العضو (فإن أمكن) الدفع (بكلام) يزجره به (١) (أو استغاثة حرم الضرب) وظاهره استواء الزجر والاستغاثة وهو متجه إن لم يترتب على الاستغاثة إلحاق ضرر به أقوى من الزجر كإمساك حاكم جائر له وإلا وجب الترتيب بينهما. وواضح أنا وإن أوجبناه فهو بالنسبة لغير الضمان لما علم مما مر أنه لا ضمان بمثل ذلك كالإمساك للقاتل (أو بضرب بيده حرم سوط أو بسوط حرم عصا أو بقطع عضو حرم قتل) ; لأنه جُوِّز للضرورة ولا ضرورة للأغلظ مع إمكان الأسهل، ومتى انتقل لمرتبة مع الاكتفاء بدونها ضمن، فيجب الترتيب ولو لمن رأى مولجا في أجنبية لكن إن كان الواطئ غير محصن، نعم له الدفع بالقتل إن أدى الدفع بغيره إلى مضي زمن وهو متلبس بالفاحشة، أما المحصن فله قتله باطنا (٢). ولو لم يجد المصول عليه إلا سيفا جاز له الدفع به وإن كان يندفع بالعصا; إذ لا تقصير منه في عدم استصحابها، ولذلك من أحسن الدفع بطرف السيف من غير جرح ضمن إن دفع بحد السيف بخلاف من لا يحسن. ولو التحم القتال بينهما خرج الأمر عن الضبط سيما لو كان الصائلون جماعة؛ إذ رعاية الترتيب حينئذ تؤدي إلى إهلاكه. أما المهدر كزان محصن وتارك صلاة بشرطه، فلا تجب مراعاة هذا الترتيب فيه، (فإن) صال محترم على نفسه و (أمكن) ـه (هرب) أو تحصُّن منه بشيء وظن النجاة به وإن لم يتيقنها (فالمذهب وجوبه وتحريم قتال) ; لأنه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، فإن لم يهرب وقتله لزمه القود. ولو صيل على ماله ولم يمكنه الهرب به لم يلزمه أن يهرب ويدعه له، أو على بضعه وجب على البضع الهرب فإن لم يمكنه ثبت صاحب البضع إن أمن على نفسه. ولو صال عليه مرتد أو حربي لم يجب هرب بل لا يجوز حيث حرم الفرار. ولو أمكنه الهرب لم يحرم عليه الزجر بالكلام إن كان غير شتم فإن لم ينزجر

стр. 1762

وَلَوْ عُضَّتْ يَدُهُ خَلَّصَهَا بِالْأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ أَسْنَانُهُ فَهَدَرٌ. وَمَنْ نُظَرَ إلَى حُرَمِهِ فِي دَارِهِ مِنْ كَوَّةٍ أَوْ ثَقْبٍ عَمْدًا فَرَمَاهُ بِخَفِيفٍ كَحَصَاةٍ فَأَعْمَاهُ، أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ فَهَدَرٌ، إلا بالشتم وجب الهرب (١)، (ولو عضت يده) مثلا (خلصها) بفك لحي فضرب فم فسل يد فعض ففقء عين فقلع لحي فعصر خصية فشق بطن. ومتى انتقل لمرتبة مع إمكان أخف منها ضمن نظير ما مر، وقد أشار إلى هذا الترتيب بقوله (بالأسهل من فك لحييه) أي رفع أحدهما عن الآخر من غير جرح ولا كسر (وضرب شدقيه) ولا يلزمه تقديم الإنذار بالقول، ومعلوم أن الأسهل منهما هو فك لحييه، وحينئذٍ فيقدم على ضرب شدقيه. (فإن عجز) عن واحد منهما بل أو لم يعجز (فسلّها) المعصوم أو غيره (فندرت أسنانه) أي سقطت (فهدر) ; لما في الصحيحين ((أنه ﷺ قضى في ذلك بعدم الدية)) والعاض المظلوم كالظالم; لأن العض لا يجوز بحال (٢)، ولو تنازعا في أنه أمكنه الدفع بشيء فعدل لأغلظ منه صُدِّق المعضوض، والحكم كذلك في كل صائل، نعم إن اختلفا في أصل الصيال لم يقبل قول نحو القاتل إلا ببينة أو قرينة ظاهرة (٣) كدخوله عليه بالسيف مسلولا وإشرافه على حرمه (ومن نُظِر إلى) واحدة من (حُرَمِهِ) أي زوجاته وإمائه ومحارمه ولو إماء، وكذا ولده الأمرد الحسن ولو غير متجرد، وكذا إليه في حال كشف عورته، ومثله خنثى مشكل أو مَحْرَم للناظر مكشوفها (في داره) الجائز له الانتفاع بها ولو بنحو إعارة وإن كان الناظر المعير، وكداره بيته من نحو خان أو رباط دون نحو مسجد وشارع ومغصوب (من كوة أو ثَقب) صغير كل منهما (عمدا) ولو امرأة -لرجل مطلقا أو امرأة متجردة- أو مراهقا لا مميزا. ولم يكن الناظر إليه (٤) حالة تجرده أحد أصوله كما لا يحد بقذفه، ولم يكن للناظر شبهة في النظر (فرماه) أي ذو الحُرَم ولو غير صاحب الدار، أو رمته المنظور إليها في حال نظره لا إن ولّى (بخفيف كحصاة) أو ثقيل لم يجد غيره (فأعماه أو أصاب قرب عينه) مما يخطئ إليه منه غالبا ولم يقصد الرمي لذلك المحل ابتداء (فجرحه فمات فهدر) وإن أمكن زجره

стр. 1763

بِشَرْطِ عَدَمِ زَوْجَةٍ وَمَحْرَمٍ لِلنَّاظِرِ، قِيلَ وَاسْتِتَارِ الحُرَمِ، قِيلَ: وَإِنْذَارٍ قَبْلَ رَمْيِهِ بالكلام؛ لخبر الصحيحين ((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه))، ولا نظر لكون المراهق غير مكلف; لأن الرمي لدفع مفسدة النظر وهي حاصلة به؛ لما أمر أنه في النظر كالبالغ، ومن ثم من يرى أنه ليس مثله فيه لا يجوز رميه هنا، وإنما يجوز له رميه (بشرط عدم) حل النظر -بخلافه لنحو خطبة بشرطه وعدم شبهة كما مر- بأن لا يكون ثم نحو متاع أو (زوجة) أو أمة ولو مجردتين، أ (ومحرم) مستور ما بين سرتها وركبتها (للناظر) وإلا لم يحز رميه؛ لعذره حينئذ، ويكفي كون المحل مسكن أحد من ذكر وإن كان ليس فيه حيث لم يعلم ذلك; لأن الشبهة موجودة حينئذ، (قيل و) بشرط عدم (استتار الحُرَم) والأصح لا فرق؛ لعموم الأخبار، ومر أن نحو الرجل لا بد أن يكون متجردا، وحينئذ فلا يشترط استتار المنظور أيضا فذلك الرجل المنظور -وإن كان في منعطف بحيث لا يراه الناظر- يجوز له أن يرمي ذلك الناظر الذي لا يراه؛ اكتفاء بالنظر بالقوة، (قيل و) بشرط (إنذار قبل رميه)؛ تقديما للأخف، نعم ما يوثق بكونه دافعا كتخويف أو زعقة مزعجة لا خلاف في وجوبه حيث لم يخف مبادرة الصائل، ولا ينافي ما هنا قولهم لا يجوز له دفع من دخل داره تعديا قبل إنذاره; لأن ما هنا منصوص عليه وذاك مجتهد فيه فأجري على القياس. وخرج ((بنُظِرَ)) الأعمى ونحوه ومسترق السمع فلا يجوز رميهما؛ لفوات الاطلاع على العورات الذي يعظم ضرره، وبالكوة وما معها النظر من باب مفتوح -ولو بفعل الناظر إن تمكن رب الدار من إغلاقه- أو كوة أو ثقب واسع بأن ينسب صاحبهما التفريط; لأن تفريطه بذلك صيره غير محترم فلم يجز له الرمي قبل الإنذار، نعم النظر من نحو سطح ولو للناظر أو منارة كهو من كوة ضيقة; إذ لا تفريط من ذي الدار حينئذ، وبعمدا النظر خطأ أو اتفاقا فلا يجوز رميه إن علم الرامي ذلك، نعم يصدق في أن الناظر تعمد; لأن الاطلاع حصل والقصد أمر باطن، ويكفي لجواز الرمي أن يظن تعمده، وبالخفيف الثقيل الذي وجد غيره كحجر ونشاب فيضمن حتى بالقود. ثم المعتمد أنه لا يقصد غير العين إذا أمكنه إصابتها، وأنه إذا أصاب غيرها البعيد بحيث لا يخطئ من العين إليه ضمن وإلا فلا، نعم إن لم يمكن قصدها ولا ما قرب منها أو لم يندفع به جاز رمي عضو آخر. ولو لم يندفع بالخفيف استغاث عليه فإن فقد مغيث سُنَّ أن ينشده بالله تعالى فإن أبى دفعه ولو بالسلاح وإن قتله.

стр. 1764

وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ وَوَالٍ وَزَوْجٌ وَمُعَلِّمٌ فَمَضْمُونٌ. وَلَوْ حَُدَّ مُقَدَّرًا فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا أَرْبَعُونَ سَوْطًا عَلَى المَشْهُورِ. أَوْ أَكْثَرُ وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةٍ، (ولو عَزَّر) من غير إسراف (ولي) محجوره وأُلحق بوليه كافله كأُمِّه (ووالٍ) مَن رفع إليه ولم يعاند (وزوج) زوجته الحرة لنحو نشوز (ومعلم) المتعلم منه الحر بما له دخل في الهلاك وإن ندر (فمضمون) تعزيرهم ضمان شبه العمد على العاقلة إن أدى إلى هلاك أو نحوه; لتبين مجاوزته للحد المشروع بخلاف ضرب دابة من مستأجرها أو رائضها إذا اعتيد; لأنهما لا يستغنيان عنه والآدمي يغني عنه فيه القول، أما ما لا دخل له في ذلك كصفعة خفيفة وحبس أو نفي فلا ضمان به، وأما قن أذن سيده لمعلمه أو لزوجها في ضربها فلا يضمن به كما إذا أقر كامل بموجب تعزير وطلبه بنفسه من الوالي وعيّن له نوعه وقدره، وأما معاند بأن توجه عليه حق وامتنع من أدائه مع القدرة عليه ولا طريق للتوصل لماله إلا عقابه فيعاقب بالضرب والحبس حتى يؤدي، ويكرر ضربه لكن يمهل في كل مرّة حتى يبرأ من ألم الأولى حتى لا يؤدي إلى قتله (١). وأما إذا أسرف وظهر منه القتل فإنه يلزمه القود إن لم يكن والدا أو الدية المغلظة في ماله (ولو حَُدَّ (٢) أي الإمام أو نائبه ولو في نحو مرض أو شديد حر وبرد كما مر (مقدرا) لا مفهوم له؛ إذ الحد لا يكون إلا كذلك (فمات فلا ضمان) إجماعا; ولأن الحق قتله (ولو ضرب شارب) للخمر الحدَّ (بنعال وثياب) فمات (فلا ضمان على الصحيح، وكذا أربعون سوطا) ضربها فمات لا يضمن (على المشهور)؛ لصحة الخبر كما مر بتقديره بذلك وأجمعت الصحابة عليه، ومحل الخلاف إن منعناه بالسياط وإلا -وهو الأصح- لم يضمن قطعا. ويجري هذا الخلاف في حد القذف وجلد الزنا. (أو) حد شارب (أكثر) من أربعين بنحو نعل أو سوط (وجب قسطه بالعدد) ففي أحد وأربعين جزءٌ من أحد وأربعين جزأً من الدية، وفي ثمانين نصفها، وتسعين خمسة أتساعها; لوقوع الضرب بظاهر البدن فيقرب تماثله فيقسط العدد عليه، (وفي قول نصف دية)؛ لموته من مضمون وغيره، ومحل ذلك إن ضربه

стр. 1765

وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ أَحَدًا وَثَمَانِينَ. وَلِمُسْتَقِلٍّ قَطْعُ سِلْعَةٍ إلَّا مَخُوفَةً لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا، أَوْ الخَطَرُ فِي قَطْعِهَا أَكْثَرُ، وَلِأَبٍ وَجَدٍّ قَطْعُهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الخَطَرِ إنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ، لَا لِسُلْطَانٍ، وَلَهُ وَلِسُلْطَانٍ قَطْعُهَا بِلَا خَطَرٍ، وَفَصْدٌ وَحِجَامَةٌ، فَلَوْ مَاتَ بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ، الزائد وبقي ألم الأول وإلا ضمن ديته كلها قطعا. (ويجريان) أي القولان (في قاذف جلد أحدا وثمانين) سوطا فمات، وكذا في بكر زنى جلد مائة وعشرا. (ولمستقل) وهو الحر والمكاتب البالغ العاقل ولو سفيها (قطع سِلعة) -وهي ما يخرج بين الجلد واللحم من الحمصة إلى البطيخة- فيه بنفسه أو مأذونه؛ إزالة لشينها من غير ضرر كالفصد، ومثلها في جميع ما يأتي العضو المتآكل (إلا مخوفة) من حيث قطعها (لا خطر في تركها) أصلا، بل في قطعها ولو احتمالا، (أو) في كل من قطعها وتركها خطر لكن (الخطر في قطعها أكثر) منه في تركها فيمتنع القطع في هاتين الصورتين; لأنه يؤدي إلى الهلاك بخلاف ما إذا استويا، أو كان الترك أخطر، أو الخطر فيه فقط أو لم يكن في القطع خطر وجهل حال الترك، أو لا خطر في واحد منهما فيجوز قطعها; لأن فيه غرضا من غير أدائه إلى الهلاك، بل يجب (١) إذا قال طبيب ولو عدل رواية ((إن عدمه يؤدي إلى الهلاك))، ويكفي علم الولي فيما يأتي أي وعلم صاحب السلعة إن كان فيهما أهلية ذلك (ولأب وجد) لأب وإن علا، وأُلحق بهما السيد في قنه والأم إذا كانت قَيِّمَةً (قطعها من صبي ومجنون مع الخطر) في كلٍّ لكن (إن زاد خطر الترك) على القطع؛ لصونهما ماله فبدنه أولى بخلاف ما إذا انحصر الخطر في القطع أو زاد خطره اتفاقا أو استويا، (لا) قطعها مع خطر فيه (لسلطان) ونوابه ووصي فلا يجوز؛ إذ ليس لهم شفقة الأب والجد، (وله) أي الأصل الأب والجد (ولسلطان) ونوابه والوصي (قطعها) إذا كان (بلا خطر) فيه أصلا وإن لم يكن في الترك خطر؛ لعدم الضرر، وليس للأجنبي وأب لا ولاية له ذلك بحال فإن فعله فسرى للنفس اقتص من الأجنبي. (و) لمن ذكر (فصد وحجامة) ونحوهما من كل علاج سليم عادة أشار به طبيب لنفعه له (فلو مات) المولى (بجائز من هذا) الذي هو قطع السلعة أو الفصد أو الحجامة، ومثلها ما في معناها (فلا ضمان) بدية ولا كفارة (في الأصح) ; لئلا يُمْتَنع من ذلك فيتضرر المولى. ويظهر

стр. 1766

وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ بِصَبِيٍّ مَا مُنِعَ فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ. وَمَا وَجَبَ بِخَطَأِ إمَامٍ فِي حَدٍّ وَ حُكْمٍ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ فِي بَيْتِ المَالِ. وَلَوْ حَدَّهُ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلَانِ، فَإِنْ ضَمَّنَّا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ المَالِ فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْعَبْدَيْنِ وَالذِّمِّيَّيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذْنٍ لَمْ يَضْمَنْ في خرق الأنف بحلقة تعمل فيه من فضة أو ذهب أنه حرام مطلقا; لأنه لا زينة في ذلك يغتفر لأجلها إلا عند فرقة قليلة ولا عبرة بها مع العرف العام بخلاف تخريق الآذان فإنه زينة للنساء فيجوز فعله بالصبية دون الصبي فيحرم (١) ; لأنه لا حاجة فيه يغتفر لأجلها ذلك التعذيب (ولو فعل سلطان) إمام أو نائبه أو غيرهما ولو أبا (بصبي) أو مجنون (ما مُنِع) منه فمات (فدية مغلظة في ماله) ; لتعديه، لا قود؛ لشبهة الإصلاح إلا إذا كان (٢) الخوف في القطع أكثر والقاطع غير أب. (وما وجب بخطأ إمام) أو نوابه (في حد) أو تعزير (وحكم) في نفس أو نحوها (فعلى عاقلته) كغيره، (وفي قول في بيت المال) إن لم يظهر منه تقصير; لأن خطأه يكثر لكثرة الوقائع بخلاف غيره، والكفارة في ماله قطعا وكذا خطؤه في المال. (ولو حده بشاهدين) فمات منه (فبانا) غير مقبولي الشهادة كأن بانا (عبدين أو ذميين أو مراهقين) أو فاسقين أو امرأتين أو بان أحدهما كذلك (فإن قصر في اختبارهما) بأن تركه بالكلية (فالضمان عليه) قودا و غيره إن تعمد وإلا فعلى عاقلته، (وإلا) يقصر في اختبارهما بل بحث عنه (فالقولان) أظهرهما أن الضمان على عاقلته، والثاني في بيت المال، (فإن ضمنا عاقلة أو بيت مال فلا رجوع) لأحدهما (على العبدين والذميين في الأصح) ; لزعمهما الصدق والمتعدي هو الإمام بعدم بحثه عنهما، وكذا المراهقان والفاسقان غير المتجاهرين بخلافهما فيرجع عليهما; لأن الحكم بشهادتهما يشعر بتدليس وتغرير منهما حتى قبلا; لأن الفرض أنه لم يقصر في البحث عنهما (ومن) عالج كأن (حجم أو فصد بإذن) معتبر ممن جاز له تولي ذلك فحصل تلف (لم يضمن) وإلا لما تولى أحد ذلك. ولو سرى

стр. 1767

وَقَتْلُ جَلَّادٍ وَضَرْبُهُ بِأَذْنِ الْإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الْإِمَامِ إنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ وَإِلَّا فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الجَلَّادِ إنْ لَمْ يَكُنْ إكْرَاهٌ. وَيَجِبُ خِتَانُ المَرْأَةِ بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمَةِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ، من فعل الطبيب هلاك وهو من أهل الحذق (١) في صنعته لم يضمن إجماعا وإلا ضمن قود أو غيره؛ لتغريره (٢)، نعم إن عيّن المريض الدواء فلا ضمان مطلقا وإن كان الطبيب غير حاذق، وكالطبيب فيما ذكر الجرائحي بل هو من أفراده كالكحال (وقتل جلاد وضربه بأمر الإمام كمباشرة الإمام إن جهل ظلمه) كأن اعتقد الإمام تحريمه والجلاد حله (وخطأه) فيضمن الإمام لا الجلاد; لأنه آلته ولئلا يرغب الناس عنه، نعم يسن له أن يكفر في القتل. ولو اعتقد وجوب طاعة الإمام في المعصية وجب على الجلاد المال لا القود، وليس على الإمام شيء إلا إن أكرهه كما في قوله (وإلا) بأن علم ظلمه أو خطأه كأن اعتقدا حرمته أو اعتقدها الجلاد وحده وقتله امتثالا لأمر الإمام (فالقصاص والضمان على الجلاد) وحده (إن لم يكن إكراه) من جهة الإمام لتعديه، فإن أكرهه ضمنا المال وقتلا. (ويجب) قطع سُرَّة المولود بعد ولادته بعد نحو ربطها؛ لتوقف إمساك الطعام عليه، والمخاطب هنا الولي إن حضر وإلا فمن علم به عينا تارة وكفاية أخرى كإرضاعه; لأنه واجب فوري لا يقبل التأخير، فإن فرَّط فلم يُحْكِم القطع أو نحو الربط ضمن، وكذا الولي. ويجب أيضا (ختان (٣) المرأة والرجل حيث لم يولدا مختونين؛ لقوله تعالى ((أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا))، ومنها الختان. ثم كيفيته في (المرأة بـ) قطع (جزءٍ) يقع عليه الاسم (٤) (من اللحمة) الموجودة (بأعلى الفرج) فوق ثقبة البول تشبه عرف الديك ويسمى البَظْر، وتقليله أفضل؛ لقوله ﷺ للخاتنة ((أشمي (٥) ولا تنهكي فإنه أحظى للمرأة وأحب للبعل)).

стр. 1768

وَالرَّجُلِ بِقَطْعِ مَا يُغَطِّي حَشَفَتَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ فِي سَابِعِهِ، فَإِنْ ضَعُفَ عَنِ احْتِمَالِهِ أُخِّرَ، وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُهُ لَزِمَهُ القِصَاصُ إلَّا وَالِدًا، (و) في (الرجل بقطع) جميع (ما يُغطي حشفته) حتى تنكشف كلها، وبه يعلم أن غرلته (١) لو تقلصت حتى انكشف جميع الحشفة فإن أمكن قطع شيء مما يجب قطعه في الختان منها دون غيرها وجب وإلا سقط الوجوب كما لو ولد مختونا، وإنما يجب الختان في حي (بعد البلوغ) والعقل; إذ لا تكليف قبلهما، فيجب بعدهما فورا إلا إن خيف عليه منه فيؤخر حتى يغلب على الظن سلامته منه، ويأمره به حينئذ الإمام فإن امتنع أجبره ولا يضمنه إن مات إلا أن يفعله به في شدة حر أو برد فيلزمه نصف ضمانه، ولو بلغ مجنونا لم يجب ختانه. وأفهم ذكره الرجل والمرأة أنه لا يجب ختان الخنثى المشكل بل لا يجوز؛ لامتناع الجرح مع الإشكال. ومن له ذكران عاملان يختنان فإن تميز الأصلي منهما فهو فقط فإن شك فكالخنثى. (ويندب تعجيله في سابعه) أي سابع يوم ولادته؛ للخبر الصحيح ((أنه ﷺ ختن الحسنين ﵄ يوم سابعهما))، ويكره قبل السابع فإن أخر عنه ففي الأربعين وإلا ففي السنة السابعة; لأنها وقت أمره بالصلاة، ولا يحسب من السبع يوم ولادته; لأنه كلما أخر كان أخف إيلاما، وبه فارق العقيقة; لأنها بر فندب الإسراع به. ويسن إظهار ختان الذكور وإخفاء ختان الإناث، ولا يلزم من ندب وليمة الختان إظهاره في المرأة (فإن ضعف عن احتماله) في السابع (أخرّ) وجوبا إلى أن يحتمله. (ومن خَتَنَهُ في سن) أي حال يحتمله وهو ولي ولو قيما فلا ضمان، أو وهو أجنبي قتل؛ لتعديه، وإن قصد إقامة الشعار (٢) ; لأن ظن ذلك لا يبيح له الإقدام بوجه فلا شبهة، نعم إن ظن الجواز وعذر بجهله، فالقياس أنه لا قود عليه، وكذا خاتن بإذن أجنبي ظنه ولياً، أو في حال (لا يحتمله) لنحو ضعف أو شدة حر أو برد فمات (لزمه القصاص) ; لتعديه بالجرح المهلك. نعم إن ظن أنه يحتمله لم يلزمه قصاص؛ لعدم تعديه. (إلا والدا) وإن علا؛ لما مر أنه لا يقتل بولده، نعم عليه الدية مغلظة في ماله; لأنه عمد محض وكذا مسلم في كافر وحر لقن; لما مر أنه لا يقتل به أيضا.

стр. 1769

فَإِنِ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَلِيٌّ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ. وَأُجْرَتُهُ فِي مَالِ المَخْتُونِ. فصل مَنْ كَانَ مَعَ دَابَّةٍ أَوْ دَوَابَّ ضَمِنَ إتْلَافَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا (فإن احتمله وختنه ولي) ولو وصيا أو قيما (فلا ضمان في الأصح)؛ لإحسانه بتقديمه لأنه أسهل عليه ما دام صغيرا بخلاف الأجنبي؛ لتعديه كما مر. (وأجرته) وبقية مؤنة (في مال المختون) فإن لم يكن له مال فعلى من عليه مؤنته (١) كالسيد. (فصل) في حكم إتلاف الدواب (من كان مع) غير طير; إذ لا ضمان بإتلافه مطلقا -; لأنه لا يدخل تحت اليد- ما لم يرسل الطائر المعلَّم على شيء صار إتلاف المعلّم لذلك الشيء طبعا فيضمن حينئذ، وأفتى البلقيني في نحلٍ قتل جملا بأنه هدر؛ لتقصير صاحبه دون صاحب النحل؛ إذ لا يمكنه ضبطه. ولو شرب ماء فلا ضمان على صاحبه وإن أرسله، أما لو شرب عسل غير صاحبه فإن قصر الزمن بحيث تحيل العادة أن النازل منه غير الأول فهو لمالكه وإلا فهو لمالكها; لأن نزوله منها سبب ظاهر في ملك مالكها (دابة أو دواب) في الطريق مثلا مقطورة أو غيرها سائقا أو قائدا أو راكبا مثلا، سواء أكانت يده عليها بحق أم غيره ولو غير مكلف، وقنا أذن سيده أم لا فيتعلق متلفها برقبته فقط (ضمن إتلافها) بجزء من أجزائها (نفسا) على العاقلة (ومالا) في ماله (ليلا ونهارا) ; لأن فعلها منسوب إليه وعليه حفظها وتعهدها، فإن كان معها سائق وقائد أو عليها راكبان ضمنا نصفين (٢)، أو هما أو أحدهما وراكب ضمن وحده; لأن اليد له. وخرج بقوله مع دابة ما لو انفلتت بعد إحكام نحو ربطها وأتلفت شيئا فإنه لا يضمن، ويستثنى من إطلاقه ما لو نخسها غير من معها فضمان إتلافها على الناخس ولو

стр. 1770

رموحا (١) بطبعها ما لم يأذن له من معها فعليه (٢). ولو كانت ذاهبة فردها آخر تعلق ضمان ما أتلفته بعد الرد به لكن إن كان (٣) رده بنحو ضربها نظير النخس. أما إذا أشار إليها فارتدت فيحتمل أن لا ضمان؛ إذ لا إلجاء حينئذ، وما لو غلبته فاستقبلها آخر فردها كما ذكر فإن الراد يضمن ما أتلفته في انصرافها، وما لو سقط هو أو مركوبه ميتا على شيء فأتلفه فلا يضمنه كما لو انتفخ ميت فانكسر به قارورة بخلاف طفل سقط عليها; لأن له فعلا (٤)، وما لو كان راكبها يقدر على ضبطها فاتفق أنها غلبته لنحو قطع عنان وثيق وأتلفت شيئا فلا يضمنه على ما أخذ من كلامهم والأوجه الضمان، وما لو أركب أجنبي بغير إذن الولي صبيا أو مجنونا دابة لا يضبطها مثلهما فإنه يضمن متلفها، وما لو كان مع دواب راع فتفرقت لنحو هيجان ريح وظلمة لا لنحو نوم وأفسدت زرعا فلا يضمنه كما لو ند بعيره أو انفلتت دابته من يده وأفسدت شيئا، وما لو ربطها بطريق متسع بإذن الإمام أو نائبه كما لو حفر فيه لمصلحة نفسه. وخرج بقولنا في الطريق مثلا من دخل دارا بها كلب عقور فعقره أو دابة فرفسته فلا يضمنه صاحبهما إن علم الداخل بهما وإن أذن له في دخولها بخلاف ما إذا جهل فإن أذن له في الدخول ضمنه وإلا فلا، وبخلاف الخارج منهما عن الدار ولو بجانب بابها; لأنه ظاهر يمكن الاحتراز عنه، ومحله فيما ليس تحت يده أو تحتها ولم يعرف بالضراوة أو ربطه. وخرج به أيضا ربطها بموات أو ملكه فلا يضمن به متلفها اتفاقا. ولو أجره دارا إلا بيتا معينا فأدخل دابته فيه وتركه مفتوحا فخرجت وأتلفت مالا للمكتري لم يضمنه (٥). ولو نطحت دابةً أخرى ضمن صاحبها إن كان النطح طبعها وعرفه وإن لم يقصِّر في ربطها، ولا فرق بين أن يعلم واضع اليد عليها ضراوتها أوْ لا، والكلام في غير ما بيده وإلا ضمن مطلقا (٦) كما علم مما مر،

стр. 1771

وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ بِطَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ فَلَا ضَمَانَ. وَيَحْتَرِزُ عَمَّا لَا يُعْتَادُ كَرَكْضٍ شَدِيدٍ فِي وَحْلٍ فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ، أَوْ بَهِيمَةٍ فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَهُ، وَإِنْ دَخَلَ سُوقًا فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ ضَمِنَ إنْ كَانَ زِحَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ ثَوْبٌ فَلَا، إلَّا ثَوْبَ أَعْمَى وَمُسْتَدْبِرِ الْبَهِيمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيهُهُ، وصرح العبادي فيمن ربط دابة بشارع فربط آخر أخرى بجانبها فعضت إحداهما الأخرى بأن العاض إن كان هو الثانية ضمن صاحبها أو الأولى فلا إلا أن يحضر صاحبها فقط ولم يمنعها مع قدرته فيضمن متلفها. ولو اكترى من ينقل متاعه على دابته وعادتها الضراوة بشيء من أعضائها ولم يعلمه بها فأتلفت شيئا مع الأجير فالدعوى عليه; لأنها بيده لكن المالك غره بعدم إعلامه بها فيرجع بما ضمنه عليه، فإن أنكر الأجير إتلافها حلف على البت; لأن فعل الدابة منسوب لمن هي بيده. ولو ربط فرسه في خان فقال لصغير خذ من هذا التبن واعلفها ففعل فرفسته فمات وهو حاضر ولم يحذره منها وكانت رموحا ضمنه على عاقلته (ولو بالت أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال فلا ضمان (١) وإلا لامتنع الناس من المرور ولا سبيل إليه. (ويحترز) المار بطريق (عما لا يعتاد) فيها (كركض شديد في وحل) أو في مجمع الناس (فإن خالف ضمن ما تولد منه) ; لتعديه كما لو ساق الإبل غير مقطورة أو البقر والغنم في السوق أو رَكِب فيه ما لا يركب مثله إلا في صحراء وإن لم يكن ركض، أما الركض المعتاد فلا يضمن ما تولد منه. (ومن حمل حطبا على ظهره أو بهيمة) وهو معها، وسيأتي حكم ما لو أرسلها (فحك بناء فسقط (٢) ضمنه) ليلا ونهارا; لوجود التلف بفعله أو فعل دابته المنسوب إليه، نعم إن كان مستحق الهدم ولم يتلف من الآلة شيء فلا ضمان كبناء بني مائلا وأضر بالمارة بخلاف ما كان مستويا ثم مال (وإن دخل) حامل الحطب (سوقا فتلف به نفس أو مال) مستقبلا كان أو مستدبرا (ضمن) ـه (إن كان زحام) أو لم يجد منعطفا لضيق؛ لتقصيره بفعل ما لا يعتاد، (وإن لم يكن) زحام أو حدث وقد توسط السوق (وتمزق) به (ثوب) مثلا (فلا) يضمنه إذا كان لابسه مستقبل البهيمة; لأن عليه الاحتراز منها (إلا ثوب) أو متاع أو بدن (أعمى) أو معصوب العين (ومستدبر البهيمة فيجب تنبيهه) أي مَن ذكر، فإن لم يفعل ضمن

стр. 1772

وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ المَالِ، فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ فَلَا. وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا، أَوْ لَيْلًا ضَمِنَ، الكل إلا إن كان من صاحب الثوب أو المتاع فعل كأن وطئ هو أو بهيمته ثوبه أو مداسه فجذبه صاحبه ولو مع زحام فالنصف; لأنه بفعلهما، وبه يعلم أنه لا ضمان على الواطئ إلا فيما علم أن لفعله تأثيرا فيه مع فعل اللابس، فإن تمحض فعل أحدهما فالحكم له وحده، ولو علم تأثير أحدهما وشك في تأثير الآخر اعتبر الأول فقط. وإن نبهه فلم يحترز فلا ضمان، وكعدم التنبيه الأصمُّ وإن لم يعلم أنه أصم; لأن الضمان لا يختلف بالعلم وعدمه (وإنما يضمنه) أي ما ذكرَ الحاملُ أو مَن مع البهيمة (إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر بأن وضعه بطريق) ولو واسعا وإن أذن الإمام; لأن الملحظ هنا تعريضه متاعه للضياع وهو موجود (أو عرضه للدابة) ولو بغير طريق (فلا) يضمنه; لأنه المضيع لماله، ومثله ما لو مر إنسان بحمار الحطب يريد التقدم عليه فمزق ثوبه فلا يضمنه سائقه; لأنه المقصر بمروره عليه، وكذا لو وُضع حطبٌ بطريق واسع فمر به إنسان فتمزق به ثوبه. (وإن كانت الدابة وحدها) وقد أرسلها في الصحراء (فأتلفت زرعا أو غيره نهارا لم يضمن صاحبها) أي من يده عليها بحق كوديع أو أجير أو غيره كغصب (أو ليلا ضمن)؛ للحديث الصحيح بذلك الموافق للعادة الغالبة في حفظ نحو الزرع نهارا والدابة ليلا، ومن ثم لو جرت عادة بلد بعكس ذلك انعكس الحكم أو بحفظها فيهما ضمن فيهما. ولو جرت بعدمه فيهما لم يضمن فيهما، أما لو أرسلها في البلد فيضمن مطلقا -ليلا أو نهارا- وإن اطردت العادة بإرسالها في البلد وحدها، واستثني من عدم الضمان نهارا المذكور في المتن ما إذا توسطت المراعي المزارع فأرسلها بلا راع فإنه يضمن ما أفسدته ليلا أو نهارا; لأن العادة حينئذ أنها لا ترسل بلا راع، ومن ثم لو اعتيد إرسالها بدونه فلا ضمان، وحينئذ فلا استثناء؛ لأن المدار في كلٍّ على ما اعتيد، وما لو تكاثرت فعجز أصحاب الزروع عن ردها فيضمن أصحابها؛ لمخالفته للعادة، وما لو ربط دابة بطريق فيضمن متلفها نهارا وإن اتسع الطريق ما لم يأذن له الإمام في الواسع، وما لو أرسلها في موضع مغصوب فانتشرت منه لغيره وأفسدته فيضمنه مرسلها ولو نهارا. وإذا أخرجها عن

стр. 1773

إلَّا أَلَّا يُفَرِّطَ فِي رَبْطِهَا. أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْعِ وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا، وَكَذَا إنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي مُحَوَّطٍ لَهُ بَابٌ تَرَكَهُ مَفْتُوحًا فِي الْأَصَحِّ. وَهِرَّةٌ تُتْلِفُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا إنْ عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا ضَمِنَ مَالِكُهَا فِي الْأَصَحِّ لَيْلًا وَ نَهَارًا، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ ملكه فضاعت، أو رمى عنها متاعا حمل عليها تعديا -لا في نحو مفازة (١) - فلا ضمان عليه إن خشي من بقائها بملكه إتلافها لشيء وإن قل بخلاف ما إذا لم يخش ذلك ولم يسيبها مالكها به فيضمن; لأنها حينئذ كثوب طيرته الريح إلى داره فيلزمه حفظها وإعلامه بها فورا. وظاهرٌ أن خشية الإتلاف مع العجز عن حفظها كالإتلاف (إلا أن لا يفرط في ربطها) بأن أحكمه وأغلق الباب واحتاط على العادة فخرجت ليلا لنحو حلها أو فتح لص للباب؛ لعدم تقصيره، وكذا لا يضمن لو خلاها بمحل بعيد لم يعتد ردها منه للمنزل، ويؤيده قولهم لو بَعُد المرعى عن المزارع وفرض انتشار البهائم إلى أطرافها فلا ضمان على مرسلها إليه لما أتلفته مطلقا؛ لانتفاء تقصيره (أو) فرط مالك ما أتلفته كأن عرضه أو وضعه بطريقها أو (حضر صاحب الزرع) مثلا (وتهاون في دفعها) عنه؛ لتفريطه، نعم إن حُفَّ محله بالمزارع ولزم من إخراجها منه دخولها لها لزمه إبقاؤها بمحله ويضمن صاحبها ما أتلفته حينئذ لكن قبل تمكن صاحب الزرع من نحو ربط فمها وإلا فهو المتلف لماله. ولو كان الذي بجانبه زرع مالكها لم يخرجها إليه (٢) ; لأنه لا ضرر عليه في إبقائها بمحله، بسبب ضمان مالكها وأفهم قوله ((وتهاون)) أن له تنفيرها عن زرعه بقدر الحاجة (٣) بحيث يأمن من عودها، فإن زاد ولو داخل ملكه ضمن ما لم يكن مالكها سيبها كما مر (وكذا إن كان الزرع في مُحَوَّط له باب تركه مفتوحا في الأصح) ; لأنه مقصر بعدم غلقه (وهرة تتلف طيرا أو طعاما إن عهد ذلك منها) أي عرفا فلا يتقيد بعدد (٤) (ضمن مالكها) يعني من يأويها ما دام من لم يملكها مؤويا لها أي قاصدا إيواءها بخلاف ما إذا أعرض عنها (في الأصح ليلا ونهارا) إن أرسلها أو قصر في ربطها; إذ مثل هذه ينبغي أن يربط ويكف شره ليلا ونهارا فعدم إحكام ربطه تقصير، ومن ثم كان مثلها في ذلك كل حيوان عرف بالإضرار وإن لم يملك، فيضمن ذو جمل أو كلب عقور ما يتلفه إن أرسله أو قصر في ربطه، (وإلا) يعهد ذلك منها (فلا) يضمن وإن كانت حاملا (في الأصح) ; لأن العادة حفظ الطعام عنها لا ربطها، ولا يجوز قتل التي عهد منها ذلك إلا حالة عدوها فقط أي إن لم يمكن دفعها بدون القتل كالصائل.

стр. 1774

كتاب السير كَانَ الجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ فَرْضُ عَيْنٍ. وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ بِبِلَادِهِمْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ (كتاب السير) جمع سيرة وهي الطريقة والمقصود منها هنا أصالة الجهاد (١). والأصل فيه الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة الشهيرة (كان الجهاد في عهد رسول الله ﷺ قبل الهجرة ممتنعا; لأن الذي أمر به ﷺ أول الأمر هو التبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار تألفا لهم، ثم بعدها أذن الله تعالى للمسلمين في القتال -بعد أن نُهيَ عنه في نيف وسبعين آية- إذا ابتدأهم الكفار به فقال ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ البقرة: ١٩٠، فهو من حين الهجرة كان (فرض كفاية (٢) لكن على التفصيل المذكور إجماعا بالنسبة لفرضيته (وقيل فرض عين)؛ لقوله تعالى ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ التوبة: ٣٩، والقاعدون في الآية كانوا حُراساً. (وأما بعده فللكفار) الحربيين (حالان: أحدهما يكونون) أي كونهم (ببلادهم) مستقرين فيها غير قاصدين شيئا (فـ) الجهاد حينئذ (فرض كفاية) إجماعا، ويحصل إما بتشحين الثغور -وهي محال الخوف التي تلي بلادهم- بمكافئين لهم لو قصدوها مع إحكام الحصون والخنادق وتقليد ذلك للأمراء المؤتمنين المشهورين بالشجاعة والنصح للمسلمين، وإما بأن يدخل الإمام أو نائبه بشرطه دارهم بالجيوش لقتالهم. وظاهرٌ أنه إن أمكن بعثها في جميع نواحي بلادهم وجب، وأقله مرة في كل سنة فإذا زاد فهو أفضل، وأما ادعاء إيجاب الجهاد كل سنة مرة مع تحصين الثغور فهو وإن أفهمته عبارات لكنه إنما يتجه حيث لا عذر في تركه مرة في السنة، وقيل يجب أكثر من مرة فيها عند الإمكان، ومحل الخلاف إذا لم تدع الحاجة إلى أكثر من مرة وإلا وجب، وشرطه كالمرة أن لا يكون بنا ضعف أو نحوه كرجاء إسلامهم وإلا أخر حينئذ، ويسن أن يبدأ بقتال

стр. 1775

إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ سَقَطَ الحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الحُجَجِ وَحَلِّ المُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ. وَ بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ، وَالْفُرُوعِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ من يلونا إلا أن يكون الخوف من غيرهم أكثر فتجب البداءة بهم، وأن يكثره ما استطاع ويثاب على الكل ثواب فرض الكفاية. وحكم فرض الكفاية -الذي هو مهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات لفاعله- أنه (إذا فعله من فيهم كفاية) وإن لم يكونوا من أهل فرضه كذوي صبا أو جنون أو أنوثة إلا في مسائل كصلاة الجماعة (سقط الحرج) عنه إن كان من أهله و (عن الباقين (١)؛ رخصة وتخفيفا عليهم، ومن ثم كان القائم به أفضل (٢) من القائم بفرض العين، وأفهم السقوط أنه يخاطب به الكل وهو الأصح، وأنه إذا تركه الكل أثم أهل فرضه كلهم وإن جهلوا أي وقد قصروا في جهلهم به. (ومن فروض الكفاية القيام بإقامة الحُجج) العلمية والبراهين القاطعة في الدين على إثبات الصانع سبحانه وما يجب له من الصفات ويستحيل عليه منها والنبوات وصدق الرسل وما أرسلوا به من الأمور الضرورية والنظرية. (وحل المشكلات في الدين)؛ لتندفع الشبهات وتصفو الاعتقادات عن تمويهات المبتدعين ومعضلات الملحدين، ولا يحصل كمال ذلك إلا بإتقان قواعد علم الكلام المبنية على الحكميات والإلهيات. ويجب على من لم يرزق قلبا سليما أن يتعلم أدوية أمراض القلب من كبر وعجب ورياء ونحوها كما يجب -لكن كفاية- تعلم علم الطب. (و) القيام (بعلوم الشرع كتفسير وحديث والفروع) الفقهية زائدا على ما لا بد منه (بحيث) متعلق بعلوم (٣) (يصلح للقضاء) والإفتاء بأن يكون مجتهدا مطلقا، وما يتوقف عليه ذلك من علوم العربية وأصول الفقه وعلم الحساب المضطر إليه في المواريث والإقرارات والوصايا وغير ذلك مما يأتي في باب القضاء، فتجب الإحاطة بذلك كله؛ لشدة الحاجة إلى ذلك. ولا يكفي في إقليم مفت وقاض واحد؛ لعسر مراجعته بل لا بد من تعددهما بحيث لا يزيد ما بين كل مفتيين على

стр. 1776

وَالْأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مسافة القصر وقاضيين على مسافة العدوى؛ لكثرة الخصومات، أما ما يحتاج إليه في فرض عيني أو في فعل آخر أراد مباشرته ولو بوكيله فتَعَلُّم ظواهر أحكامه غير النادرة فرض عين. ويجبر الحاكم وجوبا أهل كل بلد تركوا تعلم ذلك عليه. وإنما يتوجه فرض الكفاية في العلم على كل مكلف حر ذكر غير بليد مكفي ولو فاسقا لكن لا يسقط به; إذ لا تقبل فتواه ويسقط بالعبد والمرأة، ولا إثم على الناس اليوم بتعطيل فرض الاجتهاد المطلق؛ لأن الناس كلهم صاروا بلداء بالنسبة إليها (و) منها إجماعا على قادر أمن على نفسه وعضوه وماله وإن قلّ بل وعِرضه، وعلى غيره بأن لم يخف مفسدة عليه أكثر من مفسدة المنكر الواقع. ويحرم مع الخوف على الغير، ويسن مع الخوف على النفس، والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة مخصوص بغير الجهاد ونحوه كمكره على فعل حرام غير -زنا وقتل- ولو فعلٍ مُكَفِّرٍ، وأمِنَ أيضا أن المُنْكَر عليه لا يقطع نفقته وهو محتاج إليها، ولا يزيد عنادا ولا ينتقل لما هو أفحش منه بأن لم يغلب على ظنه شيء من ذلك وإن ظن أنه لا يمتثل. ولا يشترط في الأمر بالمعروف العدالة فينهى عن المنكر وإن ارتكب مثل ما ارتكب أو أقبح منه (الأمر) باليد فاللسان فالقلب سواء الفاسق وغيره (بالمعروف) أي الواجب (والنهي عن المنكر (١) أي المحرم لكن محله في واجب أو حرام مجمع عليه أو في اعتقاد الفاعل بالنسبة لغير الزوج؛ إذ له شافعيا منع زوجته الحنفية من شرب النبيذ مطلقا والقاضي; إذ العبرة باعتقاده كما يأتي، ومقلد مَن لا يجوز تقليده؛ لكونه مما يُنْقَض فيه قضاء القاضي. ويجب الإنكار على معتقد التحريم وإن اعتقد المنكر إباحته; لأنه يعتقد أنه حرام بالنسبة لفاعله باعتبار عقيدته. وليس لعامي يجهل حكم ما رآه أن ينكره حتى يخبره عالم بأنه مجمع عليه أو في اعتقاد الفاعل، ولا لعالم أن ينكر مختلفا فيه حتى يعلم من الفاعل أنه حال ارتكابه معتقد لتحريمه; لاحتمال أنه حينئذ قلد من يرى حله أو جهل حرمته، أما من ارتكب ما يرى إباحته بتقليد صحيح فلا يجوز الإنكار عليه لكن لو ندب للخروج من الخلاف برفق فلا بأس، والكلام في غير المحتسب أما هو فينكر وجوبا على من أخل بشيء من الشعائر الظاهرة ولو سنة كصلاة العيد والأذان، ويلزمه الأمر بهما ولكن لو

стр. 1777

وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ. وَدَفْعُ ضَرَرِ المُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ، وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ، وَبَيْتِ مَالٍ احتيج إنكار ذلك لقتال لم يفعله إلا على أنه فرض كفاية. وليس لأحد البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون، نعم إن غلب على ظنه وقوع معصية ولو بقرينة ظاهرة كإخبار ثقة جاز له بل وجب عليه التجسس إن فات تداركها كالقتل والزنا وإلا فلا. ولو توقف الإنكار على الرفع للسلطان وجب (١). [تنبيه] الوجه أن الأمر والنهي بالقلب فرض عين; لأن المراد منهما به الكراهة والإنكار به وهذا لا يتصور فيه أن يكون إلا فرض عين . (وإحياء الكعبة كل سنة بالزيارة) بالحج والعمرة (٢)، ويكفي الحج عن العمرة، نعم لا تغني الصلاة ولا الاعتكاف ولا الطواف عن أحدهما (٣) ; لأنهما القصد الأعظم من بناء البيت وفي الأول (٤) إحياء تلك المشاعر. [تنبيه] يتصور وقوع النسك غير فرض كفاية ممن لا يخاطب به كالأرقاء والصبيان والمجانين، لكن الأوجه أنه مع ذلك يسقط به كما مر فرض الكفاية كما تسقط صلاة الجنازة عن المكلفين بفعل الصبي، والأوجه أنه لا بد في القائمين بذلك من عدد يحصل بهم الشعار عرفا وإن كانوا من أهل مكة (ودفع ضرر) المعصوم من (المسلمين) وأهل الذمة والأمان على القادرين وهم من عنده زيادة على كفاية سنة لهم ولممونهم; لأن الفرض في المحتاج لا في المضطر (ككسوة عارٍ) ما يستر عورته أو يقي بدنه من مضر (وإطعام جائع إذا لم يندفع) ذلك الضرر (بزكاة و) سهم المصالح من (بيت مال)؛ لعدم شيء فيه أو لمنع متوليه ولو ظلما ونذر وكفارة ووقف ووصية صيانة للنفوس، ولذا لو سئل قادر في دفع ضرر لم يجز له الامتناع وإن كان هناك قادر آخر؛ لئلا يؤدي إلى التواكل بخلاف المفتي له الامتناع إذا كان ثم غيره. و الواجب سد الضرورة دون الزيادة التي تلزم القريب (٥)، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما كأجرة طبيب وثمن أدوية وخادم منقطع.

стр. 1778

وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاؤُهَا، وَالحِرَفُ وَالصَّنَائِعُ، وَمَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعَاشُ، وَ جَوَابُ سَلَامٍ عَلَى جَمَاعَةٍ [تنبيه] يجب البذل هنا بلا بدل لا مطلقا بل مما زاد على كفاية السنة، ويأتي أن المالك لا يلزمه بذل طعامه للمضطر إلا ببدله ، وعليه فيجب البذل ما لم يحتجه حالا ولو على فقير لكن بالبدل، ويفرق بأن غرض إحياء النفوس ثمّ أوجب حمل الناس على البذل بأن لا يكلفوه مجانا وإلا لامتنعوا من البذل وإن عصوا فيؤدي إلى أعظم المفسدتين، وهنا لا فوات للنفس فلا موجب لمسامحتهم في ترك المواساة، ومما يندفع به ضرر المسلمين والذميين فك أسرائهم بتفصيله الآتي في الهدنة وعمارة نحو سور البلد، وكفاية القائمين بحفظها فمؤنة ذلك على بيت المال ثم على القادرين المذكورين. ولو تعذر استيعابهم خَصَّ به الوالي من شاء منهم. (وتَحَمُّل الشهادة) على أهلٍ له حضر إليه المشهود عليه أو طلبه إن عذر الطالب بنحو قضاء أو عذرِ جُمْعةٍ أي ولم يعذر المطلوب ولو بنحو عذر جمعة أيضا (وأداؤها) على من تحملها إن كان أكثر من نصاب وإلا فهو فرض عين على ما يأتي (والحرف والصنائع) كالتجارة والحجامة؛ لتوقف قيام الدين على قيام الدنيا وقيامها على ذينك [تنبيه] صرحوا بكراهة فعل بعض الحرف كالحجامة مع تصريحهم هنا بفرضيتها وهو مشكل وقد يجاب عنه أن المكروه أكل كسبها للحر لا فعلها. (وما يتم به المعاش) عطف مرادف; لأنه لا يخرج عن ذينك . [تنبيه] لا يحتاج في هذه لأمر الناس بها; لأن فطرهم مجبولة عليها لكن لو تمالئوا على ترك واحدة منها أثموا وقوتلوا كما هو قياس بقية فروض الكفاية. (وجواب سلام) مسنون وإن كرهت صيغته ولو مع رسول، أو في كتاب لكن هنا يكفي جوابه كتابة ويجب فيها -إن لم يَرُدَّ لفظا- الفور. ويسن الرد على المبلغ والبداءة به، فيقول وعليك وعليه السلام؛ للخبر المشهور فيه، من مسلم (١) مميز غير متحلل به من الصلاة (على جماعة) أي اثنين فأكثر مكلفين أو سكارى (٢) لهم نوع تمييز سمعوه، أما وجوبه فإجماع ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم لحقه; لأن الحق لله تعالى، وفي الأذكار: يسن أن يحلله بنحو أبرأته من حقي فإنه يسقط به حق الآدمي. اهـ.

стр. 1779

ويختص الراد بالثواب فإن ردوا كلهم ولو مرتبا أثيبوا ثواب الفرض كالمصلين على الجنازة. ولو ردت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام عليها وإلا فلا، أو ردّ صبي أو من لم يسمع منهم لم يسقط بخلاف نظيره في الجنازة وتشميت العاطس; لأن القصد الدعاء وهو منه أقرب للإجابة. ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة قاصدا جميعهم، أو أطلق أجزاه ما لم يحصل فصل ضار (١). ودخل في قولي مسنون (٢) سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو زوج، وكذا على أجنبي وهي عجوز لا تشتهى، ويلزمها في هذه الصور رد سلام الرجل، أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها رد سلام أجنبي ومثله ابتداؤه، ويكره له رد سلامها ومثله ابتداؤه أيضا، والفرق أن ردها وابتداءها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده، والخنثى مع الرجل كامرأة ومع المرأة كرجل في النظر فكذا هنا. ولو سلم على جمع نسوة وجب رد إحداهن؛ إذ لا يخشى فتنة حينئذ، ومن ثم حلت الخلوة بامرأتين، والظاهر أن الأمرد هنا كالرجل ابتداء وردا. وسلام ذمي فيجب رده بعليك، وسلام صبي أو مجنون مميز (٣) فيجب رده أيضا، وكذا سكران مميز (٤) لم يعص بسكره، أما المتعدي ففاسق، وأما غير المميز فليس فيه أهلية للخطاب كالمجنون، وخرج بقولي مسنون السلام على قاضي الحاجة ومن معه ممن يأتي فلا يجب رده، وإنما يجزئ الرد إن اتصل بالسلام كاتصال قبول البيع بإيجابه، وخرج بغير متحلل .. الخ سلام التحلل من الصلاة إذا نوى الحاضر عنده فلا يلزمه رده، وكذا لا يلزم رد سلام فاسق أو مبتدع؛ زجرا له أو لغيره وإن شرع سلامه، وخرج بجماعة الواحد فالرد فرض عين عليه. ولا بد في الابتداء والرد من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع، نعم إن مر عليه سريعا بحيث لم يبلغه صوته لزمه الرفع وسعه دون العدو خلفه، وظاهرٌ أنه لا بد من سماع جميع الصيغة ابتداء وردا، وحيث

стр. 1780

وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ إلَا عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلٍ وَفِي حَمَّامٍ، زالت الفورية فلا قضاء. ويجب في الرد على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة بنحو اليد ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المُسَلِّم عليه بين اللفظ والإشارة، ويغني عن الإشارة في الأول العلم بأن الأخرس فهم -بقرينة الحال والنظر إلى فمه- الرد عليه، وتكفي إشارة الأخرس ابتداء وردا، وصيغته ابتداء وجوابا عليك السلام وعكسه، ويجوز تنكير لفظه وإن حذف التنوين، ويجزئ سلاما عليكم، وكذا سلام الله أو سلامي عليك وعكسه. والأفضل في الرد واو قبله، وتضر في الابتداء كالاقتصار في أحدهما على أحد جزأي الجملة إلا وعليك رداً لسلام الذمي وإن نوى إضمار الآخر. ويسن عليكم في الواحد نظرا لمن معه من الملائكة، وزيادة ورحمة الله وبركاته ومغفرته ولا تجب وإن أتى المسلم بها، ويظهر إجزاء سلمت عليك وأنا مسلم عليك ونحو ذلك. (ويسن (١) عينا للواحد وكفاية للجماعة كالتسمية للأكل وتشميت العاطس وجوابه (ابتداؤه (٢) به عند إقباله أو انصرافه على مسلم؛ للخبر الحسن ((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)). ولو أتى بالسلام بعد تكلم لم يعتد به، نعم يحتمل في تكلم سهوا أو جهلا وعذر به أنه لا يفوت الابتداء به فيجب جوابه، أما الذمي فيحرم ابتداؤه بالسلام. ولو أرسل سلامه لغائب يشرع له السلام عليه بصيغة مما مر كقل له فلان يقول السلام عليك أو سلم لي عليه لزم الرسول أن يبلغه بنحو فلان يسلم عليك (٣)، فإنه أمانة ويجب أداؤها أي إن رضي بحمل السلام -بخلاف ما لو ردها (٤) أو سكت-، وعليه فيلزمه قصد محل المُسَلَّم عليه حيث لا مشقة شديدة عرفا عليه; لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب (إلا على) نحو (قاضي حاجة) بول أو غائط أو جماع؛ للنهي عنه (و) شارب و (آكل) في فمه اللقمة؛ لشغله عن الرد (و) كائن (في حمام)؛ لاشتغاله بالاغتسال بخلاف غير المشتغل به، ولا يكره السلام على من بمسلخة، وإلا على فاسق بل يسن تركه على مجاهر بفسقه ومرتكب ذنب عظيم لم يتب منه

стр. 1781

وَلَا جَوَابَ عَلَيْهِمْ ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة، وإلا على مصلٍّ وساجد ومُلبٍّ ومؤذن ومقيم وناعس وخطيب ومستمعه ومستغرق القلب بدعاء -إن شق عليه الرد أكثر من مشقة الرد على الآكل- ومتخاصمين بين يدي قاضٍ، (ولا جواب) يجب (عليهم) -إلا مستمع الخطيب فإنه يجب عليه- وذلك؛ لوضعه السلام في غير محله، بل يكره لقاضي حاجة ونحوه كالمجامع، ويسن للآكل، نعم يسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بالفم ويلزمه الرد، ولمن بالحمام ومُلَبٍّ ونحوهما باللفظ ولمصل ومؤذن بالإشارة وإلا فبعد الفراغ إن قرب الفصل. ويحرم على من سلم عليه نحو حربي أو مرتد. والأرجح ندبه على القارئ وإن اشتغل بالتدبر ووجوب الرد عليه، نعم إن استغرق التدبر قلبه وقد شق عليه ذلك لم يسن ابتداء ولا جواب; لأنه الآن بمنزلة غير المميز، بل ينبغي فيمن استغرقه هم كذلك أن يكون حكمه ذلك. ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير، وماشٍ على واقف أو مضطجع، وراكب عليهم، وقليلين على كثيرين; لأن نحو الماشي يخاف من نحو الراكب، ولزيادة مرتبة نحو الكبير على نحو الصغير. وخرج بالتلاقي الجالس والواقف والمضطجع فكل من ورد على أحدهم يسلم عليه مطلقا، ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني جوابا، أما إن كانا معاً فيلزم كُلاً الرد. [تتمة] لا يستحق مبتدئ بنحو صبحك الله بالخير أو قواك الله جوابا، ودعاؤه له في نظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله تأديبه; لتركه سنة السلام ، وحني الظهر مكروه ومثله الانحناء بالرأس وتقبيل نحو رأس أو يد أو رجل لاسيما لنحو غني; لحديث ((من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه))، ويندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف; لأن أبا عبيدة قبَّل يد عمر ﵄، ويسن القيام لمن فيه فضيلة ظاهرة من نحو صلاح أو علم أو ولادة أو نسب أو ولاية مصحوبة بصيانة عن مخالفة الشرع، أو لمن يُرجى خيره أو يُخشى من شره ولو كافرا خشي منه ضررا عظيما لا يحتمل عادة، ويكون على جهة البر والإكرام لا الرياء والإعظام، ويحرم على الداخل أن يحب قيامهم له; للحديث الحسن ((من أحب أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار))، أي أحب قيامهم واستمراره وهو جالس، أو طلباً للتكبر على غيره، أما من أحبه جودا منهم عليه لما أنه صار شعارا للمودة فلا حرمة فيه. ولا بأس بتقبيل وجه طفل رحمة ومودة; لخبر البخاري ((أنه ﷺ قبل ابنه إبراهيم))، ومحرم كذلك; لأن أبا بكر قبل

стр. 1782

وَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَ امْرَأَةٍ وَمَرِيضٍ وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ، وَأَقْطَعَ، وَأَشَلَّ، وَعَبْدٍ، وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ، خدَّ عائشة لحُمىً أصابتها. ويسن تقبيل قادم من سفر ومعانقته؛ للاتباع الصحيح في جعفر ﵁ لمّا قدم من الحبشة. ويحرم نحو تقبيل الأمرد الحسن غير نحو المحرم ومس شيء من بدنه بلا حائل كما مر. ويسن تشميت العاطس إذا حمد بيرحمك الله أو ربك، ولصغير بنحو أصلحك الله، أو بارك فيك، ويكره قبل الحمد، فإن شك قال يرحم الله من حمده أو يرحمك الله إن حمدته، ويسن تذكيره الحمد؛ للخبر المشهور فيه، وتكرير التشميت إلى ثلاث ثم بعدها يدعو له بالشفاء، ولو لم تتابع عرفا سُن التشميت بتكررها مطلقا. ويسن للعاطس وضع شيء على وجهه وخفض صوته ما أمكنه; للحديث الحسن ((العطسة الشديدة من الشيطان))، وإجابة مشمته بنحو يهديكم الله، ولم يجب؛ لأنه لا إخافة بتركه بخلاف رد السلام، وقوله إن لم يُشَمَّتْ يرحمني الله، ومر أن المصلي يحمد سرا ونحو قاضي الحاجة يحمد في نفسه بلا لفظ (ولا جهاد على صبي (١) ومجنون) ; لعدم تكليفهما (وامرأة)؛ لخبر البخاري ((جهادكن الحج والعمرة)) ولأنها جبلت على الضعف، ومثلها الخنثى (ومريض) مرضا يمنعه الركوب أو القتال بأن يحصل له مشقة لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم، ومثله بالأولى الأعمى، وكالمريض من له مريض لا متعهد له غيره، وكالأعمى ذو رمد وضعيف بصر لا يمكنه معه اتقاء السلاح. (وذي عرج بَيِّن) ولو في رجل وإن قدر على الركوب؛ للآية في الثلاثة. وخرج ببَيِّنِهِ يسيره الذي لا يمنع العدو (وأقطع وأشل) ولو لمعظم أصابع يد واحدة; إذ لا بطش لهما ولا نكاية، ومثلهما فاقد الأنامل. وبحث عدم تأثير قطع أصابع الرجلين إذا أمكنه المشي بلا عرج بيِّن (وعبد) ولو مبعضا ومكاتبا لنقصه وإن أمره سيده، والقياس أن مستأجر العين كذلك، وذمي; لأنه بذل الجزية لنذُبَّ عنه لا ليذب عنا، نعم يجب عليه بالنسبة لعقاب الآخرة كما مر (وعادم أهبة قتال) كسلاح ومؤنة نفسه أو ممونه ذهابا أو إيابا، وكذا مركوب والمقصد مسافة قصر مطلقا أو دونه ولا يطيق المشي، ويلزمه قبول بذلها من بيت المال دون غيره. ولو طرأ عليه فَقْدُ ذلك جاز له الرجوع ولو من الصف ما لم يفقد السلاح ويمكنه الرمي بحجر مثلا، أو يورث انصرافه فشلا في المسلمين وإلا حرم، ومحله إن لم يظن الموت

стр. 1783

وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ حَجٍّ مَنَعَ الجِهَادَ إلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، وَكَذَا مِنْ لُصُوصِ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالدَّيْنُ الحَالُّ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، وَالمُؤَجَّلُ لَا، وَقِيلَ يَمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا. وَيَحْرُمُ جِهَادٌ إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، لَا سَفَرُ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ جوعا أو نحوه لو لم ينصرف (وكل عذر منع وجوب حج منع الجهاد) أي وجوبه (إلا خوف طريق من كفار) فإنه وإن منع وجوب الحج إن عم لا يمنع وجوب الجهاد إن أمكنت مقاومتهم (وكذا) خوفها (من لصوص مسلمين) يمنع وجوب الحج إن عم ولا يمنع وجوب الجهاد (على الصحيح)؛ لذلك (والدَّين الحال) ولو لذمي وإن كان به رهن وثيق أو كفيل موسر (يحرم) على من هو في ذمته -ولو والدا- وهو موسر بأن كان عنده أزيد مما يبقى للمفلس، وأُلحق بالمدين وليه (سفر جهاد وغيرِه) وإن قصر -بأن بلغ ميلا أو نحوه-؛ رعاية لحق الغير، ومن ثم جاء في مسلم ((القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين)) (إلا بإذن غريمه) أو ظن رضاه وهو من أهل الإذن والرضا لرضاه بإسقاط حقه، نعم يندب أن لا يتعرض للشهادة بل يقف وسط الصف أو حاشيته؛ حفظا للدَّين، ولا يحرم سفره أيضا إن استناب من يقضيه من مال حاضر، ومثله دين ثابت على مليء، ولا أثر لإذن ولي الدائن; إذ لا مصلحة له في ذلك. (والمؤجل لا) يمنع سفرا مطلقا وإن قرب حلوله بشرط وصوله لما يحل له فيه القصر، وهو مؤجل؛ إذ لا مطالبة لمستحقه الآن، نعم له الخروج معه ليطالبه به عند حلوله. (وقيل يمنع سفرا مخوفا) كالجهاد وركوب البحر؛ صيانة لحق الغير (ويحرم) على حُر ومبعض ذكر وأنثى (جهاد) ولو مع عدم سفر (إلا بإذن أبويه) وإن عليا من سائر الجهات ولو مع وجود الأقرب وإن كانا قنين; لأن برهما فرض عين. هذا (إن كانا مسلمين) وإلا لم يجب استئذان الكافر; لاتهامه بمنعه له حمية لدينه وإن كان عدوا للمقاتلين. ويلزم المبعض استئذان سيده أيضا، والقن يحتاج لإذن سيده لا أبويه، ويحرم عليه أيضا بلا إذن سفر مع الخوف وإن قصر (١) مطلقا وطويل ولو مع الأمن إلا لعذر كما قال: (لا سفر تعلم فرض عين) ومثله كل واجب عيني وإن اتسع وقته لكن لهما منعه من الخروج لحجة الإسلام قبل خروج قافلة أهل بلده أي وقته في العادة لو أرادوه; لأنه إلى الآن لم يخاطب بالوجوب. وإن كان

стр. 1784

وَكَذَا كِفَايَةٌ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيمُ ثُمَّ رَجَعُوا وَجَبَ الرُّجُوعُ إنْ لَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ، فَإِنْ شَرَعَ فِي القِتَالِ حَرُمَ الِانْصِرَافُ فِي الْأَظْهَرِ الأوجه أنهما ليس لهما منع من أراد حجة الإسلام ولم تجب عليه (وكذا كفاية) من علم شرعي أو آلة له فلا يحتاج إلى إذن الأصل (في الأصح) إن كان السفر آمنا أو قل خطره وإلا كخوف أسقط وجوب الحج احتيج لإذنه حينئذ؛ لسقوط الفرض عنه حينئذ، ولم يجد ببلده من يصلح لكمال ما يريده أو رجي بقرينة زيادة فراغ أو إرشاد أستاذ كما يكتفي في سفره الآمن لتجارة بتوقع زيادة أو رواج وإن لم يأذن الأصل، وسواء أخرج وحده أو مع غيره كان ببلده متعددون يصلحون للإفتاء أم لا، وفارق الجهاد لخطره، نعم ينبغي أن يتوقع فيه بلوغ ما قصده وإلا كبليد لا يتأتى منه ذلك فلا ينبغي أن يجوز له السفر لأجل ذلك; لأنه كالعبث. ويشترط لخروجه -ولو للفرض- رشده، وأن لا يكون أمرداً جميلا إلا إن كان معه نحو محرم يأمن به على نفسه. ولو لزمته نفقة الأصل احتاج لإذنه أو إنابة من يمونه من مال حاضر، وأخذ منه البلقيني أن الفرع لو لزمت الأصل نفقته امتنع سفره إلا بإذن الفرع الأهل أو إنابة كذلك، ثم بحث أنه لو أدى نفقة يوم حل له السفر فيه كالدين المؤجل، وفيه نظر (١)، والأوجه منعه فيهما، وكذا في الزوجة إلا بإذن أو إنابة، ولا فرق في المنع من السفر المخوف كبحر -وإن غلبت فيه السلامة- وكسلوك بادية مخطرة ولو لعلم أو تجارة، ومنها السفر لحجة استؤجر عليها ذمة أو عينا بين الأصل المسلم وغيره إذ لا تهمة، (فإن أذن أبواه) أو سيده (والغريم) في الجهاد (ثم) بعد خروجه (رجعوا) أو كان الأصل كافرا ثم أسلم وصرح بالمنع (وجب) عليه إن علم ولم يخش خوفا ولا انكسار قلوب المسلمين برجوعه ولم يكن خرج بجعل (الرجوع) كما لو خرج بلا إذن (إن لم يحضر الصف) -وإلا حرم إلا على العبد بل يستحب- وذلك؛ لأن طرو المانع كابتدائه، فإن لم يمكنه الرجوع لنحو خوف على معصوم وأمكنه أن يسافر لمأمن أو يقيم به حتى يرجع مع الجيش أو غيرهم لزمه. ولو حدث عليه دين في السفر لم يمنع استمراره فيه إلا إن صرح الدائن بمنعه، وفارق ما مر في الابتداء بأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفره فيه، ومنه يؤخذ أن حلول المؤجل في الإثناء كذلك فلا يحرم عليه استمرار السفر إلا إن صرح له بالمنع (فإن) التقى الصفان أو (شرع في القتال) ثم طرأ ذلك وعلمه (حرم الانصراف في الأظهر) ; لعموم الأمر

стр. 1785

الثَّانِي يَدْخُلُونَ بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفْعُ بِالمُمْكِنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ وَجَبَ المُمْكِنُ حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ بِلَا إذْنٍ، وَقِيلَ: إنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ أَحْرَارٍ اُشْتُرِطَ إذْنُ سَيِّدِهِ، وَإِلَّا فَمَنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالمُمْكِنِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ، وَإِنْ جَوَّزَ الْأَسْرَ وَالْقَتْلَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ. وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْبَلَدِ .... بالثبات ولانكسار القلوب بانصرافه، نعم يكون وقوفه آخر الصف ليحرس وينبغي حمله على ما مر (١). (الثاني) من حالي الكفار (يدخلون) أي: دخولهم عمران الإسلام أو خرابه أو جباله، ثم إن دخلوا (بلدة لنا) أو صار بينهم وبينها دون مسافة القصر كان خطبا عظيما (فيلزم أهلها) عينا (الدفع) لهم (بالممكن) من أي شيء أطاقوه، ثم في ذلك تفصيل (فإن أمكن تأهب لقتال) بأن لم يهجموا بغتة (وجب الممكن) في دفعهم على كل منهم (حتى على) من لا يلزمه الجهاد نحو (فقير) بما يقدر عليه (وولد ومدين وعبد) وامرأة فيها قوة (بلا إذن) ممن مر، (وقيل إن حصلت مقاومة أحرار) منا لهم (اشترط إذن سيده) أي العبد للغنية عنه، والأصح لا؛ لتقوى القلوب، (وإلا) يمكن تأهب لهجومهم بغتة (فمن قُصِد) منا (دفع عن نفسه بالممكن) وجوبا (إن علم أنه إن أخذ قتل) وإن كان ممن لا جهاد عليه; لامتناع الاستسلام لكافر (وإن جوز الأسر والقتل فله) أن يدفع، و (أن يستسلم) إن ظن أنه إن امتنع منه قتل; لأن ترك الاستسلام حينئذ تعجيل للقتل. [تنبيه] من ظنّ في حالة عدم التمكن من التأهب أن من أخذ قتل عينا امتنع عليه الاستسلام، وكذا إن جوز الأسر والقتل ولم يعلم أنه يقتل إن امتنع عن الاستسلام; لأنه حينئذ ذل ديني من غير خوف على النفس بخلاف ما إذا علم أنه يقتل إذا امتنع عن الاستسلام، فيجوز له الاستسلام؛ لأن المكافحة والحالة هذه استعجال للقتل. ويلزم الدفع امرأة علمت وقوع فاحشة بها الآن بما أمكنها وإن أدى إلى قتلها; لأنها لا تباح بخوف القتل. (ومن هو دون مسافة القصر من البلد) وإن لم يكن من أهل الجهاد (كأهلها) في تعين وجوب القتال وخروجه بلا إذن من مر إن وجد زادا، و يلزمه مشي أطاقه وإن كان في أهلها كفاية; لأنهم في حكمهم.

стр. 1786

وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنَ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى المَسَافَةِ يَلْزَمُهُمْ المُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ. قِيلَ: وَإِنْ كَفَوْا. وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ النُّهُوضِ إلَيْهِمْ لِخَلَاصِهِ إنْ تَوَقَّعْنَاهُ. فصل يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (ومن) هم (على المسافة) المذكورة فما فوقها (يلزمهم) -الأقرب فالأقرب- إن وجدوا زادا وسلاحا ومركوبا، وإن أطاقوا المشي (الموافقة) لأهل ذلك المحل في الدفع (بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم)؛ دفعا عنهم وإنقاذا لهم، ولا يلزم الكل الخروج بل يكفي في سقوط الحرج عنهم خروج قوم منهم فيهم كفاية. (قيل وإن كفوا) أي أهل البلد ومن يليهم في الدفع؛ لعظم الخطب، فيجب على الأقرب فالأقرب حتى يصل الخبر بأنهم قد كُفوا. (ولو أسروا مسلما فالأصح وجوب النهوض إليهم) فورا على كل قادر ولو نحو قن بغير إذن (لخلاصه إن توقعناه) ولو على ندور وجوب عين كدخولهم دارنا بل أولى; لأن حرمة المسلم أعظم، ويسن للإمام بل وكل موسر (١) عند العجز عن خلاصه مفاداته بالمال، فمن قال لكافر أطلق أسيرك وعليّ كذا فأطلقه لزمه ولا يرجع به على الأسير إلا إن أذن له في مفاداته فيرجع عليه وإن لم يشرط له الرجوع كما مر قبيل الشركة (٢). (فصل) في مكروهات ومحرمات ومندوبات في الغزو (يكره غزو) وهو لغة: الطلب; لأن الغازي يطلب إعلاء كلمة الله تعالى. (بغير إذن الإمام أو نائبه) ; لأن أحدهما أعرف منه بالحاجة الداعية للقتال ولم يحرم لحل التغرير بالنفس في الجهاد. وليس لمرتزق استقلال بذلك; لأنه بمنزلة أجير لغرض مهم يرسل إليه. ولا كراهة إن فوّت الاستئذان المقصود أو عطل الإمام الغزو أو ظن أنه لا يأذن له ولم يخش منه فتنة.

стр. 1787

وَيُسَنُّ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ. وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ قَاوَمْنَاهُمْ. وَ بِعَبِيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَ مُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ. وَلَهُ بَذْلُ الْأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ المَالِ وَمِنْ مَالِهِ. وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ (ويسن) للإمام أو نائبه منع مخذل ومرجف من الخروج وحضور الصف وإخراجه منه ما لم يخش فتنة، ويظهر وجوب ذلك عليه فيمن علم منه ذلك وأن وجوده مضر لغيره، و (إذا بعث سرية (١) مثلا (أن يؤمر عليهم) من يوثق بدينه وخبرته ويأمرهم بطاعة الله ثم الأمير ويوصيه بهم، فإن أمّر نحو فاسق حرم (ويأخذ البَيعة) عليهم وهي اليمين بالله تعالى (بالثبات) على الجهاد وعدم الفرار؛ للاتباع فيهما كما صح عنه ﷺ . ويسن التأمير لجمع قصدوا سفرا. وتجب طاعة الأمير فيما يتعلق بما هم فيه. (وله) أي الإمام أو نائبه (الاستعانة بكفار) ولو حربيين (تؤمن خيانتهم) كأن يَعرف حسن رأيهم فينا، وبه يُعلم أنه لا بد (٢) أن يخالفوا العدو في معتقدهم، (ويكونون حيث لو انضمت فرقتا الكفر قاومناهم)؛ لأمن ضررهم حينئذ. ويشترط في جواز الإعانة بهم الاحتياج إليهم ولو لنحو خدمة أو قتال لقِلَّتنا، والضابط أن يكونوا بحيث لو انضموا إليهم لم يزيدوا على ضعفنا، ونفعل بالمستعان بهم الأصلح من أفرادهم وتفريقهم في الجيش، (وبعبيد بإذن السادة) -ولو مكاتبين ووصى بمنفعتهم لبيت المال- ونساء بإذن الأزواج ومدين وفرع بإذن دائن وأصل. (ومراهقين أقوياء) بإذن الأولياء والأصول ولو نساء أهل الذمة وصبيانهم; لأن لهم نفعاً ولو بسقي الماء وحراسة الأمتعة، ومن ثم جاز بمميز -ولو غير قوي- لا مجنون; لأنه لا يهتدي لنفع. (وله) أي الإمام أو نائبه (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله)؛ لينال ثواب الإعانة وكذا للآحاد ذلك، نعم إن بذل ليكون الغزو للباذل لم يجز. (ولا يصح) من إمام أو غيره (استئجار) لعين أو ذمة (مسلم) مكلف (٣) ولو قنا ومعذورا بناء على الأصح أنه لو دخل الكفار بلدنا تعين عليهما (لجهاد) كما قدمه في الإجارة؛ لتعينه عليه، ولأنه لا يصح التزامه في

стр. 1788

وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلْإِمَامِ، قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ. وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ وَ مَحْرَمٍ أَشَدُّ، قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﷺ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ. وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيْخٍ وَأَعْمَى وَزَمِنٍ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيٍ فِي الْأَظْهَرِ، الذمة. ومن أكره على الغزو لا أجرة له إن تعين عليه وإلا استحقها من خروجه إلى حضوره الوقعة، نعم المكره الغير المكلف ينبغي استحقاقه الأجرة مطلقا; لأنه لا يتعين عليه وإن حضر، ونحو الذمي المكرَه أو المستأجر بمجهول إذا قاتل استحق أجرة المثل وإلا فللذهاب فقط من خمس الخمس. ولمن عينه إمام أو نائبه إجبارا لتجهيز ميت أجرة في التركة، ثم في بيت المال ثم تسقط. (ويصح استئجار ذمي) ومعاهد ومستأمن بل وحربي لجهاد (للإمام) حيث تجوز الاستعانة به من خمس الخمس دون غيره؛ لأنه لا يقع عنه، واغتفرت جهالة العمل؛ للضرورة، فإن لم يخرج ولو لنحو صلح فسخت واسترد منه ما أخذه، وإن خرج ودخل دار الحرب وكان ترك القتال بغير اختيار فلا. ولو استؤجرت عين كافر فأسلم لم تنفسخ، (قيل ولغيره) من المسلمين استئجار الذمي كالأذان، نعم لو أذن الإمام له فيه جاز قطعا. (ويكره) تنزيها (لغازٍ قتل قريب) ; لأن فيه نوعا من قطع الرحم. (و) قتل قريب (محرم أشد) كراهة; لأنه ﷺ منع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن ﵄ يوم أُحُد، (قلت إلا أن يسمعه) يعني يعلمه ولو بغير سماع (يسب) أي يذكر بسوء (الله تعالى) أو نبيا من الأنبياء (أو رسوله) محمدا ﷺ أو الإسلام أو المسلمين. (والله أعلم) فلا كراهة حينئذ؛ تقديما لحق الله تعالى ولحق أنبيائه. (ويحرم)؛ لما ورد من نهي (قتل صبي ومجنون وامرأة) وإن لم يكن لها كتاب (١). (وخنثى مشكل) ومن به رق، نعم إذا قاتل أحدٌ منهم قتل كما لو سب مكلف منهم الإسلامَ أو أحد المسلمين، ومحل قتلهم إن لم ينهزموا وإلا لم نتبعهم أو تترس بهم الكفار وإن أمكن دفعهم بغير القتل، نعم للمضطر قتل هؤلاء لأكلهم (ويحل قتل) ذكر (راهب) -وهو عابد النصارى- وسُوْقَة (وأجير) ; لأن فيهم رأيا وقتالا. (وشيخ وأعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر)؛ لعموم قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ التوبة: ٥، نعم الرسل لا يجوز قتلهم كما استمر عليه عمله ﷺ وعمل الخلفاء الراشدين، ومحل الخلاف فيمن تقدم إن

стр. 1789

فَيُسْتَرَقُّونَ، وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ. وَيَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ وَإِرْسَالُ المَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَتَبْيِيتُهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ جَازَ ذَلِكَ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوِ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ جَازَ رَمْيُهُمْ، وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ فَالْأَظْهَرُ تَرْكُهُمْ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ تَرَكْنَاهُمْ، لم يكن أحدهم ذا رأي أو قتال وإلا جاز قتله قطعا. وإذا جاز قتل هؤلاء (فيسترقون) أي يضرب الإمام عليهم الرق إن شاء، (وتُسْبى نساؤهم) وصبيانهم (و) تغنم (أموالهم)؛ لإهدارهم (ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع) وغيرها (وإرسال الماء عليهم) وقطعه عنهم (ورميهم بنار ومنجنيق) وغيرهما وإن كان فيهم نساء وصبيان ولو قدرنا عليهم بدون ذلك، وذلك؛ لقوله تعالى ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ التوبة: ٥ ولأنه ( ﷺ حصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق))، نعم لو تحصَّن حربيون بمحل من حرم مكة لم يجز حصارهم ولا قتالهم بما يعم تعظيما للحرم، وظاهرٌ أن محله حيث لم يضطر لذلك. (وتبييتهم) أي الإغارة عليهم ليلا. (في غفلة)؛ للاتباع، وقال عن نسائهم وذراريهم لَمَّا سئل عنهم ((هم منهم))، نعم يكره ذلك حيث لا حاجة إليه; لأنه لا يؤمن من قَتْل مسلم يظن أنه كافر. ولا يقاتل من علمنا أنه لم تبلغه الدعوة بهذا ولا بغيره حتى يُعْرَض عليه الإسلام وإلا ضمن، أما من بلغته فله قتله ولو بما يعُم وسبي تابعيه إلى أن يسلم ويلتزم الجزية إن كان من أهلها (وإن كان فيهم مسلم) واحد فأكثر (أسير أو تاجر جاز ذلك) أي إحصارهم وقتلهم بما يعم وتبييتهم في غفلة وإن علم قتل المسلم بذلك لكن يجب توقيه ما أمكن (على المذهب)؛ لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم، نعم يكره ذلك حيث لم يضطر إليه كأن لم يحصل الفتح إلا به؛ تحرزا من إيذاء المسلم ما أمكن، ومثله في ذلك الذمي. ولا ضمان هنا في قتله; لأن الفرض أنه لم تعلم عينه. (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء) وخناثى (وصبيان) ومجانين وعبيد منهم. (جاز رميهم) إذا اضطررنا إليه؛ للضرورة، (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم) التحم حرب أوْ لا (ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم) وجوبا؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة لكن المعتمد الكراهة فقط. ويشترط أن يقصد بذلك التوصل إلى رجالهم. (وإن تترسوا بمسلمين) أو ذميين (فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم) وجوبا؛ صيانة لهم.

стр. 1790

وَإِلَّا جَازَ رَمْيُهُمْ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحْرُمُ الِانْصِرَافُ عَنْ الصَّفِّ إذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، وَيَجُوزُ إلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الْأَصَحِّ (وإلا) بأن تترسوا بهم في حال التحام الحرب واضطررنا لرميهم بأن كنا لو انكففنا عنهم ظفروا بنا أو عظمت نكايتهم فينا (جاز) وقيل يجب (رميهم في الأصح) ويُتَوَقَّوْنَ بحسب الإمكان; لأن مفسدة الكف عنهم أعظم ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام، ومع الجواز أو الوجوب يضمن المسلم ونحو الذمي بالدية أو القيمة والكفارة إن علم وأمكن توقيه (١). (ويحرم الانصراف) على من هو من أهل فرض الجهاد الآن لا غيره ممن مر (عن الصف) بعد التلاقي وإن غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل؛ لقوله تعالى ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الأنفال: ١٥. وخرج بالصف ما لو لقي مسلم كافرين فطلبهما أو طلباه فلا يحرم عليه الفرار; لأن فرض الثبات إنما هو في الجماعة. ولأهل بلد قُصِدُوا التحصن منهم; لأن الإثم إنما هو فيمن فر بعد اللقاء. ولو ذهب سلاحه وأمكنه الرمي بالحجارة لم يجز له الانصراف، وكذا من مات فرسه وأمكنه القتال راجلا، نعم إذا غلب ظن الهلاك بالثبات من غير نكاية فيهم وجب الفرار (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا)؛ للآية. أما إذا زادوا على المثلين فيجوز الانصراف مطلقا (إلا متحرفا لقتال) أي منتقلا عن محله ليكمن أو لأرفع منه أو أصون عن نحو شمس أو ريح أو عطش (أو متحيزا) أي ذاهبا (إلى فئة) من المسلمين وإن قلَّت (يستنجد بها) على العدو وهي قريبة بأن يكون بحيث يدرك غوثها المتحيز عنهما عند الاستغاثة؛ للآية، ولا يلزم تحقيق قصده بالرجوع للقتال; لأن الجهاد لا يجب قضاؤه، والكلام فيمن تحرف أو تحيز بقصد ذلك ثم طرأ له عدم العود، أما جعله وسيلة لذلك فشديد الإثم؛ إذ لا تمكن مخادعة الله في العزائم (ويجوز) التحيز (إلى فئة بعيدة) حيث لا أقرب منهم أي تطيعه في ظنه (في الأصح)؛ لإطلاق الآية وإن انقضى القتال قبل عوده أو مجيئهم اكتفاءً باجتماعهم في دار الحرب بل وإن كان فيه انكسار لقلب من انهزم منهم (٢). ولا يشترط لحله استشعاره عجزا محوجا إلى الاستنجاد.
следующие страницы →