← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20

مختصر تحفة المحتاج بشرح المنهاج

مصطفى سميط

Полный текст (2 142 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنَ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى المَسَافَةِ يَلْزَمُهُمْ المُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ. قِيلَ: وَإِنْ كَفَوْا. وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ النُّهُوضِ إلَيْهِمْ لِخَلَاصِهِ إنْ تَوَقَّعْنَاهُ. فصل يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (ومن) هم (على المسافة) المذكورة فما فوقها (يلزمهم) -الأقرب فالأقرب- إن وجدوا زادا وسلاحا ومركوبا، وإن أطاقوا المشي (الموافقة) لأهل ذلك المحل في الدفع (بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم)؛ دفعا عنهم وإنقاذا لهم، ولا يلزم الكل الخروج بل يكفي في سقوط الحرج عنهم خروج قوم منهم فيهم كفاية. (قيل وإن كفوا) أي أهل البلد ومن يليهم في الدفع؛ لعظم الخطب، فيجب على الأقرب فالأقرب حتى يصل الخبر بأنهم قد كُفوا. (ولو أسروا مسلما فالأصح وجوب النهوض إليهم) فورا على كل قادر ولو نحو قن بغير إذن (لخلاصه إن توقعناه) ولو على ندور وجوب عين كدخولهم دارنا بل أولى; لأن حرمة المسلم أعظم، ويسن للإمام بل وكل موسر (١) عند العجز عن خلاصه مفاداته بالمال، فمن قال لكافر أطلق أسيرك وعليّ كذا فأطلقه لزمه ولا يرجع به على الأسير إلا إن أذن له في مفاداته فيرجع عليه وإن لم يشرط له الرجوع كما مر قبيل الشركة (٢). (فصل) في مكروهات ومحرمات ومندوبات في الغزو (يكره غزو) وهو لغة: الطلب; لأن الغازي يطلب إعلاء كلمة الله تعالى. (بغير إذن الإمام أو نائبه) ; لأن أحدهما أعرف منه بالحاجة الداعية للقتال ولم يحرم لحل التغرير بالنفس في الجهاد. وليس لمرتزق استقلال بذلك; لأنه بمنزلة أجير لغرض مهم يرسل إليه. ولا كراهة إن فوّت الاستئذان المقصود أو عطل الإمام الغزو أو ظن أنه لا يأذن له ولم يخش منه فتنة.

стр. 1787

وَيُسَنُّ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ. وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ قَاوَمْنَاهُمْ. وَ بِعَبِيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَ مُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ. وَلَهُ بَذْلُ الْأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ المَالِ وَمِنْ مَالِهِ. وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ (ويسن) للإمام أو نائبه منع مخذل ومرجف من الخروج وحضور الصف وإخراجه منه ما لم يخش فتنة، ويظهر وجوب ذلك عليه فيمن علم منه ذلك وأن وجوده مضر لغيره، و (إذا بعث سرية (١) مثلا (أن يؤمر عليهم) من يوثق بدينه وخبرته ويأمرهم بطاعة الله ثم الأمير ويوصيه بهم، فإن أمّر نحو فاسق حرم (ويأخذ البَيعة) عليهم وهي اليمين بالله تعالى (بالثبات) على الجهاد وعدم الفرار؛ للاتباع فيهما كما صح عنه ﷺ . ويسن التأمير لجمع قصدوا سفرا. وتجب طاعة الأمير فيما يتعلق بما هم فيه. (وله) أي الإمام أو نائبه (الاستعانة بكفار) ولو حربيين (تؤمن خيانتهم) كأن يَعرف حسن رأيهم فينا، وبه يُعلم أنه لا بد (٢) أن يخالفوا العدو في معتقدهم، (ويكونون حيث لو انضمت فرقتا الكفر قاومناهم)؛ لأمن ضررهم حينئذ. ويشترط في جواز الإعانة بهم الاحتياج إليهم ولو لنحو خدمة أو قتال لقِلَّتنا، والضابط أن يكونوا بحيث لو انضموا إليهم لم يزيدوا على ضعفنا، ونفعل بالمستعان بهم الأصلح من أفرادهم وتفريقهم في الجيش، (وبعبيد بإذن السادة) -ولو مكاتبين ووصى بمنفعتهم لبيت المال- ونساء بإذن الأزواج ومدين وفرع بإذن دائن وأصل. (ومراهقين أقوياء) بإذن الأولياء والأصول ولو نساء أهل الذمة وصبيانهم; لأن لهم نفعاً ولو بسقي الماء وحراسة الأمتعة، ومن ثم جاز بمميز -ولو غير قوي- لا مجنون; لأنه لا يهتدي لنفع. (وله) أي الإمام أو نائبه (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله)؛ لينال ثواب الإعانة وكذا للآحاد ذلك، نعم إن بذل ليكون الغزو للباذل لم يجز. (ولا يصح) من إمام أو غيره (استئجار) لعين أو ذمة (مسلم) مكلف (٣) ولو قنا ومعذورا بناء على الأصح أنه لو دخل الكفار بلدنا تعين عليهما (لجهاد) كما قدمه في الإجارة؛ لتعينه عليه، ولأنه لا يصح التزامه في

стр. 1788

وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلْإِمَامِ، قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ. وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ وَ مَحْرَمٍ أَشَدُّ، قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﷺ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ. وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيْخٍ وَأَعْمَى وَزَمِنٍ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيٍ فِي الْأَظْهَرِ، الذمة. ومن أكره على الغزو لا أجرة له إن تعين عليه وإلا استحقها من خروجه إلى حضوره الوقعة، نعم المكره الغير المكلف ينبغي استحقاقه الأجرة مطلقا; لأنه لا يتعين عليه وإن حضر، ونحو الذمي المكرَه أو المستأجر بمجهول إذا قاتل استحق أجرة المثل وإلا فللذهاب فقط من خمس الخمس. ولمن عينه إمام أو نائبه إجبارا لتجهيز ميت أجرة في التركة، ثم في بيت المال ثم تسقط. (ويصح استئجار ذمي) ومعاهد ومستأمن بل وحربي لجهاد (للإمام) حيث تجوز الاستعانة به من خمس الخمس دون غيره؛ لأنه لا يقع عنه، واغتفرت جهالة العمل؛ للضرورة، فإن لم يخرج ولو لنحو صلح فسخت واسترد منه ما أخذه، وإن خرج ودخل دار الحرب وكان ترك القتال بغير اختيار فلا. ولو استؤجرت عين كافر فأسلم لم تنفسخ، (قيل ولغيره) من المسلمين استئجار الذمي كالأذان، نعم لو أذن الإمام له فيه جاز قطعا. (ويكره) تنزيها (لغازٍ قتل قريب) ; لأن فيه نوعا من قطع الرحم. (و) قتل قريب (محرم أشد) كراهة; لأنه ﷺ منع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن ﵄ يوم أُحُد، (قلت إلا أن يسمعه) يعني يعلمه ولو بغير سماع (يسب) أي يذكر بسوء (الله تعالى) أو نبيا من الأنبياء (أو رسوله) محمدا ﷺ أو الإسلام أو المسلمين. (والله أعلم) فلا كراهة حينئذ؛ تقديما لحق الله تعالى ولحق أنبيائه. (ويحرم)؛ لما ورد من نهي (قتل صبي ومجنون وامرأة) وإن لم يكن لها كتاب (١). (وخنثى مشكل) ومن به رق، نعم إذا قاتل أحدٌ منهم قتل كما لو سب مكلف منهم الإسلامَ أو أحد المسلمين، ومحل قتلهم إن لم ينهزموا وإلا لم نتبعهم أو تترس بهم الكفار وإن أمكن دفعهم بغير القتل، نعم للمضطر قتل هؤلاء لأكلهم (ويحل قتل) ذكر (راهب) -وهو عابد النصارى- وسُوْقَة (وأجير) ; لأن فيهم رأيا وقتالا. (وشيخ وأعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر)؛ لعموم قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ التوبة: ٥، نعم الرسل لا يجوز قتلهم كما استمر عليه عمله ﷺ وعمل الخلفاء الراشدين، ومحل الخلاف فيمن تقدم إن

стр. 1789

فَيُسْتَرَقُّونَ، وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ. وَيَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ وَإِرْسَالُ المَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَتَبْيِيتُهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ جَازَ ذَلِكَ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوِ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ جَازَ رَمْيُهُمْ، وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ فَالْأَظْهَرُ تَرْكُهُمْ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ تَرَكْنَاهُمْ، لم يكن أحدهم ذا رأي أو قتال وإلا جاز قتله قطعا. وإذا جاز قتل هؤلاء (فيسترقون) أي يضرب الإمام عليهم الرق إن شاء، (وتُسْبى نساؤهم) وصبيانهم (و) تغنم (أموالهم)؛ لإهدارهم (ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع) وغيرها (وإرسال الماء عليهم) وقطعه عنهم (ورميهم بنار ومنجنيق) وغيرهما وإن كان فيهم نساء وصبيان ولو قدرنا عليهم بدون ذلك، وذلك؛ لقوله تعالى ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ التوبة: ٥ ولأنه ( ﷺ حصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق))، نعم لو تحصَّن حربيون بمحل من حرم مكة لم يجز حصارهم ولا قتالهم بما يعم تعظيما للحرم، وظاهرٌ أن محله حيث لم يضطر لذلك. (وتبييتهم) أي الإغارة عليهم ليلا. (في غفلة)؛ للاتباع، وقال عن نسائهم وذراريهم لَمَّا سئل عنهم ((هم منهم))، نعم يكره ذلك حيث لا حاجة إليه; لأنه لا يؤمن من قَتْل مسلم يظن أنه كافر. ولا يقاتل من علمنا أنه لم تبلغه الدعوة بهذا ولا بغيره حتى يُعْرَض عليه الإسلام وإلا ضمن، أما من بلغته فله قتله ولو بما يعُم وسبي تابعيه إلى أن يسلم ويلتزم الجزية إن كان من أهلها (وإن كان فيهم مسلم) واحد فأكثر (أسير أو تاجر جاز ذلك) أي إحصارهم وقتلهم بما يعم وتبييتهم في غفلة وإن علم قتل المسلم بذلك لكن يجب توقيه ما أمكن (على المذهب)؛ لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم، نعم يكره ذلك حيث لم يضطر إليه كأن لم يحصل الفتح إلا به؛ تحرزا من إيذاء المسلم ما أمكن، ومثله في ذلك الذمي. ولا ضمان هنا في قتله; لأن الفرض أنه لم تعلم عينه. (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء) وخناثى (وصبيان) ومجانين وعبيد منهم. (جاز رميهم) إذا اضطررنا إليه؛ للضرورة، (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم) التحم حرب أوْ لا (ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم) وجوبا؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة لكن المعتمد الكراهة فقط. ويشترط أن يقصد بذلك التوصل إلى رجالهم. (وإن تترسوا بمسلمين) أو ذميين (فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم) وجوبا؛ صيانة لهم.

стр. 1790

وَإِلَّا جَازَ رَمْيُهُمْ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحْرُمُ الِانْصِرَافُ عَنْ الصَّفِّ إذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، وَيَجُوزُ إلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الْأَصَحِّ (وإلا) بأن تترسوا بهم في حال التحام الحرب واضطررنا لرميهم بأن كنا لو انكففنا عنهم ظفروا بنا أو عظمت نكايتهم فينا (جاز) وقيل يجب (رميهم في الأصح) ويُتَوَقَّوْنَ بحسب الإمكان; لأن مفسدة الكف عنهم أعظم ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام، ومع الجواز أو الوجوب يضمن المسلم ونحو الذمي بالدية أو القيمة والكفارة إن علم وأمكن توقيه (١). (ويحرم الانصراف) على من هو من أهل فرض الجهاد الآن لا غيره ممن مر (عن الصف) بعد التلاقي وإن غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل؛ لقوله تعالى ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الأنفال: ١٥. وخرج بالصف ما لو لقي مسلم كافرين فطلبهما أو طلباه فلا يحرم عليه الفرار; لأن فرض الثبات إنما هو في الجماعة. ولأهل بلد قُصِدُوا التحصن منهم; لأن الإثم إنما هو فيمن فر بعد اللقاء. ولو ذهب سلاحه وأمكنه الرمي بالحجارة لم يجز له الانصراف، وكذا من مات فرسه وأمكنه القتال راجلا، نعم إذا غلب ظن الهلاك بالثبات من غير نكاية فيهم وجب الفرار (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا)؛ للآية. أما إذا زادوا على المثلين فيجوز الانصراف مطلقا (إلا متحرفا لقتال) أي منتقلا عن محله ليكمن أو لأرفع منه أو أصون عن نحو شمس أو ريح أو عطش (أو متحيزا) أي ذاهبا (إلى فئة) من المسلمين وإن قلَّت (يستنجد بها) على العدو وهي قريبة بأن يكون بحيث يدرك غوثها المتحيز عنهما عند الاستغاثة؛ للآية، ولا يلزم تحقيق قصده بالرجوع للقتال; لأن الجهاد لا يجب قضاؤه، والكلام فيمن تحرف أو تحيز بقصد ذلك ثم طرأ له عدم العود، أما جعله وسيلة لذلك فشديد الإثم؛ إذ لا تمكن مخادعة الله في العزائم (ويجوز) التحيز (إلى فئة بعيدة) حيث لا أقرب منهم أي تطيعه في ظنه (في الأصح)؛ لإطلاق الآية وإن انقضى القتال قبل عوده أو مجيئهم اكتفاءً باجتماعهم في دار الحرب بل وإن كان فيه انكسار لقلب من انهزم منهم (٢). ولا يشترط لحله استشعاره عجزا محوجا إلى الاستنجاد.

стр. 1791

وَلَا يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إلَى بَعِيدَةٍ الجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إلَى قَرِيبَةٍ فِي الْأَصَحِّ. فَإِنْ زَادَ عَلَى مِثْلَيْنِ جَازَ الِانْصِرَافُ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِائَةِ بَطَلٍ عَنْ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ فِي الْأَصَحِّ. وَتَجُوزُ المُبَارَزَةُ فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ اُسْتُحِبَّ الخُرُوجُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ (ولا يشارك) متحرف لمحل بعيد إلا إن غاب القريب غيبة اضطر إليها لأجل التحرف، ولا (متحيز إلى) فئة (بعيدة الجيشَ فيما غنم بعد مفارقته، ويشارك متحيز إلى) فئة (قريبة في الأصح)؛ لبقاء نصرته، ويصدق بيمينه أنه قصد التحرف أو التحيز وإن لم يعد إلا بعد انقضاء القتال (١). ومن أُرسل جاسوسا شارك فيما غنم في غيبته مطلقا; لأنه مع كونه في مصلحتهم خاطر بنفسه أكثر من بقائه. (فإن زادوا على مثلينا جاز الانصراف) مطلقا؛ للآية، (إلا أنه يحرم انصراف مائة بطل عن مائتين وواحد ضعفاء) ويجوز انصراف مائة ضعفاء عن مائة وتسعة وتسعين أبطالا. (في الأصح)؛ اعتبارا بالمعنى لجواز استنباط معنى من النص يخصصه; لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا لهم، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف، ومن ثم لم يختص الخلاف بزيادة الواحد ونقصه ولا براكب وماش بل الضابط أن يكون في المسلمين من القوة ما يغلب على الظن أنهم يقاومون الزائد على مثليهم ويرجون الظفر بهم أو من الضعف ما لا يقاومونهم. وإذا جاز الانصراف فإن غلب الهلاك بلا نكاية وجب أو بها استحب. (وتجوز) أي تباح (المبارزة) كما وقعت ببدر وغيرها، نعم تمتنع (٢) على مدين وذي أصل رجعا عن إذنهما وقن لم يؤذن له في خصوصها. (فإن طلبها كافر استحب الخروج إليه)؛ لما في تركها حينئذ من استهتارهم بنا (وإنما تحسن) أي تباح (٣) أو تسن المبارزة (٤) (ممن جرب نفسه) فعرف قوته وجراءته (وبإذن الإمام) أو أمير الجيش; لأنه أعرف بالمصلحة من غيره، فإن اختل شرط من ذلك كرهت ابتداء وإجابة، وجازت بلا إذنه؛ لجواز التغرير بالنفس في الجهاد. ويعتبر في الاستحباب أن لا يدخل بقتله ضرر علينا كهزيمة تحصل لنا لكونه كبيرنا، وأن لا يكون عبدا

стр. 1792

وَيَجُوزُ إتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا، فَإِنْ رُجِيَ نُدِبَ التَّرْكُ. وَيَحْرُمُ إتْلَافُ الحَيَوَانِ إلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفْرٍ بِهِمْ أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إلَيْهِمْ وَضَرَرَهُ. فصل نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إذَا أُسِرُوا رَقُّوا، وَكَذَا الْعَبِيدُ ولا فرعا مأذونا لهما في الجهاد من غير تصريح بالإذن في المبارزة وإلا فتكره لهما ابتداء وإجابة مثلهما المَدِين (ويجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم)؛ للاتباع في نخل بني النضير النازل فيه أول الحشر لَمَّا زعموه فسادا رواه الشيخان، (وكذا) يجوز إتلافها (إن لم يرج حصولها لنا)؛ إغاظة وإضعافا لهم، (فإن رجي) أي ظن حصولها لنا (ندب الترك) وكره الفعل؛ حفظا لحق الغانمين (ويحرم إتلاف الحيوان) المحترم بغير ذبح يُجَوِّز أكله؛ رعاية لحرمة روحه، ومن ثم منع مالكه من إجاعته وتعطيشه بخلاف نحو الشجر (إلا ما يقاتِلون عليه) فيجوز إتلافه. (لدفعهم أو ظفر بهم)؛ قياسا على ما مر في ذراريهم بل أولى (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) فيجوز إتلافه أيضا؛ دفعا لهذه المفسدة، أما خوف رجوعه فقط فلا يجوز إتلافه بل يذبح للأكل، وأما غير المحترم كخنزير فيجوز بل يسن إتلافه مطلقا إلا إن كان يتعدى على الناس فيجب. (فصل) في حكم الأسر وأموال الحربيين (نساء الكفار) غير المرتدات وإن لم يكن لهن كتاب، أو كن حاملات بمسلم ومثلهن الخناثى (وصبيانهم (١) ومجانينهم حالة الأسر وإن تقطع جنونهم (إذا أُسروا رقوا) بنفس الأسر فخمسهم لأهل الخمس وباقيهم للغانمين، (وكذا العبيد) ولو مسلمين يرقون بالأسر أي يدام عليهم حكم الرق المنتقل إلينا فيخمسون أيضا وكالعبد فيما ذكر المبعض (٢) بالنسبة لبعضه القن، وأما بعضه الحر فيتخير فيه بين الرق والمن والفداء. ولإمام قتلُُ امرأة وقن قتلا

стр. 1793

وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي الْأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ، وَيَفْعَلُ الْأَحَظَّ، لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ، فَإِنْ خَفِيَ الْأَحَظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَلَهُ. وَقِيلَ لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ مسلما؛ تنفيرا لهم عن قتل المسلم ما أمكن (١)، وليس ذلك بقَوَدٍ؛ لما تقدم أنه لا قود على حربي (ويجتهد الإمام) أو أمير الجيش (في) الذكور (الأحرار الكاملين) أي المكلفين إذا أسروا (ويفعل) وجوبا (الأحظ للمسلمين) باجتهاده لا بتشهيه (من قتل) بضرب العنق لا غير؛ للاتباع. (ومَنٍّ) عليهم بتخلية سبيلهم من غير مقابل (وفداء بأسرى) منا أو من الذميين ولو واحدا في مقابلة جمع منا أو منهم (أو مال) -فيخمس وجوبا- أو بنحو سلاحنا ويفادي سلاحهم بأسرانا لا بمال إلا إن ظهرت فيه المصلحة ظهورا تاما من غير ريبة. (واسترقاق) ولو لنحو وثني وعربي وبعض شخص ولا يسري لكله. (فإن خفي) عليه (الأحظ) حالا (حبسهم) وجوبا. (حتى يظهر له) الصواب فيفعله، (وقيل لا يسترق وثني) كما لا يُقرُّ بجزية، ويرد بوضوح الفرق، (وكذا عربي في قول)؛ لخبر فيه. ومَن قتل أسيرا غير كامل لزمته قيمته أو كاملا قبل التخير فيه عزر فقط. [تنبيه] لو اختار الإمام خصلة ظهر له بالاجتهاد أنها الأحظ ثم ظهر له به أن الأحظ غيرها فإن كانت رقا لم يجز له الرجوع عنها مطلقا; لأن الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرد ضربه الرق فلم يملك إبطاله عليهم، أو قتلا جاز له الرجوع عنه؛ تغليبا لحقن الدماء ما أمكن، أو فداء أو مَنَّا لم يعمل بالثاني؛ لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجب، نعم إن كان اختياره أحدهما لسبب ثم زال ذلك السبب وتعينت المصلحة في الثاني عمل بقضيته. وليس هذا نقض اجتهاد باجتهاد بل بما يشبه النص؛ لزوال موجب الأول بالكلية. ولا بد في الاسترقاق من لفظ يدل عليه ولا يكفي فيه مجرد الفعل كالاستخدام; لأنه لا يستلزمه وكذا الفداء، نعم يكفي فيه لفظ ملتزم البدل مع قبض الإمام له من غير لفظ بخلاف الخصلتين الأخريين؛ لحصولهما بمجرد الفعل.

стр. 1794

وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ عُصِمَ دَمُهُ وَبَقِيَ الخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ. وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ، يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَصِغَارَ وَلَدِهِ، لَا زَوْجَتَهُ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنِ اسْتُرِقَّتِ انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الحَالِ، وَقِيلَ إنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولٍ بِهَا اُنْتُظِرَتِ الْعِدَّةُ فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيهَا. وَيَجُوزُ إرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا عَتِيقُهُ فِي الْأَصَحِّ (ولو أسلم أسير) كامل (١) أو بذل الجزية قبل أن يختار الإمام فيه شيئا (عُصِم دمه)؛ للحديث الآتي، ولم يذكر هنا ((وماله)) ; لأنه لا يعصمه إذا اختار الإمام رقه، ولا صغار ولده؛ للحكم بإسلامهم تبعا له وإن كانوا بدار الحرب أو أرقاء والأصلُ المسلمُ قِنا، وعليه إذا تبعه أولاده في الإسلام وهم أحرار لم يرقوا؛ لامتناع طرو الرق على من قارن إسلامه حريته، ومن ثم أجمعوا على أن الحر المسلم لا يسبى ولا يسترق، أو أرقاء لم ينقض رقهم، ومن ثم لو ملك حربي صغيرا ثم حكم بإسلامه تبعا لأصله جاز سبيه واسترقاقه (وبقي الخيار في الباقي) أي باقي الخصال السابقة، أو بعد أن اختار المن أو الفداء أو الرق تعين ما اختاره الإمام، ومحل جواز المفاداة مع إرادة الإقامة في دار الكفر إن كان له ثم عشيرة يأمن معها على نفسه ودينه (وفي قول يتعين الرق) بنفس الإسلام كالذرية بجامع حرمة القتل (وإسلام كافر) مكلف (قبل ظفر به) أي قبل وضع أيدينا عليه (يعصم دمه) أي نفسه عن كل ما مر (وماله) جميعه بدارنا ودارهم؛ لما مر في الخبر المتفق عليه ((فإذا قالوها أي الشهادة عصموا مني دماءهم وأموالهم)). (وصغار) ومجانين (ولده) الأحرار وإن سفلوا -ولو كان الأقرب حيا كافرا- عن الاسترقاق; لأنهم يتبعونه في الإسلام، ومن ثم كان الحمل كمنفصل والبالغ العاقل الحر كمستقل، (لا زوجته على المذهب) ولو حاملا منه فلا يعصمها عن الاسترقاق؛ لاستقلالها (فإذا استرقت) أي حكم برقها بأن أسرت إذ هي ترق بنفس الأسر (انقطع نكاحه في الحال) ولو بعد وطء؛ لزوال ملكها عن نفسها فملك الزوج عنها أولى (وقيل إن كان) أسرها (بعد دخول انتظرت العدة فلعلها تعتق فيها) فيدوم النكاح كالردة (ويجوز إرقاق زوجة ذمي) بمعنى أنها ترق بنفس الأسر وينقطع نكاحه إذا كانت حربية حادثة بعد عقد الذمة أو خارجة عن طاعتنا حين عقدها، (وكذا عتيقه) الصغير والكبير والعاقل والمجنون (في الأصح) إذا لحق بدار الحرب يجوز استرقاقه؛ لجوازه في سيده لو لحق بها فهو أولى.

стр. 1795

لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتُهُ الحَرْبِيَّةُ عَلَى المَذْهَبِ، وَإِذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ إنْ كَانَا حُرَّيْنِ قِيلَ أَوْ رَقِيقَيْنِ. وَإِذَا أُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَسْقُطْ فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إنْ غُنِمَ بَعْدَ إرْقَاقِهِ (لا عتيق مسلم) حال الأسر وإن كان كافرا قبله فلا يجوز إرقاقه إذا حارب؛ لأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع (و) لا (زوجته الحربية) فلا يجوز إرقاقها أيضا (على المذهب) والمعتمد فيها الجواز (١) كزوجة حربي أسلم (وإذا سبي زوجان أو أحدهما انفسخ النكاح) بينهما (إن كانا حرين) وإن كان الزوج مسلما (٢)؛ لما في خبر مسلم أنهم لمّا امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات المتزوجات نزل ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ النساء: ٢٤، ومحل الانفساخ في سبي الزوج إذا كان صغيرا أو مجنونا أو مكلفا واختار الإمام رقه، فإن منّ عليه أو فادى به استمر نكاحه. أما لو كان أحدهما حرا فقط وقد سبيا أو الحر وحده وأرقه الإمام فيهما إذا كان زوجا كاملا فينفسخ النكاح أيضا؛ لحدوث الرق بخلاف ما لو سبي الرقيق وحده؛ لعدم حدوثه كما لو كانا رقيقين (قيل أو رقيقين. وإذا أرق) الحربي (وعليه دين) لمسلم أو ذمي أو معاهد أو مستأمن (لم يسقط) ; لأن له ذمة أو لحربي سقط كما لو رق حربي وله دين على حربي فيسقط بخلافه على ذمي أو مسلم أو معاهد أو مستأمن (٣)، فلا يملك سيده ذلك الدين ولا يطالب به؛ لأن ملكه لرقبته لا يستلزم ملكه لماله، وحينئذ يوقف ذلك الدين فإن عتق فله وإن مات قِنا فهو فيء، ومثل الدين الذي له أعيان ماله، نعم إذا عتق ولم يأخذهما الإمام كان هو -أي العتيق- أحق بهما. ولو كان الدين للسابي سقط بناء على أن من ملك قنّ غيره وله عليه دين سقط، ومحل السقوط فيما يختص بالسابي دون ما يقابل الخمس; لأنه ملك لغيره. وإذا لم يسقط (فيُقضى من ماله إن غُنِم) أي غنم الغانمون مال الرقيق (بعد إرقاقه)؛ تقديما له على الغنيمة كالوصية وإن حكم بزوال ملكه بالرق كما يُقضى دين المرتد إن حكم بزوال ملكه بالردة. أما إذا لم يكن له مال فيبقى في ذمته إلى عتقه، وأما إذا غنم قبل إرقاقه أو معه فلا يقضى

стр. 1796

وَلَوِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً دَامَ الحَقُّ. وَلَوْ أَتْلَفَ حَرْبِيٌّ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ. وَالمَالُ المَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةٌ، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الحَرْبِ سَرِقَةً، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، نه; لأن الغانمين ملكوه أو تعلق حقهم بعينه فكان أقوى (ولو اقترض حربي من حربي) أو غيره (أو اشترى منه) شيئا أو كان له عليه دين معاوضة غير ذلك. (ثم أسلما) أو أحدهما (أو قبلا) أو أحدهما (جزية) أو أُمِّانا معا أو مرتبا ولم يمتنع منه (١) وهما حربيان قاصداً الاستيلاء عليه (دام الحق) الذي يصح طلبه؛ لالتزامه بعقد صحيح بخلاف نحو خمر وخنزير. (ولو أتلف حربي (٢) عليه) أي الحربي شيئا أو غصبه منه في حال الحرابة (فأسلما) أو أسلم المتلف (فلا ضمان في الأصح) ; لأنه لم يلتزم شيئا بعقد حتى يستدام حكمه. ولو استأجر مسلم مال حربي أو نفسه لم تبطل برقه، أو قهر حربي دائنه أو سيده أو عتيقه أو زوجه ملكه، وكذا بعضه فيعتق عليه (والمال) أو الاختصاص (المأخوذ) أي الذي أخذه مسلمون (من أهل الحرب) وليس لمسلم وإلا لم يزل ملكه بأخذهم له قهرا منه فعلى من وصل إليه ولو بشراء رده إليه (قهرا) لهم حتى سلموه أو جلوا عنه (غنيمة، وكذا ما أخذه واحد) مسلم (أو جمع) مسلمون (من دار الحرب) أو من أهله ولو ببلادنا حيث لا أمان لهم (سرقة) أو اختلاسا أو سوما (٣)، (أو وجد كهيئة اللقطة) مما يظن (٤) أنه لكافر فأخذ فالكل غنيمة مخمسة أيضا (في الأصح (٥)؛ لأن تغريره بنفسه قائم مقام القتال، ومن ثم لو أخذه سوما ثم هرب أو جحده اختص به (٦)، فإن كان المأخوذ ذكرا كاملا تخير الإمام فيه، أما ما أخذه ذمي أو ذميون كذلك فإنه مملوك كله

стр. 1797

فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ وَجَبَ تَعْرِيفُهُ. وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ وَلَحْمٍ وَشَحْمٍ وَكُلِّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، لآخذه. (فإن أمكن كونه) -أي المُلْتَقَط- لذمي أو (لمسلم) ثَمّ تاجرٍ أو مقاتلٍ مثلا (وجب تعريفه) سنة ما لم يكن حقيرا فدونها كلقطة دار الإسلام، وبعد التعريف يكون غنيمة. [فرع] حاصل المعتمد في الأرقاء المجلوبين أن من لم يعلم كونه من غنيمة لم تخمس يحل شراؤه وسائر التصرفات فيه؛ لاحتمال أن آسره البائع له أوّلاً حربي أو ذمي فإنه لا يخمس عليه، وهذا كثير لا نادر، فإن تحقق أن آخذه مسلم بنحو سرقة أو اختلاس لم يجز شراؤه إلا على الضعيف أنه لا يخمس عليه، وطريق من وقع بيده غنيمة لم تخمس ردها لمستحق عُلِم وإلا فللقاضي كالمال الضائع أي الذي لم يقع اليأس من صاحبه وإلا كان ملك بيت المال فلمن له فيه حق الظفر به، ومن ثم كان من وصل له شيء يستحقه حل له أخذه وإن ظُلِم الباقون، نعم الورع لمريد التسري أن يشتري ثانيا من وكيل بيت المال; لأن الغالب عدم التخميس واليأس من معرفة مالكها فتكون ملكا لبيت المال (١). (وللغانمين) ولو أغنياء وبغير إذن الإمام سواء من له سهم أو رضخ إلا الذمي (٢) (التبسط) أي التوسع (في الغنيمة) قبل القسمة واختيار التملك على سبيل الإباحة لا الملك فهو مقصور على انتفاعه، نعم للغانم أن يضيف به من له التبسط وإقراضه بمثله من المغنم بل وبيع المطعوم بمثليه ولا ربا فيه; لأنه ليس بيعا حقيقيا وإنما هو كتناول الضيفان لقمة بلقمتين فأكثر، فلو أقرض غانمٌ غانماً من المغنم فله مطالبته بعينه أو بمثله من المغنم ما لم يدخلوا دار الإسلام، ولا يطالبه من خالص ماله وذلك؛ لأنه إذا أخذه صار أحق به ولم تزل يده عنه إلا ببدل، وليس ذلك قرضا محققا؛ لأن الآخذ لا يملك المأخوذ حتى يملكه لغيره فلو رد عليه من ماله لم يأخذه؛ لأن غير المملوك لا يقابل بمملوك (بأخذ) ما يحتاجه لا أكثر منه وإلا أثم وضمنه كما لو أكل فوق الشبع سواء أخذ (القوت وما يصلح به) كزيت وسمن (ولحم وشحم) لنفسه لا لنحو طيره (و) كل (طعام يعتاد أكله عموما) أي على العموم؛ لفعل الصحابة ﵃ لذلك، وخرج بالقوت وما بعد غيره كمركوب وملبوس، نعم إن اضطر لسلاح يقاتل به أو نحو فرس يقاتل عليها

стр. 1798

وَعَلَْفِ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحِ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْفَاكِهَةِ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ قِيمَةُ المَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الجَوَازُ بِمُحْتَاجٍ إلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الجَيْشَ بَعْدَ الحَرْبِ وَالحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى المَغْنَمِ أخذه بلا أجرة، ثم رده وبعموم ما يندر الاحتياج إليه كسكر ودواء فلا يأخذ شيئا من ذلك، فإن احتاجه فبالقيمة أو يحبسه من سهمه، (وعلَْف الدواب) التي يحتاجها للحرب أو الحمل وإن تعددت دون الزينة ونحوها (تبنا وشعيرا ونحوهما) كفول; لأن الحاجة تمس إليه كمؤنة نفسه (وذبح) حيوان (مأكول للحمه) أي لأكل ما يقصد أكله منه ولو غير لحم ككرش وشحم وجلد وإن تيسر بسوق؛ للحاجة إليه أيضا، نعم ينبغي في خيل الحرب المحتاج إليها فيها منع ذبحها بدون اضطرار; لأن من شأنه إضعافنا. ويجب رَدُّ جلده الذي لا يؤكل معه عادة إلى المغنم، وكذا ما اتخذه منه كسقاء وحذاء وإن زادت قيمته بالصنعة؛ لوقوعها هدرا، بل إن نقص بها أو استعمله لزمه النقص أو الأجرة. أما إذا ذبحه لأجل جلده الذي لا يؤكل فلا يجوز وإن احتاجه لنحو خف ومداس. (والصحيح جواز الفاكهة) رطبها ويابسها (و) الصحيح (أنه لا تجب قيمة المذبوح)؛ لأجل نحو لحمه كما لا تجب قيمة الطعام (و) الصحيح (أنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلَف) بل يجوز أخذ ما يحتاج إليه منهما إلى وصول دار الإسلام وإن كانا معه؛ لورود الرخصة بذلك من غير تفصيل، نعم إن قل الطعام وازدحموا عليه آثر الإمام به ذوي الحاجات، وله التزود إلى رجوعه من سفره إلى دارنا (١)، (و) الصحيح (أنه لا يجوز ذلك لمن لَحِق الجيش بعد الحرب والحيازة) ; لأنه أجنبي عنهم كغير الضيف مع الضيف. ويجوز ذلك (٢) لِمَن لحق بعد الحرب وقبل الحيازة أو معها (و) الصحيح (أن من رجع إلى دار الإسلام) ووجد حاجته بلا عزة -وهي ما في قبضتنا وإن سكنها أهل ذمة أو عهد- (ومعه بقية لزمه ردها إلى المغنم) أي محل اجتماع الغنائم قبل قسمتها، وذلك؛ لتعلق حق الجميع به وقد زالت الحاجة إليه، أما بعد قسمتها فيرد للإمام ليقسمه إن أمكن وإلا رده للمصالح.

стр. 1799

وَمَوْضِعُ التَّبَسُّطِ دَارُهُمْ، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانَ الْإِسْلَامِ فِي الْأَصَحِّ. وَلِغَانِمٍ حُرٍّ رَشِيدٍ -وَلَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ- الْإِعْرَاضُ عَنِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ بَعْدَ فَرْزِ الخُمُسِ وَجَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِب. وَالمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، (وموضع التبسط دارهم) أي الحربيين; لأنها محل العزة أي من شأنها ذلك، فلا ينافي حل التبسط مع وجود الطعام معروضا للبيع، فإذا رجعوا لدارنا وتمكنوا من الشراء أمسكوا. ولو كان الجهاد بدارنا ولم يتيسر شراء طعام جاز التبسط، (وكذا) في غير دارهم كخراب دارنا (ما لم يصل عمران الإسلام) وهو ما يجدون فيه الطعام والعلف -لا مطلق عمرانه- (في الأصح)؛ لبقاء الحاجة إليه والوصول لنحو أهل هدنة في دارهم ولم يمتنعوا من مبايعة من مر بهم كهو لعمراننا (ولغانم حر رشيد ولو) هو (محجور عليه بفلس الإعراض عن الغنيمة) بقوله أسقطت حقي منها لا وهبت مريدا به التمليك (قبل القسمة) واختيار التملك; لأنه به يحقق الإخلاص المقصود من الجهاد. وخرج بحر القن فلا يصح إعراضه وإن كان رشيدا أو مكاتبا (١) بل لا بد من إذن سيده، نعم يصح إعراض مبعض وقع في نوبته وإلا ففيما يخص حريته فقط (٢)، وليس لسيد (٣) إعراض عن مكاتبه وقنه المأذون إذا أحاطت به الديون، وبرشيد صبي ومجنون وسفيه كسكران لم يتعد فلا يصح إعراضهم، نعم يجوز ممن كمل قبل القسمة، أما بعد القسمة وقبولها فيمتنع؛ لاستقرار الملك وكذا بعد اختيار التملك (والأصح جوازه) أي الإعراض لمن ذكر (بعد فرز الخمس) وقبل قسمة الأخماس الأربعة; لأن إفرازه لا يتعين به حق كل منهم (و) الأصح (جوازه لجميعهم)؛ لما مر في جواز إعراض بعضهم ويصرف مصرف الخمس (و) الأصح (بطلانه من ذوي القربى) وإن انحصروا في واحد; لأنهم لا يستحقونه بعمل فهو كالإرث، وخصّهم; لأن بقية مستحقي الخمس جهات عامة لا يتصور فيها إعراض (و) من (سالب) ; لأنه يملك السلب قهرا. (والمعرض) عن حقه (كمن لم يحضر) أي فإن كان إعراضه قبل القسمة بالكلية أخذ أهل الخمس خمسهم وقسمت

стр. 1800

وَمَنْ مَاتَ فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ، وَلَا تُمْلَكُ إلَّا بِقِسْمَةٍ. وَلَهُمْ التَّمَلُّكُ قَبْلَهَا، وَقِيلَ يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ إنْ سَلِمَتْ إلَى الْقِسْمَةِ بَانَ مِلْكُهُمْ، وَإِلَّا فَلَا، وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالِاسْتِيلَاءِ كَالمَنْقُولِ. وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنَازَعْ أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا قُسِّمَتْ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا أُقْرِعَ. وَالصَّحِيحُ أَنْ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى المُسْلِمِينَ، الأخماس الأربعة على الباقين، أو بعدها فإن أخذ كل حصته وأفرزت حصة آخر له فأعرض عنها ردت على أهل الأخماس الأربعة لا غير. ولو أعرض الكل فاز أهل الخمس به، ولا أثر لرجوعه عن الإعراض مطلقا (ومن مات) من الغانمين ولم يعرض (فحقه لوارثه) كسائر الحقوق فله طلبه والإعراض عنه، (ولا تملك) الغنيمة (إلا بقسمة) مع الرضا بها باللفظ لا بالاستيلاء وإلا لامتنع الإعراض وتخصيص كل طائفة بنوع منها (ولهم) أي الغانمين (التملك قبلها) باللفظ بأن يقول كل بعد الحيازة وقبل القسمة ((اخترت ملك نصيبي)) فيملك بذلك أيضا، (وقيل يملكون) بمجرد الحيازة؛ لزوال ملك الكفار بالاستيلاء، (وقيل) الملك موقوف، فحينئذ (إن سلمت) الغنيمة (إلى القسمة بان ملكهم) على الإشاعة، (وإلا) بأن تلفت أو أعرضوا عنها (فلا) ; لأن الاستيلاء لا يتحقق إلا بالقسمة، (ويملك العقار بالاستيلاء) مع القسمة وقبولها أو اختيار التملك بدليل قوله (كالمنقول. ولو كان فيها كلب أو كلاب تنفع) لصيد أو حراسة (وأراده بعضهم) أي الغانمين أو أهل الخمس (ولم ينازَع) فيه (أعطيه)؛ إذ لا ضرر فيه على غيره، (وإلا) بأن نوزع فيه (قسمت) عددا (إن أمكن وإلا) يمكن قسمها عددا (أقرع) بينهم؛ قطعا للنزاع. أما ما لا نفع فيه فلا يجوز اقتناؤه. (والصحيح أن سواد العراق) -من إضافة الجنس إلى بعضه؛ إذ السواد أزيد من العراق- سُمي سوادا؛ لكثرة زرعه وشجرة والخضرة ترى من البعد سوادا، وعراقا؛ لاستواء أرضه وخلوها عن الجبال والأودية إذ أصل العراق الاستواء (فُتح) في زمن عمر ﵁ (عَنوة) أي قهرا؛ لما صح عنه أنه قسمه في جملة الغنائم ولو كان صلحا لم يقسمه (وقسم) بينهم كما تقرر (ثم) بعد ملكهم له بالقسمة واستمالة عمر ﵁ قلوبهم (بذلوه) له أي الغانمون وذووا القربى، وأما أهل أخماس الخمس الأربعة فالإمام لا يحتاج في وقف حقهم إلى بذل; لأن له أن يعمل في ذلك بما فيه المصلحة لأهله (ووقف) ما عدا مساكنه وأبنيته أي وقفه عمر (على المسلمين)

стр. 1801

وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالحِ المُسْلِمِينَ. وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إلَى حَدِيثَةِ المَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ عَرْضًا، قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْبَصْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دَِجْلَتِهَا وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا. وَأَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنْ الدُّورِ وَالمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا المُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ وأجَّره لأهله إجارة مؤبدة؛ للمصلحة الكلية بخراج معلوم يؤدونه كل سنة، فجريب الشعير درهمان والبر أربعة والشجر وقصب السكر ستة والنخل ثمانية والعنب عشرة والزيتون اثنا عشر وجملة مساحة الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع. والباعث له على وقفه خوف اشتغال الغانمين بفلاحته عن الجهاد (وخراجه (١) زرعا أو غرسا (أجرة) منجمة (تؤدى كل سنة) مثلا (٢) (لمصالح المسلمين) يقدم الأهم فالأهم فعلى هذا يمتنع بيع شيء مما عدا أبنيته ومساكنه (وهو) أي السواد (من) أول (عبّادان إلى) آخر (حَديثة المَوصل طولا ومن) أول (القادسية) ومن عُذَيبها وهو قريب من الكوفة (إلى) آخر (حُلوان عرضا) بإجماع المؤرخين، (قلت: الصحيح أن البَصرة وإن كانت داخلة في حد السواد فليس لها حكمه) ; لأنها كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان في زمن عمر ﵃ سنة سبعة عشر بعد فتح العراق (إلا في موضع غربي دَِجلتها وموضع شرقيها) أي الدجلة ويسمى الفرات، (و) الصحيح (أن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه) ; لأنه لم يدخل في وقفه كما مر (والله أعلم)، ومحله في البناء دون الأرض؛ لشمول الوقف لها. وليس لمن بيده أرض من السواد تناول ثمر أشجارها؛ لما مر أنها في أيديهم بالإجارة فيصرفه أو ثمنه الإمام لمصالح المسلمين، وفي البويطي ((أن أسفلها فتحه خالد عنوة وأعلاها فتحه الزبير ﵄ ودخل ﷺ من جهته فصار الحكم له)). (وفتحت مكة صلحا) كما دلت عليه عدة أدلة كقوله تعالى ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الفتح: ٢٢ أي أهل مكة (فدورها وأرضها المحياة ملك تباع) كما دلت عليه الأخبار ولم

стр. 1802

فصل يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ أَمَانُ حَرْبِيٍّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الْأَصَحِّ يزل الناس يتبايعونها، نعم الأولى عدم بيعها وإجارتها؛ خروجا من خلاف من منعهما في الأرض، أما البناء فلا خلاف في حل بيعه وإجارته. وفتحت دمشق عنوة، ومدن الشام صلحا وأرضها عنوة (١). [تنبيه] النواحي التي يؤخذ الخراج من أرضها ولا يُعلم أصله يُحكم بجواز أخذه؛ لأن الظاهر أنه بحق، وبملك أهلها لها، فلهم التصرف فيها بالبيع وغيره؛ لأن الظاهر في اليد الملك، وفي حكم ما تقدم أرض مصر على الأوجه (٢). (فصل) في أمان الكفار الذي هو قسيم الجزية والهدنة. وأصله قوله تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ التوبة: ٦ .. الآية، وقوله ﷺ ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما -أي نقض عهده- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) رواه الشيخان، والذمة العهد والأمان والحرمة والحق وكلٌّ صحيح هنا (يصح من كل مسلم مكلف) وسكران (مختار) ولو أمة لكافر وسفيها وفاسقا وهرما؛ لقوله في الخبر ((يسعى بها أدناهم)) لا كافرا؛ لاتهامه، وصبيا ومجنونا ومكرها كسائر العقود، نعم من جهل فساد أمان أولئك يُعَرَّف ليبلغ مأمنه (أمان حربي) ولو قنا وامرأة لا أسيرا إلا مِن آسِرِه ما بقي بيده ومن الإمام (وعدد محصور) من الحربيين كالمائة (فقط) أي دون غير المحصور كأهل بلد كبير; لأن هذه هدنة وهي لا تجوز لغير الإمام ولو أمن مائة ألف منا مائة ألف منهم وظهر بذلك سد باب الجهاد أو بعضه بطل الكل إن وقع ذلك معا وإلا فما ظهر الخلل به فقط (ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم) ولا لغيرهم (في الأصح) ; لأنه مقهور

стр. 1803

وَيَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودُهُ، وَبِكِتَابَةٍ وَرِسَالَةٍ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالْأَمَانِ. فَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ. وَتَكْفِي إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ. وَيَجِبُ أَلَّا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً. وَلَا يَجُوزُ أَمَانٌ يَضُرُّ المُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ معهم فهو كالمكره ولأنه غير آمن منهم، والمراد بمن معهم المقيد أو المحبوس، فلو أُطلق وأمنوه على أن لا يخرج من دارهم صح أمانه كالتاجر منا بدراهم، وعليه إنما يكون مؤمَّنه آمنا بدارهم لا غير إلا أن يصرح بالأمان في غيرها (ويصح) الأمان (بكل لفظ يفيد مقصوده) صريح كأجرتك أو أمنتك أو لا بأس أو لا خوف أو لا فزع عليك أو كناية بنية ككن كيف شئت أو أنت على ما تحب (وبكتابة) مع النية; لأنها كناية (ورسالة) بلفظ صريح أو كناية مع النية ولو مع كافر وصبي موثوق بخبره (١)؛ توسعة في حقن الدم (ويشترط) لصحة الأمان (علم الكافر بالأمان) كسائر العقود فإن لم يعلمه جازت المبادرة بقتله ولو من مؤمنه (فإن رده) كقوله ما قبلت أمانك أو لا آمنك (بطل، وكذا إن لم يقبل) بأن سكت (في الأصح (٢) ; لأنه عقد كالهبة (وتكفي) كتابة أو (إشارة) أو أمارة كتركه القتال أو طلبه الإجارة (مفهمة للقبول) أو الإيجاب، ثم هي كناية من ناطق مطلقا وكذا أخرس إن اختص بفهمها فطنون، وذلك؛ لبناء الباب على التوسعة، ومن ثم جاز تعليقه بالغرر كأن جاء زيد فأنت آمن، أما غير المفهمة فلغو. (ويجب ألا تزيد مدته) في الذكر المحقق (على أربعة أشهر) سواء أكان المؤمن الإمام أم غيره؛ للآية (وفي قول يجوز ما لم تبلغ) المدة (سنة) فإن بلغتها امتنع قطعا؛ لئلا تترك الجزية، ومن ثم جاز في المرأة والخنثى من غير تقييد، فإن زاد على الجائز بطل في الزائد فقط؛ تفريقا للصفقة. هذا إن لم يكن بنا ضعف وإلا كان الزائد للضعف -المنوط بنظر الإمام- كهو في الهدنة. ولو أطلق الأمان حمل على الأربعة الأشهر وبلغ بعدها المأمن بخلاف الهدنة; لأن بابها أضيق (ولا يجوز) ولا ينفذ ولو من إمام (أمان يَضر المسلمين كجاسوس) وطليعة كفار؛ لخبر ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام))، ولا يستحق تبليغ المأمن; لأن دخول مثله خيانة، أما

стр. 1804

وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَبْذُ الْأَمَانِ إنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً. وَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الْأَصَحِّ إلَّا بِشَرْطٍ. وَالمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ إنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ الهِجْرَةُ، ما لا يضر فيجوز وإن لم تظهر فيه مصلحة، وهذا في أمان الآحاد أما أمان الإمام فشرطه المصلحة. (وليس للإمام) فضلا عن غيره (نبذ الأمان) الصادر منه أو من غيره (إن لم يخف خيانة) ; لأنه لازم من جهتنا، أما مع خوفها فينبذه الإمام أو المؤمِّن أما المؤمَّن فله نبذه متى شاء. وحيث بطل أمانه وجب تبليغه المأمن (ولا يدخل في الأمان ماله وأهله) أي فرعه غير المكلف وزوجته الموجودان (بدار الحرب) ; لأن القصد تأمين ذاته من قتل ورق دون غيره فيغنم ماله وتسبى ذراريه ثَم، نعم إن شرط دخول ماله وأهله في دار الحرب على الإمام أو نائبه دخلوا (وكذا ما معه) بدار الإسلام (منهما) ومثلها ما معه لغيره فلا يدخل ذلك كله (في الأصح)؛ لما ذكر (إلا بشرط)، ومحل ذلك إن كان المؤمِّن غير الإمام أو نائبه، أما إن كان الإمام أو نائبه فيدخل جميع ما معه بلا شرط، نعم ما لا بد منه غالبا -كثيابه ومركوبه وآلة استعماله ونفقة مدة أمانة الضروريات- تدخل مطلقا سواء كان المؤمِّن الإمام أو غيره. ولو انعكس ما تقرر -بأن أُمِّن وهو بدارهم- دخل أهله وماله بها ولو بلا شرط إن أمنه الإمام أو نائبه وإلا لم يدخل أهله وما لا يحتاجه من ماله إلا بشرط فإن كانا بدارنا دخلا إن شرط الإمام لا غيره. [تنبيه] يبقى أمان ماله وأهله عندنا وإن نقض ما بقي حيا، وله دخول دارنا لأخذه ولو متكررا لكن إن لم يتمكن من أخذ الكل دفعة وإلا (١) جاز قتله وأسره . (والمسلم بدار كفر) أي حرب أو دار إسلام استولوا عليها (إن أمكنه إظهار دينه)؛ لشرفه أو شرف قومه وأمن فتنة في دينه ولم يرج ظهور الإسلام هناك بمقامه (استحب له الهجرة) إلى دار الإسلام؛ لئلا يُكَثِّر سوادهم وربما كادوه، ولم تجب؛ لقدرته على إظهار دينه، ولم تحرم; لأن من شأن المسلم بينهم القهر والعجز، ومن ثم لو رجا ظهور الإسلام بمقامه ثَم كان مقامه أفضل، أو قدر على الامتناع والاعتزال ثَم ولم يرج نصرة المسلمين بالهجرة كان مقامه واجبا; لأن محله دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب، ثم إن قدر على قتالهم ودعائهم للإسلام لزمه وإلا فلا.

стр. 1805

وَإِلَّا وَجَبَتْ إنْ أَطَاقَهَا، وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ لَزِمَهُ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ حَرُمَ، فَإِنْ تَبِعَهُ قَوْمٌ فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، [تنبيه] يؤخذ من قولهم ((لأن محله دار إسلام)) أن كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام وحينئذ الظاهر أنه يتعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به الخبر الصحيح ((الإسلام يعلو ولا يعلى عليه))، فقولهم لصار دار حرب المراد به صيرورته كذلك صورة لا حكما، فما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقا (وإلا) يمكنه إظهار دينه أو خاف فتنة في دينه (وجبت) الهجرة (إن أطاقها) وأثم بالإقامة ولو امرأة وإن لم تجد محرما لكن إن أمنت على نفسها أو كان خوف الطريق دون خوف الإقامة، فإن لم يطقها فمعذور، وذلك لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ النساء: ٩٧ .. الآية. [تنبيه] قد تجب الهجرة من دار الإسلام إن أظهر بها واجبا ولم يقبل منه ولا قدر على إظهاره بشروط وهي أن لا يكون في إقامته مصلحة للمسلمين، وأن يقدر على الانتقال إلى بلدة سالمة من ذلك، وأن تكون عنده المؤن المعتبرة في الحج، وأن تظهر المعاصي (١) المجمع عليها في ذلك المحل بحيث لا يستحيي أهله كلهم من ذلك لتركهم إزالتها مع القدرة; لأن الإقامة حينئذ معهم تُعَدُّ إعانة وتقريرا لهم على المعاصي. (ولو قدر أسير على هرب لزمه) وإن أمكنه إظهار دينه؛ تخليصا لنفسه من رق الأسر، أما إن أطلقوه من الأسر فلا يلزمه ذلك إلا إن لم يمكنه إظهار دينه -بأن أباحوا له ما شاء من مكث عندهم وعدمه-، (ولو أطلقوه بلا شرط فله اغتيالهم) قتلا وسبيا وأخذا للمال; لأنهم لم يستأمنوه، وليس المراد هنا حقيقة الغيلة وهي أن يخدعه فيذهب به لمحل خال ثم يقتله (أو) أطلقوه (على أنهم في أمانه) أو عكسه (حرم) عليه اغتيالهم; وفاء بما التزمه ولأنهم إذا أمنوه وجب أن يكونوا في أمان منه (٢)، نعم إن قالوا أمَّنَّاك ولا أمان لنا عليك أي ولا أمان يجب لنا عليك جاز له اغتيالهم، (فإن تبعه قوم) أو واحد منهم بعد خروجه (فليدفعهم) وجوبا إن حاربوه وإلا فندبا (ولو بقتلهم) ابتداء ولا يراعى (٣)

стр. 1806

وَلَوْ شَرَطُوا أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ. وَلَوْ عَاقَدَ الْإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلَْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ جَازَ فَإِنْ فُتِحَتْ بِدَلَالَتِهِ أُعْطِيَهَا، أَوْ بِغَيْرِهَا فَلَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ إنْ لَمْ يُعَلِّقْ الجُعْلَ بِالْفَتْحِ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ، فيهم ترتيب الصائل إن أرادوا نحو قتله؛ لانتقاض أمانهم بذلك، أما إن أرادوا مجرد رده فيراعى ذلك الترتيب (ولو شرطوا) عليه (ألا يخرج من دارهم لم يجز) له (الوفاء) بهذا الشرط بل يلزمه الخروج حيث أمكنه فرارا بدينه من الفتن وبنفسه من الذل ما لم يمكنه إظهار دينه وإلا فلا يلزمه الخروج على ما مر (١) بل يسن. ولو حلّفوه على ذلك بطلاق أو غيره مكرها على الحلف فيمينه لغو، أو غير مكره حنث وإن كان حين الحلف محبوسا، ومن الإكراه أن يقولوا له لا نتركك حتى تحلف أنك لا تخرج بل هنا إكراه ثان شرعي على الخروج؛ لوجوبه كما تقرر. (ولو عاقد الإمام علجا) هو الكافر الغليظ الشديد (يدلـ) ـه (على) نحو بلد أو (قلَْعة) -معينة، أو مبهمة من قلاع محصورة- أي على أصل طريقها أو أسهل أو أرفق طريقيها (وله منها جارية) مثلا ولو حرة مبهمة ويعينها الإمام (جاز) وإن كان الجعل مجهولا غير مملوك؛ للحاجة مع أن الحرة ترق بالأسر، ويُسْتَحق بالدلالة الموصلة إلى الفخ ولو من غير كلفة (٢) كأن يكون تحتها فيقول له هي هذه؛ للحاجة أيضا. والأوجه أنه لا فرق بين العلج والمسلم هنا، وعليه فيعطاها إن وجدت حية وإن أسلمت، فلو ماتت بعد الظفر فله قيمتها. وخرج بقوله منها قوله مما عندي فلا يصح؛ للجهل بالجعل بلا حاجة (فإن فتحت) عنوة (بدلالته) -والحال أن فاتحها معاقده- ولو في مرة أخرى وفيها الأمة المعينة أو المبهمة ولم تُسْلِم أصلا أو أسلمت معه أو بعده لا عكسه كما يأتي (أعطيها) وإن لم يوجد سواها وإن تعلق بها حق لازم من معاملتهم مع بعضهم؛ إذ لا اعتداد بمعاملتهم في مثل ذلك، وذلك; لأنه استحقها بالشرط قبل الظفر (أو) فتحها معاقده (بغيرها) أي دلالته، أو غير معاقده ولو بدلالته (فلا) شيء له (في الأصح)؛ لفقد الشرط وهو دلالته، نعم إن كان الفاتح بدلالته نائبا عن معاقده استحق الدال. (وإن لم تفتح فلا شيء له، وقيل إن لم يعلق الجعل بالفتح فله أجرة مثلٍ)؛ لوجود الدلالة. هذا إذا كان الجعل فيها وإلا لم يُشْتَرط في استحقاقه فتحها.

стр. 1807

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ وَجَبَ بَدَلٌ، أَوْ قَبْلَ الظَّفَرِ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فَالمَذْهَبُ وُجُوبُ بَدَلٍ، وَهُوَ أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيلَ قِيمَتُهَا (فإن) فتحها معاقده بدلالته، و (لم يكن فيها جارية) أصلا أو بالوصف المشروط (أو ماتت قبل العقد فلا شيء له)؛ لفقد المشروط، (أو) ماتت (بعد الظفر وقبل التسليم) إليه (وجب بدل) ; لأنها حصلت في قبضة الإمام فالتلف من ضمانه (أو) ماتت (قبل ظفر فلا) شيء له (في الأظهر) كما لو لم تكن فيها؛ إذ الميتة ومثلها الهاربة غير مقدور عليها، (وإن أسلمت) -المعينة، أو المبهمة إن أسلم كل الجواري- سواء أكان إسلامها قبل العقد (١) أم بعده، قبل الظفر وبعده. هذا كله إن لم يسلم وإلا أعطيها ما لم يكن إسلامه بعدها؛ لانتقال حقه لبدلها (فالمذهب وجوب بدل) ; لأن إسلامها يمنع رقها واستيلاءه عليها فيعطي البدل من أخماس الغنيمة الأربعة، فإن لم تكن غنيمة وجب من بيت المال (وهو) أي البدل (أجرة مثل، وقيل قيمتها) وهو المعتمد، ومحل الخلاف المعينة أما المبهمة إذا مات كل من فيها وأوجبنا البدل فيرجع بأجرة المثل (٢) قطعا؛ لتعذر تقويم المجهول. وخرج بعنوة ما لو فتحت صلحا بدلالته ودخلت في الأمان فإن امتنع من قبول بدلها وامتنع أصحاب القلعة من تسليمها إليه نقضنا العهد وبُلّغوا المأمن -بأن يُردوا إلى القلعة- ثم يُستأنف القتال، فإن رضوا بتسليمها ببدلها أعطوه من محل الرضخ (٣).

стр. 1808

كتاب الجزية صُورَةُ عَقْدِهَا: أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَذِنْتُ فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا، لَا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَدِينِهِ. وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى المَذْهَبِ، … (كتاب الجزية) عقبها للقتال; لأنه مُغيَّاً بها في الآية التي هي -مع أخذه ﷺ إياها من أهل نجران وغيرهم- الأصل في الجزية قبل الإجماع. وأركانها عاقد ومعقود له ومكان ومال وصيغة ولأهميتها بدأ بها فقال: (صورة عقدها) مع الذكور أن يقول لهم الإمام أو نائبه: (أقركم) أو أقررتكم (بدار الإسلام) أي غير الحجاز، ولا يشترط استثناؤه في العقد اكتفاءً باستثنائه شرعا وإن جهله العاقدان، على أن قوله ((بدار الإسلام)) من أصله قد لا يشترط، فقد نقرهم بها في دار الحرب ويقول حينئذ أقركم في داركم على أن تبذلوا جزية وتأمنوا منا ونأمن منكم (أو أذنت في إقامتكم بها) أو نحو ذلك (على أن تبذلوا) أي تعطوا (جزية) في كل حول (وتنقادوا لحكم الإسلام) أي لكل حكم من أحكامه غير نحو العبادات مما لا يرونه كالزنا والسرقة لا كشرب المسكر ونكاح المجوس للمحارم ومن عدم التظاهر بما يبيحونه، وبهذا الالتزام فسروا الصغار في الآية، ثم إن ما ذكره المصنف هو صورة عقد الجزية الأصلي من الموجب، فيصح أن يقول الكافر ((أقروني بكذا .. الخ)) فيقول الإمام ((أقررتك)). أما النساء فيكفي فيهن الانقياد لحكم الإسلام؛ إذ لا جزية عليهن، وظاهر كلامهم أن ما ذكر صريح وأنه لا كناية هنا لفظا ولو قيل إن كنايات الأمان إذا ذكر معها على أن تبذلوا الخ تكون كناية هنا لم يبعد. (والأصح اشتراط ذكر قدرها) أي الجزية كالثمن والأجرة وسيأتي أقلها (لا كف اللسان) منهم (عن الله تعالى ورسوله ﷺ ودينه) بسوء فلا يشترط ذكره; لأنه داخل في الانقياد (ولا يصح العقد) للجزية معلقا، ولا (مؤقتا على المذهب) ; لأنه بدل عن الإسلام في العصمة وهو لا يؤقت فلا يكفي أقركم ما شاء الله أو ما أقركم الله أو ما شئت أو ما شاء فلان بخلاف ما شئتم; لأنها لازمة من جهتنا جائزة من جهتهم بخلاف الهدنة.

стр. 1809

وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ، وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بِدَارِنَا فَقَالَ دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ رَسُولًا، أَوْ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ صُدِّقَ، وَفِي دَعْوَى الْأَمَانِ وَجْهٌ. وَيُشْتَرَطُ لِعِقْدِهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إذَا طَلَبُوا إلَّا جَاسُوسًا نَخَافُهُ. وَلَا تُعْقَدُ إلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ (ويشترط لفظ قبول) من كل منهم لما أوجبه العاقد ولو بنحو رضيت وبإشارة أخرس مفهمة، وبكناية، ومنها الكتابة، وكذا يشترط هنا سائر ما مر في البيع من نحو اتصال القبول بالإيجاب والتوافق فيهما. وأفهم اشتراط القبول أنه لو دخل حربي دارنا ثم علمناه لم يلزمه شيء بخلاف من سكن دارا مدة غصبا; لأن عماد الجزية القبول. ولو فسد عقدها من الإمام أو نائبه لزم لكل سنة دينار; لأنه أقلها بخلاف ما لو بطل كأن صدر من الآحاد فإنه لا يلزم شيء (ولو وُجِد كافر بدارنا فقال دخلت لسماع كلام الله تعالى) أو لأسلم أو لأبذل جزية (أو) دخلت (رسولا) ولو بما فيه مضرة لنا (أو) دخلت (بأمان مسلم) يصح أمانه (صُدِّق) وحُلِّف ندبا إن اتهم؛ تغليبا لحقن الدم، نعم إن أُسِر لم يصدق في ذلك إلا ببينة، وفي الأولى يُمكَّن من الإقامة وحضور مجالس العلم قدرا تقضي العادة بإزالة الشبهة فيه ولا يزاد على أربعة أشهر. (وفي دعوى الأمان وجه) أنه لا يصدق إلا ببينة؛ لسهولتها. (ويشترط لعقدها الإمام أو نائبه) العام أو في عقدها; لأنها من المصالح العظام فاختصت بمن له النظر العام، (وعليه) أي أحدهما (الإجابة إذا طلبو) ها؛ للأمر به في خبر مسلم، ومن ثم لم يشترط هنا مصلحة بخلاف الهدنة (إلا) أسيرا أو (جاسوسا) منهم وهو صاحب سر الشر (نخافه) فلا تجب إجابتهما بل لا يقبل من الجاسوس؛ للضرر، ومن ثم لو ظهر له أن طلبها مكيدة منهم لم يجبهم (ولا تعقد إلا لليهود والنصارى) وصابئة وسامرة لم يعلم أنهم يخالفونهم في أصل دينهم سواء العرب والعجم; لأنهم أهل الكتاب في آيتها (والمجوس) ; لأنه ﷺ أخذها من مجوس هجر، (وأولاد) أي الفروع وإن سفلوا (من تهود أو تنصر قبل النسخ) أو معه ولو بعد التبديل وإن لم يجتنبوا المبدل؛ تغليبا لحقن الدم بخلاف ولد من تهود بعد بعثة عيسى أو تنصر بعد بعثة نبينا ﷺ ، والضار دخول كل من الأبوين بعد النسخ لا أحدهما، إن محل ما ذكره المصنف في الأولاد إن لم ينتقلوا عن دين آبائهم بعد البعثة وإلا فلا يعقد لهم، (أو شككنا في وقته) أي دخول الأبوين هل هو قبل النسخ أو بعده تغليبا للحقن أيضا، وبه حكمت الصحابة رضوان الله عليهم في نصارى العرب.

стр. 1810

وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُد صَلَّى اللهُ عَلَيهِمَا وَسَلَّمَ. وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالْآخَرُ وَثَنِيٌّ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ لَزِمَتْهُ، أَوْ تَقَطَّعَ كَثِيرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ فَالْأَصَحُّ تُلَفَّقُ الْإِفَاقَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتْ، (وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله) على نبينا و (عليهما وسلم) وصحف شيث وهو ابن آدم لصلبه ﷺ ; لأنها تسمى كتبا فاندرجت في قوله تعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ التوبة: ٢٩ (ومن أحد أبويه كتابي (١) ولو الأم اختار الكتابي أم لم يختر شيئا (والآخر وثني على المذهب)؛ تغليبا لذلك أيضا، نعم إن بلغ ابن وثني من كتابية ودان بدين أبيه لم يقر جزما، ومنه يؤخذ أن محل عقدها لمن بلغ من أولاد نصراني توثن -سواء كانوا من زوجته النصرانية أو الوثنية؛ تغليبا لما ثبت لهم من شبهة التنصر- إذا لم يختر دين الوثني، ويقبل قولهم أنهم ممن تعقد لهم الجزية; لأنه لا يعرف غالبا إلا من جهتهم، وينبغي ندب تحليفهم. ولا تعقد لغير من ذكر كعابد وثن أو شمس أو ملك وأصحاب الطبائع والفلاسفة والمعطلين والدهريين وغيرهم كما مر في النكاح (ولا جزية على امرأة) إجماعا (وخنثى)؛ لاحتمال أنوثته، فلو بذلاها أُعلما أنها ليست عليهم فإن رغبا بها فهي هبة، فلو بان ذكرا أخذ منه لما مضى. والمأخوذ منه دينار لكل سنة (٢) (ومن فيه رق) -ولو مبعضا-؛ لنقصه، ولا على سيده بسببه (وصبي (٣) ومجنون)؛ لعدم التزامهما (فإن تقطع جنونه قليلا كساعة من شهر) ونحو يوم من سنة (لزمته) ويظهر ضبطه بأن تكون أوقات الجنون في السنة لو لُفِّقت لم تقابل بأجرة غالبا (أو تقطع كثيرا كيوم ويوم فالأصح تلفيق الإفاقة) إن أمكن (فإذا بلغت) أيام الإفاقة (سنة وجبت) الجزية لسكناه سنة بدارنا وهو كامل، فإن لم يمكن أجري عليه حكم الجنون في الكل، وكذا لو قلَّت إفاقته بحيث لم يقابل مجموعها بأجرة، وطرو جنون أثناء الحول كطرو موت أثناءه.

стр. 1811

وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ وَلَمْ يَبْذُلْ جِزْيَةً أُلحِقَ بِمَأْمَنِهِ، فَإِنْ بَذْلَهَا عُقِدَ لَهُ، وَقِيلَ عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ، وَالمَذْهَبُ وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ وَشَيْخٍ هَرِمٍ وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَفَقِيرٍ عَجَزَ عَنْ كَسْبٍ فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ. وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ اسْتِيطَانِ الحِجَازِ، وَهِيَ مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا، وَقِيلَ لَهُ الْإِقَامَةُ فِي طُرُقِهِ المُمْتَدَّةِ، (ولو بلغ ابن ذمي) أو أفاق أو عتق قن ذمي أو مسلم. (ولم يبذل جزية ألحق بمأمنه) ولا يغتال; لأنه كان في أمان أبيه أو سيده تبعا (فإن بذلها) ولو سفيها (عُقِد له) عقد جديد؛ لاستقلاله حينئذ، فلو مضت عليهم مدة بلا عقد لزمهم لما مضى أجرة المثل وهي هنا أقلُ الجزية، (وقيل عليه كجزية أبيه) ويكتفى بعقد أبيه. (والمذهب وجوبها على زمن وشيخ هرم) لا رأي لهما (وأعمى وراهب وأجير) ; لأنها أجرة فلم يفارق المعذور فيها غيره، أما من له رأي فتلزمه جزما (وفقير عجز عن كسب) أصلا أو لم يفضل به عن قوت يومه وليلته آخر الحول ما يدفعه فيها وذلك؛ لما مر (فإذا تمت سنة وهو معسر ففي ذمته) تبقى حولا فأكثر (حتى يوسر) كسائر الديون. (ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز (١) يعني الإقامة به ولو من غير استيطان، وله شراء أرض فيه لم يقم بها (٢) (وهو مكة والمدينة و) بعض (اليمامة) وذلك البعض هو ما بينه وبين الطائف مرحلتان، أما بقية اليمامة فله الاستيطان فيها؛ لأن اليمامة تمتد عشرين مرحلة من الطائف (وقراها) أي الثلاث كالطائف وجدة وكخيبر و الينبع وما أحاط بذلك من مفاوزه وجباله وغيرها (وقيل له الإقامة في طرقه الممتدة) بين هذه البلاد; لأنها لم تعتد فيها، نعم التي بحرم مكة يمنعون منها قطعا; لأن الحرمة للبقعة، وفي غيره لخوف اختلاطهم بأهله. ولا يمنعون ركوب بحر خارج الحرم بخلاف جزائر البحر الذي في الحجاز (٣)، ولا يمكنون من المقام في المراكب أكثر من ثلاثة أيام كالبر أي إن أقام بموضع واحد، ثم محل ما مر عند إذن الإمام، أما إن لم يأذن فلا يمكنون من ركوب البحر فضلا عن

стр. 1812

وَلَوْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، مِنْهُ، فَإِنْ اسْتَأْذَنَ أَذِنَ لَهُ إنْ كَانَ دُخُولُهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ حَاجَةٍ لَمْ يَأْذَنْ إلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَلَا يُقِيمُ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ. وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبِهِ لِيَسْمَعَهُ. فَإِنْ مَرِضَ فِيهِ نُقِلَ وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ، الإقامة. (ولو دخل) كافر الحجاز (بغير إذن الإمام) أو نائبه (أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع منه)؛ لتعديه بخلاف ما إذا جهل ذلك فإنه يخرجه ولا يعزره، (فإن استأذن) في دخوله (أذن له) وجوبا (إن كان دخوله مصلحة للمسلمين كرسالة وحمل ما يحتاج إليه) كثيراً من طعام وغيره، وكإرادة عقد جزية أو هدنة لمصلحة وهنا لا يأخذ منه شيئا في مقابلة دخوله. أما مع عدم المصلحة فيحرم الإذن، (فإن كان) دخوله ولو مرة (لتجارة ليس فيها كبير حاجة) كعطر (لم يأذن) أي لم يجز له أن يأذن في دخول الحجاز (إلا) إن كان ذميا (١)، و (بشرط أخذ شيء منها) أي من متاعها أو من ثمنه فيمهلهم للبيع. ولا يكلفون بدون ثمن المثل، وحينئذ فيؤخذ منهم بدله إن رضوا وإلا فبعض أمتعتهم عوضا عنه ويجتهد في قدره كما كان عمر ﵁ يأخذ من المتجرين منهم إلى المدينة، ولا يؤخذ في السنة إلا مرة كالجزية (ولا يقم) بالحجاز حيث دخله ولو لتجارته ولو المضطر إليها في موضع واحد بعد الإذن له في دخوله (إلا ثلاثة أيام فأقل) غير يومي الدخول والخروج؛ اقتداء بعمر ﵁، فإن أقام بمحل ثلاثة فأقل ثم بآخر مثلها وهكذا لم يمنع إن كان بين كلِّ محلين مسافة قصر. (ويمنع) كل كافر (دخول حرم مكة) ولو لمصلحة عامة؛ لقوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ التوبة: ٢٨ أي الحرم إجماعا (فإن كان رسولا) إلى مَن بالحرم من الإمام أو نائبه (خرج إليه الإمام أو نائبه ليسمعه) ويَخْبِر الإمام (٢)، فإن قال لا أؤديها إلا مشافهة تعين خروج الإمام إليه لذلك، أو مناظرا خرج له من يناظره، (فإن مرض فيه) أي الحرم (نقل وإن خيف موته) بالنقل؛ لظلمه بدخوله ولو بإذن الإمام، (فإن مات) وهو ذمي (لم يدفن فيه)؛ تطهيرا للحرم عنه، (فإن دفن نبش وأخرج)؛

стр. 1813

وَإِنْ مَرِضَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الحِجَازِ وَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ تُرِكَ وَإِلَّا نُقِلَ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ دُفِنَ هُنَاكَ. فصل أَقَلُّ الجِزْيَةِ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ مُمَاكَسَةٌ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّطٍ دِينَارَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَغَنِيٍّ أَرْبَعَةً لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله له حيا، نعم إن تقطع ترك. وما مر من الأحكام مندوبة فقط في حرم المدينة (وإن مرض في غيره) أي الحرم (من الحجاز وعظمت المشقة في نقله) أو خيف نحو زيادة مرضه (ترك) وجوبا؛ تقديما لأعظم الضررين، (وإلا) تعظم فيه (نُقل) وجوبا؛ لحرمة المحل (فإن مات) فيه (وتعذر نقله) منه لنحو خوف تغير (دفن هناك)؛ للضرورة، فإن لم يتعذر نقل. أما الحربي أو المرتد فلا يجري ذلك فيه؛ لجواز إغراء الكلاب على جيفته، فإن أذَّى ريحُهُ غُيِّبت جيفته. (فصل) (أقل الجزية) من غني أو فقير عند قوَّتنا (دينار) خالص مضروب فلا يجوز العقد إلا به، وإن جاز أخذ قيمته وقت الأخذ (لكل سنة)؛ للخبر الصحيح ((خذ من كل حالم دينارا أو عَدله)) أي مساوي قيمته، ولا حدَّ لأكثرها، أما عند ضعفنا فيجوز بأقل من دينار إن اقتضته مصلحة ظاهرة وإلا فلا. وتجب بالعقد وتستقر بانقضاء الزمن بشرط الذب عنهم في جميعه حيث وجب، فلو مات أو لم نَذُب عنهم إلا أثناء السنة وجب القسط كما يأتي، أما الحي فلا يُطالَب أثناء السنة بالقسط. (ويستحب للإمام) عند قوتنا (مماكسته) أي طلب زيادة على دينار من رشيد ولو وكيلا حين العقد وإن علم أن أقلها دينار (حتى) يعقد بأكثر من دينار كدينارين لمتوسط وأربعة لغني؛ ليخرج من خلاف أبي حنيفة فإنه لا يجيزها إلا بذلك، بل حيث أمكنته الزيادة بأن علم أو ظن إجابتهم إليها وجبت عليه إلا لمصلحة، وحيث علم أو ظن أنهم لا يجيبونه لأكثر من دينار فلا معنى للمماكسة؛ لوجوب قبول الدينار وعدم جواز إجبارهم على أكثر منه حينئذ. والمماكسة كما تكون في العقد كما ذكر تكون في الأخذ، فحينئذ يسن أن يماكسهم ويفاوت بينهم حتى (يأخذ من) كل (متوسط) آخر الحول ولو بقوله ما لم يثبت خلافه (دينارين فأكثر و) من كل (غني) كذلك (أربعة) من الدنانير فأكثر، وقد يشكل

стр. 1814

وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ ثُمَّ عَلِمُوا جَوَازَ دِينَارٍ لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ أَبَوْا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ. وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِينَ أُخِذَتْ جِزْيَتُهُنَّ مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا، وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الآدَمِيِّ عَلَى المَذْهَبِ، أَوْ فِي خِلَالِ سَنَةٍ فَقِسْطٌ، … على هذا نصه في الأم في سير الواقدي على أنها إذا انعقدت لهم بشيء لا يجوز أخذ زائد عليه وقد يجاب (١) بفرض جواز المماكسة في الأخذ فيما إذا اعتبر الغنى وضده وقت الأخذ -لا وقت طروهما ولا وقت العقد- ومحل اعتبار الغنى وضده وقت الأخذ إن شرط في العقد أن على كل فقير كذا وغني كذا ومتوسط كذا ولم يقيد اعتبار هذه الأحوال بوقت فإن العبرة هنا بوقت الأخذ فعنده يسن له أن يماكس المتوسط حتى يأخذ منه دينارين فأكثر والغني حتى يأخذ منه أربعة فأكثر; لأن هذا العقد لما خلا عن اعتبار تلك الأوصاف عنده كان مفيدا للعصمة فقط وليس مقررا لمال معلوم فسنت المماكسة عند الأخذ بخلاف ما إذا عقد بشيء مخصوص مع التقييد لنحو غناء بوقت العقد فإنه قد تعين بما عقد به من غير اعتبار وصف عند الأخذ فلم تمكن المماكسة حينئذ في الأخذ، وضابط الغني والفقير هنا وفي الضيافة كالنفقة، أي بحيث يزيد دخله على خرجه. أما السفيه فيمتنع عقده أو عقد وليه بأكثر من دينار، فإن عقد رشيدا بأكثر ثم سفه أثناء الحول لزمه ما عقد به. ولو شرط على قوم في عقد الصلح أن على متوسطهم كذا وغنيهم كذا جاز وإن كثر. (ولو عقدت بأكثر) من دينار (ثم علموا جواز دينار لزمهم ما التزموه) كمن غبن في الشراء، (فإن أبوا) من بذل الزيادة (فالأصح أنهم ناقضون) للعهد بذلك فيختار الإمام فيهم ما يأتي. (ولو أسلم ذمي) أو جُنَّ (أو مات) أو حجر عليه بسفه أو فلس كانت الجزية اللازمة له كدين آدمي في حكمه فتؤخذ من ماله في غير حجر الفلس ويضارب بها مع الغرماء فيه، وإذا وقع ذلك (بعد) سنة أو (سنين أخذت جزيتهن من تركته مقدمة على الوصايا) والإرث إن خلف وارثا وإلا فتركته فيء، فإن كان الوارث غير مستغرق أخذ الإمام من نصيبه بقسطه وسقط الباقي، (ويسوي بينها وبين دين الآدمي على المذهب) ; لأنها أجرة فإن لم تف التركة بالكل ضاربهم الإمام بقسط الجزية (أو) أسلم أو جن أو مات (٢) (في خلال سنة فقسط) لما مضى يجب في ماله أو تركته كالأجرة.

стр. 1815

وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ بِإِهَانَةٍ فَيَجْلِسُ الْآخِذُ وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ وَيَضَعُهَا فِي المِيزَانِ، وَيَقْبِضُ الْآخِذُ لِحْيَتَهُ، وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ، وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالْأَدَاءِ وَ حَوَالَةٌ عَلَيْهِ وَأَنْ يَضْمَنَهَا، قُلْتُ: هَذِهِ الهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً. وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إذَا صُولِحُوا فِي بَلَدِهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ ويصدق في وقت إسلامه بيمينه إذا حضر وادعاه. ولو حجر عليه بفلس في خلالها ضارب الإمام مع الغرماء بحصة ما مضى (١) (وتؤخذ الجزية) ما لم تؤد باسم الزكاة (بإهانة فيجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره ويضعها في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب) بكفه مفتوحة (لِهزِمتيه) وهما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من الجانبين أي كلا منهما ضربة واحدة، ويقول له يا عدو الله أدِّ حق الله، (وكله) أي ما ذكر (مستحب، وقيل واجب) ; لأن بعض المفسرين فسر الصغار في الآية بهذا، (فعلى الأول له توكيل مسلم) وذمي (بالأداء) لها (وحوالة) بها (عليه) أي المسلم (و) للمسلم (أن يضمنها) عن الذمي، وعلى الثاني يمتنع كل ذلك؛ لفوات الإهانة الواجبة حتى في توكيل الذمي; لأن كلا مقصود بالصغار، (قلت: هذه الهيئة باطلة)؛ إذ لا أصل لها من السنة ولا فعلها أحد من الخلفاء الراشدين، ومن ثم نص في الأم على أخذها بإجمال أي برفق من غير ضرر أحد ولا نيله بكلام قبيح قال: والصغار أن يجري عليهم الأحكام لا أن يضربوا ويؤذوا (ودعوى استحبابها) فضلا عن وجوبها (أشد خطأ والله أعلم) فيحرم فعلها (٢)؛ لما فيها من الإيذاء من غير دليل (ويستحب للإمام) أو نائبه (إذا أمكنه) شرط الضيافة عليهم لقوتنا مثلا (أن يشرط عليهم إذا صولحوا في بلدهم) أو بلادنا (ضيافة من يمر بهم من المسلمين) ولو غنيا غير مجاهد؛ للاتباع، ولا يدخل عاص بسفره; لأنه ليس من أهل الرخص، بل ولا من كان سفره دون ميل; لأنه حينئذ لا يسمى ضيفا. وذكر المسلمين قيد في الندب لا الجواز. ولو صالحوا عن الضيافة بمال فهو لأهل الفيء، وإنما يشرط ذلك حال كونه.

стр. 1816

زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ، وَقِيلَ يَجُوزُ مِنْهَا، وَتُجْعَلُ عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ، لَا فَقِيرٍ فِي الْأَصَحّ، وَيَذْكُرُ عَدَدَ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا، وَجِنْسَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ وَقَدْرُهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا، وَعَلَفَ الدَّوَابِّ، وَمَنْزِلَ الضِّيفَانِ مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ مَسْكَنٍ (زائدا على أقل جزية) فلا يجوز جعله من الأقل; لأن القصد من الجزية التمليك ومن الضيافة الإباحة، (وقيل يجوز منها) أي الجزية التي هي أقل; لأنه ليس عليهم غيرها، (وتجعل) الضيافة (على غني ومتوسط) أي عند نزول الضيف بهم، (لا فقير) فلا يجوز جعلها عليه (في الأصح) ; لأنها تتكرر فيعجز عنها، (ويذكر) العاقد عند اشتراط الضيافة (عدد الضيفان رجالا وفرسانا) أي ركبانا، وذلك; لأنه أقطع للنزاع وأنفى للغرر فيقول على كل عني (١) أو متوسط جزية كذا وضيافة عشرة مثلا كل يوم أو سنة مثلا خمسة رجالة وخمسة فرسان أو عليكم ضيافة ألف مسلم كل سنة مثلا رجالة كذا وفرسان كذا يتوزعونهم فيما بينهم بحسب تفاوتهم في الجزية. ويشترط فيما إذا قال على كل غني أو متوسط عدد كذا أو عليكم عدد كذا ولم يقل كل يوم أن يبين عدد أيام الضيافة في الحول مع ذكر قدر ومدة الإقامة، (و) يذكر (جنس الطعام والأدم) كالبر والسمن وغيرهم بحسب العادة الغالبة في قوتهم، وقد يدخل في الطعام الفاكهة والحلوى لكن محل جواز ذكرهما إن غلبا ثَمّ. وأجرة الطبيب والخادم مثلهما في ذلك إلا إذا سكت عنه أو لم يعتد في محلتهم (٢) (وقدرهما، و (٣) يذكر أن (لكل واحد) من الأضياف (كذا) منهما بحسب العرف ويفاوت بينهم في قدر ذلك لا صفته بحسب تفاوت جزيتهم. وليس لضيف تكليفهم ذبح نحو دجاجهم ولا غير الغالب من أقواتهم، (و) يذكر (علف الدواب) ولا يشترط ذكر جنسه وقدره فيكفي الإطلاق ويحمل على تبن وحشيش بحسب العادة لا على نحو شعير، نعم إن ذكر الشعير في وقتٍ اشتُرط بيان قدره. ولا يجب عند عدم تعيين عدد دواب كلٍّ علف (٤) أكثر من دابة لكل واحد، (و) يذكر (منزل الضيفان) وكونه يدفع الحر والبرد (من كنيسة وفاضل مسكن) وبيت فقير ولا يُخرِجون أهل منزل منه، ويشترط عليهم إعلاء أبوابهم ليدخلها المسلمون ركبانا

стр. 1817

وَمُقَامَهُمْ، وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلَوْ قَالَ قَوْمٌ نُؤَدِّي الجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لَا جِزْيَةٍ فَلِلْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إذَا رَأَى. وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةَ فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ شَاتَانِ، وَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بِنْتَا مَخَاضٍ، وَ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، وَماِئَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةٌ، وَخُمُسُ المُعَشَّرَاتِ، وَلَوْ وَجَبَ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانٍ لَمْ يُضَعِّفْ الجُبْرَانَ فِي الْأَصَحِّ، كما شرطه عمر على أهل الشام (و) يذكر (مقامهم) أي مدة إقامتهم (ولا يجاوز ثلاثة أيام) أي لا يندب له ذلك; لأنها غاية الضيافة كما في الأحاديث، فإن شرط عليهم أكثر جاز. ويشترط تزويد الضيف كفاية يوم وليلة ولو امتنع قليل منهم أجبروا أو كلهم أو أكثرهم فناقضون، ولضيفهم حمل الطعام من غير أكل (١)، ولا يطالبهم بعوض إن لم يمر بهم ضيف ولا بطعام ما بعد اليوم الحاضر، ولو لم يأتوا بطعام اليوم لم يطالبهم به في الغد لكن محله إن شرط عليهم أياما معلومة، أما لو شرط على كلهم أو بعضهم ضيافة عشرة مثلا كل يوم ففوت ضيافة القادمين في بعض الأيام فيؤخذ بدلها لأهل الفيء. (ولو قال قوم) عرب أو عجم (نؤدي الجزية باسم صدقة لا جزية) وقد عرفوا حكمها (فللإمام إجابتهم (٢) إذا رأى) ذلك. (ويضعف عليهم الزكاة)؛ اقتداء بفعل عمر ﵁ ذلك مع من تنصر من العرب قبل بعثته ﷺ (فمن خمسة أبعرة شاتان و) من (خمسة وعشرين) بعيرا (بنتا مخاض) ومن ست وثلاثين بنتا لبون وهكذا (و) من (عشرين دينارا دينار و) من (مائتي درهم) فضة (عشرة، وخُمُس المعشرات) المسقية بلا مؤنة وإلا فعشرها؛ لما مر عن عمر ﵁، ويجوز غير تضعيفها كتربيعها على ما يراه بل لو لم يف التضعيف بقدر دينار لكل واحد وجبت الزيادة إلى بلوغ ذلك يقينا كما أنه لو زاد جاز النقص عنه إلى بلوغ ذلك يقينا أيضا. [تنبيه] محل التضعيف في غير زكاة الفطر وهو ظاهر وإلا في المعلوفة; لأنها ليست زكوية الآن، (ولو وجبت بنتا مخاض مع جبران) كما في ست وثلاثين عند فقد بنتي اللبون (لم يضعف الجبران في الأصح) فيأخذ مع كل بنت مخاض شاتين أو عشرين درهما; لأنه لو ضعف أخذ الضعف علينا فيما إذا رددناه إليهم، والخيرة فيه هنا للإمام دون المالك.

стр. 1818

وَلَوْ كَانَ بَعْضَ نِصَابٍ لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ فِي الْأَظْهَرِ، ثُمَّ المَأْخُوذُ جِزْيَةٌ، فَلَا تُؤخَذُ مِنْ مَالِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيهِ. فصل يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا وَدَفْعُ أَهْلِ الحَرْبِ عَنْهُمْ وَقِيلَ إنْ انْفَرَدُوا لَمْ يَلْزَمْنَا الدَّفْعُ (ولو كان) المال الزكوي (بعض نصاب) كعشرين شاة (لم يجب قسطه في الأظهر)؛ إذ لا يجب فيه شيء على المسلم، ومن ثم يجب القسط في الخلطة الموجبة للزكاة، (ثم المأخوذ جزية) حقيقة فيصرف مصرفها (فلا تؤخذ من مال من لا جزية عليه) ولو زاد المجموع على أقل الجزية فسألوا إسقاط الزيادة وإعادة اسم الجزية أجيبوا. (فصل) في جملة من أحكام عقد الذمة (يلزمنا) عند إطلاق العقد فعند الشرط أولى (الكف عنهم (١) نفسا ومالا وعرضا واختصاصا وعما معهم كخمر وخنزير لم يظهروه؛ لخبر أبي داود ((ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)) (وضمان ما نتلفه عليهم نفسا ومالا (٢) و رَدَّ ما نأخذه من اختصاصاتهم كالمسلم; لأن ذلك هو فائدة الجزية كما أفادته آيتها (ودفع أهل الحرب) والذمة والإسلام (عنهم) إن كانوا بدارنا; لأنه يلزمنا الذب عنها، فإن كانوا بدار الحرب لم يلزمنا الدفع عنهم إلا إن شرطوه علينا أو انفردوا بجِوارنا، وأُلحق بدارنا دار حرب فيها مسلم، بمعنى أنه يلزمنا دفع المسلم عنهم أو أن المراد أنه لم يمكن الدفع عن المسلم إلا بالدفع عنهم، ولا يلزمنا دفع الحربيين عنهم، (وقيل إن انفردوا لم يلزمنا) ببلد (الدفع عنهم) كما لا يلزمهم الذب عنا، والأصح أنه يلزمنا الدفع عنهم مطلقا. أما عند شرط أن لا نذب عنهم فإن كانوا معنا أو بمحل (٣) إذا قصدوهم مروا علينا

стр. 1819

وَنَمْنَعُهُمْ إحْدَاثَ كَنِيسَةٍ فِي بَلَدٍ أَحْدَثْنَاهُ أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ، وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ صُلْحًا بِشَرْطِ الْأَرْضِ لَنَا، وَشَرْطِ إسْكَانِهِمْ، وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ لَهُم جَازَ، وَإِنْ أُطْلِقَ فَالْأَصَحُّ المَنْعُ، أَوْ لَهُمْ قُرِّرَتْ، وَلَهُمُ الْإِحْدَاثُ فِي الْأَصَحِّ فسد العقد؛ لتضمنه تمكين الكفار منا وإلا فلا (ونمنعهم) وجوبا (إحداث كنيسة) وبيعة وصومعة للتعبد ولو مع غيره كنزول المارة (في بلد أحدثناه) كالبصرة والقاهرة (أو أسلم أهله) حال كونهم مستقلين ومتغلبين (عليه) بأن كان من غير قتال ولا صلح كاليَمَن (١)، وذلك؛ لخبر ((لا تُبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها))، ويهدم وجوبا ما أحدثوه وإن لم يشرط عليهم هدمه، والصلح على تمكينهم منه باطل، وما وجد من ذلك ولم يعلم أحد أنه بعد الإحداث أو الإسلام أو الفتح يبقى؛ لاحتمال أنه كان ببرية أو قرية واتصل به العمران، وكذا يقال فيما يأتي في الصلح، أما ما بني من ذلك لنزول المارة فقط ولو منهم فيجوز، (وما فتح عنوة) كبلاد المغرب (لا يحدثونها فيه) أي لا يجوز تمكينهم من ذلك، ويجب هدم ما أحدثوه فيه; لأن المسلمين ملكوها بالاستيلاء. (ولا يقرون على كنيسة كانت فيه) حال الفتح يقينا (في الأصح) لذلك، ومحل الخلاف في القائمة عند الفتح، أما المنهدمة أو التي هدمها المسلمون قبل الفتح فلا يقرون عليها قطعا، (أو) فتح (صلحا بشرط الأرض لنا، وشرط إسكانهم) بخراج (وإبقاء الكنائس) ونحوها (لهم جاز) ; لأن الصلح إذا جاز بشرط كل البلد لهم فبعضها أولى، ولهم حينئذ ترميمها، وقضية قوله ((وإبقاء)) منع الإحداث وهو كذلك، وليس منه إعادتها وترميمها ولو بآلة جديدة، ونحو تطيينها وتنويرها من داخل وخارج. [تنبيه] لو شرطوا علينا الإحداث جاز (٢). (وإن أطلق) شرط الأرض لنا وسكت عن نحو الكنائس (فالأصح المنع) من إبقائها وإحداثها فتهدم كلها (أو) بشرط أن تكون الأرض (لهم)، ويؤدون خراجها (قررت) كنائسهم ونحوها، (ولهم الإحداث في الأصح) ; لأن الأرض لهم.

стр. 1820

وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا، وَقِيلَ نَدْبًا مِنْ رَفْعِ بِنَاءٍ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ، [تنبيه] ما فتح من ديار الحربيين بشرط مما ذكر لو استولوا عليه بعدُ ثم فتح بشرط يخالف ذلك فالعبرة بالشرط الأول ; لأنه بالفتح الأول صار دار إسلام فلا يعود دار كفر. [تنبيه] معنى ((لهم)) هنا وفي نظائره -الموهمة حل ذلك لهم، واستحقاقهم له- عدم المنع منه فقط; لأنه من جملة المعاصي في حقهم أيضا; لأنهم مكلفون بالفروع، وعليه فلا يجوز لحاكم الإذن لهم فيه، ولا لمسلم إعانتهم عليه ولا إيجار نفسه للعمل فيه، فإن رُفِع إلينا فسخناه. ولا يجوز دخول كنائسهم المستحقة الإبقاء إلا بإذنهم فيجوز حينئذٍ ما لم يكن فيها صورة معظمة. [تتمة] ما فتح عنوة أو على أنه لنا للإمام رده عليهم بخراج معين يؤدونه كل سنة وتؤخذ الجزية معه; لأنه أجرة لا تسقط بإسلامهم، ومن ثم أُخذ من أرض نحو صبي، ولهم الإيجار لا نحو البيع، ولا يشترط بيان المدة بل يكون مؤبدا كما مر في أرض العراق، والأراضي التي عليها خراج لا يعرف أصله يحكم بحل أخذه؛ لاحتمال أنه وضع بحق كما تقرر، أو على أنه لهم بخراج معلوم يؤدونه كل سنة يفي بالجزية عن كل حالم منهم صح، وأجريت عليهم أحكامها فيؤخذ وإن لم يزرعوا ويسقط بإسلامهم، فإن اشتراها أو استأجرها مسلم صح والخراج على البائع والمؤجر (ويمنعون) وإن لم يشرط منعهم في عقد الذمة (وجوبا، وقيل ندبا من رفع بناء) لهم ولو لخوف سراق يقصدونهم فقط (على بناء جارٍ مسلمٍ) وإن كان في غاية القصر وقدر على تعليته من غير مشقة، نعم محله إذا اعتيد مثله للسكنى وإلا لم يكلف الذمي النقص عن أقل المعتاد وإن عجز المسلم عن تتميم بنائه، وذلك؛ لحق الله تعالى وتعظيما لدينه فلا يباح برضا الجار، وخرج بقوله ((جارٍ مسلمٍ)) جار ذمي فلا منع وإن اختلفت ملتهما. وخرج برفع شراؤه لدار عالية لم تستحق الهدم فلا يمنع إلا من الإشراف منها كصبيانهم فيمنع من طلوع سطحها إلا بعد تحجيره (١)، وله استئجارها أيضا وسكناها بالقيد المار (٢)، ويغتفر بقاء الروشن هنا. والأوجه أن الجار هنا أربعون من كل جانب كما في الوصية (٣).

стр. 1821

وَالْأَصَحُّ المَنْعُ مِنْ المُسَاوَاةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ لَمْ يُمْنَعُوا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ لَا حَمِيرٍ، وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ، وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ، لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ. وَلَا يُوَقَّرُ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ (والأصح المنع من المساواة) أيضا تمييزا بينهما (و) الأصح (أنهم لو كانوا بمحلة منفصلة) عن المسلمين كطرف متقطع عن العمارة بأن كان داخل السور مثلا وليس بحارتهم مسلم يشرفون عليه لبعد ما بين البناءين (لم يمنعوا) من رفع البناء; إذ لا ضرر هنا بوجه. ولو لاصقت أبنيتهم دورا لبلد من جانب جاز الرفع من بقية الجوانب حيث لا إشراف منه. ولو رفع على بناء المسلم لم يسقط هدمه بتعلية المسلم، وكذا بيعه لمسلم (١)، نعم لو أسلم قبل الهدم أُبقي (٢)؛ ترغيبا في الإسلام (ويمنع الذمي) أي الذكر المكلف ومثله معاهد ومستأمن (ركوب خيل (٣)؛ لما فيها من العز والفخر، وألحق بها تعليم من لم يرج إسلامه علوم الشرع، وآلاتها إلا نحو علوم العربية (لا) براذين خسيسة، ولا من ركوب نفيسة زمن قتال استعنا بهم فيه، ولا ركوب (حمير) نفيسة (وبغال نفيسة)؛ لخستهما (ويركبـ) ـها عرضا بأن يجعل رجليه من جانب واحد، نعم محله في مسافة قريبة من البلد (بإكاف) أو برذعة (وركاب خشب، لا حديد) أو رصاص (ولا سرج)؛ لكتاب عمر بذلك، وليتميزوا عنا بما يحقرهم، ومن ثم كان ذلك واجبا، ويمنع من الركوب مطلقا في مواطن زحمتنا؛ لما فيه من الإهانة، ويمنعون من حمل السلاح وتختم ولو بفضة، واستخدام مملوك فارِه كتركي، ومن خدمة الأمراء. وغير الذكر المكلف لا يلزم بصغار مما مر ويأتي، وعليه يستثنى نحو الغيار؛ لضرورة التمييز (ويلجأ) وجوبا عند ازدحام المسلمين بطريق (إلى أضيق الطرق)؛ لأمره ﷺ بذلك لكن بحيث لا يتأذى بنحو وقوع في وهدة أو صدمة جدار، وقضية المتن حرمة إيثار الواسع عن اجتماعهما في طريق، ومحله إن قصد بذلك تعظيمه أو عُدَّ تعظيماً له عرفاً، ولا يمشون إلا أفرادا متفرقين (ولا يوقر ولا يصدر في مجلس) به مسلم أي: يحرم علينا ذلك؛ إهانة له، وتحرم موادته أي

стр. 1822

وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ. وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ. وَيُمْنَعُ مِنْ إسْمَاعِهِ المُسْلِمِينَ شِرْكًا، وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالمَسِيحِ، وَمِنْ إظْهَارِ نَحْوِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ الميل إليه -لا من حيث وصف الكفر وإلا كانت كفرا بالقلب- ولو نحو أب وابن، وتكره (١) بالظاهر ولو بالمهاداة إن لم يرج إسلامه أو يكن لنحو رحِم أو جوار كعيادته وتعزيته وتعليمه القرآن أو نحوه، وأُلحق بالكافر في ذلك كل فاسق، وفي عمومه نظر والذي يتجه حمل الحرمة على ميل مع إيناس له (ويؤمر) وجوبا عند اختلاطهم بنا وإن دخل دارنا لرسالة أو تجارة وإن قصرت مدة اختلاطه بنا (بالغِيار) وهو تغيير اللباس كأن يخيط فوق أعلى ثيابه بموضع لا يعتاد الخياطة عليه كالكتف ما يخالف لونها، ويكفي عنه نحو منديل معه، والعمامة المعتادة لهم اليوم، والأولى باليهود الأصفر، وبالنصارى الأزرق، وبالمجوس الأسود، وبالسامرة الأحمر; لأن هذا هو المعتاد في كلٍّ بعد الأزمنة الأولى، ولو أرادوا التمييز بغير المعتاد منعوا خوف الاشتباه، وتؤمر ذمية خرجت بتخالف خُفَّيْها، وأُلحق بها الخنثى (والزُّنار فوق الثياب) وهو خيط غليظ فيه ألوان يشد بالوسط، نعم المرأة وألحق بها الخنثى تشده تحت إزارها لكن تظهر بعضه وإلا لم يكن له فائدة، ويمنع إبداله بنحو منطقة أو منديل، والجمع بينهما (٢) تأكيد ومبالغة في الشهرة وهو المنقول عن عمر ﵁ فللإمام الأمر بأحدهما فقط، ولا يمنعون من نحو ديباج أو طيلسان (وإذا دخل حمّاما فيه مسلمون) أو مسلم (أو تجرد) في غيره (عن ثيابه) وثَم مسلم (جعل في عنقه) أو نحوه (خاتم) أي طوق (حديد أو رَصاص ونحوُِه) -بالرفع أي الخاتم كجلجل، وبالكسر أي الحديد أو الرصاص كنحاس- وجوبا؛ ليتميز، وتمنع الذمية من حمام به مسلمة فلا يتأتى ذلك فيها (ويمنع) وجوبا -وإن لم يشرط عليه- من التسمية بمحمد وأحمد، وكذا ما يشعر برفعة المسمى، ويمنع (من إسماعه المسلمين شركا) كثالث ثلاثة (و) يمنع من (قولهم) القبيح (في عزير والمسيح) صلى الله على نبينا وعليهما وسلم أنهما ابنا الله والقرآن أنه ليس من الله تعالى (ومن) ابتذال مسلم في مهنة بأجرة أوْ لا، وإرسال نحو الضفائر; لأنه شعار الأشراف غالبا، ومن (إظهار) منكر بيننا (نحو خمر وخنزير وناقوس) وهو ما يضرب به النصارى لأوقات الصلاة (وعيد) ونحو لطم ونوح،

стр. 1823

وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ فَخَالَفُوا لَمْ يَنْتَقِضِْ الْعَهْدُ. وَلَوْ قَاتَلُونَا أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الجِزْيَةِ أَوْ مِنْ إجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ انْتَقَضَ. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوءٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا اُنْتُقِضَ، وَإِلَّا فَلَا، وقراءة نحو توراة وإنجيل ولو بكنائسهم; لأن في ذلك مفاسد كإظهار شعار الكفر، فإن انتفى الإظهار فلا منع. وتراق خمر لهم أظهرت، ويتلف ناقوس لهم أظهر، وضابط الإظهار أن يمكن الإطلاع عليه بلا تجسس، ويحدون لنحو زنا أو سرقة لا خمر (ولو شرطت) عليهم (هذه الأمور) التي يمنعون منها أي شُرط عليهم الامتناع منها، أو إن فعلوا كانوا ناقضين (فخالفوا) ذلك مع تدينهم بها (لم ينتقض العهد) ; إذ ليس فيها كبير ضرر علينا لكن يبالغ في تعزيرهم حتى يمتنعوا منها (١). (ولو قاتلونا) بلا شبهة كأن صال عليه مسلم فقتله دفعا، وقتالهم لنحو ذميين يلزمنا الذب عنهم قتال لنا في المعنى فله حكمه (أو امتنعوا) تغلبا (من) بذل (الجزية) التي عقد بها لغير عجز وإن كانت أكثر من دينار (أو من إجراء حكم الإسلام) عليهم (انتقض) عهد الممتنع وإن لم يشرط عليه ذلك؛ لإتيانه بنقيض عهد الذمة من كل وجه. أما الموسر الممتنع بغير نحو قتال فتؤخذ منه قهرا ولا انتقاض، وكذا الممتنع من الأخير (ولو زنى ذمي بمسلمة) وأُلحق به اللواط بمسلم (أو أصابها بنكاح) أي بصورته مع علمه بإسلامها فيهما (أو دلَّ أهل الحرب على عورة) أي خلل (للمسلمين) كضعف (أو فتن مسلما عن دينه) أو دعاه للكفر (أو طعن في الإسلام أو القرآن أو ذكر) جهرا الله تعالى، أو (رسول الله ﷺ أو القرآن أو نبياً (بسوء) مما لا يتدينون به أو قتل مسلما عمدا أو قذفه (فالأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض)؛ لمخالفة الشرط (وإلا) يشرط ذلك أو شك (٢) هل شرط أوْ لا (فلا) ينتقض; لأنها لا تخل بمقصود العقد، وسواء انتقض أم لا يقام عليه موجب فعله من حد أو تعزير، فلو رجم وقلنا بالانتقاض صار ماله فيئا، أما ما يتدين به كزعمهم أن القرآن ليس من عند الله أو أن الله ثالث ثلاثة فلا نقض به مطلقا قطعا.

стр. 1824

وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ إبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الْأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ امْتَنَعَ الرِّقُّ. وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الحَرْبِ بُلِّغَ المَأْمَنَ (ومن انتقض عهده بقتال جاز) بل وجب (دفعه وقتاله) ولا يبلغ المأمن؛ لعظم جنايته، ومن ثم جاز قتله وإن أمكن دفعه بغيره، نعم محله في كامل ففي غيره يدفع بالأخف; لأنه إذا اندفع به كان مالا للمسلمين ففي عدم المبادرة إلى قتله مصلحة لهم فلا تفوت عليهم (أو بغيره) أي القتال (لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر بل يختار الإمام فيه) إن لم يطلب تجديد عقد الذمة وإلا وجبت إجابته (قتلا) أ (ورقا) أ (ومنّا) أ (وفداء) ; لأنه حربي لإبطاله أمانه، وبه فارق من دخل بأمان نحو صبي اعتقده أمانا (فإن أسلم) المنتقض عهده (قبل الاختيار امتنع الرق) والقتل كما هو معلوم، والفداء كما يعلم من امتناع الرق بخلاف الأسير; لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر وله أمان متقدم فخفَّ أمره. (وإذا بطل أمان رجال) الحاصل بجزية أو غيرها (لم يبطل أمان) ذراريهم من نحو (نسائهم والصبيان في الأصح) ; إذ لا جناية منهم تناقض أمانهم، وإنما تبعوا في العقد لا النقض؛ تغليبا للعصمة فيهما. ولو طلبوا دار الحرب أجيب النساء لا الصبيان; إذ لا اختيار لهم (وإذا اختار ذمي نبذ العهد واللحوق بدار الحرب بلغ المأمن) أي المحل الذي هو أقربُ بلادِهِم من دارنا مما يأمن فيه على نفسه وماله; لأنه لم يظهر منه خيانة.

стр. 1825

باب الهدنة عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إقْلِيمٍ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَ نَائِبِهِ فِيهَا، وَلِبَلْدَةٍ يَجُوزُ لِوَالِي الْإِقْلِيمِ أَيْضًا. وَإِنَّمَا يَعْقِدُهَا لِمَصْلَحَةٍ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهْبَةٍ أَوْ رَجَاءِ إِسْلَامٍ جِزْيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لَا سَنَةً، وَكَذَا دُونَهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ فَقَطْ، (باب الهدنة) هي لغة: المصالحة، وشرعا: مصالحة الحربيين على ترك القتال المدة الآتية بعوض أو غيره. وأصلها قبل الإجماع أول سورة براءة، ومهادنته ﷺ قريشا عام الحديبية، والأصل فيها الجواز (عقدها) لجميع الكفار، أو (لكفار إقليم) كالهند (يختص بالإمام) ومثله مطاع بإقليم لا يصله حكم الإمام (ونائبه فيها) وحدها أو مع غيرها ولو بطريق العموم؛ لما فيها من الخطر، ووجوب رعاية مصلحتنا، (و) عقدها (لبلدة) أو أكثر من إقليم لا كله (١) (يجوز لوالي الإقليم أيضا) أي كما يجوز للإمام أو نائبه؛ لاطلاعه على مصلحة، وتجوز مع بلدة مجاورة لإقليمه إذا رأى المصلحة فيها لأهل إقليمه; لأنها حينئذ من متعلقات إقليمه. وإذا تردد والي الإقليم في وجه المصلحة تعيّن عليه استئذان الإمام إن أمكن (وإنما يعقدها لمصلحة)؛ لما فيها من ترك القتال، ولا يكفي انتفاء المفسدة قال تعالى ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ محمد: ٣٥ والمصلحة (كضعفنا بقلة عدد وأهبة) ; لأنه الحامل على المهادنة عام الحديبية (أو رجاء إسلام أو بذل جزية) أو إعانتهم لنا أو كفهم عن الإعانة علينا أو بُعْد دارهم وإن كنا أقوياء في الكل؛ للاتباع في الأول، (فإن لم يكن) بنا ضعف ورأى الإمام المصلحة فيها (جازت أربعة أشهر) ولو بلا عوض؛ للآية السابقة، (لا سنة) ; لأنها مدة الجزية، فلا يجوز تقريرهم فيها بدون جزية، (وكذا دونها) وفوق أربعة أشهر (في الأظهر)؛ للآية أيضا، نعم لا يتقيد عقدها لنحو نساء ومال بمدة (ولضعف) بنا (تجوز عشر سنين) فما دونها بحسب الحاجة (فقط) ; لأنها مدة مهادنة
следующие страницы →