وَإِنْ نَذَرَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فِيهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بَقِيَ الْأَصْلُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ إنْ لَمْ يَسْبِقْ تَعْيِينٌ، وَكَذَا إنْ قَالَ: جَعَلْتُهَا أُضْحِيَةً فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ وَكَّلَ بِالذَّبْحِ نَوَى عِنْدَ إعْطَاءِ الْوَكِيلِ أَوْ ذَبْحِهِ
دونها ثم شقصا ثم لحماً ثم أخرج دراهم كما تقرر. ولو أتلف اللحم أو فرقه وتعذر استرداده ضمن قيمتها عند ذبحها ككل من ذبح شاة إنسان مثلا بغير إذنه ثم أتلف اللحم (وإن نذر في ذمته) أضحية كعليَّ أضحية (ثم عين) المنذور بنحو عَيَّنتُ هذه الشاة لنذري، ويلزمه تعيين سليمة إلا أن يلتزم معيبة، تعين وزال ملكه عنها بمجرد التعيين (لزمه ذبحه فيه) أي الوقت؛ لأنه التزم أضحية في الذمة وهي مؤقتة ومختلفة باختلاف أشخاصها فكان في التعيين غرضٌ أيُّ غرضٍ. أما إذا التزم معيبة ثم عين معيبة فلا تتعين بل له أن يذبح سليمة وهو الأفضل، فعلم أن المعيب يثبت في الذمة (فإن تلفت) المعينة ولو (قبله) أي الوقت (بقي الأصل عليه) كما كان (في الأصح)؛ لبطلان التعيين بالتلف إذ ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح.
[فرع] عيَّن عما بذمته من هدي أو أضحية تعين كما علم مما مر، فلو ذبح غير المعين مع وجوده كاملا لم يجزه . (وتشترط النية) هنا؛ لأنها عبادة وكونها (عند الذبح (١) ; لأن الأصل اقترانها بأول الفعل، هذا (إن لم يسبق) إفراز أو (تعيين) وإلا فسيأتي، (وكذا) تشترط النية عند الذبح (إن قال: جعلتها أضحية في الأصح)، ولا يكتفي عنها بما سبق من الجعل; لأن الذبح قربة في نفسه فاحتاج إليها، نعم لو اقترنت بالجعل كفت عنها عند الذبح كما يكفي اقترانها بإفراز أو تعيين ما يضحي به في مندوبة وواجبة معينة عن نذر في ذمته كما تجوز في الزكاة عند الإفراز وبعده وقبل الدفع. ولا تجب نية أصلا في المعينة ابتداء بنذر. ولو عين عما في ذمته بنذر لم يحتج لنية عند الذبح.
[تنبيه] أطبقوا في الأضحية والهدي على أن النية فيهما حيث وجبت أو ندبت تكون عند الذبح ويجوز تقديمها عليه لا تأخيرها عنه. أما دماء النسك فالأوجه فيها أن النية فيها عند التفرقة، وعليه يجوز تقديمها عليها كالزكاة، نعم حيث وجدت عند التفرقة لا بد من فقد الصارف عند الذبح، (وإن وكَّل بالذبح نوى عند إعطاء الوكيل) -ولو كافرا- ما يضحي به وإن لم يعلم أنه أضحية (أو) عند (ذبحه) -ولو كافرا كتابيا- كوكيل تفرقة الزكاة. وأفهم المتن
стр. 1857
وَلَهُ الْأَكْلُ مِنْ أُضْحِيَةِ تَطَوُّعٍ، وَإِطْعَامُ الْأَغْنِيَاءِ، لَا تَمْلِيكُهُمْ، وَيَأْكُلُ ثُلُثًا، وَفِي قَوْلٍ نِصْفًا، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ بِبَعْضِهَا،
أنه لا يصح تفويض النية للوكيل وليس على إطلاقه بل له تفويضها لمسلم مميز وكيل في الذبح أو غيره لا كافر ولا نحو مجنون وسكران؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ويكره استنابة كافر وصبي في الذبح (وله) أي المضحي عن نفسه ما لم يرتد؛ إذ لا يجوز لكافر الأكل منها مطلقا، ويؤخذ منه أن الفقير والمهدى إليه لا يطعمه منها (١) (الأكل من أضحية تطوعٍ) وهديه بل يسن؛ لقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الحج: ٣٦. أما الواجبة فلا يجوز الأكل منها سواء المعينة ابتداء أو عما في الذمة. ولا يجوز الأكل من نذر المجازاة قطعا؛ لأنه كجزاء الصيد وغيره من جبران الحج (و) له (إطعام الأغنياء) المسلمين منه نيئا ومطبوخا؛ لقوله تعالى ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الحج: ٣٦ والقانع السائل والمعتر المتعرض للسؤال (لا تمليكهم) شيئا منها للبيع مثلا، بل يرسل إليهم على سبيل الهدية فلا يتصرفون فيه بنحو بيع وهبة بل بنحو أكل وتصدق وضيافة لغني أو فقير مسلم; لأن غايته أنه كالمضحي، نعم يملكون ما أعطاه الإمام لهم من ضحية بيت المال (ويأكل ثلثا) أي يسن لمن ضحى لنفسه أن لا يزيد في الأكل عليه، ثم الأكمل كما يأتي أن لا يأكل منها إلا لقما يسيرة تبركا بها؛ للاتباع، ودونه أكل ثلث والتصدق بثلثين، ودونه أكل ثلث والتصدق بثلث وإهداء ثلث؛ قياسا على هدي التطوع (٢) (وفي قول) قديمٍ يأكل (نصفا) أي يسن أن لا يزيد عليه ويتصدق بالباقي، (والأصح وجوب تصدق) أي إعطاء ولو من غير لفظ مملك (ببعضها) مما ينطلق عليه الاسم؛ لأنها شرعت رفقا بالفقير، والمراد بالبعض المذكور ما يخرج عن القدر التافه إلى ما جرى في العرف أن يتصدق به فيها من القليل الذي يؤدي الاجتهاد إليه. ويجب أن يُملِّكه نيئا طريا لا قديدا، ولا يجزئ ما لا يسمى لحما مما يأتي في الأيمان، ومنه جلد ونحو كبد وكرش؛ إذ ليس طيبها كطيبه، وكذا ولد بل له أكل كله وإن انفصل قبل ذبحها، ولا يكفي التصدق بالشحم. وللفقير التصرف فيه ببيع وغيره لمسلم. ولو أكل الكل أو أهداه غرم قيمة ما يلزم التصدق به. ولا يصرف شيء منها لكافر على النص ولا لقن إلا
стр. 1858
وَالْأَفْضَلُ بِكُلِّهَا إلَّا لُقَمًا يَتَبَرَّكُ بِأَكْلِهَا. وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا أَوْ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَوَلَدُ الْوَاجِبَةِ يُذْبَحُ، وَلَهُ أَكْلُ كُلِّهِ وَشُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا
لمبعض في نوبته ومكاتب (١) كتابة صحيحة (والأفضل) أن يتصدق (بكلها)؛ لأنه أقرب للتقوى (إلا لقما يتبرك بأكلها)؛ للآية والاتباع، ومنه يؤخذ أن الأفضل الكبد؛ لخبر البيهقي ((أنه ﷺ كان يأكل من كبد أضحيته))، وإذا تصدق بالبعض وأكل الباقي أثيب على التضحية بالكل والتصدق بما تصدق به. ويجوز ادخار لحمها ولو في زمن الغلاء والنهي عنه منسوخ (ويتصدق بجلدها) ونحو قرنها أي المتطوع بها وهو الأفضل؛ للاتباع (أو ينتفع به) أو يعيره لغيره. ويحرم عليه وعلى نحو وارثه بيعه كسائر أجزائها وإجارته وإعطاؤه أجرةً للذابح بل هي عليه؛ للخبر الصحيح ((من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)). و لورثته ولاية القسمة والنفقة كهو. أما الواجبة فيلزمه التصدق بنحو جلدها (وولد الواجبة) المنفصل (يذبح) وجوبا -سواء المعينة ابتداء أو عما في الذمة عَلِقَت به قبل النذر أم معه أم بعده-؛ لأنه تبع لها، فإن ماتت بقي أضحية (وله أكل كله) إذا ذبحه معها؛ لأنه جزء منها، وبه يعلم بناء هذا على جواز الأكل منها وقد مر أن المعتمد حرمته مطلقا فيحرم (٢) من ولدها كذلك. وعلم من المتن بالأولى حكم جنينها إذا ذبحت فمات بموتها أو ذبح (٣).
[تنبيه] كلامهم ليس مفروضاً في الأضحية؛ لما مر أن الحمل عيب بل المراد هنا أن الحامل إذا عينت بنذر تعينت ولا يلزم من ذلك وقوعها أضحية، ويمكن فرضه في الأضحية إذا حملت بعد النذر ووضعت قبل الذبح. ولا يجوز الأكل قطعا من ولد واجبة في دم من دماء النسك (و) له -مع الكراهة- (شرب فاضل لبنها) أي الواجبة، ومثلها بالأولى المندوبة عن ولدها وهو ما لا يضره فقده ضررا لا يحتمل كمنعه نموه كأمثاله كما أن له ركوبها لكن لحاجة بأن عجز عن المشي ولم يجد غيرها بأجرة وجدها، ولا أثر لقدرته على الاستعارة؛ لما فيها من المنة والضمان، وإركابها لمحتاج بلا أجرة لكن يضمن المضحي نقصها بذلك إلا إن حصل في
стр. 1859
وَلَا تَضْحِيَةَ لِرَقِيقٍ، فَإِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ وَقَعَتْ لَهُ. وَلَا يُضَحِّي مُكَاتَبٌ بِلَا إذْنٍ. وَلَا تَضْحِيَةَ عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَلَا عَنْ مَيْتٍ إنْ لَمْ يُوصِ بِهَا
يد مستعير فهو الذي يضمنه (١) ; لأن معيره يضمن النقص باستعماله كما تقرر فكذا هو. ويحرم عليه نحو بيع اللبن ويسن له التصدق به، وله جز صوفها إن أضر بها والانتفاع به. (ولا تضحية لرقيق) بسائر أنواعه؛ لعدم ملكه، ومن ثم كان المبعض فيما يملكه كالحر (فإن أذن سيده) له ولو عن نفسه (وقعت له) أي السيد؛ لأنه نائب عنه، ولا تشترط نية السيد حينئذٍ، ولا من العبد نيابة عنه، (ولا يضحي مكاتب بلا إذن) من السيد؛ لأنها تبرع وهو ممنوع منه لحق السيد، فإن أذن له فيها وقعت للمكاتَب (ولا تضحية) تجوز ولا تقع (عن الغير) الحي (بغير إذنه)؛ لأنها عبادة والأصل منعها عن الغير إلا لدليل، وذبح الأجنبي للمعينة بالنذر لا يمنع وقوعها عن التعيين فتقع الموقع؛ لما مر أنه لا يشترط لها نية. ويفرِّق صاحبها لحمها. وللولي -الأب فالجد لا غير؛ لأنه لا يستقل بتمليكه فتضعف ولايته عنه في هذا- التضحية من ماله عن محجوره كما له إخراج الفطرة من ماله عنه. وحيث امتنعت عن الغير فإن كانت معينة وقعت عن المضحي وإلا فلا، أما بإذنه فتجزئ، وحينئذٍ فلا يشترط هنا كون المذبوح ملكاً للآذن، بل يكفي قوله ضحِّ عني ويكون ذلك متضمنا لاقتراضه منه ما يجزئ أضحية أي أقل مجزئ؛ لأنه المحقق، ومتضمنا لإذنه له في ذبحها عنه بالنية منه (ولا) تجوز ولا تقع أضحية (عن ميت إن لم يوصِ بها)؛ لما مر، أما إذا أوصى بها فتصح؛ لما صح عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ ((أمره أن يضحي عنه كل سنة)). ويجب على مضحٍّ عن ميت بإذنه سواء وارثه وغيره من مال عينه -سواء ماله ومال مأذونه- التصدق بجميعها؛ لأنه نائبه في التفرقة لا على نفسه وممونه؛ لاتحاد القابض والمقبض. ولا تصرُّف هنا للوارث غير الوصي في شيء منها، نعم للوصي إطعام الوارث منها ومر أن للولي -الأب فالجد- التضحية عن موليه، وعليه فلا يقدر انتقال الملك فيها للمولى، وللولي إطعام المولى منها.
стр. 1860
فصل
يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ غُلَامٍ بِشَاتَيْنِ، وَجَارِيَةٍ بِشَاةٍ
(فصل) في العقيقة
وهي لغةً: شعر رأس المولود حين ولادته، وشرعاً: ما يذبح عند حلق شعره. والأصل فيها الخبر الصحيح ((الغلام مرتهن بعقيقته)) أي فمع تركها لا ينمو نمو أمثاله. وكره الشافعي (١) تسميتها عقيقة أي؛ لأنه ﷺ ((كان يكره الفأل القبيح))، بل تسمى نسيكة أو ذبيحة. وذبحها أفضل من التصدق بقيمتها. ولو نوى بشاةٍ الأضحيةَ والعقيقةَ لم تحصل واحدة منهما (٢) ; لأن كلا منهما سنة مقصودة (يسن) سنة مؤكدة (أن يعق عن) الولد بعد تمام انفصاله وإن مات بعده (٣) لا قبل الانفصال، نعم تحصل أصل السنة به (٤) ; لأن المدار على علم وجوده وقد وُجِد. ويخاطب بندب العقيقة من تلزمه نفقة المولود بتقدير فقره فيعق عنه وليه من مال نفسه بشرط يسار الولي أي بأن يكون ممن تلزمه زكاة الفطر قبل مضي مدة أكثر النفاس وإلا لم تشرع له. وتسن للولد بعد بلوغه إن لم يعق عنه؛ لأنه حينئذ مستقل فلا ينتفي الندب في حقه بانتفائه في حق أصله. وممن تلزمه النفقة الأمهات (٥) في ولد زنا ولا يلزم من ندبها إظهارها المنافي لإخفائه. والولد القن ينبغي لأصله الحر العق عنه (٦) وإن لم تلزمه نفقته؛ لأنه لعارض دون السيد؛ لأنها خاصة بالأصول. والأفضل أن يعق عن (غلام) أي ذكر (بشاتين) ويسن تساويهما (و) يسن أن يعق عن (جارية) أي أنثى، ومثلها الخنثى (٧)، نعم الأكمل من الشاة بالنسبة للخنثى الشاتان، ويفارق الذكر أن الواحدة في حقه ليست كمالا أصلا وإن أجزأت (بشاة)؛ للخبر
стр. 1861
وَسِنُّهَا وَسَلَامَتُهَا، وَالْأَكْلُ وَالتَّصَدُّقُ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَيُسَنُّ طَبْخُهَا، وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ. وَأَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ سَابِعِ وِلَادَتِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ
الصحيح بذلك. وتجزئ شاة أو شِرك من إبل أو بقر عن الذكر؛ لأنه ﷺ عق عن كل من الحسنين ﵄ بشاة. وآثر الشاة تبركا بلفظ الوارد، وإلا فالأفضل هنا نظير ما مر من سبع شياه ثم الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ثم شِرك في بدنة ثم بقرة (وسنها) وجنسها (وسلامتها) عن العيوب والنية (والأكل والتصدق) والإهداء والادخار وقدر المأكول وامتناع نحو البيع وغير ذلك مما مر (كالأضحية)؛ لأنها شبيهة بها في الندب، (و)؛ لكونها فداء عن النفس قد تفارقها في أحكام قليلة جدا منها أن ما يهدى منها للغني يملكه ويتصرف فيه بما شاء؛ لأنها ليست ضيافة عامة بخلاف الأضحية، ومنها أنه (يسن طبخها)؛ لأنه السنة، نعم الأفضل إعطاء رجلها -أي إلى أصل الفخذ والأفضل اليمين أيضا- للقابلة نيئة؛ للخبر الصحيح به. هذا إن لم تُنْذَر وإلا وجب التصدق بكلها نيئا (١). وإرسالها مع مرقها على وجه التصدق للفقراء أفضلُ من دعائهم إليها، والأفضل ذبحها عند طلوع الشمس وأن يقول عند ذبحها ((بسم الله والله أكبر اللهم لك (٢) وإليك اللهم هذه عقيقة فلان))؛ لخبر البيهقي به، وأن يطبخها بحلوٍ؛ تفاؤلا بحلاوة أخلاق الولد (ولا يكسر عظم)؛ تفاؤلا بسلامة أعضاء المولود، فإن فعل لم يكره لكنه خلاف الأولى (وأن تذبح يوم سابع ولادته) فيحسب يومها كما مر في الختان مع الفرق بينهما، ولا تحسب الليلة بل اليوم الذي يليها (و) أن (يُسمَّى فيه)؛ للخبر الصحيح بهما وإن مات قبله (٣) بل تسن تسمية سِقْطٍ نُفخت فيه الروح، فإن لم يعلم أذكر أو أنثى سمي بما يصلح لهما كهند وطلحة، نعم إن لم يرد العق سمّى المولود في يوم الولادة؛ لما ورد في ذلك. ويسن تحسين الأسماء وأحبها عبد الله وعبد الرحمن، ولا يكره اسم نبي أو ملك، بل جاء في التسمية بمحمد فضائل عليَّة وهو خير الأسماء بعد الأوليين؛ لخبر مسلم ((أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن)). ويكره قبيح كشهاب وحرب ومُرة، وما
стр. 1862
وَيُحْلَقَ رَأْسُهُ بَعْدَ ذَبْحِهَا، وَيُتَصَدَّقَ بِزِنَتِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً
يتطير بنفيه كيسار ونافع وبركة ومبارك، ويحرم ملك الملوك; لأن ذلك ليس لغير الله تعالى، وكذا عبد النبي (١) أو الكعبة أو الدار أو علي أو الحسين؛ لإيهام التشريك، ومنه يؤخذ حرمة التسمية بجار الله ورفيق الله ونحوهما؛ لإيهامه المحذور أيضا، وحرمة قول بعض العامة إذا حمل ثقيلا الحملة على الله. ويجوز (٢) بقاضي القضاة؛ لأنه أشهر في المخلوقين، وحاكم الحكام؛ لأنه محتمل. ويجوز التسمية والوصف بالطبيب ونحوه كما يجوز بدون كراهة التسمية والوصف بغير لفظ الله والرحمن. ولا بأس باللقب الحسن إلا ما توسع فيه الناس حتى سموا السفلة بفلان الدين. ويكره كراهة شديدة نحو ست الناس أو العرب أو القضاة أو العلماء؛ لأنه من أقبح الكذب ولا تعرف الست إلا في العدد ومرادهم سيدة. ويحرم التكني بأبي القاسم مطلقا والحرمة خاصة بمن وضع تلك الكنية أوّلا (٣) (و) أن (يحلق رأسه (٤) كله ولو أنثى (٥) في اليوم السابع؛ للخبر الصحيح به، وفيه منافع طيبة له. ويكره تلطيخه بدم من الذبيحة؛ لأنه فعل الجاهلية. ويكره القزع وهو حلق بعض الرأس من محل أو محال. ويسن لطخه بالخلوق (٦) والزعفران، وأن يكون الحلق (بعد ذبحها) كما أشار إليه الخبر (و) سن بعد الحلق في الذكر والأنثى أن (يتصدق بزنته ذهبا أو فضة)؛ للخبر الصحيح ((أنه ﷺ أمر فاطمة أن تزن شعر الحسنين ﵄ وتتصدق بوزنه فضة))، وأُلحق بها الذهب بالأولى، ومن ثم كان أفضل.
стр. 1863
وَيُؤَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى حِينَ يُولَدُ، وَيُحَنَّكَ بِتَمْرٍ
[فرع] ذكروا هنا في اللحية ونحوها خصالا مكروهة منها نتفها وحلقها وكذا الحاجبان. ويجوز الأخذ من اللحية وإن كانت السنة ترك اللحية وعدم أخذ شيء منها مطلقا (و) يسن أن (يؤذن في أذنه اليمنى) ثم يقام في اليسرى (حين يولد)؛ للخبر الحسن ((أنه ﷺ أذَّن في أذن الحسين حين وُلِد)). ويسن أن يقرأ في أذنه اليمنى ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ آل عمران: ٣٦، ويريد في الذكر النسمة، وورد ((أنه ﷺ قرأ في أذن مولود الإخلاص)) فيسن ذلك أيضا (و) أن (يحنك بتمر) بأن يمضغه ويدلك به حنكه ويفتحه حتى يصل بعضه لجوفه؛ للخبر الصحيح فيه، فإن فقد تمر فحلو لم تمسه النار نظير فطر الصائم، والرطب مقدم على التمر (١)، والأنثى كالذكر هنا، وينبغي أن يكون المحنِّك من أهل الصلاح ليحصل للمولود بركة مخالطة ريقه لجوفه. ويسن تهنئة الوالد أي ونحوه كالأخ أخذا مما مر في التعزية عند الولادة بـ ((بارك الله لك في الموهوب لك وشكرتَ الواهب وبلغ أشده ورُزقت برَّهُ))، ويسن الرد عليه بنحو ((جزاك الله خيرا))، وينبغي امتداد زمنها ثلاثا بعد العلم كالتعزية أيضا.
[خاتمة] المعتمد أن العَتِيرة وهي ما يذبح في العشر الأول من رجب، والفَرَع وهي أول نتاج البهيمة يذبح رجاء بركتها وكثرة نسلها مندوبتان; لأن القصد بهما ليس إلا التقرب إلى الله بالتصدق بلحمهما على المحتاجين فلا تثبت لهما أحكام الأضحية.
стр. 1864
كتاب الأطعمة
حَيَوَانُ الْبَحْرِ السَّمَكُ مِنْهُ حَلَالٌ كَيْفَ مَاتَ، وَكَذَا غَيْرُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ لَا، وَقِيلَ إنْ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا: كَكَلْبٍ وَحِمَارٍ. وَمَا يَعِيشُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ: كَضِفْدَعٍ وَسَرَطَانٍ وَحَيَّةٍ حَرَامٌ
(كتاب الأطعمة)
ومعرفتهما من آكد مهمات الدين؛ لما في تناول الحرام من الوعيد الشديد. والأصل فيها قوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الأعراف: ١٥٧. (حيوان البحر (١) أي ما يعيش فيه بأن يكون عيشه خارجه عيش مذبوح أو حي لكنه لا يدوم (السمك منه حلال كيف مات) بسبب أو غيره طافيا أو راسبا؛ لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ المائدة: ٩٦، ومرّ ((أنه ﷺ أكل من العنبر وكان طافيا))، نعم إن انتفخ الطافي وأضر حرم كما مر أنه يحل أكل الصغير ويتسامح بما في جوفه ولا يتنجس به الدهن وأنه يحل شيه وقليه وبلعه ولو حيا (٢) (وكذا) يحل كيف مات (غيره في الأصح) مما ليس على صورة السمك المشهور، ومنه القرش وهو اللَّخَم ولا نظر إلى تقويه بنابه (وقيل لا) يحل غير السمك؛ لتخصيص الحل به في خبر ((أحل لنا ميتتان السمك والجراد)) (وقيل إن أُكِل مثله في البر) كالبقر (حل وإلا) يؤكل مثله فيه (فلا) يحل (ككلب وحمار)؛ لتناول الاسم له أيضا. (وما يعيش) دائما (في بر وبحر كضفدع وسرطان) وتمساح ونَِسناس (وحية) وسائر ذوات السموم وسلحفاة والترسة وهي اللجاة (حرام)؛ لاستخباثه وضرره مع صحة النهي عن قتل الضفدع اللازم منه حرمته.
[تنبيه] جرى المتن على الضعيف والمعتمد (٣) أن جميع ما في البحر تحل ميتته إلا الضفدع وما فيه سم وما ذكره الأصحاب أو بعضهم من تحريم السلحفاة والحية والنسناس محمول
стр. 1865
وَحَيَوَانُ الْبَرِّ يَحِلُّ مِنْهُ الْأَنْعَامُ وَالخَيْلُ، وَبَقَرُ وَحْشٍ وَحِمَارُهُ، وَظَبْيٌ وَضَبُعٌ وَضَبٌّ وَأَرْنَبٌ وَثَُِعْلَبٌ وَيَرْبُوعٌ وَفَنَكٌ وَسَمُّورٌ، وَيَحْرُمُ بَغْلٌ وَحِمَارٌ أَهْلِيٌّ، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ
على ما في غير البحر، وأما الدنيلس فحرام (١)؛ لأنه أصل السرطان لتولده منه (وحيوان البر يحل منه الأنعام (٢) إجماعا وهي الإبل والبقر والغنم (والخيل) العربية وغيرها؛ لصحة الأخبار بحلها. والمراد في جميع ما مر ويأتي الذكر والأنثى (وبقر وحش وحماره) وإن تأنسا؛ لطيبهما وأكله ﷺ من الثاني وأمره بالأكل منه رواه الشيخان، وقيس به الأول (وظبي) إجماعا (وضبُع)؛ لصحة الخبر بأنه يؤكل ونابه ضعيف لا يتقوى به (وضبٌّ)؛ لأنه ﷺ أقر آكليه بحضرته ثم بيَّن حله وأنه إنما تركه؛ لأنه لم يألفه متفق عليه (وأرنب)؛ لأنه ﷺ أكل منه رواه البخاري (وثَُِعلب)؛ لأنه طيب (ويربوع) وهو قصير اليدين جدا طويل الرجلين لونه كلون الغزال؛ لأنه طيب أيضا ونابهما ضعيف، ومثلهما قنفذ ووبر (٣) وأم حُبَين تشبه الضب وهي أنثى الحرابى (وفَنَك (٤) وسنجاب وقاقم (٥) وحوصل (٦) (وسَمُّور) وهو والسنجاب نوعان من ثعالب الترك (ويحرم) وشق و (بغل)؛ للنهي الصحيح عنه كالحمار يوم خيبر ولتولده بين حلال وحرام، ومن ثم لو تولد بين فرس وحمار وحشي مثلا حل اتفاقا (وحمار أهلي)؛ لما ذكر، (وكل ذي ناب) قوي بحيث يعدو به (من السباع ومِخْلب) وهو للطير كالظفر للإنسان (من الطير)؛
стр. 1866
كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَدُبٍّ وَفِيلٍ وَقِرْدٍ وَبَازٍ وَشَاهِينٍ وَصَقْرٍ وَنَسْرٍ وَعُقَابٍ وَكَذَا ابْنُ آوَى وَهِرَّةُ وَحْشٍ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحْرُمُ مَا نُدِبَ قَتْلُهُ كَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغُرَابٍ أَبْقَعَ وَحِدَأَةٍ وَفَأْرَةٍ وَكُلِّ سَبُعٍ ضَارٍ، وَكَذَا رَخَمَةٌ وَبُغَاثَةٌ،
للنهي الصحيح عنهما، فالأول (كأسد) وفهد (ونمر وذئب ودب وفيل وقرد، و) الثاني نحو (باز (١) وشاهين (٢) وصقر) عام بعد خاص؛ لشموله للبزاة والشواهين وغيرها من كل ما يصيد (ونَسر) نعم العلة فيه الاستخباث؛ لأن ظفره كالدجاجة (٣) (وعُقاب) وجميع جوارح الطير (وكذا ابن آوى) وهو كريه الريح طويل المخالب والأظفار يعوي ليلا إذا استوحش بما يشبه صياح الصبيان فيه شبه من الذئب والثعلب وهو فوقه ودون الكلب؛ لاستخباثه وعدوه بنابه (وهرة وحش في الأصح)؛ لعدوها، وكذا أهلية، وكذا النمس (٤) (ويحرم ما ندب قتله (٥)؛ إذ لو جاز أكله لحل اقتناؤه (كحية وعقرب وغراب أبقع) أي فيه سواد وبياض (وحِدَأة وفأرة وكلِّ سبُع ضَارٍ) أي عاد؛ للخبر الصحيح في الفواسق الخمس ((أنهن يقتلن في الحل والحرم)) وهي غراب أبقع وحدأة وفأرة وعقرب وكلب عقور، وقيَّد الغراب بالأبقع تبعا للخبر وللاتفاق على تحريمه وإلا فالأسود -وهو الغداف الكبير ويسمى الجبلي؛ لأنه لا يسكن إلا الجبال- حرام أيضا على الأصح، وكذا العقعق وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب قصير الجناح صوته العقعقة. وخرج بضار نحو ضبع وثعلب؛ لضعف نابه كما مر، (وكذا رخمة (٦)؛ للنهي عنها وخبثها (وبغاثة) وهي طائر أبيض (٧) أو أغبر بطيء الطيران أصغر من الحدأة يأكل الجيف.
стр. 1867
وَالْأَصَحُّ حِلُّ غُرَابِ زَرْعٍ وَتَحْرِيمُ بَبَّغَاء وَطَاوُوسٍ، وَتَحِلُّ نَعَامَةٌ وَكُرْكِيٌّ وَبَطٌّ وَإِوَزٌّ وَدَجَاجٌ وَحَمَامٌ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ وَمَا عَلَى شَكْلِ عُصْفُورٍ، وَإِنٍ اخْتَلَفَ لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ كَعَنْدَلِيبٍ وَصَعْوَةٍ وَزُرْزُورٍ، لَا خُطَّافٌ، وَنَمْلٌ وَنَحْلٌ وَذُبَابٌ وَ حَشَرَاتٌ كَخُنْفَُسَاءَ وَدُودٍ
(والأصح حل غراب زرع) وهو أسود صغير يقال له الزاغ وقد يكون مُحْمرَّ المنقار والرجلين؛ لأنه مستطاب، ويحرم (١) الغداف الصغير وهو أسود أو رمادي (وتحرم بَبَّغا وطاووس)؛ لخبثهما (وتحل نعامة) إجماعا (وكركي وبط) وهو الإوز الذي لا يطير (وإوَز ودَجاج)؛ لطيبها كسائر طيور الماء إلا اللقلق (٢) (وحمام وهو كل ما عبَّ) أي شرب الماء بلا تنفس ومص (وهدر) أي رجع صوته وغرد، ويكفي العب وحده أو الهدر وحده كالنغر (٣) من العصافير يعب ولا يهدر (وما على شكل عُصفور وإن اختلف لونه ونوعه كعندليب وصَعْوة) وهو عصفور أحمر الرأس (وزُرزور (٤)؛ لأنها من الطيبات، (لا خطاف)؛ للنهي عن قتله، وهو طائر أسود الظهر أبيض البطن أي وهو المسمى الآن بعصفور الجنة، وهو ليس خفّاشا؛ لأن الخفاش طائر صغير لا ريش له يشبه الفأرة يطير بين المغرب والعشاء وإن كان الاثنان حرام (ونمل ونحل)؛ لصحة النهي عن قتلهما، وحملوه على النمل السليماني وهو الكبير؛ إذ لا أذى فيه بخلاف الصغير؛ لأذاه فيحل قتله بل وحرقه إن لم يندفع إلا به كالقمل (وذُباب وحشرات) وهي صغار دواب الأرض (كخُنفَُسا ودود) منفرد؛ لما مر فيه في الصيد والذبائح، ووزغ بأنواعها وذوات سموم وإبر والصرارة (٥) وذلك؛ لاستخباثها، نعم يحل من الحشرات نحو يربوع (٦) ووبر وأم حبين (٧) وقنفذ وبنت عرس (٨) وضب.
стр. 1868
وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ. وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ إنِ اسْتَطَابَهُ أَهْلُ يَسَارٍ، وَ طِبَاعٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعَرَبِ فِي حَالِ رَفَاهِيَةٍ حَلَّ، وَإِنِ اسْتَخْبَثُوهُ فَلَا، وَإِنْ جُهِلَ اسْمُ حَيَوَانٍ سُئِلُوا وَعُمِلَ بِتَسْمِيَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ عِنْدَهُمْ اُعْتُبِرَ بِالْأَشْبَهِ بِهِ
(وكذا) يحرم كل (ما تولد) يقينا (من مأكول وغيره) كسِمْع؛ لتولده بين ذئب وضبع وكزرافة فتحرم بلا خلاف. وخرج بيقينا ما لو ولدت شاة كلبة ولم يتحقق نزو كلب عليها فإنها تحل؛ لأنه قد يحصل الخلق على خلاف صورة الأصل لكن الورع تركها. ويجوز شرب لبن فرس ولدت بغلا وشاة كلبا؛ لأنه منها لا من الفحل.
[فرع] مُسخ حيوان يحل إلى ما لا يحل أو عكسه فأن بُدِّلَت ذاته لذات أخرى اعتبر الممسوخ إليه وإلا بأن لم تبدل إلا صفته فقط اعتبر ما قبل المسخ، نعم الآدمي الممسوخ لا يجوز أكله مطلقا. ولو قُدِّم لولي مال مغصوب فقلب كرامة له دما ثم أعيد إلى صفته أو غير صفته لم يحل؛ لأنه بعوده إلى المالية يعود لملك مالكه، ولا ضمان على الولي بقلبه إلى الدم (وما لا نص فيه) من كتاب ولا سنة خاص ولا عام بتحريم أو تحليل ولا بما يدل على أحدهما كالأمر بقتله أو النهي عنه (إن استطابه أهل يسار) بشرط أن لا تغلب عليهم العيافة الناشئة عن التنعم (وطباع سليمة من العرب) الساكنين في البلاد والقرى دون البوادي؛ لأنهم يأكلون ما دب ودرج (١) (في حال رفاهية حل) سواء ما ببلاد العرب أو العجم (وإن استخبثوه فلا) يحل؛ لأنه تعالى أناط الحل بالطيب والحرمة بالخبث ومحال عادة اجتماع العالم على ذلك؛ لاختلاف طباعهم فتعين أن المراد بعضهم والعرب أولى؛ لأنهم الأفضل الأعدل طباعا والأكمل عقولا، ومن ثم أرسل ﷺ منهم ونزل القرآن بلغتهم بل وكلام أهل الجنة بها، وعليه فيرجع في كل عصر إلى أكمل الموجودين فيه وهم من جمعوا ما ذكر. ولو استطابه البعض واستخبثه البعض أخذ بالأكثر، فإن استووا رجح قريش؛ لأنهم أكمل العرب عقلا وفتوة، فإن اختلف القرشيون ولا مرجح أو شكوا أو سكتوا أو لم يوجدوا هم ولا غيرهم من العرب ألحق بأقرب الحيوان به شبها كما يأتي. أما إذا اختل شرط مما ذكر فلا عبرة بهم؛ لعدم الثقة بهم حينئذ (وإن جهل اسم حيوان سئُلوا) عنه (وعمل بتسميتهم) حلا وحرمة (وإن لم يكن له اسم عندهم اعتبر بالأشبه به) من الحيوانات صورة أو طبعا من عَدْوٍ أو ضده أو طعما للحم،
стр. 1869
وَإِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرُ لَحْمِ جَلَّالَةٍ حَرُمَ أَكْلُهُ، وَقِيلَ يُكْرَهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ يُكْرَهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ عُلِفَتْ طَاهِرًا فَطَابَ لَحْمُهَا حَلَّ. وَلَوْ تَنَجَّسَ طَاهِرٌ كَخَلٍّ وَدُبْسٍ ذَائِبٍ حَرُمَ.
ويظهر تقديم الطبع؛ لقوة دلالة الأخلاق على المعاني الكامنة في النفس فالطعم فالصورة، فإن استوى الشبهان أولم نجد له شبها حل؛ لقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الأنعام: ١٤٥ .. الآية.
[تنبيه] يتعين حمل قولهم ((أو طعما)) على ما إذا وجدنا عدلا ولو عدل رواية يخبر بمعرفة طعم هذا وأنه يشبه طعم حيوان يحل أو يحرم فيعمل بخبره ويقدم حينئذ على الأشبه به صورة، أما إذا لم يوجد هذا فلا يعول إلا على المشابهة الطبيعية (١) فالصورية، وسبب حملنا هذا إن القول بالطعم يتوقف على أكلنا من حيوانات تحل وحيوانات تحرم إلى أن نجد الأشبه وهذا متعذر، (وإذا ظهر تغير) طعم أو لون أو ريح (لحم جلالة) وهي آكلة الجَلة أي النجاسة كالعذرة (حرم أكله) كسائر أجزائها وما تولد منها كلبنها وبيضها. ويكره إطعام مأكولة نجاسة، وأفهم ربط التغير باللحم أنه لا أثر لتغير نحو اللبن وحده؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع (وقيل يكره، قلت: الأصح يكره والله أعلم) ; لأن النهي لتغير اللحم وهو لا يحرم كما لو نتن لحم المذكاة أو بيضها، ويكره ركوبها بلا حائل، ومثلها سخلة ربِّيت بلبن كلبة إذا تغير لحمها، لا زرع وثمر سقي أو رَبَى بنجس بل يحل اتفاقا ولا كراهة فيه؛ لعدم ظهور أثر النجس فيه، ومنه أُخذ أنه لو ظهر ريحه أي مثلا فيه كره، ومعلوم أن ما أصابه منه متنجس يطهر بالغسل (فإن علفت طاهرا) أو متنجسا أو نجسا أو لم تعلف (فطاب لحمها حل) هو وبيضها ولبنها بلا كراهة، وذلك؛ لزوال العلة ولا تقدير لمدة العلف. أما طيبه بنحو غسل أو طبخ فلا أثر له. ولا تحرم شاة غذيت بحرام. (ولو تنجس طاهر كخل ودبس (٢) ذائب حرم) تناوله (٣)؛ لتعذر تطهيره. أما الجامد فيزيل النجس وما حوله ويأكل باقيه؛ للخبر. ولا يكره أكل بيض سلق في ماء نجس. ولا يحرم تناول شيء من الطاهر إلا نحو حجر وتراب، ومنه مدر وطفل لمن يضره بخلاف من لا يضره، وسم وإن قل إلا لمن لا يضره ونبت ولبن جوِّز
стр. 1870
وَمَا كُسِبَ بِمُخَامَرَةِ نَجِسٍ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ مَكْرُوهٌ، وَيُسَنُّ أَلَّا يَأْكُلَهُ وَيُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ وَنَاضِحَهُ
أنه سم أو من غير مأكول ومسكر ككثير أفيون وحشيش وجوزة وعنبر وزعفران وجلد دبغ ومستقذر أصالة بالنسبة لغالب ذوي الطباع السليمة (١) كمخاط ومني وبصاق وعرق لا لعارض كغسالة يد ولحم مثلا أنتن. وخرج بالبصاق وهو ما يُرمَى من الفم الريق وهو ما فيه فلا يحرم؛ لأنه غير مستقذر ما دام فيه، ومن ثم ((كان ﷺ يمص لسان عائشة)). ولو وقعت ميتة لا نفس لها سائلة ولم تكثر بحيث تستقذر أو قطعة يسيرة من لحم آدمي في طبيخ لحم مذكى لم يحرم أكل الجميع (٢). وإذا وقع بول في قلتي ماء ولم يغيره جاز استعمال جميعه؛ لأنه لمَّا استهلك فيه صار كالعدم (وما كسب بمخامرة نجس كحجامة وكنس مكروه (٣) للحُرِّ وإن كسبه قن؛ للنهي الصحيح عن كسب الحجام، ولم يحرم؛ لأنه ( ﷺ أعطى حاجمه أجرته)) رواه البخاري ولو حرم لم يعطه؛ لأنه حيث حرم الأخذ حرم الإعطاء كأجرة النائحة إلا لضرورة كإعطاء شاعر أو ظالم أو قاض خوفا منه فيحرم الأخذ فقط، وعلة خبث كسب الحجامة مباشرته للنجاسة، ومن ثَمّ كان مثله الزبال والدباغ والقصاب، نعم لا يكره كسب الفصَّاد؛ لقلة مباشرته للنجاسة. ولا يكره لحر وغيره مكسوب بحرفة دنيئة. وحرَّم الحَسَن كسب الماشطة؛ لأنه لا يخلو غالبا عن حرام أو تغيير لخلق الله (ويسن) للحر (ألا يأكله) بل يكره له أكله وهو مثال إذ سائر وجوه الإنفاق حتى التصدق به كذلك (و) أن (يطعمه رقيقه وناضحه) أي بعيره الذي يستقي عليه؛ لنهيه ﷺ من استأذنه في أجرة الحجام عنها فلا زال يسأله حتى قال له اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك، والمراد ويمون به ما يملكه من قن وغيره.
[فرع] يسن للإنسان أن يتحرى في مؤنة نفسه وممونه ما أمكنه، فإن عجز ففي مؤنة نفسه. ولا تحرم معاملة من أكثر ماله حرام (٤) ولا الأكل منها .
стр. 1871
وَيَحِلُّ جَنِينٌ وُجِدَ مَيْتًا فِي بَطْنِ مُذَكَّاةٍ. وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا وَوَجَدَ مُحَرَّمًا لَزِمَهُ أَكْلُهُ
[فرع] أفضل المكاسب الزراعة؛ لأنها أعمُّ نفعا وأقرب للتوكل وأسلم من الغش، ثم الصناعة; لأن فيها تعبا في طلب الحلال أكثر ثم التجارة (ويحل جنين وُجِد ميتا في بطن مذكاة) وإن أشعر؛ للخبر الصحيح ((يا رسول الله إنا ننحر الإبل ونذبح البقر والشاة فنجد في بطنها الجنين -أي الميت- فنلقيه أم نأكله فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه)) أي وذكاتها التي أحلتها أحلته تبعا لها ما لم يتم انفصاله وفيه حياة مستقرة وإلا اشترط ذبحه، فعلم أنه لو خرج وبه حياة مستقرة أو ميتا (١) فذبحت قبل انفصاله حلَّ; لأن للمنفصل بعضه حكم المتصل كله غالبا، ولا أثر لخروجه بعد ذبحها حيا لكن حركته حركة مذبوح وإن طالت (٢) بخلاف ما لو بقي ببطنها يضطرب زمنا طويلا، ويشترط أيضا أن لا يوجد سبب يحال عليه الموت ولو احتمالا وإلا كأن ضرب بطنها لم يحل، وأن لا يكون علقة؛ لأنه دم أو مضغة لم تبن فيه صورة (ومن) اضطر وهو معصوم بأن لم يجد حلالا أو لم يتمكن منه إلا بعد نحو زناً به كما يأتي، و (خاف على نفسه موتا أو مرضا مخوفا) أو غير مخوف أو نحوهما (٣) من كل مبيح للتيمم (ووجد محرَّما) غير مسكر كميتة ولو مغلظة ودم (٤) (لزمه (٥) أي غير العاصي بسفره ونحوه والمشرف على الموت -بأن وصل لحالة تقضي العادة أن صاحبها لا يعيش وإن أكل- (أكله) أو شربه؛ لقوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ البقرة: ١٧٣ .. الآية مع قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ النساء: ٢٩، وكذا خوف العجز عن نحو المشي أو التخلف عن الرفقة إن حصل به ضرر لا نحو وحشة، وكذا إذا أجهده الجوع وفقد صبره، ويكفي غلبة ظن حصول ذلك بل لو جوَّز التلف والسلامة على السواء حلّ له تناول المحرم. ولو امتنع مالك طعام من بذله لمضطرة إلا بعد
стр. 1872
وَقِيلَ يَجُوزُ. فَإِنْ تَوَقَّعَ حَلَالًا قَرِيبًا لَمْ يَجُزْ غَيْرُ سَدِّ الرَّمَقِ، وَإِلَّا فَفِي قَوْلٍ يَشْبَعُ، وَالْأَظْهَرُ سَدُّ الرَّمَقِ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يَخَافَ تَلَفًا إنِ اقْتَصَرَ. وَلَهُ أَكْلُ آدَمِيٍّ مَيْتٍ
وطئها زنا لم يجز لها تمكينه بناء على الأصح أن الإكراه بالقتل لا يبيح الزنا واللواط. وظاهرٌ أن الاضطرار لغير القوت والماء كسترة خشي بتركها ما مر يأتي فيه جميع أحكام المضطر السابقة والآتية (وقيل يجوز) كما يجوز الاستسلام للمسلم. ولو وجد ميتة يحل مذبوحها وأخرى لا يحل أي كآدمي غير محترم تخيَّر، أو مغلظة وغيرها تعين غيرها. أما المسكر فلا يجوز تناوله لجوع ولا عطش كما مر، وأما العاصي بسفره ونحوه فلا يجوز له تناول المحرم حتى يتوب، وكذا مرتد وحربي حتى يسلما وتارك صلاة وقاطع طريق حتى يتوبا، نعم إن كانت لا تسقط توبته قتله كزانٍ محصن جاز له الأكل؛ لأنه لا يؤمر بقتل نفسه، وأما المشرف على الموت فلا يجوز له تناوله أيضا؛ لأنه لا ينفعه. ولو وجد لقمة حلالا لزمه تقديمها على الحرام (فإن توقع) أي ظن (حلالا) يجده (قريبا) أي على قرب بأن لم يخش محذورا قبل وصوله (لم يجز غير سد الرمق) وهو بقية الروح (وإلا) يتوقعه (ففي قول يشبع) -لإطلاق الآية- أي يكسر سورة الجوع بحيث لا يسمى جائعا لا أن لا يجد للطعام مساغا، أما ما زاد على ذلك فحرام قطعا. ولو شبع (١) ثم قدر على الحل لزمه -ككل من تناوله محرما ولو مكرها- التقيؤ (٢) إن أطاقه بأن لم يحصل له منه مشقة لا تحتمل عادة (والأظهر سد الرمق فقط)؛ لأنه بعده غير مضطر، نعم إن توقف قطعه لبادية مهلكة على الشبع وجب (إلا أن يخاف تلفا) أي محذور تيمم (إن اقتصر) على سد الرمق فيلزمه أن يشبع أي يكسر سورة الجوع قطعا لبقاء الروح، ويجب التزود إن لم يرج وصول حلال وإلا جاز بل لا يمنع من حمل ميتة لم تلوثه ولو لغير ضرورة (وله) أي المعصوم بل عليه (أكل آدمي ميت) محترم إذا لم يجد ميتة غيره ولو مغلظة; لأن حرمة الحي أعظم، ومن ثم لو كانت ميتة نبي امتنع الأكل منها قطعا، وكذا ميتة مسلم والمضطر ذمي. وحيث اتحدا إسلاما وعصمة لم ينظر لأفضلية الميت. وإذا جاز أكله حرم نحو
стр. 1873
وَقَتْلُ نَحْوِ مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ، لَا ذِمِّيٍّ وَمُسْتَأْمَنٍ وَصَبِيٍّ حَرْبِيٍّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ حِلُّ قَتْلِ الصَّبِيِّ وَالمَرْأَةِ الحَرْبِيَّيْنِ لِلْأَكْلِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ وَجَدَ طَعَامَ غَائِبٍ أَكَلَ وَغَرِمَ، أَوْ حَاضِرٍ مُضْطَرٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ. فَإِنْ آثَرَ مُسْلِمًا جَازَ، أَوْ غَيْرَ مُضْطَرٍّ لَزِمَهُ إطْعَامُ مُضْطَرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ،
طبخه إن كان محترما (١) و أمكن أكله نيئا (و) له بل عليه (قتل) مهدر (نحو مرتد وحربي) وزان محصن ومحارب وتارك صلاة بشرطه ومن له عليه قود من غير إذن الإمام؛ للضرورة، ومن هذا يعلم أن هؤلاء لو كانوا مضطرين لم يجب على أحد بذل الطعام لهم (لا ذمي ومستأمن)؛ لعصمتهما (وصبي حربي) وامرأة حربية؛ لحرمة قتلهما (قلت الأصح حل قتل الصبي والمرأة الحربيين) كذا الخنثى والمجنون ورقيقهم (للأكل والله أعلم)؛ لعدم عصمتهم، و محله ما لم يُستولَ عليهم وإلا حرم؛ لأنهم صاروا أرقاء معصومين للغانمين. ويحرم قتل صبي حربي مع وجود حربي بالغ، وليس لوالد قتل ولده للأكل ولا للسيد قتل قنه. (ولو وجد) مضطر (طعام غائب) ولم يجد غيره (أكل) وجوبا منه ما يسد رمقه فقط أو ما يشبعه بشرطه وإن كان معسرا؛ للضرورة (وغرم) إذا قدر قيمته إن كان متقوما وإلا فمثله لحق الغائب، نعم يمنع أكله إذا اضطر الغائب أيضا وهو يحضر عن قرب بحيث يتمكن من زوال اضطراره بهذا دون غيره، وغيبة ولي محجور كغيبة مستقل وحضوره كحضوره، وله بيع ماله حينئذ نسيئة ولمعسر بلا رهن؛ للضرورة (أو) وجد وهو غير نبي طعام (حاضر مضطر لم يلزمه بذله) له (إن لم يَفضُل عنه) بل هو أولى؛ لخبر ((ابدأ بنفسك)). أما النبي فيجب على غيره إيثاره على نفسه ولو من غير طلب، وأما ما فضل عنه عن سد رمقه فيلزمه بذله وإن احتاج إليه مآلا (فإن آثر) في هذه الحالة وهو ممن يصبر على الإضافة على نفسه مضطرا (مسلما) معصوما (جاز) بل سُن؛ لقوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الحشر: ٩. أما المسلم غير المضطر والذمي والبهيمة وأُلحق بهما المسلم المهدر فيحرم إيثارهم (أو) وجد طعام حاضر (غير مضطر لزمه) أي مالك الطعام (إطعام) أي سد رمق (مضطر) أو إشباعه بشرطه معصوم (مسلم أو ذمي) أو مستأمن وإن احتاجه مالكه مآلا؛ للضرورة الناجزة، وكذا بهيمةُ الغيرِ المحترمةُ بخلاف نحو حربي ومرتد وزان محصن وكلب عقور. ويلزمه ذبح شاته لإطعام
стр. 1874
فَإِنْ مَنَعَ فَلَهُ قَهْرُهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِعِوَضٍ نَاجِزٍ إنْ حَضَرَ، وَإِلَّا فَبِنَسِيئَةٍ، وَلَوْ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا فَالْأَصَحُّ لَا عِوَضَ
كلبه الذي فيه منفعة. ويجب إطعام نحو صبي وامرأة حربيين اضطرا قبل الاستيلاء عليهما وبعده (فإن منع) المالك غير المضطر (١) بذله للمضطر مطلقا أو إلا (٢) بزيادة على ثمن مثله بما لا يتغابن بها (فله) أي المضطر، ولا يلزمه وإن أمن (قهره) على أخذه (وإن قتله)؛ لإهداره بالمنع، فإن قتل المضطر قتل به أو مات جوعا بسبب امتناعه لم يضمنه؛ لأنه لم يحدث فيه فعلا. وللمضطر الذمي قتل المسلم المانع له (٣)، ولا يضمنه (٤)، وعليه يفرق بين هذا وعدم حل أكله لميتة المسلم بأنه لا تقصير ثم من المأكول بوجه. أما إذا رضي ببذله له بثمن مثله ولو بزيادة يتغابن بها فيلزمه قبوله بذلك ولا يجوز له قهره (وإنما يلزم) المالك بذل ما ذكر للمضطر (بعوض ناجز) هو ثمن مثله زمانا ومكانا (إن حضر) معه (وإلا) يحضر معه عوض بأن غاب ماله (فـ) لا يلزمه بذله مجانا مع اتساع الوقت بل بعوض (نسيئة) ممتدة لزمن وصوله إليه; لأن الضرر لا يزال بالضرر. أما إذا لم يكن له مال أصلا فلا معنى لوجوب الأجل؛ لأنه لا حد لليسار يؤجل إليه، ثم إن قدَّر العوض وأفرز له المعوض ملكه به كائنا ما كان وإن كان المضطر محجورا وقدره وليه بأضعاف ثمن مثله؛ للضرورة، وإن لم يقدره أو لم يفرزه له لزمه مثل المثلي وقيمة المتقوم في ذلك الزمن والمكان. أما مع ضيق الوقت عن تقدير عوض بأن كان لو قدر مات فيلزمه إطعامه مجانا (٥)، (ولو أطعمه ولم يذكر عوضا فالأصح لا عوض) له؛ لتقصيره فإن صرح بالإباحة فلا عوض قطعا، وكذا لو ظهرت قرينتها ولو اختلفا في ذكر العوض صدق المالك بيمينه، ومرّ قبيل الوليمة وأول القرض ماله تعلق بذلك.
стр. 1875
وَلَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَيْرِهِ، أَوْ مُحْرِمٌ مَيْتَةً وَصَيْدًا فَالمَذْهَبُ أَكْلُهَا. وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ قَطْعِ بَعْضِهِ لِأَكْلِهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ جَوَازُهُ، وَشَرْطُهُ فَقْدُ المَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَنْ يَكُونَ الخَوْفُ فِي قَطْعِهِ أَقَلَّ،
(ولو وجد مضطر ميتة) غير آدمي محترم (وطعام غيره) الغائب فالمذهب أنه يلزمه أكلها؛ لأنها مباحة له بالنص الأقوى من الاجتهاد المبيح له مال الغير بلا إذنه. أما الحاضر فإن بذله ولو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن بها وهو معه ولو ببذل سائر عورته إن لم يخف هلاكا بنحو برد أو رضي بذمته لم تحل الميتة، أو لا يتغابن بها حلت، ولا يقاتله هنا لو امتنع مطلقا (أو) وجد مضطر (مُحرِم) أو بالحرم (ميتة وصيدا) حيا، وأُلحق به لبنه وبيضه (فالمذهب) أنه يلزمه (أكلها) ; لأن في الصيد تحريم ذبحه المقتضي لكونه ميتة ولوجوب الجزاء وتحريم أكله وفيها تحريم واحد فكانت أخف، نعم لو وجد المحرم حلالا يذبح الصيد حرمت وإن ذبحه له; لأن هذا يُحرِّمه عليه وحده فهو أخف منها؛ لحرمتها على العموم، أو وجد ميتة ولحم صيد ذبحه محرم يخير بينهما، أو صيدا حيا وميتة وطعام الغير فالأصح تعين الميتة أيضا. ولو لم يجد مُحرِم أو من بالحرم إلا صيدا ذبحه وأكله وافتدى، أو ميتة أكلها ولا فدية، أو صيدا وطعام الغير أكل الصيد (١) ; لأن حق الله تعالى مبني على المسامحة ما لم يحضر مالك الطعام ويبذله له ولو بثمن مثله.
[فرع] عمّ الحرام الأرض جاز أن يستعمل منه ما تمس حاجته إليه دون ما زاد، هذا إن توقع معرفة أربابه، وإلا صار مال بيت المال فيأخذ منه بقدر ما يستحقه فيه . (والأصح تحريم قطع بعضه) أي بعض نفسه (لأَكْلِهِ)؛ لتوقع الهلاك منه (قلت: الأصح جوازه) لما يسد به رمقه أو لما يشبعه بشرطه؛ لأنه قطع بعض لاستبقاء كل فهو كقطع يد متآكلة، (وشرطه) أي حل قطع البعض (فقد الميتة ونحوها) كطعام الغير فمتى وجد ما يأكله حرم ذاك قطعا (وأن) لا يكون في قطعه خوف أصلا أو (يكون الخوف في قطعه أقلّ) منه في تركه، فإن كان مثله أو أكثر أو الخوف في القطع فقط حرم قطعا، وإنما جاز قطع السلعة عند تساوي الخطرين؛ لأنها لحم زائد وبقطعها يزول شينها ويحصل الشفاء وهذا تغيير وإفساد للبنية الأصلية فضويق فيه، ومن ثم لو كان ما يراد قطعه نحو سلعة أو يد متآكلة جاز هنا حيث يجوز قطعها في حالة
стр. 1876
وَيَحْرُمُ قَطْعُهُ لِغَيْرِهِ وَمِنْ مَعْصُومٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
الاختيار بالأولى (ويحرم قطعه) أي البعض من نفسه (لغيره) ولو مضطرا؛ لفقد استبقاء الكل هنا، نعم يجب قطعه لنبي (و) يحرم على مضطر قطع البعض (من معصوم) لأجل نفسه (والله أعلم)؛ لما ذكر والمعصوم هنا من لا يجوز قتله للأكل. أما غير المعصوم كحربي ومرتد ومحارب وزان محصن وتارك صلاة فيجوز قطع البعض منه لأكله، ومتى قدر على قتله حرم عليه أكله حيا.
стр. 1877
كتاب المسابقة والمناضلة
هُمَا سُنَّةٌ. وَيَحِلُّ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِمَا. وَتَصِحُّ المُنَاضَلَةُ عَلَى سِهَامٍ، وَكَذَا مَزَارِيقُ وَرِمَاحٌ وَرَمْيٌ بِأَحْجَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ، وَكُلِّ نَافِعٍ فِي الحَرْبِ عَلَى المَذْهَبِ
(كتاب المسابقة والمناضلة)
والأولى على نحو الخيل وتسمى الرهان والثانية على نحو السهام. والأصل فيهما قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الأنفال: ٦٠ صحّ أنه ﷺ ((فسَّرها بالرمي))، وأنه ((سابق بين الخيل الجيدة إلى خمسة أميال وغيرها إلى ميل)) (هما) أي كل منهما بقصد التأهب للجهاد (سنة) للرجال المسلمين؛ لما ذكر دون النساء والخناثى؛ لعدم تأهلهما لهما أي تحرم بمال لا بغيره. ويكره كراهة شديدة لمن عرف الرمي تركه؛ لخبر مسلم ((من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى))، والمناضلة آكد؛ للآية ولخبر السنن ((ارموا أو اركبوا وأن ترموا خير لكم من أن تركبوا (١). إما بقصد مباح فمباحان، أو حرام كقطع طريق فحرامان (ويحل أخذ عوض عليهما)؛ لأخبار فيه ويأتي بيانه. وشرط باذله -لا قابله- إطلاق التصرف فيمتنع على الولي صرف شيء من مال موليه فيه؛ لأنه ليس مظنة للتعلم بخلاف تعلم صنعة أو نحو قرآن، وصح خبر ((لا سَبَق إلا في خف أو حافر أو نصل)) (وتصح المناضلة على سهام) عربية وهي النبل وعجمية وهي النشاب وعلى جميع أنواع القسي والمسلات (٢) والإبر (وكذا مزاريق) وهي رماح قصار (ورماح) عطف عام على خاص (ورمي بأحجار) بيد أو مقلاع (٣) (ومَنجَنيق (٤) عطف خاص على عام (وكل نافع في الحرب) غير ما ذكر كالتردد بالسيوف والرماح (على المذهب) ; لأن كل نافع فيه في معنى السهم المنصوص عليه فحل بعوض وغيره، وإنما يحل الرمي إلى غير الرامي أما رمي كلٌّ لصاحبه فحرام قطعا؛ لأنه يؤذي كثيرا، ومحله إن لم يكن عندهما حذق يغلب على ظنهما سلامتهما وإلا حل.
стр. 1878
لَا عَلَى كُرَةِ صَوْلَجَانٍ وَبُنْدُقٍ وَسِبَاحَةٍ وَشَِطْرَنْجٍ وَخَاتَمٍ، وَوُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِيَدِهِ، وَتَصِحُّ المُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ، وَكَذَا فِيلٌ وَبَغْلٌ وَحِمَارٌ فِي الْأَظْهَرِ، لَا طَيْرٌ وَصِرَاعٌ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ عَقْدَهُمَا لَازِمٌ -لَا جَائِزٌ- فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ،
[فرع] يحل أنواع اللعب الخطرة من الحذاق بها الذين تغلب سلامتهم منها ويحل التفرج عليهم حينئذ كما يحل سماع الأعاجيب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه بقصد الفرجة بل وما يتيقن كذبه لكن قصد به ضرب الأمثال والمواعظ وتعليم نحو الشجاعة على ألسنة آدميين أو حيوانات. وخرج برميه إشالته باليد ومراماته (١) فهو حرام بمال (لا) مسابقة بمال (على كرة صولجان) أي محجن وهو خشبة محنية الرأس (وبندق (٢) أي رمي به بيد أو قوس (وسباحة) وغطس بماء اعتيد الاستعانة بذلك الغطس في الحرب (وشَِطرنج وخاتم ووقوف على رجل) وكذا شباك (ومعرفة ما بيده) من زوج أو فرد، وكذا سائر أنواع اللعب كمسابقة بسفن أو أقدام؛ لعدم نفع كل ذلك في الحرب أي نفعا له وقع يقصد فيه. أما بغير مال فيباح كل ذلك (وتصح المسابقة) بعوض (على خيل) وإبل تصلح لذلك وإن لم تكن مما يسهم لها (وكذا فيل وبغل وحمار في الأظهر)؛ لعموم الخف والحافر في الخبر لكل ذلك، أما بغير عوض فيصح قطعا (لا) على بقر أي بعوض، وبه يعلم جواز ركوب البقر، ولا على نحو مهارشة ديكة ومناطحة كباش ولو بلا عوض اتفاقا؛ لأنه سَفَه، ولا على (طير وصِراع) بعوض فيهما (في الأصح)؛ لعدم نفعهما في الحرب. أما بلا عوض فيصح جزما (والأظهر أن عقدهما) المشتمل على إيجاب وقبول أي المسابقة والمناضلة بعوض منهما أو من أحدهما أو من غيرهما (لازم) كالإجارة لكن من جهة ملتزم العوض فقط، وتجب أجرة المثل في الفاسدة (لا جائز) من جهته بخلاف غيره كالمحلل الآتي، أما بلا عوض فجائز جزما، وعلى لزومه، (فليس لأحدهما) الذي هو ملتزمه، ولا للأجنبي الملتزم أيضا (فسخه) إلا إذا ظهر عيب في عوض معين وقد التزم كل منهما كما في الأجرة، نعم لا يجب التسليم هنا قبل المسابقة بخلاف الإجارة؛ لأن في الإجارة عوضا يقبضه حالا فلزمه الإقباض قبل الاستيفاء ولا كذلك هنا،
стр. 1879
وَلَا تَرْكُ الْعَمَلِ قَبْلَ شُرُوعٍ وَبَعْدَهُ، وَلَا زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِيهِ، وَلَا فِي مَالٍ. وَشَرْطُ المُسَابَقَةِ عِلْمُ المَوْقِفِ وَالْغَايَةِ، وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،
أما هما (١) فلهما الفسخ مطلقا (ولا ترك العمل قبل شروع وبعده) من منضول مطلقا وناضل أمكن أن يدرك ويسبق وإلا جاز له؛ لأنه ترك حق نفسه (ولا زيادة ونقص فيه) أي العمل (ولا في مال) ملتزم بالعقد وإن وافقه الآخر إلا أن يفسخاه ويستأنفا عقدا، (وشرط المسابقة) من اثنين مثلا (علم) المسافة بالذرع أو المشاهدة و (الموقف) الذي يجريان منه (والغاية (٢) التي يجريان إليها. هذا إن لم يغلب عرف وإلا لم يشترط شيء فما غلب فيه العرف وعرفه المتعاقدان يحمل المطلق عليه كما يأتي في نظيره (وتساويهما فيهما) فلو شرط تقدم أحدهما فيهما أو في أحدهما امتنع؛ لأن القصد معرفة الأسبق وهو لا يحصل مع ذلك، ويجوز أن يعينا غاية إن أتفق سبق عندها وإلا فغاية أخرى عيناها بعدها، لا أن يتفقا على أنه إن وقع سبق في نحو وسط الميدان وقفا عن الغاية؛ لأن السابق قد يُسْبَق، ولا أن المال لمن سبق بلا غاية (وتعيين) الراكبين كالراميين بإشارة لا وصف و (الفرسين) مثلا بإشارة أو وصفِ سلمٍ; لأن القصد امتحان سيرهما (و) لهذا (يتعينان) إن عينا بالعين، وكذا الراكبان والراميان كما يأتي فيمتنع إبدال أحدهما، فإن مات أو عمي أو قطعت يده مثلا أبدل الموصوف وانفسخ في المعين، نعم في موت الراكب يقوم وارثه ولو بنائبه مقامه فإن أبى استأجر عليه الحاكم، وظاهرٌ أن محله إن كان مورثه لا يجوز له الفسخ لكونه ملتزما. وعند نحو مرض أحدهما ينتظر إن رجي أي وإلا جاز الفسخ إلا في الراكب فيبدل (وإمكان) قطعهما المسافة، و (سبق كل واحد منهما) لا على ندور، وكذا في الراميين، فإن ضعف أحدهما بحيث يُقطع بتخلفه أو يندر سبقه نظرنا فإن أخرج المال مَن يقطع بتخلفه أو سبقه جاز؛ لأنه كالباذل جعلا (٣) -أي في نحو قوله لغيره إرمِ كذا فلك هذا المال-، أما إن أخرجاه معا ولا محلل وأحدهما يقطع بسبقه فالسابق كالمحلل؛ لأنه لا يغرم شيئا وشرط المال من جهته لغوٌ، وعُلم من هذا اشتراط اتحاد الجنس لا النوع وإن
стр. 1880
وَالْعِلْمُ بِالمَالِ المَشْرُوطِ. وَيَجُوزُ شَرْطُ المَالِ مِنْ غَيْرِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَوْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا فَلَهُ فِي بَيْتِ المَالِ أَوْ فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا. وَمِنْ أَحَدِهِمَا فَيَقُولُ إنْ سَبَقَتْنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا أَوْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ عَلَيْك فَإِنْ شُرِطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا فَلَهُ عَلَى الْآخَرِ كَذَا لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِمُحَلِّلٍ فَرَسُهُ كُِفْءٌ لِفَرَسَيْهِمَا، فَإِنْ سَبَقَهُمَا أَخَذَ المَالَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدٍ،
تباعد النوعان إن وجد الإمكان المذكور، نعم يجوز بين بغل وحمار؛ لتقاربهما، ومنه يؤخذ أن الكلام في بغل أحد أبويه حمار (والعلم بالمال المشروط) برؤية المعين ووصف الملتزم في الذمة كما مر في الثمن، فإن جهل فسد واستحق السابق أجرة المثل، وركوبهما لهما، فلو شرطا جريهما بأنفسهما فسد، واجتناب شرط مفسد كإطعام السبق لأصحابه أو إن سبقه لا يسابقه إلى شهر، وإسلامهما; لأن مبيحه غرض الجهاد، وإطلاق التصرف في مُخْرِج المال فقط كما مر; لأن الآخر إما آخذ أو غير غارم (ويجوز شرط المال من غيرهما بأن يقول الإمام أو أحد الرعية من سبق منكما فله في بيت المال) كذا هذا -خاص بالإمام- (أو فله عليَّ كذا) -هذا عام فيهما (١) -؛ لما في ذلك من الحث على الفروسية وبذل مال في قربة، ومنه يؤخذ ندب ذلك (و) يجوز شرطه (من أحدهما فيقول إن سبقتني فلك عليَّ كذا أو سبقتك فلا شيء) لي (عليك)؛ إذ لا قمار (فإن شرط أن من سبق منهما فله على الآخر كذا لم يصح)؛ لتردد كل بين أن يغنم أو يغرم وهو القمار المحرم (إلا بمحلل) يكافئهما في المركوب وغيره، و (فرسه) مثلا المعين (كَُِفء) أي مساوٍ (لفرسهما) إن سَبَق أخذ مالهما وإن سُبِق لم يغرم شيئا، فحينئذ يصح؛ للخبر الصحيح ((من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار))، فإذا كان قمارا عند الأمن من سبق فرس المحلل فعند عدم المحلل أولى، وقوله فيه بين فرسين للغالب فيجوز كونه بجنب أحدهما إن رضيا وإلا تعين التوسط، ويكفي محلل واحد بين أكثر من فرسين. أما إذا لم يكافئ فرسه فرسيهما فلا يصح نظير ما مر (فإن سبقهما أخذ المالين) سواء أجاءا معا أو مرتبا (وإن سبقاه وجاءا معا) أولم يسبق أحد (فلا شيء لأحد).
стр. 1881
وَإِنْ جَاءَ مَعَ أَحَدِهِمَا فَمَالُ هَذَا لِنَفْسِهِ، وَمَالُ المُتَأَخِّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَالَّذِي مَعَهُ، وَقِيلَ لِلْمُحَلِّلِ فَقَطْ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ المُحَلِّلُ ثُمَّ الْآخَرُ فَمَالُ الْآخَرِ لِلْأَوَّلِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ تَسَابَقَ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا، وَشُرِطَ لِلثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ فَسَدَ، وَدُونَهُ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ. وَسَبْقُ إبِلٍ بِكَتِفٍ، وَخَيْلٍ بِعُنُقٍ، وَقِيلَ بِالْقَوَائِمِ فِيهِمَا. وَيُشْتَرَطُ لِلْمُنَاضَلَةِ بَيَانُ أَنَّ الرَّمْيَ مُبَادَرَةٌ وَهِيَ أَنْ يَبْدُرَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ المَشْرُوطِ،
(وإن جاء مع أحدهما) وتأخر الآخر (فمال هذا) الذي جاء معه (لنفسه)؛ لأنه لم يسبق (ومال المتأخر للمحلل والذي معه)؛ لأنهما سبقاه (وقيل للمحلل فقط)؛ بناء على أنه محلل لنفسه فقط والأصح أنه محلل لنفسه وغيره (وإن جاء أحدهما ثم المحلل ثم الآخر) أو سبقاه وجاءا مرتبين أو سبقه أحدهما وجاء مع المتأخر (فمال الآخر للأول في الأصح)؛ لسبقه لهما فعلم من كلامه حكم جميع الصور الثمانية التي ذكروها أن يسبقهما وهما معا أو مرتبا أو يسبقاه وهما معا أو مرتبا أو يتوسطهما أو يصاحب أولهما أو ثانيهما أو يأتي الثلاثة معا (وإن تسابق ثلاثة فصاعدا وشرط) من رابع (للثاني) عليه (مثل الأول فسد) العقد; لأن كلا لا يجتهد في السبق لوثوقه بالمال سَبَقَ أو سُبِقَ، والمعتمد الصحة؛ لأن كلا يجتهد أن يكون أولا أو ثانيا؛ ليفوز بالعوض، ومن ثم لو كانا اثنين فقط وشرط للثاني مثل الأول أو ثلاثة وشرط للثاني أكثر من الأول فسد (و) إذا شرط للثاني (دونه) أي الأول (يجوز في الأصح) ; لأن كلا يجتهد أن يكون أولا ليفوز بالأكثر. ولو كانوا عشرة وشرط لكلِّ واحد سوى الأخير مثل أو دون من قبله لم يجز (١). (وسبق إبل) وكل ذي خف كفيل عند إطلاق العقد (بكتف) أو بعضه عند الغاية (وخيل) وكل ذي حافر (بعنق) أو بعضه عند الغاية؛ لأنها لا ترفعه، ومن ثم لو رفعته اعتبر فيها الكتف. ولو اختلف طول عنقهما فسَبْقُ الأطول بتقدمه بأكثر من قدر الزائد، أما لو سبق الأقصر حينئذٍ فيكفي أن يجاوز عنقه بعض زيادة الأطول لا كلها (وقيل) السبق (بالقوائم فيهما) أي الإبل والخيل; لأن العدو بها، والعبرة بالسبق عند الغاية لا قبلها. ولو عثر أو ساخت قوائمه بالأرض أو وقف لمرض فتقدم الآخر لم يكن سابقا.
(ويشترط للمناضلة) أي فيها (بيان أن الرمي مبادرة وهي أن يبدُر) أي يسبق (أحدهما بإصابة) الواحد أو (العدد المشروط) إصابته من عدد معلوم كعشرين من كلٍّ مع استوائهما في
стр. 1882
أَوْ مُحَاطَّةٌ، وَهِيَ أَنْ تُقَابَلَ إصَابَاتُهُمَا، وَيُطْرَحَ المُشْتَرَكُ فَمَنْ زَادَ بِعَدَدِ كَذَا فَنَاضِلٌ، وَبَيَانُ عَدَدِ نُوَبِ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ،
العدد المرمي أو اليأس من استوائهما في الإصابة، فلو شرط أن من سبق لخمسة من عشرين فله كذا فرمى كلٌّ عشرين أو عشرة وتميز أحدهما بإصابة الخمسة فهو الناضل وإلا فلا، فإن أصاب أحدهما خمسة من عشرين والآخر أربعة من تسعة عشر تممها؛ لجواز أن يصيب في الباقي أو ثلاثة فلا ليأسه من الاستواء في الإصابة مع استوائهما في رمي عشرين (أو محاطّة وهي أن تقابل إصاباتهما) من عدد معلوم كعشرين من كل (ويطرح المشترك) بينهما من الإصابات (فمن زاد) منهما بواحد أو (بعدد كذا) كخمس (فناضل) للآخر والمعتمد أنه لا يشترط؛ لصحة العقد بيان ما ذكر (١)، بل يكفي إطلاقه ويحمل على المبادرة وإن جهلاها؛ لأنها الغالب (و) يشترط للمناضلة؛ بناء على خلاف المعتمد المذكور (بيان عدد نُوب الرمي) في كل من المحاطة والمبادرة؛ لينضبط العمل إذ هذا وما بعده هنا كالميدان في المسابقة وذلك كأربع نوب كل نوبة خمسة أسهم وكسهم سهم أو اثنين اثنين، ويجوز شرط تقدم واحد بجميع سهامه فإن أطلقا حمل على سهم سهم. أما بيان عدد ما يرميه كل فهو شرط (٢) مطلقا (٣) (و) بيان عدد (الإصابة) كخمسة من عشرين; لأن الاستحقاق بها وبها يتبين حذق الرامي، وعلى المعتمد لا يشترط ذلك وعليه أيضا لو قالا نرمي عشرة فمن أصاب أكثر من صاحبه فناضل صح. ويشترط إمكانها فإن ندر كعشرة أو تسعة من عشرة وكشِدَّة صغر الغرض أو بعده فوق مائتين وخمسين ذراعا بذراع اليد المعتدلة لم يصح. والتحديد بذلك إنما يأتي على عرف السلف وأما الآن فقد أتقنت القسي حتى صار الحاذق يرمي أضعاف ذلك العدد فلا يبعد التقدير لكل قوم بما هو الغالب في عرفهم، أو تيقن كواحد من مائة لحاذق فكذلك على الأوجه؛ لأنها عبث. ويشترط اتحاد جنس ما يرمى به لا كسهم مع مزراق (٤)، والعلم بمال شُرِط وتقارب المتناضلين في الحذق وتعيينها كالموقف والاستواء فيه، أي: الموقف.
стр. 1883
وَمَسَافَةِ الرَّمْيِ، وَقَدْرِ الْغَرَضِ طُولًا وَعَرْضًا إلَّا أَنْ يُعْقَدَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ غَرَضٌ مَعْلُومٌ، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَلْيُبَيِّنَا صِفَةَ الرَّمْيِ مِنْ قَرْعٍ، وَهُوَ إصَابَةُ الشَّنِّ بِلَا خَدْشٍ، أَوْ خَزْقٍ وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَهُ وَلَا يَثْبُتَ فِيهِ، أَوْ خَسْقٍ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ، أَوْ مَرْقٍ، وَهُوَ أَنْ يَنْفُذَ، فَإِنْ أَطْلَقَا اقْتَضَى الْقَرْعَ، وَيَجُوزُ عِوَضُ المُنَاضَلَةِ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ عِوَضُ المُسَابَقَةِ بِشَرْطِهِ،
(و) بيان علم الموقف والغاية و (مسافة الرمي) بالذرع أو المشاهدة حيث لا عادة وقصدا غرضا وإلا لم يحتج لبيان ذلك ويُنَزَّل على عادة الرماة الغالبة، ثم إن عرفاها وإلا اشترط بيانها. ولو تناضلا على أن يكون السبق لأبعدهما رميا ولم يقصدا غرضا صح إن استوى السهمان خفة ورزانة والقوسان شدة ولينا (وقدر الغرض) المرمي إليه من نحو خشب أو قرطاس أو دائرة (طولا وعرضا) وسمكا وارتفاعا من الأرض؛ لاختلاف الغرض بذلك (إلا أن يعقد بموضع فيه غرض معلوم فيحمل) العقد (المطلق) عن بيان غرض (عليه) أي الغرض المعتاد نظير ما مر في المسافة، ويُبيِّنان أيضا موضع الإصابة أهو الهدف أم الغرض المنصوب فيه أم الدارة (١) في الشن أم الخاتم (٢) في الدارة إن قلنا بصحة شرطه، (وليبينا) ندبا (صفة الرمي) المعلق بإصابة الغرض (من قرْع وهو إصابة الشَّن) المعلق وهو الجلد البالي، والمراد هنا مطلق الغرض (بلا خدش) له أي أنه يكفي فيه ذلك لا إن ما بعده يضر، وكذا في الباقي (أو خَزْق وهو أن يثقبه ولا يثبت فيه أو خَسْق وهو أن يثبت فيه) أو في بعض طرفه -ويسمى خرما- وإن سقط بعد (أو مرق وهو أن ينفذ) منه ويخرج من الجانب الآخر، والحوابي وهو أن يقع السهم بين يدي الغرض ثم يثب إليه، ولا يتعين ما عيناه من هذه مطلقا بل كل يغني عنها ما بعدها كما مر فالقرع يغني عنه الخزق وما بعده والخزق يغني عنه الخسق وما بعده وهكذا والعبرة بإصابة النصل كما يأتي، (فإن أطلقا) العقد عن ذكر واحد من هذه (اقتضى القرع)؛ لأنه المتعارف، وبه يعلم أن الأمر في قوله وليبينا للندب كما مر دون الوجوب وإلا لم يصح مع الإطلاق. (ويجوز عوض المناضلة من حيث يجوز عوض المسابقة بشرطه) فيجوز من غيرهما، ومن أحدهما وكذا منهما بمحلل كفء لهما فإن كانا حزبين فكل حزب
стр. 1884
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ قَوْسٍ وَسَهْم، فَإِنْ عُيِّنَ لَغَا، وَجَازَ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ شُرِطَ مَنْعُ إبْدَالِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ. وَلَوْ حَضَرَ جَمْعٌ لِلْمُنَاضَلَةِ فَانْتَصَبَ زَعِيمَانِ يَخْتَارَانِ أَصْحَابًا جَازَ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَعْيِينِهِمَا بِقُرْعَةٍ، فَإِنْ اخْتَارَ غَرِيبًا ظَنَّهُ رَامِيًا فَبَانَ خِلَافُهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنْ الحِزْبِ الْآخَرِ وَاحِدٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ،
كشخص، (ولا يشترط تعيين قوس وسهم) بعينه ولا نوعه; لأن الاعتماد على الرامي بخلاف الفرس فإن أطلقا واتفقا على شيء فذاك وإلا فسخ العقد، (فإن عين) قوس أو سهم بعينه (لغا) تعيينه (وجاز إبداله بمثله) من ذلك النوع وإن لم يحدث فيه خلل بخلاف الفرس، أما بغير نوعه فلا يجوز إلا بالرضا، (فإن شرط منع إبداله فسد العقد)؛ لأنه يخالف مقتضاه إذ قد يعرض للرامي أمر خفي يحوجه إليه ففي منعه منه تضييق (والأظهر اشتراط بيان البادئ بالرمي) مطلقا؛ لاشتراط الترتيب بينهما فيه لئلا يشتبه المصيب بالمخطئ لو رميا معا، (ولو حضر جمع للمناضلة فانتصب) منهم برضاهم (زعيمان) فلا يكفي واحد (يختاران) قبل العقد (أصحابا) أي هذا واحدا ثم هذا واحدا وهكذا؛ لئلا يستوعب أحدهما الحذاق، ويبدأ بالتعيين من رضياه وإلا فالقرعة ثم يتوكل كلٌّ عن حزبه في العقد ثم يعقدان (جاز)؛ إذ لا محذور فيه، وكل حزب إصابةً وخطأً كشخص واحد في جميع ما مر فيه فمن ذلك أنه يشترط حزب ثالث محلل كفء لكل منهما عددا ورميا إن بذلا مالا وتساويهما في عدد الإرشاق والإصابات وانقسام المجموع عليهم صحيحا فإن تحزبوا ثلاثة وثلاثة أو أربعة وأربعة اشترط أن يكون للعدد ثلث أو ربع صحيح كالثلاثين والأربعين، (ولا يجوز شرط تعيينهما) الأصحاب (بقرعة)؛ لأنها قد تجمع الحذاق في جانب فيفوت المقصود، نعم إن ضم حاذق إلى غيره وفي كل جانب وأقرع فلا بأس، (فإن اختار) أحد الزعيمين (غريبا ظنه راميا فبان خلافة) أي غير محسن لأصل الرمي (بطل العقد فيه وسقط من الحزب الآخر واحد) في مقابلته؛ ليتساويا. أما لو بان ضعيف الرمي فلا فسخ لحزبه أو فوق ما ظنوه فلا فسخ للحزب الآخر (وفي بطلان) العقد في (الباقي قولا تفريق الصفقة) وأصحهما الصحة فيصح هنا
стр. 1885
فَإِنْ صَحَّحْنَا فَلَهُمْ جَمِيعًا الخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازُوا وَتَنَازَعُوا فِيمَنْ يَسْقُطُ بَدَلُهُ فَسَخَ الْعَقْدُ. وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ قُسِمَ المَالُ بِحَسَبِ الْإِصَابَةِ، وَقِيلَ بِالسَّوِيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِصَابَةِ المَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّضْلِ، فَلَوْ تَلِفَ وَتَرٌ أَوْ قَوْسٌ أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ بِهِ حُسِبَ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَقَلَتِ رِيحٌ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ حُسِبَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ. وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ فَثَقَبَ وَثَبَتَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَقِيَ صَلَابَةً فَسَقَطَ حُسِبَ لَهُ
(فإن صححنا فلهم جميعا الخيار) بين الفسخ والإجازة؛ للتبعيض (فإن أجازوا وتنازعوا فيمن يسقط بدله فسخ العقد (١)؛ لتعذر إمضائه.
(وإذا نضل حزب قسم المال) بينهم (بحسب الإصابة)؛ لأنهم استحقوا بها (وقيل) وهو الأصح يقسم بينهم (بالسوية)؛ لأنهم كشخص واحد كما أن المنضولين يغرمون بالسوية (ويشترط في الإصابة المشروطة أن تحصل بالنصل) الذي في السهم دون فوقه وعُرضه؛ لأنه المتعارف، نعم إن قارن ابتداء رمية ريح عاصفة لم يحسب له إن أصاب ولا عليه إن أخطأ؛ لقوة تأثيرها (فلو تلف وتر أو قوس) ولو مع خروجه بلا تقصيره ولا سوء رمية كأن حدثت ريح عاصفة أو علة بيده (أو عرض شيء) كبهيمة (انصدم به السهم وأصاب) الغرض في كل ذلك (حسب له) ; لأن الإصابة مع ذلك تدل على جودة الرمي وقوة الساعد (وإلا) يصبه (لم يحسب عليه)؛ لعذره فيعيد رمية، إما بتقصيره أو سوء رميه فيحسب عليه، (ولو نقلت) بعد الرمي (ريح الغرض) عن محله (فأصاب موضعه حسب له)؛ إذ لو كان فيه لأصابه، (وإلا) يصب موضعه (فلا يحسب عليه)؛ إحالة على السبب العارض، أما إذا نقلته الريح قبل الرمي فلا يحسب له مطلقا؛ لتقصيره (٢) (ولو شرط خسق فثقب) السهم الغرض (وثبت) فيه (ثم سقط أو لقي صلابة) منعته من ثقبه (فسقط حُسِب له)؛ لعذره. ويسن جعل شاهدين عند الغرض ليشهدا على ما يريانه من إصابة وغيرها، وليس لهما ولا لغيرهما مدح أو ذم أحدهما مطلقا؛ لأنه يخل بالنشاط.
стр. 1886
كتاب الأيمان
لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ كَقَوْلِهِ: وَاَللهِ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ، وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ
(كتاب الأيمان)
بالفتح جمع يمين، ويرادفه الإيلاء والقسم. وهي شرعا بالنظر لوجوب تكفيرها تحقيق أمر محتمل بما يأتي، وبعضهم أبدل ((محتمل)) بـ ((غير ثابت)) فيدخل الممتنع (١)، ويسمى الحلف بنحو الطلاق يمينا شرعية وإن لم يكن فيه تكفير. فخرج بالتحقيق لغو اليمين الآتي، وبالمحتمل نحو لأموتن أو لا أصعد السماء؛ لعدم تصور الحنث فيه بذاته فلا إخلال فيه بتعظيم اسمه تعالى بخلاف لا مُتُّ ولأصعدن السماء ولأقتلن الميت فإنه يمين يجب تكفيرها حالا ما لم يقيد بوقت كغد فيكفر غدا وذلك؛ لهتكه حرمة الاسم، والفرق أن امتناع الحنث لا يخل بتعظيم اسم الله وامتناع البر يخل به فيحوج إلى التكفير (٢). وشرط الحالف أن يكون مكلفا أو سكرانا مختارا قاصدا فخرج صبي ومجنون ومكره ولاغ. (لا تنعقد) اليمين (إلا بذات الله تعالى) أي اسم دال عليها وإن دل على صفة معها وهي في اصطلاح المتكلمين الحقيقة (أو صفة له) وستأتي، والمعنى أن كل يمين منعقدة لا تكون إلا باسم ذات أو صفة، لا أن كل ما هو باسم الله أو صفته يكون منعقداً.
فالأول بقسميه (كقوله والله ورب العالمين) أي مالك المخلوقات; لأن كل مخلوق علامة على وجود خالقه (والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده) -أي قدرته يصرفها كيف شاء- ومن فَلَقَ الحبة (وكل اسم مختص به) الله غير ما ذكر ولو مشتقا ومن غير أسمائه الحسنى كالإله ومالك يوم الدين والذي أعبده أو أسجد له ومقلب القلوب، فلا تنعقد بمخلوق كنبي وملك؛ للنهي الصحيح عن الحلف بالآباء، وللأمر بالحلف بالله، فإن
стр. 1887
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ. وَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَالرَّحِيمِ، وَالخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَالرَّبِّ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ. وَمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ: كَالشَّيْءِ وَالمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالحَيِّ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةِ، وَالصِّفَةُ كَوَعَظَمَةِ اللهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يَمِينٌ،
حلف بمخلوق كره إلا إن قصد تعظيمه كتعظيم الله فيكفر، ويحرم الحلف بما لا حرمة له كالطلاق، نعم للمحتسب التحليف بالطلاق دون القاضي، بل يعزله الإمام به.
[تنبيه] لا تنعقد (١) اليمين الغموس وهي أن يحلف على ماض كاذبا عامدا; لأن الحنث اقترن بها ظاهرا وكذا باطنا على الأصح ، (ولا يقبل) ظاهرا ولا باطنا (٢) (قوله لم أرد به اليمين) يعني لم أرد بما سبق من الأسماء والصفات الله تعالى; لأنها نص في معناها لا تحتمل غيره. أما لو قال في نحو بالله أو والله لأفعلن أردت بها غير اليمين كبالله أو والله المستعان أو وثقت أو استعنت بالله، ثم ابتدأت بقولي لأفعلن فإنه يقبل ظاهرا لكن بالنسبة لحق الله تعالى دون طلاق وإيلاء وعتق فلا يقبل ظاهرا؛ لتعلق حق الغير به، (وما انصرف إليه سبحانه عند الإطلاق) غالبا وإلى غيره بالتقييد (كالرحيم والخالق والرازق) والمصور والجبار والمتكبر والحق والقاهر والقادر (والرب تنعقد به اليمين) ; لانصراف الإطلاق إليه تعالى، وأل فيها للكمال (إلا أن يريد) بها (غيره) تعالى بأن أراده تعالى أو أطلق بخلاف ما لو أراد بها غيره; لأنه قد يستعمل في ذلك كرحيم القلب وخالق الكذب. (وما استعمل فيه وفي غيره) تعالى (سواء كالشيء والموجود والعالِم والحي) والسميع والبصير والعليم والحليم والغني (ليس بيمين إلا بنية) بأن أراده تعالى بها بخلاف ما إذا أراد بها غيره أو أطلق; لأنها لَمَّا أطلقت عليهما سواء أشبهت الكنايات والاشتراك إنما يمنع الحرمة والتعظيم عند عدم النية. ولا تنعقد بالجناب الرفيع وإن نوى به الله؛ لاستحالة ذلك عليه.
(و) الثاني ويختص من الصفات بما لا شركة فيه وهو (الصفة) الذاتية وهي (كوعظمة الله وعزته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته) وإرادته، والفرض أنه أتى بالظاهر بدل الضمير في الكل (يمين) وإن أطلق; لأنه تعالى لَمَّا لم يَزَل موصوفا بها أشبهت أسماءه المختصة به.
стр. 1888
إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ المَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ المَقْدُورَ. وَلَوْ قَالَ وَحَقِّ اللهِ فَيَمِينٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْعِبَادَاتِ. وَحُرُوفُ الْقَسَمِ بَاءٌ وَوَاوٌ وَتَاءٌ: كَبِاللهِ وَوَاللهِ وَتَاللهِ، وَتَخْتَصُّ التَّاءُ بِاَللهِ. وَلَوْ قَالَ اللهُ مَثَلًا لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَرَفَعَ أَوْ نَصَبَ أَوْ جَرَّ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ
[تنبيه] عُلم مما فسَّر به الصفة أن المراد بالاسم جميع الأسماء الحسنى التسعة والتسعين وما في معناها مما مر، سواء اشتق من صفة ذاته كالسميع أو فعله كالخالق (إلا أن ينوي بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور) وبالعظمة وما بعدها ظهور آثارها كأن يريد بالكلام الحروف الدالة عليه، وإطلاق كلام الله تعالى عليها حقيقة شائعة في الكتاب والسنة فلا يكون يمينا; لأن اللفظ محتمل لذلك. وتنعقد بكتاب الله والآيات المنسوخة وبنحو التوراة ما لم يرد الألفاظ، وبالقرآن ما لم يرد به نحو الخطبة، وبالمصحف ما لم يرد به ورقه وجلده; لأنه عند الإطلاق لا ينصرف عرفا إلا لما فيه من القرآن، ولذا فلا فرق بين قوله والمصحف وقوله وحق المصحف. (ولو قال وحق الله) أو وحرمته لأفعلن أو ما فعلت كذا (فيمين) وإن أطلق؛ لغلبة استعماله فيها ولأن معناه وحقيقة الإلهية، نعم لا بد مع الإطلاق من جر حق وإلا كان كناية (إلا أن يريد) بالحق (العبادات) فلا يكون يمينا قطعا; لأنه يطلق عليها. وليست الطالب والغالب والمدرك والمهلك صرائح في اليمين؛ لأن أسماءه تعالى توقيفية ولم يرد شيء من منها. (و حروف القسم) المشهورة (باء وواو وتاء كبالله ووالله وتالله) فهي صريحة فيه جُرَّ أو نُصب أو رُفع أو سُكِّن; لأن اللحن لا يمنع الانعقاد. والأصح أن الألف في أالله ليست حرف قسم، (وتختص التاء بالله) أي بلفظ الجلالة. وشذ ترب الكعبة وتالرحمن، ويظهر أنها لا تنعقد بهما إلا بنية (١)، ومثلهما يالله وفالله وآلله بالاستفهام. (ولو قال الله مثلا لأفعلن كذا) ويجوز مد الألف وعدمه؛ إذ حكمهما واحد (ورفع أو نصب أو جر) أو سكن، أو قال أشهد بالله أو لعمر الله أو عليَّ عهد الله وميثاقه وذمته وأمانته وكفالته لأفعلن كذا (فليس بيمين إلا بنية) للقسم; لاحتماله لغيره احتمالا ظاهرا، ولا فرق هنا بين النحوي وغيره. وبِلّه بتشديد اللام وحذف الألف لغو (٢) وإن نوى بها اليمين; لأن هذه كلمة غير الجلالة إذ هي الرطوبة.
стр. 1889
وَلَوْ قَالَ أَقْسَمْتُ أَوْ أُقْسِمُ، أَوْ حَلَفْتُ أَوْ أَحْلِفُ بِاَللهِ لَأَفْعَلَنَّ فَيَمِينٌ إنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ، وَلَو قَالَ قَصَدْتُ خَبَرًا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا صُدِّقَ بَاطِنًا وَكَذَا ظَاهِرًا عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاَللهِ أَوْ أَسْأَلُك بِاَللهِ لَتَفْعَلَنَّ وَأَرَادَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمِينٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ. وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى لَفْظِهَا بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَنْعَقِدْ
(ولو قال أقسمت أو أقسم أو حلفت أو أحلف) أو آليت أو أولي (بالله لأفعلن) كذا (فيمين إن نواها)؛ لاطراد العرف باستعمالها يمينا وأيده بنيتها (أو أطلق)؛ للعرف المذكور، وبه فارق شهدت أو أشهد بالله فإنه محتاج لنية اليمين به; لأنه لم يشتهر في اليمين، نعم هو في اللعان صريح كما مر، أما مع حذف بالله فلغو وإن نوى اليمين (ولو قال قصدت) بما ذكرت (خبرا ماضيا) في نحو أقسمت (أو مستقبلا) في نحو أقسم (صدق باطنا) ; فلا تلزمه كفارة (وكذا ظاهرا) ولو في نحو أقسمت (١) بالله لا وطئتك (على المذهب)؛ لاحتمال ما يدعيه، بل ظهوره. ولو عرفت له يمين سابقة قُبِل في نحو أقسمت جزما. (ولو قال لغيره أقسمت عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن) كذا (وأراد يمين نفسه فيمين)؛ لصلاحية اللفظ لها مع اشتهاره على ألسنة حملة الشرع. ويندب للمخاطب إبراره في غير معصية أو مكروه، فإن أبى كفر الحالف، (وإلا) يقصد يمين نفسه بل الشفاعة أو يمين المخاطب أو أطلق (فلا) تنعقد اليمين; لأنه لم يحلف هو ولا المخاطب. وظاهر صنيعه حيث سوى بين حلفت وغيرها فيما مر لا هنا أن حلفت عليك ليست كأقسمت وآليت عليك، ويوجه بأن هذين قد يستعملان لطلب الشفاعة بخلاف حلفت. ويكره رد السائل بالله أو بوجهه في غير المكروه والسؤال بذلك. (ولو قال إن فعلتُ كذا فأنا يهودي) أو نصراني (أو بريء من الإسلام) أو من الله أو من النبي أو مستحل الخمر (فليس بيمين) ; لانتفاء الاسم والصفة، ولا كفارة وإن حنث، نعم يحرم ذلك، ولا يَكْفُر به إن قصد تبعيد نفسه عن المحلوف عليه أو أطلق، فإن علّق أو أراد الرضا بذلك إذا فعل كَفَرَ حالا. ولو مات مثلا ولم يعرف قصده لم يحكم بكفره، وإذا لم يُكَفَّر سن له أن يستغفر الله ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله (ومن سبق لسانه إلى لفظها) أي اليمين (بلا قصد) كبلى والله ولا والله في نحو غضب أو صلة كلام (لم تنعقد)؛ لقوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ البقرة: ٢٢٥ .. الآية.
стр. 1890
وَتَصِحُّ عَلَى مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ. وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ. فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ عَصَى وَلَزِمَهُ الحِنْثُ وَكَفَّارَةٌ
[تنبيه] المراد تفسير اليمين بلا والله وبلى والله على البدل لا على الجمع . أما لو قال لا والله وبلى والله في وقت واحد فإن قصد (١) الثانية أو شك في قصدها وقع -؛ لأنها استدراك فكانت مقصودة- وإلا فلغو. ولو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه لغيره فهو من لغوها (٢). ولا تقبل ظاهرا دعوى اللغو في طلاق أو عتق أو إيلاء كما مر. (وتصح) اليمين (على ماضٍ) كما فعلت كذا أو فعلته إجماعا (و) على (مستقبل) كلأفعلن كذا أو لا أفعله; للخبر الصحيح ((والله لأغزون قريشا)). (وهي) أي اليمين (مكروهة)؛ لقوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ البقرة: ٢٢٤ (إلا في طاعة) من فعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه فطاعة؛ اتباعا للخبر السابق ((والله لأغزون قريشا)) وإلا لحاجة كتوكيد كلام كقوله ﷺ ((فوالله لا يمل الله حتى تملوا)) أو تعظيم أمر كقوله ((والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) وإلا في دعوى عند حاكم فلا يكره، بل يسن الأولان -أي التوكيد والتعظيم- إن كانا دينيين كما في الحديثين، وفي الأخير إن قصد صون المستحلف له عن الحرام لو رَدَّ عليه ومع ذلك فتعففه عن اليمين وتحليله أكمل. (فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام عصى) بالحلف، نعم لا يعصي من حلف على ترك واجب على الكفاية لم يتعين عليه أو يمكن سقوطه كالقود يسقط بالعفو (ولزمه الحنث (٣) ; لأن الإقامة على هذه الحالة معصية (وكفارة)، ومثله لو حلف بالطلاق ليصومن العيد فيلزمه الحنث ويقع عليه الطلاق لكن مع غروبه؛ لاحتمال موته قبله. ولو كان له طريق غير الحنث كما لو حلف أن لا ينفق على زوجته لم يلزمه الحنث؛ إذ يمكنه إعطاؤها من صداقها أو يقرضها ثم يبرئها.
стр. 1891
أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. أَوْ تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُ الحِنْثِ، وَقِيلَ الحِنْثُ. وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ عَلَى حِنْثٍ جَائِزٍ قِيلَ: وَحَرَامٍ، قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
(أو) على (ترك مندوب) كنافلة (أو فعل مكروه) كاستعمال متشمس (سن حنثه، وعليه كفارة) ; لأنه ﷺ قال ((من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)) (أو) على فعل مندوب أو ترك مكروه كره حنثه، أو على (ترك مباح أو فعله) كدخول دار وأكل طعام كلا آكله أنا (فالأفضل ترك الحنث)؛ إبقاءً لتعظيم الاسم، نعم إن كان من شأنه تعلق غرض ديني بفعله أو تركه كلا يأكل طيبا أو لا يلبس ناعما، فإن قصد التأسي بالسلف أو الفراغ للعبادة فهي طاعة فيكره الحنث فيها وإلا فهي مكروهة فيندب فيها الحنث، (وقيل) الأفضل (الحنث)؛ لينتفع المساكين بالكفارة، نعم لو كان في عدم الحنث أذى للغير كأن حلف لا يدخل أو لا يأكل أو لا يلبس كذا ونحو صديقه يكرهه كان الأفضل الحنث قطعا.
[تنبيه] قد تجب اليمين (١) إذا تعينت للدفع عن ما لا يباح بالإباحة كنفس أو بضع (٢). (وله) أي الحالف بعد اليمين (تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز) -أي غير حرام؛ ليشمل الأقسام الخمسة الباقية- للخبر الصحيح ((فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير)) ; لأن سبب وجوبها اليمين والحنث جميعا والتقديم على أحد السببين (٣) جائز، نعم الأولى تأخيرها عنهما خروجا من الخلاف، ومرَّ أن من حلف على ممتنع البر يكفر حالا بخلافه على ممكنه، فإن وقت الكفارة فيه يدخل بالحنث. أما الصوم فيمتنع تقديمه على الحنث; لأنه عبادة بدنية، (قيل و) على حنث (حرام، قلت: هذا أصح، والله أعلم) فلو حلف لا يزني فكفر ثم زنى لم تلزمه كفارة أخرى; لأن الحظر في الفعل ليس من حيث اليمين؛ لحرمة المحلوف عليه قبلها وبعدها فالتكفير لا يتعلق به استباحة. وشرط إجزاء العتق المعجلة كفارته بقاء العبد حيا مسلما
стр. 1892
وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ عَلَى الْعَوْدِ. وَقَتْلٍ عَلَى المَوْتِ. وَمَنْذُورٍ مَالِيٍّ.
فصل
يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظِّهَارِ، وَإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ حَبٍّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ،
إلى الحنث. ولو قدمها ولم يحنث استرجع إن شرط أو علم القابض التعجيل وإلا فلا. ولو أعتق ثم مات مثلا قبل حنثه وقع العتق تطوعا; لتعذر الاسترجاع فيه؛ لأنه لَمِّا لم يقع هنا حنثٌ بان أن العتق تطوع من غير سبب (و) يجوز تقديم (كفارة ظهار على العود) إذا كفر بغير صوم كأن ظاهر من رجعية ثم كفَّر ثم راجعها، وكأن طلق رجعيا عقب ظهاره ثم كفر ثم راجع، أما عتقه عقب ظهاره فهو تكفير مع العود; لأن اشتغاله بالعتق عود وذلك لوجود أحد السببين، ومن ثم امتنع تقديمها على الظهار (و) يجوز تقديم كفارة (قتل على الموت) وبعد وجود سببه من جرح أو نحوه (و) يجوز تقديم (منذور مالي) على ثاني سببيه كما إذا نذر تصدقا أو عتقا إن شفي مريضه أو عقب شفائه بيوم فأعتق أو تصدق قبل الشفاء.
(فصل) في بيان كفارة اليمين
(يتخير) الرشيد (١) الحر ولو كافرا (في كفارة اليمين بين عتق كالظهار) -أي كإعتاق عن كفارته- وهو إعتاق رقبة (٢) كاملة مؤمنة بلا عيب يخل بالعمل أو الكسب ولو نحو غائب علمت حياته أو بانت كما مر. وهو (٣) أفضلها ولو في زمن الغلاء (وإطعام عشرة مساكين كلِّ مسكين مد حب) أو غيره مما يجزئ في الفطرة (من غالب قوت البلد) في غالب السنة أي بلد المكفِّر، فلو أذن لأجنبي أن يكفر عنه اعتبر بلده لا بلد الآذن (٤).
стр. 1893
أَوْ كِسْوَتِهِمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إزَارٍ لَا خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمِنْطَقَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ صَلَاحِيَتُهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ فَيَجُوزُ سَرَاوِيلُ صَغِيرٍ لِكَبِيرٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقُطْنٌ وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ لِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَلَبِيسٌ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ،
ولا يجوز صرف أقلّ من مد لكل واحد ولا لدون عشرة ولو في عشرة أيام (أو كسوتهم (١) بما يسمى كسوة) ويعتاد لبسه بأن يعطيهم ذينك على جهة التمليك وإن فاوت بينهم في الكسوة (كقميص) ولو بلا كم (أو عمامة) وإن قلّت (أو إزار) أو مقنعة (٢) أو رداء أو منديل يحمل في اليد أو الكم؛ لقوله تعالى ((فكفارته إطعام عشرة مساكين)) الآية (لا) ما لا يسمى كسوة، ولا ما لا يعتاد كالجلود فإن اعتيدت أجزأت، فمن الأول نحو (خف وقفازين) ودرع من نحو حديد ومداس ونعل وجورب وقلنسوة وقبع (٣) وطاقية (٤) (ومنطقة) وتكة (٥) وفصادية وخاتم وتبان (٦) لا يصل للركبة وبساط وهميان (٧) وثوب طويل أعطاه للعشرة قبل تقطيعه بينهم; لأنه ثوب واحد، وبه فارق ما لو وضع لهم عشرة أمداد وقال ملكتكم هذا بالسوية أو أطلق؛ لأنها أمداد مجتمعة. وأفهم التخيير امتناع التبعيض كأن يطعم خمسة ويكسو خمسة. (ولا يشترط) كونه مخيطا ولا ساترا للعورة، ولا (صلاحيته للمدفوع إليه فيجوز سراويل) ونحو قميص (صغير) أي دفعه (لكبير لا يصلح له وقطن وكتان وحرير) وصوف ونحوها (لامرأة ورجل) ; لوقوع اسم الكسوة على الكل ولو متنجسا لكن عليه أن يعرفهم به؛ لئلا يُصَلُّوا فيه، وقضيته أن كل من أعطى غيره ملكا أو عارية مثلا ثوبا به نجس خفي غير معفو عنه بالنسبة لاعتقاد الآخذ عليه إعلامه به؛ حذرا من أن يوقعه في صلاة فاسدة (ولبيس) -أي ملبوس كثيرا- إن (لم تذهب) عرفا (قوته) باللبس كالحَبِّ العتيق بخلاف ما ذهبت قوته -كالمهلهل النسيج الذي لا يقوى على الاستعمال ولو جديدا- ومرقع لبلىً ومنسوج من جلد
стр. 1894
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ غَابَ مَالُهُ انْتَظَرَهُ وَلَا يَصُمْ، وَلَا يُكَفِّرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً، وَقُلْنَا يَمْلِكُ، وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ غَابَ مَالُهُ انْتَظَرَهُ وَلَمْ يَصُمْ، وَلَا يُكَفِّرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً، وَقُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُ، بَلْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ، فَإِنْ ضَرَّهُ وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ صَامَ بِلَا إذْنٍ، أَوْ وُجِدَا بِلَا إذْنٍ لَمْ يَصُمْ إلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا فَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الحَلِفِ،
ميتة وإن اعتيد. (فإن عجز) بالطريق السابق (١) في كفارة الظهار (عن) كل من (الثلاثة) المذكورة (لزمه صوم ثلاثة أيام)؛ للآية إذ هي مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء (ولا يجب تتابعها في الأظهر)؛ لإطلاق الآية (وإن غاب ماله) لمسافة القصر أو دونها (انتظره، ولا يصم) ; لأنه واجد. ولا حاجة هنا إلى التعجيل; لأنها واجبة على التراخي أصالة، وحيث لم يأثم بالحلف وإلا لزمه الحنث والكفارة فورا. (ولا يكفر) محجور عليه بسفه (٢) أو فلس بالمال بل بالصوم; لأنه ممنوع من التبرع. ولو زال حجره قبل الصوم امتنع; لأن العبرة بوقت الأداء لا الوجوب. ولا يكفر عن ميت بأزيد الخصال قيمة بل يتعين أقلها أو إحداها إن استوت قيمها، ولا (عبد بمال)؛ لعدم ملكه (إلا إذا ملَّكه سيده) أو غيره (طعاما أو كسوة) ليكفر بهما أو مطلقا (وقلنا) بالضعيف (إنه يملك) ثم أذن له في التكفير فإنه يكفر، نعم لسيده بعد موته أن يكفر عنه بغير العتق من إطعام أو كسوة; لأنه حينئذ لا يستدعي دخوله في ملكه بخلافه في الحياة، ولزوال الرق بالموت، ولسيد المكاتب أن يكفر عنه بذلك بإذنه، وللمكاتب بإذن سيده التكفير بذلك أيضا، وفارق العتق بأن القن ليس من أهل الولاء (بل يكفر) حتى في المُرَتَّبة كالظهار (بصوم)؛ لعجزه عن غيره (فإن ضره) الصوم في الخدمة (وكان حلف وحنث بإذن سيده صام بلا إذن) وليس له منعه؛ لإذنه في سببه، (أو وجدا) أي الحلف والحنث (بلا إذن لم يصم إلا بإذن) ; لأنه لم يأذن في سببه والفرض أنه يضره، فإن شرع فيه جاز له تحليله، أما إذا لم يضره ولا أضعفه فلا يجوز له منعه منه مطلقا، (وإن أذن في أحدهما فالأصح اعتبار الحلف)
стр. 1895
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ يُكَفِّرُ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَا عِتْقٍ
; لأن إذنه فيه إذن فيما يترتب عليه لكن المعتمد اعتبار الحنث; لأن اليمين مانعة منه فليس إذنه فيها إذنا في التزام الكفارة. وخرج بالعبد الأمة التي تحل له فلا يجوز لها بغير إذنه صوم مطلقا تقديما لاستمتاعه; لأنه ناجز أما أمة لا تحل له فكالعبد فيما مر (ومن بعضه حر وله مال يكفر بطعام أو كسوة) لا صوم; لأنه واجد، و (لا عتق)؛ لنقصه عن أهلية الولاء، نعم إن علق سيده عتقه بتكفيره بالعتق كإن أعتقت عن كفارتك فنصيبي منك حر قبله أو معه صح؛ لزوال المانع به، أما إذا لم يكن له مال فيكفر بالصوم أي في نوبته بغير إذن وفي نوبة سيده أو حيث لا مهايأة بالإذن.
[فرع] تتكرر الكفارة بتكرر أيمان القسامة كتكرر اليمين الغموس (١) ; لأن كلا منها مقصود في نفسه بخلاف تكريرها في نحو لا أدخل وإن تفاصلت ما لم يتخللها تكفير، وبتعدد الترك في نحو لأسلمن عليك كلما مررت؛ عملا بقضية كلما، ولأعطينك كذا كل يوم، ولو جمع بين النفي والإثبات كوالله لآكلن ذا ولا أدخل الدار اليوم لم يحنث إلا بترك المثبت وفعل المنفي معا.