أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. أَوْ تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُ الحِنْثِ، وَقِيلَ الحِنْثُ. وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ عَلَى حِنْثٍ جَائِزٍ قِيلَ: وَحَرَامٍ، قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
(أو) على (ترك مندوب) كنافلة (أو فعل مكروه) كاستعمال متشمس (سن حنثه، وعليه كفارة) ; لأنه ﷺ قال ((من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)) (أو) على فعل مندوب أو ترك مكروه كره حنثه، أو على (ترك مباح أو فعله) كدخول دار وأكل طعام كلا آكله أنا (فالأفضل ترك الحنث)؛ إبقاءً لتعظيم الاسم، نعم إن كان من شأنه تعلق غرض ديني بفعله أو تركه كلا يأكل طيبا أو لا يلبس ناعما، فإن قصد التأسي بالسلف أو الفراغ للعبادة فهي طاعة فيكره الحنث فيها وإلا فهي مكروهة فيندب فيها الحنث، (وقيل) الأفضل (الحنث)؛ لينتفع المساكين بالكفارة، نعم لو كان في عدم الحنث أذى للغير كأن حلف لا يدخل أو لا يأكل أو لا يلبس كذا ونحو صديقه يكرهه كان الأفضل الحنث قطعا.
[تنبيه] قد تجب اليمين (١) إذا تعينت للدفع عن ما لا يباح بالإباحة كنفس أو بضع (٢). (وله) أي الحالف بعد اليمين (تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز) -أي غير حرام؛ ليشمل الأقسام الخمسة الباقية- للخبر الصحيح ((فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير)) ; لأن سبب وجوبها اليمين والحنث جميعا والتقديم على أحد السببين (٣) جائز، نعم الأولى تأخيرها عنهما خروجا من الخلاف، ومرَّ أن من حلف على ممتنع البر يكفر حالا بخلافه على ممكنه، فإن وقت الكفارة فيه يدخل بالحنث. أما الصوم فيمتنع تقديمه على الحنث; لأنه عبادة بدنية، (قيل و) على حنث (حرام، قلت: هذا أصح، والله أعلم) فلو حلف لا يزني فكفر ثم زنى لم تلزمه كفارة أخرى; لأن الحظر في الفعل ليس من حيث اليمين؛ لحرمة المحلوف عليه قبلها وبعدها فالتكفير لا يتعلق به استباحة. وشرط إجزاء العتق المعجلة كفارته بقاء العبد حيا مسلما
стр. 1892
وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ عَلَى الْعَوْدِ. وَقَتْلٍ عَلَى المَوْتِ. وَمَنْذُورٍ مَالِيٍّ.
فصل
يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظِّهَارِ، وَإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ حَبٍّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ،
إلى الحنث. ولو قدمها ولم يحنث استرجع إن شرط أو علم القابض التعجيل وإلا فلا. ولو أعتق ثم مات مثلا قبل حنثه وقع العتق تطوعا; لتعذر الاسترجاع فيه؛ لأنه لَمِّا لم يقع هنا حنثٌ بان أن العتق تطوع من غير سبب (و) يجوز تقديم (كفارة ظهار على العود) إذا كفر بغير صوم كأن ظاهر من رجعية ثم كفَّر ثم راجعها، وكأن طلق رجعيا عقب ظهاره ثم كفر ثم راجع، أما عتقه عقب ظهاره فهو تكفير مع العود; لأن اشتغاله بالعتق عود وذلك لوجود أحد السببين، ومن ثم امتنع تقديمها على الظهار (و) يجوز تقديم كفارة (قتل على الموت) وبعد وجود سببه من جرح أو نحوه (و) يجوز تقديم (منذور مالي) على ثاني سببيه كما إذا نذر تصدقا أو عتقا إن شفي مريضه أو عقب شفائه بيوم فأعتق أو تصدق قبل الشفاء.
(فصل) في بيان كفارة اليمين
(يتخير) الرشيد (١) الحر ولو كافرا (في كفارة اليمين بين عتق كالظهار) -أي كإعتاق عن كفارته- وهو إعتاق رقبة (٢) كاملة مؤمنة بلا عيب يخل بالعمل أو الكسب ولو نحو غائب علمت حياته أو بانت كما مر. وهو (٣) أفضلها ولو في زمن الغلاء (وإطعام عشرة مساكين كلِّ مسكين مد حب) أو غيره مما يجزئ في الفطرة (من غالب قوت البلد) في غالب السنة أي بلد المكفِّر، فلو أذن لأجنبي أن يكفر عنه اعتبر بلده لا بلد الآذن (٤).
стр. 1893
أَوْ كِسْوَتِهِمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إزَارٍ لَا خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمِنْطَقَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ صَلَاحِيَتُهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ فَيَجُوزُ سَرَاوِيلُ صَغِيرٍ لِكَبِيرٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقُطْنٌ وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ لِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَلَبِيسٌ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ،
ولا يجوز صرف أقلّ من مد لكل واحد ولا لدون عشرة ولو في عشرة أيام (أو كسوتهم (١) بما يسمى كسوة) ويعتاد لبسه بأن يعطيهم ذينك على جهة التمليك وإن فاوت بينهم في الكسوة (كقميص) ولو بلا كم (أو عمامة) وإن قلّت (أو إزار) أو مقنعة (٢) أو رداء أو منديل يحمل في اليد أو الكم؛ لقوله تعالى ((فكفارته إطعام عشرة مساكين)) الآية (لا) ما لا يسمى كسوة، ولا ما لا يعتاد كالجلود فإن اعتيدت أجزأت، فمن الأول نحو (خف وقفازين) ودرع من نحو حديد ومداس ونعل وجورب وقلنسوة وقبع (٣) وطاقية (٤) (ومنطقة) وتكة (٥) وفصادية وخاتم وتبان (٦) لا يصل للركبة وبساط وهميان (٧) وثوب طويل أعطاه للعشرة قبل تقطيعه بينهم; لأنه ثوب واحد، وبه فارق ما لو وضع لهم عشرة أمداد وقال ملكتكم هذا بالسوية أو أطلق؛ لأنها أمداد مجتمعة. وأفهم التخيير امتناع التبعيض كأن يطعم خمسة ويكسو خمسة. (ولا يشترط) كونه مخيطا ولا ساترا للعورة، ولا (صلاحيته للمدفوع إليه فيجوز سراويل) ونحو قميص (صغير) أي دفعه (لكبير لا يصلح له وقطن وكتان وحرير) وصوف ونحوها (لامرأة ورجل) ; لوقوع اسم الكسوة على الكل ولو متنجسا لكن عليه أن يعرفهم به؛ لئلا يُصَلُّوا فيه، وقضيته أن كل من أعطى غيره ملكا أو عارية مثلا ثوبا به نجس خفي غير معفو عنه بالنسبة لاعتقاد الآخذ عليه إعلامه به؛ حذرا من أن يوقعه في صلاة فاسدة (ولبيس) -أي ملبوس كثيرا- إن (لم تذهب) عرفا (قوته) باللبس كالحَبِّ العتيق بخلاف ما ذهبت قوته -كالمهلهل النسيج الذي لا يقوى على الاستعمال ولو جديدا- ومرقع لبلىً ومنسوج من جلد
стр. 1894
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ غَابَ مَالُهُ انْتَظَرَهُ وَلَا يَصُمْ، وَلَا يُكَفِّرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً، وَقُلْنَا يَمْلِكُ، وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ غَابَ مَالُهُ انْتَظَرَهُ وَلَمْ يَصُمْ، وَلَا يُكَفِّرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً، وَقُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُ، بَلْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ، فَإِنْ ضَرَّهُ وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ صَامَ بِلَا إذْنٍ، أَوْ وُجِدَا بِلَا إذْنٍ لَمْ يَصُمْ إلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا فَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الحَلِفِ،
ميتة وإن اعتيد. (فإن عجز) بالطريق السابق (١) في كفارة الظهار (عن) كل من (الثلاثة) المذكورة (لزمه صوم ثلاثة أيام)؛ للآية إذ هي مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء (ولا يجب تتابعها في الأظهر)؛ لإطلاق الآية (وإن غاب ماله) لمسافة القصر أو دونها (انتظره، ولا يصم) ; لأنه واجد. ولا حاجة هنا إلى التعجيل; لأنها واجبة على التراخي أصالة، وحيث لم يأثم بالحلف وإلا لزمه الحنث والكفارة فورا. (ولا يكفر) محجور عليه بسفه (٢) أو فلس بالمال بل بالصوم; لأنه ممنوع من التبرع. ولو زال حجره قبل الصوم امتنع; لأن العبرة بوقت الأداء لا الوجوب. ولا يكفر عن ميت بأزيد الخصال قيمة بل يتعين أقلها أو إحداها إن استوت قيمها، ولا (عبد بمال)؛ لعدم ملكه (إلا إذا ملَّكه سيده) أو غيره (طعاما أو كسوة) ليكفر بهما أو مطلقا (وقلنا) بالضعيف (إنه يملك) ثم أذن له في التكفير فإنه يكفر، نعم لسيده بعد موته أن يكفر عنه بغير العتق من إطعام أو كسوة; لأنه حينئذ لا يستدعي دخوله في ملكه بخلافه في الحياة، ولزوال الرق بالموت، ولسيد المكاتب أن يكفر عنه بذلك بإذنه، وللمكاتب بإذن سيده التكفير بذلك أيضا، وفارق العتق بأن القن ليس من أهل الولاء (بل يكفر) حتى في المُرَتَّبة كالظهار (بصوم)؛ لعجزه عن غيره (فإن ضره) الصوم في الخدمة (وكان حلف وحنث بإذن سيده صام بلا إذن) وليس له منعه؛ لإذنه في سببه، (أو وجدا) أي الحلف والحنث (بلا إذن لم يصم إلا بإذن) ; لأنه لم يأذن في سببه والفرض أنه يضره، فإن شرع فيه جاز له تحليله، أما إذا لم يضره ولا أضعفه فلا يجوز له منعه منه مطلقا، (وإن أذن في أحدهما فالأصح اعتبار الحلف)
стр. 1895
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ يُكَفِّرُ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَا عِتْقٍ
; لأن إذنه فيه إذن فيما يترتب عليه لكن المعتمد اعتبار الحنث; لأن اليمين مانعة منه فليس إذنه فيها إذنا في التزام الكفارة. وخرج بالعبد الأمة التي تحل له فلا يجوز لها بغير إذنه صوم مطلقا تقديما لاستمتاعه; لأنه ناجز أما أمة لا تحل له فكالعبد فيما مر (ومن بعضه حر وله مال يكفر بطعام أو كسوة) لا صوم; لأنه واجد، و (لا عتق)؛ لنقصه عن أهلية الولاء، نعم إن علق سيده عتقه بتكفيره بالعتق كإن أعتقت عن كفارتك فنصيبي منك حر قبله أو معه صح؛ لزوال المانع به، أما إذا لم يكن له مال فيكفر بالصوم أي في نوبته بغير إذن وفي نوبة سيده أو حيث لا مهايأة بالإذن.
[فرع] تتكرر الكفارة بتكرر أيمان القسامة كتكرر اليمين الغموس (١) ; لأن كلا منها مقصود في نفسه بخلاف تكريرها في نحو لا أدخل وإن تفاصلت ما لم يتخللها تكفير، وبتعدد الترك في نحو لأسلمن عليك كلما مررت؛ عملا بقضية كلما، ولأعطينك كذا كل يوم، ولو جمع بين النفي والإثبات كوالله لآكلن ذا ولا أدخل الدار اليوم لم يحنث إلا بترك المثبت وفعل المنفي معا.
стр. 1896
فصل
حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا أَوْ لَا يُقِيمُ فِيهَا فَلْيَخْرُجْ فِي الحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ بِلَا عُذْرٍ حَنِثَ، وَإِنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ،
(فصل) في الحلف على السكنى والمساكنة وغيرهما
الأصل في هذا وما بعده (١) أن الألفاظ تحمل على حقائقها (٢) إلا أن يتعارف المجاز أو يريد دخوله فيدخل أيضا، فلا يحنث أمير حلف لا يبني داره وأطلق إلا بفعله بخلاف ما لو أراد منع نفسه وغيره فيحنث بفعل غيره أيضا; لأنه بنيته ذلك صيّر اللفظ مستعملا في حقيقته ومجازه. وفي أصل الروضة: ((الأصل في البر والحنث اتباع مقتضى اللفظ، وقد يتطرق إليه التقييد والتخصيص بنية تقترن به أو باصطلاح خاص أو قرينة))، وهذا الأصل الذي ذكره عكس للأصل المتقدم أول الفصل (٣)؛ لأن في الأصل الأول تغليظا بالتعميم بالنية (٤).
إذا (حلف لا يسكنها) أي هذه الدار أو دارا (أو لا يقيم فيها) وهو فيها عند الحلف (فليخرج) -إن أراد السلامة من الحنث- بنية التحول في كل من مسألة الإقامة والسكنى أي إن كان متوطنا فيه قبل حلفه فلو دخله لنحو تفرج فحلف لا يسكنه لم يحتج لنية التحول قطعا (في الحال) ببدنه فقط; لأنه المحلوف عليه ولا يكلف الهرولة ولا الخروج من أقرب البابين، نعم إن عدل لباب من السطح مع القدرة على غيره حنث; لأنه بالصعود في حكم المقيم، أما بغير نية التحول فيحنث; لأنه مع ذلك ساكن أو مقيم عرفا، (فإن مكث) ولو لحظة (بلا عذر) بخلافه لنحو عطش لا يحتمل عادة (حنث وإن بعث متاعه) وأهله; لأنه مع ذلك يسمى
стр. 1897
وَإِنِ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الخُرُوجِ: كَجَمْعِ مَتَاعٍ وَإِخْرَاجِ أَهْلٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الحَالِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلِّ جَانِبٍ مَدْخَلٌ فِي الْأَصَحِّ
ساكنا ومقيما. أما إذا مكث لعذر كأن أغلق عليه الباب أو طرأ عليه عقب الحلف نحو مرض منعه من الخروج ولم يجد من يخرجه أو خاف على نحو ماله لو خرج فمكث ولو ليلة أو أكثر فلا حنث. وضابط المرض أن يشق معه الخروج مشقة لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم، نعم متى أمكنه استئجار من يحمله بأجرة مثل وجدها فترك حنث، وقليل المال ككثيره، ومن العذر الخوف على الاختصاص إن كان له وقع عرفا، وكذا لو ضاق وقت فرض بحيث لو خرج قبل أن يصليه لم يدركه كاملا في الوقت; لأن الإكراه الشرعي كالحسي كما مر (١). ولو خرج ثم عاد إليها لنحو زيارة أو عيادة لم يحنث ما دام يسمى عرفا زائرا أو عائدا وإلا حنث (٢). وخرج بقولنا وهو فيها عند الحلف ما لو حلف كذلك وهو خارجها فينبغي حنثه بدخولها مع إقامته لحظة يحصل بها الاعتكاف بغير عذر (وإن) نوى التحول لكنه (اشتغل بأسباب الخروج) -ولم تمكنه الاستنابة (٣) - (كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب) يليق بالخروج لا غير (لم يحنث) ; لأنه لا يعد مع ذلك ساكنا وإن طال مقامه لأجله، ويراعى في لبثه لذلك ما اعتيد من غير إرهاق. ولو وجد من ينيبه ولكنه لم يرضَ بأجرة المثل أو رضي بها ولم يقدر الحالف عليها بأن لم يكن معه ما يبقى له مما مر في باب التفليس لم يحنث؛ لعذره (ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما) بنية التحول (في الحال لم يحنث) ; لانتفاء المساكنة، وفي المكث هنا لعذر واشتغال بأسباب الخروج ما مر. (وكذا لو بُني بينهما جدار) من طين أو غيره (ولكل جانب مدخل في الأصح) ; للاشتغال برفع المساكنة، ولكن الأصح الحنث (٤) ; لحصول المساكنة إلى تمام البناء من غير ضرورة، هذا إن كان البناء بفعل الحالف أو
стр. 1898
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا وَهُوَ فِيهَا أَوْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ خَارِجٌ فَلَا حِنْثَ بِهَذَا، أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ أَوْ لَا يَلْبَسُ أَوْ لَا يَرْكَبُ أَوْ لَا يَقُومُ أَوْ لَا يَقْعُدُ فَاسْتَدَامَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ حَنِثَ
أمره وحده أو مع الآخر وإلا حنث قطعا. وخرج بهذه الدار ما لو أطلق المساكنة، فإن نوى معينا اختص به كأن نوى أنه لا يساكنه في بلد كذا، وإن لم ينو معينا حنث بالمساكنة في أي موضع كان، وليس من المساكنة تجاورهما ببيتين من خان وإن صغر واتحد مرقاه (١) ولو لم يكن لكلٍّ باب (٢) ولا من دار كبيرة إن كان لكل باب وغلق، وكذا لو انفرد أحدهما بحجرة انفردت بجميع مرافقها وإن اتحدت الدار والممر (ولو حلف لا يدخلها) أي الدار (وهو فيها أو لا يخرج) منها (وهو خارج) أوْ لا يملك هذه العين وهو مالكها فاستدام ملكها (فلا حنث بهذا) ; لأن حقيقة الدخول الانفصال من خارج لداخل والخروج عكسه ولم يوجدا في الاستدامة ولأنهما لا يتقدران بمدة، نعم لو نوى بعدم الدخول الاجتناب فأقام أو بعدم الخروج أن لا ينقل أهله مثلا فنقلهم حنث، (أو) حلف (لا يتزوج) أو لا يتسرى (أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد) أو لا يشارك فلانا (٣) أو لا يستقبل القبلة (فاستدام هذه الأحوال حنث) ; لأنها تقدر بزمان كلبست يوما وركبت ليلة وشاركته شهرا وكذا البقية. وإذا حنث باستدامة شيء ثم حلف أن لا يفعله فاستدامه لزمه كفارة أخرى؛ لانحلال اليمين الأولى بالاستدامة الأولى، فلو حلف كلما لبستِ فأنتِ طالق تكرر الطلاق بتكرر الاستدامة فتطلق بمضي ثلاث لحظات وهي لابسة، ولو حلف وهو لابس أن لا يلبس إلى وقت كذا حنث باستدامة اللبس ولو لحظة؛ حملا على أن لا يوجد لبس قبل ذلك الوقت، نعم لو حلف لا يتختم وهو لابس الخاتم فاستدامه لم يحنث؛ لأن صيغة التفعل تقتضي إيجاد معناه للفاعل والاستدامة ليس فيها ذلك فلم يمكن التقدير هنا بمدة بخلاف صيغة أصل الفعل كاللبس، وعليه فلو حلف لا يلبس هذا الخاتم وهو لابسه حنث بالاستدامة ويستوي
стр. 1899
قُلْتُ: تَحْنِيثُهُ بِاسْتِدَامَةِ التَّزَوُّجِ، وَالتَّطَهُّرِ غَلَطٌ لِذُهُولٍ، وَاسْتِدَامَةُ طِيبٍ لَيْسَتْ تَطَيُّبًا فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا وَطْءٌ وَصَوْمٌ وَصَلَاةٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا حَنِثَ بِدُخُولِ دِهْلِيزٍ دَاخِلَ الْبَابِ، أَوْ بَيْنَ بَابَيْنِ لَا بِدُخُولِ طَاقٍ قُدَّامَ الْبَابِ،
في ذلك النحوي وغيره (قلت: تحنيثه (١) باستدامة التزوج والتطهر غلط لذهول) ; إذ لا يقدران بمدة كالدخول والخروج فلا يقال تزوجت ولا تسريت ولا تطهرت شهرا مثلا بل منذ شهر، ومحل عدم الحنث فيهما إن لم ينو استدامتهما وإلا حنث بها جزما، (واستدامة طيب ليست تطيبا في الأصح)؛ إذ لا يُقَدَّر عادة بمدة، (وكذا وطء) وغصب (وصوم (٢) وصلاة (٣) فلا يحنث باستدامتها في الأصح، (والله أعلم) وكل عقد أو فعل يحتاج لنية لا تكون استدامته كابتدائه. ولو حلف لا يغصب فاستدام فلا يحنث؛ إذ استدامة الغصب ليست غصباً حقيقة بل حكماً، واستدامة السفر سفر ولو بالعود منه، نعم إن حلف على الامتناع منه لم يحنث بالعود. وعُلم مما تقرر أن كل ما يُقَدَّر عرفا بمدة من غير تأويل يكون دوامه كابتدائه فيحنث باستدامته وما لا فلا. ولو حلف لا يقيم بمحل ثلاثة أيام وأطلق فأقام به يومين ثم سافر ثم عاد فأقام به يوما لم يحنث (٤). ولو حلف لا تمكث زوجته في الضيافة أكثر من ثلاثة أيام فخرجت منها الثلاث فأقل ثم رجعت إليها فلا حنث نظير ما مر. (ومن حلف لا يدخل دارا) عيَّنها ومثلها نحو المدرسة والرباط والمسجد (حنث بدخول دِهليز) وإن طال (داخل الباب أو بين بابين) ; لأنه حينئذ من الدار، ومحله إن لم يكن فيه باب دار أخرى وإلا فحكمه ما يأتي في الدرب أمام الباب المسقف الذي عليه باب (لا بدخول طاق (٥) معقود (قدام الباب) ; لأنه ليس منها عرفا وإن كان مبنيا على تربيعها ويدخل في بيعها، نعم إن جعل عليه باب حنث
стр. 1900
وَلَا بِصُعُودِ سَطْحٍ غَيْرِ مُحَوَّطٍ وَكَذَا مُحَوَّطٌ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ وَضَعَ رِجْلَيْهِ فِيهَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا حَنِثَ، وَلَوِ انْهَدَمَتْ الدَّارُ فَدَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ أَسَاسُ الحِيطَانِ حَنِثَ، وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً أَوْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا فَلَا
بدخوله ولو غير مسقف. ولا يحنث بدخول إصطبل خارج عن حدودها، وكذا إن دخل فيها وليس فيه باب إليها (ولا) بدخول بستان بلصقها إن لم يعدَّ من مرافقها، ولا (بصعود سطح غير محوط) من خارجها; لأنه ليس من داخلها لغة ولا عرفا، وبه يعلم أنه لو حلف لا يخرج منها فصعده حنث أو ليخرجن فصعده بر (وكذا محوط) من الجوانب الأربعة بحجر أو غيره (في الأصح)؛ لما ذكر، نعم إن كان مسقفا كله أو بعضه ودخل (١) تحت السقف حنث إن كان يصعد إليه منها; لأنه كبيت منها، (ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله) أو رجليه غير معتمد (لم يحنث) ; لأنه لا يسمى داخلا، (فإن وضع رجليه فيها معتمدا عليهما) أو رجلا واحدة واعتمد عليها وحدها بأن كان لو رفع الأخرى لم يقع وباقي بدنه خارج (حنث) ; لأنه يسمى داخلا بخلاف ما إذا لم يعتمد كذلك كأن اعتمد على الداخلة والخارجة معا. ولو أدخل جميع بدنه لكن لم يعتمد على شيء منهما لتعلقه بنحو حبل حنث أيضا، ويقاس بذلك الخروج. ولو تعلق بغصن شجرة في الدار فإن أحاط به بناؤها بأن علا عليه (٢) حنث وإلا فلا، (ولو انهدمت الدار) المحلوف عليها بأن قال هذه الدار (فدخل وقد بقي) شيء من بارز من (أساس الحيطان) أو بعضه وإن قلّ (حنث) ; لأنها منها فكأنه دخلها، وأما إذا صارت ساحة فلا حنث وكالساحة ما إذا صارت تسمى طريقا وإن بقي بعض حيطانها، وأما لو قال دارا فكذلك (٣) على الأوجه. ولو قال هذه -أي بدون لفظ الدار- حنث مطلقا (وإن صارت فضاء) وهو الساحة الخالية من البناء (أو جعلت مسجدا أو حماما أو بستانا فلا) حنث؛ لزوال مسمى الدار بحدوث اسم آخر لها، ومن ثم انحلت اليمين، فلو أعيدت لم يعد الحنث إلا إن اعيدت بآلتها الأولى أي أعيد منها بها ولو الأساس فقط.
стр. 1901
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ حَنِثَ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهَا بِمِلْكٍ، لَا بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ وَغَصْبٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْكُنُهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ أَوْ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فَبَاعَهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا فَدَخَلَ وَكَلَّمَهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَقُولَ دَارَهُ هَذِهِ أَوْ زَوْجَتَهُ هَذِهِ أَوْ عَبْدَهُ هَذَا فَيَحْنَثُ
(ولو حلف لا) يأكل طعام زيد وأطلق فأضافه لم يحنث؛ بناء على الأصح السابق أن الضيف يتبين بازدراده أنه ملكه به، أوْ لا (يدخل دار زيد) أو حانوته (حنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب) وإيصاء بمنفعتها له ووقف عليه; لأن الإضافة إلى من يملك تقتضي ثبوت الملك حقيقة، ومن ثم لو قال هذه لزيد لم يقبل تفسيره بأنه يسكنها - (إلا أن يريد مسكنه) فيحنث بكل ذلك; لأنه مجاز قريب، نعم لا تقبل إرادته هذه في حلف بطلاق وعتاق ظاهرا- (ويحنث بما يملكه) جميعه، وإن طرأ له بعد الحلف (ولا يسكنه) إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث به؛ عملا بقصده. ولو اشتهرت الإضافة للتعريف في نحو دار أو سوق حنث بدخولها مطلقا كدار الأرقم بمكة وسوق يحيى ببغداد؛ لتعذر حمل الإضافة على الملك، وفارق المتجدد هنا لا أكلم ولد فلان فإنه يحمل على الموجود دون المتجدد; لأن اليمين تُنَزَّل على ما للحالف قدرة على تحصيله.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده أو) لا يكلم (زوجته فباعهما) -أي الدار والعبد بيعا بتا أو بشرط الخيار للمشتري، وكذا لهما إن أجيز البيع- وهو مثال والمراد فأزال ملكه عنهما أو عن بعضهما وإن قل (أو طلقها) بائنا; إذ الرجعية زوجة (فدخل) الدار (وكلمه) أي العبد أو الزوجة (لم يحنث)؛ تغليبا للحقيقة؛ لزوال الملك بالبيع والزوجية بالطلاق. ولو اشترى بعد بيعهما غيرهما فإن أطلق أو أراد أي دار أو عبد ملكه حنث بالثاني أو التقييد بالأول فلا (إلا أن يقول داره هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا) أو يريد أي دار أو عبد جرى عليه ملكه أو أي امرأة جرى عليها نكاحه (فيحنث)؛ تغليبا للإشارة على الإضافة، وأُلحق بالتلفظ بالإشارة نيتها. ولو حلف لا يأكل لحم هذه السخلة فكبرت وأكله لم يحنث، وفارقت نحو دار زيد هذه بأن الإضافة فيها عارضة فلم ينظر إليها بل لمجرد الإشارة الصادقة بالابتداء والدوام، وفي تلك لازمة؛ للزوم الاسم أو الصفة ولأن زوالها يتوقف على تغيير بعلاج أو خلقة فاعتبرت مع الإشارة وتعلقت اليمين بمجموعهما، فإذا زال أحدهما ككونهما سخلة في ذلك المثال زال المحلوف عليه، وبهذا يعلم أنه لو زال اسم العبد بعتقه واسم الدار بجعلها مسجدا لم يحنث وإن أشار
стр. 1902
إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَا دَامَ ملكَُه. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا مِنْ ذَا الْبَابِ فَنُزِعَ وَنُصِبَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا لَمْ يَحْنَثْ بِالثَّانِي، وَيَحْنَثُ بِالْأَوَّلِ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا حَنِثَ بِكُلِّ بَيْتٍ مِنْ طِينٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ خَشَبٍ أَوْ خَيْمَةٍ وَلَا يَحْنَثُ بِمَسْجِدٍ وَحَمَّامٍ وَكَنِيسَةٍ وَغَارِ جَبَلٍ
(إلا أن يريد) الحالف بقوله هذه أو هذا (ما دام ملكَُه) فلا يحنث بدخول أو تكليم بعد زواله بملك أو طلاق; لأنها إرادة قريبة، ويأتي في قبول هذا في الحلف بطلاق أو عتق ما مر آنفا (١). ولو قال ما دام في إجارته وأطلق فالمتبادر منه عرفا ما دام مستحقا لمنفعته فتنحل الديمومة بإيجاره لغيره ثم استئجاره منه. ولو حلف لا يدخل هذا ما دام فلان فيه فخرج فلان ثم دخل الحالف ثم فلان لم يحنث باستدامة مكثه; لأن استدامة الدخول ليست بدخول ويحنث بعوده إليه وفلان فيه؛ لبقاء اليمين إن أراد بمدة دوامه فيه ذلك الدوام وما بعده بخلاف ما إذا أطلق فلا يحنث. (ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب فنزع) بابها الخشب مثلا (ونصب في موضع آخر منها لم يحنث بالثاني) وإن سد الأول (ويحنث بالأول في الأصح) ; لأن الباب إذا أطلق انصرف للمنفذ; لأنه المحتاج إليه في الدخول دون الخشب، وقوله ونصب إلى آخره قيد للخلاف؛ إذ لو طرح أو أتلف ودخل من الثاني لم يحنث قطعا. ولو أراد الخشب قُبِل قطعا، أما لو لم يشر (٢) فقال من بابها فإنه يحنث بالثاني أيضا; لأنه يسمى بابا لها. (أو) حلف (لا يدخل بيتا حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خشب) أو قصب، ويشترط في بيت القصب أن يكون مُحْكَماً (أو خيمة) اتخذت مسكنا (٣) أو بيت شَعَرٍ أو جلد وإن كان الحالف حضريا; لأن البيت يطلق على جميع ذلك حقيقة لغة كما يحنث بجميع أنواع الخبز أو الطعام وإن اختص بعض النواحي بنوع أو أكثر منه; إذ العادة لا تخصص. ولو ذكر البيت بالفارسية لم يحنث بنحو الخيمة; لأنهم لا يطلقونه إلا على المبني، ويظهر في غير الفارسية والعربية أنه يتبع عرفهم أيضا، (ولا يحنث بمسجد) بخلاف خلوة فيه (وحمام وكنيسة) أي محل العبادة، أما لو دخل بيتا فيها فيحنث (وغار) غير متخذٍ للسكنى (جبل) وبيت الرحا; لأنها لا تسمى بيوتا
стр. 1903
أَوْ لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ فَدَخَلَ بَيْتًا فِيهِ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ حَنِثَ، وَفِي قَوْلٍ أنَّهُ إنْ نَوَى الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ لَمْ يَحْنَثْ، فَلَوْ جَهِلَ حُضُورَهُ فَخِلَافُ حِنْثِ النَّاسِي. قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَطْلَقَ حَنِثَ فِي الْأَظْهَرِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
فصل
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ حَنِثَ بِرُءُوسٍ تُبَاعُ وَحْدَهَا،
عرفا مع حدوث أسماء خاصة لها. ولا يحنث أيضا بساحة نحو المدرسة والرباط وأبوابها بخلاف بيت فيها.
[تنبيه] يُعلم مما تقرر أن البيت غير الدار، ومن ثم قالوا لو حلف لا يدخل بيت فلان فدخل داره دون بيته لم يحنث، أوْ لا يدخل داره فدخل بيته فيها حنث (أو) حلف (لا يدخل على زيد فدخل بيتا فيه زيد وغيره حنث) إن علم به وذكر الحلف واختار الدخول. وخرج ببيتا دخوله عليه في نحو مسجد وحمام مما لا يختص به عرفا، (وفي قول أنه إن نوى الدخول على غيره دونه لم يحنث) كما يأتي في السلام عليه، (ولو جهل حضوره فخلاف حنث الناسي) والجاهل، والأصح عدم حنثهما كالمكره، نعم لو قال لا أدخل عليه عالما ولا جاهلا حنث مطلقا، وكذا في سائر الصور، (قلت: ولو حلف لا يسلم عليه فسلم على قوم هو فيهم) وكان بحيث يسمعه وإن لم يسمعه أو كان به نحو جنون بشرط أن يكون بحيث يعلم بالكلام (واستثناه) ولو بقلبه (لم يحنث) ; لما مر، (وإن أطلق حنث) إن علم به (في الأظهر والله أعلم) ; لأن العام يجري على عمومه ما لم يخصص. ولا يحنث بالسلام عليه من الصلاة.
(فصل) في الحلف على الأكل والشرب وما تتناوله بعض المأكولات
لو (حلف لا يأكل (١) رءوس الشوى اختص بالغنم، أوْ لا يأكل (الرءوس) أو لا يشتريها مثلا (ولا نية له حنث برءوس) بل أو رأس أو بعضه (٢) (تباع وحدها) أي من شأنها
стр. 1904
لَا طَيْرٍ وَحُوتٍ وَصَيْدٍ إلَّا بِبَلَدٍ تُبَاعُ فِيهِ مُفْرَدَةً، وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ عَلَى مُزَايِلِ بَائِضِهِ فِي الحَيَاةِ كَدَجَاجٍ وَنَعَامٍ وَحَمَامٍ لَا سَمَكٍ وَجَرَادٍ
ذلك وافق عرف بلد الحالف أوْ لا، وهي رءوس الغنم وكذا الإبل والبقر; لأن ذلك هو المتعارف (لا طير) وخيل (وحوت وصيد) برِّي أو بحري كالظباء; لأنها لا تفرد بالبيع فلا تفهم من اللفظ عند الإطلاق (إلا) إن كان الحالف (ببلد) أي من أهل بلد علم أنها (١) (تباع فيه مفردة) عن أبدانها وإن حلف خارجه; لأنه يسبق إلى فهمه عرف بلده فيحنث بأكلها فيه قطعا; لأنها حينئذ كرءوس الأنعام، وكذا يحنث في أكلها في غير ذلك البلد على الأقوى. وخرج بـ ((لا نية له)) ما لو نوى شيئا من ذلك فإنه يعمل به، وإنما اتبع هنا العرف وفي البيت اللغة كما مر؛ عملا بالقاعدة أن اللغة متى شملت واشتهرت ولم يعارضها عرف أشهر منها اتبعت، وهو الأصل فإن اختل أحد الأولين اتبع العرف إن اشتهر واطرد وإلا فيرجع إلى اللغة، ومحله حيث لا قرينة ترشد للمقصود (والبيض (٢) إذا حلف لا يأكله ولا نية له (يحمل على مزايل) أي مفارق (بائضه في الحياة) بأن يكون من شأنه أنه يفارقه فيها ويؤكل منفردا (كدجاج ونعام وحمام) وإوز وبط وعصافير; لأنه المفهوم عند الإطلاق، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره; لحل أكله مطلقا، فعلم أنه يحنث بمتصلب خرج بعد الموت، وأنه لا فرق في الحنث بين أكله وحده أو مع غيره إذا ظهر فيه بخلاف ما إذا أكله في شيء لا تظهر صورته فيه كالناطف (٣). ولو حلف ليأكلن مما في كمه وحلف لا يأكل البيض فكان ما في كمه بيضا فجعل في ناطف وأكله برَّ. ولو قال ليأكلن هذا البيض لم يبر بجعله في ناطف (لا) بيض (سمك) ; لأنه إنما يزايله بعد الموت بشق البطن (وجراد)؛ لأنه لا يؤكل منفردا، أما إذا نوى شيئا فيعمل به، ولا يدخل في السمك ما لا يسمى سمكا عرفاً نحو الدنيلس.
стр. 1905
وَاللَّحْمُ عَلَى نَعَمٍ وَخَيْلٍ وَوَحْشٍ وَطَيْرٍ لَا سَمَكٍ وَشَحْمِ بَطْنٍ، وَكَذَا كَرِشٌ وَطِحَالٌ وَكَبِدٌ وَقَلْبٌ فِي الْأَصَحّ، وَالْأَصَحُّ تَنَاوُلُهُ لَحْمَ رَأْسٍ وَلِسَانٍ وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَجَنْبٍ، وَأَنَّ شَحْمَ الظَّهَرِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الشَّحْمُ، وَأَنَّ الْأَلْيَةَ وَالسَّنَامَ لَيْسَا شَحْمًا وَلَا لَحْمًا، وَالْأَلْيَةُ لَا تَتَنَاوَلُ سَنَامًا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا، وَالدَّسَمُ يَتَنَاوَلُهُمَا، وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَبَطْنٍ وَكُلَّ دُهْنٍ، وَلَحْمُ الْبَقَرِ يَتَنَاوَلُ جَامُوسًا
(واللحم) إذا حلف لا يأكله يحمل عند الإطلاق نظير ما قبله (على) مذكى (نعم) وهي الإبل والبقر والغنم (وخيل ووحش وطير)؛ لوقوع اسم اللحم عليها حقيقة دون ما يحرم في اعتقاد الحالف (١) (لا سمك) وجراد; لأنه لا يسمى لحما عرفا أي من غير قيد وإن سميه لغة كما في القرآن كما لا يحنث بالجلوس في الشمس المسماة سراجا وعلى الأرض المسماة بساطا في القرآن مَن حلف لا يجلس في سراج أو على بساط (و) لا (شحم بطن) وعين؛ لمخالفتهما اللحم اسما وصفة، (وكذا كرش وطحال وكبد وقلب) وأمعاء ورئة ومخ، (في الأصح) ; لأنها ليست لحما حقيقة، ولا يحنث بقانصة (٢) الدجاجة قطعا ولا بجلد إلا إن رق بحيث يؤكل غالباً، (والأصح تناوله) أي اللحم (لحم رأس و) لحم (لسان) وخد وأكارع؛ لصدق اسمه على ذلك كله (وشحم ظهر وجنب) وهو الأبيض الذي لا يخالطه الأحمر; لأنه لحم سمين ولهذا يَحْمَرُّ عند الهزال. (و) الأصح (أن شحم الظهر لا يتناوله الشحم) ; لما تقرر أنه لحم بخلاف شحم العين والبطن يتناوله الشحم (وأن الألية والسَّنام ليسا) أي كل منهما (شحما ولا لحما) ; لمخالفتهما كلا منهما اسما وصفة، (والأليةُ لا تتناول سناما ولا يتناولها)؛ لاختلافهما كذلك (والدسم) وهو الودك (٣) إذا حلف لا يأكله وأطلق (يتناولهما و) يتناول (شحم ظهر) وجنب (وبطن) وعين (وكل دهن) مأكول سواء حيواني أو نباتي، فلا يحنث بنحو دهن خروع (٤) ودهن ميتة ولبن (ولحم البقر يتناول) البقر العراب (٥) والبقر الوحشي و (جاموسا (٦) لصدق
стр. 1906
وَلَوْ قَالَ مُشِيرًا إلَى حِنْطَةٍ لَا آكُلُ هَذِهِ حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَبِطَحْنِهَا وَخُبْزِهَا، وَلَوْ قَالَ لَا آكُلُ هَذِهِ الحِنْطَةَ حَنِثَ بِهَا مَطْبُوخَةً وَنِيئَةً وَمَقْلِيَّةً لَا بِطَحِينِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا، وَلَا يُتَنَاوَلُ رُطَبٌ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا، وَلَا عِنَبٌ زَبِيبًا، وَكَذَا الْعَكُوسُ
اسم البقر على الكل. ولا يتناول الضان المعز هنا وعكسه وإن اتحادا جنسا؛ لأن اسم أحدهما لا يطلق على الآخر لغة ولا عرفاً وإن شملهما اسم الغنم.
[فرع] الزفر في عرف العامة يشمل كل لحم ودهن حيواني وبيض ولو من سمك فينبغي حمله على ذلك. ولا تتناول ميتة سمكا وجرادا (١) ولا دم كبد أو طحالا . (ولو قال مشيرا إلى حنطة لا آكل هذه) ولا نية له (حنث بأكلها على هيئتها وبطحنها وخبزها)؛ تغليبا للإشارة.
[تنبيه] محل ما في المتن من الحنث إن أكل الحنطة كلها بأن لم يبقِ شيئاً أصلا أو بقي ما لا يمكن التقاطه فيجب لكي يقع الحنث أن لا يبقى في الرحا دقيق يمكن التقاطه أو في اليد عجين كذلك أو بعض حبة يمكن إدراكها (٢) بل يأكله كله، ولو حلف شخص لا يلبس هذا الثوب لا يحنث إن نزع منه خيطاً يحس ويدرك كطول أصبع، (ولو قال لا آكل هذه الحنطة) فصرح بالاسم مع الإشارة (حنث بها مطبوخة) إن بقيت حباتها (ونيئة ومقلية)؛ لوجود الاسم كلا آكل هذا اللحم فجعله شواء (لا) إذا هرست بأن دُقَّت حتى تفتت لا إن زال قشرها فقط، ولا (بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها) ; لزوال الاسم والصورة. (ولا يتناول رُطَب تمرا ولا بسرا) ولا بلحا ولا خَلالا ولا طلعا (ولا عنب زبيبا) ولا حصرما (٣) (وكذا العكوس)؛ لاختلافها اسما وصفة.
[فائدة] أول التمر طلع ثم خَلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر. ولو حلف لا يأكل رطبا ولا بسرا حنث بالمُنَصِّف، أو رطبة أو بسرة لم يحنث بمُنَصِّفة; لأنها لا تسمى رطبة ولا بسرة .
стр. 1907
وَلَوْ قَالَ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَتَتَمَّرَ فَأَكَلَهُ، أَوْ لَا أُكَلِّمُ ذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ شَيْخًا فَلَا حِنْثَ فِي الْأَصَحِّ. وَالخُبْزُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خُبْزٍ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَأَرُزٍّ وَبَاقِلَّا وَذُرَةٍ وَحِمَِّصٍ، فَلَوْ ثَرَدَهُ فَأَكَلَهُ حَنِثَ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَسَفَّهُ أَوْ تَنَاوَلَهُ بِإِصْبَعٍ حَنِثَ، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ فَلَا، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَبِالْعَكْسِ. أَوْ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا أَوْ مَائِعًا آخَرَ فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ حَنِثَ، أَوْ شَرِبَهُ فَلَا، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَبِالْعَكْسِ. أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا حَنِثَ،
(ولو قال) ولا نية له (لا آكل هذا الرطب فتتمر فأكله، أو لا أكلم ذا الصبي فكلمه) بالغا شابا أو (شيخا فلا حنث في الأصح) ; لزوال الاسم كما في الحنطة، وكذا لا أكلم هذا العبد فعتق، أوْ لا آكل لحم هذه السخلة فصارت كبشا، أو هذا البسر فصار رطبا. (والخبز يتناول كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا وذرة وحِمَِّص) وسائر المتخذ من الحبوب وإن لم يعهد ببلده كما لو حلف لا يلبس ثوبا فإنه يحنث بكل ثوب وإن لم يعهده ببلده، (فلو ثرده فأكله حنث) ; لصدق الاسم، نعم لو صار في المرقة كالحسو فتحساه لم يحنث كما لو دق الخبز اليابس ثم سفه; لأنه استجد اسما آخر. (ولو حلف لا يأكل سويقا فسفه أو تناوله بأصبع) مثلا (حنث) ; لأن ذلك يعد أكلا له، وقضيته أن الابتلاع في نحو خبز وسكر بلا مضغ أكل وهو المعتمد، (وإن جعله في ماء فشربه فلا) حنث إلا إن خثر (١) ; لأنه ليس بشرب (أو) حلف (لا يشربه فبالعكس) فيحنث في الثانية بقيدها (٢) لا الأولى. ولو حلف لا يذوق حنث بإدراك طعمه وإن مجه ولم ينزل منه شيء إلى جوفه، أوْ لا يتناول أوْ لا يطعم حنث حتى بالشرب. (أو) حلف (لا يأكل لبنا) حنث بكل أنواعه من مأكول ولو صيدا حتى نحو الزبد إن ظهر فيه لا نحو جبن وأقط ومصل (٣) (أو مائعا آخر فأكله بخبز حنث) ; لأنه كذلك يؤكل (أو شربه فلا)؛ لعدم الأكل (أو) حلف (لا يشربه فبالعكس) فيحنث في الثانية دون الأولى. ولو حلف لا يأكل نحو عنب لم يحنث بشرب عصيره ولا بمصه ورمي ثفله، أوْ لا يشرب خمرا لم يحنث بالنبيذ وعكسه. (أو) حلف (لا يأكل سمنا فأكله بخبز جامدا) كان (أو ذائبا حنث) ; لأنه أتى
стр. 1908
وَإِنْ شَرِبَهُ ذائِبًا فَلَا، وَإِنْ أَكَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ حَنِثَ إنْ كَانَتْ عَيْنُهُ ظَاهِرَةً. وَيَدْخُلُ فِي فَاكِهَةٍ رُطَبٌ وَعِنَبٌ وَرُمَّانٌ وَأُتْرُجٌّ وَرَطْبٌ وَيَابِسٌ. قُلْتُ: وَلَيْمُونٌ وَنَبِْقٌ وَبِطِّيخٌ وَلُبُّ فُسْتَُقٍ وَ بُنْدُقٍ وَغَيْرِهِمَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا قِثَّاءٌ وَخِيَارٌ وَبَاذِنْجَانٌ وَجَِزَرٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الثِّمَارِ يَابِسٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ أُطْلِقَ بِطِّيخٌ وَتَمْرٌ وَجَوْزٌ لَمْ يَدْخُلْ هِنْدِيٌّ. وَالطَّعَامُ يَتَنَاوَلُ قُوتًا وَفَاكِهَةً وَأُدْمًا وَحَلْوَى
بالمحلوف عليه وزيادة، وبه فارق عدم الحنث في لا آكل مما اشتراه زيد فأكل مما اشتراه زيد وعمرو; لأنه لم يأكل مما اشتراه المحلوف عليه خاصة (وإن شربه ذائبا فلا) يحنث; لأنه لم يأكله، (وإن أكله في عصيدة حنث إن كانت عينه ظاهرة) أي مرئية متميزة في الحس; لوجود اسمه حينئذ بخلاف ما إذا لم تكن متميزة كذلك. (ويدخل في فاكهة) حلف لا يأكلها ولا نية له (رطب وعنب ورمان وأُترُجّ) وتين ومشمش و (رَطْب ويابس) من كل ما يتناوله، سواء استجد له اسم كتمر وزبيب أم لا كتين; لوقوع اسمها على هذه كلها; لأنها مما يتفكه أي يتنعم بأكله مما ليس بقوت. ويدخل فيها موز رطب لا يابس، ولا حنث بما لم ينضج ويطب كحصرم وبلح إلا إن صار البلح بسرا حاليا أو ترطب بعضه، (قلت: و) نارج و (ليمون (١) طريان (ونَبِْق وبطيخ) أصفر أو هندي (ولب فستَُق وبندق وغيرهما) كجوز ولوز (في الأصح، ولا قِثاء (٢) وخيار (٣) وباذِنجان وجَِزر) ; لأنها تعد من الخضراوات لا الفواكه (ولا يدخل في الثمار يابس، والله أعلم) ; لأن الثمر اسم للرطب (ولو أطلق) في الحلف (بطيخ وتمر وجوز لم يدخل هندي) في الجميع (٤)؛ للمخالفة في الصورة والطعم. والهندي من البطيخ هو الأخضر (والطعام يتناول قوتا وفاكهة وأدما وحلوى) -; لوقوعه على الجميع- لا الدواء; لأنه لا يتناوله عرفا.
стр. 1909
وَلَوْ قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبَقَرَةِ تَنَاوَلَ لَحْمَهَا دُونَ وَلَدٍ وَلَبَنٍ، أَوْ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَثَمَرٌ دُونَ وَرَقٍ وَطَرَفِ غُصْنٍ.
فصل في صور منثورة
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ فَأَكَلَهُ إلَّا تَمْرَةً لَمْ يَحْنَثْ،
[فرع] الحلو لا يتناول ما بجنسه حامض كعنب وإجاص ورمان، والحلوى تختص بالمعمول من حُلْو بالمعنى المذكور . (ولو قال لا آكل من هذه البقرة تناول لحمها) ; لأنه المفهوم من ذلك (دون ولد ولبن) نعم يتناول اللحم هنا شحماً وكرشاً وسائر ما مر معهما، (أو) لا يأكل (من هذه الشجرة) والشجر من النبات ما قام على ساق أو ما سما بنفسه دق أو جل قاوم الشتاء أو عجز عنه (فثمر) لها مأكول هو الذي يحنث به (دون ورق وطرف غصن)؛ حملا على المجاز المتعارف؛ لتعذر الحقيقة عرفا، نعم يلحق بالثمر الجمّار (١) وورق اعتيد أكله، وعليه فيعتبر عرف بلد الحالف في ذلك حينئذٍ كرأس نحو حوت. أما إذا لم تتعذر الحقيقة فيحمل عليها مع المجاز الراجح كما لو حلف لا يشرب من ماء النهر الحقيقة الكرع بالفم وكثير يفعلونه والمجاز المشهور الأخذ باليد أو الإناء فيحنث بالكل; لأنهما لمّا تكافآ إذ في كل قوة ليست في الآخر استويا فوجب العمل بهما إذ لا مرجح.
[فرع] لوحلف أن لا يلبس خاتما فالوجه انه يحنث بلبسه في أي أصبع أو أنملة رجلا كان أوامرأة (٢).
(فصل) في صور منثورة ليقاس بها غيرها
لو (حلف) لا يتغدى أوْ لا يتعشى حنث بأكله زيادة يقينا على نصف عادته، ولو اختلفت عادته في الأكل زمانا أو مكانا اعتبر في كل زمان أو مكان ما هو عادته فيه (٣)، أو (لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة) أو بعضها وشك هل هي المحلوف عليها أو غيرها؟ (لم يحنث) ; لأن
стр. 1910
أَوْ لَيَأْكُلَنَّهَا فَاخْتَلَطَتْ لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالجَمِيعِ. أَوْ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَإِنَّمَا يَبَرُّ بِجَمِيعِ حَبِّهَا. أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا حَنِثَ، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَا وَلَا هَذَا حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا،
الأصل براءة ذمته من الكفارة، والورع أن يكفر، فإن أكل الكل حنث لكن من آخر جزء أكله فتعتد في حلف بطلاق من حينئذ; لأنه المتيقن (أو) حلف (ليأكلنها فاختلطت) بتمر وانبهمت (لم يبَر إلا بالجميع) أي أكله؛ لاحتمال أن المتروكة هي المحلوف عليها فاشترط تيقن أكلها، ومن ثم لو اختلطت بجانب من الصبرة أو بما هو بلونها وغيره لم يحتج إلا إلى أكل ما في جانب الاختلاط وما هو بلونها فقط. (أو ليأكلن هذه الرمانة فإنما يبر بجميع) فلا يترك حبة، أما بعض حبة فإن دقّ مدركها لم يؤثر وإلا أثّر (حبها) أي أكله؛ لتعلق اليمين بالكل، ولهذا لو قال لا آكلها فترك حبة لم يحنث (أوْ لا يلبس) هذا أو الثوب الفلاني، أو قيل له البسه فقال والله لا ألبسه فسل منه خيط يُحس ويدرك (١) -كمقدار أصبع- لم يحنث، وفارق لا أساكنك في هذه الدار فانهدم بعضها وساكنه في الباقي بأن المدار هنا على صدق المساكنة ولو في جزء من الدار وثَمَّ على لبس الجميع ولم يوجد، أو لا أركب أو لا أكلم هذا فقطع أكثر بدنه بأن القصد هنا النفس وفي اللبس جميع الأجزاء (هذين لم يحنث بأحدهما) ; لأنه حلف عليهما، فإن نوى لا ألبس منهما شيئا حنث بأحدهما (فإن لبسهما معا أو مرتبا حنث)؛ لوجود لبسهما المحلوف عليه (أوْ لا يلبس هذا ولا هذا حنث بأحدهما) ; لأنهما يمينان حتى لو لبس واحدا ثم واحدا لزمه كفارتان; لأن العطف مع تكرر لا يقتضي ذلك، فإن أسقط لا نحو لا آكل هذا وهذا أو لآكلن هذا وهذا أو اللحم والعنب تعلق الحنث في الأولى والبر في الثانية بهما -وإن فرقهما- لا بأحدهما. أوْ لألبسن هذا أو هذا برّ بلبس واحد; لأن أو إذا دخلت بين إثباتين اقتضت ثبوت أحدهما، أو لا ألبس هذا أو هذا لم يحنث إلا بلبسهما; لأن أو إذا دخلت بين نفيين كفى للبر أن لا يلبس واحدا منهما ولا يضر لبسه لأحدهما كما أنها إذا دخلت بين إثباتين كفى للبر أن يلبس أحدهما ولا يضر أن لا يلبس الآخر، ولو عطف بالفاء أو ثم عمل بقضية كلٍّ من ترتب بمهلة أو عدمها ولو غير نحوي كما أطلقوه لكن قضية ما مر له في أن دخلت بالفتح خلافه وعليه فيتجه في عامي لا نية له أن لا يعتبر ترتيب فضلا عن قيده.
стр. 1911
أَوْ لَيَأْكُلَنَّ ذَا الطَّعَامَ غَدًا فَمَاتَ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ الطَّعَامُ فِي الْغَدِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَكْلِهِ حَنِثَ، وَقَبْلَهُ قَوْلَانِ كَمُكْرَهٍ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْغَدِ حَنِثَ، وَإِنْ تَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَكَمُكْرَهٍ
(أو ليأكلن ذا الطعام) أو ليقضينه حقه أو ليسافرن (غدا فمات) بغير قتله لنفسه أو نسي (قبله) أي الغد ومثله موته أو نسيانه بعد مجيء الغد وقبل تمكنه (فلا شيء عليه) ; لأنه لم يبلغ زمن البر والحنث (وإن مات) أو نسي (أو تلف الطعام) أو بعضه (في الغد بعد تمكنه) من قضائه أو السفر أو (من أكله) بأن أمكنه إساغته وإن كان شبعان، أي حيث لا ضرر (حنث (١)؛ لتفويته البر حينئذ باختياره، ومن ثم ألحق قتله لنفسه قبل الغد بهذا؛ لأنه به مفوِّت لذلك أيضا، وكذا لو تلف الطعام قبله بتقصيره كأن أمكنه دفع آكله فلم يدفعه، (و) في موته أو نسيانه (قبله) أي التمكن من ذلك جرى في حنثه (قولان كمكره) والأظهر عدمه؛ لعذره. وحيث أطلقوا قولَي المكره أرادوا الإكراه على الحنث فقط، أما إذا أكره على الحلف فلا خلاف في عدم الحنث، (وإن أتلفه) عامدا عالما مختارا (بأكل أو غيره) كأدائه الدين في الصورة التي ذكرتها ما لم ينو أنه لا يؤخر أداءه عن الغد (قبل الغد) أو بعده وقبل تمكنه منه (حنث) ; لتفويته البر باختياره، ومر أن تقصيره في تلفه كإتلافه له. ثم الأصح أنه إنما يحنث بعد مجيء الغد ومضي وقت التمكن فلو مات قبل ذلك لم يحنث (وإن تلف) الطعام بنفسه (أو أتلفه أجنبي) قبل الغد أو التمكن ولم يقصر فيهما كما مر (فكمكره) فلا يحنث؛ لعدم تفويته البر.
[تنبيه] اختلف كلامهم في ضبط التمكن في أبواب فالتمكن من الماء في التيمم بتوهمه بحد الغوث أو تيقنه بحد القرب وأمن ما مر وظاهره أنه يلزمه مشي لذلك أطاقه لا ذهاب لما فوق ذلك ولو راكبا، وفي الجمعة بالقدرة على الذهاب إليها ولو قبل الوقت إذا بعدت داره ولو ماشيا ولو بنحو مركوب وقائد قدر على أجرتهما، وفي الحج بما مر فيه في مبحث الاستطاعة، ومنه أنه يلزمه مشي قدر عليه إذا كان دون مرحلتين، وفي الرد بالعيب والأخذ
стр. 1912
بالشفعة بما مر فيهما، وحينئذ فضابط التمكن هنا أنه إن خشي من فعل المحلوف عليه مبيح تيمم لم يكن متمكنا منه، فإن لم يخش ذلك لم يكفِ توهم وجود المحلوف عليه بل لا بد من
стр. 1913
أَوْ لَأَقْضِيَنَّ حَقَّك عِنْدَ رَأْسِ الهِلَالِ فَلْيَقْضِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ الشَّهْرِ فَإِنْ قُدِّمَ أَوْ مَضَى بَعْدَ الْغُرُوبِ قَدْرُ إمْكَانِهِ حَنِثَ،
ظن وجوده بلا مانع مما مر في التيمم، والمشي والركوب هنا كالحج، وإن لم يفعل الوكيل بنفسه فكما في الرد بالعيب فيعد متمكنا إذا قدر عليه ولو بأجرة مثل طلبها الوكيل فاضلة عما يعتبر في الحج، وقائد الأعمى ونحو محرم المرأة والأمرد كما في الحج فيجب ولو بأجرة، وعذر الجمعة ونحو الرد بالعيب أعذار هنا فوجود أحدهما يمنع التمكن إلا في نحو أكل كريه مما لا أثر له هنا بخلافه في نحو الشهادة على الشهادة كما يأتي، ومر في النفي الواجب للولد أن الأعذار المعتبرة فيه هي الأضيق في كل من أعذار الجمعة والشفعة والرد بالعيب (١)، وحينئذ متى وجد التمكن من المحلوف عليه بأن لم يكن له عذر مما مر يمنعه عنه كمشي فوق مرحلتين وإن أطاقه لم يحنث بتلف المحلوف عليه وإلا حنث (أو لأقضين حقك) ساعة بيعي لكذا فباعه مع غيبة الدائن حنث وإن أرسله إليه حالا؛ لتفويته البر باختياره للبيع مع غيبة الدائن وإن لم يعلم بغيبته، أو إلى زمن فمات لكن بعد تمكنه من قضائه حنث قبيل موته; لأن لفظ الزمن لا يعين وقتا فكان جميع العمر مهلته، وإنما وقع الطلاق بعد لحظة في أنت طالق بعد حين أو إلى زمن; لأنه تعليق فتلعق بأول ما يسمى زمنا وما هنا وعد وهو لا يختص بأول ما يقع عليه الاسم، وقضيته أنه لا فرق هنا بين الحلف بالله والطلاق، أو إلى أيام فثلاثة (٢) أو (عند) أو مع (رأس الهلال (٣) أو أول الشهر (فليقض) ـه (عند غروب الشمس آخر) ظرف لغروب (الشهر) الذي وقع الحلف فيه (٤) -أو آخر الشهر الذي هو كائن قبل الشهر الذي عينه لقضاء الحق- لاقتضاء عند ومع المقارنة فاعتبر ذلك ليقع القضاء مع أول جزء من الشهر، والمراد الأولية الممكنة عادة; لاستحالة المقارنة الحقيقية (فإن قُدِّم) القضاء على ذلك (أو مضى بعد الغروب قدر إمكانه) العادي ولم يقض فيه (حنث)؛ لتفويته البر باختياره. هذا إن لم تكن
стр. 1914
وَلَوْ شَرَعَ فِي الْكَيْلِ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَفْرُغْ لِكَثْرَتِهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ لَمْ يَحْنَثْ. أَوْ لَا يَتَكَلَّمُ فَسَبَّحَ أَوْ قَرَأَ قُرْآنًا فَلَا حِنْثَ. أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ حَنِثَ،
له نية وإلا كأن نوى أن لا يأتي رأس الهلال إلا وقد خرج من حقه، أو نوى بلفظ عند أو مع معنى إلى لم يحنث بالتقديم، (ولو شرع في) العد أو الذرع أو (الكيل) أو الوزن أو غير ذلك من المقدمات (حينئذ) أي حين إذ غربت الشمس (ولم يفرغ لكثرته إلا بعد مدة لم يحنث) ; لأنه أخذ في القضاء عند ميقاته، ويعتبر تواصل نحو الكيل فيحنث بتخلل فئران تمنع تواصله بلا عذر، ولو حُمل إليه حقه من الغروب ولم يصل إلا بعد ليلة لم يحنث كما لا يحنث بالتأخير لشكّه في الهلال (١) (أو لا يتكلم فسبح) أو هلل أو حمد أو دعا بما لا يبطل الصلاة كأن لا يكون محرما ولا مشتملا على خطاب غير الله ورسوله (أو قرأ) ولو خارج الصلاة (قرآنا) ولو جنبا (٢) (فلا حنث) بخلاف ما عدا ذلك فإنه يحنث به إن أسمع نفسه أو كان بحيث يسمع لولا العارض; لانصراف الكلام عرفا إلى كلام الآدميين في محاوراتهم، ولا يحنث بنحو التوراة والإنجيل، نعم إن قرأها كلها أو أكثرها حنث؛ لتحقق أن فيها مبدلا كثيرا، (أوْ لا يكلمه فسلم عليه) ولو من صلاة، أو قال له قم مثلا أو دق عليه الباب فقال -وقد علمه- مَن (حنث (٣) إن سمعه، وكذا لو لم يسمعه لعارضٍ وكان بحيث لو زال لسمع. ويشترط أيضا فهم السامع لِمَا سمعه ولو بوجه، ولا يحنث بتكليم أصمٍّ لا يسمع أصلا. ولو عرَّض له كأن خاطب جدارا بحضرته بكلام ليُفهمه به أو ذكر كلاما من غير خطاب أحد به إتّجه أنه يأتي فيه التفصيل الآتي في قراءة الآية.
стр. 1915
وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا حِنْثَ فِي الجَدِيدِ. وَإنْ قَرَأَ آيَةً أَفْهَمَهُ بِهَا مَقْصُودَهُ وَقَصَدَ قِرَاءَةً لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ. أَوْ لَا مَالَ لَهُ حَنِثَ بِكُلِّ نَوْعٍ، وَإِنْ قَلَّ حَتَّى ثَوْبِ بَدَنِهِ، وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَمَا وَصَّى بِهِ، وَدَيْنٍ حَالٍّ، وَكَذَا مُؤَجَّلٌ فِي الْأَصَحِّ، لَا مُكَاتَبِهِ فِي الْأَصَحِّ
(ولو كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها فلا حنث (١) عليه وإن كان أصم أو أخرس (في الجديد) ; لأن هذه ليست بكلام عرفا، نعم إن نوى شيئا منها حنث به; لأن المجاز تقبل إرادته بالنية (وإن قرآ آية أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة) ولو مع الإفهام (لم يحنث) ; لأنه لم يكلمه (وإلا) بأن قصد الإفهام وحده أو أطلقه (٢) (حنث) ; لأنه كلمه. ولو حلف ليثنينّ على الله أفضل الثناء لم يبر إلا بيا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك (٣)، أو ليصلين على النبي ﷺ أفضل الصلاة برّ بصلاة التشهد فقط وإن لم تقترن بالسلام عليه (أوْ لا مال له) وأطلق أو عمم (حنث بكل نوع) من أنواع المال له (وإن قلّ) ولو لم يتمول (٤) (حتى ثوب بدنه)؛ لصدق اسم المال به، نعم لا يحنث بملكه لمنفعة; لأنها لا تسمى مالا عند الإطلاق (ومدبّر) له لا لمورثه إذا تأخر عتقه (٥) (ومعلق عتقه بصفة) وأم ولد (وما وَصَّى به) لغيره; لأن الكل ملكه (ودين حال) ولو على معسر جاحد بلا بينة (٦) (وكذا مؤجل في الأصح)؛ لثبوته في الذمة وصحة الاعتياض والإبراء عنه ولوجوب الزكاة فيه، وعليه فلا حنث (٧) بدينه على مكاتبه؛ لأنه لم يوجد فيه شيء من هاتين العلتين (لا مكاتبه) كتابة صحيحة (في الأصح) ; لأنه لعدم ملكه لمنافعه وأرش جنايته كالأجنبي عرفا، وبهذا يعلم أنه لا أثر
стр. 1916
أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ فَالْبِرُّ بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَلَا يُشْتَرَطُ إيلَامٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَلَيْسَ وَضْعُ سَوْطٍ عَلَيْهِ، وَعَضٌّ، وَخَنِقٌ، وَنَتْفُ شَعَرٍ ضَرْبًا، قِيلَ وَلَا لَطْمٌ وَوَكْزٌ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ ماِئَةَ سَوْطٍ أَوْ خَشَبَةٍ فَشَدَّ مِائَةً وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً أَوْ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، بَرَّ إنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْكُلِّ، أَوْ تَرَاكَمَ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ فَوَصَلَهُ أَلَمُ الْكُلِّ قُلْتُ: وَلَوْ شَكَّ فِي إصَابَةِ الجَمِيعِ بَرَّ عَلَى النَّصِّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ،
لتعجيزه بعد اليمين، وكذا زوجة واختصاص بل ومغصوب (١) لم يقدر على نزعه ولا على بيعه من قادر على نزعه وغائب انقطع خبره (أو ليضربنه فالبر) إنما يحصل (بما يسمى ضربا) فلا يكفي مجرد وضع اليد عليه، (ولا يشترط إيلام)؛ لصدق الاسم بدونه (إلا أن يقول) أو ينوي (ضربا شديدا) أو موجعا مثلا فيشترط حينئذ الإيلام عرفا، وواضح أنه يختلف بالزمن وحال المضروب (وليس وضع سوط عليه وعض) وقرص (٢) (وخنِق ونتف شعر ضربا) ; لأنه لا يسمى بذلك عرفا (قيل ولا لطم) لوجه بباطن الراحة مثلا (ووكز) وهو الضرب باليد مطبقة أو الدفع ولو بغير اليد، ورفس ولكم وصفع; لأنها لا تسمى ضربا عادة، ولكن الأصح أن جميعها ضرب وأنها تسماه عادة، ومثلها الرمي بنحو حجر أصابه (أو ليضربنه مائة سوط أو خشبة فشد مائة) من السياط في الأولى ومن الخشب في الثانية ولا يقوم أحدهما مقام الآخر (وضربه بها ضربة أو) ضربه (بعثكال) وهو الضغث في الآية (عليه مائة شمراخ بر إن علم إصابة الكل أو) علم (تراكم بعض) منها (على بعض فوصله) بسبب هذا التراكم (ألم (٣) الكل) لكن المعتمد أن العثكال لا يجزئ في المائة سوط؛ لأنه أخشاب لا سياط (قلت: ولو شك) أي تردد باستواء أو مع ترجيح الإصابة لا مع ترجيح (٤) عدمها (في إصابة الجميع بر على النص، والله أعلم)؛ إذ الظاهر الإصابة. ولو قال إن ضربتُكِ فأنت طالق فقصد ضرب غيرها فأصابها طلقت، ولا يقبل قوله لم أقصدها ظاهرا إلا ببينة تشهد بقرينة على أنه لم يقصدها.
стр. 1917
أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَبِرَّ بِهَذَا. أَوْ لَا أُفَارِقُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي فَهَرَبَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اتِّبَاعُهُ لَمْ يَحْنَثْ، قُلْتُ: الصَّحِيحُ لَا يَحْنَثُ إذَا أَمْكَنَهُ اتِّبَاعُهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ فَارَقَهُ أَوْ وَقَفَ حَتَّى ذَهَبَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَكَانَا مَاشِيَيْنِ أَوْ أَبْرَأَهُ أَوِ احْتَالَ عَلَى غَرِيمٍ ثُمَّ فَارَقَهُ أَوْ أَفْلَسَ فَفَارَقَهُ لِيُوسِرَ حَنِثَ،
(أو ليضربنه مائة مرة) أو ضربة (لم يبر بهذا) أي المشدودة أو العثكال; لأنه جعل العدد مقصودا، ولا يشترط هنا تواليها (أوْ لا) أخليك تفعل كذا حُمِل على نفي تمكينه منه بأن يعلم به ويقدر على منعه منه. أوْ لا (أفارقك حتى أستوفي حقي) منك (فهرب) يعني ففارقه المحلوف عليه ولو بغير هرب كما يعلم مما يأتي (ولم يمكنه اتباعه لم يحنث) بخلاف ما إذا أمكنه اتباعه فإنه يحنث (قلت الصحيح لا يحنث إذا أمكنه اتباعه والله أعلم) ; لأنه إنما حلف على فعل نفسه فلم يحنث بفعل الغريم سواء أمكنه اتباعه أم لا. ولو فارقه هنا بإذنه لم يحنث أيضا، ولو أراد بالمفارقة ما يعمهما حنث.
[تنبيه] لو حلف لا يُطْلِق غريمه حنث بإذنه له في المفارقة (١) بخلاف عدم إتباعه المقدور عليه إذا هرب (وإن فارقه (٢) الحالف بما يقطع خيار المجلس ولو بمشيه بعد وقوف الغريم مختارا ذاكرا (أو وقف) الحالف (حتى ذهب المحلوف عليه وكانا ماشيين) حنث؛ لأن المفارقة حينئذ منسوبة للحالف، أما إذا كانا ساكنين فابتدأ الغريم بالمشي فلا حنث مطلقا كما مر (٣) (أو أبرأه) حنث; لأنه فوَّت البر باختياره (أو احتال) به (على غريم) لغريمه أو أحال به على غريمه (ثم فارقه) أو حلف ليعطينه دينه يوم كذا ثم أحاله به أو عوضه عنه حنث; لأن الحوالة ليست استيفاء ولا إعطاء حقيقة وإن أشبهته، نعم إن نوى أنه لا يفارقه وذمته مشغولة بحقه لم يحنث كما لو نوى بالإعطاء أو الإيفاء براءة ذمته من حقه، ويقبل في ذلك ظاهرا وباطنا، ولو تعوّض أو ضمنه له ضامن ثم فارق لظنه أن التعويض أو الضمان كاف حنث؛ لأن جهله بالحكم لا يعذر به (أو أفلس ففارقه ليوسر حنث)؛ لوجود المفارقة منه وإن لزمته كما لو قال لا أصلي الفرض فصلاَّه فإنه يحنث، نعم لو ألزمه الحاكم بمفارقته لم يحنث
стр. 1918
وَإِنِ اسْتَوْفَى وَفَارَقَهُ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، لَكِنَّهُ أَرْدَأُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ عَالِمٌ، وَفِي غَيْرِهِ الْقَوْلَانِ
كالمكره، وإنما أثر العذر في نحو لا أسكن فمكث لنحو مرض; لأن الحنث فيها باستدامة الفعل لا بإنشائه وهي أضعف فتأثرت به بخلاف ما هنا، والحاصل أن من خص يمينه بفعل المعصية أو أتى بما يعمها قاصدا دخولها أو قامت قرينة عليه حنث بها وإلا فلا، ومن ذلك ما لو حلف لا يفارقه ظانا يساره فبان إعساره فلا يحنث بمفارقته.
[فرع] لو حلف لا يرافقه من مكة إلى مصر فرافقه في بعض الطريق حنث حيث لا نية; لأن المتبادر من هذه الصيغة ما اقتضاه وضعها اللغوي؛ إذ الفعل في حد النفي كالنكرة في حيزه. ولو حلف لا يكلمه مدة عمره فإن أراد مدة معلومة دُيِّن وإلا اقتضى ذلك استغراق المدة من انتهاء الحلف إلى الموت فمتى كلمه في هذه المدة حنث (وإن استوفى وفارقه فوجده) أي ما أخذه منه (ناقصا) نُظِر (إن كان جنس حقه لكنه أردأ) منه (لم يحنث) ; لأن الرداءة لا تمنع الاستيفاء (وإلا) يكن جنس حقه كأن كان دراهم فخرج المأخوذ مغشوشا (حنث عالم) بذلك عند المفارقة; لأنه فارقه قبل الاستيفاء (وفي غيره) وهو الجاهل به حينئذ (القولان) في حنث الجاهل أظهرهما لا حنث. ولو حلف ليقضين فلانا دينه يوم كذا فأعسر ذلك اليوم لم يحنث إن لم يقدر على الوفاء بوجه من الوجوه من أول المدة التي حلف عليها إلى آخرها كاليوم في مسألتنا. والأوجه فيما لو سافر الدائن قبلها وقد قال لأقضينك أو لأقضين فلانا عدم الحنث؛ لفوات البر بغير اختياره، ولا يكلف إعطاء وكيله أو القاضي; لأنه مجاز فلا يحمل الحلف عليه من غير قرينة، ولا ينافيه ما لو قال لأقضينك حقك إلى الحادي عشر فإن الحالف يحنث إذا سافر الدائن بعد التمكن من الإيفاء مطلقا (١)؛ لأنه يتبادر من اللفظ أن المدة كلها من حين الحلف إلى تمام الحادي عشر ظرف للإيفاء المحلوف عليه، نعم إن قال أردت أن الحادي عشر هو الظرف للاستيفاء صدق بيمينه؛ لاحتماله، ووجه عدم المنافاة; أن لأقضينك غدا صريح في أن الغد هو الظرف للإيفاء بخلاف صورتي الحادي عشر فلم يؤثر السفر قبل الغد في تلك وأثر في هاتين على ما تقرر. والأوجه أن موت الدائن كسفره فيما مر فيه، فإن كان بعد التمكن حنث وإلا فلا، ولا أثر لقدرته على الدفع للوارث; لأنه خلاف المحلوف عليه، ومن
стр. 1919
أَوْ لَا رَأَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي فَرَأَى وَتَمَكَّنَ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى مَاتَ حَنِثَ، وَيُحْمَلُ عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ، فَإِنْ عُزِلَ فَالْبِرُّ بِالرَّفْعِ إلَى الثَّانِي، أَوْ إلَّا رَفَعَهُ إلَى قَاضٍ بَرَّ بِكُلِّ قَاضٍ، أَوْ إلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَرَآهُ ثُمَّ عُزِلَ فَإِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا حَنِثَ إنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُهُ فَتَرَكَهُ
ثم كان الذي يتجه في لأقضين حقك أنه لا يفوت البر بالسفر والموت؛ لإمكان القضاء هنا مع غيبته، وإبراء الدائن قبل التمكن مانع منه، وتقبل دعواه بيمينه العجز لإعسار (١) أو نسيان بل لو ادعى الأداء فأنكره الدائن قُبِل بالنسبة لعدم الحنث. (أو) حلف (لا رأى منكرا) أو نحو لقطة (إلا رفعه إلى القاضي فرأى) منكرا (وتمكن) من رفعه له (فلم يرفعه) أي لم يوصل بنفسه أو غيره بلفظ أو نحو كتابة للقاضي خبره في محل ولايته -لا غيره؛ إذ لا فائدة له- (حتى مات) الحالف (حنث) أي من قبيل الموت; لأنه فوَّت البر باختياره، ويظهر أن العبرة في المنكر باعتقاد الحالف دون غيره. وظاهرٌ أن الرؤية من أعمى تحمل على العلم ومن بصير تحمل على رؤية البصر (ويحمل) القاضي في لفظ الحالف حيث لا نية له (على قاضي البلد) أي بلد فعل المنكر (٢) ; لأنه المعهود بالنسبة لإزالته، ومحل ذلك في منكر محسوس لا نحو زنا انقضى وإلا اعتبر قاضي البلد التي فيها فاعل المنكر حالة الرفع; لأن القصد من هذه اليمين إزالة المنكر وهي في كل من المحسوس والمنقضي بما ذكر (فإن عزل فالبر بالرفع إلى) القاضي (الثاني) ; لأن التعريف بأل يعمه ويمنع التخصيص بالموجود حالة الحلف، فإن تعدد في البلد تخير ما لم يختص (٣) كلٌّ بجانب فيتعين القاضي الموجود في شقِّ فاعلِ المنكر; لأنه الذي يلزمه إجابته إذا دعاه. ولو رآه بحضرة القاضي فالأوجه أنه لا بد من إخباره به; لأنه قد يتيقظ له بعد غفلته عنه. ولو كان فاعل المنكر القاضي فإن كان ثم قاض آخر رفعه إليه وإلا لم يكلف بقوله رفعت إليك نفسك; لأن هذا لا يراد عرفا من لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى القاضي (أو إلا رَفَعَهُ إلى قاضٍ بر بكل قاض) بأي بلد كان لصدق الاسم وإن كان ولايته بعد الحلف (أو إلى القاضي فلان فرآه) أي الحالف المنكر (ثم) لم يرفعه إليه حتى (عزل فإن نوى ما دام قاضيا حنث) بعزله (إن أمكنه رفعه) إليه قبله (فتركه)؛ لتفويته البر باختياره ولا فورية هنا، وأما لو
стр. 1920
وَإِلَّا فَكَمُكْرَهٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بَرَّ بِرَفْعِ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ.
فصل
حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي فَعَقَدَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ حَنِثَ ، وَلَا يَحْنَثُ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ، أَوْ لَا يُزَوِّجُ أَوْ لَا يُطَلِّقُ أَوْ لَا يَعْتِقُ أَوْ لَا يَضْرِبُ فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ لَا يَحْنَثُ
لم يعزل ولم يرفع له حتى مات أحدهما فإنه يحنث إن تمكن منه. (وإلا) يتمكن منه لنحو مرض أو حبس أو تَحَجُّبِ القاضي ولم يمكنه مراسلة ولا مكاتبة (فكمكره) فلا يحنث، (وإن لم ينو) ما دام قاضيا (بر برفع) ـه (إليه بعد عزله) نوى عينه أو أطلق؛ لتعلق اليمين بعينه، وذكر القضاء للتعريف فهو كلا أدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها حنث تغليبا للعين مع أن كلا من الوصف والإضافة يطرأ ويزول.
[فرع] حلف لا يسافر بحرا شمل النهر العظيم؛ لأنه يسمى به لغة، ويبرُّ من حلف ليسافرن بقصير السفر أي بمجرد مجاوزة ما مر في صلاة المسافر بنية السفر.
(فصل)
لو (حلف) لا يشتري عينا بعشرة فاشترى نصفها بخمسة ثم نصفها بخمسة لم يحنث; لأنه لم يصدق عليه عند شراء كلِّ جزء الشراءُ بالعشرة، أو (لا يبيع أو لا يشتري فعقد) عقدا صحيحا لا فاسدا (لنفسه أو غيره) بوكالة أو ولاية (حنث) أما الأول فواضح، وأما الثاني فلأن إطلاق اللفظ يشمله، نعم الحج يحنث بفاسده -ولو ابتداء بأن أحرم بعمرة فأفسدها ثم أدخله عليها; لأنه كصحيحه- لا بباطله، ولا يلحق بالحج فيما ذُكر العارية والخلع والكتابة. ولو قال لا أبيع فاسدا فباع فاسدا فإن أراد حقيقة البيع أو أطلق لم يحنث؛ لانصراف لفظ البيع إلى حقيقته وقوله فاسدا مناف لما قبله فألغي، ويحنث إذا أراد بالبيع صورته لا حقيقته (ولا يحنث بعقد وكيله له) ; لأنه لم يعقد (أو) حلف (لا يزوّج أو لا يطلق أو لا يعتق أو لا يضرب فوكل من فعله لم يحنث) ; لأنه إنما حلف على فعل نفسه ولم يوجد سواء ألاق بالحالف فعل ذلك هنا وفيما قبله أم لا وسواء أحضر حال فعل الوكيل أم لا. ولو حلف لا يطلق زوجته ثم فوّض إليها طلاقها فطلقت نفسها لم يحنث بخلاف ما لو قال إن فعلت كذا فأنت طالق
стр. 1921
إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَلَّا يَفْعَلَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، أَوْ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ لَا بِقَبُولِهِ هُوَ لِغَيْرِهِ. أَوْ لَا يَبِيعُ مَالَ زَيْدٍ فَبَاعَهُ بِإِذْنِهِ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا. أَوْ لَا يَهَبُ لَهُ فَأَوْجَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إنْ قَبِلَ وَلَمْ يَقْبِضْ فِي الْأَصَحِّ،
ففعلت (١). ولو حلف لا يعتق عبداً فكاتبه وعتق بالأداء حنث (٢) (إلا أن يريد ألا يفعل هو ولا غيره) فيحنث بالتوكيل في كل ما ذكر; لأن المجاز المرجوح يصير قويا بالنية والجمع بين الحقيقة والمجاز. ولو حلف لا يبيع ولا يوكل لم يحنث (٣) ببيع وكيله قبل الحلف; لأنه بعده لم يباشر ولم يوكل بخلاف ما لو حلف أن لا تخرج زوجته إلا بإذنه وكان أذن لها قبل الحلف في الخروج فخرجت بعد اليمين (٤) فيحنث (٥)، وكذا لو أذن له في الخروج إلى محل معين قبل الحلف فخرجت إليه بعده (أوْ لا ينكح) ولا نية له (حنث بعقد وكيله له) ; لأن الوكيل في النكاح سفير محض، ولهذا تجب إضافة القبول له كما مر. ولو حلفت لا تتزوج لم تحنث المجبرة بتزويج مجبرها لها وتحنث غيرها بتزويج وليها لها بإذنها، نعم لو حلف لا يراجع زوجته فوكَّل لم يحنث؛ لأنه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء (٦) (لا بقبوله هو لغيره)؛ لما مر أنه سفير محض فلم يصدق عليه أنه نكح، نعم إن نوى لا ينكح لنفسه ولا لغيره حنث كما علم مما مر، أما إذا نوى الوطء فلا يحنث بعقد وكيله له لما مر أن المجاز يتقوى بالنية (أو لا يبيع) أو يؤجر مثلا (مال زيد) أو لزيد مالا (فباعه) عالما بأنه مال زيد (بإذنه) أو إذن نحو ولي أو حاكم أو لظفر (حنث)؛ لصدق الاسم (وإلا) يبع بإذن صحيح (فلا) حنث؛ لما مر أن العقد إذا أطلق اختص بالصحيح، وكذا العبادات إلا الحج كما مر (أوْ لا) يبره وأطلق شمل كل تبرع من نحو صدقة وإبراء وعتق ووقف لا نحو زكاة، أوْ لا (يهب له) أي لزيد (فأوجب له) العقد (فلم يقبل لم يحنث) ; لأن الهبة لم تتم ويجري هذا في كل عقد يحتاج لإيجاب وقبول (وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح) لا يحنث; لأن مقتضى الهبة المطلقة والغرض منها نقل
стр. 1922
وَيَحْنَثُ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، وَصَدَقَةٍ، لَا إعَارَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ، أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ لَمْ يَحْنَثْ بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فِي الْأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ سَلَمًا، وَلَوِ اخْتَلَطَ مَا اشْتَرَاهُ بِمُشْتَرَى غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَكْلَهُ مِنْ مَالِهِ
الملك ولم يوجد. (ويحنث) من حلف لا يهب (بعُمْرَى ورُقْبَى وصدقة) مندوبة لا واجبة كزكاة وكفارة ونذر، وبهدية مقبوضة; لأنها أنواع من الهبة (لا إعارة)؛ إذ لا ملك فيها وضيافة (ووصية)؛ لأنها جنس مغاير للهبة (ووقف) ; لأن الملك فيه لله تعالى، (أوْ لا يتصدق) حنث بصدقة فرض وتطوع ولو على غني ذمي وبعتق ووقف -; لأنه يسمى صدقة لا تقتضي التمليك- وإبراء، و (لم يحنث) بهدية وعارية وضيافة وقرض وقراض وإن حصل فيه ربح، ولا (بهبة في الأصح) ; لأنها لتوقفها على الإيجاب والقبول لا تسمى صدقة، ولهذا حلت له ﷺ بخلاف الصدقة، نعم إن نوى بالصدقة الهبة حنث (أوْ لا يأكل طعاما اشتراه زيد لم يحنث بما اشتراه) زيد (مع غيره) يعني هو وغيره معا أو مرتبا مشاعا ولو بعد إفراز حصته على ما اقتضاه إطلاقهم (١)؛ لأن كل جزء منه لم يختص زيد بشرائه واليمين محمولة على ما يتبادر منها من اختصاص زيد بشرائه، ومن ثم لو حلف لا يدخل دار زيد لم يحنث بدخول دار شركة بينه وبين غيره. وخرج بالإفراز ما لو اقتسما قسمة رَدٍّ كأن اشتريا بطيخة أو رمانة فتراضيا برد أخذ النفيسة فيحنث (٢)؛ لأن هذه القسمة بيع فيصدق أن زيدا اشتراه وحده، (وكذا لو قال) في يمينه لا آكل (من طعام اشتراه زيد في الأصح)؛ لما تقرر (ويحنث بما اشتراه) زيد (سلما) أو تولية أو إشراكا؛ لأنها أنواع من الشراء، صورة الحنث في الاشتراك أن يشتري بعده الباقي، وبما اشتراه لغيره بوكالة لا بما اشتراه له وكيله أو عاد إليه بنحو رد بعيب أو إقالة أو صلح أو قسمة ليس فيها لفظ بيع; لأنها لا تسمى بيوعا على الإطلاق (ولو اختلط) فيما إذا حلف لا يأكل طعاما (٣) أو من طعام اشتراه زيد (ما اشتراه) زيد وحده (بمشترى غيره) يعني بمملوكه ولو بغير شراء (لم يحنث حتى يتيقن) أي يظن (أكله من ماله) أي مشترى زيد بأن يأكل منه نحو الكف
стр. 1923
أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ أَخَذَهَا بِشُفْعَةٍ
لظن أن فيه مما اشتراه بخلاف نحو عشر حبات، ويفرق بينه وبين تمرة حلف لا يأكلها واختلطت بتمر فأكله إلا واحدة بأنه لا يقين هنا بل ولا ظن ثم عادة ما بقيت تمرة بخلاف ما نحن فيه. هذا كله عند الاطلاق فلو قال أردت طعاما يشتريه شائعا أو خالصا حنث به؛ لأنه غلَّظ على نفسه (١). (أوْ لا يدخل دارا اشتراها زيد لم يحنث بـ) دخول (دار أخذها) زيد أو بعضها (بشفعة) ; لأن الأخذ بها لا يسمى شراء عرفا ولا شرعا. ويتصور أخذ كلها بالشفعة بأن يكون بشفعة جوار ويحكم بها من يراها، وبغيرها لكن لا في مرة واحدة بأن يملك شخص نصف دار ويبيع شريكه نصفه فيأخذه بها ثم يبيع ما يملكه بها لآخر ثم يبيعه الآخر فيأخذه الشريك بها فيصدق حينئذ أنه أخذ كلها بشفعة لكن في عقدين.
стр. 1924
كتاب النذر
هُوَ ضَرْبَانِ نَذْرُ لَجَاجٍ: كَإِنْ كَلَّمْتُهُ فَللهِ عَلَيَّ عِتْقٌ أَوْ صَوْمٌ، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ،
(كتاب النذر)
وهو لغة: الوعد بخير أو شر، وشرعا الوعد بخير بالتزام القربة الآتية على الوجه الآتي، فلا يحصل بالنية وحدها لكن يتأكد له إمضاء ما نواه؛ للذم الشديد لمن نوى فعل خير ولم يفعله. والأصل فيه الكتاب والسنة، والأصح أنه في اللجاج الآتي مكروه، وفي القربة المنجزة أو المعلقة مندوب.
وأركانه ناذر ومنذور وصيغة. وشرط الناذر إسلام، واختيار، ونفوذ تصرفه فيما ينذره فيصح نذر سكران لا كافر؛ لعدم أهليته للقربة وغير مكلف ومكره؛ لرفع القلم عنهم ومحجور فلس أو سفه في قربة مالية عينية، وكذا القن فيصح نذره المال في ذمته ولو بغير إذن سيده (١) بخلاف الضمان; لأن المغلب هنا حق الله تعالى، ومن ثم اختص بالقُرَب (٢)، وزيد إمكان الفعل فلا يصح نذره صوما لا يطيقه ولا بعيد عن مكة حجا هذه السنة كما يأتي أوائل الفصل.
والصيغة لفظ أو كتابة أو إشارة أخرس تدل أو تشعر بالالتزام مع النية في الكتابة، وكذا إشارة لم يفهمها كل أحد لا النية وحدها كسائر العقود، ومن الأول نذرت لله أو لك أو عليَّ لك كذا أو لهذا ومثله انتذرت أو أنذرت من عامي لغته ذلك. ولو نوى بنذرت لك الإخبار عن نذر سابق عُرِف فواضح، أو اليمين في نذرت لأفعلن فيمين (٣).
[تنبيه] تقدم أنّ عليّ لك كذا صريح في الإقرار، وعليه فصرفه للنذر أو الإقرار بالقرينة .
(هو ضربان نذر لَجاج) وهو أن يمنع نفسه أو غيرها من شيء أو يحث عليه أو يحقق خبرا غضبا (٤) بالتزام قربة (كإن كلمته) أو إن لم أكلمه أو إن لم يكن الأمر كما قلته (فلله عليّ) أو فعلي (عتق أو صوم) أو عتق وصوم وحج (وفيه) عند وجود المعلق عليه (كفارة يمين)؛ لخبر
стр. 1925
وَفِي قَوْلٍ مَا الْتَزَمَ، وَفِي قَوْلٍ أَيُّهُمَا شَاءَ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتُ فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالدُّخُولِ، وَنَذْرُ تَبَرُّرٍ بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً إنْ حَدَثَتْ نِعْمَةٌ أَوْ ذَهَبَتْ نِقْمَةٌ
مسلم ((كفارة النذر كفارة يمين))، ولا كفارة في نذر التبرر قطعا فتعين حمله على نذر اللجاج، (وفي قول ما التزم)؛ لخبر ((من نذر وسمى فعليه ما سمى))، (وفي قول أيهما شاء) ; لأنه يشبه النذر من حيث إنه التزم قربة واليمين من حيث إن مقصوده مقصود اليمين ولا سبيل للجمع بين موجبيهما ولا لتعطيلهما فوجب التخيير. (قلت: الثالث أظهر ورجحه العراقيون، والله أعلم)؛ لما قلنا، أما إذا التزم غير قربة كلا آكل الخبز فيلزمه كفارة يمين بلا نزاع، ومن نذر اللجاح ما يعتاد على ألسنة الناس العتق يلزمني أو يلزمني عتق عبدي فلان أو والعتقِ (١) لا أفعل أو لأفعلن كذا، فإن لم ينو التعليق فلغو وإن نواه تخير، ثم إن اختار العتق أو عتق المعين أجزأه مطلقا، أو الكفارة وأراد عتق المعين عنها اعتبر فيه صفة الإجزاء. ولو قال إن فعلت كذا فعبدي حر ففعله عتق قطعا; لأن هذا محض تعليق ليس فيه التزام بنحو عليَّ، وقوله العتق أو عتقُ قني فلان يلزمني أو والعتق ما فعلت كذا لغو; لأنه لا تعليق فيه ولا التزام والعتق لا يحلف به إلا على أحد ذينك وهما هنا غير متصورين. (ولو قال إن دخلت) الدار مثلا (فعليَّ كفارة يمين أو) فعليَّ كفارة (نذرٍ لزمه) في الصورتين (كفارة بالدخول)؛ تغليبا لحكم اليمين في الأولى ولخبر مسلم في الثانية. أما إذا قال فعلي يمين فلغو; لأنه لم يأت بصيغة نذر ولا حلف وليست اليمين مما يلتزم في الذمة، أو فعليّ نذر تخيّر بين قربة ما من القرب -كتسبيح وصلاة ركعتين- وكفارة يمين. (ونذر تبرر) سُميَّ به; لأنه لطلب البر أو التقرب إلى الله تعالى (بأن يلتزم (٢) قربة (٣) أو صفتها المطلوبة فيها كما يأتي آخر الباب (إن حدثت نعمة) تقتضي سجود الشكر (أو ذهبت نقمة) تقتضي ذلك أيضا، ومر بيانهما في بابها لكن المعتمد أنهما لا يتقيدان بذلك بل بكل ما يجوز -من غير كراهة- أن يدعى الله تعالى به.
стр. 1926
كَإِنْ شُفِيَ مَرِيضِي فَللهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ كَذَا فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا حَصَلَ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ،
والحاصل أن الفرق بين نذري اللجاج والتبرر أن الأول فيه تعليق بمرغوب عنه والثاني بمرغوب فيه، ومن ثم ضبط بأن يعلق بما يقصد حصوله فنحو إن رأيت فلانا فعلي صوم يحتمل النذرين ويتخصص أحدهما بالقصد، وكذا قول امرأة لآخر إن تزوجتني فعليّ أن أبرئك من مهري وسائر حقوقي فهو تبرر إن أرادت الشكر على تزوجه.
[تنبيه] عُلم من هذا الحاصل أنه لو قال المشتري لبائعه إن جئتني بمثل عوضي فعليّ أن أقيلك أو أفسخ البيع لزمه أحدهما إن ندم البائع -؛ لأنه بندمه تندب له الإقالة- وأحبَّ المشتري إحضار مثل عوضه، وإلا كان لجاجا. ولو قال إن خرج المبيع مستحقا فعليّ لك كذا فلغو (١)؛ لعدم إمكان التبرر ولا اللجاج (٢)، وإذا قلنا بلزوم نذر الإقالة فقيَّدها بمدة فالقياس تقيد اللزوم بها فإن أخر عنها -لغير نحو نسيان وإكراه- أُلغي (كإن شُفي مريضي فلله عليَّ أو فعليَّ كذا) أو ألزمت نفسي كذا أو فكذا لازم لي أو واجب عليَّ ونحو ذلك من كل ما فيه التزام.
[تنبيه] المعتمد بطلان نذر إن شفي مريضي فلله علي ألف أو فعلي ألف أو لله علي ألف ولم يذكر مصرفا ولا نواه بخلاف ما لو قال لله عليَّ أو عليَّ التصدق أو التصدق بشيء فيصح، ويجزيه أدنى متمول، والفرق أنه في تلك لم يعين مصرفا ولا ما يدل عليه من ذكر مسكين أو تصدق أو نحو ذلك فكان الإبهام فيها من سائر الوجوه بخلاف هذه; لأن التصدق ينصرف للمساكين غالبا فكان الفارق ذكر القصد وعدمه، ويؤخذ منه صحة (٣) نذر التصدق بألف ويعين ألفا مما يريده. ولو كرر إن شُفِي مريضي فعلي كذا لم يتكرر النذر إلا إن نوى الاستئناف (٤). ويجوز إبدال كافر أو مبتدع بمسلم أو سني لا درهم بدينار ولا موسر بفقير (٥)؛ لأنهما مقصودان، ومن ثم لو عيّن شيئا أو مكانا للصدقة تعين (٦) (فيلزمه ذلك) أي ما التزمه فوراً (إذا حصل المعلق عليه (٧)؛
стр. 1927
وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ كَللهِ عَلَيَّ صَوْمٌ لَزِمَهُ فِي الْأَظْهَرِ،
لخبر البخاري ((مَن نذر أن يطيع الله فليطعه))، وفي نحو إن شفي فعبدي حر لا يطالب بشيء; لأنه بمجرد الشفاء يعتق من غير احتياج لإعتاق بخلاف فعليَّ أن أعتقه، ويظهر أن المراد بالشفاء زوال العلة من أصلها وأنه لا بد فيه من قول عدلي طب، أو معرفة المريض ولو بالتجربة، وإنه لا يضر بقاء آثاره من ضعف الحركة ونحوه. ولو قال إن شُفي فعلي أن أعتق هذا امتنع بيعه بعد الشفاء (١) ووجب على الوصي فالقاضي إعتاقه عقب موته، فإن زاد على قوله المار بعد موتي فوصية. وخرج بيلتزم (٢) نحو إن شُفِي مريضي عمرت دار فلان أو مسجد كذا فهو لغو; لأنه وعد لا التزام فيه، نعم إن نوى به الالتزام انعقد. ولو شك بعد الشفاء في الملتزَم أهو صدقة أو عتق أو صوم أو صلاة اجتهد، فإن أيس من ظهور شيء وجب الكل، (وإن لم يعلقه بشيء كلله عليَّ صوم) أو علي صوم أو صدقة لفلان أو أن أعطيه كذا ولم يرد الهبة (٣) (لزمه) ما التزم حالا (في الأظهر)؛ للخبر السابق، وهذا من نذر التبرر إذ هو قسمان معلق وغيره، ولا يشترط في نذر التبرر التصريح بالله ويسمى المعلق نذر المجازاة أيضا. ولو قال لله عليّ أضحية أو عند نحو شفاءٍ لله علي عتق لنعمة الشفاء لزمه ذلك جزما تنزيلا للثاني منزلة المجازاة؛ لوقوعه شكرا في مقابلة نعمة الشفاء. ولا يشترط قبول المنذور له في قسمي النذر بل عدم ردّه، فإن رده فإن كان المنذور به ملتزما في الذمة بطل النذر (٤)، أما إن نذر التصدق بشيء معين فلا يتأثر بالرد؛ لأنه يزول ملكه عنه بالنذر.
[فروع] يقع لبعض العوام جعلت هذا للنبي ﷺ فيصح; لأنه اشتهر في النذر في عرفهم، ويصرف لمصالح الحجرة النبوية بخلاف متى حصل لي كذا أجيء له بكذا فإنه لغو ما لم يقترن به لفظ التزام أو نذر أو نيته، ولا نظر إلى أن النذر لا ينعقد بها; لأنه لا يلزم من النظر إليها في التوابع النظر إليها في المقاصد. ولا يشترط معرفة الناذر ما نذر به كخمس ما يخرج له من معشر ككل ولد أو ثمرة تخرج من أمتي هذه أو شجرتي هذه وكعتق عبد إن ملكته، والحاصل أنه يشترط في المال المعين لنحو صدقة أو عتق أن يملكه أو يعلقه بملكه ما لم ينو الامتناع منه فهو
стр. 1928
نذر لجاج. ويصح النذر للجنين -كالوصية له؛ لمشاركته للوصية في قبول التعليق والخطر وصحته بالمجهول والمعدوم، ومن ثم اتجهت صحته للقن كهي والهبة فيأتي فيه أحكامهما فلا يملك السيد ما بالذمة إلا بقبض القن- لا للميت إلا لقبر الشيخ الفلاني وأراد به قربة ثَمَّ كإسراج ينتفع به أو اطرد عرف بحمل النذر له على ذلك كما يأتي (١)، ومن النذر بالمعدوم المجهول نذرها لزوجها بما سيحدث لها من حقوق الزوجية، والنذر في الصحة بمثل نصيب ابنه بعد موته فيوقف لموته ويخرج النذر من رأس المال; لأنه لم يعلقه به وإنما المعلق به معرفة قدر النصيب فهو حينئذ نذر منجز، نعم محله إن كان ((بعد)) ظرفا لنصيب، أما إن كان ظرفا للنذر فيصح ويخرج من الثلث، ويجوز الرجوع فيه كوقفت داري بعد موتي على كذا بل أولى; لأن النذر يحتمل التعليق دون الوقف، وكذا إذا لم يُعرف مراده؛ لأنه المتبادر. ويبطل بالتأقيت الصريح (٢) كنذرت له هذا يوما؛ لمنافاته للالتزام السابق الذي هو موضوع النذر إلا في المنفعة فيأتي في نذرها ما مر في الوصية بها وإلا في نذرت لك بهذا مدة حياتك فيتأبد كالعمرى. ويصح بما في ذمة المدين ولو مجهولا له فيبرأ حالا وإن لم يقبل، وليس كبيعه ولا هبته منه; لأن النذر لا يتأثر بالغرر بخلاف نحو البيع ولا يتوقف على قبض بخلاف الهبة، وحيث لزم النذر وجب وفاؤه فوراً (٣). ولو قرن النذر بإلا أن يبدو لي ونحوه بطل؛ لمنافاته الالتزام من كل وجه بخلاف عليّ أن أتصدق بمالي إلا إن احتجته فلا يلزمه ما دام حيا؛ لتوقع حاجته، فإذا مات تصدق بكل ما كان يملكه وقت النذر إلا إن أراد كل ما يكون بيده إلى الموت فيتصدق بالكل، وأُخذ من ذلك صحة النذر بماله لفلان قبل مرض موته إلا أن يحدث لي ولد فهو له أو إلا أن يموت قبلي فهو لي. ولو نذر لبعض ورثته بماله قبل مرض موته بيوم ملكه كله من غير مشارك؛ لزوال ملكه عنه إليه قبل مرضه. ولو قال نذرت أن أتصدق بهذا على فلان قبل موتي أو مرضي ملكه المنذور له حالا. وينعقد معلقا في نحو إذا مرضت فهو نذر له قبل مرضي بيوم، وللناذر التصرف هنا قبل حصول المعلق عليه؛ لضعف النذر حينئذ. وأفتى جمع فيمن أرادا أن يتبايعا فاتفقا على أن
стр. 1929
وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا وَاجِبٍ،
ينذر كل للآخر بمتاعه ففعلا صح وإن زاد المبتدئ إن نذرت لي بمتاعك وكثيرا ما يفعل ذلك فيما لا يصح بيعه ويصح نذره. ويصح تعجيل المنذور المعلق بعد التعليق وقبل وجود الصفة كما مر. ويصح إبراء المنذور له الناذر عما في ذمته وإن لم يملكه حيث جاز له المطالبة به كما يصح إسقاط حق الشفعة، وسيأتي أنه لا يصح ممن لا يدري معناه، ومحله إن جهله بالكلية بخلاف ما إذا عرف أنه يفيد نوع عطية مثلا. ونذر قراءة جزء قرآن أو علم مطلوب كل يوم صحيح ولا حيلة في حَلِّه، ولا يجوز له تقديم وظيفة يوم عليه فإن فاتت قضى. ولو نذر عمارة هذا المسجد وكان خرابا فعمره غيره بطل نذره؛ لتعذر نفوذه، نعم إن نوى عمارته وإن خرِب بعد لزمته (ولا يصح نذر معصية (١)؛ لخبر مسلم ((لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم))، وكأن سبب انعقاد نذر عتق المرهون من موسر مع حرمة إعتاقه له وإن نفذ أن الخلاف في عدم الحرمة قوي; لأن حق الغير ينجبر بالقيمة والملك للمعتق فأي وجه للحرمة حينئذ. ولو نذر أن يصلي في مغصوب لم ينعقد، وكالمعصية المكروه لذاته أو لازمه -كصوم الدهر الآتي، وكنذر ما لا يملك غيره وهو لا يصبر على الإضاقة- لا لعارض (٢) كصوم يوم الجمعة، وكنذره لأحد أبويه أو أولاده فقط، وقيل لا يصح، ومحل الخلاف حيث لم يسن إيثار بعضهم، أما إذا نذر للفقير أو الصالح أو البار منهم فيصح اتفاقا.
[تنبيه] لو نذر مقترض مالا معينا لمقرضه كل يوم ما دام دينه في ذمته فالأوجه (٣) أنه لا يصح إن قصد أن نذره ذلك في مقابلة الربح الحاصل له؛ لأنه حينئذٍ ليس قربة بل وسيلة إلى الربا، أما إذا جعله في مقابلة حدوث نعمة ربح القرض إن اتجر فيه، أو اندفاع نقمة المطالبة إن احتاج لبقائه في ذمته لإعسار أو إنفاق فيصح كما لو أطلق (ولا) نذر (واجب) عيني كصلاة الظهر، أو مخير كأحد خصال كفارة اليمين مبهما بخلاف خصلة معينة منها (٤)، أو واجب (٥) على
стр. 1930
وَلَوْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ، أَوْ تَرْكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، لَكِنْ إنْ خَالَفَ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى المُرَجَّحِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ نُدِبَ تَعْجِيلُهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيقٍ أَوْ مُوَالَاةٍ وَجَبَ، وَإِلَّا جَازَ. أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ
الكفاية تعين بخلاف إذا لم يتعين فيصح نذره -احتيج في أدائه لمال كجهاد وتجهيز ميت أم لا كصلاة جنازة- وذلك; لأنه لزم عينا بإلزام الشرع قبل النذر فلا معنى لالتزامه. ولو نذر ذو دين حال أن لا يطالب غريمه فإن كان معسرا لغا; لأن إنظاره واجب، أو موسرا وفي الصبر عليه فائدة له كرجاء غلو سعر بضاعته لزمه; لأن القربة فيه ذاتية حينئذ، أو ليس فيه ذلك لغا؛ إذ لا قربة فيه كذلك حينئذ. وله فيما إذا قيد بأن لا يطالبه أن يحيل عليه وأن يوكل من يطالبه وأن يبيعه لغيره على القول به وأن يطالب ضامنه، ولو أسقط المدين حقه من هذا النذر لم يسقط. ولو نذر أن لا يطالبه مدة فمات قبلها فلوارثه مطالبته. (ولو نذر فعل مباح أو تركه) كأكل ونوم من كلِّ ما استوى فعله وتركه في الأصل وإن رجح أحدهما بنية عبادة به كالأكل للتقوي على الطاعة (لم يلزمه)؛ لخبر أبي داود ((لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى)) (لكن إن خالف لزمه كفارة يمين على المرجح) في المذهب، نعم المعتمد أن لا كفارة فيه مطلقا (١) كالفرض والمعصية والمكروه. (ولو نذر صوم أيام (٢) وأطلق لزمه ثلاثة كما يأتي، وإن عيَّن عددها فما عينه وفي الحالين (ندب تعجيلها)؛ مسارعة لبراءة ذمته، نعم إن عرض له ما هو أهم كسفر يشق فيه الصوم كان التأخير أولى، أو كان عليه صوم كفارة سبقت النذر سُن تقديمها عليه إن كانت على التراخي وإلا وجب، (فإن قيد بتفريق أو موالاة وجب) ما قيد به منهما؛ عملا بما التزمه، أما الموالاة فواضح وأما التفريق فلأن الشارع اعتبره في صوم التمتع، فإن نذر عشرة مفرقة فصامها ولاءً حُسب له منها خمسة (وإلا) يقيد بتفريق ولا موالاة (جاز) كل منهما لكن الموالاة أفضل (أو) نذر صوم (سنة معينة) كسنة كذا أو سنة من الغد أو من أول شهر أو يوم كذا (صامها وأفطر العيد) الفطر والأضحى (والتشريق)