كَإِنْ شُفِيَ مَرِيضِي فَللهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ كَذَا فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا حَصَلَ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ،
والحاصل أن الفرق بين نذري اللجاج والتبرر أن الأول فيه تعليق بمرغوب عنه والثاني بمرغوب فيه، ومن ثم ضبط بأن يعلق بما يقصد حصوله فنحو إن رأيت فلانا فعلي صوم يحتمل النذرين ويتخصص أحدهما بالقصد، وكذا قول امرأة لآخر إن تزوجتني فعليّ أن أبرئك من مهري وسائر حقوقي فهو تبرر إن أرادت الشكر على تزوجه.
[تنبيه] عُلم من هذا الحاصل أنه لو قال المشتري لبائعه إن جئتني بمثل عوضي فعليّ أن أقيلك أو أفسخ البيع لزمه أحدهما إن ندم البائع -؛ لأنه بندمه تندب له الإقالة- وأحبَّ المشتري إحضار مثل عوضه، وإلا كان لجاجا. ولو قال إن خرج المبيع مستحقا فعليّ لك كذا فلغو (١)؛ لعدم إمكان التبرر ولا اللجاج (٢)، وإذا قلنا بلزوم نذر الإقالة فقيَّدها بمدة فالقياس تقيد اللزوم بها فإن أخر عنها -لغير نحو نسيان وإكراه- أُلغي (كإن شُفي مريضي فلله عليَّ أو فعليَّ كذا) أو ألزمت نفسي كذا أو فكذا لازم لي أو واجب عليَّ ونحو ذلك من كل ما فيه التزام.
[تنبيه] المعتمد بطلان نذر إن شفي مريضي فلله علي ألف أو فعلي ألف أو لله علي ألف ولم يذكر مصرفا ولا نواه بخلاف ما لو قال لله عليَّ أو عليَّ التصدق أو التصدق بشيء فيصح، ويجزيه أدنى متمول، والفرق أنه في تلك لم يعين مصرفا ولا ما يدل عليه من ذكر مسكين أو تصدق أو نحو ذلك فكان الإبهام فيها من سائر الوجوه بخلاف هذه; لأن التصدق ينصرف للمساكين غالبا فكان الفارق ذكر القصد وعدمه، ويؤخذ منه صحة (٣) نذر التصدق بألف ويعين ألفا مما يريده. ولو كرر إن شُفِي مريضي فعلي كذا لم يتكرر النذر إلا إن نوى الاستئناف (٤). ويجوز إبدال كافر أو مبتدع بمسلم أو سني لا درهم بدينار ولا موسر بفقير (٥)؛ لأنهما مقصودان، ومن ثم لو عيّن شيئا أو مكانا للصدقة تعين (٦) (فيلزمه ذلك) أي ما التزمه فوراً (إذا حصل المعلق عليه (٧)؛
стр. 1927
وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ كَللهِ عَلَيَّ صَوْمٌ لَزِمَهُ فِي الْأَظْهَرِ،
لخبر البخاري ((مَن نذر أن يطيع الله فليطعه))، وفي نحو إن شفي فعبدي حر لا يطالب بشيء; لأنه بمجرد الشفاء يعتق من غير احتياج لإعتاق بخلاف فعليَّ أن أعتقه، ويظهر أن المراد بالشفاء زوال العلة من أصلها وأنه لا بد فيه من قول عدلي طب، أو معرفة المريض ولو بالتجربة، وإنه لا يضر بقاء آثاره من ضعف الحركة ونحوه. ولو قال إن شُفي فعلي أن أعتق هذا امتنع بيعه بعد الشفاء (١) ووجب على الوصي فالقاضي إعتاقه عقب موته، فإن زاد على قوله المار بعد موتي فوصية. وخرج بيلتزم (٢) نحو إن شُفِي مريضي عمرت دار فلان أو مسجد كذا فهو لغو; لأنه وعد لا التزام فيه، نعم إن نوى به الالتزام انعقد. ولو شك بعد الشفاء في الملتزَم أهو صدقة أو عتق أو صوم أو صلاة اجتهد، فإن أيس من ظهور شيء وجب الكل، (وإن لم يعلقه بشيء كلله عليَّ صوم) أو علي صوم أو صدقة لفلان أو أن أعطيه كذا ولم يرد الهبة (٣) (لزمه) ما التزم حالا (في الأظهر)؛ للخبر السابق، وهذا من نذر التبرر إذ هو قسمان معلق وغيره، ولا يشترط في نذر التبرر التصريح بالله ويسمى المعلق نذر المجازاة أيضا. ولو قال لله عليّ أضحية أو عند نحو شفاءٍ لله علي عتق لنعمة الشفاء لزمه ذلك جزما تنزيلا للثاني منزلة المجازاة؛ لوقوعه شكرا في مقابلة نعمة الشفاء. ولا يشترط قبول المنذور له في قسمي النذر بل عدم ردّه، فإن رده فإن كان المنذور به ملتزما في الذمة بطل النذر (٤)، أما إن نذر التصدق بشيء معين فلا يتأثر بالرد؛ لأنه يزول ملكه عنه بالنذر.
[فروع] يقع لبعض العوام جعلت هذا للنبي ﷺ فيصح; لأنه اشتهر في النذر في عرفهم، ويصرف لمصالح الحجرة النبوية بخلاف متى حصل لي كذا أجيء له بكذا فإنه لغو ما لم يقترن به لفظ التزام أو نذر أو نيته، ولا نظر إلى أن النذر لا ينعقد بها; لأنه لا يلزم من النظر إليها في التوابع النظر إليها في المقاصد. ولا يشترط معرفة الناذر ما نذر به كخمس ما يخرج له من معشر ككل ولد أو ثمرة تخرج من أمتي هذه أو شجرتي هذه وكعتق عبد إن ملكته، والحاصل أنه يشترط في المال المعين لنحو صدقة أو عتق أن يملكه أو يعلقه بملكه ما لم ينو الامتناع منه فهو
стр. 1928
نذر لجاج. ويصح النذر للجنين -كالوصية له؛ لمشاركته للوصية في قبول التعليق والخطر وصحته بالمجهول والمعدوم، ومن ثم اتجهت صحته للقن كهي والهبة فيأتي فيه أحكامهما فلا يملك السيد ما بالذمة إلا بقبض القن- لا للميت إلا لقبر الشيخ الفلاني وأراد به قربة ثَمَّ كإسراج ينتفع به أو اطرد عرف بحمل النذر له على ذلك كما يأتي (١)، ومن النذر بالمعدوم المجهول نذرها لزوجها بما سيحدث لها من حقوق الزوجية، والنذر في الصحة بمثل نصيب ابنه بعد موته فيوقف لموته ويخرج النذر من رأس المال; لأنه لم يعلقه به وإنما المعلق به معرفة قدر النصيب فهو حينئذ نذر منجز، نعم محله إن كان ((بعد)) ظرفا لنصيب، أما إن كان ظرفا للنذر فيصح ويخرج من الثلث، ويجوز الرجوع فيه كوقفت داري بعد موتي على كذا بل أولى; لأن النذر يحتمل التعليق دون الوقف، وكذا إذا لم يُعرف مراده؛ لأنه المتبادر. ويبطل بالتأقيت الصريح (٢) كنذرت له هذا يوما؛ لمنافاته للالتزام السابق الذي هو موضوع النذر إلا في المنفعة فيأتي في نذرها ما مر في الوصية بها وإلا في نذرت لك بهذا مدة حياتك فيتأبد كالعمرى. ويصح بما في ذمة المدين ولو مجهولا له فيبرأ حالا وإن لم يقبل، وليس كبيعه ولا هبته منه; لأن النذر لا يتأثر بالغرر بخلاف نحو البيع ولا يتوقف على قبض بخلاف الهبة، وحيث لزم النذر وجب وفاؤه فوراً (٣). ولو قرن النذر بإلا أن يبدو لي ونحوه بطل؛ لمنافاته الالتزام من كل وجه بخلاف عليّ أن أتصدق بمالي إلا إن احتجته فلا يلزمه ما دام حيا؛ لتوقع حاجته، فإذا مات تصدق بكل ما كان يملكه وقت النذر إلا إن أراد كل ما يكون بيده إلى الموت فيتصدق بالكل، وأُخذ من ذلك صحة النذر بماله لفلان قبل مرض موته إلا أن يحدث لي ولد فهو له أو إلا أن يموت قبلي فهو لي. ولو نذر لبعض ورثته بماله قبل مرض موته بيوم ملكه كله من غير مشارك؛ لزوال ملكه عنه إليه قبل مرضه. ولو قال نذرت أن أتصدق بهذا على فلان قبل موتي أو مرضي ملكه المنذور له حالا. وينعقد معلقا في نحو إذا مرضت فهو نذر له قبل مرضي بيوم، وللناذر التصرف هنا قبل حصول المعلق عليه؛ لضعف النذر حينئذ. وأفتى جمع فيمن أرادا أن يتبايعا فاتفقا على أن
стр. 1929
وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا وَاجِبٍ،
ينذر كل للآخر بمتاعه ففعلا صح وإن زاد المبتدئ إن نذرت لي بمتاعك وكثيرا ما يفعل ذلك فيما لا يصح بيعه ويصح نذره. ويصح تعجيل المنذور المعلق بعد التعليق وقبل وجود الصفة كما مر. ويصح إبراء المنذور له الناذر عما في ذمته وإن لم يملكه حيث جاز له المطالبة به كما يصح إسقاط حق الشفعة، وسيأتي أنه لا يصح ممن لا يدري معناه، ومحله إن جهله بالكلية بخلاف ما إذا عرف أنه يفيد نوع عطية مثلا. ونذر قراءة جزء قرآن أو علم مطلوب كل يوم صحيح ولا حيلة في حَلِّه، ولا يجوز له تقديم وظيفة يوم عليه فإن فاتت قضى. ولو نذر عمارة هذا المسجد وكان خرابا فعمره غيره بطل نذره؛ لتعذر نفوذه، نعم إن نوى عمارته وإن خرِب بعد لزمته (ولا يصح نذر معصية (١)؛ لخبر مسلم ((لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم))، وكأن سبب انعقاد نذر عتق المرهون من موسر مع حرمة إعتاقه له وإن نفذ أن الخلاف في عدم الحرمة قوي; لأن حق الغير ينجبر بالقيمة والملك للمعتق فأي وجه للحرمة حينئذ. ولو نذر أن يصلي في مغصوب لم ينعقد، وكالمعصية المكروه لذاته أو لازمه -كصوم الدهر الآتي، وكنذر ما لا يملك غيره وهو لا يصبر على الإضاقة- لا لعارض (٢) كصوم يوم الجمعة، وكنذره لأحد أبويه أو أولاده فقط، وقيل لا يصح، ومحل الخلاف حيث لم يسن إيثار بعضهم، أما إذا نذر للفقير أو الصالح أو البار منهم فيصح اتفاقا.
[تنبيه] لو نذر مقترض مالا معينا لمقرضه كل يوم ما دام دينه في ذمته فالأوجه (٣) أنه لا يصح إن قصد أن نذره ذلك في مقابلة الربح الحاصل له؛ لأنه حينئذٍ ليس قربة بل وسيلة إلى الربا، أما إذا جعله في مقابلة حدوث نعمة ربح القرض إن اتجر فيه، أو اندفاع نقمة المطالبة إن احتاج لبقائه في ذمته لإعسار أو إنفاق فيصح كما لو أطلق (ولا) نذر (واجب) عيني كصلاة الظهر، أو مخير كأحد خصال كفارة اليمين مبهما بخلاف خصلة معينة منها (٤)، أو واجب (٥) على
стр. 1930
وَلَوْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ، أَوْ تَرْكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، لَكِنْ إنْ خَالَفَ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى المُرَجَّحِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ نُدِبَ تَعْجِيلُهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيقٍ أَوْ مُوَالَاةٍ وَجَبَ، وَإِلَّا جَازَ. أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ
الكفاية تعين بخلاف إذا لم يتعين فيصح نذره -احتيج في أدائه لمال كجهاد وتجهيز ميت أم لا كصلاة جنازة- وذلك; لأنه لزم عينا بإلزام الشرع قبل النذر فلا معنى لالتزامه. ولو نذر ذو دين حال أن لا يطالب غريمه فإن كان معسرا لغا; لأن إنظاره واجب، أو موسرا وفي الصبر عليه فائدة له كرجاء غلو سعر بضاعته لزمه; لأن القربة فيه ذاتية حينئذ، أو ليس فيه ذلك لغا؛ إذ لا قربة فيه كذلك حينئذ. وله فيما إذا قيد بأن لا يطالبه أن يحيل عليه وأن يوكل من يطالبه وأن يبيعه لغيره على القول به وأن يطالب ضامنه، ولو أسقط المدين حقه من هذا النذر لم يسقط. ولو نذر أن لا يطالبه مدة فمات قبلها فلوارثه مطالبته. (ولو نذر فعل مباح أو تركه) كأكل ونوم من كلِّ ما استوى فعله وتركه في الأصل وإن رجح أحدهما بنية عبادة به كالأكل للتقوي على الطاعة (لم يلزمه)؛ لخبر أبي داود ((لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى)) (لكن إن خالف لزمه كفارة يمين على المرجح) في المذهب، نعم المعتمد أن لا كفارة فيه مطلقا (١) كالفرض والمعصية والمكروه. (ولو نذر صوم أيام (٢) وأطلق لزمه ثلاثة كما يأتي، وإن عيَّن عددها فما عينه وفي الحالين (ندب تعجيلها)؛ مسارعة لبراءة ذمته، نعم إن عرض له ما هو أهم كسفر يشق فيه الصوم كان التأخير أولى، أو كان عليه صوم كفارة سبقت النذر سُن تقديمها عليه إن كانت على التراخي وإلا وجب، (فإن قيد بتفريق أو موالاة وجب) ما قيد به منهما؛ عملا بما التزمه، أما الموالاة فواضح وأما التفريق فلأن الشارع اعتبره في صوم التمتع، فإن نذر عشرة مفرقة فصامها ولاءً حُسب له منها خمسة (وإلا) يقيد بتفريق ولا موالاة (جاز) كل منهما لكن الموالاة أفضل (أو) نذر صوم (سنة معينة) كسنة كذا أو سنة من الغد أو من أول شهر أو يوم كذا (صامها وأفطر العيد) الفطر والأضحى (والتشريق)
стр. 1931
وَصَامَ رَمَضَانَ عَنْهُ وَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ أَفْطَرَتْ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ وَجَبَ قَضَاؤُهُ وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ سَنَةٍ، فَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ وَجَبَ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَشَرَطَ التَّتَابُعَ وَجَبَ، وَلَا يَقْطَعُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَنْ فَرْضِهِ وَفِطْرُ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقِ وَيَقْضِيهَا تِبَاعًا مُتَّصِلَةً بِآخِرِ السَّنَةِ،
وجوبا؛ لحرمة صومها، والمراد عدم نية صوم ذلك لا تعاطي مفطر (وصام رمضان عنه) ; لأنه لا يقبل غيره (ولا قضاء)؛ لأنها لا تقبل صوما فلم تدخل في نذره، (وإن أفطرت لحيض أو نفاس وجب القضاء في الأظهر، قلت الأظهر لا يجب) القضاء (وبه قطع الجمهور والله أعلم) ; لأن أيام أحدهما لمّا لم تقبل الصوم -ولو لعروض ذلك المانع- لم يشملها النذر، (وإن أفطر يوما) منها (بلا عذر وجب قضاؤه)؛ لتفويته البر باختياره (ولا يجب استئناف سنة) بل له الاقتصار على قضاء ما أفطره; لأن التتابع كان للوقت لا لكونه مقصودا في نفسه كما في قضاء رمضان، ومن ثم لو أفطرها كلها لم يجب الولاء في قضائها، ويتجه وجوبه من حيث أن ما تعدى بفطره يجب قضاؤه فورا. وخرج بقوله بلا عذر ما أفطره بعذر فلا يجب قضاؤه، نعم إن أفطر لعذر مرض أو سفر لزمه القضاء (١) ; لأن زمنهما يقبل الصوم فشمله النذر بخلاف نحو الحيض، والحاصل أن كل ما قبل الصوم عن النذر فأفطره يقضيه وما لا فلا (فإن شرط التتابع) في نذر السنة المعينة ولو في نيته (وجب (٢) بفطره يوما -ولو لعذر سفر ومرض- الاستئناف (في الأصح) ; لأن التتابع صار مقصودا. (أو) نذر صوم سنة (غير معينة وشرط التتابع) في نذره ولو بالنية (وجب) التتابع وفاء بما التزمه (٣)، (ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه و) لا (فطر العيد والتشريق) لاستثناء ذلك شرعا، ومن ثم لم يدخل في المعينة كما مر. وخرج بـ ((عن فرضه)) صومه عن نذر أو قضاء أو تطوع فإنه باطل وينقطع به التتابع (ويقضيها) أي رمضان والعيد والتشريق; لأنه التزم صوم سنة ولم يصمها (تباعا) أي متوالية (متصلة بآخر السنة)؛ عملا
стр. 1932
وَلَا يَقْطَعُهُ حَيْضٌ، وَفِي قَضَائِهِ الْقَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لَمْ يَجِبْ. أَوْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَبَدًا لَمْ يَقْضِ أَثَانِيَ رَمَضَانَ، وَكَذَا الْعِيدُ وَالتَّشْرِيقُ فِي الْأَظْهَرِ، فَلَوْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا لِكَفَّارَةٍ صَامَهُمَا، وَيَقْضِي أَثَانِيهِمَا، وَفِي قَوْلٍ لَا يَقْضِي إنْ سَبَقَتِ الْكَفَّارَةُ النَّذْرَ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَتَقْضِي زَمَنَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فِي الْأَظْهَرِ. أَوْ يَوْمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ. أَوْ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ صَامَ آخِرَهُ وَهُوَ الجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَقَعَ قَضَاءً
بشرطه التتابع، هذا إن أطلق فإن نوى ما يقبل الصوم من سنة متتابعة لم يلزمه القضاء قطعا وإن نوى عدد أيام سنة لزمه القضاء قطعا، ويحمل مطلقها على الهلالية (ولا يقطعه حيض) ونفاس؛ لتعذر الاحتراز عنهما (وفي قضائه القولان) السابقان في المعينة، والأرجح هنا القضاء (وإن لم يشرطه) أي التتابع (لم يجب)؛ لعدم التزامه فيصوم سنة هلالية أو ثلاثمائة وستين يوما (أو) نذر صوم (يوم الاثنين أبدا لم يقض أثاني رمضان) الأربعة; لأن النذر لا يشملها لسبق وجوبها (وكذا) الاثنين الخامس من رمضان و (العيد والتشريق في الأظهر) إن صادفت يوم الاثنين؛ قياسا على أثاني رمضان، وليس مثلها (١) يوم الشك؛ لقبوله لصوم النذر وغيره كما مر، (فلو لزمه صوم شهرين تباعا لكفارة) أو نذر (صامهما، ويقضي أثانيهما) ; لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين، (وفي قول لا يقضي إن سبقت الكفارة) أي موجبها أو سبق نذر الشهرين المتتابعين (النذر) للأثاني بأن لزمه صوم الشهرين أوّلا ثم نذر صوم الاثنين; لأن الأثاني الواقعة فيها حينئذ مستثناة بقرينة الحال كما لا يقضي أثاني رمضان (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم. وتقضي) المرأة (زمن حيض ونفاس) وقع في الأثاني، والناذر زمن نحو مرض وقع فيها (في الأظهر) ; لأنه لم يتحقق وقوعه فيه فلم يخرج عن نذرها، لكن المعتمد أنه لا قضاء فيهما (أو) نذر (يوما بعينه) أي صومه (لم يصم قبله) فإن فعل أثم ولم يصح كتقديم الصلاة على وقتها، ولا يجوز تأخيره عنه بلا عذر فإن فعل صح وكان قضاء. ولو نذر صوم خميس ولم يعين كفاه أيُّ خميس كان وإذا مضى خميس يمكنه صومه استقر في ذمته حتى لو مات فُدي عنه (أو) نذر (يوما من أسبوع) بمعنى جمعة (ثم نسيه صام آخره وهو الجمعة فإن لم يكن) المنذور (هو) أي يوم الجمعة (وقع قضاء) وإن كان فقد وفّى بما التزمه.
стр. 1933
وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ فَنَذَرَ إتْمَامَهُ لَزِمَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ. أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَالْأَظْهَرُ انْعِقَادُهُ، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ فِي يَوْمِ عِيدٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا وَجَبَ يَوْمٌ آخَرُ عَنْ هَذَا، أَوْ وَهُوَ صَائِمٌ نَفْلًا فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ يَجِبُ تَتْمِيمُهُ وَيَكْفِيه. وَلَوْ قَالَ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَللهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوْمِ التَّالِي لِيَوْمِ قُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَللهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَوَّلِ خَمِيسٍ بَعْدَهُ فَقَدِمَا فِي الْأَرْبَُِعَاءِ وَجَبَ صَوْمُ يَوْمَ الخَمِيسِ عَنْ أَوَّلِ النَّذْرَيْنِ وَيَقْضِي الْآخَرَ ....
(ومن) نذر إتمام كل نافلة دخل فيها لزمه الوفاء بذلك؛ لأنه قربة، ومن ثم لو (شرع في صوم نفل) بأن نوى ولو قبل الزوال (فنذر إتمامه لزمه على الصحيح)؛ لأن صومه صحيح فصح التزامه بالنذر ولزمه الإتمام، وهذا صريح في صحة نذر المكروه لا لذاته ولا للازمه كما مر؛ إذ المكروه إفراده بالصوم لا صومه (١). (وإن نذر بعض يوم لم ينعقد)؛ لأنه ليس بقربة (وقيل يلزمه يوم)؛ لأن صوم بعض اليوم لا يمكن شرعا فلزمه يوم كامل. ويجري ذلك في نذر بعض ركعة (أو) نذر (يوم قدوم زيد فالأظهر انعقاده)؛ لإمكان الوفاء به بأن يعلمه قبل فينويه ليلا، ونيته حينئذ واجبة، (فإن قدم ليلا أو في يوم عيد) أو تشريق (أو في رمضان) أو حيض أو نفاس (فلا شيء عليه)؛ لأنه قيد باليوم ولم يوجد القدوم في زمن قابل للصوم، نعم يسن في الأولى صوم صبيحة ذلك الليل؛ خروجا من خلاف من أوجبه، أو يوم آخر؛ شكرا لله تعالى (أو) قدم (نهارا) قابلا للصوم (وهو مفطر أو صائم قضاء أو نذرا وجب يوم آخر عن هذا) أي نذره؛ لقدومه كما لو نذر صوم يوم معين ففاته. وخرج بقضاء وما بعده ما لو صامه عن القدوم بأن ظن قدومه فيه -أي بإحدى الطرق السابقة فيما لو تحدث برؤية رمضان ليلا فنوى- فبيّت النية ليلته فيصح ولا شيء عليه؛ لأنه بناه على أصل صحيح (أو) قدم ولو قبل الزوال (وهو صائم نفلا فكذلك) يلزمه صوم يوم آخر عن نذره؛ لأنه لم يأت بالواجب عليه بالنذر (وقيل يجب تتميمه) بقصد كونه عن النذر (ويكفيه) عن نذره، نعم لو نذر اعتكاف يوم قدومه لم يلزمه إلا من حين القدوم، ولا يلزمه قضاء ما مضى من منه؛ لإمكان تبعيضه. (ولو قال إن قدم زيد فلله عليَّ صوم اليوم التالي ليوم قدومه) أي التابع له من غير فاصل، (وإن قدم عمرو فلله علي صوم أول خميس بعده) أي يوم قدومه (فقدما) معا أو مرتبا (في الأربَُِعاء وجب صوم يوم الخميس عن أول النذرين)؛ لسبقه (ويقضي الآخر)؛
стр. 1934
فصل
نَذَرَ المَشْيَ إلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ إتْيَانَهُ فَالمَذْهَبُ وُجُوبُ إتْيَانِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ نَذَرَ الْإِتْيَانَ لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ، وَإِنْ نَذَرَ المَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ المَشْيِ،
لتعذر الإتيان به في وقته، نعم يصح مع الإثم صوم الخميس عن النذر الثاني ويقضي يوما آخر عن النذر الأول. ولو قال إن قدم فعليَّ أن أصوم أمس يوم قدومه لم يصح نذره (١). ولو قال إن شفى الله مريضي فعليّ عتق هذا ثم قال إن قدم غائبي فعلي عتقه فحصل الشفاء والقدوم فحكمه (٢) أنه موقوف فإن وجدت الأولى عتق عنها مطلقا (٣) وإلا فعن الثانية.
(فصل) في نذر النسك والصدقة والصلاة وغيرها
إذا (نذر المشي إلى بيت الله تعالى) وقيده بكونه الحرام، أو نواه أو نوى ما يختص به كالطواف، ومن ثم كان ذكر بقعة من الحرم كدار أبي جهل كذكر البيت الحرام في جميع ما يأتي فيه (أو إتيانه) أو الذهاب إليه مثلا -وإن قال ذلك وهو في الكعبة أو المسجد حولها- (فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة) أو بهما وإن نفى ذلك في نذره، وذلك؛ لأنه لا قربة في إتيان الحرم إلا بذلك فلزم حملا للنذر على المعهود الشرعي، ومن ثم لو نذر إتيان مسجد المدينة أو بيت المقدس لم يلزمه شيء كسائر المساجد، أما إذا ذكر البيت ولم يقيده بذلك ولا نواه فيلغو نذره؛ لأن المساجد كلها بيوت الله تعالى، (فإن نذر الإتيان لم يلزمه مشي)؛ لأنه لا يقتضيه فله الركوب (وإن نذر المشي) إلى الحرم أو جزء منه (أو) نذر (أن يحج أو يعتمر ماشيا فالأظهر وجوب المشي) من المكان الآتي بيانه إلى الفساد أو الفوات أو فراغ التحللين وإن بقي عليه رمي بعدهما أو فراغ جميع أركان العمرة، وله الركوب في حوائجه خلال النسك، وإنما لزمه المشي في ذلك؛ لأنه التزم جعله وصفا للعبادة كما لو نذر أن يصلي قائما، وكون الركوب أفضل لا ينافي ذلك؛ لأن المشي
стр. 1935
فَإِنْ كَانَ قَالَ أَحُجُّ مَاشِيًا فَمِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ، وَلَوْ قَالَ أَمْشِي إلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى فَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا المَشْيَ فَرَكِبَ لِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ بِلَا عُذْرٍ أَجْزَأَهُ عَلَى المَشْهُورِ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَمَنْ نَذَرَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعْضُوبًا اسْتَنَابَ. وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ،
قربة مقصودة في نفسها. ومع كون الركوب أفضل لا يجزيء عن المشي فيلزمه بالمشي إذا نذر الركوب دمُ تمتع كعكسه؛ لأنهما جنسان متغايران فلم يجز أحدهما عن الآخر كذهب عن فضة وعكسه، ويفرق بين هذا ونذر الصلاة قاعدا فإنه يجزئه القيام بأن القيام قعود وزيادة، وكلاهما من أجزاء الصلاة الملتزمة فأجزأ الفاضل عن المفضول. ولو أفسد نسكه أو فاته لم يلزمه فيه مشي بل في قضائه؛ لأنه الواقع عن نذره، (فإن كان قال أحج) أو أعتمر (ماشيا) أو عكسه (فـ) يلزمه المشي (من حيث يحرم) من الميقات أو قبله، وكذا من حيث عَنَّ له بعده فيما إذا جاوزه غير مريد نسكا ثم عَنَّ له، فإن جاوزه مريدا نسكاً غير محرم راكبا فينبغي لزوم دمين للمجاوزة والركوب؛ تنزيلا لما وجب فعله منزلة فعله (ولو قال أمشي إلى بيت الله) بقيده السابق (فـ) يلزمه المشي مع النسك (من دويرة أهله في الأصح)؛ لأن قضية لفظه أن يخرج من بيته ماشيا (وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر) يبيح ترك القيام في الصلاة (أجزأه) نسكه عن نذره؛ لما صح أنه ﷺ ((أمر من عجز عنه بالركوب))، أي لعجز بها، (وعليه دم) كدم التمتع (في الأظهر)؛ لما صح أنه ﷺ أمر أخت عقبة بن عامر أن تركب وتهدي هديا، نعم محل وجوب الدم إذا ركب بعد الإحرام مطلقا أو قبله وبعد مجاوزة الميقات مسيئا وإلا فلا؛ إذ لا خلل في النسك يوجب دما، وفارق ذلك ما لو نذر الصلاة قائما فقعد؛ لعجز بأنه لم يعهد جبرها بمال (أو) ركب (بلا عذر أجزأه على المشهور) وإن عصى كترك الإحرام من الميقات (وعليه دم) على المشهور أيضا كدم التمتع؛ لأنه إذا وجب مع العذر فمع عدمه أولى. ولو نذر الحفا لم يلزمه؛ لأنه ليس بقربة، نعم يلزم فيما يسن فيه كعند دخول مكة (ومن نذر حجا أو عمرة لزمه فعله بنفسه) إن كان صحيحا ويخرج عن نذره الحج بالإفراد والتمتع والقران. ويجوز له كل من الثلاثة ولا دم من حيث النذر، (فإن كان معضوبا استناب) ولو بمال كما في حجة الإسلام، فيأتي في استنابته ونائبه ما ذكروه فيهما في الحج من التفصيل فلا يستنيبُ من على دون مرحلتين من مكة، ولا يستنيبُ عَيْنَ مَن عليه حجة الإسلام أو نحوها، (ويستحب تعجيله في أول سني الإمكان)؛ مبادرة لبراءة الذمة، فإن خشي نحو عضب أو تلف مال لزمته المبادرة.
стр. 1936
فَإِنْ تَمَكَّنَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ حُجَّ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ نَذَرَ الحَجَّ عَامَهُ وَأَمْكَنَهُ لَزِمَهُ، فَإِنْ مَنَعَهُ مَرَضٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ، أَوْ عَدُوٌّ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ عَدُوٌّ وَجَبَ الْقَضَاءُ
(فإن تمكن) لتوفر شروط الوجوب السابقة فيه (فأخر فمات حج) عنه (من ماله)؛ لاستقراره عليه بتمكنه منه في حياته بخلاف ما إذا لم يتمكن (وإن نذر الحج) أو العمرة (عامه) أو عاما بعده معينا (وأمكنه لزمه) في ذلك العام إن لم يكن عليه حج إسلام أو قضاء أو عمرته؛ تفريعا على الأصح أن زمن العبادة يتعين بالتعيين فيمتنع تقديمه عليه. أما إذا لم يعين العام فيلزمه في أي عام شاء، وأما إذا عينه ولم يتمكن من فعله فيه كأن لم يبق من سنة عينها ما يمكن الذهاب فيه -ولو بأن كان يقطع أكثر من مرحلة في بعض الأيام- فلا ينعقد نذره. ولو حج عن النذر وعليه حجة الإسلام وقع عنها (١)، (فإن) تمكن من الحج ولكن (منعه) منه (مرض) أو خطأ طريق أو وقت أو نسيان لأحدهما أو للنسك بعد الإحرام في الكل أي بعد تمكنه منه (وجب القضاء)؛ لاستقراره بتمكنه منه بخلاف ما إذا لم يتمكن بأن عرض له بعض ذلك قبل تمكنه منه؛ لأن المنذور نسك في ذلك العام ولم يقدر عليه (أو) منعه قبل الإحرام أو بعده (عدو) أو سلطان أو ربُّ دَيْنٍ ولم يمكنه الوفاء حتى مضى إمكان الحج تلك السنة (فلا) يلزمه القضاء (في الأظهر) كما في نسك الإسلام إذا صدّ عنه في أول سني الإمكان. (أو) نذر (صلاة أو صوما في وقت) يصحان فيه تعين في ذلك الوقت (فـ) إن (منعه مرض أو عدوٌّ) كأسير يخاف إن لم يأكل قتل وكأن يكره على التلبس بمنافي الصلاة جميع وقتها (وجب القضاء)؛ لوجوبها مع العجز بخلاف الحج شرطه الاستطاعة. ولا يتعين وقت مكروه عُيِّن لصلاة لا تنعقد فيه؛ لأنه معصية.
стр. 1937
أَوْ هَدْيًا لَزِمَهُ حَمْلُهُ إلَى مَكَّةَ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ بِهَا
(أو) نذر (هديا (١) لنعم أو غيره (٢) مما يصح التصدق به حتى نحو دهن نجس (٣) وعيَّنه في نذره (٤) (لزمه حمله) إن كان مما يحمل ولم يكن بمحله أزيد قيمة كما في الصورة الآتية (إلى) حرم (مكة) أي إلى ما عينه منه إن عين وإلا فالتعيين مفوض إلى رأية (والتصدق به على من) هو مقيم أو مستوطن (بها) من الفقراء والمساكين السابقين في قسم الصدقات. ويجب التعميم في المحصورين بأن سهل عدهم على الآحاد، ويجوز في غيرهم الاقتصار على ثلاثة. ويجب عند إطلاق الهدي كونه مجزيا في الأضحية؛ لأن الأصح أن النذر يسلك به مسلك الواجب الشرعي غالبا، وعليه إطعامه ومؤنة حمله إليها فإن لم يكن له مال بيع بعضه لذلك سواء أقال أهْدِي هذا أم جعلته هديا أم هديا للكعبة، ثم إذا حصل الهدي في الحرم إن كان حيوانا يجزي أضحية وجب ذبحه وتفرقته عليهم ويتعين الحرم لذبحه، أوكان لا يجزي أضحية أعطاه لهم حيا، فإن ذبحه فرقه وغرم ما نقص بالذبح. ولو نوى غير التصدق كالصرف لستر الكعبة أو طيبها تعين صرف المحتاج له منه فيما نواه والزائد يباع ويصرف للمصالح. ولو عسر التصدق بعينه كلؤلؤ باعه وفرق ثمنه عليهم ثم إن استوت قيمته ببلده والحرم تخير في بيعه فيما شاء منهما وإلا لزمه بيعه في الأزيد قيمة وإن كان بين بلده والحرم، أما ما لا يمكن حمله أو يعسر كعقار ورحى فيباع ويفرق عليهم ثمنه، وتلف المعين في يده لا يضمنه إلا إن قصَّر (٥). والمتولي لجميع ذلك هو الناذر وليس لقاضي مكة نزعه منه، والأرجح أنه ليس له إمساكه بقيمته؛ لأنه متهم في محاباة نفسه ولاتحاد القابض والمقبض. ولو قال إن قضى الله حاجتي فعليّ للكعبة كذا تعين لمصالحها ولا يصرف لفقراء الحرم.
стр. 1938
أَوِ التَّصَدُّقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ. أَوْ صَوْمًا فِي بَلَدٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَكَذَا صَلَاةً إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَفِي قَوْلٍ: وَمَسْجِدَ المَدِينَةِ وَالْأَقْصَى. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ تَعْيُّنُهُمَا كَالمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا فَيَوْمٌ، أَوْ أَيَّامًا فَثَلَاثَةٌ. أَوْ صَدَقَةً فَبِمَا كَانَ
(أو) نذر (التصدق (١) أو الأضحية (٢) وكذا النحر إن ذكر التصدق به أو نواه بالنسبة لغير الحرم (على أهل بلد) ولو غير مكة (معين لزمه) وتعين للمساكين المسلمين منهم وفاء بالملتزم، وقياس ما مر في قسم الصدقات أنه يعمم به المحصورين، وله تخصيص ثلاثة به في غير المحصورين (أو) نذر (صوما) أو نحوه (في بلد) ولو مكة (لم يتعين) فيلزمه الصوم ويفعله في أي محل شاء؛ لأنه لا قربة فيه في محل بخصوصه، ولا نظر لزيادة ثوابه فيها (٣) ولذا لم يجب صوم الدم فيها بل لم يجز في بعضه، (وكذا صلاة) -أو أعتكاف كما مر- نَذَرَها ببلد أو مسجد لا يتعين لذلك، نعم لو عين المسجد للفرض لزمه، وله فعله في مسجد غيره وإن لم يكن أكثر جماعة. ويظهر أن ما يسن فيه من النوافل كالفرض (إلا المسجد الحرام) فيتعين للصلاة بالنذر؛ لعظيم فضله وتعلق النسك به. والمراد به الكعبة والمسجد حولها (٤) مع ما زيد فيه (٥) (وفي قول) إلا المسجد الحرام (ومسجد المدينة والأقصى)؛ لمشاركتهما له في بعض الخصوصيات (قلت: الأظهر تعينهما كالمسجد الحرام والله أعلم)، ويقوم مسجد مكة مقامهما ومسجد المدينة مقام الأقصى ولا عكس فيهما، وبحث الزركشي تعين مسجد قبا؛ لصحة الخبر أن ركعتين فيه كعمرة (٦) (أو) نذر (صوما مطلقا) بأن لم يقيده بعدد لفظا ولا نية (فيوم)؛ لأنه أقل ما يتصور فيه فهو المتيقن وإن وصفه بطويلا أو كثيرا أو حينا أو دهرا، (أو) نذر (أياما) أو الأيام (فثلاثة) منها يجب صومها؛ لأنها أقل الجمع، ومرّ وجوب التبييت في كل صوم واجب (أو) نذر (صدقة فـ) يجزئه التصدق وإن قال بمال عظيم (بما) أي بأي شيء (كان) وإن
стр. 1939
أَوْ صَلَاةً فَرَكْعَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ رَكْعَةٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا
قلَّ -مما يتمول؛ إذ لا يكفي غيره- لإطلاق الاسم؛ لأن أحد الشركاء في الخلطة قد تجيء حصته كذلك (١).
[فروع] لو نذر التصدق بجميع ماله لزمه إلا بساتر عورته وإن كان عليه دين مستغرق من غير حجر، ومرّ أنه لو نذر التصدق بمال بعينه زال عن ملكه بمجرد النذر، فلو قال عليَّ أن أتصدق بعشرين دينارا -وعيّنها- على فلان، أو إن شُفِي مريضي فعليّ ذلك فشفي ملكها وإن لم يقبضها ولا قبلها لفظا، بل وإن ردّ كما مر فله التصرف فيها وينعقد حول زكاتها من حين النذر، وكذا إن لم يعينها ولم يردها المنذور له فتصير دينا له عليه ويثبت لها أحكام الديون من زكاة وغيرها كالاستبدال عنها وكذا الإبراء منها، وكذا له الدعوى والمطالبة بها، والحلف لو نكل الناذر، ويورث عنه كما في مستحقي الزكاة إذا انحصروا. ولو كان له في دار نصف فنذر لفلان بنصفها نُزِّل على الحصر (٢) كالوصية بجامع القربة فيصح النذر بجميع نصفه. ولو سأل عامي دائنه أن يلقنه صيغة رهن داره بدينه فلقنه صيغة النذر بها له ثم ادعى بها عليه فقال إنما رهنتها وأنا جاهل بما لقنه لي قُبِل بيمينه إن خفي عليه ذلك؛ لعدم مخالطته للفقهاء. ولو قال إن شفى الله مريضي فعليّ عتق هذا لم يصح بيعه قبل الشفاء، نعم إن بان عدم الشفاء كإن مات تبين صحة البيع؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر. ولو نذر التصدق بعشرين دينارا مثلا في ذمته ولم يُعَيِّن المُتَصَدَّق عليه لزم الإمام مطالبته (٣)، (أو) نذر (صلاة فركعتان) تجزيانه؛ حملا على ذلك. ويجب فعلهما بتسليمة واحدة، أو صلاتين وجب التسليم في كل ركعتين (وفي قول ركعة)؛ حملا على جائزه، ولا يكفيه سجدة تلاوة أو شكر، (فعلى الأول يجب القيام فيهما مع القدرة)؛ لأنهما ألحقا بواجب الشرع (والثاني لا)؛ إلحاقا
стр. 1940
أَوْ عِتْقًا فَعَلَى الْأَوَّلِ رَقَبَةُ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي رَقَبَةٌ، قُلْتُ: الثَّانِي هُنَا أَظْهَرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، أَوْ عِتْقَ كَافِرَةٍ مَعِيبَةٍ أَجْزَأَهُ كَامِلَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ نَاقِصَةً تَعَيَّنَتْ. أَوْ صَلَاةً قَائِمًا لَمْ تَجُزْ قَاعِدًا، بِخِلَافِ عَكْسِهِ. أَوْ طُولَ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ. أَوْ سُورَةً مُعَيَّنَةً، أَوِ الجَمَاعَةَ لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ انْعِقَادُ النَّذْرِ بِكُلِّ قُرْبَةٍ لَا تَجِبُ ابْتِدَاءً كَعِيَادَةٍ، وَتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ، وَالسَّلَامِ
بجائزه (أو) نذر (عتقا (١)، فعلى الأول) تجب (رقبة كفارة) وهي رقبة مؤمنة سليمة من عيب يخل بالعمل (٢) (وعلى الثاني رقبة) وإن لم تجز كمعيبة وكافرة؛ حملا على جائزه (قلت الثاني هنا أظهر والله أعلم)؛ لأن الأصل براءة الذمة فاكتفي بما يقع عليه الاسم (٣) (أو) نذر (عتق كافرة معيبة أجزأه كاملة)؛ لأنها أفضل مع اتحاد الجنس (فإن عيّن ناقصة) بنحو كفر أو عيب كعليّ عتق هذا أو هذا الكافر (تعينت) ولم يجز إبدالها ولو بخير منها؛ لتعلق النذر بعينها وإن لم يزل ملكه عنها به (أو) نذر (صلاة قائما لم تجز قاعدا)؛ لأنه دون ما التزم (بخلاف عكسه) بأن نذرها قاعدا فله القيام؛ لأنه أفضل مع اتحاد الجنس ولا يلزمه وإن قدر (أو) نذر (طول قراءة الصلاة) المكتوبة أو غيرها أو تطويل نحو ركوعها أو القيام في نافلة أو نحو تثليث وضوء (أو) نذر (سورة معينة) يقرؤها في صلاته ولو نفلا (أو) نذر (الجماعة) فيما تشرع فيه من فرض أو نفل (لزمه) ذلك؛ لأنه قربة مقصودة. وتقييدهما هذه الثلاثة بالفرض إنما هو للخلاف.
[تنبيه] يجزؤه عن التطويل المنذور أدنى زيادة على ما يسن لإمام غير محصورين الاقتصار عليه (٤) (والصحيح انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداء كعيادة) لمريض تسن عيادته (وتشييع جنازة والسلام) -على الغيرأي ابتدائه حيث شرع، وكذا جوابه ما لم يتعين، أما السلام على نفسه فلا يجب إلا بنية أو قرينة تدل عليه؛ لأنه لا يفهم من نذر السلام، وكتشميت العاطس
стр. 1941
وزيارة القادم وتعجيل مؤقتة أول وقتها؛ لأن الشارع رغّب فيها فكانت كالعبادات الذاتية، ومنها التزوج فيصح نذره حيث سُنَّ له، ومنها التصدق على ميت أو قبره إن لم يرد تمليكه واطرد العرف بأن ما يحصل له يقسم على نحو فقراء هناك، فإن لم يكن عرف هناك بطل. ومن خرج من ماله عن شيء للكعبة أو الحجرة الشريفة أو المساجد الثلاثة، بل أو مسجد غيرها واقتضى العرف صرفه في جهة من جهاتها صرف إليها واختصت به، فإن لم يقتض العرف شيئا رُجع في تعيين المصرف لرأي ناظرها، ومنها إسراج نحو شمع أو زيت بمسجد أو غيره كمقبرة إن كان ثَمَّ من ينتفع به ولو على نذور فيجب الوفاء به وإلا فلا. وخرج بلا تجب ابتداء ما وجب جنسه شرعا كصلاة وصدقة وصوم وحج وعتق فيجب بالنذر قطعا، والواجب العيني والمخير وما على الكفاية إذا تعين فلا ينعقد كما مر، ولا بد في الضابط من زيادة أن لا تبطل رخصة الشرع؛ ليخرج نذر عدم الفطر في السفر من رمضان ونذر الإتمام فيه إذا كان الأفضل الفطر والقصر فإنه لا ينعقد (١).
стр. 1942
كتاب القضاء
هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. فَإِنْ تَعَيَّنَ لَزِمَهُ طَلَبُهُ
(كتاب القضاء)
وهو لغة: إحكام الشيء وإمضاؤه، وشرعا: الولاية الآتية أو الحكم المترتب عليها، أو إلزام (١) من له الإلزام بحكم (٢) الشرع (٣) فخرج الإفتاء. والأصل فيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. والحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية إظهار حكم الشرع وإمضاؤه فيما رفع إليه بخلاف المفتي فإنه مظهر لا ممض، ومن ثم كان القضاء بحقه أفضل من الإفتاء; لأنه إفتاء وزيادة (٤) (هو) أي قبوله من متعددين صالحين (فرض كفاية) بل هو أسنى فروض الكفايات، حتى قال الغزالي: إنه أفضل من الجهاد وذلك؛ للإجماع مع الاضطرار إليه، فإن امتنع الصالحون له منه أثموا وأجبر الإمام أحدهم، أما تقليده ففرض عين على الإمام فورا في قضاء الإقليم، وعلى قاضي الإقليم فيما عجز عنه كما يأتي، ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض أو خليفة له; لأن الإحضار من فوقها مشق، وبه فارق اعتبار مسافة القصر بين كل مفتيين. ومن صريح التولية وليتك أو قلدتك القضاء، ومن كنايتها عولت أو اعتمدت عليك فيه، ويشترط عدم الرد لا القبول، وخرج ((بقبوله)) إيقاعها للقاضي من الإمام فإنها فرض عين عليه؛ لدخولها في عموم ولايته (فإن تعيّن) له واحد بأن لم يصلح غيره (لزمه طلبه) ولو ببذل مال (٥) إن قدر عليه فاضلا عما يعتبر في الفطرة وإن خاف الميل أو علم أن الإمام عالم به ولم يطلبه منه، بل عليه الطلب والقبول والتحرز ما أمكنه، فإن امتنع أجبره الإمام، وليس امتناعه مفسقا; لأنه غالبا إنما يكون بتأويل، والأقرب وجوب الطلب وإن ظنّ أو علم عدم
стр. 1943
وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ، وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ، وَقِيلَ: لَا، وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فَلَهُ الْقَبُولُ. وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إنْ كَانَ خَامِلًا يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلْمِ أَوْ مُحْتَاجًا إلَى الرِّزْقِ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ. قُلْتُ: وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَاَللهُ أَعْلَمُ
الإجابة (وإلا) يتعين عليه نُظِر (فإن كان غيره أصلح) سن للأصلح طلبه وقبوله إن وثق بنفسه، فإن سكت (وكان يتولاه) أي يقبله إذا وليه (فللمفضول القبول) إذا بذل له من غير طلب، وتنعقد توليته كالإمامة العظمى، (وقيل لا) يجوز له القبول فلا تنعقد توليته. وخرج بـ ((يتولاه)) غيره فهو كالعدم، ولا يجبر الفاضل هنا، ومحل الخلاف حيث لم يتميز المفضول بكونه أطوع في الناس أو أقرب إلى القلوب أو أقوى في القيام في الحق أو ألزم لمجلس الحكم وإلا جاز له القبول بلا كراهة وانعقدت ولايته قطعا، (و) على الأول (يكره طلبه) أي المفضول وقبوله مع وجود الفاضل الغير الممتنع؛ لخطره وتقدمه على من هو أحق منه، (وقيل يحرم) طلبه، أما على الثاني فيحرم طلبه جزما، (وإن كان) غيره (مثله) وسُئِل بلا طلب منه (فله القبول) بل يندب له; لأنه من أهله وقد أتاه من غير مسألة فيعان عليه كما في الحديث، نعم إن خاف على نفسه لزمه الامتناع. (ويندب) له القبول و (الطلب) للقضاء حيث أمن على نفسه منه (إن كان خاملا) أي غير مشهور بين الناس بعلم (يرجو به نشر العلم) ونفع الناس به (أو) كان غير الخامل (محتاجا إلى الرزق) من بيت المال على الولاية، وكذا إن ضاعت حقوق الناس بتولية جاهل أو ظالم فقصد بطلبه أو قبوله تداركها (وإلا) يوجد أحد هذه الأسباب الثلاثة (فالأولى تركه) أي الطلب كالقبول؛ لما فيه من الخطر من غير حاجة (قلت: ويكره) له الطلب والقبول (على الصحيح والله أعلم) ; لورود نهي مخصوص فيه. ويحرم الطلب على جاهلٍ مطلقاً وعالمٍ قصد انتقاما أو ارتشاء أومباهاة أواستعلاء، هذا كله حيث لا قاضي متول أو كان المتولي جائرا، أما صالح متول فيحرم السعي في عزله على كل أحد ولو أفضل، ويفسق به الطالب، ولا يؤثر بذل مال مع الطلب ممن تعين عليه أو نُدب له لكن الآخذ ظالم، فإن لم يتعين ولا ندب حرم عليه بذله ابتداء لا دواما فلا يحرم إن خاف أن يعزل إن لم يبذله. ويسن بذله لعزل غير صالح. وينفذ العزل -وإن أثم به العازل والتولية وإن حرم
стр. 1944
وَالِاعْتِبَارُ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ بِالنَّاحِيَةِ. وَشَرْطُ الْقَاضِي مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ حُرٌّ ذَكَرٌ عَدْلٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
الطلب والقبول- مطلقا (١)؛ خشية الفتنة. (والاعتبار في التعين) السابق (وعدمه بالناحية) ويظهر ضبطها بوطنه ودون مسافة العدوى منه؛ بناء على أنه يجب في كل مسافة عدوى نصب قاض -فيجري في المتعين وغيره ما مر من أحكام التعيين وعدمه في الطلب والقبول- في وطنه ودون مسافة العدوى منه دون الزائد على ذلك; لأن إيجاب القبول لِمَا فوق مسافة العدوى تعذيب لِمَا فيه من ترك الوطن بالكلية; لأن عمل القضاء لا غاية له بخلاف سائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر كالجهاد، نعم لو عيَّن الإمام قاضيا وأرسله إلى ناحية لزمه الامتثال والقبول وإن بعدت; لأن الإمام إذا عيَّن أحدا لمصالح المسلمين تعين.
[تنبيه] المُوَلِّي للقاضي الإمام أو نائبه، نعم الناحية الخارجة عن حكمه يوليه بها من يرجع أمرهم إليه اتحد أو تعدد، فإن فقد فأهل الحل والعقد منهم كما مر، وقد يؤخذ من ذلك أن السلطان أو نائبه لو عزل قاضيا من بلد بعيدة عنه ولم يولِّ غيره، أو ولَّى من لم يصل للبلد لتعويقه في الطريق، أو مات القاضي فتعطلت أمور الناس بانتظاره أن لأهل الحل والعقد تولية من يقوم بذلك إلى حضور المتولي، وينفذ حكمه ظاهرا و باطنا؛ للضرورة.
(وشرط القاضي (٢) أي من تصح توليته للقضاء (مسلم) ; لأن الكافر ليس أهلا للولاية ونصبه على مثله مجرد رياسة لا تقليد حكم وقضاء، ومن ثم لا يلزمون بالتحاكم عنده ولا يلزمهم حكمه إلا إن رضوا به (مكلف)؛ لنقص غيره (٣) (حر) كله؛ لنقص غيره بسائر أقسامه (ذكر) فلا تُوَلَّى امرأة ولو فيما تقبل فيه شهادتها، ولا خنثى؛ لخبر البخاري وغيره ((لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة)) (عدل) فلا يُوَلَّى فاسق; لعدم قبول قوله، ومثله نافي الإجماع أو خبر الواحد أو الاجتهاد ومحجور عليه بسفه (سميع) فلا يولى أصم وهو مَن لا يسمع بالكلية بخلاف من يسمع بالصياح (بصير) فلا يُوَلَّى أعمى ومن يرى الشبح ولا يميز
стр. 1945
نَاطِقٌ كَافٍ مُجْتَهِدٌ وَهُوَ مَن يَعْرِفَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَعَامَّهُ وَخَاصَّهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ،
الصورة وإن قربت بخلاف من يميزها إذا قربت بحيث يعرفها ولو بتكلف ومزيد تأمل وإن عجز عن قراءة المكتوب. ومَن اطردت عادته أن يُبصر نهارا فقط صحت توليته إذا وُلِّي في النهار، وينفذ حكمه فيه دون الليل، ومن يبصر ليلا فقط تصح توليته إذا وُلِّي في الليل، وينفذ حكمه فيه دون النهار. ويتجه في بصير عَرَض له نحو رمد صيَّره لا يميز إلا بنحو الصوت أنه لا يصح قضاؤه في زمن عدم التمييز، وظاهرٌ أنه لا ينعزل به؛ لقرب زواله مع كمال من طرأ له (ناطق) فلا يُوَلَّى أخرس وإن فهم إشارته كل أحد؛ لعجزه عن تنفيذ الأحكام كسابقيه (كافٍ)؛ للقيام بمنصب القضاء بأن يكون ذا نهضة ويقظة تامة وقوة على تنفيذ الحق، فلا يُوَلَّى مغفل ومختل نظر بكبر أو مرض وجبان ضعيف النفس، والمراد باليقظة التامة العقل الاكتسابي، أي أن يخرج عن التغفل واختلال الرأي، أما الزائد على ذلك -بحيث يرجع إليه العقلاء في رأيه وتدبيره- فمندوب كما يندب كونه ذا حلمٍ وتثبت ولين وصحة حواس وأعضاء وعلمٍ بالكتابة (مجتهد) فلا يصح تولية جاهل ومقلد وإن حفظ مذهب إمامه؛ لعجزه عن إدراك غوامضه وتقرير أدلته; إذ لا يحيط بهما إلا مجتهد مطلق. ويشترط (١) علمه بالحساب المحتاج إليه في المسائل الغالب وقوعها لا غير، ولا يشترط معرفته بلغة أهل ولايته وعكسه، ومحلهما إن كان ثَمَّ عدل يُعَرِّفه بلغتهم ويُعَرِّفُهم بلغته. ولو وُلِّي من لم يُعلم اجتماع تلك الشروط فيه ثم بانت فيه صحت توليته (٢)، وللمُوَلِّي إن لم يعلم أن يعتمد في الصالح على شهادة عدلين عارفين بما ذكر. ويسن له اختباره؛ ليزداد فيه بصيرة (وهو) أي المجتهد (من يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام) وإن لم يحفظ ذلك عن ظهر قلب، ولا ينحصر في خمسمائة آية ولا خمسمائة حديث، ويكفي اعتماده فيها على أصل مصحح عنده يجمع غالب أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- مع معرفة اصطلاحه وما للناس فيه من نقد ورد (وعامه وخاصه) ومطلقه ومقيده (ومجمله ومبينة وناسخه ومنسوخه) والنص والظاهر والمحكم (ومتواتر السنة وغيره) وهو آحادها; إذ لا يتمكن من الترجيح عند تعارضها إلا بمعرفة ذلك
стр. 1946
وَ المُتَّصِلَ وَالمُرْسَلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ
(و) الحديث (المتصل) باتصال رواته إلى الصحابي فقط ويسمى الموقوف، أو إليه ﷺ ويسمى المرفوع (والمرسل) وهو ما يسقط فيه الصحابي (وحال الرواة قوة وضعفا) ; لأنه بذلك يتوصل إلى تقرير الأحكام، نعم ما تواتر ناقلوه أو أجْمع السلف على قبوله لا يُبحث عن عدالة ناقليه، وله الاكتفاء بتعديل إمام عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل (ولسان العرب لغة، ونحوا) وصرفا وبلاغة; إذ لا بد منها في فهم الكتاب والسنة (وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعا واختلافا) لا في كل مسألة بل في المسألة التي يريد النظر فيها بأن يعلم أن قوله فيها لا يخالف إجماعا ولو بأن يغلب على ظنه أنها مولدة لم يتكلم فيها الأولون، وكذا يقال في معرفة الناسخ والمنسوخ (والقياس بأنواعه) -من جلي وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق كقياس ضرب الوالد على تأفيفه، أو مساو وهو ما يبعد فيه الفارق كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، أو أدون وهو ما لا يبعد فيه ذلك كقياس التفاح على البر في الربا بجامع الطعم- صحة وفسادا وجلاء وخفاء وطرق استخراج العلل والاستنباط، ولا يشترط نهايته في كلِّ ما ذكر بل تكفي الدرجة الوسطى في ذلك مع الاعتقاد الجازم بأمور العقائد وإن لم يحسن قوانين علم الكلام المدونة الآن. واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، أما مقيد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه كما لا يجوز الاجتهاد مع النص (١).
[فروع] في التقليد يضطر إليها مع كثرة الخلاف فيها وحاصل المعتمد من ذلك أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة ودُوِّن حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك. ويشترط لصحة التقليد أيضا أن لا يكون مما ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه لا لإفتاء أو قضاء فيمتنع تقليد غير الأربعة فيه إجماعا
стр. 1947
كما يعلم مما يأتي; لأنه محض تشبه وتغرير، ومن ثم إذا قصد به المفتي مصلحة دينية جاز إن بيّن للمستفتي قائل ذلك. ويشترط أيضا اعتقاد أرجحية مقلده أو مساواته لغيره لكن المشهور الذي رجحاه جواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل، ولا ينافي ذلك كونه عاميا جاهلا بالأدلة; لأن الاعتقاد لا يتوقف على الدليل؛ لحصوله بالتسامع ونحوه، قال الهروي: مذهب أصحابنا أن العامي لا مذهب له (١) -أي معين يلزمه البقاء عليه- وحيث اختلف عليه متبحران -أي في مذهب إمامه- فكاختلاف المجتهدين. انتهى، وقضيته جواز تقليد المفضول من أصحاب الأوجه مع وجود أفضل منه، نعم محله في عامل عامي لم يتأهل للنظر في الدليل ولم يعلم الراجح من غيره، أما المفتي والعامل المتأهل فليس لأحدهما الاعتماد في مسألة ذات قولين أو وجهين على أحدهما بلا نظر فيه بلا خلاف، بل يبحث عن أرجحهما بنحو تأخره إن كانا لواحد، فإن كانا لأكثر من واحد تخير؛ لتضمن ذلك ترجيح كل منهما من قائله الأهل، ولا يجوز تقليد ما ينقض فيه الاجتهاد مطلقاً. ويشترط أيضا أن لا يتتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل منه; لانحلال ربقة التكليف من عنقه حينئذ، ومن ثم كان الأوجه أنه يفسق (٢) به. ويشترط أيضا أن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل منهما، وأن لا يعمل بقول في مسألة ثم بضده في عينها (٣).
[فائدة] من ارتكب ما اختلف في حرمته من غير تقليد أثم بترك تعلم أمكنه، وكذا بالفعل إن كان مما لا يعذر أحد بجهله لمزيد شهرته، أما إذا عجز عن التعلم -ولو لنُقْلَةٍ (٤) أو اضطرار إلى تحصيل ما يسد رمقه أو رمق ممونه- فيرتفع تكليفه كما قبل ورود الشرع. ومن أدى عبادة مختلفا في صحتها من غير تقليد للقائل بها لزمه إعادتها; لأن إقدامه على فعلها عبث، وبه يعلم أنه حال تلبسه بها عالم بفسادها; إذ لا يكون عابثا إلا حينئذ. فخرج من مسَّ فرجه فنسي وصلى فله تقليد أبي حنيفة في إسقاط القضاء إن كان مذهبه صحة صلاته مع عدم
стр. 1948
فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ
تقليده له عند الصلاة وإلا فهو عابث عنده أيضا، وكذا لمن أقدم معتقدا صحتها على مذهبه جهلا وقد عذر به، (فإن تعذر جمع هذه الشروط)، أو لم يتعذر (فولى سلطان) أو من (له شوكة) غيره بأن يكون بناحية انقطع غوث السلطان عنها ولم يرجعوا إلا إليه.
[تنبيه] ظاهر المتن أن السلطنة لا تستلزم دوام الشوكة فلو زالت شوكة سلطان بنحو حبس أو أسر ولم يخلع نفذت أحكامه (فاسقا أو مقلدا) ولو جاهلا (نفذ قضاؤه (١) الموافق لمذهبه المعتد به وإن زاد فسقه (للضرورة) ; لئلا تتعطل مصالح الناس. وتنفذ تَوْلِيَة امرأة وأعمى فيما يضبطه وقن وكافر (٢)، ولا يبعد نفاذ (٣) قضاء عامي محض لا ينتحل مذهبا ولا يُعَوِّل على رأي مجتهد إذا ولاه ذو شوكة وعجز الناس عن عزله فينفذ منه ما وافق الحق؛ للضرورة. ولو تعارض فقيه فاسق وعامي دَيِّن فإن كان فسق العالم لحق الله تعالى فهو أولى بالتقديم، أو بالظلم والرشا فالدَّيِّن أولى ويُراجِع العلماء. وخرج بقوله سلطان القاضي الأكبر فلا تنفذ توليته من ذكر إلا إن كان بعلم السلطان، وتجب عليه رعاية الأمثل فالأمثل; رعاية لمصلحة المسلمين، وما ذكر في المقلد محله إن كان ثَمَّ مجتهد وإلا نفذت تولية المُقَلِّد ولو من غير ذي شوكة، وكذا الفاسق فإن كان هناك عدل اشترطت شوكة وإلا فلا. ومن ولاه ذو شوكة انعزل بزوال شوكة موليه؛ لزوال المقتضي لنفوذ قضائه بخلاف مقلد أو فاسق مع فقد المجتهد والعدل فلا تزول ولايته بذلك; لعدم توقفها على الشوكة.
[تنبيه] يلزم قاضي الضرورة -وهو من فقد فيه بعض الشروط السابقة- بيان مستنده في سائر أحكامه، ولا يقبل قوله حكمت بكذا من غير بيان لمستنده فيه؛ لضعف ولايته، ومثله المحكَّم بل أولى، ومحله في الأول إن لم يمنع موليه من طلب بيان مستنده. ويجوز أن يخص النساء بقاض، وبحث في الرجل والمرأة أن العبرة بالطالب منهما.
стр. 1949
وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ إذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، فَإِنْ نَهَاهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَطْلَقَ اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا غَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَشَرْطُ المُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي، إلَّا أَنْ يُسْتَخْلَفَ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ أَوْ بِاجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا،
(ويندب للإمام) ومن أُلحق به (إذا ولى قاضيا أن يأذن له في الاستخلاف)؛ ليكون أسهل له وأقرب لفصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة (وإن نهاه) عنه (لم يستخلف) استخلافا عاما; لأنه لم يرض بنظر غيره. ولو فوض له حينئذ ما لا يمكنه القيام به نفذ فيما يمكنه ولا يستخلف. وله إذا ولَّاه بلدتين متباعدتين كبغداد والبصرة أن يختار مباشرة القضاء في إحداهما. وأما الاستخلاف الخاص كتحليف وسماع بينة فقضية كلام الأكثرين منعه أيضا، وقال جمع متقدمون يجوز واختاره الأذرعي إلا أن ينص على المنع منه، نعم التزويج والنظر في أمر اليتيم ممتنع حتى عند هؤلاء كالاستخلاف العام. (وإن أطلق) الاستخلاف استخلف مطلقا -فيما لايقدر عليه وغيره-، أو أطلق التولية فيما لا يقدر إلا على بعضه (استخلف) إن كان بمحل ولايته (فيما لا يقدر عليه)؛ لحاجته إليه (لا غيره في الأصح)؛ تحكيما لقرينة الحال. ولو طرأ عدم القدرة بعد التولية لنحو مرض أو سفر استخلف جزما إن نهاه عن الاستخلاف نهياً مطلقاً، أما إن نهاه عن الاستخلاف ولو بعذر فلا يستخلف. (وشرط المُسْتَخْلَف كالقاضي) ; لأنه قاض (إلا أن يُسْتَخْلَف في أمر خاص كسماع بينة) وتحليف (فيكفي علمه بما يتعلق به) من شرط البينة أو التحليف مثلا ولو عن تقليد، ومن ذلك نائب القاضي في القرى إذا فوَّض له سماع البينة فقط يكفيه العلم بشروطها ولو عن تقليد، وليس مثله من نصب للجرح والتعديل; لأنه حاكم. وللقاضي استخلاف ولده ووالده (١) كما أن للإمام توليتهما، نعم لو فوَّض الإمام اختيار قاض أو توليته لرجل لم يجز له اختيارهما; لأن التهمة هنا أقوى؛ للفرق الواضح بين القاضي المستقل والنائب في التولية، نعم محل جواز تولية القاضي لهما إن صحت توليته -أي القاضي- وحمدت سيرته وكانا كذلك (ويحكم) الخليفة (باجتهاده أو اجتهاد مقلَّده) لا غير (إن كان مقلدا) فلا يجوز له الحكم بغير مذهب إمامه وإن تأهل للنظر والترجيح، بل لا يجوز لغير متبحر حكم بغير معتمد مذهبه،
стр. 1950
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ خِلَافَهُ. وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدِّ للهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: بِشْتَرَطُ عَدَمُ قَاضٍ فِي الْبَلَدِ. وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إلَّا عَلَى رَاضٍ بِهِ
ولا لمتبحر إذا شرط عليه ذلك ولو عرفا، (ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه) ; لأنه يعتقده غير الحق والله تعالى إنما أمر بالحكم بالحق، فإن شرط ذلك عليه بطل الاستخلاف.
[تنبيه] منصب سماع الدعوى والبينة والحكم بها شامل للإمام الأعظم كالقاضي . (ولو حكَّم خصمان) أو اثنان من غير خصومة -كفي نكاح- أو حكَّم أكثر من اثنين (رجلا في غير حد) أو تعزير (لله تعالى جاز مطلقا) أي مع وجود قاض أهل وعدمه (بشرط أهلية القضاء) المطلقة لا في خصوص تلك الواقعة فقط; لأن ذلك وقع لجمع من الصحابة ولم ينكر مع اشتهاره فكان إجماعا. أما حد الله تعالى أو تعزيره فلا يجوز التحكيم فيه; إذ لا طالب له معين، وأُخذ منه أن حق الله تعالى المالي الذي لا طالب له معين لا يجوز التحكيم فيه. وأما غير الأهل فلا يجوز تحكيمه مع وجود الأهل وإلا جاز (١) ولو في النكاح. ولا يجوز لوكيل من غير إذن موكله تحكيم ولا لولي إن أضر مذهب المحكِّم بموليه، وكوكيلٍ مأذونٌ له في التجارة وعامل قراض ومفلس إن ضرّ غرماءه ومكاتب إن أضر به. وتحكيم السفيه لغو إلا إن أذن الولي، (وفي قول لا يجوز) التحكيم; لما فيه من الافتيات على الإمام ونوابه، ويجاب بأنه ليس له حبس ولا ترسيم ولا استيفاء عقوبة آدمي ثبت موجبها عنده فلا افتيات، (وقيل بشرط عدم قاض في البلد)؛ للضرورة، (وقيل يختص) الجواز (بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما) كلعان وحد قذف (ولا ينفذ حكمه إلا على راضٍ) لفظا لا سكوتا. ويعتبر رضا الزوجين معا في النكاح، نعم يكفي سكوت البكر إذا استؤذنت في التحكيم (به) أي بحكمه الذي سيحكم به من ابتداء التحكيم إلى تمام الحكم; لأنه المثبت للولاية، نعم إن كان أحد الخصمين القاضي الذي له الاستخلاف واستمر رضاه لم يؤثر عدم رضا خصمه; لأن المحكم نائبه فالتحاكم حينئذ تولية أي إذا جرى بلفظ يفيد التفويض كاحكم بيننا. ولو كان أحدهما بعضه أو عدوه نفذ حكمه على بعضه ولعدوه; لعدم التهمة دون عكسه؛ لوجودها مع عدم القدرة على رده; لأنه لا يفيد بعد الحكم، وكونه رضي به أوّلاً قد يكون لظن عدم التهمة. وللمحكم
стр. 1951
فَلَا يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الحُكْمِ امْتَنَعَ الحُكْمُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الرِّضَا بَعْدَ الحُكْمِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَخَصَّ كُلًّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ نَوْعٍ جَازَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَخُصَّ فِي الْأَصَحِّ، إلَّا أَنْ يَشْرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الحُكْمِ
أن يحكم (١) بعلمه، نعم لا بد من بيان مستنده كما مر، وكونه مشهور الديانة والصيانة. وإذا اشترط رضا المحكوم عليه (فلا يكفي رضا قاتل في ضرب دية على عاقلته) بل لا بد من رضاهم; لأنهم لا يؤاخذون بإقراره فكيف برضاه (فإن رجع أحدهما قبل الحكم) ولو بعد استيفاء شروط البينة (امتنع الحكم) ; لعدم استمرار الرضا (ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) كحكم المُوَلَّى من جهة الإمام، ولا ينقض حكمه إلا حيث ينقض حكم القاضي. وله أن يشهد على إثباته وحكمه في مجلسه خاصة؛ لانعزاله بالتفرق. وإذا تولى القضاء بعد سماع بينة حكم بها بعده من غير إعادتها (ولو نصب) الإمام أو نائبه (قاضيين) أو أكثر (ببلد وخص كلا بمكان) منه (أو زمن أو نوع) كأن جعل أحدهما يحكم في الأموال أو بين الرجال، والآخر في الدماء أو بين النساء (جاز) ; لعدم المنازعة بينهما، فإن كان رجل وامرأة وليس ثََمَّ إلا قاضي رجال أو قاضي نساء لم يحكم بينهما بخلاف ما إذا وجدا فإن العبرة بالطالب على ما مر (٢) (وكذا إن لم يخص في الأصح) كنصب الوصيين والوكيلين في شيء. وإذا كان في بلدة قاضيان فإن كان أحدهما أصلا أجيب داعيه وإلا فمن سبق داعيه، فإن جاءا معا أقرع، فإن تنازع المتخاصمان في اختيار القاضيين أجيب المدعي (٣)، فإن كان كلٌّ طالبا ومطلوبا كأن اختلفا فيما يقتضي تحالفا فأقربهما يجاب طلبه، فإن استويا في القرب فالقرعة. وقضية المتن أنه حيث لم يشرط اجتماعا ولا استقلالا حُمل على الاستقلال (إلا أن يشرط اجتماعهما على الحكم) فلا يجوز قطعا; لاختلاف اجتهادهما غالبا فلا تنفصل الخصومات، وقضيته أنهما لو كانا مقلدين لإمام واحد ولا أهلية لهما في نظر ولا ترجيح، أو شرط اجتماعهما على المسائل المتفق
стр. 1952
فصل
جُنَّ قَاضٍ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَمِيَ أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَكَذَا لَوْ فَسُقَ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلِلْإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ،
عليها صح شرط اجتماعهما; لأنه لا يؤدي إلى تخالف اجتهاد ولا ترجيح. ولو حكَّما اثنين اشترط اجتماعهما بخلاف ما ذكر في القاضيين؛ لظهور الفرق.
[فرع] يشترط تعيين ما يُوَلَّي فيه، نعم إن اطرد عرف بتبعية مزارع وبساتين البلدة لها أو بتبعية بلاد لبلاد في توليتها دخلت تبعا لها وإلا اقتصر على ما في البلد دون نحو مزارعها وبساتينها (١). ويستفيد بتولية القضاء العام سائر الولايات وأمور الناس حتى نحو زكاة (٢) وحسبة لم يفوضا لغيره، والأوجه في ((احكم بين الناس)) أنه خاص بالحكم لا يتجاوز لغيره.
(فصل) فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله
إذا (جن قاض أو أغمي عليه) -ولو لحظة- أو مَرِض مرضا لا يرجى زواله وقد عجز معه عن الحكم (أو عمِي) أو صار كالأعمى كما عرف مما مر في قوله بصير (أو ذهبت أهلية اجتهاده) المطلق أو المقيد بنحو غفلة (و) كذا إن لم يكن مجتهدا وصححنا ولايته فذهب (ضبطه بغفلة أو نسيان) بحيث إذا نبه لا ينتبه (٣) (لا ينفذ حكمه)؛ لانعزاله بذلك، وكذا إن خرس أو صم. ولو عمي بعد ثبوت أمر عنده ولم يبق إلا الحكم الذي لا يحتاج معه إلى إشارة نفذ حكمه به (وكذا لو فسق) أو زاد فسق من لم يعلم موليه بفسقه الأصلي أو الزائد حال توليته فلا ينفذ حكمه (في الأصح)؛ لوجود المنافي، هذا إن قلنا بالمرجوح أنه لا ينعزل بالفسق وإلا لم ينفذ جزما (فإن زالت هذه الأحوال لم تعد ولايته في الأصح) إلا بتولية جديدة كالوكالة (و) يجوز (للإمام عزل قاض) لم يتعين (ظهر منه خلل) لا يقتضي انعزاله ككثرة
стр. 1953
أَوْ لَمْ يَظْهَرْ وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ وَفِي عَزْلِهِ بِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ، وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ يَنْفُذُ الْعَزْلُ فِي الْأَصَحِّ. وَالمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ. وَإِذَا كَتَبَ الْإِمَامُ إلَيْهِ إذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ فَقَرَأَهُ انْعَزَلَ،
الشكاوى منه، أو ظن أنه ضعف، أو زالت هيبته في القلوب، وذلك; لما فيه من الاحتياط. أما ظهور ما يقتضي انعزاله فإن ثبت انعزل ولم يحتج لعزل (أو لم يظهر) منه خلل (وهناك أفضل منه) فله عزله من غير قيد مما يأتي في المثل; رعاية للأصلح للمسلمين (أو) هناك (مثله) أو دونه (وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة) ; لما فيه من المصلحة للمسلمين (وإلا) يكن فيه مصلحة (فلا) يجوز عزله; لأنه عبث وتصرف الإمام يصان عنه (١) (لكن) مع الإثم على المولي والمتولي (ينفذ العزل في الأصح)؛ لطاعة السلطان. أما إذا تعين بأن لم يكن ثَمَّ من يصلح غيره فيحرم على موليه عزله ولا ينفذ، وكذا عزله لنفسه حينئذ بخلافه في غير هذه الحالة ينفذ عزله لنفسه وإن لم يعلم موليه كالوكيل. وللمستخلف عزل خليفته ولو بلا موجب، ولو ولَّى آخر ولم يتعرض للأول ولا ظن نحو موته لم ينعزل، نعم إن اطردت العادة بأن مثل ذلك المحل ليس فيه إلا قاض واحد احتمل الانعزال حينئذ (والمذهب أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله)؛ لعظم الضرر في نقض أقضيته لو انعزل. وينفذ حكمه قبل علمه هو بالعزل ظاهرا وباطنا وإن علم المتخاصمان عزله. ولا بد في العزل من عدلي الشهادة (٢) أو الاستفاضة كالتولية، ولا يكفي كتاب مجرد وإن حفته قرائن يبعد التزوير بمثلها، ولا قول إنسان وُلِّيْت، نعم الوجه أنه إن صدقه المدعي و المدعى عليه نفذ حكمه لهما وعليهما كالمحكم بل أولى بخلاف ما إذا صدقه أحدهما، أو صدقه أهل الحل والعقد; لأن تصديقهم لا يثبت تولية عامة بخلاف توليتهم. ولا ينعزل نوَّاب القاضي حتى يبلغهم خبر عزله بعدلي الشهادة أو الاستفاضة، ولو بلغ الخبر المستنيب دون النائب أو بالعكس (٣) انعزل مَن بلغه ذلك دون غيره، والعبرة في بلوغ خبر العزل للنائب بمذهبه لا بمذهب منوبه. (وإذا كتب الإمام إليه إذا قرأت كتابي فأنت معزول فقرأه) أو طالعه وفهم ما فيه وإن لم يتلفظ به، والمراد سطر العزل (انعزل)؛ لوجود
стр. 1954
وَكَذَا إنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيْتٍ وَالْأَصَحُّ انْعِزَالُ نَائِبِهِ المُطْلَقِ إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، أَوْ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ عَنْكَ أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَالَ اسْتَخْلِفْ عَنِّي فَلَا. وَلَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَلَا نَاظِرُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ بِمَوْتِ قَاضٍ
الشرط، (وكذا إن قرئ عليه) وإن كان قارئا (في الأصح) ; لأن القصد إعلامه بالعزل لا قراءته (وينعزل بموته وانعزاله من أذن له في شغل معين كبيع مال ميت) أو غائب وكسماع شهادة في معين كالوكيل (والأصح انعزال نائبه) أي القاضي، ومن نائبه قاضي الإقليم إلا إذا صرح الإمام بكونه نائبا عنه أو اقتضاه العرف (المطلق إن لم يؤذن له في الاستخلاف) ; لأن القصد باستنابته معاونته وقد زالت (أو) إن (قيل له) من جهة موليه (استخلف عنك)؛ لما ذكر (أو أطلق)؛ لظهور غرض المعاونة حينئذ، نعم إن عيَّن له الخليفة كان قاطعا لنظره فيكون كما في قول (فإن قال) له موليه (استخلف عني فلا) ينعزل الخليفة بموته; لأنه ليس نائبه (ولا ينعزل قاض) غير قاضي ضرورة، ولا قاضي ضرورة إذا لم يوجد مجتهد صالح رُجي توليه، ولا من ولايته عامة كنظر بيت المال والجيش والحسبة والأوقاف (بموت الإمام) الأعظم ولا بانعزاله; لعظم الضرر بتعطيل الحوادث، ومن ثم لو ولَّاه للحكم بينه (١) وبين خصمه انعزل بفراغه منه، ولأن الإمام إنما يولي القضاة نيابة عن المسلمين بخلاف تولية القاضي لنوابه فإنه عن نفسه، ومن ثم كان له عزلهم بغير موجب كما مر بخلاف الإمام يحرم عليه إلا بموجب.
[تنبيه] العادة في الأزمنة السابقة أن تولية الخليفة العباسي للسلطان ثم السلطان يستقل بتولية القضاة وغيرها، وحينئذٍ فالمدار على صحة ولاية الخليفة (٢) فإن صححناها -بأن استجمع الشروط وإن ضعفت أو زالت الشوكة- أتى التفصيل المار في الإذن في الاستخلاف عنه أو عن الخليفة أو يطلق، أو حكمنا ببطلان الخلافة فالقضاة نواب السلطان لا غير (٣). (ولا) ينعزل (ناظر يتيم) ومسجد (ووقف بموت قاض) نصبهم، وكذا بانعزاله; لئلا تختل
стр. 1955
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ انْعِزَالِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ جَائِزِ الحُكْمِ قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ. وَيُقْبَلُ، قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا. فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحِلِّ وِلَايَتِهِ فَكَمَعْزُولٍ. وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ بِرِشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدَيْنِ مَثَلًا أُحْضِرَ وَفُصِلَتْ خُصُومَتُهُمَا ....
المصالح، نعم لو شرط النظر لحاكم المسلمين انعزل بتولية قاض جديد؛ لصيرورة النظر إليه بشرط الواقف (ولا يقبل قوله) وإن كان انعزاله بالعمى (١) (بعد انعزاله) ولا قول المحكم بعد مفارقة مجلس حكمه (حكمت بكذا) ; لأنه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ، (فإن شهد) وحده، أو (مع آخر بحكمه لم يقبل على الصحيح) ; لأنه يشهد بفعل نفسه. وخرج بحكمه شهادته بإقرار صدر في مجلسه فيقبل جزما، (أو) شهد (بحكم حاكم جائز الحكم (٢) لا كحاكم الشرطة مثلا (قبلت) شهادته (في الأصح)؛ لانتفاء الشهادة بفعل نفسه، واحتمال المبطل لا أثر له، ومن ثم لو علم أنه حكمه لم يقبله. (ويقبل قوله قبل عزله حكمت بكذا) وإن قال بعلمي؛ لقدرته على الإنشاء حينئذ حتى لو قال قاض مجتهد -ولو في مذهب إمامه- على سبيل الحكم نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن قُبِل إن كنّ محصورات وإلا فهو كاذب، ولا ينفذ من جاهل أو فاسق. ولو حكم بطلاق امرأة بشاهدين فقالا إنما شهدنا بطلاق مقيد بصفة ولم توجد، وقال بل أطلقتما قُبِل قوله إن لم يتهم في ذلك؛ لعلمه وديانته. (فإن كان في غير محل ولايته) وهو خارج عمله لا مجلس حكمه إلا إن قيده موليه بذلك المجلس (فكمعزول) ; لأنه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ فلا ينفذ إقراره به، وعلى ما تقرر فليس له (٣) قبل أن يصل لمحل ولايته أن يستخلف من يحكم في محل ولايته إلا إن اطردت العادة باستنابة المتولي قبل وصوله وعلم بها منيبه. (ولو ادعى شخص على معزول) أي ذَكَر للقاضي الجديد (أنه أخذ ماله برشوة) أي على سبيل الرشوة (أو شهادة عبدين مثلا) وأعطاه لفلان ومذهب المعزول أنه لا تجوز شهادتهما (أحضر وفصلت خصومتهما)؛ لتعذر إثبات ذلك بغير حضوره،
стр. 1956
وَإِنْ قَالَ حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا أُحْضِرَ. وَقِيلَ: لَا حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ بِيَمِينٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمٍ لَمْ تُسْمَعْ، وَيُشْتَرَطُ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ
وله أن يوكل ولا يحضر. ومن حضر لجديد وتَظَلَّم من معزول لم يحضره قبل استفصاله عن دعواه; لئلا يقصد ابتذاله (وإن قال حكم بعبدين) أو نحو فاسقين، وإنما سمعت هذه الدعوى مع أنها ليست على قواعد الدعاوى الملزمة إذ ليست بنفس الحق; لأن القصد منها التدرج إلى إلزام الخصم (ولم يذكر مالا أحضر) ليجيب عن دعواه (وقيل لا) يحضره (حتى تقوم بينة بدعواه) ; لأنه كان أمين الشرع (فإن حضر) بعد البينة، أو من غير بينة (وأنكر) بأن قال لم أحكم عليه أصلا، أو لم أحكم إلا بشهادة حرين عدلين (صدق بلا يمين في الأصح)؛ صيانة عن الابتذال، نعم من ظهر فسقه وجوره وعلمت خيانته حلف قطعا فمحل فرض ذلك هنا وفيما يأتي في قاضٍ محمود السيرة لم يظهر فسقه وجوره (قلت: الأصح) أنه لا يصدق إلا (بيمين والله أعلم)؛ لعموم خبر ((واليمين على من أنكر)). (ولو ادُّعِيَ على قاضٍ) متولٍّ (جورٌ في حكم لم تسمع) الدعوى عليه لأجل أنه يحلف له، وكذا لو ادعي على شاهد أنه شهد زورا وأراد تغريمه; لأنهما أمينا الشرع، (ويشترط) لسماع الدعوى عليهما بذلك (بينة) يحضرها بين يدي القاضي المدعى عنده؛ لتخبره حتى يحضره؛ إذ لو فتح باب تحليفهما لكل مدع لاشتد الأمر. (وإن) ادعي على متول بشيء (لم يتعلق بحكمه) كغصب أو دين أو بيع (حكم بينهما خليفته أو غيره) كواحد من الرعية يُحكِّمانه. وخرج بما ذكر الدعوى على متول في محل ولايته عند قاض أنه حكم بكذا فلا تسمع بخلافه في غير محلها وبخلاف المعزول فتسمع الدعوى والبينة ولا يحلف.
стр. 1957
فصل
لِيَكْتُبِ الْإِمَامُ لِمَنْ يُوَلِّيهِ. وَيُشْهِدْ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ يَخْرُجَانِ مَعَهُ إلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالحَالِ، وَتَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ فِي الْأَصَحِّ لَا مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى المَذْهَبِ. وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، وَيَدْخُلُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ
(فصل) في آداب القضاء وغيرها
(ليكتب الإمام) أو نائبه كالقاضي الكبير ندبا (لمن يوليه) كتابا بالتولية وما فوضه إليه وما يحتاج إليه القاضي، ويعظمه فيه ويعظه ويبالغ في وصيته بالتقوى ومشاورة العلماء والوصية بالضعفاء؛ اتباعا له ﷺ في عمرو بن حزم لمَّا ولَّاه اليمن (ويُشْهِد بالكتاب) يعني لا بد إن أراد العمل بذلك الكتاب أن يشهد بما فيه من التولية (شاهدين يخرجان معه إلى البلد) أي محل التولية وإن قرب (يخبران بالحال) حتى يلزم أهل البلد قضاؤه والاعتماد على ما يشهدان به دون ما في الكتاب. ولا بد أن يسمعا التولية من المولِّي. وإذا قرئ الكتاب بحضرة المولِّي فليعلما أن ما فيه هو الذي قرئ; لئلا يقرأ غير ما فيه، ثم إن كان في البلد قاض أدَّيا عنده وأثبت ذلك بشروطه، ومنها كون الشاهدين بصفات عدول الشهادة، أما إن لم يكن ثمة قاضٍ فيكفى إخبارهما لأهل الحل والعقد من البلد، ويكفي حينئذ أن يكون ظاهرا العدالة (وتكفي الاستفاضة) عن الشهادة (في الأصح)؛ لحصول المقصود (لا مجرد كتاب) فلا يكفي (على المذهب)؛ لإمكان تزويره وإن احتفت القرائن بصدقه، ولا يكفي إخبار القاضي وإن صدقوه (١)؛ لاتهامه. (ويبحثُ القاضي) ندبا (عن حال علماء البلد) أي محل ولايته (وعدوله) -إن لم يعرفهم قبل دخوله، فإن تعسر فعقبه- ليعاملهم بما يليق بهم (ويدخل) وعليه عمامة سوداء كما فعل ﷺ لمَّا دخل مكة يوم الفتح. والأولى دخوله (يوم الاثنين) صبيحته; لأنه ﷺ دخل المدينة فيه حين اشتد الضحى، فإن تعسر فالخميس فالسبت، وعقب دخوله يقصد الجامع فيصلي ركعتين ثم يأمر بعهده ليقرأ ثم بالنداء مَن كانت له حاجة فليحظر; ليأخذ في العمل ويستحق الرزق (٢) (وينزل) حيث لا موضع مهيأ للقضاء (وسَط البلد)؛ ليتساوى
стр. 1958
وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الحَبْسِ، فَمَنْ قَالَ حُبِسْتُ بِحَقٍّ أَدَامَهُ، أَوْ ظُلْمًا فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا كَتَبَ إلَيْهِ لِيَحْضُرَ. ثُمَّ فِي الْأَوْصِيَاءِ، فَمَنِ ادَّعَى وِصَايَةً سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ حَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا أَخَذَ المَالَ مِنْهُ، أَوْ ضَعِيفًا عَضَدَهُ بِمُعِينٍ
الناس في القرب منه (وينظر أوّلا) ندبا بعد أن يتسلم من الأول ديوان الحكم وهو الأوراق المتعلقة بالناس، وأن ينادي في البلد متكررا أن القاضي يريد النظر في المحابيس يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر (في أهل الحبس) حيث لا أحوج بالنظر منهم هل يستحقونه أو لا؟ لأنه عذاب، ويقرع في البداءة فمن قرع أُحضر خصمه ويفصل بينهما وهكذا (فمن قال حُبست بحق أدامه) إلى أدائه، أو ثبوت إعساره وبعده ينادى عليه؛ لاحتمال ظهور غريم آخر ثم يطلقه، أو إلى استيفاء حد حبس له، أو إلى ما يناسب جريمة معزَّر إن لم ير ما مضى كافيا، (أو) قال حُبست (ظلما فعلى خصمه حجة) إن حضر، فإن أقامها أدامه، وإلا حلفه وأطلقه من غير كفيل إلا أن يراه فحسن (فإن كان) خصمه (غائبا) عن البلد (كتب إليه ليحضر)؛ لفصل الخصومة بينهما أو يوكل; لأن القصد إعلامه ليلحن بحجته، فإن علم ولم يحضر ولا وكَّل حُلِّف وأُطلق; لتقصير الغائب، (ثم في الأوصياء) وكل متصرف على الغير بعد ثبوت ولايتهم عنده; لأن ذا المال لا يملك المطالبة بماله فناب القاضي عنه; لأنه وليه العام إن كان ببلده وإن كان ماله ببلد آخر; لما مر أن الولاية العامة لصاحب بلد المالك. (فمن ادعى وصاية سأل) الناس (عنها) ألها حقيقة وما كيفية ثبوتها؟ (وعن حاله) هل هو مستجمع للشروط؟ (وتصرفه؟ فمن) قال فرقت الوصية، أو تصرفت للموصى عليه لم يعترضه (١) إن وجده عدلا، وإن (وجده فاسقا أخذ المال منه) وجوبا أي: بدل ما فوته وعين غيره، ومن شك في حاله ولم تثبت عدالته عند الأول ينتزعه منه (٢). أما إذا ثبتت عدالته عند الأول فلا يؤثر الشك وإن طال الزمن؛ لاتحاد القضية (أو) وجده (ضعيفا) عن القيام بها مع أمانته (عضده بمعين) ولا ينزع المال منه. ثم بعد الأوصياء ينظر في أمناء القاضي بما ذكر في الأوصياء، نعم له عزل من شاء منهم ولو بلا جنحة; لأنهم صاروا نوابه بخلاف الأوصياء. وليس له كشف عن أب
стр. 1959
وَيَتَّخِذُ مُزَكِّيًا وَكَاتِبًا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَدْلًا عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، وَوُفُورُ عَقْلٍ، وَجَوْدَةُ خَطٍّ. وَمُتَرْجِمًا، وَشَرْطُهُ عَدَالَةٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَدٌ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ أَعْمَى، وَ اشْتِرَاطُ عَدَدٍ فِي إسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ
وجد إلا بعد ثبوت موجب (١) قادح عنده، ثم ينظر في الأوقاف العامة (٢) ونحوها كاللقطات وعليه الأحظ من بقائها مفردة وخلطها بمال بيت المال وبيعها وحفظ ثمنها. (ويتخذ) ندبا (مزكيا) بصفته الآتية، وأراد به الجنس وكذا ما بعده; إذ لا يكفي واحد (وكاتبا)؛ اتباعا ولأنه يحتاج إليه لكثرة أشغاله، وإنما يندب هذا إن لم يطلب أجرا، أو رُزِق من بيت المال وإلا لم يندب اتخاذه إلا إن تعين كالقاسم والمقوم والمترجم والمسمع والمزكي؛ لئلا يغالوا في الأجرة (٣). (ويشترط كونه) أي الكاتب حرا ذكرا (مسلما عدلا)؛ لتؤمن خيانته (عارفا بكتابة محاضر وسجلات) ; لأن الجاهل بذلك يفسد ما يكتبه (ويستحب) فيه (فقه) فيما يكتبه أي زيادته من التوسع في معرفة الشروط ومواقع اللفظ والتحرز عن الموهم والمختل; لئلا يؤتى من الجهل. ومن اشترط فقهه أراد المعرفة بما لا بد منه من أحكام الكتابة، وعفة عن الطمع; لئلا يستمال (ووفور عقل) اكتسابي؛ ليزيد ذكاؤه وفطنته فلا يخدع (وجودة خط) وإيضاحه مع ضبط الحروف وترتيبها وتضييقها; لئلا يقع فيها إلحاق، وتبيينها حتى لا تشتبه نحو سبعة بتسعة، ومعرفته بحساب المواريث وغيرها؛ لاضطراره إليه، وفصاحته وعلمه بلغات الخصوم (و) يتخذ ندبا أيضا (مترجما) ; لأنه قد يجهل لسان الخصوم أو الشهود (وشرطه عدالة وحرية وعدد) أي اثنان ولو في زنا وإن كان شهوده كلهم أعجميين، نعم يكفي رجل وامرأتان فيما يثبت بهما وقيس بهما أربع نسوة فيما يثبت بهن وذلك; لأنه ينقل للقاضي قولا لا يعرفه فأشبه المزكي والشاهد (والأصح جواز أعمى) إن لم يتكلم غير الخصم; لأن الترجمة تفسير لِمَا يسمع فلم يحتج لمعاينة وإشارة بخلاف الشهادة. (و) الأصح (اشتراط عدد) ولا يضر العمى هنا أيضا (في إسماع قاض به صمم) لم يبطل سمعه كالمترجم فإنه ينقل عين اللفظ كما أن ذاك ينقل معناه. وشرطهما ما مر في المترجمين. وشرط كلٍّ من الفريقين الإتيان بلفظ
стр. 1960
وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّأْدِيبِ، وَ سِجْنًا لِأَدَاءِ حَقٍّ وَتَعْزِيرٍ. وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيحًا بَارِزًا مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ لَائِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ لَا مَسْجِدًا. وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشِبَعٍ مُفْرِطَيْنِ، وَكُلِّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ فِيهِ،
الشهادة وانتفاء التهمة فلا يقبل ذلك من نحو أصل أو فرع إن تضمن حقا لهما. وخرج بإسماع القاضي إسماع الخصم ما يقوله القاضي أو خصمه فيكفي فيه واحد; لأنه إخبار محض (ويتخذ) ندبا (دِرّة للتأديب)؛ اقتداء بعمر ﵁، ويضرب بها الأراذل لا المستورين. وله التأديب بالسوط (وسجنا لأداء حق وتعزير) كما فعله عمر ﵁ بدار اشتراها بمكة وجعلها سجنا. (ويستحب كون مجلسه) الذي يقضي فيه (فسيحا (١) ; لئلا يتأذى به الخصوم (بارزا) أي ظاهرا؛ ليعرفه كل أحد، ويكره اتخاذ حاجب لا مع زحمة أو في خلوة (مصونا من أذى) نحو (حر وبرد) وريح كريه وغبار ودخان (لائقا بالوقت) أي الفصل كمهب الريح وموضع الماء في الصيف، والكِن في الشتاء، والخضرة في الربيع (٢) (و) لائقا بوظيفة (القضاء) التي هي أعظم المناصب وأجل المراتب بأن يكون على غاية من الأبهة والحرمة والجلالة فيجلس مستقبل القبلة داعيا بالتوفيق والعصمة والتسديد متعمما متطيلسا على عالٍ به فرش ووسادة؛ ليتميز به وليكون أهيب وإن كان من أهل الزهد والتواضع؛ للحاجة إلى قوة الرهبة والهيبة، ومن ثم كره جلوسه على غير هذه الهيئة (لا مسجدا) أي لا يتخذه مجلسا للحكم فيكره ذلك; لأن مجلس القاضي يغشاه نحو الحِيَّض (٣) والدواب ويقع فيه اللغط والتخاصم، والمسجد يصان عن ذلك، نعم إن اتفق عند جلوسه فيه قضية أو قضايا فلا بأس بفصلها، وكذا إذا جلس فيه لعذر نحو مطر، وإقامة الحدود فيه أشد كراهة، وأُلحق بالمسجد بيته ويتعين حمله على ما إذا كان بحيث يحتشم الناس دخوله بأن أعده مع حالة يحتشم الناس الدخول عليه لأجلها، أما إذا أعده وأخلاه من نحو عيال وصار بحيث لا يحتشمه أحد في الدخول عليه فلا معنى للكراهة حينئذ. (ويكره أن يقضي) بحكم -سواء أكان للاجتهاد فيه مجال أوْ لا- (في حال غضب) لا لله تعالى (وجوع وشبع مفرطين وكل حال يسوء خلقه فيه) كمرض ومدافعة
стр. 1961
وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ. وَأَلَّا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ. وَلَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَهْدَى إلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا،
حدث وشدة حزن أو خوف أو هم أو سرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب وقيس به الباقي ولاختلال فِكْرِه وفهمه بذلك، ومع ذلك ينفذ حكمه، ولا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره، أما إذا غضب لله تعالى وكان يملك نفسه -بحيث لا يتشوش فكره- فلا كراهة (١) ; لأنه يؤمن معه التعدي، بخلافه لحظ نفسه (ويندب) عند تعارض الأدلة والمدارك (أن يشاور) المجتهد ولو في الفتوى، وغيره حيث لا معتمد متيقن في مذهبه في تلك الواقعة بسائر توابعها ومقاصدها (الفقهاء) العدول -ولو دونه- الموافقين والمخالفين؛ لقوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ آل عمران: ١٥٩ (وألا يشتري ويبيع (٢) ويعامل مع وجود من يوكله (بنفسه) في عمله بل يكره له; لئلا يُحابَى (ولا يكون له وكيل معروف) ; لئلا يُحابى أيضا (فإن) بيع له شيء بدون ثمن المثل حرم القبول، أو (أهدى إليه) أو ضيَّفه أو وهبه أو تصدق عليه فرضا أو نفلا على ما يأتي (مَن له خصومة) أو من أحس منه أنه سيخاصم -وإن كان بعضه أو كان يهدي قبل الولاية- (أو) من لا خصومة له و (لم يهد) إليه شيئا (قبل ولايته) أو كان يهدي إليه قبلها لكنه زاد في القدر أو الوصف (حرم عليه قبولها) ولا يملكها; لأنها في الأولى توجب الميل إليه وفي الثانية سببها الولاية، وقد صرحت الأخبار الصحيحة بتحريم هدايا العمال بل صح عن تابعي: أخذه الرشوة يبلغ به الكفر، أي إن استحل أو أنها سبب له، وسواء أكان المهدي من أهل عمله أم من غيره وقد حملها إليه; لأنه صار في عمله، فلو جهزها له مع رسوله وليس له محاكمة حرم أيضا. ولا يحرم عليه (٣) قبولها في غير عمله و إن كان المهدي من أهل عمله ما لم يستشعر بأنها مقدمة لخصومة، ومتى بذل له مال ليحكم بغير حق أو ليمتنع من حكم بحق فهو الرشوة المحرمة إجماعا، ومثله ما لو امتنع من الحكم بالحق إلا بمال لكنه أقل إثما، وقد قال ﷺ ((لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم)) وفي رواية ((والرائش)) وهو الماشي بينهما، ومحله في
стр. 1962
وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلَا خُصُومَةَ جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا
راشٍ لباطل، أما من علم أَخْذَ ماله بباطل لولا الرشوة فلا ذم عليه. وحكم الرائش حكم موكله فإن توكل عنهما عصى مطلقا.
[تنبيه] محل قولنا لكنه أقل إثما ما إذا كان له رزق من بيت المال وإلا -وكان ذلك الحكم مما يصح الاستئجار عليه وطلب أجرة مثل عمله فقط- جاز له طلبها وأخذها. ويجوز لمفتٍ وإن تعين الامتناع من الإفتاء إلا بجعل كالمحكم، ومحل ذلك إن كان ما يأخذه عليه فيه كلفة تقابل بأجرة (١) (وإن كان) من عادته أنه (يهدي) إليه -قبل الولاية والترشح لها لنحو قرابة أو صداقة- ولو مرة فقط (ولا خصومة) له حاضرة ولا مترقبة (جاز) قبول هديته إن كانت (بقدر العادة)؛ لانتفاء التهمة حينئذ بخلافها بعد الترشح أو مع الزيادة فيحرم قبول الكل إن كانت الزيادة في الوصف كأن اعتاد الكتان فأهدي إليه الحرير، وكذا في القدر، ولا يأتي فيه تفريق الصفقة; لأن محله إن تميز الحرام، ومن ثم إذا تميزت الزيادة حرمت فقط. ولو أهدي له بعد الحكم مهدٍ معتاد حرم القبول أيضا إن كان مجازاة له وإلا فلا. ويجوز له قبول الصدقة ممن لا خصومة له ولا عادة إذا لم يعرف المتصدق أنه القاضي وعكسه (٢).
[تنبيه] كالأعيان المنافعُ المقابلة بمال عادة كسكنى دار بخلاف غيرها كاستعارة كتاب علم وأكله طعام بعض أهل ولايته ضيفا كقبول هديتهم كما علم مما مر . والذي يتجه في الوقف عليه وفي النذر له من أهل عمله أنه إن عينه باسمه وشرطنا القبول كان كالهدية له، وكذا لو وقف على تدريس هو شيخه فإن عين باسمه امتنع وإلا فلا. ويصح إبراؤه عن دينه; إذ لا يشترط فيه قبول وكذا أداؤه عنه بغير إذنه بخلافه بإذنه بشرط عدم الرجوع. وخِلَع الملوك التي من أموالهم ليست كالهدية بشرط اعتيادها لمثله، وأن لا يتغير بها قلبه عن التصميم على الحق. وسائر العمال مثله في نحو الهدية لكنه أغلظ (والأولى) لمن جاز له قبول الهدية (أن يثيب عليها) أو يردها لمالكها أو يضعها في بيت المال، وأولى من ذلك سد باب القبول مطلقا؛ حسما للباب.
стр. 1963
وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي المُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيْحُكُمْ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الْإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ فَحَلَفَ المُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالْإِشْهَادَ بِهِ لَزِمَهُ
(ولا ينفذ حكمه) ولا سماعه لشهادة (١) (لنفسه) ; لأنه متهم، وإنما جاز له تعزير من أساء أدبه عليه في حكمه كحكمتَ عليَّ بالجور; لئلا يستخف ويستهان به فلا يسمع حكمه. وله أيضا أن يحكم لمحجوره وإن كان وصيا عليه قبل القضاء وإن تضمن حكمه استيلاءه على المال المحكوم به وتصرفه فيه، وكذا بإثبات وقف شرط نظره لقاض هو بصفته وإن تضمن حكمه وضع يده عليه، وبإثبات مال لبيت المال وإن كان يرزق منه، ولا يصح من القاضي الحكم بما آجره هو أو مأذونه من وقف هو ناظره إن كانت نظارته له قبل ولايته للقضاء، نعم إن كان متبرعاً فينفذ حكمه حينئذ كالوصي، (ورقيقه)؛ لذلك، نعم له الحكم بجناية عليه قبل رقه ويوقف ما ثبت له حينئذ إلى عتقه، فإن مات قنَّا صار فيئا، وكذا لمن وَرِث موصى بمنفعته الحكم بكسبه؛ لأن كسبه الحاصل قبل عتقه ليس للوارث الحاكم بل بالموصى له بالمنفعة (وشريكه) أو شريك مكاتبه (في المشترك)؛ لذلك أيضا، نعم لو حكم له بشاهد ويمينه جاز، ولا يشاركه القاضي حينئذ، وعليه فيشترط أن يعلم القاضي أنه لا يشاركه وإلا فالتهمة موجودة (وكذا أصله وفرعه) ولو لأحدهم على الآخر (على الصحيح) ; لأنهم أبعاضه فكانوا كنفسه، ومن ثم امتنع قضاؤه لهم بعلمه قطعا. أما الحكم عليهم كقنه وشريكه بل ونفسه فيجوز عكس العدو. وحكمه على نفسه حكم لا إقرار. وله تنفيذ حكم بعضه والشهادة على شهادته; إذ لا تهمة (ويحكم له) أي القاضي (ولهؤلاء الإمام أو قاض آخر) مستقل; إذ لا تهمة، (وكذا نائبه على الصحيح) كبقية الحكام (وإذا) ادعي عنده بدين حال أو مؤجل، أو بعين مملوكة أو وقف أو غير ذلك، ثم (أقر المدعى عليه أو نكل فحلف المدعي) أو حلف بلا نكول بأن كانت اليمين في جهته لنحو لوث، أو إقامة شاهد مع إرادة الحلف معه (وسأل) المدعي (القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه، أو) سأل (الحكم) له عليه (بما ثبت والإشهاد به لزمه) إجابته; لما ذكر،
стр. 1964
وكذا لو حلف مدعى عليه وسأل الإشهاد ليكون حجة له فلا يطالبه مرة أخرى وذلك; لأنه قد ينكر بعد فيفوت الحق لنحو نسيان القاضي أو انعزاله. ولو أقام بينة بدعواه وسأله الإشهاد عليه بقبولها لزمه أيضا; لأنه يتضمن تعديل البينة وإثبات حقه. وخرج بقوله سأل ما إذا لم يسأله؛ لامتناع الحكم للمدعي قبل أن يسأل فيه كامتناعه قبل دعوى صحيحة إلا فيما تقبل فيه شهادة الحسبة. وصيغة الحكم الصحيح (١) -الذي هو الإلزام النفساني المستفاد من جهة الولاية- حكمت أو قضيت له به أو نفذت الحكم به أو ألزمت خصمه الحق. ولو حكم في نفسه في مختلف فيه وأشهد بالحكم لم يتأثر بعد ذلك بنقض مخالف له. وإذا عُدِّلت البينة لم يجز الحكم إلا بطلب المدعي كما تقرر، فإذا طلبه قال لخصمه ألك دافع في هذه البينة أو قادح؟ فإن قال لا، أو نعم ولم يثبته حَكََمَ عليه وإن وجد فيها ريبة لم يجد لها مستندا. وقوله ثبت عندي كذا، أو صح بالبينة العادلة ليس بحكم وإن توقف على الدعوى أيضا سواء أكان الثابت الحق أم سببه؛ لانتفاء الإلزام فيه، وإنما هو بمعنى سمعت البينة وقبلتها ويجري في الصحيح والفاسد، نعم يستثنى من جريان الثبوت المجرد فيما قصد إثبات فساده إثباتُ وضبط الفسق عند عدم الحاجة إليه وإلا -كإبطال نظره- فالأوجه الجواز، ثم إن الثبوت ليس حكما بالثابت وإنما هو حكم بتعديل البينة وقبولها وجريان ما شهدت به، وفائدته عدم احتياج حاكم آخر إلى النظر فيها. ولو ثَبَّتَ الحق -كإن قال ثبت عندي وَقْفُ هذا على الفقراء- لم يكن حكما لكنه في معناه فلا يصح رجوع الشاهد بعده بخلاف ثبوت سببه كوقف فلان؛ لتوقفه على نظر آخر، ومن ثم يمتنع على الحاكم الحكم به حتى ينظر في شروطه، وتنفيذ الحكم لا يكون حكما من المنفذ إلا إن وجدت فيه شروط الحكم عنده وإلا كان إثباتا لحكم الأول فقط.
стр. 1965
والفرق بين الحكم بالموجب والحكم بالصحة (١) أن الحكم بالموجب يتناول الآثار الموجودة والتابعة لها (٢) بخلافه بالصحة (٣) فإنه إنما يتناول الموجودة فقط، فلو حكم شافعي بموجب الهبة للفرع لم يكن للحنفي الحكم بمنع رجوع الأصل؛ لشمول حكم الشافعي للحكم بجوازه، أو بصحتها لم يمنعه من ذلك، ولو حكم حنفي بصحة التدبير لم يمنع الشافعي من الحكم بصحة بيع المدبر، أو بموجبه منعه، أو مالكي بصحة البيع لم يمنع الشافعي من الحكم بخيار المجلس مثلا أو بموجبه منعه (٤) ومنع العاقدين من الفسخ به; لاستلزامه نقض حكم الحاكم مع نفوذه ظاهرا وباطنا كما يأتي. ولو حكم شافعي بموجب إقرار بعدم الاستحقاق منع الحنفي من الحكم بعدم قبول دعوى السهو; لأن موجبه مفرد مضاف لمعرفة فيعم فكأنه قال حكمت بكل مقتضى من مقتضياته، ومنها (٥) سماع دعوى السهو أو بموجب بيع فبان أن البائع وقفه قبل البيع على نفسه فضمن حكمه إلغاء الوقف فيمتنع على الحنفي الحكم بصحته. ولو حكم شافعي بصحة البيع لم يمنع الحنفي من الحكم بشفعة الجوار في المبيع أو بموجبه منعه، أو مالكي بصحة قرض لم يمنع الشافعي من الحكم بجواز رجوع المقرض في عينه ما دامت باقية بيد المقترض، أو بموجبه منعه، وذلك; لأن الحكم بما ذكر بعد الحكم بالصحة في الكل لا ينافيه بل يترتب عليه فليس فيه نقض له بخلافه بعد الحكم بالموجب، ولهذا آثره الأكثرون وإن كان الأول (٦) أقوى من حيث إنه يستلزم الحكم بملك العاقد مثلا، ومن ثم امتنع على الحاكم الحكم بالصحة إلا بحجة تفيد الملك