وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ. وَأَلَّا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ. وَلَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَهْدَى إلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا،
حدث وشدة حزن أو خوف أو هم أو سرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب وقيس به الباقي ولاختلال فِكْرِه وفهمه بذلك، ومع ذلك ينفذ حكمه، ولا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره، أما إذا غضب لله تعالى وكان يملك نفسه -بحيث لا يتشوش فكره- فلا كراهة (١) ; لأنه يؤمن معه التعدي، بخلافه لحظ نفسه (ويندب) عند تعارض الأدلة والمدارك (أن يشاور) المجتهد ولو في الفتوى، وغيره حيث لا معتمد متيقن في مذهبه في تلك الواقعة بسائر توابعها ومقاصدها (الفقهاء) العدول -ولو دونه- الموافقين والمخالفين؛ لقوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ آل عمران: ١٥٩ (وألا يشتري ويبيع (٢) ويعامل مع وجود من يوكله (بنفسه) في عمله بل يكره له; لئلا يُحابَى (ولا يكون له وكيل معروف) ; لئلا يُحابى أيضا (فإن) بيع له شيء بدون ثمن المثل حرم القبول، أو (أهدى إليه) أو ضيَّفه أو وهبه أو تصدق عليه فرضا أو نفلا على ما يأتي (مَن له خصومة) أو من أحس منه أنه سيخاصم -وإن كان بعضه أو كان يهدي قبل الولاية- (أو) من لا خصومة له و (لم يهد) إليه شيئا (قبل ولايته) أو كان يهدي إليه قبلها لكنه زاد في القدر أو الوصف (حرم عليه قبولها) ولا يملكها; لأنها في الأولى توجب الميل إليه وفي الثانية سببها الولاية، وقد صرحت الأخبار الصحيحة بتحريم هدايا العمال بل صح عن تابعي: أخذه الرشوة يبلغ به الكفر، أي إن استحل أو أنها سبب له، وسواء أكان المهدي من أهل عمله أم من غيره وقد حملها إليه; لأنه صار في عمله، فلو جهزها له مع رسوله وليس له محاكمة حرم أيضا. ولا يحرم عليه (٣) قبولها في غير عمله و إن كان المهدي من أهل عمله ما لم يستشعر بأنها مقدمة لخصومة، ومتى بذل له مال ليحكم بغير حق أو ليمتنع من حكم بحق فهو الرشوة المحرمة إجماعا، ومثله ما لو امتنع من الحكم بالحق إلا بمال لكنه أقل إثما، وقد قال ﷺ ((لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم)) وفي رواية ((والرائش)) وهو الماشي بينهما، ومحله في
стр. 1962
وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلَا خُصُومَةَ جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا
راشٍ لباطل، أما من علم أَخْذَ ماله بباطل لولا الرشوة فلا ذم عليه. وحكم الرائش حكم موكله فإن توكل عنهما عصى مطلقا.
[تنبيه] محل قولنا لكنه أقل إثما ما إذا كان له رزق من بيت المال وإلا -وكان ذلك الحكم مما يصح الاستئجار عليه وطلب أجرة مثل عمله فقط- جاز له طلبها وأخذها. ويجوز لمفتٍ وإن تعين الامتناع من الإفتاء إلا بجعل كالمحكم، ومحل ذلك إن كان ما يأخذه عليه فيه كلفة تقابل بأجرة (١) (وإن كان) من عادته أنه (يهدي) إليه -قبل الولاية والترشح لها لنحو قرابة أو صداقة- ولو مرة فقط (ولا خصومة) له حاضرة ولا مترقبة (جاز) قبول هديته إن كانت (بقدر العادة)؛ لانتفاء التهمة حينئذ بخلافها بعد الترشح أو مع الزيادة فيحرم قبول الكل إن كانت الزيادة في الوصف كأن اعتاد الكتان فأهدي إليه الحرير، وكذا في القدر، ولا يأتي فيه تفريق الصفقة; لأن محله إن تميز الحرام، ومن ثم إذا تميزت الزيادة حرمت فقط. ولو أهدي له بعد الحكم مهدٍ معتاد حرم القبول أيضا إن كان مجازاة له وإلا فلا. ويجوز له قبول الصدقة ممن لا خصومة له ولا عادة إذا لم يعرف المتصدق أنه القاضي وعكسه (٢).
[تنبيه] كالأعيان المنافعُ المقابلة بمال عادة كسكنى دار بخلاف غيرها كاستعارة كتاب علم وأكله طعام بعض أهل ولايته ضيفا كقبول هديتهم كما علم مما مر . والذي يتجه في الوقف عليه وفي النذر له من أهل عمله أنه إن عينه باسمه وشرطنا القبول كان كالهدية له، وكذا لو وقف على تدريس هو شيخه فإن عين باسمه امتنع وإلا فلا. ويصح إبراؤه عن دينه; إذ لا يشترط فيه قبول وكذا أداؤه عنه بغير إذنه بخلافه بإذنه بشرط عدم الرجوع. وخِلَع الملوك التي من أموالهم ليست كالهدية بشرط اعتيادها لمثله، وأن لا يتغير بها قلبه عن التصميم على الحق. وسائر العمال مثله في نحو الهدية لكنه أغلظ (والأولى) لمن جاز له قبول الهدية (أن يثيب عليها) أو يردها لمالكها أو يضعها في بيت المال، وأولى من ذلك سد باب القبول مطلقا؛ حسما للباب.
стр. 1963
وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي المُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيْحُكُمْ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الْإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ فَحَلَفَ المُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالْإِشْهَادَ بِهِ لَزِمَهُ
(ولا ينفذ حكمه) ولا سماعه لشهادة (١) (لنفسه) ; لأنه متهم، وإنما جاز له تعزير من أساء أدبه عليه في حكمه كحكمتَ عليَّ بالجور; لئلا يستخف ويستهان به فلا يسمع حكمه. وله أيضا أن يحكم لمحجوره وإن كان وصيا عليه قبل القضاء وإن تضمن حكمه استيلاءه على المال المحكوم به وتصرفه فيه، وكذا بإثبات وقف شرط نظره لقاض هو بصفته وإن تضمن حكمه وضع يده عليه، وبإثبات مال لبيت المال وإن كان يرزق منه، ولا يصح من القاضي الحكم بما آجره هو أو مأذونه من وقف هو ناظره إن كانت نظارته له قبل ولايته للقضاء، نعم إن كان متبرعاً فينفذ حكمه حينئذ كالوصي، (ورقيقه)؛ لذلك، نعم له الحكم بجناية عليه قبل رقه ويوقف ما ثبت له حينئذ إلى عتقه، فإن مات قنَّا صار فيئا، وكذا لمن وَرِث موصى بمنفعته الحكم بكسبه؛ لأن كسبه الحاصل قبل عتقه ليس للوارث الحاكم بل بالموصى له بالمنفعة (وشريكه) أو شريك مكاتبه (في المشترك)؛ لذلك أيضا، نعم لو حكم له بشاهد ويمينه جاز، ولا يشاركه القاضي حينئذ، وعليه فيشترط أن يعلم القاضي أنه لا يشاركه وإلا فالتهمة موجودة (وكذا أصله وفرعه) ولو لأحدهم على الآخر (على الصحيح) ; لأنهم أبعاضه فكانوا كنفسه، ومن ثم امتنع قضاؤه لهم بعلمه قطعا. أما الحكم عليهم كقنه وشريكه بل ونفسه فيجوز عكس العدو. وحكمه على نفسه حكم لا إقرار. وله تنفيذ حكم بعضه والشهادة على شهادته; إذ لا تهمة (ويحكم له) أي القاضي (ولهؤلاء الإمام أو قاض آخر) مستقل; إذ لا تهمة، (وكذا نائبه على الصحيح) كبقية الحكام (وإذا) ادعي عنده بدين حال أو مؤجل، أو بعين مملوكة أو وقف أو غير ذلك، ثم (أقر المدعى عليه أو نكل فحلف المدعي) أو حلف بلا نكول بأن كانت اليمين في جهته لنحو لوث، أو إقامة شاهد مع إرادة الحلف معه (وسأل) المدعي (القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه، أو) سأل (الحكم) له عليه (بما ثبت والإشهاد به لزمه) إجابته; لما ذكر،
стр. 1964
وكذا لو حلف مدعى عليه وسأل الإشهاد ليكون حجة له فلا يطالبه مرة أخرى وذلك; لأنه قد ينكر بعد فيفوت الحق لنحو نسيان القاضي أو انعزاله. ولو أقام بينة بدعواه وسأله الإشهاد عليه بقبولها لزمه أيضا; لأنه يتضمن تعديل البينة وإثبات حقه. وخرج بقوله سأل ما إذا لم يسأله؛ لامتناع الحكم للمدعي قبل أن يسأل فيه كامتناعه قبل دعوى صحيحة إلا فيما تقبل فيه شهادة الحسبة. وصيغة الحكم الصحيح (١) -الذي هو الإلزام النفساني المستفاد من جهة الولاية- حكمت أو قضيت له به أو نفذت الحكم به أو ألزمت خصمه الحق. ولو حكم في نفسه في مختلف فيه وأشهد بالحكم لم يتأثر بعد ذلك بنقض مخالف له. وإذا عُدِّلت البينة لم يجز الحكم إلا بطلب المدعي كما تقرر، فإذا طلبه قال لخصمه ألك دافع في هذه البينة أو قادح؟ فإن قال لا، أو نعم ولم يثبته حَكََمَ عليه وإن وجد فيها ريبة لم يجد لها مستندا. وقوله ثبت عندي كذا، أو صح بالبينة العادلة ليس بحكم وإن توقف على الدعوى أيضا سواء أكان الثابت الحق أم سببه؛ لانتفاء الإلزام فيه، وإنما هو بمعنى سمعت البينة وقبلتها ويجري في الصحيح والفاسد، نعم يستثنى من جريان الثبوت المجرد فيما قصد إثبات فساده إثباتُ وضبط الفسق عند عدم الحاجة إليه وإلا -كإبطال نظره- فالأوجه الجواز، ثم إن الثبوت ليس حكما بالثابت وإنما هو حكم بتعديل البينة وقبولها وجريان ما شهدت به، وفائدته عدم احتياج حاكم آخر إلى النظر فيها. ولو ثَبَّتَ الحق -كإن قال ثبت عندي وَقْفُ هذا على الفقراء- لم يكن حكما لكنه في معناه فلا يصح رجوع الشاهد بعده بخلاف ثبوت سببه كوقف فلان؛ لتوقفه على نظر آخر، ومن ثم يمتنع على الحاكم الحكم به حتى ينظر في شروطه، وتنفيذ الحكم لا يكون حكما من المنفذ إلا إن وجدت فيه شروط الحكم عنده وإلا كان إثباتا لحكم الأول فقط.
стр. 1965
والفرق بين الحكم بالموجب والحكم بالصحة (١) أن الحكم بالموجب يتناول الآثار الموجودة والتابعة لها (٢) بخلافه بالصحة (٣) فإنه إنما يتناول الموجودة فقط، فلو حكم شافعي بموجب الهبة للفرع لم يكن للحنفي الحكم بمنع رجوع الأصل؛ لشمول حكم الشافعي للحكم بجوازه، أو بصحتها لم يمنعه من ذلك، ولو حكم حنفي بصحة التدبير لم يمنع الشافعي من الحكم بصحة بيع المدبر، أو بموجبه منعه، أو مالكي بصحة البيع لم يمنع الشافعي من الحكم بخيار المجلس مثلا أو بموجبه منعه (٤) ومنع العاقدين من الفسخ به; لاستلزامه نقض حكم الحاكم مع نفوذه ظاهرا وباطنا كما يأتي. ولو حكم شافعي بموجب إقرار بعدم الاستحقاق منع الحنفي من الحكم بعدم قبول دعوى السهو; لأن موجبه مفرد مضاف لمعرفة فيعم فكأنه قال حكمت بكل مقتضى من مقتضياته، ومنها (٥) سماع دعوى السهو أو بموجب بيع فبان أن البائع وقفه قبل البيع على نفسه فضمن حكمه إلغاء الوقف فيمتنع على الحنفي الحكم بصحته. ولو حكم شافعي بصحة البيع لم يمنع الحنفي من الحكم بشفعة الجوار في المبيع أو بموجبه منعه، أو مالكي بصحة قرض لم يمنع الشافعي من الحكم بجواز رجوع المقرض في عينه ما دامت باقية بيد المقترض، أو بموجبه منعه، وذلك; لأن الحكم بما ذكر بعد الحكم بالصحة في الكل لا ينافيه بل يترتب عليه فليس فيه نقض له بخلافه بعد الحكم بالموجب، ولهذا آثره الأكثرون وإن كان الأول (٦) أقوى من حيث إنه يستلزم الحكم بملك العاقد مثلا، ومن ثم امتنع على الحاكم الحكم بالصحة إلا بحجة تفيد الملك
стр. 1966
أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَوْ سِجِلًّا بِمَا حَكَمَ اُسْتُحِبَّ إجَابَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ. وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إحْدَاهُمَا لَهُ، وَالْأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الحُكْمِ. وَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ،
بخلاف الحكم بالموجب. ولو وهب آخر شقصا مشاعا فباعه المتهب فرفعه الواهب لحنفي فحكم ببطلان الهبة فرفع المشتري البائع لشافعي وطالبه بالثمن فحكم بصحة البيع نفذ وامتنع على الحنفي إلزام البائع بالثمن؛ لأن ما حكم به الشافعي قضية أخرى لم يشملها حكم الحنفي الأول فلم يكن له نقض حكم الشافعي. ولو حكم بالصحة ولم يعلم هل استند لحجة بالملك أو لا؟ حملنا حكمه على الاستناد; لأنه الظاهر، نعم لو قيل بأن محله في قاض موثوق بدينه وعلمه لم يبعد. ويجري ذلك في كل حكم أجمل ولم يعلم استيفاؤه لشروطه فلا يقبل إلا ممن ذكر (١). (أو) سأله المدعي، ومثله المدعى عليه نظير ما مر (أن يكتب له) بقرطاس أحضره من عنده حيث لم يكن من بيت المال (مَحضرا بما جرى من غير حكم أو سجلا بما حكم استحب إجابته) ; لأنه مُذَكِّر، وإنما لم يجب; لأن الحق يثبت بالشهود لا بالكتاب (وقيل يجب)؛ توثقةً لحقه، نعم إن تعلقت الحكومة بصبي أو مجنون له أو عليه وجب التسجيل جزما، وأُلحق بهما الغائب ونحو الوقف مما يحتاط له. وأشار المتن إلى أن المحضر ما تحكى فيه واقعة الدعوى والجواب وسماع البينة بلا حكم والسجل ما تضمن إشهاده على نفسه أنه حكم بكذا أو نفذه (ويستحب نسختان) أي كتابتهما (إحداهما) تدفع (له) بلا ختم (والأخرى تحفظ في ديوان الحكم) مختومة مكتوب عليها اسم الخصمين وإن لم يطلب الخصم ذلك; لأنه طريق للتذكر لو ضاعت تلك.
(وإذا حكم باجتهاد) وهو من أهله أو باجتهاد مقلده (ثم بان) أن ما حكم به (خلاف نص الكتاب أو السنة) المتواترة أو الآحاد (أو) بان خلاف (الإجماع)، ومنه ما خالف شرط الواقف (أو) خلاف (قياس جلي) وهو ما يعم الأولى والمساوي، أو خالف القواعد الكلية، أو خالف المذاهب الأربعة; لأنه كالمخالف للإجماع (نقضه) أي أظهر بطلانه وجوبا، وإن لم يرفع إليه (هو وغيره) -بنحو نقضته أو أبطلته أو فسخته-؛ إجماعا في مخالف الإجماع وقياسا في
стр. 1967
لَا خَفِيٍّ. وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا
غيره، والمراد بالنص هنا الظاهر. أما مجرد التعارض لقيام بينة بعد الحكم -بخلاف ما قامت به البينة التي حكم بها- فإن قطع بما يوجب بطلان الحكم الأول أبطل وإلا فلا. ويدخل في قوله باجتهاد ما لو حكم بنص ثم بان نسخه أو خروج تلك الصورة عنه بدليل. وينقض أيضا حكم مقلد (١) بما يخالف نص إمامه; لأنه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة للمجتهد، ومثله حكم غير متبحر بغير المعتمد (٢) عند أهل المذهب؛ لأنه لم يرتق عن رتبة التقليد. وينقض حكم من لا يصلح للقضاء وإن وافق المعتمد أي: ما لم يكن قاضي ضرورة; لما مر أنه ينفذ حكمه بالمعتمد في مذهبه. ويجب نقض حكم من حكم بخلاف الراجح في مذهبه. وينفذ حكم من له أهلية الترجيح إذا رجَّح قولا ولو مرجوحا في مذهبه بدليل جيد، وليس له أن يحكم بشاذ أو غريب في مذهبه إلا إن ترجح عنده ولم يشرط عليه التزام مذهب باللفظ أو العرف كقول موليه في عقد التولية ((على قاعدة من تقدمه)). ولو حكم حاكم بالصحة في قضية من بعض وجوه اشتملت عليها فلمخالفه الحكم بفسادها من وجه آخر كصغيرة زوجها غير مجبر بغير كفء، ويلزمه التسجيل بالنقض إن سجل بالمنقوض، ومتى نقض حكم غيره سئل عن مستنده، وقولهم لا يسأل القاضي عن مستنده محله إذا لم يكن حكمه نقضا أي ومحله أيضا إذا لم يكن فاسقا أو جاهلا (لا) ما بان خلاف قياس (خفي) وهو ما لا يبعد احتمال الفارق فيه كقياس الذرة على البر في الربا بجامع الطعم فلا ينقضه؛ لاحتماله. (والقضاء) أي الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره تنفيذا كان أو غيره (ينفذ ظاهرا لا باطنا (٣) فالحكم بشهادة كاذبين ظاهرهما العدالة لا يفيد الحل باطنا لمال، ولا لبضع؛ لخبر الصحيحين ((لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)). ويلزم المحكوم عليها بنكاح كاذب الهرب بل والقتل إن قدرت عليه كالصائل على البضع، ولا نظر لكونه
стр. 1968
وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ،
يعتقد الإباحة كما يجب دفع الصبي عنه وإن كان غير مكلف، فإن أكرهت فلا إثم، وإن وطئت فوطء شبهة; لأن أبا حنيفة ﵁ يجعلها منكوحة بالحكم. أما ما باطن الأمر فيه كظاهره فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين كالتسليط على الأخذ بالشفعة الذي لم يترتب على أصل كاذب نفذ باطنا أيضا، وكذا إن اختلف فيه كشفعة الجوار فينفذ باطنا أيضا، ومن ثم حل للشافعي طلبها من الحنفي وإن لم يقلد أبا حنيفة; لأن من عقيدة الشافعي أن النفوذ باطنا يستلزم الحل فلم يأخذ محرما في اعتقاده، ومن ثم لم يجز للحنفي منعه من طلبها وجاز للشافعي الشهادة بها لكن لا بصيغة أشهد أنه يستحقها; لأنه كذب كما أن له حضور نكاح بلا ولي إن قلد أو أراد حفظ الواقعة، نعم ليس له دعوى ولا شهادة على مرتد عند من لا يرى قبول توبته; لأن أمر الدماء أغلظ، وجاز أيضا لحاكم شافعي أُنْهِِي إليه ما لا يراه من أحكام مخالفيه تنفيذها وإلزام العمل بها، فلو فسخ نكاح امرأة أو خولعت مرارا وحكم حنبلي بصحة أحدهما ثم رفعت أمرها للشافعي ليزوجها في الأولى من آخر و في الثانية من زوجها من غير محلل جاز ذلك. و كحكم المخالف فيما ذكر إثباته إن كان معتقده أنه حكم. ولا أثر لكون المخالف يعتقد أن الحكم إنما ينفد ظاهرا فقط بل العبرة في هذا باعتقاد المُنْهَى إليه كالشافعي، ويفرق بأن هذا هو المبيح للإقدام على العمل بقضية حكم المخالف فنظر لاعتقاد الثاني في هذا بخصوصه دون ما عداه (ولا يقضي) أي لا يجوز له القضاء (بخلاف علمه (١) بالإجماع) وذلك كما إذا شهدا برِق أو نكاح أو ملك من يعلم حريته أو بينونتها أو عدم ملكه; لأنه قاطع ببطلان الحكم به حينئذ، والحكم بالباطل محرم، ولا يجوز له القضاء في هذه الصورة بعلمه; لمعارضة البينة له مع عدالتها ظاهرا، ولا يلزم من علمه خلاف ما شهدا به تعمدهما المفسق لهما.
[فرع] عُلم مما مر أن مَن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا فتزوجها وحكم له شافعي بصحة النكاح أو موجبه تضمن الحكم إبطال ذلك التعليق وإن لم يذكره في حكمه؛
стр. 1969
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إلَّا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى
لأن المعتمد أن الحكم بالصحة كالحكم بالموجب في تناول جميع الآثار المختلف فيها لكن إن دخل وقت الحكم بها كما هنا، فإن من آثارهما هنا أن الطلاق السابق تعليقه على النكاح لا يرفعه. ولو حكم حنفي مثلا قبل العقد بصحة ذلك التعليق جاز للشافعي (١) عقب العقد أن يحكم بإلغائه; لأنه في الحقيقة فتوى لا حكم؛ لعدم دخول وقته فليس الغاؤه نقضا للحكم; إذ الحكم الحقيقي الممتنع نقضه إنما يكون في واقع وقته دون ما سيقع; لعدم تصور دعوى ملزمة به. والحكم في غير الحسبة إنما يعتد به بعدها، نعم إن ثبت ما قيل عن المالكية أو الحنابلة أنه قد لا يتوقف عليها وأنه قد يسوغ على قواعدهم مثل هذا الحكم لم يبعد امتناع نقضه حينئذ. (والأظهر أنه) أي القاضي ولو قاضي ضرورة (٢) (يقضي بعلمه) -إن شاء- أي بظنه المؤكد الذي يجوز له الشهادة مستندا إليه وإن استفاده قبل ولايته كأن يدعى عنده بمال وقد رآه أقرضه إياه قبل أو سمعه قبل أقر له به مع احتمال الإبراء أو غيره. ولو سمع دائنا أبرأ مدينه فأخبر القاضي المدين بالإبراء فقال مع إبرائه ((دينه باق عليَّ)) عمل به، وليس عمله هذا حكم على خلاف العلم; لأن إقراره المتأخر عن الإبراء دافع له، ولا بد أن يصرح بمستنده فيقول علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمي، فإن ترك أحد هذين اللفظين لم ينفذ حكمه، ويندب كونه ظاهر التقوى والورع (٣). ويقضي بعلمه في الجرح والتعديل والتقويم قطعا، وكذا على من أقر بمجلسه واستمر على إقراره لكنه قضاء بالإقرار دون العلم، فإن أنكر كان قضاء بالعلم. ولو رأى وحده هلال رمضان قضى به قطعا؛ بناء على ثبوته بواحد (إلا في حدود) أو تعازير (الله تعالى) كحد زنا أو محاربة أو سرقة أو شرب؛ لسقوطها بالشبهة مع ندب سترها في الجملة، نعم من ظهر منه في مجلس حكمه ما يوجب تعزيرا عزره وإن كان قضاء بالعلم. وقد يحكم بعلمه في حد لله تعالى كما إذا علم من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة فيقضي عليه بموجب ذلك، وكما إذا اعترف في مجلس الحكم بموجب حد و لم يرجع عنه فيقضي فيه بعلمه وإن كان إقراره سرا، وكما إذا ظهر منه في مجلس الحكم على رءوس الأشهاد نحو ردة وشرب خمر. أما حدود الآدميين فيقضي فيها سواء المال والقود
стр. 1970
وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّك حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا. وَلَهُ الحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ إذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ
وحد القذف. (ولو رأى) إنسان (ورقةً فيها حكمه أو شهادته أو شهد) عليه أو أخبره (شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا لم يعمل به) القاضي (ولم يشهد) به الشاهد أي لا يجوز لكل منهما ذلك (حتى يتذكر) الواقعة بتفصيلها، ولا يكفي تذكره أن هذا خطه فقط، وذلك؛ لاحتمال التزوير. والمطلوب علم الحاكم والشاهد ولم يوجد. وخرج بيعمل به عمل غيره إذا شهدا عنده بحكمه، (وفيهما وجه) إذا كان الحكم والشهادة مكتوبين (في ورقة مصونة عندهما) ووثق بأنه خطه ولم يداخله فيه ريبة أنه يعمل به. والأصح لا فرق؛ لاحتمال الريبة، ولا ينافي ذلك نص الشافعي على جواز اعتماده للبينة فيما لو نسي نكول الخصم; لأنه يغتفر في الوصف ما لا يغتفر في الأصل، ويؤخذ منه أنه يلحق بالنكول في ذلك كل ما في معناه.
[فائدة] كان السبكي في زمن قضائه يكتب على ما ظهر بطلانه أنه باطل بغير إذن مالكه، ويقول لا يعطى لمالكه بل يحفظ في ديوان الحكم ليراه كل قاض (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادا على) إخبار عدل، وعلى (خط) نفسه، وعلى خط نحو مكاتبه ومأذونه ووكيله وشريكه (مورثه إذا وثق بخطه) بحيث انتفى عنه احتمال تزويره (وأمانته) بأن علم منه أنه لا يتساهل في شيء من حقوق الناس؛ اعتضادا بالقرينة. ودليل حل الحلف بالظن حلف عمر ﵁ بين يدي النبي ﷺ أن ابن صياد هو الدجال ولم ينكر عليه (والصحيح جواز رواية الحديث بخط) كتبه هو أو غيره وإن لم يتذكر قراءة ولا سماعا ولا إجازة (محفوظ عنده) أو عند غيره; لأن باب الرواية أوسع، ولذا عمل به السلف والخلف. ولو رأى خط شيخه له بالإذن في الرواية وعرفه جاز له الاعتماد عليه أيضا.
стр. 1971
فصل
لِيُسَوِّ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، وَ قِيَامٍ لَهُمَا، وَاسْتِمَاعٍ، وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ، وَجَوَابِ سَلَامٍ وَمَجْلِسٍ، وَالْأَصَحُّ رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيهِ. وَإِذَا جَلَسَا فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ لِيَتَكَلَّمِ المُدَّعِي. فَإِذَا ادَّعَى طَالَبَ خَصْمَهُ بِالجَوَابِ،
(فصل) في التسوية
(ليسوِ) وجوبا (بين الخصمين) وإن وكَّلا، نعم إذا استويا في مجلس أرفع ووكيلاهما في مجلس أدون، أو جلسا مستويين وقام وكيلاهما مستويين جاز (في دخول عليه) بأن يأذن لهما فيه معا لا لأحدهما فقط، ولا قبل الآخر (وقيام لهما) أو تركه (واستماع) لكلامهما ونظر إليهما (وطلاقة وجه) أو عبوسة (وجواب سلام) إن سلما معا (ومجلس) بأن يكون قربهما إليه فيه على السواء أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره أو بين يديه وهو الأولى؛ لخبر فيه، والأولى أيضا أن يكون على الرُّكَب; لأنه أهيب، نعم الأولى للمرأة التربع; لأنه أستر، ويبعد الرجل عنها، وسائر أنواع الإكرام فلا يجوز له أن يؤثر أحدهما بشيء من ذلك، ولا يمزح معه وإن شرف بعلم أو حرية أو والِدِيَّه أو غيرها؛ لكسر قلب الآخر وإضراره، والأولى ترك القيام لشريف ووضيع; لأنه يعلم أن القيام لأجل الشريف. ولو قام لمن لم يظنه مخاصما فبان قام لخصمه أو اعتذر له. أما إذا سلم أحدهما فقط فليسكت حتى يسلم الآخر ويغتفر طول الفصل؛ للضرورة، أو يقول للآخر سَلِّم حتى أرد عليكما، واغتفر له هذا التكلم بأجنبي ولم يكن قاطعا للرد؛ لذلك. والأولى أن لا يتركهما قائمين. ولو قرب أحدهما من القاضي وبعُد الآخر منه وطلب الأول مجيء الآخر إليه وعكس الثاني فالذي يتجه الرجوع للقاضي من غير نظر لشرف أحدهما أو خسته (والأصح) جواز (١) (رفع مسلم على ذمي فيه) أي المجلس بل وفي سائر وجوه الإكرام؛ لخبر ((لا تساووهم في المجالس)) (وإذا جلسا) أو قاما بين يديه (فله أن يسكت)؛ لئلا يُتَّهَم (وله أن يقول ليتكلم المدعي) منكما; لأنهما ربما هاباه، فإن عرف عين المدعي قال له: تكلم (فإذا ادعى) دعوى صحيحة (طالب) جوازا (خصمه بالجواب) بنحو أخرج من دعواه وإن لم يسأله المدعي؛ لتنفصل الخصومة، نعم لو قال له الخصم طالبه لي
стр. 1972
فَإِنْ أَقَرَّ فَذَاكَ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ، وَأَنْ يَسْكُتَ، فَإِنْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ تَحْلِيفَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ لَا بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ أَحْضَرَهَا قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ
بجواب دعواي وجب على القاضي ذلك وإلا لزم بقاؤهما متخاصمين (فإن أقر) حقيقة أو حكما (فذاك) ظاهر فيلزمه ما أقر به؛ لثبوت الحق بالإقرار من غير حكم؛ لوضوح دلالته بخلاف البينة، ومن ثم لو كانت صورة الإقرار مختلفا فيها احتيج للحكم. وله أن يدفع المال عن أحد الخصمين؛ لعود النفع إليهما، وأن يشفع له إن ظن قبوله لا عن حياء وإلا أثم. ويحرم عليه أن يقول عليّ ضمانه إن قويت قرينة ذلك الاتهام (وإن أنكر فله أن يقول للمدعي ألك بينة؟)؛ لخبر مسلم به، أو شاهد مع يمينك إن ثبت الحق بهما. وإن كانت اليمين بجانب المدعي لنحو لوث قال له أتحلف، (و) له -وهو الأولى- (أن يسكت)؛ لئلا يُتَّهم بميله للمدعي، نعم إن سكت المدعي لجهل وجب إعلامه. ولو شك هل سكوته مع علم أو جهل فالقول أولى، وإنما لم يجز له تعليم المدعي كيفية الدعوى ولا الشاهد كيفية الشهادة؛ لقوة الاتهام بذلك، فإن تعدى وفعل فأدى الشاهد بتعليمه اعتد به إن كان الشاهدان مشهورين بالديانة (١). ولا يلزمه سؤال من التمس منه إحضار من بالبلد عن كيفية دعواه (٢) إلا في المعزول كما مر (٣) وإلا إن عُدّ ذلك ابتذالا للحاضر أواضرارا له (فإن قال لي بينة وأريد تحليفه فله ذلك) ; لأنه إن تورع وأقرَّ سهل الأمر وإلا أقام البينة عليه لتشتهر خيانته وكذبه، نعم الذي يتصرف عن غيره، أو عن نفسه وهو محجور عليه بنحو سفه أو فلس تتعين فيه إقامة البينة؛ لئلا يحتاج الأمر للدعوى بين يدي من لا يرى البينة بعد الحلف فيحصل الضرر، (أو) قال (لا بينة لي) وأطلق، أو قال لا حاضرة ولا غائبة أو كلّ بينة أقيمها زور (ثم أحضرها قبلت في الأصح)؛ لاحتمال نسيانه أو عدم علمه بتحملها، نعم من ادُّعِي عليه بقرض مثلا فأنكر أَخْذَهُ من أصله ثم أراد إقامة بينة بأداء أو إبراء لم تقبل (٤) بخلاف نظيرها في الوديعة. ولو قال شهودي فسقة أو عبيد ثم أحضر بينة فالأوجه أنه إن اعترف أنهم هم الذين قال
стр. 1973
وَإِذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، فَإِنْ جُهِلَ أَوْ جَاءُوا مَعًا أُقْرِعَ، وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفِزُونَ، وَ نِسْوَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرُوا مَا لَمْ يَكْثُرُوا، وَلَا يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إلَّا بِدَعْوَى. وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِينَ، لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ
عنهم ذلك اشترط مضي زمن يمكن فيه العتق والاستبراء؛ لإمكان قبولهم حينئذ بإقامة البينة بذلك، وإن قال هؤلاء آخرون جهلتهم أو نسيتهم قبلوا وإن قرب الزمن، فإن تعذرت مراجعته وقال الوارث لا أعلم بذلك فالذي يظهر الوقف إلى بيان الحال; لأن قوله فسقة أو عبيد مانع فلا بد من تيقن انتفائه. (وإذا ازدحم خصوم) أي مُدَّعون (قُدِّم الأسبق) فالأسبق المسلم وجوبا إن تعين عليه فصل الخصومة; لأنه العدل، والعبرة بسبق المدعي; لأنه ذو الحق. ولو جاء مدَّعٍ وحده ثم مدع مع خصمه ثم خصم الأول قدم من جاء مع خصمه (١). أما الكافر فيقدم عليه المسلم المسبوق، وأما إذا لم يتعين عليه فصلها فيقدم من شاء كمدرس في علم غير فرض ولو كفاية كالعروض وزيادة التبحر على ما يشترط في الاجتهاد المطلق وأما فيه فهو كالقاضي، وكذا يقال في المفتي، (فإن جُهِل) السابق (أو جاءوا معا أقرع)؛ إذ لا مرجح، ومنه أن يكتب أسماءهم برقاع بين يديه ثم يأخذ رقعة رقعة فكل من خرج اسمه قدمه، والأولى لهم تقديم مريض يتضرر بالتأخير، فإن امتنعوا قدمه القاضي إن كان مطلوبا; لأنه مجبور، (ويقدم) ندبا (مسافرون) أي مريدون للسفر المباح وإن قصر على مقيمين (مستوفزون) -مدعون أو مدعى عليهم- بأن يتضرروا بالتأخر عن رفقتهم (ونسوة) كذلك على رجال، وكذا على خناثى (وإن تأخروا)؛ لدفع الضرر عنهم (ما لم يكثروا) أي النوعان، وغلَّب الذكور؛ لشرفهم، فإن كثروا بأن كانوا قدر المتخاصمين من أهل البلد أو أكثر فكالمقيمين. والمسافرون فيما بينهم والنسوة كذلك يقدم منهم بالسبق ثم يقرع. ولو تعارض مسافر وامرأة قدم؛ لأن الضرر فيه أقوى (ولا يقدم سابق وقارع إلا بدعوى) واحدة؛ لئلا يزيد ضرر الباقين، ويقدم المسافر بدعاويه إن خفَّت بحيث لم تضر بغيره إضرارا بيِّنا لا يحتمل عادة وإلا فبدعوى واحدة، وأُلحق به المرأة. (ويحرم اتخاذ شهود معينين لا يقبل غيرهم)؛ لما فيه من التضييق وضياع كثير من الحقوق، وله أن يعين من يكتب الوثائق إن تبرع أو رزق من بيت المال وإلا حرم; لأنه يؤدي إلى تعنت المعين ومغالاته في الأجرة وتعطيله الحقوق أو
стр. 1974
وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِزْكَاءُ بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ وَالمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ،
تأخيرها (وإذا شهد شهود) بين يدي قاض بحق أو تزكية (فعرف عدالة أو فسقا عمل بعلمه) قطعا، ولم يحتج لتزكية إن علم عدالة وإن طلبها الخصم، نعم أصله وفرعه لا تقبل تزكيته لهما فلا يعمل فيهما بعلمه (وإلا) يعلم فيهم شيئا (وجب) عليه (الاستزكاء (١) أي طلب من يزكيهم وإن اعترف الخصم بعدالتهم كما يأتي; لأن الحق لله تعالى، نعم إن صدَّقهما فيما شهدا به عمل به من جهة الإقرار لا الشهادة. ولو عرف عدالة مُزكِّي المُزكِّي فقط كفى (٢). وله الحكم بسؤال المدعي عقب ثبوت العدالة، والأولى أن يقول للمدعى عليه هل لك دافع في البينة أو غيرها؟، ويمهله ثلاثة أيام فأقل حيث طلب المدعى عليه ذلك ورضي الخصم. ويجاب مدعٍ طلب الحيلولة -بين المدعى عليه والعين المدعاة- بعد البينة (٣)، وله حينئذ ملازمته بنفسه أو بنائبه، وبعد الحيلولة لا ينفذ تصرف واحد منهما، نعم من بان الحكم له صححنا تصرفه بالنفاذ، وللحاكم الحيلولة بلا طلب إن رآه. ولا يجيب طالب استيفاء أو حجر أو حبس قبل الحكم (بأن) بمعنى كأن (يكتب ما يتميز به الشاهد) اسما وصفة وشهرة؛ لئلا يشتبه، ويكفي مميز (والمشهود له وعليه)؛ لئلا يكون قريبا أو عدوا، وهذا ليس من الاستزكاء بل مما يريح من النظر بعده في مانع آخر من نحو عداوة أو قرابة (وكذا قدر الدين على الصحيح (٤) ; لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير ولا بُعْد في كون العدالة تختلف بذلك وإن كانت مَلَكَة.
стр. 1975
وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا ثُمَّ يُشَافِهُهُ المُزَكِّيَ بِمَا عِنْدَهُ، وَقِيلَ تَكْفِي كِتَابَتُهُ. وَشَرْطُهُ كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَتِةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلَ، وَخِبْرَةُِ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، ..
(ويبعث به) أي المكتوب (مزكيا (١) أي اثنين مع كلٍّ نسخةٌ مخفية عن الآخر. ويسن أن يكون بعثهما سرا، وأن لا يعلم كلا بالآخر.
[تنبيه] المراد بالمزكي هنا مبعوث الإمام ويسمى صاحب المسألة، وليس هو المزكي للشهود الآتي في قول المصنف (ثم) بعد السؤال والبعث (يشافهه المزكي بما عنده) من جرح فيسن له إخفاؤه، ويقول زدني في شهودك، وتعديل فيعمل به، ثم هذا المزكي إن كان شاهد أصل فواضح وإلا اشترط في الأصل عذر يُجَوِّز الشهادة على الشهادة. ولو ولي صاحب المسألة الحكم بالجرح والتعديل اكتفي بقوله فيه; لأنه حاكم، (وقيل تكفي كتابته) أي المزكي إلى القاضي بما عنده، (وشرطه كشاهد) في كل ما يشترط فيه، أما مَن نُصِب للحكم بالتعديل والجرح فشرطه كقاض، ومحله إن لم يكن في واقعة خاصة وإلا فكما مر في الاستخلاف (مع معرفة) المزكي لكل من (الجرح والتعديل) وأسبابهما؛ لئلا يجرح عدلا ويزكي فاسقا، ومثل المزكي في اشتراط المعرفة الشاهدُ بالرشد، نعم يكفي في هذا أن يشهد بأنه صالح لدينه ودنياه لكن إن عرف صلاحهما الذي يحصل به الرشد في مذهب الحاكم ولم يكن ثَمَّ احتمال يقدح في ذلك الإطلاق وإلا لم يكف ولو من الموافق للقاضي في مذهبه; لأن وظيفة الشاهد التفصيل لا الإجمال (٢) (و) مع (خبرةُِ) المرسول إليه أيضا بحقيقة (باطن من يعدله لصحبة أو جِوار أو معاملة) قديمة كما قاله عمر ﵁ لمن عدَّل عنده شاهدا. ويقبل قولهم في خبرتهم بذلك، أما غير القديمة من تلك الثلاثة كأن عرفه في أحدها من نحو شهرين فلا يكفي، ويغني عن خبره ذلك أن تستفيض عنده عدالته من الخبراء بباطنه، أو يتكرر ذلك على سمعه مرة بعد أخرى بحيث يخرج عن حد التواطؤ لا شهادة عدلين؛ لاحتمال التواطؤ إلا إن شهد على شهادتهما. وخرج بمن يعدله من يجرحه فلا يشترط خبرة باطنه؛ لاشتراط تفسير الجرح.
стр. 1976
وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَةٍ، وَ أَنَّهُ يَكْفِي: هُوَ عَدْلٌ، وَقِيلَ يَزِيدُ عَلَيَّ وَلِي، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الجَرْحِ، وَيَعْتَمِدُ فِيهِ المُعَايَنَةُ أَوِ الِاسْتِفَاضَةُ،
(والأصح اشتراط لفظ شهادة) من المزكي كبقية الشهادات (و) الأصح (أنه يكفي) قول العارف بأسباب الجرح والتعديل، أي الموافق مذهبه لمذهب القاضي فيهما نظير ما تقرر بما فيه (١) (هو عدل) ; لأنه أثبت له العدالة التي هي المقصود، (وقيل يزيد عليَّ ولي) ; لأنه قد يكون يُظن صدقه في شيء دون شيء. ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين الآخر. ولو عرف الحاكم والخصم اسم الشاهد ونسبه وعينه جازت تزكيته في غيبته كما يأتي. (ويجب ذكر سبب الجرح) -صريحا كزانٍ، ولا يكون به قاذفا (٢)؛ للحاجة مع أنه مسئول، أو سارق-؛ للاختلاف (٣) في سببه فوجب بيانه ليعمل القاضي فيه باعتقاده. ولو علم له مجرحات اقتصر على واحد؛ لعدم الحاجة لأزيد منه، بل لا يجوز جرحه بالأكبر؛ لاستغنائه عنه بالأصغر، فإن لم يبين سببه لم يقبل لكن يجب التوقف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح كما يأتي، أما سبب العدالة فلا يحتاج لذكره لكثرة أسبابها وعسر عدها. ولا يشترط حضور المزكي والمجروح ولا الشهود له أو عليه؛ لأن الحكم بالجرح والتعديل حق لله تعالى، ومن ثم كفت فيهما شهادة الحسبة، نعم لا بد من تسمية البينة للخصم ليأتي بدافع أمكنه (ويعتمد فيه) أي الجرح (المعاينة) لنحو زناه أو السماع لنحو قذفه (أو الاستفاضة) عنه بما يجرحه وإن لم يبلغ التواتر (٤)، ولا يجوز اعتماد عدد قليل إلا إن شهد على شهادتهم ووجد شرط الشهادة على الشهادة، ولا يشترط ذكر ما يعتمد عليه من نحو معاينة.
стр. 1977
وَيُقَدَّمُ عَلَى التَّعْدِيلِ. فَإِنْ قَالَ المُعَدِّلُ: عَرَفْتُ سَبَبَ الجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَصَلُحَ قُدِّمَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ قَوْلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ عَدْلٌ، وَقَدْ غَلِطَ
(ويقدم) الجرح (على التعديل)؛ لزيادة علم الجارح، (فإن قال المعدل عرفت سبب الجرح و) بعد ذلك (تاب منه وصلح) أي مضت مدة الاستبراء (قُدِّم)؛ لزيادة علمه حينئذ.
[تنبيه] لا بد من ذكر مضي مدة الاستبراء إن لم يعلم تاريخ الجرح وإلا لم يحتج لذلك؛ إذ لا بد من مضيها، وكذا يقدم التعديل إن أرَّخ كل من البينتين وكانت بينة التعديل متأخرة. ولا تتوقف الشهادة بالجرح والتعديل على سؤال القاضي; لسماع شهادة الحسبة فيهما. ويقبل قول الشاهد قبل الحكم أنا فاسق أو مجروح وإن لم يذكر السبب، نعم يتجه أن محله فيمن لا يبعد عادة علمه بأسباب الجرح. ويندب للقاضي أن يتوقف عن شاهد جَرَحَهُ عدل بلا بيان سبب إن قويت الريبة لعل القادح يتضح، فإن لم يتضح حَكَمَ. (والأصح أنه لا يكفي في التعديل قول المدعى عليه هو عدل وقد غلط) في شهادته عليّ؛ لما مر أن الاستزكاء حق لله تعالى، ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق وإن رضي الخصم، وقوله ((وقد غلط)) ليس بشرط بل هو بيان، فإن قال عدل: فيما شهد به عليَّ كان إقرارا منه به. ويسن له ولا يلزمه وإن طلب الخصم أن يفرقهم إذا ارتاب فيهم، نعم يجب التفريق إن ارتاب في غير مشهوري الديانة والضبط (١)، فيسأل واحداً ويستقصي ثم يسأل الثاني قبل اجتماع الأول به ويستقصي ويعمل بما غلب على ظنه، والأولى كون ذلك قبل التزكية، ولهم أن لا يجيبوه ويلزمه حينئذ القضاء إن وجدت شروطه، ولا عبرة بريبة يجدها. ولو قال لا دافع لي فيه ثم أتى ببينة بنحو عداوته أو فسقه وادعى أنه كان جاهلا بذلك قُبِل قوله بيمينه على ما ذكره بعضهم فله بعد حلفه إقامة البينة بذلك. ولو أقام بينة على إقرار المدعي بأن شاهديه شربا الخمر مثلا وقت كذا فإن كان بينه وبين الأداء دون سنة ردا وإلا فلا، ولو لم يعينا للشرب وقتا سئل المقر وحكم بما يقتضيه تعيينه، فإن أبى عن التعيين توقف عن الحكم. ولو ادعى الخصم أن المدعي أقر بنحو فسق بينته وأقام شاهدا ليحلف معه لم يحلف الخصم مع شاهده; لأن الغرض الطعن في البينة وهو لا يثبت بشاهد ويمين. ولو شهدا بأن هذا ملكه ورثه فشهد آخران بأنهما ذكرا بعد موت الأب أنهما ليسا بشاهدين في هذه الحادثة أو أنهما ابتاعا الدار منه رُدَّا.
стр. 1978
باب القضاء على الغائب
هُوَ جَائِزٌ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. وَادَّعَى المُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُسْمَعُ
(باب القضاء على الغائب)
عن البلد أو المجلس (هو جائز) في كل شيء ما عدا عقوبة لله تعالى كما يأتي وإن كان الغائب في غير عمله؛ للحاجة ولتمكنه من إبطال الحكم عليه بإثبات طاعن في البينة؛ إذ يجب تسميتها له إذا حضر بنحو فسق، أو في الحق بنحو أداء. وليس له سؤال القاضي الأهل عن كيفية الدعوى، ومثلها يمين الاستظهار وإن كان في تحريرها خفاء يبعد على غير العالم استيفاؤه; لأن تحريرها إليه، نعم إن سجلت الدعوى فله القدح بإبداء مبطل لها؛ لأنه صح عن عمر وعثمان ﵄ القضاء على الغائب ولا مخالف لهما من الصحابة، وإنما تسمع الدعوى عليه بشروطها الآتية في بابها مع زيادة شروط أخرى هنا منها أنه لا تسمع هنا إلا (إن كانت عليه) حجة يعلمها القاضي حالة الدعوى، ثم تلك الحجة إما (بينة) ولو شاهدا ويمينا فيما يقضى فيه بهما. وإما علم القاضي دون ما عداهما؛ لتعذر الإقرار واليمين المردودة (وادعى المدعي جحوده) وأنه يلزمه تسليمه له الآن وأنه يطالبه بذلك (فإن قال هو مقر) وإنما أقيم البينة استظهارا مخافة أن ينكر، أو ليكتب بها القاضي إلى قاضي بلد الغائب (لم تسمع بينته) إلا أن يقول وهو ممتنع (١)، وذلك; لأنها لا تقام على مقر، ولا أثر لقوله مخافة أن ينكر، ويستثنى من عدم سماع البينة ما إذا كان للغائب عين حاضرة في عمل القاضي الذي الدعوى عنده -وإن لم تكن ببلده- وأراد المدعي إقامة البينة على دينه ليوفيه منه فتسمع البينة وإن قال هو مقر، وكذا تسمع بينته لو قال أقر فلان بكذا ولي بينة بإقراره. ولو كان الغائب ممن لا يقبل إقراره كسفيه ومفلس -فيما لا يقبل إقرارهما فيه- لم يؤثر قوله هو مقر في سماع البينة أيضاً. (وإن أطلق) ولم يتعرض لجحود ولا إقرار (فالأصح أنها تسمع) ; لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته ويحتاج إلى إثبات الحق فيجعل غيبته كسكوته.
стр. 1979
وَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبُ مُسَخَّرٍ يُنْكِرُ عَلَى الْغَائِبِ. وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ،
[فرع] لو غاب المحال عليه واتصل بالحاكم وثيقة بما للمحيل على الغائب ثابتة قبل الحوالة حكم بموجب الحوالة فله إذا حضر إنكار دين المحيل، ولا يحكم بصحتها؛ لعدم ثبوت محل التصرف عند غير الحاكم إذ الصورة أنه اتصل به ثبوت غيره الذي لم ينضم إليه حكم، أما إذا اتصل به حكم غيره بذلك فيحكم بالصحة وليس للمحال عليه الإنكار (و) الأصح (أنه لا يلزم القاضي نصب مسخَّر ينكر عن الغائب) ومن ألحق به ممن يأتي; لأنه قد يكون مقرا فيكون إنكار المسخر كذبا، نعم لا بأس (١) بنصبه؛ خروجا من خلاف من أوجبه (ويجب) فيما إذا لم يكن للغائب وكيل حاضر إن كانت الدعوى بدين أو عين أو بصحة عقد أو إبراء كأن أحال الغائب على مدين له حاضر فادعى أنه مكره عليه (أن) القاضي (يحلفه) أي أن يحلف المدعي نفسه إن كان حاضرا -لا وكيله إلا إن كان المدعي غائبا لمسافة تسمع عليه الدعوى فيها- (بعد البينة) وتعديلها (أن الحق) في الصورة الأولى (ثابت في ذمته) إلى الآن احتياطا للمحكوم عليه; لأنه لو حضر لربما ادعى ما يبريه. ويشترط أن يقول مع ذلك ((وأنه يلزمه تسليمه إليَّ)) ; لأنه قد يكون عليه ولا يلزمه أداؤه لتأجيل أو نحوه، نعم ما ذكر في المتن لا يأتي في الدعوى بعين بل يحلف فيها على ما يليق بها، وكذا نحو الإبراء كما يأتي. ويشترط أن يتعرض مع الثبوت ولزوم التسليم إلى أنه لا يعلم أن في شهوده قادحا في الشهادة مطلقا أو بالنسبة للغائب كفسق وعداوة وتهمة؛ بناء على الأصح أن المدعى عليه لو كان حاضرا وطلب تحليف المدعي على ذلك أجيب، ولا يبطل الحق بتأخير هذه اليمين، ولا ترتد بالرد; لأنها ليست مكملة للحجة، وإنما هي شرط للحكم. ولو ثبت الحق وحلف ثم نقل إلى حاكم آخر ليحكم به لم تجب إعادتها. أما إذا كان له وكيل حاضر فالأوجه توقف التحليف على طلبه. والحاصل أن الدعوى إن سمعت على الوكيل توجه الحكم إليه دون موكله إلا بالنسبة لليمين؛ احتياطا لحق الموكل، وإن لم تسمع عليه توجه الحكم إلى الغائب من كل وجه في اليمين وغيرها.
стр. 1980
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ
[تنبيه] علم مما مر أن القاضي يخير فيمن له وكيل حاضر بين سماع الدعوى على الوكيل وسماعها على الغائب إذا وجدت شروط القضاء عليه، ولا يتعين عليه أحد هذين; لأن كلا منهما يتوصل به إلى الحق، فإن لم توجد شروط القضاء على الغائب وجب سماعها على الوكيل حينئذ؛ لئلا يضيع حق المدعي (وقيل يستحب) التحليف; لأنه يمكنه التدارك إن كان له دافع.
[تنبيه] لو ادعى على غائب بنحو طلاق كأن علقه بمضي شهر فمضى حكم به ولا ينتظر وإن احتمل أن تخلفه بعذر .
[تنبيه آخر] ظاهر قول المصنف أن الحق ثابت في ذمته أنه لو لم يثبت الحق في ذمته كدعوى العتق والطلاق ونحو ذلك من حقوق الله المتعلقة بشخص معين وشهدت البينة حسبةً على إقراره لم تجب يمين الاستظهار إن لاحظ القاضي جهة الحسبة في حكمه وأعرض عن طلب نحو العبد لليمين، والأوجه وجوبها مطلقا وإن لاحظ جهة الحسبة؛ احتياطا للغائب (١)، وليس من محل الخلاف ما إذا علق بعدم الإنفاق عليها فتحلف أن نفقتها باقية عليه ما برئ منها بطريق من الطرق.
[فرع] لو أقر بدين وهو مريض وأوصى بقضائه وفي الورثة يتيم لزم الدائن يمين بأن الإقرار حق، وببقاء الدين وإن لم يمض مدة إمكان أدائه؛ لاحتمال الإبراء أو نحوه ، (ويجريان) أي الوجهان كما قبلهما من الأحكام (في دعوى على صبي ومجنون) لا ولي له، أو له ولي ولم يطلب فلا تتوقف اليمين على طلبه (٢)، وميت ليس له وارث خاص حاضر كالغائب بل أولى؛ لعجزهم عن التدارك، فإذا كملا أو قدم الغائب فهم على حجتهم. أما من له وارث خاص حاضر كامل فلا بد في تحليف خصمه بعد البينة من طلبه، والفرق بينه وبين ما مر في الولي ظاهر، ومن ثم لو كان على الميت دين مستغرق لم يتوقف على طلبه إلا إن حضر معه كل الغرماء وسكتوا، نعم إن سكت عن طلبها لجهل عرَّفه الحاكم فإن لم يطلبها قضى عليه بدونها. وخرج بمن ذكر متعزز ومتوارٍ فيقضى عليهما بلا يمين كما يأتي؛ لتقصيرهما.
стр. 1981
وَلَوِ ادَّعَى وَكِيلُ الْغَائِبِ عَلَى غَائِبٍ فَلَا تَحْلِيفَ. وَلَوْ حَضَرَ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ لِوَكِيلِ المُدَّعِي أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك أَمَرَ بِالتَّسْلِيمِ
[فرع] لا تسقط يمين الاستظهار بإحالة الدائن، ولا يمنع توقف طلبها من المحيل صحة الحوالة ولا سماع بينة المحتال. ولو باع القاضي مال غائب فقدم، وقال -أي الغائب-
بعتُهُ قبل بيع الحاكم قدم المالك بخلاف ما لو باع وكيله ثم ادعى سبق بيعه لا بد له من البينة; لأن ولاية الوكيل الخاص أقوى من ولاية الحاكم. والأوجه وجوب يمين الاستظهار فيما لو ادعى أن الميت أبرأه وأثبت الإبراء بالبينة؛ لاحتمال أنه كان مكرهاً على الإبراء أو الإقرار به. (ولو ادعى وكيل الغائب) أي إلى مسافة يجوز القضاء فيها على الغائب، أو في غير ولاية الحاكم وإن قربت (على غائب) أو صبي أو مجنون أو ميت وإن لم يرثه إلا بيت المال (فلا تحليف) بل يحكم بالبينة; لأن الوكيل لا يتصور حلفه على استحقاقه ولا على أن موكله يستحقه ولو وقف الأمر إلى حضور الموكل؛ لتعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء، نعم لو وجبت يمين على الموكل لم تسقط بغيابه وتوكيله، أما الغائب إلى محل قريب وهو بولاية القاضي فتلزمه اليمين فيتوقف الأمر إلى حضوره وحلفها; لأنه لا مشقة عليه في الحضور حينئذ بخلاف ما لو بَعُد أو كان بغير ولاية الحاكم. ولو ادعى قيم صبي أو مجنون دينا له على كامل فادعى وجود مسقط كـ ((أَتْلَفَ أحدهما عليَّ من جنس ما يدعيه بقدر دينه))، وكـ ((أبرأني مورثه، أو قبضه مني قبل موته))، وكـ ((أقررت لكن على رسم القبالة (١) لم يؤخر الاستيفاء لليمين المتوجهة على أحدهما بعد كماله؛ لإقراره فلم يراع بخلاف من قامت عليه البينة في المسألة الآتية. ولو ادعى قيّم صبي أو مجنون على صبي أو مجنون أو غائب وُقِف الأمر إلى الكمال والحضور؛ لتوقفه على اليمين المتعذرة لكن ينبغي أن يأخذ حينئذٍ القاضي من مال المدعى عليه ما يفي بالمدعى به أو ثمنه إن خشي تلفه، ويكون ذلك تحت يد القاضي، ويحلف الولي يمين الاستظهار فيما باشره؛ بناء على ما يأتي. (ولو حضر المُدَّعى عليه وقال) بعد الدعوى عليه من وكيل غائب بدين له عليه (لوكيل المدعي) الغائب (أبرأني موكلك) أو وفيته مثلا فأخِّر الطلب إلى حضوره ليحلف لي أنه ما أبرأني لم يجب، و (أُمر بالتسليم) له، ثم يثبت الإبراء بعدُ إن كان له به حجة; لأنه لو وقف لتعذر الاستيفاء بالوكلاء، نعم له تحليف الوكيل إذا ادعى
стр. 1982
وَإِذَا ثَبَتَ مَالٌ عَلَى غَائِبٍ وَلَهُ مَالٌ قَضَاهُ الحَاكِمُ مِنْهُ،
عليه علمه بنحو إبراء أنه لا يعلم أن موكله أبرأه مثلا؛ لصحة هذه الدعوى؛ إذ لو أقر
بمضمونها بطلت وكالته، وقياس ذلك أن القاضي يحلفه على أنه لا يعلم صدور مسقط لما يدعيه من نحو قبض وإبراء ويُحمل قولهم لا يحلف الوكيل على الحلف على البت.
[فرع] يكفي في دعوى الوكيل مصادقة الخصم له على الوكالة إن كان القصد إثبات الحق لا تسلمه; لأنه -وإن ثبت عليه- لا يلزمه الدفع إلا على وجه مبرٍ، ولا يبرأ إلا بعد ثبوت الوكالة . (وإذا ثبت) عند حاكم (مال على غائب) أو ميت وحكم به بشروطه (وله مال) حاضر في محل عمله، أو دين ثابت على حاضر في المحل المذكور، ولا ينافيه منعهم الدعوى بالدين على غريم الغريم; لأنه محمول على ما إذا كان الغريم حاضرا أو غائبا ولم يكن دينه ثابتا على غريمه فليس له الدعوى ليقيم شاهدا ويحلف معه، نعم يجوز (١) لغريم الغائب (٢) إقامة البينة لإثبات العين (٣) فقد جزم ابن الصلاح بأن لغريم ميت لا وارث له، أو له وارث ولم يدع الدعوى على غريم الميت بعين له تحت يده لعله يقر، قال والأحسن إقامة البينة بها (قضاه الحاكم منه (٤) إذا طلبه المدعي; لأن الحاكم يقوم مقامه، ولا يطالبه بكفيل; لأن الأصل بقاء المال، ولا يعطيه بمجرد الثبوت; لأنه ليس بحكم. أما إذا كان في غير محل عمله فسيأتي قريبا، ويستثنى مما في المتن ما إذا كان الحاضر يجبر على دفع مقابله للغائب كزوجة تدعي بصداقها الحال قبل الوطء، وبائع يدعي بالثمن قبل القبض، وما إذا تعلق بالمال الحاضر حق كبائع له لم يقبض ثمنه وطلب من الحاكم الحجر على المشتري الغائب حيث استحقه فيجيبه، ولا يوفى الدين منه، وكذلك يقدم مؤنة ممون الغائب ذلك اليوم على الدين الذي عليه وطُلِب قضاؤه من ماله. ولو كان نحو مرهون تزيد قيمته على الدين فللقاضي بطلب المدعي إجبار المرتهن
стр. 1983
وَإِلَّا فَإِنْ سَأَلَ المُدَّعِي إنْهَاءَ الحَالِ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ أَجَابَهُ فَيُنْهِي إلَيْهِ سَمَاعَ بَيِّنَةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِيَ المَالَ، أَوْ حُكْمًا لِيَسْتَوْفِيَ. وَالْإِنْهَاءُ أَنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ، ....
على أخذ حقه بطريقه ليبقى الفاضل للدائن. ولو باع قاضٍ مال غائب في دينه فقدم وأبطل الدين بإثبات إيفائه أو نحو فسق شاهد بطل البيع.
(وإلا) يكن له مال في محل عمله، أو لم يحكم (فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب) أو إلى كل من يصل إليه الكتاب من القضاة (أجابه) وجوبا وإن كان المكتوب إليه قاضي ضرورة؛ مسارعة لقضاء حقه (فينهي إليه سماع بينة) ثم إن عدَّلها لم يحتج المكتوب إليه إلى تعديلها وإلا احتاج إليه (ليحكم بها ثم يستوفي) الحق. وفي حكم البينة هنا علم القاضي فيكتب به كذلك، وللقاضي أن يكتب سماع شاهد واحد ليسمع المكتوب إليه شاهدا آخر أو يحلفه ويحكم له (أو) ينهي إليه (حكما) إن حكم (ليستوفي (١) الحق; لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ولا يشترط هنا بُعْد المسافة كما يأتي. ولو كتب لمعين فشهد الشاهدان عند غيره أمضاه؛ إذ الاعتماد على الشهادة. ولو حضر الغائب وطلب من الكاتب المبهم البينة المعدل لها أن يبينها له ليقدح فيها أجيب. ولو شهدت بينة عند قاض أن القاضي فلانا ثبت عنده كذا لفلان وكان قد مات أو عُزل حكم به ولم يحتج لإعادة البينة بأصل الحق، وقولهم إذا عزل بعد سماع بينة ثُمَّ وَلِّيَ أعادها محله إذا لم يكن قد حكم بقبول البينة وإلا لم تجب استعادتها وإن لم يكن قد حكم بالإلزام بالحق. ولو فسق القاضي الكاتب والحال أن الكتاب بسماع الشهادة لم يقبل ولم يحكم به كما لو فسق الشاهد قبل الحكم، ومحله إذا كان فسقه قبل عمل المكتوب إليه بالسماع فإن كان بعده لم ينتقض.
[تنبيه] إنما يعتد بكتاب القاضي فيما لم يمكن تحصيله بغيره، فلو طلب منه أن يحكم لغريب حاضر على غائب بعين غائبة ببلد الغريب وله بينة من بلده عازمون على السفر إليه لم تسمع شهادتهم وإن سمعها لم يكتب بها بل يقول له اذهب معهم لقاضي بلدك وبلد ملكك ليشهدوا عنده (والإنهاء أن يشهد) ذكرين (عدلين بذلك) أي بما جرى عنده من ثبوت أو حكم، ولا يكفي غير رجلين ولو في مال أو هلال رمضان.
стр. 1984
وَيُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ يَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَيَخْتِمُهُ، وَيَشْهَدَانِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَ، فَإِنْ قَالَ: لَسْتُ المُسَمَّى فِي الْكِتَابِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَعَلَى المُدَّعِي بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذَا المَكْتُوبَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ، فَإِنْ أَقَامَهَا بِذَلِكَ فَقَالَ لَسْتُ المَحْكُومَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الحُكْمُ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَ أُحْضِرَ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ طُولِبَ وَتُرِكَ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا بَعَثَ إلَى الْكَاتِبِ لِيَطْلُبَ مِنَ الشُّهُودِ زِيَادَةَ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وَيَكْتُبُهَا ثَانِيًا
(ويستحب كتاب به)؛ ليذكر الشهود الحال (يذكر فيه ما يتميز به المحكوم) أو المشهود (عليه) وله من اسم ونسب وصنعة وحلية وأسماء الشهود وتاريخه (ويختمه) ندبا؛ حفظا له وإكراما للمكتوب إليه. وختم الكتاب من حيث هو سنة متبعة، وظاهرٌ أن المراد بختمه جعل نحو شمع عليه ويختم عليه بخاتمه; لأنه يحفظ بذلك ويكرم به المكتوب إليه حينئذ. ويسن له ذكر نقش خاتمه الذي يختم به في الكتاب وأن يثبت اسم نفسه واسم المكتوب إليه في باطنه وعنوانه وقبل ختمه يقرؤه هو أو غيره بحضرته على الشاهدين، ويقول أشهدكما أني كتبت إلى فلان بما فيه، ولا يكفي أشهدكما أن هذا خطي أو أن ما فيه حكمي، ويدفع لهما نسخة أخرى غير مختومة يتذاكران بها. ولو خالفاه أو انمحى أو ضاع فالعبرة بهما (و) بعد وصوله للمكتوب إليه وإحضاره الخصم (يشهدان عليه إن أنكر) بما فيه (فإن قال لستُ المُسَمَّى في الكتاب صدق بيمينه) على ذلك; لأن الأصل براءته (وعلى المدعي بينة) ويكفي فيها العدالة الظاهرة (بأن هذا المكتوب اسمه، ونسبه)، نعم إن كان معروفا بهما حكم عليه ولم يلتفت لإنكاره (فإن أقامها بذلك فقال لست المحكوم عليه لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات) أو كان ولم يعاصره (١) ; لأن الظاهر أنه المحكوم عليه (وإن كان) هناك من يشاركه -بعلم القاضي أو بينة- وقد عاصره وأمكنت معاملة المدعي أو ورثته لذلك المشارك، أو أمكن إتلاف المشارك لمال المدعي ومات المشارك بعد الحكم أو قبله وقع (٢) الإشكال فيرسل للكاتب بما يأتي، وإن لم يمت (أحضر، فإن اعترف بالحق طولب وترك الأول) إن صدق المدعي المقر وإلا فهو مقر لمنكر، ويبقى طلبه على الأول (وإلا) أي وإن أنكر (بعث) المكتوب إليه (إلى الكاتب) بما وقع من الإشكال (ليطلب من الشهود زيادة صفة تميزه ويكتبها) وينهيها لقاضي بلد الغائب (ثانيا) فإن لم يجد مزيدا وُقِف الأمر حتى ينكشف
стр. 1985
وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الحَاكِمِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ فَفِي إمْضَائِهِ إذَا عَادَ إلَى وِلَايَتِهِ خِلَافُ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ، وَلَوْ نَادَاهُ فِي طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا أَمْضَاهُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ كَتَبَ سَمِعْتُ بَيِّنَةً عَلَى فُلَانٍ، وَيُسَمِّيهَا إنْ لَمْ يُعَدِّلْهَا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ جَوَازُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ. وَالْكِتَابُ بِالحُكْمِ يَمْضِي مَعَ قُرْبِ المَسَافَةِ، وَبِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَا يُقْبَلُ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا فِي مَسَافَةِ قَبُولِ شَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ
الحال (١). (ولو حضر قاضي بلد الغائب) سواء المكتوب إليه وغيره (ببلد الحاكم) ولو أمين الشرطة لكن بشرط أن ينحصر الخلاص في الإنهاء إليه نظير ما يأتي في الشهادة عنده (فشافهه بحكمه ففي إمضائه) أي تنفيذه (إذا عاد إلى) محل (ولايته خلاف القضاء بعلمه) والأصح جوازه; لأنه قادر على الإنشاء. وخرج به ما لو شافهه بسماع البينة دون الحكم فإنه لا يقضي بها إذا رجع إلى محل ولايته قطعا; لأنه مجرد إخبار كالشهادة. (ولو ناداه) كائنين (في طرفي ولايتهما) وقال له إني حكمت بكذا (أمضاه) أي نفذه، وكذا إذا كان في بلد قاضيان -ولو نائبا ومنيبه- وشافه أحدهما الآخر بحكمه فيمضيه وإن لم يحضر الخصم، (فإن اقتصر) القاضي الكاتب (على سماع بينة كَتَبَ سمعتُ بَيِّنَةً على فلانٍ) ويصفه بما يميزه ليحكم عليه المكتوب إليه (ويسميها) وجوبا ويرفع في نسبها (إن لم يعدلها)؛ ليبحث المكتوب له عن عدالتها، وغيرها حتى يحكم بها. و يتعين تعديلها إذا علم أنه ليس له في بلد المكتوب له من يعرفها (وإلا) بأن عدلها (فالأصح جواز ترك التسمية) -ولو في غير مشهوري العدالة- اكتفاء بتعديل الكاتب لها كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، نعم إن كانت شاهدا ويمينا، أو يمينا مردودة وجب بيانها -كالحكم بالعلم (٢) -; لأن الإنهاء قد يصل لمن لا يرى قبولها. ولو ثبت الحق بالإقرار لزمه بيانه، ولا يجزم بأنه عليه؛ لقبول الإقرار للسقوط بدعوى أنه على رسم القبالة فيطلب يمين خصمه فيردها فيحلف فيبطل الإقرار. (والكتاب) والإنهاء بلا كتاب (بالحكم) من الحاكم لا المحكم (يمضي مع قرب المسافة) وبعدها; لأن الحكم تم فلم يبق بعده إلا الاستيفاء، (وبسماع البينة لا يقبل على الصحيح إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة) فيقبل
стр. 1986
فصل في غيبة المحكوم به عن مجلس القضاء
ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنِ الْبَلَدِ يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ وَعَبْدٍ وَفَرَسٍ مَعْرُوفَاتٍ سَمِعَ بَيِّنَتَهُ وَحَكَمَ بِهَا وَكَتَبَ إلَى قَاضِي بَلَدِ المَالِ لِيُسَلِّمَهُ لِلْمُدَّعِي وَيَعْتَمِدُ فِي الْعَقَارِ حُدُودَهُ. أَوْ لَا يُؤْمَنُ فَالْأَظْهَرُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، وَيُبَالِغُ المُدَّعِي فِي الْوَصْفِ وَيَذْكُرُ الْقِيمَةَ،
من الحاكم لا المحكم أيضا (١) وهي فوق مسافة العدوى الآتية؛ لسهولة إحضار الحجة مع القرب، ومنه يعلم أنه لو تعسر إحضارها مع القرب بنحو مرض قُبِل الإنهاء، والعبرة في المسافة بما بين القاضيين لا بما بين القاضي المنهي والغريم.
[فرع] لو حضر الغريم وامتنع من بيع ماله الغائب لوفاء دينه به عند الطلب ساغ للقاضي بيعه لقضاء الدين وإن لم يكن المال بمحل ولايته، وكذا إن غاب الغريم بمحل ولايته بخلاف ما لو كان بغير محل ولايته; لأنه لا يمكن نيابته عنه في وفاء الدين حينئذ بخلافه في الصورتين الأولتين.
(فصل في غيبة المحكوم به عن مجلس القاضي)
سواء أكان بمحل ولايته أم لا، ولا فرق فيما يأتي بين حضور المدعى عليه وغيبته (ادعى عينا غائبة عن البلد) ولو في غير محل ولايته على ما مر (٢) (يؤمن اشتباهها كعقار وعبد وفرس معروفات) ولو للقاضي وحده إن حكم بعلمه أو بالشهرة أو بتحديد العقار (سمع) القاضي (بينته) التي ليست ذاهبة لبلد العين كما مر (وحكم بها) على حاضر وغائب (وكتب إلى قاضي بلد المال ليسلمه للمدعي) كما يسمع البينة، ويحكم على الغائب فيما مر. (ويعتمد في) معرفة (العقار حدوده) الأربعة إلا إن تميزت بأقل ولو بواحد فيكفي، وتكفي أيضا الشهرة التامة للعقار عن ذكر الحدود. ويشترط أيضا ذكر بلده وسكنه ومحله منها لا قيمته؛ لحصول التمييز بدونها (أو لا يؤمن) اشتباهها كغير المعروف من نحو العبيد والدواب (فالأظهر سماع) الدعوى بها؛ اعتمادا على الأوصاف أيضا لإقامة (البينة) عليها; لأن الصفة تميزها والحاجة داعية إلى إقامة الحجة عليها كالعقار (ويبالغ) وجوبا (المدعي في الوصف) للمثلي بما يمكن الاستقصاء به؛ ليحصل التمييز به الحاصل غالبا بذلك (ويذكر القيمة) في
стр. 1987
وَأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهَا بَلْ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي بَلَدِ المَالِ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ فَيَأْخُذُهُ وَيَبْعَثُهُ إلَى الْكَاتِبِ لِيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُهُ للمُدَّعِي بِكَفِيلٍ بِبَدَنِهِ فَإِنْ شَهِدُوا بِعَيْنِهِ كَتَبَ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ، وَإِلَّا فَعَلَى المُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ. أَوْ غَائِبَةً عَنِ المَجْلِسِ لَا الْبَلَدِ أُمِرَ بِإِحْضَارِ مَا يُمْكِنُ إحْضَارُهُ لِيَشْهَدُوا بِعَيْنِهِ، وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ
المتقوم وجوبا أيضا؛ إذ لا يصير معلوما إلا بها. أما ذكر قيمة المثلي والمبالغة في وصف المتقوم فمندوبان، (و) الأظهر (أنه لا يحكم بها) أي بما قامت البينة عليه; لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد والحاجة تندفع بسماع البينة بها اعتمادا على صفاتها والكتابة بها كما قال: (بل يكتب إلى قاضي بلد المال بما شهدت به) البينة، فإن أظهر الخصم هناك عينا أخرى مشاركة لها بيده، أو يد غيره أشكل الحال نظير ما مر في المحكوم عليه، وإن لم يأت بدافع عمل القاضي المكتوب إليه بالصفة التي تضمنها الكتاب، وحينئذ (فيأخذه) ممن هو عنده (ويبعثه إلى) القاضي (الكاتب ليشهدوا على عينه)؛ ليحصل اليقين (و) لكن (الأظهر أنه) لا (يسلمه للمدعي) إلا (بكفيل) ويظهر وجوب كونه ثقة مَلِيَّا قادرا؛ ليطيق السفر لإحضاره ولْيَصْدُق في طلبه (ببدنه)؛ احتياطا للمدعى عليه حتى إذا لم يعينه الشهود طولب برده، نعم الأمة التي تحرم خلوته بها لا ترسل معه بل مع أمين معه في الرفقة، ويشترط أيضا وجود نحو محرم أو امرأة ثقة تمنع الخلوة. ويسن أن يختم على العين وأن يعلق قلادة بعنق الحيوان بختم لازم لئلا يبدل بغيره (فإن) ذهب به إلى القاضي الكاتب، و (شهدوا) عنده (بعينه كتب ببراءة الكفيل) بعد تتميم الحكم وتسليم العين للمدعي ولم يحتج لإرسال ثان (وإلا) يشهدوا بعينه (فعلى المدعي مؤنة الرد) كالذهاب؛ لظهور تعديه، وعليه مع ذلك أجرة تلك المدة إن كانت له منفعة; لأنه عطلها على صاحبها بغير حق (أو) ادعى عينا غير معروفة للقاضي ولا مشهورة للناس (غائبة عن المجلس لا البلد) أو قريبة من البلد وسهل إحضارها (أمر بإحضار ما يمكن) أي يتيسر من غير كبير مشقة لا تحتمل عادة (إحضاره) ليدعي (١) و (ليشهدوا بعينه)؛ لتوصله به لحقه فوجب كما يجب على الخصم الحضور عند الطلب (ولا تسمع) حينئذ (شهادة بصفة) كما في الخصم الغائب عن المجلس في البلد ونحوه؛ لعدم الحاجة إلى ذلك بخلافه في الغائب عن ذلك. إما مشهور أو معروف للقاضي وأراد الحكم فيه
стр. 1988
وَإِذَا وَجَبَ إحْضَارٌ فَقَالَ لَيْسَ بِيَدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ لِلْمُدَّعِي دَعْوَى الْقِيمَةِ
بعلمه (١) فيحكم به من غير إحضاره بخلاف ما إذا لم يحكم بعلمه لا بد من إحضاره (٢)؛ لما تقرر أن الشهادة لا تسمع بصفة، وأما ما لا يسهل إحضاره كالعقار، فإن اشتهر أو عرفه القاضي وحكم بعلمه أو وصف وحدد (٣) فتسمع البينة ويحكم به، فإن قالت البينة إنما نعرف عينه فقط تعين حضور القاضي أو نائبه لتقع الشهادة على عينه فإن كان هو المحدود في الدعوى حكم وإلا فلا، وأما ثقيل ومثبت (٤) وما يورث قلعه ضررا له وقع عرفا فيأتيه القاضي، أو نائبه للدعوى على عينه (٥) بعد وصف ما يمكن وصفه، وقد تسمع البينة بالوصف بأن شهدت بإقرار المدعى عليه باستيلائه على عين صفتها كذا، ومؤنة الإحضار على المدعى عليه إن ثبت للمدعي وإلا فهي ومؤنة الرد على المدعي كما يأتي. وعُلم مما تقرر قبول الشهادة على العين وإن غابت عن الشهود بعد التحمل، قال أبو زرعة: ((والذي لا أشك فيه أن الشاهد إن كان من أهل الدين واليقظة التامة قبلت شهادته بها وتشخيصه لها ولا يقال له من أين علمتها; لأنه قد يحصل له بعينها مميز لها عن مشاركها في وصفها من قرائن وممارسة بها، وإن لم يكن كذلك فينبغي للقاضي أن يسأله فإن ذكر أنه لازَمَهَا من تحمله إلى أدائه قُبِل، وإن قال غابت عني لكنها لم تشتبه عليّ فينبغي للقاضي امتحانه بخلطها بمشابهها من جنسها فإن ميزها حينئذ علم صِدْقه وضبطه)). انتهى، نعم قوله ((ينبغي)) الأول والثاني محمول على الوجوب إن كان الشاهد ليس مشهورا بالديانة والضبط، وعلى الندب إن كان مشهورا بذلك (وإذا وجب إحضار فقال) عندي عين بهذه الصفة لكنها غائبة غرم قيمتها للحيلولة، أو (ليس بيدي عين بهذه الصفة صدق بيمينه) على حسب جوابه; لأن الأصل معه (ثم) بعد حلف المدعى عليه (للمدعي دعوى القيمة) في المتقوم والمثل في المثلي؛ لاحتمال أنها
стр. 1989
فَإِنْ نَكَلَ فَحَلَفَ المُدَّعِي أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً كُلِّفَ الْإِحْضَارَ وَحُبِسَ عَلَيْهِ، وَلَا يُطْلَقُ إلَّا بِإِحْضَارٍ أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ، وَلَوْ شَكَّ المُدَّعِي هَلْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ فَيَدَّعِي قِيمَةً أَمْ لَا فَيَدَّعِيهَا فَقَالَ غَصَبَ مِنِّي كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَقِيلَ لَا بَلْ يَدَّعِيهَا وَيُحَلِّفُهُ ثُمَّ يَدَّعِي الْقِيمَةَ وَيَجْرِيَانِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِدَلَّالٍ لِيَبِيعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ، أَمْ أَتْلَفَهُ فَقِيمَتَهُ أَمْ هُوَ بَاقٍ فَيَطْلُبُهُ، وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْإِحْضَارَ فَثَبَتَ لِلْمُدَّعِي اسْتَقَرَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهِيَ وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى المُدَّعِي
هلكت (فإن نكل) المدعى عليه عن اليمين (فحلف المدعي أو أقام بينة) بأن العين الموصوفة كانت بيده وإن قالت لا نعلم أنها ملك المدعي (كلف الإحضار)؛ ليشهد الشهود على عينه كما مر (و) ما لم يبين عذرا له فيه (حبس عليه)؛ لامتناعه من حق لزمه (ولا يطلق إلا بإحضار) للموصوف (أو دعوى تلف) له مع الحلف عليه، وحينئذ فيأخذ منه القيمة أو المثل، ويقبل دعواه التلف وإن ناقض قوله الأول؛ للضرورة، نعم لو أضاف التلف إلى جهة ظاهرة طولب ببينة بها ثم يحلف على التلف بها كالوديع (ولو شك المدعي هل تلفت العين فيدعي قيمة أم لا فيدعيها فقال غصب مني كذا فإن بقي لزمه رده وإلا فقيمته) في المتقوم، ومثله في المثلي (سمعت دعواه) وإن كانت مترددة للحاجة، ثم إن أقر بشيء فذاك وإلا حلف أنه لا يلزمه رد العين ولا بدلها، وإن نكل حلف المدعي كما ادعى (١) (وقيل بل يدعيها) أي العين (ويحلفه) عليها (ثم يدعي القيمة) إن تقوم وإلا فالمثل، (ويجريان فيمن دفع ثوبه لدلال ليبيعه فجحده وشك هل باعه فيطلب الثمن أم أتلفه فـ) يطلب (قيمته أم هو باق فيطلبه) فعلى الأول الأصح تسمع دعواه مترددة بين هذه الثلاثة فيدعي أن عليه رده، أو ثمنه إن باعه وأخذه، أو قيمته إن أتلفه، ويحلف الخصم يمينا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، فإن رد حلف المدعي كما ادعى ثم يكلف المدعى عليه البيان ويحلف إن ادعى التلف، فإن رد حلف المدعي أنه لا يعلم التلف ثم يحبس له (وحيث أوجبنا الإحضار فثبتت للمدعي استقرت مؤنته على المدعى عليه) ; لأنه المحوج إلى ذلك (وإلا) تثبت له (فهي) أي مؤنة الإحضار (ومؤنة الرد) للعين إلى محلها (على المدعي) ; لأنه المحوج للغرم، وعليه أيضا
стр. 1990
أجرة مثل منافع تلك المدة إن كانت غائبة عن البلد لا المجلس فقط، ونفقتها إلى أن تثبت في بيت المال ثم باقتراضٍ ثم على المدعي.
[فرع] غاب إنسان من غير وكيل وله مال فأنهى إلى الحاكم أنه إن لم يبعه اختل معظمه لزمه بيعه إن تعين طريقا لسلامته ، وقد صرح الأصحاب بأنه إنما يتسلط على أموال الغائبين إذا أشرفت على الضياع أو مست الحاجة إليها في استيفاء حقوق ثبتت على الغائب، قالوا ثم في الضياع تفصيل فإن امتدت الغيبة وعسرت المراجعة قبل وقوع الضياع ساغ التصرف، وليس من الضياع اختلال لا يؤدي لتلف المعظم ولم يكن ساريا؛ لامتناع بيع مال الغائب لمجرد المصلحة. والاختلال المؤدي لتلف المعظم ضياع، نعم الحيوان يباع بمجرد تطرق اختلال إليه؛ لحرمة الروح، ومتى أمكن تدارك الضياع بالإجارة اكتفى بها، ويقتصر على أقل زمن يحتاج إليه. ولو نهى عن التصرف في ماله امتنع إلا في الحيوان. وللقاضي بيع مال الغائب بنفسه أو قيِّمه إذا احتاج إلى نفقة، وكذا إذا خاف فوته أو كان الصلاح في بيعه، ولا يأخذ له بالشفعة. وإذا قدم لم ينقض بيع الحاكم ولا إيجاره. ولو كان للغائب دين أو عين على شخص فالأوجه أنه يجوز قبض الحاكم للعين لا الدين; لأن بقاء الدين في الذمة أحرز منه في يد الحاكم بخلاف العين (١)، والكلام في مدين ثقة مليء وإلا وجب أخذه منه قطعا. نعم ما غلب على الظن فواته على مالكه لفلس أو جحد أو فسق يجب أخذه عينا كان أو دينا، وكذا لو طلب مَن العين عنده قبضها منه لسفر أو نحوه، وما لا يكون كذلك يجوز في العين لا الدين، والكلام في قاض أمين كما علم مما مر في الوديعة. ولو مات الغائب وورثه محجور وليُّه القاضي لزمه قبض وطلب جميع ماله من عين ودين والله أعلم (٢).
стр. 1991
فصل
الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ مَنْ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ إلَى مَوْضِعِهِ لَيْلًا،
(فصل)
(الغائب الذي تسمع) الدعوى و (البينة) عليه (ويحكم عليه مَنْ بمسافة بعيدة (١) ; لأن في إيجاب الحضور منها مشقة بمفارقة الأهل والوطن ليلا، أما القريب فيسهل إحضاره. ولو حكم على غائب فبان كونه حينئذ بمسافة قريبة بان فساد الحكم (٢)، ويجري ذلك في صبي أو مجنون أو سفيه بان كماله. ولو قدم الغائب وقال -ولو بلا بينة- كنت بعت أو أعتقت قبل بيع الحاكم بان بطلان (٣) تصرف الحاكم كما مر. ولو بان المُدَّعى موته حيا بعد بيع الحاكم ماله في دينه بان بطلانه إن كان الدين مؤجلا؛ لتبين بقائه، أما إن كان الدين حالا وبان المدين معسرا لا يملك غير المبيع فيصح البيع؛ إذ لو رفع للقاضي باع ماله حينئذ بخلاف ما إذا لم يكن كذلك إذ يتبين بطلان البيع (٤) ; لأنه لا يلزمه الوفاء من هذا المبيع بعينه. ولو بان أن لا دين بان أن لا بيع، (وهي) أي البعيدة (التي لا يرجع منها) متعلق بقوله (مبكِّر) أي خارج عقب طلوع الفجر (إلى موضعه ليلا) أي أوائله، وهي ما ينتهي إليه سفر الناس غالبا. والعبرة في ذلك باليوم المعتدل، ويعتبر في ذلك زمن المحاكمة المعتدلة من دعوى وجواب وإقامة بينة حاضرة أو حلف وتعديلها. والعبرة بسير الأثقال; لأنه المنضبط المعوَّل عليه في نحو مسافة القصر. ولو كان لمحل طريقان وهو بأحدهما على المسافة وبالآخر على دونها، فإن كانت القصيرة وعرة جدا لم تعتبر وإلا اعتبرت، أي ولا تعتبر الأبعد؛ لأن الأصل منع الحكم
стр. 1992
وَقِيلَ مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَمَنْ بِقَرِيبَةٍ كَحَاضِرٍ فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ وَلَا يُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ إلَّا لِتَوَارِيهِ أَوْ تَعَزُّرِهِ. وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَمَنْعُهُ فِي حَدٍّ للهِ تَعَالَى
على الغائب حتى يتحقق بُعد المحل من كل وجه (١)، (وقيل) هي (مسافة القصر) ; لأن الشرع اعتبرها في مواضع، ويرد بوضوح الفرق. هذا كله حيث كان الغائب في محل ولاية القاضي، فإن كان خارجها سمع الدعوى عليه والبينة وحكم وكاتب وإن قربت الولايتان، (ومن بـ) مسافة (قريبة) -ولو بعد الدعوى عليه في حضوره- وهو ممن يتأتى حضوره (كحاضر فلا تسمع) دعوى، ولا (بينة) عليه (ولا يحكم بغير حضوره) بل يحضره وجوبا؛ لسهولة إحضاره؛ لئلا يشتبه على الشهود، أو ليدفع إن شاء، أو يقر فيغني عن البينة والنظر فيها، أو لتمتنع الشهود إن كانوا كَذَبَة حياء أو خوفا منه، ومحل ما ذكر في منع سماع البينة إذا تيسر إحضار المدعى عليه ولم يضطر الشهود إلى السفر فورا وإلا فينبغي حينئذ جواز سماعها في غيبته؛ للضرورة وإن أمكن أن يُشْهَد على شهادتها. وإذا سمعت في غيبته وجب أن يخبر بأسمائهم؛ ليتمكن من القدح (إلا لتواريه) ولو بالذهاب لنحو السلطان زعما منه أنه يخاف جور الحاكم عليه; لأن الخصم لو مُكِّن من ذلك تعذر القضاء فوجب أن لا يلتفت لهذا العذر منه وإن اشتهر جور قاضي الضرورة وفسقه، أو حبسه بمحل لا يمكن الوصول إليه، أو هربه من مجلس الحكم (أو تعززه) أي تغلبه وقد ثبت ذلك عند القاضي فتسمع البينة ويحكم بغير حضوره من غير يمين (٢) للاستظهار؛ تغليظا عليه وإلا لامتنع الناس كلهم، فإن لم يكن للمدعي بينة جعل الآخر في حكم الناكل (٣) فيحلف المدعي يمين الرد ثم يحكم له لكن لا بد من تقديم النداء بأنه إن لم يحضر جعل ناكلا. (والأظهر جواز القضاء على غائب في قصاص وحد قذف) ; لأنه حق آدمي كالمال (ومنعه في حد) أو تعزير (لله تعالى)؛ لبنائهما على المسامحة والدرء ما أمكن، وما فيه الحقان كالسرقة يقضى فيه بالمال لا القطع.
стр. 1993
وَلَوْ سَمِعَ بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ قَبْلَ الحُكْمِ لَمْ يَسْتَعِدْهَا بَلْ يُخْبِرُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنِ الجَرْحِ. وَلَوْ عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ ثُمَّ وُلِّيَ وَجَبَتِ الِاسْتِعَادَةُ. وَإِذَا اُسْتُعْدِيَ عَلَى حَاضِرٍ بِالْبَلَدِ أَحْضَرَهُ بِدَفْعِ خَتْمِ طِينٍ رَطْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِمُرَتَّبٍ لِذَلِكَ،
(ولو سمع بينة على غائب فقدم) ولو (قبل الحكم لم يستعدها) أي لم يلزمه لوقوع سماعها صحيحا (بل يخبره) بالحال فيتوقف حكمه على إخباره (ويمكنه من الجرح) أو نحوه كإثبات نحو عداوة ولو بعد الحكم، ويمهل ثلاثة أيام ولا بد أن يؤرخ الجرح بيوم الشهادة أو قبلها وقبل مضي مدة الاستبراء.
وقد استطرد بذكر مسائل لها نوع تعلق بالباب فقال (ولو عزل) أو انعزل (بعد سماع بينة ثم وُلِّي) ولم يكن حكم بقبولها (وجبت الاستعادة) ولا يحكم بالسماع الأول؛ لبطلانه بالانعزال بخلاف ما لو خرج عن محل ولايته ثم عاد لبقاء ولايته وبخلاف ما لو حكم بقبولها فإن له الحكم بالسماع الأول، ولا أثر لإشهاده على نفسه بسماع البينة; لأنه ليس حكما بقبولها (وإذا اسْتُعْدِي على حاضر بالبلد) -ولو يهوديا يوم سبته- أهلٍ لسماع الدعوى وجوابها، أي طلب الخصم من القاضي إحضاره ولم يعلم كذبه ولا كان أجير عين ولا نحو معاهد ولا أراد التوكيل (أحضره) وجوبا وإن أحالت العادة ما ادعاه عليه (١) كوزير ادعى عليه وضيع أنه استأجره سائسا أو نازحَ قذرٍ. أما إذا علم كذبه فلا يحضره، وكذا أجير عين وحضوره يعطل حق المستأجر فلا يحضره حتى تنقضي مدة الإجارة (٢)، ويظهر ضبط التعطيل المضر بأن يمضي زمن يقابل بأجرة وإن قلَّت، وكذا من الحكم بينهما غير لازم له كمعاهد على مثله، وكذا من وكَّل فيقبل وكيله ولا يلزمه الحضور بنفسه، ويلزمه إذا لزم مخدرة يمين أن يرسل إليها من يحلفها كما يأتي (بدفع ختم طين رطب أو غيره) مكتوب فيه أجب القاضي فلانا، والعادة الآن الكتابة في الورق (أو بمرتب لذلك) وهو العون المسمى الآن بالرسول، نعم ما ذكر المتن من التخيير غير مراد؛ إذ الأصح أنه يرسل الختم أوّلا فإن امتنع فالعون.
стр. 1994
فَإِنِ امْتَنَعَ بِلَا عُذْرٍ أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَعَزَّرَهُ. أَوْ غَائِبٍ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ إحْضَارُهُ، أَوْ فِيهَا وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ لَمْ يُحْضِرْهُ بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَةً وَيَكْتُبُ إلَيْهِ،
[تنبيه] أجرة العون، وكذا أجرة ملازم المدين- الذي لم يثبت إعساره -تلزم المطلوب إن امتنع بعد طلب الحاكم له وإلا فالطالب، والكلام في عون من ليس له رزق من بيت المال وإلا فلا شيء له على واحد منهما .
[تنبيه آخر] إن قال المدعي للمُدعى عليه عليك كذا فاحضر معي للقاضي لم يلزمه الحضور إلا بطلب القاضي (١) بخلاف ما لو قال له بيني وبينك خصومة فاحضر معي فيلزمه الحضور (٢)، نعم متى وكّل لم يلزمه الحضور بنفسه، (فإن امتنع) من الحضور بنفسه أو وكيله (٣) من محل تلزمه الإجابة منه (بلا عذر) من أعذار الجمعة (٤)، وثبت ذلك عنده ولو بقول عون ثقة (أحضره بأعوان السلطان) وأجرتهم عليه حينئذ (وعزَّره) إن رأى ذلك؛ لتعديه. ولو استخفى نودي متكررا بباب داره أنه ((إن لم يحضر إلى ثلاث سُمِّر بابه أو خُتِم وسمعت الدعوى عليه وحكم بها))، فإن لم يحضر بعدها وسأل المدعي أحدهما -أي التسمير أو الختم- وأثبت أنه يأوي داره أجابه. وواضحٌ أن التسمير فيه نوع نقص فلا يفعله إلا في مملوك له بخلاف الختم، ثم تسمع البينة عليه ويحكم بها (٥) كما لو هرب قبل الدعوى أو بعدها. وبعد الحكم عليه يزال التسمير أو الختم، نعم لا تسمر إذا كان يأويها غيره بأجرة، أما إن كانت عارية فيخرج منها وتسمر. ولو أخبر أنه بمحل نساء أرسل إليه ممسوحا أو مميزا (٦)، وبعد الظفر يعزره بحبس وغيره مما يراه، والمعذور يرسل إليه من يسمع الدعوى بينه وبين خصمه أو يلزم بالتوكيل، وله الحكم عليه بالبينة كالغائب (أو) ادعى على (غائب في غير) محل (ولايته فليس له إحضاره)؛ إذ لا ولاية له عليه بل يسمع الدعوى والبينة ثم يُنهي كما مر، (أو فيها وله هناك نائب) ومثله متوسط يصلح بين الناس وإن لم يصلح للقضاء (لم يحضره)؛ للمشقة مع تيسر الفصل (بل يسمع بينته) عليه (ويكتب إليه)
стр. 1995
أَوْ لَا نَائِبَ فَالْأَصَحُّ يُحْضِرُهُ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَقَطْ، وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ لَيْلًا. وَأَنَّ المُخَدَّرَةَ لَا تُحْضَرُ، وَهِيَ مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ
في المسافة السابقة؛ لسهولة الفصل حينئذ (أوْ لا نائب له فالأصح) أنه (يحضره) بعد تحرير الدعوى وصحة سماعها (من مسافة العدوى فقط) -بل أو فوقها (١) - (وهي التي يرجع منها مبكر) إلى محله (ليلا) كما علم مما مر مبسوطا (و) الأصح (أن المخدرة لا تحضر) صرفا للمشقة عنها كالمريض، وحينئذ فيرسل القاضي لها لتوكل، أو من يفصل بينهما، ويغلظ عليها بحضور الجامع للتحليف. ولا تحضر برزة من خارج البلد إلا مع نحو محرم أو نسوة ثقات أو امرأة؛ احتياطا لحق الآدمي (وهي من لا يكثر خروجها لحاجات) متكررة كشراء قطن بأن لا تخرج أصلا، أو تخرج نادرا لنحو عزاء أو حمام أو زيارة; لأنها غير مبتذلة بهذا الخروج بخلافه لنحو مسجد (٢).
стр. 1996
باب القسمة
قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصُوبُهُمْ أَوْ مَنْصُوبُ الْإِمَامِ. وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ: ذَكَرٌ حُرٌّ عَدْلٌ، يَعْلَمُ المِسَاحَةَ وَالحِسَابَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ وَجَبَ قَاسِمَانِ،
(باب القسمة)
وهي تمييز بعض الأنصباء من بعض. وأصلها قبل الإجماع ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ النساء: ٨ .. الآية وقسمته ﷺ للغنائم. (قد يقسم) المشترك (الشركاء) الكاملون، أما غير الكامل فلا يقسم له وليه إلا إن كان له فيه غبطة (١) (أو منصوبهم) أي وكيلهم (أو منصوب الإمام) أو الإمام نفسه -وإن غاب أحدهم; لأنه ينوب عنه- أو المحكم؛ لحصول المقصود بكل ممن ذكر. ولا يجوز لأحد الشريكين قبل القسمة أن يأخذ حصته إلا بإذن شريكه، أو امتناعه من المتماثل فقط؛ بناء على الأصح الآتي أن قسمته إفراز وما قبض من المشترك مشترك، نعم للحاضر أن ينفرد بأخذ نصيبه من مدع ثبت له منه حصة فكأنهم جعلوا غيبة شريكه عذرا في تمكنه منه كامتناعه، ويستثنى أيضا ما لو جُمِعَت دراهم لأمر وخلطت ثم بدا لهم تركه فلأحدهم أخذ قدر حصته بغير رضاهم، وكذا لو اختلطت دراهم أو حنطة جماعة أو غصبت وخلطت فيقسم الجميع بينهم، نعم محله كما يعلم مما مر في الغصب إذا لم يملكه الغاصب بغصبه. (وشرط منصوبه) أي الإمام ومثله محكمهم ما تضمنه قوله (ذكر حر عدل) تقبل شهادته; لأنها ولاية وفيها إلزام كالقضاء؛ إذ القسام مجتهد مساحة وتقديرا ثم يُلزِم بالإقراع (يعلم) إن نُصِب للقسمة مطلقا أو فيما يحتاج لمساحة وحساب (المِساحة) وهي علم يعرف به طرق استعلام المجهولات العددية العارضة للمقادير (والحساب) ; لأنهما آلتها كالفقه للقضاء واشترط جمع كونه نَزِهاً قليل الطمع. وخرج بمنصوبه منصوبهم فيشترط تكليفه فقط; لأنه وكيل. ويجوز كونه قنا وفاسقا أو امرأة، نعم إن كان فيهم محجورا عليه اشترط ما مر (٢) (فإن كان فيها تقويم وجب) حيث لم يجعل حاكما في التقويم (قاسمان) أي مُقَوِّمان يقسمان بأنفسهما; لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين فاشتراط التعدد إنما هو لأجل التقويم لا القسمة.
стр. 1997
وَإِلَّا فَقَاسِمٌ، وَفِي قَوْلٍ اثْنَانِ. وَلِلْإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ فَيُعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ، وَيَقْسِمُ. وَيَجْعَلُ الْإِمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ مِنْهُم قَدْرًا لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَالْأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الحِصَصِ،
(وإلا) يكن فيها تقويم (فقاسم) واحد يكفي وإن كان فيها خرص; لأنه حاكم لأن قسمته تلزم بنفس قوله، ولا يحتاج وإن تعدد للفظ الشهادة; لأنها تستند إلى عمل محسوس، (وفي قول) يشترط (اثنان)؛ بناء على الضعيف أنه شاهد. ثم هذا في منصوب الإمام أما منصوبهم فيكفي اتحاده قطعا (وللإمام جعل القاسم حاكما في التقويم) وحينئذ (فيعمل فيه بعدلين) ذكرين يشهدان عنده به لا بأقل منهما (ويقسم) بنفسه وله العمل فيه بعلمه (١). وعُلم من كلامه أنه لا يشترط معرفته بالقيمة فيرجع لعدلين خبيرين وقيل يشترط، نعم يستحب ذلك؛ خروجا من الخلاف (ويجعل الإمام) وجوبا (رزق منصوبه من بيت المال) من سهم المصالح; لأنه من المصالح العامة (فإن لم يكن) فيه مال أو ثَمَّ مصرف أهم أو منع ظلما (فأجرته على الشركاء) إن استأجروه لا إن عمل ساكتا وذلك; لأنه يعمل لهم مع التزامهم له عوضا، وليس للإمام حينئذ تعيين قاسم (٢) وذلك; لأنه يتغالى في الأجرة أو يواطئه بعضهم فيحيف. أما لو استأجره بعضهم فالكل عليه (٣) (فإن استأجروه) كلهم معا (وسمى كل منهم قدرا) كاستأجرناك لتقسم هذا بيننا بدينار على فلان ودينارين على فلان وثلاثة على فلان، أو وَكَّلُوا من عقد لهم كذلك (لزمه) أي كلا ما سماه ولو فوق أجرة المثل ساوى حصته أم لا. أما مرتبا فيجوز (٤) (وإلا) يسم كل منهم قدرا بل أطلقوه (فالأجرة موزعة على الحصص) ; لأنها من مؤن الملك كنفقة المشترك. هذا في غير قسمة التعديل أما فيها فإنها توزع بحسب المأخوذ قلة وكثرة لا بحسب الحصص الأصلية; لأن العمل في الكثير أكثر منه في القليل، هذا إن صحت
стр. 1998
وَفِي قَوْلٍ عَلَى الرُّءُوسِ. ثُمَّ مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ وَثَوْبٍ نَفِيسَيْنِ وَزَوْجَيْ خُفٍّ إنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ لَمْ يُجِبْهُمْ الْقَاضِي، وَلَا يَمْنَعُهُمْ إنْ قَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ إنْ لَمْ تَبْطُلْ مَنْفَعَتُهُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ. وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ المَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونَةٍ صَغِيرَيْنِ لَا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ فِي الْأَصَحّ، وَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ أُجِيبَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى، وَالْبَاقِي لِآخَرَ فَالْأَصَحُّ إجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشْرِ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ دُونَ عَكْسِهِ
الإجارة وإلا وزعت أجرة المثل على قدر الحصص (١) مطلقا كما لو أمر القاضي من يقسم بينهم إجبارا، (وفي قول على الرءوس) ; لأن العمل في النصيب القليل كهو في الكثير.
(ثم ما عظم الضرر في قسمته كجوهرة وثوب نفيسين) وذكر النفاسة في الجوهرة قد يحترز به عن جوهرة لا نفاسة لها (وزوجي خف) أي فردتيه (إن طلب الشركاء كلهم قسمته لم يجبهم القاضي) إن بطلت منفعته المقصودة منه بالكلية بل يمنعهم من القسمة بأنفسهم; لأنه سفه (ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته) المذكورة بالكلية بأن نقصت (كسيف (٢) يكسر) ; لإمكان الانتفاع بما صار إليه منه على حاله أو باتخاذه سكينا مثلا، ولا يجيبهم إلى ذلك; لما فيه من إضاعة المال (وما يبطل نفعه المقصود) منه (كحمام وطاحونة صغيرين) لو قسم كل لم ينتفع به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة ولو بإحداث مرافق (لا يجاب طالب قسمته) إجبارا (في الأصح) ; لما فيه من ضرر الآخر، ولا يمنعهم منها؛ لما مر، (وإن أمكن جعله حمامين) أو طاحونين (أجيب) وأجبر الممتنع؛ لانتفاء الضرر وإن احتاج إلى إحداث نحو بئر ومستوقد؛ لتيسر التدارك، وإنما بطل بيع ما لا ممر لها وإن أمكن تحصيله بعد; لأن شرط المبيع الانتفاع به حالا. (ولو كان له عشر دار) أو حمام أو أرض (لا يصلح للسكنى) أو كونه حماما أو لما يقصد من تلك الأرض لو قسم (والباقي لآخر) وإن تعدد كما يأتي وهو يصلح لذلك (فالأصح إجبار صاحب العشر) وإن بطل نفع حصته بالكلية (بطلب صاحبه)؛ لانتفاعه بحصته من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة فهو معذور (دون عكسه) ; لأنه
стр. 1999
وَمَا لَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ قِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا بِالْأَجْزَاءِ كَمِثْلِيٍّ وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الْأَبْنِيَةِ، وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الْأَجْزَاءِ فَيُجْبَرُ المُمْتَنِعُ ..
مضيع لماله متعنت، نعم إن ملك أو أحيا ما لو ضم لعشره صلح أجيب، ويظهر أن يأتي هنا ما يأتي قريبا فيما لو طلب أن يكون نصيبه إلى جهة أرضه.
[فرع] لو كان بأرض مشتركة بناء أو شجر لهما فأراد أحدهما قسمة الأرض فقط لم يجبر الآخر، وكذا عكسه؛ لبقاء العلقة بينهما، إما برضاهما فيجوز ذلك. ولو اقتسما الشجر وتميزت حصة كل ثم اقتسما الأرض فإن كان فيما خصهما أو أحدهما شجر للآخر أتي فيه ما مر آخر العارية. ولو كانوا ثلاثة فاقتسم اثنان على أن تبقى حصة الثالث شائعة مع كل منهما لم تصح، وإنما أجبر الممتنع على قسمة الأرض مع غراس أو البناء الذي بها ولم يجبر على قسمة الأرض والزرع معا; لأن للزرع أمدا ينتظر بخلاف الغراس والبناء. وإذا تنازع الشركاء فيما لا يمكن قسمته فإن تهايئوا منفعته مياومة أو غيرها جاز ولكلٍّ الرجوع ولو بعد الاستيفاء فيغرم بدل ما استوفاه، ويدُ كلٍّ يد أمانة، وإن أبوا المهايأة أجبرهم الحاكم على إيجاره أو آجره عليهم سنة وما قاربها وأشهد كما لو غابوا كلهم أو بعضهم، فإن تعدد طالِبُو الإيجار آجره وجوبا لمن يراه أصلح، وله إيجاره من بعضهم إن رآه بأن لم يوجد من هو مثله. ولو طلب كل منهم استئجار حصة غيره فإن كان ثَمَّ أجنبي قدم وإلا أقرع بينهم، فإن تعذر إيجاره -لا لكساد يزول عن قرب عادة أي وتعذرت المهايأة (١) أيضا- باعه؛ لتعينه، فإن تعذر البيع وحضره كلهم أجبرهم على المهايأة إن طلبها بعضهم.
(وما لا يعظم ضرره قسمته أنواع) ثلاثة:
(أحدها بالأجزاء) وتسمى قسمة المتشابهات وقسمة الأجزاء (كمثلي (٢) متفق النوع، ومنه نقد ولو مغشوشا؛ لجواز المعاملة به، أما إذا اختلف النوع فيجب حيث لا رضا قسمة كل نوع وحده (ودار متفقة الأبنية) بأن يكون ما بشرقيها من بيت وصفة كما بغربيها (وأرض مشتبهة الأجزاء) ونحوها ككرباس (٣) لا ينقص بالقطع (فيجبر الممتنع) عليها استوت
стр. 2000
فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ ذَرْعًا بِعَدَدِ الْأَنْصِبَاءِ إنْ اسْتَوَتْ، وَيَكْتُبُ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمَ شَرِيكٍ أَوْ جُزْءٌ مُمَيَّزٌ بِحَدٍّ أَوْ جِهَةٍ وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُسْتَوِيَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا رُقْعَةً عَلَى الجُزْءِ الْأَوَّلِ إنْ كَتَبَ الْأَسْمَاءَ فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ، أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إنْ كَتَبَ الْأَجْزَاءَ، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ جُزِّئَتِ الْأَرْضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ وَقُسِّمَتْ كَمَا سَبَقَ،
الأنصباء أم لا؛ للتخلص من سُوءِ المشاركة مع عدم الضرر، نعم لا إجبار في قسمة الزرع قبل اشتداده؛ لعدم كمال انضباطه، فإن اشتد ولم ير أو كان إلى الآن بذرا لم تصح قسمته؛ للجهل به (فتُعَدَّل) أي تُساوى (السهام) أي عند عدم التراضي، أو حيث كان في الشركاء محجور (كيلا) في المكيل (أو وزنا) في الموزون (أو ذرعا) في المذروع أو عدا في المعدود (بعدد الأنصباء إن استوت) فإذا كانت بين ثلاثة أثلاثا جعلت ثلاثة أجزاء ويؤخذ ثلاث رقاع متساوية (ويكتب) مثلا هنا وفيما يأتي من بقية الأنواع (في كل رقعة) إما (اسم شريك) إن كتب أسماء الشركاء؛ لتخرج على السهام (أو جزءٌ) أي هو مع مميزه كما يأتي إن كتب السهام؛ لتخرج على أسماء الشركاء (مميز) عن البقية (بحد أو جهة) مثلا (وتدرج) الرقع (في بنادق) ويندب كونها في بنادق (مستوية) وزنا وشكلا من نحو طين أو شمع؛ إذ لو تفاوتت لسبقت اليد للكبيرة وفيه ترجيح لصاحبها، ولا ينحصر في ذلك بل يجوز بنحو أقلام ومختلف كدواة وقلم (ثم يُخْرِج) الرقاع (من لم يحضرها) أي الواقعة بعد أن توضع في حِجْره وكونه مغفلا أولى، ويظهر أن كونه لم يحضرها ندب أيضا إلا إن علم من حاضرها أنه ميزها فلا يجوز التفويض إليه (رقعة) إما (على الجزء الأول إن كتب الأسماء) في الرقاع (فيعطى من خرج اسمه) ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يليه، ويعطى من خرج اسمه ويتعين الآخر للآخر من غير قرعة، وكذا فيما يأتي (أو) يخرج (على اسم زيد) مثلا (إن كتب الأجزاء) أي أسماؤها في الرقاع فيخرج رقعة على اسم زيد وأخرى على اسم عمرو وهكذا. ومن به الابتداء هنا وفيما قبله من الأسماء والأجزاء منوط بنظر القاسم إذا لم تكن ثَمَّ تهمة ولا تميز (فإن اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس) في أرض أو نحوها (جزئت الأرض) أو نحوها (على أقل السهام) -كستة هنا؛ لتأدي القليل والكثير بذلك- من غير حيف ولا شطط (وقسمت كما سبق) لكن الأولى هنا كتابة الأسماء; لأنه لو كتب الأجزاء وأخرج على الأسماء فربما خرج لصاحب