وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إلَى جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، أَوْ بَسَطَ مُصَلّىً، أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ دَفْعُ المَارِّ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ المُرُورِ حِينَئِذٍ،
(ويسن للمصلي) أن يتوجه (إلى جدار أو سارية) وهما سواء (أو عصاً مغروزة) إن عجز عن ما قبلها (أو بَسَط مصلىً) -كسَجادة (١) - بعد عجزه عن ما ذكر (أو خَطَّ) خطا (قبالته) إن لم يجد ما تقدم، والأولى كون الخط طولا، ويسن أن يجعل الساتر عن يمينه أو يساره بحيث يسامت بعض بدنه (٢)، ويكره استقبالها بوجهه؛ للنهي عنه ومع ذلك فهي محترمة، ومتى عدل عن مقدم لمؤخر مع سهولته فكالعدم؛ لخبر ((إذا صلى أحدكم فليجعل أمامه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً فليخطّ خطاً)) مع قياس المصلَّى بالخط بالأولى، وشرط السترة أن يقرب منها بحيث تكون المسافة بينها وبين عقبه (٣) أو رأسه في المستلقي ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي المعتدل، نعم في المصلَّى والخطّ تحسب المسافة من أولهما المسامت للمصلي إن كان بينهما فرجة وإلا اعتبر منهما ثلاثة أذرع سترة وما زاد غير سترة (٤)، وشرطه أيضا ارتفاع أحد الثلاثة الأُوَل ثلثي ذراع آدمي معتدل فأكثر، وأن لا يُقَصِّر بوقوفه في نحو مغصوب، أو إليه، أو في طريق ومثله مطاف في وقت مرور الناس به، أو بوقوفه في صفّ مع فرجة في صفّ آخر بين يديه؛ لتقصير كل من وراء تلك الفرجة بعدم سدّها -المفوِّت لفضيلة الجماعة-، أو بسترته بمزوّق يُنْظَر إليه أو براحلة تنفر أو بامرأة قد يشتغل بها أو برجل استقبله بوجهه وإلا فهو سترة (٥)، فإذا صلَّى لشيء مما مر سن له ولغيره الذي ليس في صلاة (دفع المار) المكلف (٦)؛ لتعديه ولما صحّ من الأمر بدفعه بالأسهل كالصائل، ولا يدفعه بفعل كثير متوالٍ؛ لئلا تبطل (والصحيح تحريم المرور)؛ لخبر ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه)) (حينئذٍ) وإن لم يجد المار سبيلا، بل وإن زالت بنحو ريح أو متعمد أثناء صلاته بالنسبة
стр. 212
قُلْتُ: يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ لَا لِحَاجَةٍ. وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ،
لمن علم بها، ولو شرع مع عدمها فوضعت له لم يحرم (١)؛ لتقصيره (٢)، وإذا نقص شرط مما مر كان المرور خلاف الأولى وحرم دفعه.
[تنبيه] العبرة في حرمة المرور المقتضية للدفع باعتقادهما؛ لأن العلة مركبة من عدم تقصير المصلي وحرمة المرور، فالمراهق لا يدفع، وكذلك من لم تكن له سترة معتبرة عنده أو عند المار، نعم إن كان مقلَّد المار ينهاه عن إدخال النقص على صلاة مقلِّد غيره دَفَعَه حينئذٍ، ولو تعارضت السترة والقرب من الإمام أو نحو الصف الأول قدم نحو الصف الأول.
(قلت: يكره) ترك شيء من سنن الصلاة ورد فيه نهي أو خلاف في وجوبه (٣)، و (الالتفات) بوجهه يمينا أو شمالا وورد ((أنه اختلاس من الشيطان))، أما بصدره فتبطل كما لو قصد اللعب بالتفات وجهه (لا لحاجة) كما لا يكره لمح العين مطلقا؛ لفعله ﷺ كلا منهما، (ورفع بصره إلى السماء)؛ لخبر البخاري ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم .. لينتهن عن ذلك أو لتخطفنّ أبصارهم))، ولذا كرهت على مُلْهي (٤) كمخطط أو إليه أو عليه؛ لأنه يخلّ بالخشوع، (وكفّ شعره أو ثوبه) أو دخول فيها (٥) وهو كذلك؛ للنهي عنه مع أنه هيئة تنافي الخشوع والتواضع، ومن ثمّ كره كشف الرأس أو المنكب والاضطباع (٦) ولو من فوق القميص، ويسن لمن رآه كذلك ولو مصليا آخر أن يحله حيث لا فتنة، ولا يرد المصلي رداءه إذا سقط إلا لعذر ومثله العمامة ونحوها، (ووضع يده على فمه (٧) -؛ للنهي عنه- وإشارة مفهمة (بلا حاجة) بل جميع ما قبله وما بعده مما في معناه مقيد بذلك، فإن وجدت الحاجة كتثاؤب فيسن وضعها؛ لكي لا يقرب فمه الشيطان كما في
стр. 213
وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ، وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إلَيْهِ. وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ. وَ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ. وَالمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ، وَالصَّلَاةُ فِي الحَمَّامِ،
الخبر، (والقيام على رِجل) بأن يرفع الأخرى إلا لحاجة، (والصلاة حاقنا) بالبول (أو حاقبا) بالغائط أو حازقا بالريح؛ لأنه يخلّ بالخشوع مع الخبر الآتي، والعبرة في الثلاث بوجوده عند التحرم، فإن طرأ فيها فلا كراهة، ولا يخرج من الفرض حينئذ، ولا يؤخره إذا ضاق وقته إلا إن ظن بكتمه ضرراً يبيح التيمم، ويسن له تفريغ نفسه قبل الصلاة وإن فاتت الجماعة، (أو بحَُِضرة طعام) أو شراب (يتوق (١) إليه)؛ لخبر ((لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان))، فيأكل حاجته منه، ومثل حضور الطعام غيبته مع رجاء قرب حضوره (وأن يبصق) ولو خارج الصلاة (قِبَلَ وجهه) وإن لم يكن من هو خارجها مستقبلا (أو عن يمينه) -إلا مسجده ﷺ وذلك لصحة النهي عنهما، بل يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى أو في ثوبه من جهة يساره وهو الأولى، وإن أمكن الطائف أن يطأطئ رأسه ويبصق لا إلى اليمين ولا إلى اليسار فهو أولى وكذا في مسجده ﷺ ، ولو كان على يساره فقط إنسان بصق عن يمينه إذا لم يُمْكِنه ما ذكر. وإنما يحرم البصاق في المسجد إن بقي جرمه -لا إن استهلك في نحو ماء مضمضة- وأصاب جزأ من أجزائه ومنه حُصُره، فلا يحرم في تراب لم يدخل في وقفه؛ لأنه ليس منه، ولا في هوائه؛ لعدم التقذير كالفصد في إناء أو على قمامة به ولو لغير حاجة، ويجب إخراج نجس منه فورا عينا على من علم به وإن لم يتعدّ به واضعه أو أرصد لإزالته من يقوم بها بمعلوم، وإذا حرُم فيه البصاق ثُمّ دفنه في ترابه أو رمله انقطعت الحرمة، أما دلكها في المبلَّط فحرام إلا إن لم يبق أثر البتة، ويُنكر على الباصق في المسجد، (ووضع يده) لغير حاجة (على خاصرته)؛ للنهي عنه، (والمبالغة في خفض رأسه في ركوعه) بل وإن خفضه عن أكمل الركوع ولو لم يبالغ؛ لخبر أنه ﷺ ((لم يصوب رأسه فيه)) أي يخفضه، (و) تكره (الصلاة في الحمام) الجديد وغيره ولو بمسلخه -أي موضع نزع الثياب (٢) -؛ لخبر ((الأرض كلها مسجد
стр. 214
وَالطَّرِيقِ، وَالمَزْبَلَةِ، وَالْكَنِيسَةِ، وَعَطَنِ الْإِبِلِ وَالمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
إلا المقبرة والحمام))، ومثله كل محلّ معصية وغضب كأرض ثمود ووادي محسر (والطريق) -في صحراء أو بنيان- وقت مرور الناس به كالمطاف؛ لأنه يشغله، ومن ثمّ كان استقباله كالوقوف به (والمزبلة) أي محل الزبل ومثله كل نجاسة متيقنة؛ لأنه بفرش الطاهر عليها يحاذيها ومحاذاتها مكروه (والكَنيسة) وهي متعبد اليهود والبِيعة متعبد النصارى ونحوهما من أماكن الكفر؛ لأنها مأوى الشياطين، ويحرم دخولها على مَن منعوه وكذا إن كان فيها صورة معظمة (وعطن) وهو ما تنحى إليه إذا شربت ليشرب غيرها فإذا اجتمعت سيقت منه للمرعى، ومثله جميع مباركها إلا أنّ العطن أشدّ كراهة (الإبل) -ولو طاهرا، نعم لا كراهة في عطنها الطاهر حال غيبتها-؛ لخبر ((صلوا في مرابض الغنم -والمراد جميع محالها- ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين)) ونحو البقر كالغنم، نعم متى كان بمحل الحيوان نجاسة فلا فرق بين الإبل وغيرها لكن الكراهة فيها لعلتين وفي غيرها لعلة واحدة (والمقبَُِرة) ومثلها ما لو دفن ميت في مسجد (الطاهرة) بأن لم يتحقق نبشها أو تحقق وفرش عليها حائل (والله أعلم)؛ لما مر، ولكي لا يحاذي النجاسة سواء ما تحته أو أمامه أو بجانبه فلا كراهة إن لم تكن ثمة محاذاة ولو في المقبرة؛ لبعد الموتى عنه عرفاً، نعم الأنبياء صلى الله عليهم وسلم لا تكره الصلاة في مقبرتهم؛ لأنهم أحياء فلا نجاسة، نعم تحرم الصلاة إلى قبورهم كغير الأنبياء إن قصد التبرك أو نحوه؛ لأنه يؤدي إلى الشرك، وتكره على ظهر الكعبة؛ لأنه خلاف الأدب، وفي الوادي الذي نام فيه النبي ﷺ عن صلاة الصبح؛ لنصه على أنه فيه شيطانا، ومحل الكراهة في الكل ما لم يعارضها خشية خروج وقت أو فوت جماعة.
стр. 215
باب
سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ بَعْضًا وَهُوَ الْقُنُوتُ، أَوْ قِيَامُهُ،
(باب) في بيان سبب سجود السهو وأحكامه
(سجود السهو سنة) متأكدة؛ لما يأتي ولو في النافلة كسجدة تلاوة وشكر (١) ماعدا صلاة الجنازة (عند ترك) أو شكّ في ترك (مأمور به أو فعل) أو شك في فعل (منهي عنه)
(فالأول) وهو المأمور به المتروك -من غير نظر إلى سجود السهو أو عدمه- (إن كان ركنا وجب تداركه، وقد يشرع السجود) للسهو مع التدارك (كزيادة حصلت بتدارك ركن كما سبق في) مبحث (الترتيب)، فيسن سجود السهو أيضا إن تذكر أو شكّ في ترك ركن بشرط فعله فورا إن لم يبلغ مثله وإلا تمت به ركعته وتدارك الباقي وسجد كما مرّ، وقد لا يشرع كما إذا كان المتروك السلام، فإذا ذكره أو شكّ فيه ولم يأتي بمبطل أتى به وإن طال الفصل ولا يسجد؛ لفوات محل السجود بالسلام، وكذا إذا ذكر النية أو تكبيرة التحرم فيستأنف الصلاة، وكذا الشك فيه بشرطه (٢).
(أو بعضا وهو القنوت) الراتب (٣) -وذلك السابق في الصبح أو وتر رمضان، دون قنوت النازلة- أو كلمة منه، ومحل عدم تعين كلماته إذا لم يشرع فيه، وفارق بدله بأنه لا حدَّ له (أو قيامه) بأن لم يحسن القنوت فإنه يسن له القيام بقدره زيادة على ذكر الاعتدال، فإذا تركه سجد له، ولو اقتدى شافعي بحنفي في الصبح وأمكنه أن يأتي به ويلحقه في السجدة الأولى فعل وإلا فلا، وعلى كلٍّ يسجد للسهو بعد سلام إمامه -لأن ترك إمامه له ولو اعتقادا
стр. 216
أَوِالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، أَوْ قُعُودُهُ وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ سَجَدَ، وَقِيلَ إنْ تَرَكَ عَمْدًا فَلَا. قُلْتُ: وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ: وَلَا تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ. وَالثَّانِي: إنْ لَمْ يَبْطُلُ عَمْدُهُ كَالِالْتِفَاتِ وَالخَطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، وَإِلَّا سَجَدَ إنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ كَكَلامٍ كَثِيرٍ فِي الْأَصَحِّ،
له في حكم السهو الذي يلحق المأموم (١) - وذلك كما لو سجد إمامه للشكر معتقدا سنيتها فيسجد، بخلاف ما لو اقتدى في الصبح بمصلي سنتها؛ إذ لا قنوت يتوجه على الإمام في اعتقاد المأموم، (أو التشهد الأول) -أي الواجب منه في التشهد الأخير - أو بعضه، والقياس كونه راتبا فيسجد إذا أتى بصلاة التسبيح أو راتبة الظهر أربعا أوترك التشهد الأول إن قلنا بندبه حينئذٍ دون ما إذا صلى أربعا نفلا مطلقا بقصد أن يتشهد تشهدين فاقتصر على الأخير ولو سهوا (٢)، (أو قعوده) إذا لم يحسنه (وكذا الصلاة على النبي ﷺ فيه) أي القنوت أو التشهد الأول (في الأظهر) ويضم إلى ذلك القيام لها في الأول والقعود في الثاني إذا لم يحسنهما، وكذا السلام عليه ﷺ في القنوت والصلاة والسلام على آله ﷺ وصحبه فيه (٣) أيضا (سجد) في ترك القنوت؛ لأنه ذكر لم يشرع خارج الصلاة بل فيها مستقلا بمحل منها غير مقدمة لها ولا تابع لغيره، واتّباعا في ترك التشهد الأول وقياسا في الباقي (وقيل إن ترك) بعضاً (عمدا فلا) يسجد؛ لتقصيره، وردوه بأن العمد إلى الجبر أحوج، (قلت: وكذا الصلاة على الآل حيث سنناها) في القنوت والتشهد الأخير (والله أعلم)، ومثلها قيامها في الأول وقعودها في الثاني، وصورة السجود لها في التشهد أن يتيقن قبل سلامه وبعد سلام إمامه، أو بعد سلامه وقبل طول الفصل تركَ إمامه لها، (ولا تجبر سائر السنن) المتبقية على الأصل، فإن سجد لشيء منها بطلت صلاته إلا أن يسهو أو يعذر بجهله.
(والثاني) فعل المنهي عنه (إن لم يبطل عمده -كالالتفات والخطوتين- لم يسجد لسهوه) ولا لعمده غالبا (وإلا سجد (٤) لسهوه؛ لأنه ﷺ صلى الظهر خمسا وسجد للسهو، هذا (إن لم تبطل بسهوه) فإن بطلت بسهوه (ككلام كثير في الأصح) لم يسجد؛ لأنه ليس في
стр. 217
وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الْأَصَحِّ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فَالِاعْتِدَالُ قَصِيرٌ، وَكَذَا الجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كَفَاتِحَةٍ فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الْأَصَحِّ،
الصلاة، نعم يستثنى ما لو سها بعد سجود السهو فسجد للسهو ناسيا وما لو حوَّل المتنفِّل دابته عن صوب مقصده سهوا ثمّ عاد فورا فأنه لا يسجد لسهوه (١) فيهما مع أن عمدهما مبطل هنا، ويفرق بين الأخيرة وبين سجوده لجموحها وعودها فورا بأنه مقصر بركوب الجموح أو بعدم ضبطها (٢)، بخلاف الناسي فخفف عنه لمشقة السفر وإن قَصُر، (وتطويل الركن القصير) بأن يزيد على قدر ذكر الاعتدال المشروع فيه قدر الفاتحة بالنسبة للوسط المعتدل ذاكرا كان أو ساكتا، ومعتبرا للمنفرد أذكارا لا تسن للإمام، ويزيد على قدر ذكر الجلوس بين السجدتين المشروع فيه كذلك قدر التشهد (يبطل عمده في الأصح)؛ لأنه مغيّر لموضوعه الذي هو الفصل بين الركوع أو السجود الثاني وبين السجود الأول. وخرج بقولي: ((المشروع .. الخ)) تطويله بقدر القنوت في محله أو التسبيح في صلاته أو القراءة في الكسوف فلا يؤثر (فيسجد لسهوه) وإن قلنا لا يبطل عمده؛ لتركه التحفظ، (فالاعتدال قصير)؛ لأنه للفصل، ووجوب الطمأنينة فيه؛ ليحصل الخشوع (وكذا الجلوس بين السجدتين (٣) في الأصح)؛ لما ذكر في الاعتدال. (ولو نقل ركنا قوليا) لا يبطل عمده ولا سهوه (٤)، فخرج السلام عليكم وتكبيرة التحرم بأن كبّر بقصده فيبطل عمده (٥) (كفاتحة في ركوع أو تشهد لم يبطل عمده في الأصح)؛ لأنه غير مخلّ بصورتها (ويسجد لسهوه في الأصح)؛ لتركه التحفظ، وكذا لعمده، ونقل بعضه ككله إلا إذا اقتصر على لفظ السلام -فإنه من أسماء الله تعالى- ما لم
стр. 218
وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ قَوْلِنَا: مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ. وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ، أَوْ نَاسِيًا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ جَاهِلًا فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ،
ينو معه أنه بعض سلام التحلل أو الخروج من الصلاة سهوا (١)، (وعلى هذا تستثنى هذه الصورة من قولنا ما لا يبطل عمده لا سجود لسهوه) ويستثنى أيضا ما لو أتى بالقنوت أو بكلمة منه بنيته قبل الركوع أو بعده في الوتر -في غير نصف رمضان الثاني- فإنه يسجد، وما لو قرأ قرآناً غير الفاتحة في غير القيام فإنه يسجد أيضا بخلافه قبل الفاتحة؛ لأنه محلها في الجملة، وما لو نقل ذكرا (٢) مختصا بمحل لغيره بنية أنه ذلك الذكر لذا لو بسمل أول التشهد أو صلّى على الآل في التشهد الأول بنية أنه ذكر التشهد الأخير سجد للسهو، وما لو فرقهم في الخوف أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة أو فرقتين وصلى بواحدة ثلاثا فإنه يسجد؛ لمخالفته بالانتظار في غير محله الوارد فيه.
(ولو نسي) الإمام أو المنفرد (التشهد الأول) وحده أو مع قعوده (فذكره بعد انتصابه) أي بأن كان إلى القيام أقرب منه إلى الركوع أو إليهما سواء (لم يعد له) فيحرم عليه؛ لتلبسه بفرض فعلي فلا يقطعه لسنة، (فإن عاد) عامدا (عالما بتحريمه بطلت)؛ لزيادته قعودا بلا عذر وهو مغير لهيئة الصلاة بخلاف قطع القولي لنفل كالفاتحة للتعوذ فإنه مكروه (أو ناسيا) أنه في صلاة أو حُرْمة عوده (فلا) تبطل؛ لعذره، نعم يلزمه القيام فورا عند التذكر (ويسجد للسهو)، لإبطال تعمد ذلك (أو جاهلا) تحريمه (فكذا في الأصح) ولو كان مخالطا لنا؛ لأنه مما يخفى على العوام، ويلزمه القيام فورا عند تعلمه ويسجد، وكذلك فيما إذا تركه الإمام -سواء أجلس الإمام للاستراحة أو لم يجلس (٣) - فتبطل صلاة المأموم لو تخلف له أو لبعضه بل وإن جلس من غير تشهد؛ لفحش المخالفة بشرط العلم والتعمد وأن يزيد جلوسه عن قدر جلسة الاستراحة وإلا فلا يضر وإن قرأ بعضه، ولو انتصب معه
стр. 219
وَلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ وُجُوبُهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إنْ كَانَ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ بَطَلَتْ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ،
فعاد الإمام للتشهد لم يعد بل ينتظره قائما والأولى أن ينوي المفارقة، وكذا لو قام من جلوسه بين السجدتين فينتظره في سجوده أو يفارقه، ولو قعد المأموم للتشهد الأول فانتصب إمامه ثمّ عاد لزم المأموم القيام فورا؛ لأنه توجه عليه بانتصاب إمامه والأولى المفارقة، (وللمأموم) إذا انتصب وحده سهوا (العود لمتابعة إمامه في الأصح)؛ لعذره، (قلت: الأصح وجوبه) إذا تذكر؛ لوجوب المتابعة، فلو لم يعلم الساهي حتى قام إمامه لم يعد للتشهد، لكن لا يحسب ما قرأه قبل قيام الإمام؛ لأن قيامه قبل أن يوافقه الإمام غير محسوب (والله اعلم) أما إذا تعمد ذلك فيسن العود فقط (١) كما إذا ركع قبل إمامه؛ لأن له قصدا صحيحاً بانتقاله من واجب لمثله فخير بينهما بخلاف الساهي، ومثله في العمد والسهو ما لو سجد وإمامه في الاعتدال أو قام وإمامه في السجود؛ وإنما، تخير من سها بركوعه وإمامه قائم أو سجد الثانية وإمامه جالس بين السجدتين؛ لعدم فحش المخالفة (٢) بخلاف في مسألة المتن ونحوها. وسيأتي التفريق بين ما هنا وما لو سجد سهوا وإمامه في القنوت، ولو رفع رأسه من السجدة الأولى قبل إمامه ظانا أنه رفع وأتى بالثانية ظانا أن الإمام فيها ثم بان أنه في الأولى لم يحسب له جلوسه ولا سجدته الثانية ويتابع الإمام أي فإن لم يعلم بذلك إلا والإمام قائم أو جالس أتى بركعة بعد سلام الإمام؛ لفحش المخالفة في جهة تقدمه بركن وبعض آخر. (ولو تذكر) الإمام أو المنفرد التشهد الأول الذي تركه نسياناً أو جهلاً (قبل انتصابه) بالمعنى السابق (عاد) ندبا (للتشهد)؛ لأنه لم يتلبس بفرض (ويسجد إن صار إلى القيام أقرب) منه إلى القعود؛ لأن ما فعله من النهوض مع القعود مبطل مع تعمده وعلم تحريمه بخلاف ما إذا كان إلى القعود أقرب أو إليهما على السواء؛ لعدم بطلان تعمده إن قصد بالنهوض ترك التشهد كما سيأتي. (ولو نهض) من ذُكِر عن التشهد الأول (عمدا فعاد) عمداً (بطلت إن كان إلى القيام أقرب)؛ لزيادة ما غَيَّر نظمها، بخلاف ما إذا كان إلى القعود أقرب أو إليهما على السواء فلا تبطل إن قصد بالنهوض
стр. 220
وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ عَادَ وَسَجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ. وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ سَجَدَ، أَوْ فِي ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ فَلَا،
ترك التشهد ثمّ بدا له العود إليه؛ لأن نهوضه حينئذٍ جائز، أما لو زاد هذا النهوض عمدا لا لمعنى فإن صلاته تبطل بذلك؛ لإخلاله بنظمها. ولو ظنّ مصلي فرض جالسا أنه تشهد فقرأ في الثالثة لم يعد للتشهد وإلا بطلت؛ لأن هذا القعود مع تعمد القراءة بدل عن القيام فهو كما لو قام وترك التشهد الأول بخلاف ما إذا سبقه لسانه بالقراءة وهو ذاكر أنه تشهد؛ لأن سبق لسانه إليها غير معتد به، (ولو نسي) إمام أو منفرد (قنوتا فذكره في سجوده لم يعد له)؛ لتلبسه بفرض، فإن عاد عامدا عالما بطلت صلاته، (أو) ذكره (قبله) أي قبل أن يضع جميع أعضائه السبعة بشروطها (عاد)؛ لعدم تلبسه يفرض (وسجد للسهو إن بلغ حدّ الراكع) -أي صار أقرب إلى أقلّ الركوع (١) -؛ لأنه يُغَيِّر النظم، ومن ثم لو تعمد الوصول إليه ثم العود بطلت صلاته بخلاف ما إذا لم يبلغ حد الراكع فلا تبطل إن قصد ترك القنوت، أما لو هوى لا لمعنى فتبطل صلاته نظير ما مر. ولو نسي الإمام أو المنفرد القنوت بعد تمام سجوده (٢) حرم عوده فإن عاد عالما بطلت أو ناسيا أو جاهلاً فلا تبطل ويسجد للسهو، وللمأموم هنا التخلف للقنوت ما لم يسبق بركنين فعليين كما يأتي، وإذا ترك الإمام القنوت جاز للمأموم التخلف له ما لم يسبق بركنين فعليين. وإذا سجد المأموم سهوا أو جهلا وإمامه في القنوت لم يعتد بما فعله فيلزمه العود للاعتدال وإن فارق الإمام (٣)؛ لأن هويه وقع لغوا، وفيما إذا لم يفارقه إن تذكر أو علم وإمامه في القنوت فواضح أنه يعود إليه أو هو في السجدة الأولى عاد إلى الاعتدال وسجد مع الإمام أو فيما بعد السجدة الأولى تابعه وأتى بركعة بعد سلام الإمام ولا يعود للاعتدال؛ لفحش المخالفة حينئذ، ومما يؤيد ذلك قولهم لو ظن سلام إمامه فقام ثم علم في قيامه أنه لم يسلم لزمه الجلوس ليقوم منه، ولا يسقط عنه بنية المفارقة وإن جازت؛ لأن قيامه وقع لغواً، ومن ثم لو أتم جاهلاً لغا ما أتى به فيعيده ويسجد للسهو. (ولو شكّ في ترك بعض) معيّن (سجد)؛ لأن الأصل عدم فعله (أو ارتكاب منهي فلا)؛ لأن الأصل عدم
стр. 221
وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ فَلْيَسْجُدْ. وَلَوْ شَكَّ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا أَتَى بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا، وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ فَتَذَكَّرَ فِيهَا لَمْ يَسْجُدْ،
ارتكابه. ولو علم سهوا وشكّ هل بالأول أو بالثاني سجد كما لو علمه وشك أمتروكه القنوت أو التشهد بخلاف ما لو شك في ترك بعض مبهم، أو في أنه سها أوْ لا أو علم ترك مسنون واحتمل كونه بعضا؛ لأنه لم يتيقن مقتضيه مع ضعف البعض المبهم بالإبهام (ولو سها وشكّ) والمراد مطلق التردد هنا وفي معظم الأبواب (هل سجد) أوْ لا أو هل سجد سجدتين أو واحدة (فليسجد) ثنتين في الأولى وواحدة في الثانية؛ لأن الأصل عدم سجوده (ولو شك أصلى ثلاثا أم أربعا أتى بركعة)؛ للأصل ولا يرجع لظنه ولا لقول غيره أو فعله وإن كثروا (١) ما لم يبلغوا عدد التواتر (٢) بحيث يحصل العلم الضروري بأنه فعلها؛ لأن العمل بخلاف هذا تلاعب (وسجد (٣)؛ لخبر مسلم ((إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم))، وخبر ذي اليدين رجع فيه النبي ﷺ لعلمه على أنهم كانوا عدد التواتر، (والأصح أنه يسجد وإن زال شكه قبل سلامه، وكذا حكم) كل (ما يصليه مترددا واحتمل كونه زائدا).
(ولا يسجد لما يجب بكل حال إذا زال شكه، مثاله شكّ) مصلي رباعية (في الثالثة) باعتبار ما في نفس الأمر (أثالثة هي أم رابعة فتذكر فيها) أي في الثالثة أي قبل مجاوزة اسم القعود عند قيامه للرابعة (لم يسجد)؛ إذ ما أتى به واجب بكل تقدير.
стр. 222
أَوْ فِي الرَّابِعَةِ سَجَدَ. وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى المَشْهُورِ،
(أو) تذكر بعد مجاوزته اسم القعود (١) سجد؛ لإبطال هذه الزيادة للركن فمن باب أولى لو تذكر بعد تمام القيام (في الرابعة) أنه يـ (ـسجد)؛ لتردده حال القيام إليها في زيادتها المحتملة، فإن تذكر أنها خامسة لزمه الجلوس فورا ويتشهد إن لم يكن تشهد وإلا (٢) لم تلزمه إعادته ثم يسجد للسهو. ولو شك في تشهده أهو الأول أو الآخر فإن زال شكه فيه لم يسجد؛ لأنه مطلوب بكل تقدير أو بعده وقد قام سجد؛ لأنه فعل زائدا بتقدير. (ولو شك بعد السلام) الذي لا يحصل بعده عود للصلاة، -أما لو حصل بعد ذلك فيؤثر؛ لتبين أنه لم يخرج منها- (في ترك فرض) غير النية وتكبيرة الإحرام فيؤثر شكه فيهما؛ لعدم وجود أصل يعتمد عليه، ومن الشك في النية ما لو شك أنوى فرضا أم نفلا لا الشك في نية القدوة في غير الجمعة (٣) (لم يؤثر على المشهور) وإلا لعسر وشق، أما الشك في السلام نفسه فيوجب الإتيان به من غير سجود؛ لفوات محله بالسلام. ولو سلم من الثانية على اعتقاد أنه سلم من الأولى ثم شك في الأولى أو بان أنه لم يسلمها لم يحسب سلامه عن فرضه؛ لأنه أتى به على اعتقاد النفل فيسجد للسهو ثمّ يسلم (٤). وأما الشك قبل السلام فقد عُلم مما مر قبله أنه إن كان في ترك ركن أتى به إن بقي محله وإلا فبركعة وسجد للسهو فيهما؛ لضعف النية بالتردد في مبطل. وخرج بالشك العلم فلو تيقن بعد السلام أنه ترك ركنا فأحرم فورا بأخرى لم تنعقد ثمّ إن ذكر قبل طول الفصل بين السلام وتيقن الترك بنى على الأولى -وإن تخلل كلام يسير أو استدبر القبلة- وحسب له ما قرأه (٥) وإن كانت الثانية نفلا في اعتقاده كما مر، ومن ثم لو ظن أنه في صلاة أخرى فأتم عليه لم يؤثر، ولا يأتي فيه تفصيل الشك في النية؛ لأنه يضعفها بخلاف
стр. 223
وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إمَامُهُ، فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ فَسَلَّمَ فَبَانَ خِلَافُهُ سَلَّمَ مَعَهُ وَلَا سُجُودَ، وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ إلَى رَكْعَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ،
الظنّ، أو تذكر بعد طوله استأنف؛ لبطلانها به وبالسلام معا كما مر، وفي هذه الحالة يصح التحرم بالثانية.
[تنبيه] الشك الشرط هنا حكمه كالشك في الركن فلا يؤثر الشك فيه بعد السلام إن أمكن استصحاب ما قبل الصلاة كما لو شك في كونه أحدث بعد الصلاة مع تيقنه الطهر قبلها فيجوز أن يصلي بذلك الطهر المشكوك فيه بخلاف ما إذا لم يتيقن الطهر، ولذا لو شك بعد السلام في كون إمامه مأموما وجبت الإعادة؛ لأنه لا أصل يستصحب هنا فهو كما لو شك في أصل الطهارة أو الاستقبال، وإنما وجبت الإعادة فيما لو توضأ ثم جدد ثم صلى ثم تيقن ترك مسح من أحد الوضوئين؛ لأنه لم يتيقن صحة وضوئه الأول حتى يستصحب. (و) مقتضى (سهوه) أي المأموم (حال قدوته) -ولو حكميّة نحو ما يأتي أول صلاة الخوف- (يحمله إمامه) المتطهر بخلاف المحدث وذي خبث خفي، أما سهوه قبل القدوة فلا يتحمله، وأما بعده فسيأتي، (فلو ظن سلامه فسلم فبان خلافه سلم معه) أي بعده (ولا سجود)؛ لأنه سهو حال القدوة، (ولو ذكر) المأموم (في تشهده) أما لو ذكر في غير التشهد ففيه تفصيل يأتي (ترك ركن غير) سجود من الركعة الأخيرة؛ لما مر في ركن الترتيب، وغير السلام فإنه لا يسجد لكن العلة فوات محله بالسلام، وغير (النية والتكبير) للتحرم، أو شكَّ فيه (قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) الفائتة بفوات الركن، ولا يجوز له العود لتداركه؛ لما فيه من ترك المتابعة الواجبة، (ولا يسجد) في التذكر؛ لوقوع سهوه حال القدوة، بخلاف الشك في ترك الركن المذكور فإنه يسجد؛ لفعله بعدها زائدا بتقدير فعله، ومن ثم لو شك في إدراك ركوع الإمام أو في أنه أدرك الصلاة معه كاملة أو ناقصة ركعة أتى بركعة وسجد فيها؛ لوجود شكه المقتضي للسجود، أما النية وتكبيرة التحرم فَتذَكُّرُ أحدهما مبطل وكذا الشك فيه أو في شرط من شروطه إذا طال أو مضى معه ركن كما مر،
стр. 224
وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَحْمِلُهُ، فَلَوْ سَلَّمَ المَسْبُوقُ بِسَلَامِ إِمَامِهِ بَنَى وَسَجَدَ، وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِلَّا فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ
(وسهوه) أي المأموم (بعد سلامه) أي الإمام (لا يحمله (١) الإمام؛ لانقضاء القدوة، (فلو سلم المسبوق) بأن أتى بعليكم، أما لو قال السلام فقط فلا تنقضي القدوة إلا إن نوى معه الخروج من الصلاة (بسلام إمامه) أي بعده ثم تذكر (بنى) إن قصر الفصل (وسجد)؛ لأن سهوه وقع بعد انقضاء القدوة، أما لو سلم معه فلا يسجد (٢)؛ لوقوع سهوه حال القدوة. (ويلحقه سهو إمامه) المتطهر كما يتحمل الإمام سهوه، (فإن سجد لزمه متابعته) وإن لم يعرف أنه سها، وإن لم يتابعه متعمدا وهوى الإمام للثانية بطلت صلاته؛ لأنه سبقه بفعلين كبطلانها بسبقه لإمامه بهما بهويه للثانية، نعم إن تيقن غلطه في سجوده لم يتابعه كأن كتب أو أشار أو تكلم قليلا جاهلا وعذر فأخبره أن سجوده لترك الجهر أو السورة، أو سلم الإمام عقب أن سجد ثم رأى المأموم هاويا للسجود لبطئ حركته أو رآه لم يسجد لجهله بوجوب المتابعة فأخبره بنحو ذلك، نعم الإمام يسجد مرة أخرى لسهوه بفعل سجود السهو وعلى المأموم السجود أيضا بعد نية المفارقة أو سلام الإمام؛ لذلك. ولو قام إمامه لزيادة كخامسة سهوا لم يجز متابعته -ولو مسبوقا أو شاكا في فعل ركعة- بل يفارقه ويسلم أو ينتظره ولا نظر لاحتمال أنه ترك ركنا من ركعة؛ لأن الفرض أنه علم الحال أو ظنه.
[تنبيه] يستقر سجود السهو على المأموم بفعل الإمام له حتى لو سلم بعد سلام إمامه ساهيا عنه لزمه أن يعود إليه إن قرب الفصل وإلا أعاد صلاته، (وإلا) يسجد الإمام عمداً أو سهوا أو اعتقاداً أنه بعد السلام (فيسجد) أي الموافق. ولو اقتصر إمامه على سجدة سجد ثنتين لكن لا يفعل الثانية إلا بعد سلام إمامه؛ لاحتمال أن يتداركها (على النص)؛ جبرا
стр. 225
وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، ثُمَّ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ. وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ،
للخلل الحاصل في الصلاة، (و) أما (لو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه وكذا قبله في الأصح) وسجد الإمام لسهوه (فالصحيح) فيهما (أنه يسجد معه)؛ للمتابعة، ولذا لو اقتصر إمامه على سجدة لم يسجد أخرى بخلاف الموافق كما مر (ثم في آخر صلاته)؛ لأنه محله، (فإن لم يسجد الإمام سجد) المسبوق ندبا (آخر صلاة نفسه) سواء سها الإمام قبل أو بعد الاقتداء (على النص)؛ لما مر، ولو ترك السجود إمامه اعتقادا أتى به المأموم بعد سلام إمامه. ومن استُخلف عمَّن عليه سجود سهو سجد هو والمأمومون آخر صلاة الإمام ثم يقوم هو لما عليه ويسجد آخر صلاة نفسه أيضا.
[فرع] سجد الإمام بعد فراغ المأموم من أقل التشهد وافقه وجوبا في سجود السهو، فإن تخلف عمداً بطلت صلاته بهوي الإمام للسجود الثاني كما مر، وتندب موافقة المأموم للإمام في السلام؛ لأن للمأموم التخلف بعد سلام الإمام، أما إن فرغ الإمام قبل فراغ المأموم من أقل التشهد وسجد للسهو فيتابعه المأموم وجوبا (١) ثم يتم تشهده ولا يعيد السجود؛ لأنه أتى به في محله في الجملة.
(وسجود السهو وإن كثر سجدتان) بينهما جلسة كما ورد، ويجبر كلَّ سهو ما لم يخصه ببعضه. ولو نوى الاقتصار على سجدة منه متعمدا بطلت صلاته بها، أما لو عرض له بعدَ فعلها فلا يؤثر؛ لأنها نفل (كسجود الصلاة) والجلوس بين سجدتيها في واجبات الثلاثة ومندوباتها السابقة كالذكر. ولو أخل بشرط من شروط السجدة أو الجلوس فإن نوى الإخلال به قبل فعله أو معه وفعله بطلت صلاته وإن طرأ له أثناء فعله الإخلال به فأخل وتركه فورا لم تبطل. وتجب نية سجود السهو؛ لعدم شمول نية الصلاة لها فتجب على إمام ومنفرد دون مأموم كما هو واضح، ومعنى النية هنا قصد السجود عن خصوص السهو عن شروعه فيه، بخلافها في سجود التلاوة (٢) فيكفي مطلق القصد، ومع وجوب
стр. 226
وَالجَدِيدُ أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا فَاتَ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ فَاتَ فِي الجَدِيدِ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى النَّصِّ، وَإِذَا سَجَدَ صَارَ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ
النية إلا أن النطق بها مبطل للصلاة؛ لأنه لا ضرورة له، (والجديد أن محله بين تشهده) وما يتبعه من الصلاة على النبي ﷺ وآله والأذكار (وسلامه)؛ لخبر مسلم أنه ﷺ ((أمر به قبل السلام))، ولو سجد للسهو قبل الصلاة على الآل ثم أتى بها وبالمأثور حصل أصل سنة سجود السهو ولم تجز إعادته، ولو أعاد التشهد بعد السجود لم يضر، ولو سها في سجود التلاوة سجد بعدها وقبل السلام سجدتين، (فإن سلم عمدا فات) وإن قرب الفصل (في الأصح)؛ لقطعه له (أو سهوا) أو جهلا بأنه عليه ثم علم (وطال الفصل) عرفاً (فات في الجديد)؛ لتعذر البناء كالمشي على نجاسة وكفعل أو كلام كثير بخلاف استدبار القبلة (وإلا فلا على النص)؛ لعذره وفعله ﷺ ، ومحله حيث لم يطرأ مانع بعد السلام وإلا حرم كأن خرج وقت الجمعة أو عرض موجب للإتمام أو رأى متيممٌ الماءَ أو انتهت مدة المسح أو أحدث وتطهر عن قرب أو شُفي دائم الحدث أو تخرق الخف، وكذا إن ضاق الوقت، وصورته أن يشرع في الصلاة ولم يبق من الوقت ما يسعها بالنسبة لنحو الوسط من فعل نفسه، بل وسع الوقت أقل ممكن من فعله فيحرم عليه العود بالحرمة؛ لحرمة مد الصلاة حينئذ، أما إن شرع في الصلاة وقد بقي من الوقت ما يسعها -أي بالنسبة للحد الوسط من فعل نفسه- فيسن له العود ليسجد السهو لكن إن أدرك مع ذلك ركعة في الوقت، فإن لم يدركها فالأولى عدم العود، (وإذا سجد) -أي شرع فيه (١) - بأن وصلت جبهته للأرض (صار عائدا إلى الصلاة) أي بان أنه لم يخرج منها (في الأصح) فيلغو سلامه؛ لعذره، ويعيده وجوبا، وتبطل صلاته بنحو حدث (٢) ويلزمه الظهر بخروج وقت الجمعة والإتمام بحدوث موجبه، وإذا عاد الإمام لزم المأموم العود وإلا بطلت صلاته ما لم يعلم خطأه فيه، وما لم يتعمد السلام؛ لعزمه على عدم فعل السجود وقطعه القدوة بتعمده ذلك، وما لم يتخلف -أي المأموم- ليسجد سواء
стр. 227
وَلَوْ سَهَا إمَامُ الجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّوا ظُهْرًا وَسَجَدُوا، وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ سَجَدَ فِي الْأَصَحِّ.
باب في سجود التلاوة والشكر
تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ: وَهُنَّ فِي الجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَ: مِنْهَا سَجْدَتَا الحَجِّ
سجد قبل عود إمامه أم لا؛ لأن تخلفه متضمن لقطعها فيفعله منفرداً. ولو سلم إمامه الحنفي مثلا قبل أن يسجد ثم سجد لم يتبعه بل يسجد منفردا؛ لفراقه له بسلامه في اعتقاده والعبرة به لا باعتقاد الإمام (ولو سها إمام الجمعة) أو المقصورة (وسجدوا) للسهو (فبان) بعد سجودهم له (فوتها) أي الجمعة، أو موجب إتمام المقصورة (أتموا ظهرا وسجدوا) ثانيا آخر صلاتهم؛ لأن الأول لغوٌ. (ولو ظن سهوا فبان عدمه سجد في الأصح)؛ لأن سجوده الأول مبطلٌ عمدُهُ. ولو سجد للسهو ثم سها بنحو كلام لم يسجد ثانيا؛ لأنه لا يأمن من وقوعه في مثله فربما تسلسل، أو سجد لمقتضى في ظنه فبان غيره لم يعده؛ لانجبار الخلل ولا عبرة بالظن البَيِّن خطؤُهُ.
(بابٌ في سجود التلاوة والشُّكر (١)
(تسن سجَدات التلاوة)؛ للإجماع، ولم تجب؛ لأنه ﷺ ((تركها في سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ النجم: ١))، ولا يقوم الركوع مقامها والقياس حرمته، (وهي في الجديد أربع عشر منها سجدتا الحج)؛ لما في حديث عمرو بن العاص ﵁ ((أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان))، وعن أبي هريرة ﵁ أنه ((سجد مع النبي ﷺ في الانشقاق و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ العلق: ١))، ومحال السجدات معروفة، نعم الأصح أن آخر آيتها في النحل ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ النحل: ٥٠، وفي النمل ﴿الْعَظِيمِ﴾ النمل: ٢٦، وفي ص ﴿وَأَنَابَ﴾ ص: ٢٤، وفي فُصِّلت ﴿يَسْأَمُونَ﴾ فصلت: ٣٨، وفي الانشقاق ﴿يَسْجُدُونَ﴾ الانشقاق: ٢١.
[تنبيه] اختصت هذه المواضع بالسجود؛ لأن فيها مدح الساجدين صريحا وذمّ غيرهم تلويحا أو عكسه بخلاف غيرها.
стр. 228
لَا ﴿ص﴾ فَإنَّهَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَتَحْرُمُ فِيهَا فِي الْأَصَحِّ. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالمُسْتَمِعِ،
(لا ﴿ص﴾ فإنها سجدة شكر)؛ لما صحّ ((ونحن نسجدها شكراً))، أي لله على توبة نبيه داود ﷺ من خِلاف الأولى الذي ارتكبه، وينوي بها الشكر مع أن سببها التلاوة (تستحب في غير الصلاة)؛ لما صحّ أنه ﷺ ((قرأها على المنبر ونزل فسجد))، ولا تفعل في الطواف (١)(٢) لكن لا تحرم فيه كما يأتي، (وتحرم فيها) وتبطل (في الأصح) كسائر سجود الشكر وإن ضم لقصد الشكر قصد التلاوة، وإنما تبطل إن تعمد وعلم التحريم وإلا فلا ويسجد للسهو. ولو سجد إمامه الذي يراها لم تجز متابعته (٣) بل له أن ينتظره وأن يفارقه ولو انتظره سجد؛ لأنه لمَّا أتى بمبطل في اعتقاد المأموم واغتفر كان بمنزلة الساهي؛ لما مر. (ويسن للقارئ) ولو صبيا (٤) وامرأة ومحدثا تطهر على قرب وخطيبا أمكنه بلا كلفة على منبره وأسفله إن قرب الفصل، (والمستمع) لجميع آية السجدة من قارئ واحد لقراءة مشروعة كقراءة مميز وملَكَ وجني ومحدث وكافر رجي إسلامه (٥)، وامرأة لكن إن حلّ القراءة والسماع -أي لم يكرها- بخلافها برفع صوت بحضرة أجانب وبخلافه بخشية فتنة أو تلذذ به، دون قراءة جنب وساهٍ ونائم وسكران ليس له نوع تمييز وإن لم يتعدَّ كمجنون وطير ومن بخلاءٍ ونحوه من كل من كُرهت قراءته من حيث أنها قراءة، ولو قرأ آيتها في صلاة الجنازة لم يسجد لها عقب سلامه؛ لأنها قراءة غير مشروعة (٦)، والأوجه في مستمع لها قبل صلاة التحية أنه يسجد ثمّ يصلي التحية؛ لأنه جلوس قصير لعذر وهو لا يفوِّتها، ولو استمع من قارئين كل لنصفها مثلا لم يسجد؛ لعدم وجود السبب في حقه.
стр. 229
وَيَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ. قُلْتُ: وَيُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَ الْإِمَامُ وَالمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، وَالمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إمَامُهُ فَتَخَلَّفَ أَوْ انْعَكَسَ بَطَلَتْ،
[تنبيه] ولا يشترط أن يقصد القراءة لكي يسجد بل الشرط عدم الصارف -فيكفي مطلق القصد (١) - لا كنحو مفسّر ومستدل. ويسن أيضا لكل من الشيخ والتلميذ، وترك أحدهما له لا يقتضي ترك الآخر له، (ويتأكد له بسجود القارئ)؛ للاتفاق على طلبها حينئذٍ، والأولى أن لا يقتدي به، (قلت: ويسن للسامع) أي من لم يقصد السماع (والله أعلم)؛ لما صح أنه ﷺ كان يقرأ في غير الصلاة فيسجد ويسجدون معه. ولو قرأ آية السجدة أو سورتها لغرض السجود فقط في الصلاة -ولو نفلا- أو الوقت المكروه (٢) أو اقتدى بالإمام في صبح الجمعة (٣) أيضا لغرض السجود فقط حرم وبطلت إن علم وتعمد، وكذلك لو سجد المصلي لغير سجدة إمامه؛ لأن الصلاة منهي عن زيادة سجود فيها إلا لسبب كما أن الوقت المكروه منهي عن الصلاة فيه إلا لسبب فالقراءة فيها بقصد السجود فقط كتعاطي السبب باختياره، وخرج بالسامع غيره وإن علم برؤية السجود، (فإن قرأ في الصلاة) أي قيامها أو بدله ولو قبل الفاتحة؛ لأنه محلها في الجملة (سجد الإمام) أ (والمنفرد لقراءته) أي كلٌّ لقراءة نفسه (فقط) ولو بدلاً عن الفاتحة (٤) (والمأموم لسجدة إمامه (٥) فقط فتبطل بسجوده لقراءة غير إمامه، ومن ثمّ كره للمأموم قراءة آية سجدة، ومنه يؤخذ (٦) أن المأموم في صبح الجمعة إذا لم يسمع لا يسن له قراءة سورتها، (فإن سجد إمامه فتخلف أو انعكس بطلت)؛ لفحش المخالفة، ولو لم يعلم إلا بعد رفعه رأسه من السجود انتظره أو قبله هوى فإذا رفع قبل سجوده رفع معه ولا يسجد إلا أن يفارقه وهو فراق بعذر، ولا
стр. 230
وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ نَوَى، وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ للهَوِيِّ بِلَا رَفْعٍ ثُمَّ سَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَرَفَعَ رَأسَهُ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا كَبَّرَ للهَوِيِّ وَلِلرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ. قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلاسْتِرَاحَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ ....
يكره لإمام قراءة آية سجدة مطلقا لكن يسن له في السرّية تأخير السجود إلى فراغه (١)؛ لئلا يشوش على المأمومين، بل بحث ندب تأخيره في الجهرية في الجوامع العظام. ولو تركه الإمام سن للمأمومين بعد السلام إن قصر الفصل؛ لأنها لا تقضى. (ومن سجد خارج الصلاة (٢) نوى) وإن لم يعين آيتها، ويسن له التلفظ بالنية (وكبّر للإحرام رافعا) كتبيرة الإحرام (يديه) ولا يسن أن يقوم ليكبر من قيام؛ لأنه لم يرد (ثمّ للهوي بلا رفع) فإن اقتصر على تكبيرة بطلت ما لم ينو التحرم فقط (ثمّ سجد كسجود الصلاة) في واجباته ومندوباته (ورفع رأسه مكبرا و) جلس ندبا -ويجوز الاضطباع- ثمّ (سلم، وتكبيرة الإحرام شرط) أي ركن (على الصحيح) كالنية (وكذا السلام في الأظهر)؛ قياسا على التحرم، (ويُشترط شروط) ومثل الشروط السنن والمكروهات مما يمكن مجيئه هنا (الصلاة) والكف عن مبطلاتها وقراءة أو سماع جميع آياتها وأن لا يطول فصل عرفا بين آخر الآية والسجود. (ومن سجد فيها كبر للهوي وللرفع)؛ لما صح أنه ﷺ ((كان يكبر في كل خفض ورفع في الصلاة))، ويلزمه أن ينتصب منها قائما ثم يركع؛ لأن الهوي من القيام واجب. ولو قرأ آيتها فركع -بأن بلغ أقل الركوع- ثم بدا له السجود لم يجز؛ لفوات محله أو فسجد ثم بدا له العود قبل إكمالها جاز؛ لأنها نفل. ولو هوى للسجود فلما بلغ حدّ الراكع صرفه له لم يكف عنه؛ لما مر، والذي يتجه أنه لا يسجد منه للتلاوة؛ لأنه بنية الركوع لزمه القيام فإذا قام كان له السجود للتلاوة، (ولا يرفع يديه)؛ لعدم وروده، (قلت: ولا يجلس) ندبا (٣) (للاستراحة والله أعلم) ولا يجب لها نية (٤).
стр. 231
وَيَقُولُ فِيْهَا سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلٍّ وَكَذَا المَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ. وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ، وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ،
(ويقول فيها: سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشقّ سمعه وبصره بحوله وقوته) فتبارك الله أحسن الخالقين، وهذا أفضل ما يقال فيها، والدعاء فيها بمناسب سياق آيتها حَسَنٌ (١). (ولو كرر آية) خارج الصلاة (في مجلسين سجد لكل) عقبها؛ لتجدد السبب بعد توفية الأول، وتكفي سجدة إن قصر الفصل بين الآية الأولى والسجود ويجوز تعددها فيفعلهما معا (وكذا المجلس في الأصح، وركعة كمجلس) وإن طالت (وركعتين كمجلسين) وإن قصرتا، وعلى جواز التعدد فظاهر أنه يأتي بالثانية عقب الأولى وهكذا من غير قيام وإلا فتبطل؛ لزيادة صورة ركن، (فإن لم يسجد وطال الفصل) عرفا بين آخرها والسجود (لم يسجد) وإن عذر؛ لأنه لا مدخل للقضاء فيها؛ لأنها لسبب عارض.
(وسجدة الشكر لا تدخل الصلاة) بل تبطلها إن علم وتعمَّد؛ لأن سببها لا تَعَلُّق له بها، (وتسن لهجوم) أي فجأة وقوع (نعمة) له أو لنحو ولده أو لعموم المسلمين ظاهرة -أي لها وقع عرفا- ومن حيث لا يحتسب -بأن لا ينسب وقوعه في العادة لتسببه- وإن توقعها قبلُ كولد أو وظيفة دينية إن تأهل لها وطُلِب منه قبولها أو مال أو جاه أو نصر على عدو أو قدوم غائب بشرط حلّ المال وما بعده، (أو) هجوم (اندفاع نقمة) عنه أو عن من ذكر ظاهرة من حيث لا يحتسب كذلك؛ لما صحّ أنه ﷺ ((كان إذا جاءه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدا))، ورُوي في دفع النقمة. وخرج بالهجوم فيهما استمرارهما كالإسلام والعافية؛ إذ لم يرد له نظير، وبالظهور ما لا وقع له كحدوث درهم لفقير، ولا يصح إخراج نحو النعمة الباطنة (٢) كالمعرفة وستر المساوي؛ لأنها من أجلّ النعم. وخرج بقولنا ((من حيث لا يحتسب)) ما يحصل عقب أسبابه عادة كربح متعارف لتاجر، ثمّ إنه يسن إظهار السجود؛ لما
стр. 232
أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلىً، أَوْ عَاصٍ. وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لَا الْمُبْتَلَى. وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ. فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا.
تقدم إلا إن تجددت له ثروة أو جاه أو ولد مثلا بحضرة من ليس له ذلك وعلم بالحال؛ لئلا ينكسر قلبه، ولو ضمّ للسجود صدقة أو صلاة كان أولى أو أقامها مقامه فخلاف الأكمل (أو رؤية مبتلىً) في عقله أو بدنه شكراً لله على سلامته منه؛ لخبر الحاكم ((أنه ﷺ سجد لرؤية زَمِنٍ))، ويسن أن يقول: الحمد لله الذي عافاني وما ابتلاني وفضّلني على كثير من خلقه تفضيلا (أو عاصٍ) كافر أو فاسق متجاهر (١)، قال الأذرعي: أو مستتر مُصِرٍّ ولو على صغيرة (٢)؛ لأن مصيبة الدّين أشدّ، وإنما يسجد لرؤية المُبْتَلَى السليمُ من بلائه وإن كان مبتلىً ببلاء آخر (٣)، وكذا يقال في العاصي، والمراد برؤية أحدهما العلم بوجوده أو ظنه بنحو سماع كلامه، (ويظهرها) ندباً ما لم تكن بحضرة من يتضرر بها كما مر، ويظهرها أيضاً (للعاصي) عند عدم المفسدة؛ تعييرا له لعله يتوب (لا المبتلى) غير الفاسق؛ لئلا ينكسر قلبه، فإن أسرّ الأولى وأظهر هذه فالذي يظهر فوات الكمال ثَمَّ والكراهة هنا؛ لأنه فيه نوع إيذاء. أما مبتلىً فاسق (٤) كمقطوع في سرقة لم يتب -ولو ظنا بنحو قرينة- فيظهرها له، نعم لو كانت بليّته لم تنشأ عن فسقه أظهرها له مع تبيين أنها لفسقه؛ لئلا يتوهم أنها لبليته فينكسر قلبه. (وهي كسجدة التلاوة) المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها وواجباتها ومندوباتها، (والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر) بالإيماء؛ لأنهما نفل وإن أذهب الإيماء أظهر أركانها وهو تمكين الجبهة، أما جوازهما للماشي المسافر فلا خلاف فيه (فإن سجد) متمكنا في مرقد أو (لتلاوةِ صلاة جاز عليها) بالإيماء (قطعا)؛ تبعا للنافلة.
[تنبيه] تفوت هذه أيضا بطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها.
стр. 233
باب في صلاة النفل
صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً، فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرِْضِ وَهِيَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ المَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ. وَقِيلَ لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ
(باب في صلاة النفل (١)
هو والسنة والتطوع والحسن والمرغب فيه والمستحب والمندوب كلها مترادفة.
(صلاة النفل قسمان:
قسم لا يسن جماعة) أي لا تسن الجماعة فيه، فلا يخرج عن السنية لو صُلِّي في جماعة بل تجوز الجماعة حينئذ بلا كراهة (فمنه الرواتب مع الفرض، وهي ركعتان قبل الصبح) ويسن تخفيفهما وأن يقرأ فيهما بآيتي البقرة وآل عمران (٢) أو بالكافرون والإخلاص وهو أفضل من تطويلهما بغير الوارد (٣)، وأن يضطجع بعدهما والأولى كونه على شقّه الأيمن؛ تذكراً لضجعة القبر فإن لم يرد ذلك فصل بينهما وبين الفرض بنحو كلام أو تحول ويأتي هذا في المقضية وفيما لو أخَّر سنة الصبح عنها، (وركعتان قبل الظهر، وكذا بعدها، وبعد المغرب) ويسن قراءة الكافرون والإخلاص فيهما -كسائر السنن التي لم ترد لها قراءة مخصوصة-، والأكمل فيهما تطويلهما حتى ينصرف أهل المسجد (وبعد العشاء) ولو للحاج بمزدلفة، (وقيل لا راتبة للعشاء) أي ليست مؤكدة؛ لاحتمال كونها من صلاة
стр. 234
وَقِيلَ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا. وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَالجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ المُؤَكَّدِ. وَقِيلَ وَرَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ المَغْرِبِ. قُلْتُ: هُمَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْأَمْرُ بِهِمَا، وَبَعْدَ الجُمُعَةِ أَرْبَعٌ. وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ. وَاَللهُ أَعْلَمُ
الليل، ورُد أنه ﷺ كان يؤخر صلاة الليل، (وقيل أربع قبل الظهر، وقيل وأربع بعدها (١)؛ لما صحّ أنه ((مَن حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرّمه الله على النار))، (وقيل وأربع قبل العصر)؛ لما صح أنه ﷺ ((كان يصلي أربعاً يفصل بينهن بالتسليم))، (والجميع سنّة) راتبة قطعا، (وإنما الخلاف في الراتب المؤكد) فعلى الراجح المؤكد تلك العشر لا غير؛ لأنه ﷺ واظب عليها أكثر من الثمانية الباقية. ولو اقتصر على ركعتين قبل الظهر مثلا ولم ينو المؤكد ولا غيره انصرف للمؤكد؛ لأنه المتبادر، (وقيل وركعتان خفيفتان قبل المغرب، قلت: هما سنّة) غير مؤكدة (على الصحيح ففي صحيح البخاري الأمر بهما) وأيضا؛ للخبر الصحيح ((بين كل أذانين صلاة)) -أي أذان وإقامة- ومن ثم أخذوا منه ندب ركعتين قبل العشاء. ويسن فعلهما بعد إجابة المؤذن فإن تعارضت هي وفضيلة التحرم لإسراع الإمام بالفرض عقب الأذان أخّرهما إلى ما بعده ولا يقدمهما على الإجابة، (وبعد الجمعة أربع)؛ للأمر بهما في الخبر الصحيح، وثنتان منها مؤكدتان (وقبلها ما قبل الظهر والله اعلم) فهي كالظهر في المؤكد وغيره وصح أنه ﷺ أمر سليكاً بهما، وينوي بالقبلية سنة الجمعة كالبعدية، ولا نظر إلى احتمال أن الجمعة قد لا تقع؛ إذ الفرض أنه ظنّ وقوعها، فإن لم تقع لم تكف عن سنة الظهر، وإن شكّ في إدراك الجمعة لم يأتِ بشيء حتى يتبين الحال. والسنة في الرواتب أن يسلم من كل ركعتين (٢)، ولو أخر الراتبة القبلية لفرض إلى ما بعده لم يجز له جمعها مع البعدية (٣)؛ لاختلاف النية.
стр. 235
وَمِنْهُ الْوِتْرُ، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَ. وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ وَهُوَ أَفْضَلُ وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْآخِرَتَيْنِ
(ومنه الوَِتر) وهو أفضل ما لا يسن جماعة فركعته أفضل من ركعتي الفجر وتهجد وإن كثر (١)، ولو صلى ما عدا ركعة الوتر أثيب عليه ثواب كونه من الوتر؛ لأنه يطلق على من أتى بالبعض (وأقله ركعة)؛ لما صحّ أنه ﷺ ((أوتر بواحدة))، والاقتصار عليها خلاف الأولى؛ لمخالفته اكثر أحواله ﷺ (وأكثره إحدى عشر)؛ لخبر عائشة أنه ﷺ ((ما كان يزيد عليها))، وأدنى الكمال ثلاث؛ لخبر أنه ﷺ ((كان يوتر بثلاث))، وأكمل منه خمس فسبع فتسع (وقيل ثلاث عشرة)؛ لما صحّ عن أمّ سلمة ((كان ﷺ يوتر بثلاث عشرة)) وأُوِّل أنها حسبت سنّة العشاء، ورواية خمسة عشرة حسب منها ذلك وافتتاح الوتر وهو ركعتان خفيفتان، فلو زاد على الإحدى عشر بنية الوتر لم يصح الكل في الوصل ولا الإحرام الأخير في الفصل إن علم وتعمد وإلا صحت نفلا مطلقا. ولو أحرم بالوتر ولم ينو عددا صحّ واقتصر على ما شاء منه (٢)، فإن نوى عددا لم يجز له النقص أو الزيادة، (ولمن زاد على ركعة الفصل) بين كل ركعتين (٣) بالسلام (وهو أفضل) من الوصل إن ساواه عددا؛ لكثرة أحاديثه ولأنه أكثر عملا، (والوصل بتشهد أو تشهدين في الأخيرتين)؛ لثبوت كلٍّ منهما في صحيح مُسلم، والأول أفضل، ويمتنع أكثر من تشهدين وفعل أولهما قبل الأخيرتين؛ لعدم وروده بل تبطل إن طوّل جلسة الاستراحة. ويسن لو أوتر بثلاث أن يقرأ في الأولى سبّح وفي الثانية الكافرون وفي الثالثة الإخلاص والمعوذتين؛ للاتباع، أما لو أوتر بأكثر من ثلاث فإن أوتر بثلاث مفصولة عمّا قبلها قرأ ذلك أيضاً في الثلاث الأخيرة، أو موصولة لم يقرأ ذلك؛ لأنه غالبا ما يخالف سنة أخرى كأن يخلو ما قبلها عن سورة أو يطولها على ما قبلها أو القراءة على غير ترتيب المصحف أو على غير تواليه فإن لم يخالف ذلك قرأها كأن أوتر بخمس وقرأ في الأولى المطففين والانشقاق وفي الثانية البروج والطارق، ويسن أن يقول بعد الوتر ثلاثا سبحان الملك القدوس ثمّ اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك .. الخ.
стр. 236
وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقِيلَ شَرْطُ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ. فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ يُعِدْهُ. وَقِيلَ يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُعِيدُهُ. وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ كُلَّ السَّنَةِ، وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: اللهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك إلَى آخِرِهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ بَعْدَهُ
(ووقته بين صلاة العشاء) ولو بعد المغرب في جمع التقديم (وطلوع الفجر)؛ لما صح فيه، ووقت اختياره إلى ثلث الليل في حقّ من لا يريد تهجداً أو لم يعتد الاستيقاظ آخر الليل. ولو خرج الوقت لم يجز له قضاؤها حتى يقضيَ العشاء (وقيل شرط الإيتار بركعة سبق نفل بعد العشاء)؛ لتوتره هيّ، و ردّ بأنه يكفي كونها وترا في نفسها. (ويسن) لمن وثق بيقضته وأراد صلاة بعد نومه (جعله) كلَّه (آخر صلاة الليل) التي يصليها بعد نومه من راتبة أو تراويح أو تهجد، وبالوتر يحصل فضل التهجد؛ للأمر به، وخرج بـ ((كلَّه)) بعضه فلا يصلي بعضه قبل النوم ثمّ باقيه بعده ولو كان ذلك البعض جماعة إثر تراويح، فإن أراد الجماعة معهم نوى نفلا مطلقا، (فإن أوتر ثمّ تهجد) أو عكس أو لم يتهجد أصلا (لم يعده) فإن أعاده عالماً بالنهي بطل وإلا وقع له نفلا مطلقا؛ لخبر ((لا وتران في ليلة))، ولا يكره تهجد ولا غيره بعد وتر، ولكن يسن أن يتقدم غير الوتر عليه، ولو أوتر ثمّ أراد صلاة أخّرها قليلا، (وقيل يشفعه بركعة) أي يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً (ثمّ يعيده) كما كان يفعله جمع من الصحابة (١)، لكن صح النهي عنه.
(ويندب القنوت آخر وتره) ولو أوتر بركعة (في النصف الثاني من رمضان)؛ لفعل أُبَيّ بن كعب ﵁ ذلك، (وقيل كل السنة)؛ لظاهر خبر الحسن بن علي ﵄ ((علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر اللهم اهدني فيمن هديت .. ))، وعلى الأول يكره مع عدم البطلان (٢) وإن طال (٣)، (وهو كقنوت الصبح، ويقول قبله اللهم نستعينك ونستغفرك إلى آخره، قلت: الأصح بعده)؛ لأن الأول ثابت عن النبي ﷺ وهذا عن
стр. 237
وَأَنَّ الجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ الضُّحَى، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ
عمر ﵁، وإنما يجمع بينهما إمام محصورين بشروطه وإلا اقتصر على قنوت الصبح. (و) الأصح (أن الجماعة تندب في الوتر) في رمضان سواء أفعل (عقب التراويح) أم بعدها أم من غير فعلها وسواء أفعلت التراويح (جماعة) أم لا (والله أعلم)، نعم من له تهجد لا يوتر معهم بل يؤخر وتره لما بعد تهجده. (ومنه الضحى (١)، وأقلها ركعتان) وصحّ أنه ﷺ أوصى بهما، وأدنى كمالها أربع؛ لما صحّ أنه كان ﷺ ((يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء))، فست فثمان وهو أفضلها؛ لأنها أكثر ما صح عنه ﷺ ، ويسن قراءة الشمس والضحى في الأوليين وما عداهما يقرأ فيه الكافرون والإخلاص (٢)، (وأكثرها ثنتا عشرة ركعة (٣) وخبره ضعيف، والأفضل السلام من كل ركعتين، ووقتها من ارتفاع الشمس كرمح إلى الزوال ووقتها المختار إذا مضى ربع النهار؛ لما صحّ أنها حين ترمَض (٤) الفصال (٥).
[تنبيه] ما ذُكِر أن الثمان أفضل لا ينافي قاعدة إن كلما كثر وشقّ كان أفضل؛ لخبر مسلم ((أجرك على قدر نصبك))؛ لأنها أغلبية بدليل أن القصر قد يكون أفضل من الإتمام وركعتي العيد أفضل من ركعتي الكسوف بكيفيتها الكاملة؛ لأن العيد أشبه بالفرض لتوقيته، أو نقول أن أفضلية القليل من حيث الإتباع أو المصلحة، ولذا كان استكثار قيمة الأضحية أحبّ من استكثار عددها والعتق بالعكس؛ لأن القصد ثَمَّ طيب اللحم وهنا تخليص الرقبة.
стр. 238
وَتَحِيَّةُ المَسْجِدِ، وَهْيَ رَكْعَتَانِ. وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ لَا رَكْعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَكَذَا الجِنَازَةُ. وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
(وتحية المسجد (١) الخالص (٢) -غير المسجد الحرام- دون نحو رباط وما بعضه مسجد شائع (٣)، وتسن لداخله على طهر أو حدث وتوضأ قبل جلوسه ولو مدرسا ينتظره الطلبة أو زحفا أو حبوا وإن لم يرد الجلوس؛ لخبر ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))، ويكره تركها من غير عذر، نعم إن قرب قيام مكتوبة -جمعة أو غيرها- وقد شرعت جماعتها وخشي لو اشتغل بالتحية فوات فضيلة التحرم انتظر قيام المكتوبة قائما ودخلت التحية في الفرض، ويأتي هذا وإن كان قد صلاها جماعة أو فرادى فإن صلى التحية أو جلس كره، وكذا تكره لخطيب دخل وقت الخطبة متمكنا منها (٤)، ولمريد طواف دخل المسجد متمكنا منه؛ لحصولها بركعتيه، ولمن خشي فوت سنة الراتبة (٥)، (وهي ركعتان) -أي أفضلها ذلك، فتجوز الزيادة عليهما- بتسليمة وإلا لم تنعقد الصلاة الثانية إلا لنحو جاهل فتنعقد نفلا مطلقا، (وتحصل بفرض أو نفل آخر (٦) وإن لم ينوها معه؛ لأنه لم يهتك حرمة المسجد فيسقط طلبها بذلك، أما حصول ثوابها فيتوقف على النية (٧). ولو نوى عدمها لم يحصل له شيء من ذلك اتفاقا، (لا ركعة على الصحيح، قلت: وكذا الجنازة وسجدة التلاوة والشكر)؛ للحديث (وتتكرر بتكرر الدخول على قرب في الأصح)؛ لتجدد السبب (والله أعلم) ويسقط ندبها بتعمد الجلوس ولو للوضوء لمن دخل محدثا؛ لتقصيره مع عدم احتياجه للجلوس، وبطول الجلوس مطلقا لا بقصره مع نحو سهو أو جهل، ولا
стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقيام وإن طال (١) أو أعرض عنها. وله إذا نواها قائما أن يجلس ويتمها وكذا له أن يجلس ويحرم بها (٢). ولو دخل عطشانا لم تفت بشربه جالسا (٣)؛ لأنه لعذر، ويندب تقديم سجدة التلاوة عليها ولا تفوت بها؛ لأنه جلوس قصير لعذر، أما ذو الحبو والزحف فتفوت في حقه بالاضطجاع، وأما المستلقي فبطول الزمن عرفا (٤)، ويكره للمحدث الدخول ليجلس فيه فإن فعل أو دخل غيره ولم يتمكن منها قال أربع مرات الباقيات الصالحات، وزِيد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومما لا يسن جماعة ركعتان عقب الإشراق بعد خروج وقت الكراهة، وعند إرادة سفر بمنزله، وكلما نزل، وعند قدومه بالمسجد، وبعد الوضوء (٥) والخروج من الحمام، وعند القتل، وعند دخول بيته والخروج منه، وعند الحاجة، وعند التوبة، وصلاة الأوابين عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، وصلاة الزوال أربع عقبه، وصلاة التسبيح كل وقت وإلا فيوم وليلة أو أحدهما وإلا فأسبوع وإلا فشهر وإلا فسنة وإلا فالعمر وحديثها حسن؛ لكثرة طرقة وهي أربع بتسليمة أو تسليمتين في كلّ ركعة خمسة وسبعون سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزيدت الحوقلة، وتفصيلها خمسة عشر بعد القراءة وعشر في كل من الركوع والاعتدال والسجود والجلوس والسجود والتشهد أو جلسة الاستراحة ويكبّر عند ابتدائها دون القيام منها، ويتخير في جلسة التشهد بين كون التسبيح قبله أو بعده، ويجوز قراءة الخمسة عشر قبل القراءة وعشر بعدها بدلا عن تسبيح جلسة الاستراحة، ولو ترك تسبيح الركوع لم يجز له العود إليه ولا فعلها في الاعتدال بل يأتي بها في السجود. والصلاة المعروفة ليلة الرغائب ونصف شعبان بدعة قبيحة. ولا تجوز ولا تصح صلاة بنيّة مخترعة كنية الاستعاذة من الشرور أو استخارة مطلقة، نعم إن نوى مطلق
стр. 240
وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ. وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ المُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَقِسْمٌ يُسَنُّ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً، لَكِنِ الْأَصَحُّ تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ
الصلاة ثمّ دعا بعدها بما يتضمّن نحو استعاذة لم يكن بذلك بأس (١). (ويدخل وقت الرواتب قبل الفرض بدخول وقت الفرض وبعده بفعله) كالوتر (ويخرج النوعان بخروج وقت الفرض)؛ لأنهما تابعان له، نعم يفوت وقت اختيار القبلية بفعل الفرض، وإذا لم يصلّ الفرض تكون البعدية قضاء لم يدخل وقت أدائه ومع ذلك لا يقضيها حتى يقضي الفرض (٢)، وقوله ((الفرض)) يتناول المجموعة تقديما؛ لأن الجمع يُصَيِّر الوقتين كالوقت الواحد، وتفوت سنة الوضوء بطول الفصل عرفا. ولو اقتصر على بعض النفل المؤقت كالضحى سنّ له قضاء الباقي، (ولو فات النفل المؤقت) كالعيد والرواتب (ندب قضاؤه في الأظهر)؛ لأنه ﷺ ((قضى سنة الصبح (٣) وغيرها، وخرج بالمؤقت ذو السبب (٤) كالكسوف والاستسقاء والتحية فلا مدخل للقضاء فيه، نعم لو قطع نفلا مطلقا سن قضاؤه، أما وِرْدُهُ من النفل المطلق فيسن قطعا.
(وقسم يسن جماعة كالعيد (٥) والكسوف والاستسقاء، وهو أفضل مما لا يسن جماعة)؛ لأن مطلوبيتها تدل على مشابهة الفرض، والمراد تفضيل الجنس على الجنس من غير نظر لعدد (لكن الأصح تفضيل الراتبة على التراويح)؛ لمواظبته ﷺ على تلك دون هذه، وترتيب النوافل أفضليةً هكذا أفضلها العيدان النحر فالفطر فالكسوفان الكسوف فالخسوف فالاستسقاء فالوتر فركعتا الفجر فبقية الرواتب فالتراويح فالضحى فما تعلق
стр. 241
وَأَنَّ الجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ. وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ المُطْلَقِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ مَنْعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا نَوَى عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْلَهُمَا وَإِلَّا فَتَبْطُلُ ....
بفعل كسنة طواف؛ للخلاف في وجوبها، فتحية؛ لتحقق سببها، فإحرام فسنة وضوء، فما تعلق بغير سبب من المصلي كسنّة الزوال (١) فالنفل المطلق.
[تنبيه] قُدِّم الوتر على سنة الفجر؛ لقوة الخلاف في موجبه فروعي، ولا يترك الراجح عند معتقده لمراعاة مرجوح من مذهبه أو غيره إلا إن قوي مدركه بأن يقف الذهن عنده لا بأن تنهض حِجَّتُهُ ولم يؤدِّ لخرق إجماع وأمكن الجمع بينه وبين مذهبه.
(و) الأصح (أن الجماعة تسن في التراويح)؛ للاتباع وإجماع الصحابة وهي عشرون كما أطبقوا عليها في زمن عمر ﵁ وكانوا يوترون عقبها بثلاث، ولأهل المدينة؛ لشرفهم بجواره ﷺ ستّ وثلاثون؛ جبرا لهم في مقابلة طواف أهل مكة؛ لاشتهاره دون نكير فكان بمنزلة الإجماع السكوتي ولمَّا كان فيه ما فيه قال الشافعي ﵁ ((العشرون لهم أحب إليّ))، ويجب التسليم من كل ركعتين؛ لأنها أشبهت الفرض بطلب الجماعة فيها (٢)، فإن زاد جاهلا صار نفلا مطلقا، وأن ينوي التراويح أو قيام رمضان (٣) ووقتها كالوتر. (ولا حصر للنفل المطلق) وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب؛ لما صحّ ((أن الصلاة خير موضوع فاستكثر منها أو أقل)) فله صلاة ما شاء (٤) ولو من غير عدد ولو ركعة بتشهد بلا كراهة، (فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين) أو ثلاث أو أربع بل (وفي كل ركعة)؛ لحل التطوع بها (قلت: الصحيح منعه في كل ركعة (٥) والله اعلم)؛ لأنه لم يعهد له نظير أصلا، وله جمع عدد كثير بتشهد آخره، وحينئذ يقرأ السورة في الكل، وإلا ففيها قبل التشهد الأول، (وإذا نوى عددا) ومنه الركعة (فله أن يزيد) في غير ما مرّ في متيمم رأى الماء أثناءه (وينقص بشرط تغيير النية قبلها) أي الزيادة والنقص (وإلا فتبطل) إن تعمد؛ لعدم
стр. 242
فَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إنْ شَاءَ. قُلْتُ: نَفْلُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ آخِرُهُ. وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُسَنُّ التَّهَجُّدُ، وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا. وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ، وَتَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
شمول النية، أما الساهي فيعود لما نوى ويسجد للسهو، (فلو نوى ركعتين فقام إلى الثالثة سهوا) ثم تذكر (فالأصح أنه يقعد ثمّ يقوم للزيادة إن شاء) ويسجد للسهو آخر صلاته؛ لأن تعمد القيام مبطل، وإن لم يشاء قعد ثمّ تشهد ثمّ سجد للسهو ثمّ سلم، وإذا أراد الزيادة بعد تذكره ولم يصر للقيام أقرب لزمه العود للقعود؛ لعدم الاعتداد بحركته هو فلا يجوز البناء عليها.
(قلت: نفل الليل) أي النفل المطلق فيه (أفضل) منه نهارا؛ وصح ((أنه أفضل الصلاة بعد الفريضة))، (وأوسطه أفضل) إذا قُسِّم أثلاثا؛ لأن الغفلة فيه أتم، وأفضل منه السدس الرابع والخامس؛ للخبر المتفق عليه ((أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)) (ثمّ آخره) -أي نصفه الآخر إن قُسِّم نصفين أو ثلثه الآخر إن قسّم أثلاثا-؛ لحديث ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير .. )) الحديث، (و) الأفضل للمتنفل ليلاً أو نهاراً (أن يسلم من كل ركعتين) -نواهما أو أطلق-؛ لخبر ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى))، أما إن نوى أكثر من ركعتين فالأولى أن يبقى على منويه. (ويسن التهجد) إجماعا وهو التنفل ليلا بعد نوم، ويسن للمتهجد نوم القيلولة قبيل الزوال، (ويكره قيام) أي سهر (كل الليل) ولو في عبادة (دائما)؛ للنهي عنه في الخبر المتفق عليه ولأن شأنه الضرر، ومن ثم كره قيام مضر ولو في بعض الليل. وخرج بدائما ليالٍ كاملة؛ لأنه ﷺ كان يفعل ذلك في العَشْر الأخير من رمضان، وإنما لم يكره صوم الدهر؛ لأنه يستوفي في الليل ما فاته وهنا لا يمكنه نوم النهار؛ لتعطل ضرورياته به (وتخصيص ليلة الجمعة بقيام) أي صلاة؛ للنهي عنه، وتزول الكراهة بضم ليلة قبلها أو بعدها، (وترك تهجد اعتاده) بلا ضرورة (والله أعلم)؛ لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ((لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه))، ومن المتأكد أن لا يجعل ليْلَهُ يخلو من صلاة بعد النوم، وأن يكثر فيه من الدعاء والاستغفار، ونصفه الأخير آكد، وأفضله عند السحر، وأن يوقظ مَن يطمع في تهجده حيث لا ضرر.
стр. 243
كتاب صلاة الجماعة
هِيَ فِي الْفَرَائِضِ غَيْرَ الجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ،
(كتاب صلاة الجماعة (١)
(كتاب) ترجم بالكتاب؛ لأن الجماعة صفة زائدة على ماهية الصلاة (صلاة الجماعة) هي مشروعة بالكتاب؛ لأنه تعالى أمر بها في الخوف في سورة النساء ففي الأمن أولى وبالسنة والإجماع، وأقلها إمام ومأموم. (هي في الفرائض) أي المكتوبات (غيرَ الجمعة سنة مؤكدة)؛ لخبر ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (٢) بسبع وعشرين درجة (٣) والأفضلية تقتضي الندبية فقط، و ليس المعنى أنها مرّة في جماعة أفضل منها بسبع وعشرين مرّة وحده؛ لأن إعادة الصلاة مع الانفراد لغير وقوع خلل في صحّتها لا يجوز فلا تنعقد. وخرجت بالمكتوبات المنذورة؛ لأن الجماعة من شعار المكتوبة، والكلام في منذورة لا تسن الجماعة فيها قبل وإلا كالعيد فتسن لا للنذر، وفيما لم تنذر الجماعة وإلا وجبت الجماعة بالنذر، وخرجت أيضا النافلة ومرّ مشروعيتها في بعضها، (وقيل فرض كفاية للرجال) البالغين العقلاء الأحرار المستورين المقيمين في المؤداة فقط؛ لما صحّ أنه ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان)).
стр. 244
فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ قُوتِلُوا. وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْت: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَ فِي المَسْجِدِ لِغَيْرِ المَرْأَةِ أَفْضَلُ،
(فتجب) -؛ ليسقط الحرج عن الباقين- إقامتُها في كل مؤداة من الخمس بجماعة ذكور أحرار بالغين (١) بشرط كونها في محلّ الإقامة الذي تنعقد فيه الجمعة لو وجبت، فلا يعتد بها خارجه بحيث لا يظهر بها الشعار عرفاً فيه، وتعدد محالها (بحيث يظهر الشَّعار) -ولو ببادية- بحيث يكون كل من أهل محالها لو قصد من منزله محلا من محالها لا يشق عليه مشقّة ظاهرة، فيكفي (في القرية) الصغيرة التي فيها نحو ثلاثين رجلا إقامتها في محلٍّ، ولا بد من التعدد في الكبيرة -فالمدار على كثرة وقلّة الجماعة لا على اتساع الخطّة وضيقها- فلو عَدَّدَ الجماعة بعض المقيمين دون جمهورهم وظهر بهم الشعار كفى، ولو قلَّ عدد سكان قرية بحيث لو أظهروها لم يظهر بهم الشعار فالأوجه لزومها؛ لأن الشعار أمر نسبي، ولا تكفي في البيوت إلا إن فتحت أبوابها بحيث صار لا يُحْتَشَم من دخولها، وتكفي في الأسواق إن كانت كذلك وإلا فلا؛ لأن لأكثر الناس مروآت تأبى دخول بيوت الناس والأسواق، (فإن) لم يظهر الشعار بأن (امتنعوا كلهم) أو بعضهم كأهل محلّة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم (قوتلوا) من قِبَل الإمام أو نائبه، وعلى أنها سنة لا يقاتلون، ثمّ أنه لا يفاجئهم بالقتل بل حتى يأمرهم فيمتنعوا من غير تأويل، (ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال)؛ بناء على أنها سنة (في الأصح)؛ لخشية المفسدة، فيكره تركها لهم لا لهنّ، (قلت: الأصح المنصوص أنها فرض كفاية)؛ للخبر السابق، والأفضلية التي في الخبر قبله محمولة على من صلَّى منفردا لقيام غيره بها أو لعذر كمرض، ولا تجب إن اختل شرط مما مر كأن تمحضوا أرقّاء، بل قد تسن وقد لا تسن لامرأة وخنثى ولمن فيه رق ولعراة عُمْيٍ أو في ظلمة -وإلا فهي لهم مباحة- ولمسافرين ولمصلين مقضيةً اتحدت، ولمميز نعم يلزم وليه أمره بها؛ ليتعودها إذا كمل (وقيل) فرض (عين والله اعلم)؛ لما صحّ أنه ﷺ همّ بإحراق من لا يشهد الصلاة معه. (وفي المسجد لغير المرأة) والخنثى (أفضل)؛ لخبر ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))، نعم إن وجدت في بيته فقط أو تعطلت جماعة
стр. 245
وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ إلَّا لِبِدْعَةِ إِمَامِهِ إلَّا لِبِدْعَةِ إِمَامِهِ،
بيته بذهابه كانت إقامتها في بيته أفضل، ولو كانت فيه أكثر منها في المسجد فالأفضل المسجد؛ لاعتناء الشارع بإحيائه، أما المرأة ففي بيتها أفضل ففي الخبر ((لا تمنعوا نسائكم المساجد، وبيوتهنّ خير لهن)) (١)، ومع ذلك فلا تمنع من المسجد إن كانت غير مشتهاة مبتذلة، ويكره لها الحضور إن كانت تشتهى ولو في ثياب رثّة أوْ لا تشتهى وبها شيء من الزينة أو الطيب، وللإمام أو نائبه منعهن حينئذٍ كما أن له منع من أكل ذا ريح كريه من دخول المسجد، ويحرم عليهن بغير إذن وليّ أو حليل أو سيّد أو هما في أمة متزوجة، ومع خشية فتنة منها أو عليها، وللإذن لها في الخروج حكمه، ومثلها في كل ذلك الخنثى.
[تنيبه] تكره إقامة جماعة بمسجد غير مطروق له إمام راتب بغير إذنه قبله أو معه أو بعده . ولو غاب الراتب انتظر ندبا، ثُمَّ إن أرادوا فضل أوّل الوقت أمَّ غيرُهُ وإن لم يريدوا ذلك انتظر إلا إن خافوا فوت الوقت كلّه، ومحلّ ذلك حيث لا فتنة وإلا صلوا فرادى، والجماعة في الجمعة ثمّ في صبحها ثمّ في صبح غيرها ثمّ في العشاء ثمّ في العصر ثمّ في الظهر ثمّ في المغرب أفضل.
(وما كَثُر جمعه) من المساجد أو غيرها (٢) (أفضل)؛ للخبر الصحيح ((وما كان أكثر فهو أحبّ إلى الله تعالى))، نعم الجماعة وإن قلّت في المساجد الثلاثة أفضل منها في غيرها بخلاف الانفراد (٣)، وتقدم تفضيلها وإن قلّت في المسجد على البيت (إلا لـ) مقتضٍ كراهة الاقتداء به كـ (بدعة إمامه) الغير مكفرّة أو فسقه ولو بمجرد التهمة التي فيها نوع قوّة أو غيرهما.
стр. 246
أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ لِغَيْبَتِهِ. وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَضِيلَةٌ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ، وَقِيلَ بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ، وَقِيلَ أَوَّلَ رُكُوعٍ، وَالصَّحِيحُ إدْرَاكُ الجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ
والانفراد أفضل من جماعته (١)، وكذا لو كان لا يعتقد وجوب بعض الأركان أو الشروط وإن أتى بها؛ لأنه يقصد بها النفلية وهو مبطل عندنا، وإنما جوّزت الصلاة معه؛ رعاية للمصلحة لكي لا تتعطل الجماعات. ولو تعذرت إلا خلف من يكره الإقتداء به لم تنتف الكراهة (٢)، بل كل ما وقع الاختلاف في الإبطال به من حيث الجماعة يقتضي الكراهة من تلك الحيثية (أو) كون القليلة بمسجد متيقن حلّ أرضه ومال بانيه، أو إمامه يبادر بالصلاة أوّل الوقت أو يطيل القراءة حتى يدرك بطيء القراءة الفاتحة والكثيرة بغير ذلك، أو (تعطل مسجد قريب) أو بعيد (لغيبته)؛ لكونه إمامه أو يحضره الناس بحضوره فقليل الجمع في ذلك أفضل من كثيره بخلاف انفراده فيه. ولو تعارض الخشوع والجماعة فهي أولى؛ لأن فرض الكفاية أولى من السنة، ومحلّه فيمن تَوَهَّمَ فواته بها من حيث إيثاره العزلة فأمر بها؛ لحديث ((إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))، أما لو كان مانع الخشوع ظاهر كما لو كان ذا جوع أو عطش فيقدم دفع ذلك على الجماعة. (وإدراك تكبيرة الإحرام فضيلة)؛ لكونها صفوة الصلاة كما ورد، (وإنما تحصل) بحضور تكبيرة الإمام و (بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه) فإن لم يحضرها أو تراخى فاتته، نعم يغتفر له وسوسة خفيفة (وقيل بإدراك بعض القيام، وقيل أوّل ركوع) -أي بالركوع الأول- ومحلّهما إن لم يَحْضُر إحرام الإمام وإلا فاتته عليهما أيضاً، (والصحيح إدراك) أصل ثواب الجماعة، أما كماله فيحصله بإدراك جميعها (الجماعة (٣) في غير الجمعة، نعم يحصل له فضل الجماعة في ظهره إن أدرك ما بعد ركوع الجمعة الثاني (ما لم يسلم) الإمام أي ينطق بالميم من عليكم (٤)، وكذا بقوله ((السلام)) إن نوى معه الخروج من الصلاة (٥)، فمتى أدركه
стр. 247
وَلْيُخَفِّفِ الْإِمَامُ مَعَ فِعْلِ الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ. وَيُكْرَهُ التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ،
قبله أدركها وإن لم يجلس معه؛ لإدراكه معه ما يعتدَّ له به من النية وتكبيرة الإحرام فلو لم يحصلها به؛ لأبطل الصلاة لأنه زيادة بلا فائدة، ومن أدرك جزأً من أولها ثمّ فارق بعذر أو خرج الإمام بنحو حدث حصل له أصل الثواب لا كماله. ولو أمكنه إدراك بعض جماعة ورجا إدراك جميع أخرى فالأفضل الانتظار ومحلّه ما لم تفت بانتظارهم فضيلة أول الوقت أو وقت الاختيار. (وليخفف) ندباً (الإمام) جميعَ ما يأتي به بأن يقتصر على أدنى الكمال (مع فعل الأبعاض والهيئات)؛ لخبر ((إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف)) (إلا أن يرضى) الجميع (١) (بتطويله) باللفظ لا بالسكوت (٢)، وهم (محصورون) بمسجد غير مطروق لم يطرأ غيرهم و لا تعلق بعينهم حقّ كأجراء عين على عمل ناجز وأرقاء ومتزوجات فيندب له التطويل إلا إن انتفى شرط فيكره وإن أذن من له الحق كالمُؤجِّر في الجماعة؛ لأن الإذن فيها لا يستلزم الإذن في التطويل (ويكره) للإمام (التطويل) وإن كان (ليلحقـ) ـه (آخرون)؛ لإضراره بالحاضرين.
стр. 248
وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوعِ أَوِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِدَاخِلٍ لَمْ يُكْرَهِ انْتِظَارُهُ فِي الْأَظْهَرِ إنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ وَلَمْ يَفْرُقْ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ. قُلْتُ: المَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا
(ولو أحسَّ) الإمام، أما منفرد أحس بداخل يريد الإقتداء به أو إمام محصورين بشرطهم فينتظر (١) ولو مع نحو التطويل؛ إذ لا ضرر بتطويله، نعم لا بد أن يسوي بينهم في الانتظار لله أيضا (في الركوع) الذي تدرك به الركعة (أو التشهد الأخير بداخل) يريد الاقتداء به (لم يكره انتظاره في الأظهر)؛ لعذر الإمام بقصد إدراك المأموم الركعة أو الجماعة، وخرج بفرضه الكلام في انتظاره في الصلاة انتظاره قبلها -بأن أقيمت- فإن الانتظار حينئذ حرام (٢) (إن لم يبالغ فيه) وإلا بأن كان لو وُزِّع على جميع أفعال الصلاة لظهر له أثر محسوس في كلٍّ على انفراده كره، ولو لحق آخر في ذلك الركوع أو ركوع آخر وكان انتظاره وحده لا مبالغة فيه بل مع ضمه للأول كره أيضا (٣) (ولم يفرُق) لنحو صداقة بل ينتظر لله، فإن ميّز بعضهم ولو لنحو علم أو انتظرهم كلهم لا لله بل للتودد إليهم كره (بين الداخلين) أما قبل الشروع في الدخول فلا ينتظر (٤)؛ لعدم الثبوت في حقّه (قلت: المذهب استحباب انتظاره) بالشروط السابقة وإن لم تغن صلاة المأمومين عن القضاء أو كانوا غير محصورين (والله أعلم)؛ لأنه ﷺ كان ينتظر ما دام يسمع وقع نعل، نعم إن كان الداخل يعتاد البطء وتأخير الإحرام إلى الركوع سن عدمه؛ زجرا له، أو خشي خروج الوقت بانتظاره حرم في الجمعة وكذا في غيرها إن كان شرع وقد بقي ما لا يسعها؛ لامتناع المد حينئذ، أو كان لا يعتقد إدراك الركعة بالركوع كره انتظاره؛ إذ لا مصلحة للمأموم هنا كما لو أدركه في الركوع الثاني من الكسوف، (و لا ينتظر في غيرهما) فيكره؛ لعدم فائدته، نعم يستثنى انتظار الموافق المتخلف لإتمام الفاتحة في السجدة الأخيرة؛ لفوات ركعته بقيامه منها قبل ركوعه، أما بطي القراءة أو النهضة فإن ترتب على انتظاره إدراك سُنَّ وإلا فلا.
стр. 249
وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الْأَصَحِّ إعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا،
[تنبيه] لو رأى مصلٍّ نحو حريق خفف، ويلزمه القطع إن أُنقذ به حيوان محترم، ويجوز لإنقاذ نحو مال محترم.
(ويسن للمصلي) فرضا مؤدىً -ولو مقصورة أعادها تامة سفراً أو بعد إقامته، ومغرباً على الجديد؛ لما مرّ أن وقتها يسع تكرارها، وجمعة حيث سافر لبلدة أخرى أو جاز تعددها، وفرضاً يجب قضاؤه كمقيم تيمم (١) وظهر معذور في الجمعة أو نفلا تسن فيه الجماعة ككسوف ووتر (٢) رمضان- غير المنذورة؛ لأن الجماعة من شعار المكتوبة، وغير صلاة الخوف أو شدّته؛ لأن احتمال المبطل فيها للحاجة فلا يكرر، وغير صلاة الجنازة (٣)، نعم إن أعادها وقعت نفلا وصحّت؛ لشدّة احتياج الميت للثواب (وحده، وكذا) مع (جماعة في الأصح إعادتها) مرّة فقط، فلا تنعقد الإعادة الثانية، والإعادة: ما فعل لخلل أو عذر كالثواب (مع) واحد أو مع (جماعة (٤) -ولو ركعة من الجمعة المعادة لا أقل، ودون ركعة (٥) في غير الجمعة إن كان أدركه من آخر صلاة الإمام، وكذا إن أدرك أول صلاة الإمام ثم فارق بعذر أو بغير عذر- ويشترط لها نية الإمامة لكي تنعقد جماعة (٦) (يدركها) في الوقت ولو ركعة أو في وقت الكراهة؛ لما رُوي أن رجلا دخل بعد صلاة العصر فقال ﷺ ((مَن يتصدق على هذا فيصلي معه فصلى معه رجل))، وفيه أيضا ندب شفاعة من لم يرد الصلاة معه إلى من يصلي معه، وندب صلاة من صلى مع الداخل، ومحلّه إن اعتقد المنفرد جوازها أو ندبها وإلا لم تنعقد، ثمّ إنه إنما تسن إعادتها جماعة إن لم يوجد في الثانية مكروه من حيث الجماعة كفسق الإمام وغيره مما يمنع فضلها، ومنه ما إذا كانوا بمسجد تكره فيه الجماعة كأن كان مطروقا وله إمام راتب لم يأذن بها، فلا تسن إذا كان الانفراد أفضل، ولو أعادها نحو العراة فإن سنّت لهم الجماعة فذاك وإلا لم تنعقد.
стр. 250
وَفَرْضُهُ الْأُولَى فِي الجَدِيدِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ. وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا، وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ إلَّا لِعُذْرٍ عَامٍّ كَمَطَرٍ أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِاللَّيْلِ،
[تنبيه] الأبحاث المتقدمة متوجهة على أن ملحظ ندب الإعادة رجاء الثواب، أي أنه لا تندب الإعادة بل لا تجوز للمنفرد وغيره إلا إذا كانت الجماعة التي يعيد معها فيها ثواب من حيث الجماعة (١) بخلاف الجمعة فيكتفي فيها بصورة الجماعة وإن كرهت، ثُمّ إن العبرة بحصول الثواب في الجماعة بوقت التحرم وإن انتفى بعدُ لنحو انفراد عن الصف أو مقارنة أفعال الإمام (٢). ومرّ في التيمم أنه لو صلى به ولم يرج الماء ثمّ وجده لم تسن له الإعادة وهو لا ينافي ندب إعادتها جماعة؛ لأن محلّ الأول في الإعادة منفردا لأجل الماء فقط، (وفرضه الأولى) ولو غير مغنية عن القضاء ص (٣) (في الجديد)؛ لسقوط الطلب بها، (والأصح أنه ينوي بالثانية الفرض) صورةً -حتى لا يكون نفلا مبتدأ- أو ينوي ما هو فرض على المكلف في الجملة (٤)؛ لأن حقيقة الإعادة الإتيان بالشيء ثانيا بصفته الأولى، أما إذا نوى حقيقة الفرض فتبطل؛ لتلاعبه. ولو بان فساد الأولى لم تجزئه الثانية؛ لأنه ينوي بها غير حقيقة الفرض، ولذا لو نسي فعل الأولى فصلى مع جماعة ثمّ بان فساد الأولى أجزأته عن الثانية.
[تنبيه]؛ لأنها على صورة الفرض وجب فيها النية والقيام وحرم قطعها، ولم تعط جميع أحكامه فيجوز جمعها مع الأصلية بتيمم واحد. (و لا رخصة في تركها وإن قلنا سنة)؛ لتأكدها (٥) (إلا لعذر (٦)؛ لما صحّ أنه ((مَن سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له -أي كاملة- إلا من عذر))، فإن وجد فلا كراهة، وعلى القول بأنها فرض فلا حرمة، وتجب على القول بالسنية بأمر الإمام إلا مع عذر (عام) تأذى به (كمطر) وثلج يبلّ ثوبه وبَرَد ليلا أو نهارا؛ لأنه ﷺ ((أمر بالصلاة في الرحال يوم مطر))، أما إذا لم يتأذَّ بذلك لخفّته أو كِنٍّ فلا يكون عذرا (أو ريح عاصف) -أي شديد- أو بارد أو ظلمة شديدة (بالليل) أو بعد الصبح