← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20

مختصر تحفة المحتاج بشرح المنهاج

مصطفى سميط

Полный текст (2 142 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلٍ كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَإنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ (ولو تقدم بفعل كركوع وسجود فإن كان بركنين) متواليين (بطلت) إن تعمد وعلم التحريم؛ لفحش المخالفة، فإن سها أو جهل لم يضر لكن لا يعتد له بهما، فإذا لم يعد للإتيان بهما مع الإمام سهوا أو جهلا أتى بعد سلام إمامه بركعة وإلا أعادها (١)، وصورة التقدم بهما أن يركع ويعتدل ثمّ يهوي للسجود مثلا والإمام قائم أو أن يركع قبل الإمام فلما أراد الإمام أن يركع رفع فلما أراد أن يرفع سجد فلم يجتمع معه في الركوع ولا في الاعتدال، وفارق مما مر في التخلف بأن التقدم أفحش. أما إن تقدم بركن فيحرم إن علم وتعمد ويسُنَّ له العود إن تعمد وإلا تخيّر (وإلا) بأن تقدم بركن فعلي أو بركنين قوليين أو قولي وفعلي (فلا) تبطل وإن علم وتعمد؛ لقلة المخالفة (وقيل تبطل بركن) تام؛ لفحش المخالفة، والكلام في غير التقدم بالسلام -أي بالميم آخر التسليمة الأولى (٢) - فهو مبطل به.

стр. 282

فصل خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ انْقَطَعَتِ الْقُدْوَةُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقَطَعَهَا المَأْمُومُ جَازَ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِعُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ، وَمِنَ الْعُذْرِ تَطْوِيلُ الْإِمَامِ أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ. وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ خِلَالِ صَلَاتِهِ جَازَ فِي الْأَظْهَرِ، (فصل) في زوال القدوة وإيجادها وإدراك المسبوق للركعة وما يتبع ذلك (خرج الإمام من صلاته) بحدث أو غيره (انقطعت القدوة)؛ لزوال الرابطة فيسجد لسهو نفسه ويقتدي بغيره وغيره به، وتنقطع أيضا بنحو تأخر عَقِب الإمام عن عَقِب المأموم في الموقف لكن بالنسبة لمن تأخر عنه، و لا تنقطع بنية الإمام قطعها؛ لأنها لا تتوقف على نيته فلم تؤثر فيها، ولذا تنقطع حيث لزمته النية كالجمعة، وسيأتي انقطاعها بنية الإمام الاقتداء بغيره، (فإن لم يخرج وقطعها المأموم جاز) مع الكراهة المفوِّتة لفضيلة الجماعة حيث لا عذر؛ لأن ما لا يتعين فعله لا يتعين بالشروع فيه ولو فرض كفاية إلا في جهاد وصلاة جنازة ونسك (وفي قول) قديم (لا يجوز إلا بعذر)؛ لقوله تعالى ((ولا تبطلوا أعمالكم))، والعذر هو ما (يرخص في ترك الجماعة) ابتداءً، (ومن العذر) في الأثناء والابتداء (تطويل الإمام) -القراءة أو غيرها- لكن بالنسبة لمن لا يصبر لضعف أو شغل ولو خفيفا بأن يُذهِب خشوعه، ولا فرق بين أن يكونوا محصورين رضوا بتطويله بمسجد غير مطروق وأن لا؛ لما صحّ أن بعض المؤتمين بمعاذ ﵁ قطع القدوة لتطويله بهم ولم ينكر عليه ﷺ ، (أو تركه سنّة مقصودة كتشهد) أوّل وقنوت وكذا سورة، وضابطها أنها ما جبرت بسجود السهو أو قوي الخلاف في وجوبها أو وردت الأدلة بعظيم فضلها، وقد تجب المفارقة (١) كأن عَرَض مبطل لصلاة إمامه وقد علمه فيلزمه نيتها فورا وإلا بطلت وإن لم يتابعه، وذلك؛ لأن المتابعة الصورية موجودة فلابد من قطعها بالمفارقة، وعليه فلا تجب المفارقة لو زالت الصورة كأن تأخر الإمام عن المأموم. (ولو أحرم منفردا ثمّ نوى القدوة خلال صلاته جاز في الأظهر) مع الكراهة المفوتة لفضيلة الجماعة،

стр. 283

-وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى- ثُمَّ يَتْبَعُهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا، فَإِنْ فَرَغَ الْإِمَامُ أَوَّلًا فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، أَوْ هُوَ فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. وَمَا أَدْرَكَهُ المَسْبُوقُ فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ. وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ المَغْرِبِ تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وذلك؛ لما صحّ أنه ﷺ أحرم بهم ثمّ تذكر في صلاته أنه جنب فذهب فاغتسل ثمّ جاء وأحرم بهم فأنشؤا نية اقتداء جديدة، والعذر هنا غير مانع للكراهة كما لو اقتدى ليتحمل عنه الفاتحة فيدرك الصلاة كاملة في الوقت. وللإمام أن يعر ض عن القدوة ويقتدي بآخر بأن يستخلفه مثلا كما حدث للصدّيق ﵁ حيث أخرج نفسه عن الإمامة بتأخره عنه ﷺ ثمّ نوى الاقتداء به ﷺ والصحابة صاروا مقتدين به ﷺ بعد أن تقدّم واستخلفه أبوبكر وإن لم ينووا ذلك، ومعنى ((والناس يقتدون بأبي بكر)) أنه كان يسمعهم تكبيره ﷺ ؛ لامتناع الاقتداء بالمأموم (-وإن كان في ركعة أخرى- ثمّ يتبعه) وجوبا (قائما كان أو قاعدا) مثلا رعاية لحقّ الاقتداء، ومرّ أنه لو اقتدى به في تشهده انتظره ولا يتابعه، (فإن فرغ الإمام أوّلاً فهو كمسبوق) فيقوم ويتم صلاته، وحينئذٍ يجوز الاقتداء به ولو في الجمعة وإقتداؤه بغيره إلا فيها (أو هو فإن شاء فارقه) ولا كراهة؛ لأنه فراق لعذر (وإن شاء انتظره) بشرط أن لا يحدث جلوس تشهد لم يفعله الإمام؛ لما مرّ ص (١). (ليسلم معه) وهو الأفضل (وما أدركه المسبوق) مع الإمام مما يعتد به -لا كالاعتدال وما بعده فإنه لمحض المتابعة- (فأول صلاته) والذي بعد سلام الإمام آخرها؛ لخبر ((فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا)) والإتمامُ يستلزم سبق ابتداء (فيعيد في الباقي القنوت)؛ لأنه فعله مع الإمام لمحض المتابعة. (ولو أدرك ركعة من المغرب تشهد في ثانيته)؛ إذ هي محلّ تشهده الأول وتشهده مع الإمام في أولى نفسه لمحض المتابعة، ومرّ أنه لو أدركه في أخيرتي رباعية فإن أمكنه فيهما قراءة السورة معه قرأ وإلا قرأهما من غير جهر في أخيرتي نفسه؛ تداركا لهما، (وإن أدركه راكعا أدرك الركعة) -وإن قَصَّر بتأخير إحرامه حتى ركع-؛ لما صحّ فيه. ولا يسن الخروج من خلاف جمع أنه لا يدركها؛ لمخالفتهم لسنة صحيحة. ولو ضاق الوقت وأمكنه بإدراك ركوعها الصلاة فيه لزمه.

стр. 284

قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْإِجْزَاءِ لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ لِلرُّكُوعِ، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ تَنْعَقِدُ نَفْلًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ انْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبِيحَاتِ (قلت:) إنما يدركها (بشرط أن) يكون ذلك الركوع محسوبا له بأن لا يكون الإمام محدثا عنده فلا يضر طرو حدثه بعد إدراك المأموم للركوع معه، ولا في ركوع زائد سها به، وليس ركوعا ثانيا للكسوف، وأن (يطمئن) بالفعل يقينا (قبل ارتفاع الإمام عن أقلّ الركوع والله أعلم). (ولو شكّ في إدراك حدّ الإجزاء لم تحسب ركعته في الأظهر) بل وإن ظنّ أو غلب على ظنه الإدراك؛ لأنها رخصة فلا بد من تحقق سببها، ويسجد الشاك للسهو؛ لأنه شك بعد سلام الإمام في عدد ركعاته، (ويكبر) المسبوق، ومثله هنا وفيما يأتي مريد سجدة تلاوة خارج الصلاة (للإحرام ثمّ للركوع)؛ لتعارض قرينتي الافتتاح والهوي، ولا يحتاج من كبر للإحرام وللركوع إلى نية إحرام بالأُولى إن عزم عند التحرم أن يكبر للركوع أيضا، أما لو كبر للتحرم غافلا عن ذلك ثمّ طرأ له التكبير للركوع فكبر له فلا تفيده هذه التكبيرة الثانية شيئا بل يأتي في الأولى التفصيل الآتي، (فإن نواهما بتكبيرة لم تنعقد على الصحيح)؛ لأنه شرك بين فرض وسنة مقصودة (وقيل تنعقد نفلا) كما لو أخرج خمسة دراهم مثلا ونوى بها الفرض والتطوع فإنها تقع له تطوعاً، (وإن) نوى بها التحرم فقط وأتمّ التكبيرة وهو إلى القيام مثلا أقرب منه إلى أقلّ الركوع انعقدت صلاته، وإن (لم ينو شيئا لم تنعقد على الصحيح)؛ لتعارض قرينتي الافتتاح والهوي ولم يوجد صارف عن الثاني وذلك الصارف نية التحرم، فعُلم البطلان إن نوى الركوع فقط وكذا نية أحدهما مبهما، ويزاد أيضا ما لو شكّ أنوى بها التحرم وحده أوْ لا. (ولو أدركه في اعتداله فما بعده انتقل معه) وجوبا، نعم لو أحرم وهو في جلسة الاستراحة لا يلزمه موافقته فيها؛ لأن المخالفة فيها غير فاحشة كما مرّ (١)، (مكبرا) ندبا أيضا (والأصحّ أنه يوافقه) ندبا أيضا (في) الأذكار كـ (التشهد والتسبيحات) بل حتى في الصلاة على الآل ولو في

стр. 285

وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِانْتِقَالِ إلَيْهَا. وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ المَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ تشهد المأموم الأول (١)؛ رعاية للمتابعة، (وأن من أدركه) فيما لا يحسب له كأن أدركه (في سجدة لم يكبر للانتقال إليها)؛ لأنه لم يتابعه في ذلك ولا هو محسوب له بخلاف الركوع، ولذا يكبر بعدُ إذا انتقل معه من السجود أو غيره موافقة له، وفي حكم السجود هنا سجود التلاوة والسهو فلا يكبر للانتقال إليهما لو أدرك إمامه في أحدهما. (وإذا سلم الإمام قام) أي انتقل (المسبوق مكبرا إن كان موضع جلوسه) لو انفرد كأن أدركه في ثالثة رباعية، أما لو قام قبل سلامه فإن تعمده بلا نية مفارقة أبطل إن فارق حدّ القعود كما مرّ، وإن سها أو جهل لم يعتد بجميع ما أتى به حتى يجلس ثمّ يقوم بعد سلام الإمام، ومتى علم ولم يجلس بطلت صلاته (وإلا) كثانية رباعية (فلا) يكبر (في الأصح)؛ لأنه ليس محل تكبيره وليس فيه موافقة الإمام، والأفضل للمسبوق أن لا يقوم إلا بعد تسليمتي الإمام، ويجوز بعد التسليمة الأولى، ولا يضر المكث وإن طال في محل جلوسه لو انفرد، أما في غيره فتبطل إن علم وتعمد؛ لوجوب القيام عليه فورا وإلا سجد للسهو، والمخل بالفورية هنا ما يزيد على قدر الذكر المشروع في الجلوس بين السجدتين وأقلّ التشهد بشرطه المار، وكذا يقال في كل محل قالوا فيه يجب على المأموم القيام أو نحوه فوراً.

стр. 286

إنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ المُبَاحِ لَا فَائِتَةُ الحَضَرِ. وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ فَالْأَظْهَرُ قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ. وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ سُوَرِهَا فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ لَا تُشْتَرَطُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ (باب صلاة المسافر) وهي القصر والجمع، والأصل في القصر الإجماع وآية النساء وغيرها. (إنما تقصر) مكتوبة لا نحو منذورة (رباعية مؤداة) ويُلحق بها فائتة السفر (في السفر الطويل المباح) في ظنه كمن أُرْسِل بكتاب لم يعلم فيه معصية، والمراد الجائز ولو مكروها كان يسافر وحده لاسيما في الليل؛ لأنه ﷺ ((لعن راكب الفلاة وحده))، أي إن ظنّ ضررا يلحقه، ويكره الاثنان أيضا لكن كراهة أخف، نعم لا كراهة لمن أنس بالله بحيث صار يأنس بالوحدة كأنس غيره بالرفقة، كما لو دعت للانفراد حاجة، ومثل الانفراد البعد عن الرفقة حيث لا يلحقه غوثهم، (لا فائتة الحضر) ولو احتمالا، ومثلها في جميع ما يأتي فائتة سفر لا يجوز فيه القصر فلا قصر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة. ولو سافر وقد بقي من الوقت ما لا يسعها بتمامها، فإن وسع ركعة فأكثر قصر -؛ إذ هي أداء على الأصح- وإلا فلا (ولو قضى فائتة السفر) المبيح للقصر (فالأظهر قصره في السفر) الذي فاتته فيه أو سفر آخر يبيح القصر وإن تخللت بينهما إقامة طويلة؛ لوجود سبب القصر في قضائها كأدائها (دون الحضر)؛ ونحوه لفقد سبب القصر حال فعلها. (ومن سافر من بلدة فأول سفره مجاوزة سورها) المختص بها ولو في جهة مقصده فقط -كأن انهدم باقيه- لكن إن بقيت تسميته سورا؛ لأن ما في داخله محسوب من موضع الإقامة، والخندق كالسور وبعضه كبعضه وإن لم يكن فيه ماء، نعم لا عبرة به مع وجود السور ويلحق بالسور جبل بجانب القرية فَعَلَى من سافر صوبه قطع ارتفاعه إن اعتدل وإلا فما نسب إليها منه عرفا، ويلحق به أيضا تحويط أهل القرى عليها بالتراب أو نحوه، (فإن كان وراءه عمارة اشترط مجاوزتها في الأصح)؛ لأنها تابعة لداخله (قلت: الأصح لا تشترط والله أعلم)؛ لأنها لا تعد من البلد. ولو أرد من بالعمران الذي وراء السور أن يسافر من جهة السور لم تشترط،

стр. 287

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورُ الْبَلْدَةِ فَأَوَّلُهُ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ لَا الخَرَابِ وَالْبَسَاتِينِ، وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ. وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الخِيَامِ مُجَاوَزَةُ الحِلَّةِ مجاوزة السور؛ لأنه مع خارجه كبلدة منفصلة عن أخرى (١)، (فإن لم يكن سور) مطلقا أو صوب سفره أو كان لها سور غير مختص بها كقرى متفاصلة جمعها سور (فأوله مجاوزة العمران) -وإن تخلله خراب ليس به أصول أبنية أو نهر وإن كبر أو ميدان-؛ لأنه محل الإقامة، (لا) المقابر المتصلة به ومطرح الرماد وملعب الصبيان، ولا (الخراب) الذي بعد العمران إن اتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر أو ذهبت أصول أبنيته -وإلا اشترطت مجاوزته- (و) لا (البساتين) والمزارع وإن كان فيها أبنية تسكن بعض أيام السنة أو حُوِّطت واتصلت بالبلد؛ لأنها لم تتخذ للسكنى (والقرية كبلدة) والقريتان إن اتصلتا عرفا كقرية ولم يكن بينهما سور (٢)، وإن اختلفتا اسما، وإن لم تتصل (٣) كفى مجاوزة قرية المسافر. (وأول سفر ساكن الخيام مجاوزة الحِلّة) وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة بحيث يجتمع أهلها للسمر في نادٍ واحد ويستعير بعضهم من بعض، ويشترط مجاوزة مرافقها كمطرح رماد وملعب صبيان ونادٍ ومعاطن إبل وكذا ماءٍ وحطب اختصا بها؛ لأنها معدودة من مواضع إقامتهم، هذا إن كانت بمستوٍ وإلا فيشترط في وادٍ سافر في عرضه وهي بجميع العرض (٤) مجاوزة عرضه وفي ربوة مجاوزة محل الهبوط وفي وهدة محل الصعود، بشرط اعتدال هذه الثلاثة، فإن أفرطت سعتها أو كانت ببعض العرض أُكتفيَ بمجرد مجاوزة الحلة ومرافقها المنسوبة إليها كما لو سافر في طول الوادي (٥)، والنازل وحده بمحل من البادية بفراقه وما ينسب إليه عرفا. ولو اتصل البلد الذي لا سور له من جهة البحر بساحل البحر اشترط جري السفينة أو زورقها وإن كانت في هواء العمران.

стр. 288

وَإِذَا رَجَعَ انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً. وَلَوْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ. وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ أَرْبَعَةً، وَفِي قَوْلٍ أَبَدًا، (وإذا رجع) المسافر المستقل (١) من مسافة قصر إلى وطنه مطلقا أو إلى غيره بنية الإقامة (انتهى سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته ابتداء) من سور أو غيره وإن لم يدخله، أما نية الرجوع فستأتي. وخرج بمن مسافة القصر ما لو رجع من دونها فإنه حينئذٍ إما أن يرجع لحاجة أو للإقامة فإن رجع لحاجة فتارة يرجع إلى وطنه فيصير مقيما بابتداء رجوعه وتارة إلى غير وطنه فيترخص وإن دخلها ولو كان قد أقام بها، أما إن رجع للإقامة فينقطع بمجرد رجوعه مطلقا. (ولو نوى) المستقل (إقامة) مطلقة أو (أربعة أيام) بلياليها (بموضع) عيَّنه قبل وصوله (انقطع سفره بوصوله) وإن لم يصلح للإقامة. أو نوها عند وصوله أو بعده وهو ماكث انقطع سفره بالنية، أو ما دون الأربعة لم يؤثر، أو أقام الأربعة الإمام بلا نية انقطع سفره بتمامها، أو نوى إقامة وهو سائر لم يؤثر؛ لأنه ﷺ أباح للمهاجر الإقامة ثلاثة أيام بمكة مترخصين. وشمل قوله بوصوله ما لو خرج ناويا مرحلتين ثمّ عنّ له أن يقيم ببلد قريب منه فله القصر ما لم يصل لذلك البلد القريب؛ لانتفاء سبب الرخصة في حقه. [تنبيه] لو دخل الحاج مكة قبل الوقوف بنحو يوم وكان ناويا الإقامة بها بعد رجوعه من منى أربعة أيام فأكثر استمر السفر إلى عوده إليها ؛ لأنه من جملة مقصده. (ولا يحسب منها يوما) أو ليلتا (دخوله وخروجه على الصحيح)؛ لأن فيهما الحط والترحال وهما من أشغال السفر، أما غير المستقل كزوجة وقن فلا أثر لنيته المخالفة لنية متبوعه، (ولو أقام ببلد) مثلا (بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت) يعني قبل مضي أربعة أيام صحاح، ومن الحاجة انتظار الريح لمسافري البحر، ومنها خروج الرفقة لمن يريد السفر معهم إن خرجوا وإلا فوحده (قصر) أي ترخص (ثمانية عشر يوما) كاملة غير يومي الدخول والخروج؛ لأنه ﷺ ((أقامها بعد فتح مكة لحرب هوزان يقصر الصلاة))، (وقيل) أقلّ من (أربعة)؛ لأن نية إقامتها تمنع الترخص فإقامتها أولى (وفي قول أبداً)؛ لأن العلة الحاجة.

стр. 289

وَقِيلَ الخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ لَا التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً فَلَا قَصْرَ عَلَى المَذْهَبِ (وقيل الخلاف) فيما فوق الأربعة (في خائف القتال، لا التاجر ونحوه)؛ لأنه الوارد، ورُدَّ بأن المرخِّص وصف السفر (ولو علم) خائف القتال (١) (بقاءها) أي الحاجة، أو أكره وعلم بقاء إكراهه (مدةً طويلة) أي زائدة على أربعة أيام صحاح (فلا قصر) أي ترخص (على المذهب)؛ لبعده عن هيئة المسافرين.

стр. 290

طَوِيلُ السَّفَرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةٌ. قُلْتُ: هُوَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ. وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، فَلَوْ قَطَعَ الْأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ قَصَرَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ للهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ، (فصل) في شروط القصر وهي ثمانية: أحدها سفر طويل، و (طويل السفر ثمانية وأربعون ميلا) ذهابا فقط تحديدا ولو ظنّا (هاشمية)؛ لما صحَّ أنَّ ابني عمر وعباس ﵃ كانا يقصران ويفطران في أربعة برد ومثله لا يكون إلا عن توقيف، والبريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام فهو ستة آلاف ذراع (قلت: هو مرحلتان بسير الأثقال) ودبيب الأقدام على العادة مع النزول المعتاد لنحو الاستراحة والأكل والصلاة فيعتبر زمن ذلك وإن لم يوجد، والمرحلتان يوم بليلته أو عكسه وإن لم يعتدلا أو يومان معتدلان بحيث يكونان بزمن يوم بليلته، ومثل اليومين ليلتان أو يوم وليلة (١). (والبحر كالبرّ) في اشتراط تلك المسافة (فلو قطع الأميال في ساعة)؛ لشدّة الهواء (قصر والله أعلم). (و) ثانيها علم مقصده، ولذا (يشترط قصد موضع) معلوم من حيث قدر المسافة ولو غير (معين) من حيث ذاته (أوَّلاً) -أي أول سفره-؛ ليعلم أنه طويل، نعم لو سافر متبوع بتابعه كأسير وقن وزوجة وجيش ولا يعرف مقصده قصر بعد المرحلتين؛ لتحقق الطول (٢)، ومثلهم ما لو قصد كافر مرحلتين ثمّ أسلم أثناءهما فيقصر فيما بقي؛ لقصده أوَّلاً ما يجوز له القصر فيه لو تأهل للصلاة، وبه يُفْرَق بينه وبين عاصٍ تاب فلا يحسب له ما قطعه قبل التوبة، (فلا قصر للهائم) وهو من لا يدري أين يتوجه وإن سلك طريقا مسلوكا (وإن طال تردده)؛ لأنه عابث فلا يليق به الترخص، نعم لو قصد مرحلتين أو أكثر قصر فيما قصده لا فيما زاد

стр. 291

وَلَا طَالِبِ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ. وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمْرِهِ فِي السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ، فَلَا قَصْرَ، عليه (١)، وسيعلم أن بعض أفراده حرام، (ولا طالب غريم وآبق) عقد سفره بنيةِ أن (يرجع متى وجده)، أما إذا طرأ ذلك العزم بعد قصد محل معين أولاً وبعد مجاوزة العمران فيترخص إلى أن يجده (ولا يعلم موضعه)؛ لأنه لم يعزم على سفر طويل، ومن ثمّ لو علم أنه لا يلقاه إلا بعد مرحلتين أو أكثر قَصَر في تلك المسافة التي علم أنه لا يلقاه فيها فقط لا في الزائد كالهائم. (ولو كان لمقصِده طريقان طويل وقصير) أما الطويلان فلا خلاف في جوازه فيهما (فسلك الطويل لغرضٍ كسهولة أو أمن) أو زيارة وإن قصد مع ذلك استباحة القصر، وكذا لو سلك الطويل لمجرد التنزه (٢)؛ لأنه غرض مقصود، ولذا لو سافر لأجله قصر أيضا (٣) بخلاف مجرد رؤية البلاد ابتداء أو عند العدول؛ لأنه غرض فاسد وسفره معصية (قصر وإلا) يكن له غرض صحيح كما لو قصد القصر فقط (فلا في الأظهر)؛ إذ يشبه من سلك قصيرا وطوَّله على نفسه حتى بلغ مرحلتين، والكلام في متعمد ذلك بخلاف نحو الغالط والجاهل بالأقرب فيقصران وإن لم يكن لهما غَرَضٌ في سلوكه. (ولو تبع العبد أو الزوجة أو الجندي) أو الأسير (مالك أمره في السفر ولا يعرف مقصده فلا قصر) إلا بعد مرحلتين لا قبلهما إلا إن علموا أن سفره يبلغهما، نعم مَن نوى من هؤلاء التابعين العالمين بطول سفره الهروبَ إن وجد فرصة أو الرجوع إن زال مانعه لم يترخص إلا بعدهما؛ لأنه حينئذٍ وجد سبب ترخصه يقينا فلم يؤثر فيه قصد قطعه قبل وجوده، والوجه أن رؤية قصر المتبوع العالم بشروط القصر بمجرد مفارقته لمحله كعلم مقصده بخلاف إعداده عدة كثيرة لا تكون إلا لسفر طويل؛ لاحتمال نيته الإقامة في مفازة قريبة طويلا، أما إذا عرف مقصد متبوعه وأنه على مرحلتين فيقصر وإن امتنع

стр. 292

فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ قَصَرَ الجُنْدِيُّ، دُونَهُمَا. وَلَوْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا انْقَطَعَ، فَإِنْ سَارَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ. وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ، فَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَلَا تَرَخُّصَ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ فَمَنْشَأُ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ على متبوعه القصر، (فلو نووا مسافة قصر) دون متبوعهم أو جهلوا حاله (قصر الجندي) المتطوع بالسفر مع الأمير (دونهما)؛ لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره بخلافهما كأسير وأجير العين، أما جندي مثبت في الديوان فلا أثر لنيته، وكذا جميع الجيش؛ لأنهم تحت يد الأمير وقهره. (ولو قصد سفرا طويلا فسار ثمّ نوى) المستقل (رجوعا) أو تردد فيه إلى وطنه مطلقاً، أو إلى غيره لغير حاجة (١) (انقطع) بمجرد نيته إن كان نازلاً، لا إن كان سائرا لجهة مقصده، (فإن سار فسفر جديد)، أما إذا نوى الرجوع إلى غير وطنه لحاجة فلا ينتهي سفره بذلك. (و) ثالثها جواز سفره بالنسبة للقصر وسائر الرخص إلا التيمم فإنه يلزمه لكن مع إعادة ما صلاه به كما مرّ فـ (لا يترخص العاصي بسفره (٢) كمن يُتْعِبُ نفسه ودابته بالركض من غير غرض أو يسافر لمجرد رؤية البلاد والنظر إليها، و (كآبق وناشزة) ومسافر بلا إذن أصل يجب استئذانه ومسافر عليه دين حال قادر عليه من غير أذن دائنه؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي (٣)، أما العاصي في سفره وهو من يقصد سفرا مباحا فيعرض له فيه معصية فيرتكبها فيترخص؛ لأن سبب ترخصه مباح، (فلو أنشأ مباحا ثمّ جعله معصية فلا ترخص) من حين الجعل (في الأصح) كالأول (ولو أنشأه عاصيا ثمّ تاب) توبة صحيحة، أما لو عصى بسفره يوم الجمعة ثمّ تاب فإنه لا يترخص حتى تفوت الجمعة (فمنشأ السفر من حين التوبة (٤).

стр. 293

وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. وَلَوْ رَعَُِفَ الْإِمَامُ المُسَافِرُ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا أَتَمَّ المُقْتَدُونَ، وَكَذَا لَوْ عَادَ الْإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ. وَلَوْ لَزِمَ الْإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ إمَامِهِ، أَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ، وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ أَتَمَّ، (و) رابعها عدم إقتداؤه بمتم و (لو) احتمالا، فمتى (اقتدى بمتم (١) ولو مسافراً (لحظة) ولو دون تكبيرة الإحرام كأن أدركه في آخر صلاته ولو من نحو صبح أو عيد أو راتبة (لزمه الإتمام)؛ لأن ذلك سنة أبي القاسم محمد ﷺ كما صحّ عن ابن عباس، (ولو) بطلت كأن (رعَُِف) كثيرا (٢) (الإمام المسافر) القاصر (واستخلف متما) ولو غير مقتدٍ به (أتم المقتدون) وإن لم ينووا الإقتداء به؛ لأنهم بمجرد الاستخلاف صاروا مقتدين به حكما، ومن ثم لحقهم سهوه وتحمَّل سهوهم، نعم إن نووا فراقه حين أحسوا بأول رعافه قبل تمام استخلافه قصروا كما لو لم يستخلفه هو ولا المأمومون أو استخلف قاصرا، (وكذا لو عاد الإمام واقتدى به. ولو لزم الإتمام مقتديا ففسدت صلاته أو صلاة إمامه أو بان إمامه محدثا) ومنه الجنب وذا نجاسة خفية؛ لما مرّ (أتم)؛ لأنها صلاة لزمه إتمامها فلم يجز له قصرها كفائتة الحضر. وخرج بفسدت ما لو بان عدم انعقادها لغير الحدث والخبث الخفي فله قصرها. (ولو اقتدى بمن ظنه مسافرا) فنوى القصر (فبان مقيما) -فقط- يعني متما (أو بمن جَهِل) حاله أو شك في (سفره أتم) وإن بان مسافرا قاصرا؛ لتقصيره بشروعه مترددا. وخرج بمقيما فقط ما لو بان مقيما محدثا فإن بانت الإقامة أوَّلاً وجب الإتمام كما لو اقتدى بمن علمه مقيما فبان حدثه أو الحدث أولاً أو بانا معاً فلا؛ إذ لا قدوة باطنا لحدثه وفي الظاهر ظنه مسافرا، ومن ثم لو اقتدى بمن ظن سفره ثمّ أحدث الإمام وظن المأموم مع عروض حدثه أنه نوى القصر ثمّ بان مقيما قصر، أما لو صحت القدوة بأن اقتدى بمن ظنه مسافرا ثم أحدث ولم يظن ذلك ثم بان مقيما فإنه يتم وإن علم حدثه أوّلاً، وإنما صحت الجمعة مع تبين حدث إمامها الزائد على الأربعين؛ اكتفاء فيها بصورة الجماعة بل حقيقتها؛ لقولهم إن الصلاة خلفه جماعةً كاملةٌ كما مر.

стр. 294

وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ قَصَرَ. وَلَوْ شَكَّ فِيهَا، فَقَالَ: إنْ قَصَرَ قَصَرْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ قَصَرَ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَّتُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَمْ يُتِمُّ، أَوْ فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ أَوْ قَامَ إمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ أَتَمَّ. وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلْإِتْمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، [تنبيه] إنما انعقدت الصلاة فيما ذكر فيمن نوى القصر في اقتدائه بمن علمه مقيما فبان حدثه؛ لأن المسافر من أهل القصر بخلاف مقيم نواه فتبطل؛ لتلاعبه، (ولو علمه) أو ظنه (مسافرا وشك في نيته) القصر؛ لكونه لا يوجبه (١) فجزم هو بنية القصر (قصر) إذا بان قاصرا; لأنه الظاهر من حاله، (ولو شك فيها فقال إن قصر قصرت وإلا أتممت قصر في الأصح) إن قصر; لأنه صرَّح بما في نفس الأمر فلم يضره ذلك، ولو فسدت صلاة الإمام وجب الأخذ بقوله في نيته ولو فاسقا، فإن جهل وجب الإتمام؛ احتياطا. (و) خامسها أنه (يشترط للقصر نيته) أو صلاة السفر أو الظهر مثلا ركعتين -وإن لم ينو ترخصا-; لأنه خلاف الأصل فاحتاج لصارف عنه بخلاف الإتمام (في الإحرام) كسائر النيات. (و) سادسها (التحرز عن منافيها دواما، و) عليه (لو أحرم قاصرا ثم تردد في أنه يقصر أم يتم، أو) شك (في أنه نوى القصر، أو قام إمامه لثالثة فشك) أي تردد (هل هو متم أم ساه أتم) وإن بان أنه ساه؛ للتردد في الأولى ولأن الأصل في الثانية عدم النية، ولا يفيد تذكرها عن قرب؛ لمضي جزء من صلاته على الإتمام، أما الثالثة فللزوم الإتمام على أحد احتمالين كالثانية، ومن ثم لو أوجب إمامه القصر كحنفي بعد ثلاث مراحل لم يلزمه إتمام؛ حملا لقيامه على السهو، (ولو قام القاصر لثالثة عمدا بلا موجب للإتمام بطلت صلاته) كما لو قام المتم لخامسة (وإن كان سهوا) فتذكر، أو جهلا فعلم (عاد) وجوبا (وسجد له) ; لأن عمده مبطل، وكذا لو صار للقيام أقرب؛ لما مر في سجود السهو، بل وإن لم يصر إليه أقرب؛ لأن تعمد الخروج عن حد الجلوس مبطل.

стр. 295

فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ عَادَ ثُمَّ نَهَضَ مُتِمًّا. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، فَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ أَتَمَّ. وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ عَلَى المَشْهُورِ إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ. وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ (وسلم، فإن أراد) حين تذكره (أن يتم عاد) وجوبا للجلوس (ثم نهض متما) -أي ناويا الإتمام-؛ لأن نهوضه أُلغي؛ لسهوه فوجبت إعادته. (و) سابعها (يشترط كونه مسافرا في جميع صلاته، فلو نوى الإقامة فيها) أو شك في نيتها (أو بلغت سفينة) فيها (دار إقامته) أو شك هل بلغته (أتم)؛ لزوال تحقق سبب الرخصة. وثامنها كونه عالما بجواز القصر. (والقصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ ثلاث مراحل) وإلا فالإتمام أفضل؛ خروجا من إيجاب أبي حنيفة القصر في الأول والإتمام في الثاني، نعم الأفضل لمن وجد في نفسه كراهة القصر أو شك فيه أو كان ممن يُقتدى به بحضرة الناس القصر مطلقا، بل يكره له الإتمام وكذا لدائم حدث لو قصر خلا زمن صلاته عن جريانه أما لو كان لو قصر خلا زمن وضوئه وصلاته عنه فيجب القصر. والأفضل في كل قصر اختُلف في جوازه الإتمام كملاح (١) معه أهله؛ خروجا من منع أحمد القصر له وكالواقع في الثمانية عشر يوما، و يجب القصر متى ضاق الوقت عن الإتمام كما لو أخر الظهر ليجمع تأخيرا إلى أن لم يبق من وقت القصر إلا ما يسع أربع ركعات فيقصرهما. ولو ضاق الوقت وأرهقه الحدث بحيث لو قصر مع مدافعته أدركها في الوقت من غير ضرر ولو أحدث وتوضأ لم يدركها فيه لزمه القصر، ولذا لو ضاق وقت الأولى عن الطهارة والقصر لزمه نية تأخيرها إلى الثانية؛ لقدرته على إيقاعها به أداء. (والصوم) مطلقا لمسافر سفر قصر (أفضل من الفطر إن لم يتضرر به)؛ تعجيلا لبراءة ذمته ولأنه الأكثر من أحواله ﷺ ، فإن تضرر به لنحو ألم يشق احتماله عادة فالفطر أفضل؛ لأنه ﷺ رأى رجلا صائما في السفر قد ظلل عليه فقال ((ليس من البر أن تصوموا في السفر))، أما إذا خشي منه نحو تلف منفعة عضو فيجب الفطر، فإن صام عصى وأجزأه، ولو خشي ضعفا مآلا لا حالا فالأفضل الفطر في سفر حج أو غزو. والفطر أفضل مطلقا لمن شك فيه أو وجد في نفسه كراهة الترخص أو كان ممن يُقْتَدى به بحضرة الناس وكذا سائر الرخص.

стр. 296

فصل يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا. وَالمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَكَذَا الْقَصِيرُ فِي قَوْلٍ، فَإِنْ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الْأُولَى فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَإِلَّا فَعَكْسُهُ. وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلَاثَةٌ: الْبُدَاءَةُ بِالْأُولَى، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ. وَنِيَّةُ الجَمْعِ، وَمَحَلُّهَا أَوَّلُ الْأُولَى، (فصل) في الجمع بين الصلاتين (يجوز) والأولى تركه إلا فيما يأتي (الجمع بين الظهر) كالجمعة (والعصر تقديما) في وقت الأولى (١) لغير المتحيرة (٢)؛ لأن شرطه ظن صحة الأولى (وتأخيرا، والمغرب والعشاء كذلك في السفر الطويل)؛ للاتباع (وكذا القصير في قول) كالتنفل على الراحلة، ويسن بعرفة ومزدلفة؛ للسفر، وكذا بغيرهما لمن شك فيه، أو وجد في نفسه كراهته أو كان ممن يُقتدى به، ولمن لو جمع اقترنت صلاته بكمال كخلو عن جريان حدث سلس وعري وانفراد، وكإدراك عرفة أو أسير بل قد تجب في هذين، (فإن كان سائرا وقت الأولى) وأراد الجمع وعدم مراعاة خلاف أبي حنيفة (فتأخيرها أفضل وإلا فعكسه)؛ للاتباع، وإن كان سائرا أو نازلا وقتهما فالتقديم أولى؛ لأن فيه المسارعة لبراءة الذمة، ومحل التفاضل المار إن لم يغلب على ظنه اقتران أحد الجمعين بكمال يرجحه وإلا فيرجح على الآخر سواء أكان سائرا أم نازلا. (وشروط) جمع (التقديم ثلاثة) بل أربعة: أحدها (البداءة بالأولى)؛ لأن الوقت لها والثانية تابعة والتابع لا يتقدم على متبوعه، فلو عكس بطلت الأولى وله الجمع، (فلو صلاهما فبان فسادها فسدت الثانية) أي لم تقع عن فرضه بل تقع نفلا مطلقا. (و) ثانيها (نية الجمع)؛ لتتميز عن تقديمها سهوا أو عبثا، (ومحلها) الأفضل (أول الأولى) كسائر المنويات.

стр. 297

وَيَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا فِي الْأَظْهَرِ. وَ المُوَالَاةُ بِأَلَّا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِهَا، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ. وَلِلْمُتَيَمِّمِ الجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ. وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ الْأُولَى بَطَلَتَا وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ تَدَارَكَ، (ويجوز في أثنائها) ومع تحللها، ولو نوى في الأولى فعل الجمع ثم تَرْكَهِ ثم نواه جاز أيضا، أما لو نوى تركه بعد تحلل الأولى ثمّ أراده ولو فورا لم يجز (١). ولو انعقدت صلاته في الحضر ثم سار -ولو بغير اختياره كما لو كان على سفينة- صحّ جمعه (في الأظهر)؛ لأنه ضم الثانية للأولى فما لم تفرغ الأولى فوقت ذلك الضم باق. (و) ثالثها (الموالاة بألا يطول بينهما فصل)؛ لأنه المأثور، فيصلي مثلاً سنة الظهر القبلية ثم الفرضين ثم سنة الظهر البعدية ثم سنة العصر وخلاف ذلك جائز، نعم لا يجوز تقديم راتبة الثانية قبلهما في جمع التقديم ولا تقديم بعدية الأولى قبلها مطلقا (٢)، (فإن طال ولو بعذر وجب تأخير الثانية إلى وقتها)؛ لزوال رابطة الجمع (ولا يضر فصل يسير)؛ لأنه ﷺ أمر بالإقامة بينهما، فلا يضر ولو بنحو جنون أو تردد في أنه نوى الجمع في الأولى إذا تذكرها على قرب، أو ردةٍ إن أسلم بعدها على قرب أيضا ولا تجب بعد إسلام المرتد إعادة نية الجمع، (ويعرف طوله) وقصره (بالعرف) ; لأنه لم يرد له ضابط ومن الطويل قدر صلاة ركعتين، ولو بأخف ممكن. (وللمتيمم) بين الصلاتين (الجمع على الصحيح، ولا يضر تخلل طلب خفيف) بأن كان دون قدر ركعتين كالإقامة. (ولو جمع) تقديما (ثم علم) بعد فراغهما أو في أثناء الثانية وقد طال الفصل فيهما بين سلام الأولى والتذكر (ترك ركن من الأولى بطلتا) الأولى لترك الركن وتعذر التدارك والثانية؛ لبطلان الأولى (ويعيدهما جامعا) تقديما أو تأخيرا؛ لأنه لم يُصلِّ، أما إذا لم يطل فيلغو ما أتى به من الثانية ويبني على الأولى، وخرج بالعلم الشك في غير النية والتحرم فلا يؤثر بعد فراغ الأولى كما مر، (أو من الثانية) بعد فراغها (فإن لم يطل) فصل عرفا بين سلامها وتذكرها (تداركـ) ـه.

стр. 298

وَإِلَّا فَبَاطِلَةٌ وَلَا جَمْعَ، وَلَوْ جَهِلَ أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا. وَإِذَا أَخَّرَ الْأُولَى لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَ المُوَالَاةُ، وَنِيَّةُ الجَمْعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الجَمْعِ وَإِلَّا فَيَعْصِي. وَتَكُونُ قَضَاءً. وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا فَصَارَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مُقِيمًا بَطَلَ الجَمْعُ. وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا لَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ تَأْخِيرًا فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يُؤَثِّرْ، (وإلا فباطلة)؛ لتعذر التدارك (ولا جمع)؛ لطوله، (ولو جهل) من أيهما هو (أعادهما لوقتيهما)؛ رعاية للأسوأ، نعم له جمع التأخير؛ إذ لا مانع له على كل تقدير. ورابعها دوام سفره إلى عقد الثانية كما يأتي. (وإذا أخَّر الأولى لم يجب الترتيب و الموالاة و نية الجمع) في الأولى (على الصحيح) ; لأن الوقت هنا للثانية والأولى هي التابعة فلم يحتج لشيء من تلك الثلاثة; لأنها إنما اعتبرت ثمّ لتتحقق التبعية؛ لعدم صلاحية الوقت للثانية، نعم تسن هذه الثلاثة هنا (ويجب) هنا شيئان: أحدهما (كون التأخير بنية الجمع) في وقت الأولى؛ وذلك لتتميز عن التأخير المحرم، ولابد من نية إيقاعها في وقت الثانية، فلو نوى التأخير لا غير عصى وصارت الأولى قضاء (وإلا) ينو أصلا أو نوى وقد بقي من وقت الأولى ما لا يسعها (فيعصي) ; لأن التأخير عن أول الوقت إنما جاز بشرط العزم عن الفعل (و) فيما إذا ترك النية من أصلها أو نوى وقد بقي من الوقت ما لا يسع ركعة (١) (تكون قضاء) بترك العزم قبل ما يسع ركعة؛ لأن العزم كالفعل. والرابع من شروط جمع التقديم دوام سفره إلى عقد الثانية كما قال: (ولو جمع تقديما فصار بين الصلاتين) أو قبل فراغ الأولى (مقيما) بنحو نية إقامة أو شك فيها (بطل الجمع)؛ لزوال سببه فيؤخر الثانية لوقتها والأولى صحيحة (و) إقامته (في الثانية و بعدها لا يبطل في الأصح)؛ صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد (٢)، (أو تأخيرا فأقام بعد فراغهما لم يؤثر) كجمع التقدم.

стр. 299

وَقَبْلَهُ يَجْعَلُ الْأُولَى قَضَاءً. وَيَجُوزُ الجَمْعُ بِالمَطَرِ تَقْدِيمًا. وَالجَدِيدُ مَنْعُهُ تَأْخِيرًا. وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ وُجُودُهُ أَوَّلَهُمَا. وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى. وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إنْ ذَابَا. وَالْأَظْهَرُ تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بِمُصَلٍّ جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ وثانيهما دوام سفره إلى تمامها كما قال (و) إقامته (قبله) -أي فرغهما- ولو في أثناء الثانية (يجعل الأولى قضاء) ; لأن الأولى تبع للثانية فاعتبر وجود سبب الجمع في جميع المتبوعة، وقضيته أنه لو قدَّم المتبوعة وأقام أثناء التابعة أنها تكون أداء واعتمده جمع وخالفه آخرون (١). (ويجوز) ولو للمقيم (الجمع) ولو جمعة وعصر كما مرّ (بالمطر) وإن ضعف بشرط أن يبل الثوب ومنه شَفّان (٢) (تقديما) بشروطه؛ لأنه ﷺ ((صلَّى بالمدينة سبعا جميعا وثمانيا جميعا من غير خوف ولا سفر)) قال الشافعي ﵁: ((أرى ذلك العذر المطر)) (والجديد منعه تأخيرا) ; لأن المطر قد ينقطع فيؤدي إلى إخراج الأولى عن وقتها بغير عذر (وشرط التقديم وجوده أولهما)؛ ليتحقق الجمع مع العذر (والأصح اشتراطه عند سلام الأولى)؛ ليتحقق اتصال آخر الأولى بأول الثانية في حال العذر، وعليه فيشترط امتداده بينهما وتيقنه له و لا يكفي الاستصحاب؛ لأنه رخصة فلا بد من تحقق سببها، (والثلج والبرد كمطرٍ إن ذابا) وبَلّا الثوب؛ لوجود ضابطه فيهما حينئذ بخلاف ما إذا لم يذوبا بحيث يبلانه، (والأظهر تخصيص الرخصة بالمصلي جماعة بمسجد) أو بغيره (بعيد)، نعم يجوز للإمام الجمع وإن كان قريبا كمن اتفق وجود المطر وهو بالمسجد (يتأذى) تأذيا لا يحتمل عادة (بالمطر في طريقه) ; لأن المشقة إنما توجد حينئذ بخلاف ما إذا انتفى شرط من ذلك، ولا يجوز الجمع بنحو وحل ومرض، نعم اختير جوازه بالمرض تقديما وتأخيرا، ويراعى الأرفق به، وضابط المرض ما يشق معه فعل كل فرض في وقته مشقة تبيح الجلوس في الفرض.

стр. 300

إنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ، وَمُكَاتَبٍ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ صَحَّتْ جُمُعَتُهُ، (باب صلاة الجُمُعة) وهي فرض عين، وصلاتها أفضل الصلوات. (إنما تتعين على كل) مسلم (مكلف)، نعم يؤمر بها الصبي كما مرّ، وتجب على متعدٍّ بمزيل عقله فيقضيها ظهرا كما مرّ (حر ذكر مقيم) بمحلها أو بما يسمع منه النداء (بلا) مرخِّص في ترك الجماعة كـ (مرض)، وضابطه أن يلحقه بالحضور مشقة كمشقة المشي في المطر أو الوحل (ونحوه) وإن كان أجير عين ما لم يخش فساد العمل بغيبته، وذلك؛ لخبر ((الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض))، نعم يسن لسيد أن يأذن لقنه ولعجوز في بذلتها أن تحضرها وكذا مريض أطاقه. ويجب السعي لها من حين الفجر على بعيد الدار، وظاهرٌ أنه لا يلزمه قبله وإن لم يدرك الجمعة إلا به. (١) (ولا جمعة على معذور بمرخص في ترك الجماعة)؛ لأنه صحّ أن من أعذرها المرض وألحقوا به ما في معناه مما مشقته كمشقته أو أشدّ وهو سائر أعذار الجماعة المارة لكن مما يمكن مجيئه هنا لا كالريح بالليل، ومن العذر هنا ما لو تعين الماء لطهر محل النجو ولم يجد ماء إلا بحضرة من يحرم نظره لعورته ولا يغض بصره عنها، للمشقة، وأيضا ما لو حلف غيره عليه أن لا يصليها؛ لخشيته عليه لو خرج إليها محذورا شهدت به قرينة لكن المحلوف عليه لم يخشه فيعذر؛ لأن إبراره كتأنيس المريض. (و) لا (مكاتب) ; لأنه عبد ما بقي عليه درهم (وكذا من بعضه رقيق) ولو في نوبته (على الصحيح)؛ لعدم استقلاله. (ومن صحت ظهره) ممن لا جمعة عليه (صحت جمعته).

стр. 301

وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الجَامِعِ إلَّا المَرِيضَ وَنَحْوَهُ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إنْ دَخَلَ الْوَقْتُ إلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ. وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الهَرِمَ وَالزَّمِنَ إنْ وَجَدَا مَرْكَبًا وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ وَالْأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا (وله) أي من لا تلزمه (أن ينصرف من) محل إقامتها كـ (الجامع) قبل الإحرام بها; لأن نَقْصَهُ المَانِعَ لا يرتفع بحضوره (إلا) من وجبت عليه لكنه عذر كـ (المريض ونحوه) ممن عذر بمرخص في ترك الجماعة، ولو كان عذره بأكلِ كريهٍ إن تضرر الحاضرون به ضرراً يحتمل، أو يسهل زواله بتوقي ريحه (فيحرم انصرافه إن دخل الوقت)؛ لزوال المشقة بحضوره (إلا أن يزيد ضرره بانتظاره) لفعلها فيجوز انصرافه ما لم تقم إلا إذا تفاحش ضرره بأن زاد على مشقة المشي في الوحل زيادة لا تحتمل عادة، فله الانصراف وإن أحرم بها، وللعبد أيضا قطعها إن أحرم بغير إذن سيده وترتب على عدم قطعها فوت نحو مال للسيد وتضرر السيد بغيبته ضررا لا يحتمل عادة بخلاف ما لو أراد الأنس به فقط، أما قبل الوقت فله الانصراف مطلقا، ولو أعمى لا يجد قائدا. [تنبيه] لو كان أربعون من نحو المرضى بمحل لم تلزمهم (١) إقامة الجمعة فيه وإن جوزنا تعددها لقيام العذر بهم، ولذا لو اجتمع في الحبس أربعون لم تلزمهم (٢) بل لم تجز لهم إقامة الجمعة فيه؛ لقيام العذر بهم، نعم لو لم يكن بالبلد غيرهم وأمكنهم إقامتها بمحلهم لزمتهم; لأنه لا تعدد هنا والحبس إنما يمنع وجوب حضور محلها، (وتلزم الشيخ الهرم (٣) والزمن (٤) والمراد من لا يستطيع المشي فيهما (إن وجدا مركبا) -ولو آدميا لم يزر به ركوبه- بإعارة لا مِنَّة فيها بأن تفهت المنفعة جدا أو إجارة بأجرة مثل وجدها فاضلة عما يعتبر في الفطرة (ولم يشق الركوب) كمشقة المشي في الوحل، (والأعمى يجد قائدا) ولو بأجرة مثل كذلك فإن فقده أو وجده بأكثر من أجرة المثل أو بها وفقدها أو لم تفضل عما مر لم يلزمه، وإن اعتاد المشي بالعصا و قرب الجامع منه؛ لأنه قد تحدث حفرة أو تصدمه دابة فيتضرر بذلك.

стр. 302

وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الجُمُعَةُ أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ، (وأهل القرية) مثلا (إن كان فيهم جمع تصح) أي تنعقد (به الجمعة) لزمتهم الجمعة و يحرم عليهم تعطيل محلهم منها والذهاب إليها في بلد أخرى وإن سمعوا النداء، (أو) ليس فيهم جمع كذلك، ولو بأن امتنع بعض من تنعقد به منها لكن (بلغهم) يعني معتدل السمع منهم إذا أصغى إليه ويعتبر كونه في محل مستو، ولو تقديرا (١)، والمراد بالمحلّ آخر طرف (٢) مما يلي بلد الجمعة (صوت عال) عرفا من مؤذن بلد الجمعة إذا كان يؤذن كعادته -في علو الصوت- في بقية الأيام وإن لم يكن على عالٍ سواء في ذلك البلدة الكثيرة النخل والشجر وغيرها; لأننا نقدر البلوغ بتقدير زوال المانع (في هدوء) للأصوات والرياح (من طرف يليهم لبلد الجمعة لزمتهم)؛ لخبر ((الجمعة على من سمع النداء)) (وإلا فلا) تلزمهم؛ لعذرهم. [فرع] لمن حضر العيد الذي وافق يومه يوم جمعة الانصراف بعده قبل دخول وقتها وعدم العود لها، وإن سمعوا تخفيفا عليهم، ومن ثم لو لم يحضروا لزمهم الحضور للجمعة. ولا تسقط بالسفر من محلها لمحل يسمع أهله النداء مطلقا; لأنه بالنسبة إليها كمحلة منها. (ويحرم على من لزمته) وإن لم تنعقد به كمقيم لا يجوز له القصر (السفر بعد الزوال)؛ لدخول وقتها (إلا أن تمكنه الجمعة) أي يتمكن منها بأن يغلب على ظنه إدراكها (في طريقه) أو مقصده، نعم يحرم السفر يوم الجمعة وإن تمكن منها في طريقه فيما إذا كان سفره لغير حاجة وتعطلت بسفره جمعة بلده (٣) حرم عليه أو لحاجة فلا وإن بطلت جمعة بلده، أما إذا غلب على ظنه عدم إدراكها أو شك فيه فلا يجوز سفره (أو) كان سفره غير معصية وكان (يتضرر بتخلفه عن الرفقة)؛ دفعا لضرره، لذا فمجرد الوحشة غير عذر هنا بخلافه في الجماعة كما

стр. 303

وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الجَدِيدِ إنْ كَانَ سَفَراً مُبَاحًا، وَإِنْ كَانَ طَاعَةً جَازَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّ الطَّاعَةَ كَالمُبَاحِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ تُسَنُّ الجَمَاعَةُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الْأَصَحِّ وَيُخْفُونَهَا إنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ. وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إلَى الْيَأْسِ مِنَ الجُمُعَةِ وَلِغَيْرِهِ كَالمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ تَعْجِيلُهَا تقدم، (وقبل الزوال كبعده في الجديد)؛ لأن الجمعة مضافة إلى اليوم، وقيَّد (١) التشبيه بقوله (إن كان سفرا مباحا وإن كان طاعة جاز) قطعا، وفيه خبر ضعيف (قلت: الأصح أن الطاعة كالمباح) في الحرمة (والله أعلم)، نعم إن احتاج السفر لإدراك نحو وقوف عرفة أو لإنقاذ نحو مال أو أسير جاز ولو بعد الزوال بل يجب لإنقاذ الأسير أو نحوه كقطع الفرض لذلك ويكره السفر ليلة الجمعة؛ لما رُوي أنه ((من سافر ليلتها دعا عليه ملكاه))، أما المسافر لمعصية فلا تسقط عنه; لأنه في حكم المقيم كما مرّ، وحيث حرم السفر هنا لم يترخص ما لم تفت الجمعة فيحسب ابتداء سفره من الآن. (ومَن لا جمعة عليهم) وهم بالبلد (تسن الجماعة في ظهرهم في الأصح)؛ لعموم أدلتها، أما من هم خارجها فتسن لهم إجماعا (ويخفونها) كأذانها ندبا (إن خفي عذرهم)؛ لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، ومن ثم كره إظهارها عند جمع بخلاف ما إذا كان ظاهرا. (ويندب لمن أمكن زوال عذره) كقن يرجو العتق ومريض يتوقع الشفاء، وإن لم يظن ذلك (تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة) بأن يرفع الإمام رأسه من ركوع الثانية أو يكون بمحل لا يصل منه لمحل الجمعة إلا وقد رفع رأسه منه؛ رجاء تحصيل فرض أهل الكمال، نعم لو أخروا الجمعة حتى بقي من الوقت قدر أربع ركعات لم يسن تأخير الظهر قطعا. ولو صلى الظهر ثم زال عذره وأمكنته الجمعة لم تلزمه بل تسن له إلا إن كان خنثى واتضح بالذكورة فتلزمه، (و) يندب (لغيره) وهو من لا يمكن زوال عذره (كالمرأة والزمن) العاجز عن الركوب وقد عزم (٢) على عدم فعل الجمعة وإن تمكن (تعجيلها) أي الظهر محافظة على فضيلة أول الوقت، أما لو عزم على أنه إن تمكن أو نشط فعلها فيسن له تأخير الظهر لليأس منها.

стр. 304

وَلِصِحَّتِهَا مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ فَلَا تُقْضَى جُمُعَةً، فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا صَلَّوْا ظُهْرًا. وَلَوْ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، وَفِي قَوْلٍ اسْتِئْنَافًا. وَالمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ [تنبيه] لو فاتت الجمعة غير المعذور وأيس منها لزمه فعل الظهر فورا ، ولو أحرم بالظهر قبل سلامهم من بالجمعة ولو احتمالا لم يصحّ؛ لأنها لازمة فلا ترتفع إلا بيقين، ولو لم يعلم سلام الإمام احتاط حتى يعلمه. ولو تركها أهل بلد فلا تصح ظهرهم حتى يضيق الوقت عن واجب الخطبتين والصلاة يقينا. (ولصحتها مع شرط غيرها شروط) خمسة: (أحدها وقت الظهر) بأن يبقى منه ما يسعها مع الخطبتين؛ للاتباع. ولو أمر الإمام بالمبادرة بها أو عدمها وجب امتثاله، (فلا) يجوز الشروع فيها مع الشك في سعة الوقت، ولا (تُقْضَى)، فيه تَجَوُّزٌ؛ لأن الجمعة أصل في نفسها لا بدل عن الظهر (جمعةًٌ) إذا فاتت بل ظهرا، (فلو ضاق) الوقت (عنها) أي عن أقل مجزئ من خطبتيها وركعتيها -ولو احتمالا- (صلوا ظهرا) كما لو فات شرط القصر يلزمه الإتمام، ولو شك في بقاء الوقت تَعيَّنَ الإحرام بالظهر. (ولو خرج) الوقت يقينا أو ظنا (وهم فيها (١) ولو قبيل السلام (٢) وإن كان ذلك بإخبار عدل (وجب الظهر)؛ لامتناع الابتداء بالجمعة بعد خروج وقتها ففاتت بفواته، ولم يؤثر هنا الشك بخلافه قبل الإحرام بها; لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ولو مَدَّ فيها حتى علم أن ما بقي منها لا يسعه ما بقي من الوقت انقلبت ظهرا من الآن (٣) (بناء)؛ لأنهما صلاتا وقت واحد فتعين بناء أطولهما على أقصرهما، (وفي قول استئنافا)؛ لاختلالها بخروج وقتها، ويرد بأن ذلك يؤدي إلى أن تكون الظهر قضاء، (والمسبوق) المدرك ركعة (كغيره) أي الموافق في أنه إذا خرج الوقت قبل الميم من سلامه لزمه إتمامها ظهرا، ولا نظر لكون جمعته تابعة لجمعة صحيحة؛ لأن الوقت أهم شروطها، ومن ثم لو سلم الإمام وحده أو بعض العدد المعتبر في

стр. 305

وَقِيلَ يُتِمُّهَا جُمُعَةً. الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ المُجَمِّعِينَ. وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَدًا فَلَا جُمُعَةَ فِي الْأَظْهَرِ الوقت والبقية خارجة بطلت صلاة المُسَلِّمِين في الوقت؛ لأنه بان بخروج الوقت قبل سلام الأربعين فيه أن لا جمعة، وفارق ذلك ما لو بان حدث غير الإمام فإنها تقع له جمعة بأن الجمعة تصح مع الحدث في الجملة كصلاة فاقد الطهورين، (وقيل يتمها جمعة) ; لأن المسبوق تابع لجمعة صحيحة. (الثاني أن تقام) بل الشرط كون الأربعين (١) فقط (٢) (في خطة) وهي محل معدود من البلد أو القرية لا يجوز لمريد السفر القصر فيه (أبنية) تعبيره للغالب؛ إذ في حكمها البناء الواحد، وكذا نحو الغيران (٣) والسراديب في نحو الجبل وأبنية نحو السعف، وقد تلزمهم إقامتها بغير أبنية بأن خربت فأقاموا لعمارتها بخلاف المقيمين لإنشائها؛ عملا بالأصل فيهما (أوطان المجمعين) المجتمعة بحيث تسمى بلدة أو قرية واحدة، ولو تعددت مواضع متقاربة وتميزّ كلٌّ باسم فإن عُدّ كلٌّ مع ذلك قرية مستقلة عرفا لزمت كلاً جمعة وإلا وجبت جمعة واحدة، (ولو لازم) أما إن كانوا يتنقلون في نحو الشتاء فلا جمعة جزما (أهل الخيام) محلاً من (الصحراء) أما لو استوطنوا وكانت خيامهم خلال الأبنية فتلزمهم وتنعقد بهم (أبدا فلا جمعة في الأظهر) ; لأن قبائل العرب كانوا حول المدينة ولم يأمرهم ﷺ بحضورها، ولا تصح منهم بمحلهم، نعم لو سمعوا النداء من محلها بشروطه السابقة لزمتهم فيه تبعا لأهله.

стр. 306

الثَّالِثُ: أَلَّا يَسْبِقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا إلَّا إذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ، وَقِيلَ لَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ إنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شِقَّيْهَا كَانَا كَبَلَدَيْنِ، وَقِيلَ إنْ كَانَتْ قُرىً فَاتَّصَلَتْ تَعَدَّدَتِ الجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا، فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، (الثالث ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في بلدتها) مثلا؛ لأنها لم تفعل في زمنه ﷺ ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا في موضع واحد (١) (إلا إذا كبرت) ذكره إيضاحا (و) المدار على تيقن (عسر) أي مشقة لا تحتمل عادة (اجتماعهم) أي اجتماع مَن يغلب فعلهم لها عادة (في مكان) واحد منها، ولو غير مسجد فتجوز الزيادة بحسب الحاجة، وتجوز أيضا إن كان بينهم قتال أو بعدت أطراف البلد لكن إن كان البعيد بمحل لو خرج منه عقب الفجر لم يدركها; لأنه لا يلزمه السعي إليها إلا بعد الفجر (٢)، وفي هاتين تلزم الجمعة كلَّ جماعةٍ بعيدة أو بينها قتال وبلغت أربعين، (وقيل لا تستثنى هذه الصورة) وتتحمل المشقة، (وقيل إن حال نهر عظيم) يُحوِج إلى سياحة (بين شقيها كانا كبلدين، وقيل إن كانت قرى) متفاصلة (فاتصلت تعددت الجمعة بعددها)؛ استصحابا (فلو سبقها جمعة) بمحلها حيث لا يجوز فيه التعدد (فالصحيحة السابقة)؛ لجمعها الشرائط، أما ما يجوز فيه التعدد فتعددت بزيادة على الحاجة فتصح السابقات إلى أن تنتهي الحاجة ثم تبطل الزائدات، ومن شك في أنه من الأولين أو الآخرين أو في أن التعدد لحاجة أو لا لزمته الإعادة، ولو أخبر عدلُ رواية أو معذورٌ طائفةً بأنهم مسبوقون بأخرى أتموها ظهرا والاستئناف أفضل، ومحله إن لم يمكنهم إدراك جمعة السابقين (٣) وإلا لزمهم القطع لإدراكها.

стр. 307

وَفِي قَوْلٍ إنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَالمُعْتَبَرُ سَبْقُ التَّحَرُّمِ، وَقِيلَ التَّحَلُّلِ، وَقِيلَ بِأَوَّلِ الخُطْبَةِ فَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ شَكَّ اُسْتُؤْنِفَتِ الجُمُعَةُ، وَإِنْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ صَلَّوْا ظُهْرًا، وَفِي قَوْلٍ جُمُعَةً (وفي قول إن كان السلطان) أو نائبه أو الإمام الذي ولَّاه (مع الثانية) أو أذن فيها (فهي الصحيحة (١). والمعتبر سبق التحرم) براء أكبر من الإمام؛ لأن به يتبين الانعقاد، (وقيل) سبق الهمزة، وقيل سبق (التحلل) أي ميم المتأخر من ((عليكم)) أو ((السلام)) (٢)، وذلك؛ للأمن بعده من عروض مفسد للصلاة، (وقيل بأول الخطبة)؛ بناء على أن الخطبتين بدل عن الركعتين، (فلو وقعتا معا أو شك) في المعية، والمراد بالشرع فيها وقوعها على حال تمكن معها المعية، ولا أثر لاحتمال تقدم أحدهما حينئذ؛ لأن المدار على ظنّ المكلف دون نفس الأمر، نعم تسن مراعاته بأن يصلوا الظهر بعد الجمعة (استؤنفت الجمعة) إن اتسع الوقت، فإن أيسوا منها صلوا ظهرا (٣) وجماعتهم فيها حينئذ فرض كفاية، ولا أثر للتردد مع إخبار العدل بسبق أو غيره; لأن الشارع أقام إخباره في نحو ذلك مقام اليقين، ومن ثمّ لو شَكُّوا في المعية فأخبر عدل بعض الأربعين بسبق جمعتهم لم يلزمهم استئناف؛ لأنهم غير شاكِّين بخلاف الباقين يلزمهم إن أمكنهم بشروطه، (وإن سبقت إحداهما ولم تتعين) كأن سمع مسافر تكبيرتين متلاحقتين وجهل المتقدمة منهما (أو تعينت ونسيت صلوا ظهرا)؛ عملا بالأسوأ لأن الأصل بقاء الفرض في حق كلٍّ، (وفي قول جمعة) ; لأن المفعولتين غير مجزئتين.

стр. 308

الرَّابِعُ: الجَمَاعَةُ وَشَرْطُهَا كَغَيْرِهَا، وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا مُسْتَوْطِنًا لَا يَظْعَنُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا لِحَاجَةٍ، (الرابع الجماعة (١) في الركعة الأولى بخلاف العدد لابد من بقائه إلى سلام الكل حتى لو أحدث واحد من الأربعين قبل سلامه -ولو بعد سلام من عداه- بطلت جمعة الكل؛ لأنه يُبْطِل صورة العدد، بخلاف ما لو بان حدثه بعد السلام فتصح صلاة الباقين كما سيأتي، ولا يشترط (٢) تقدم إحرام من تنعقد بهم على غيرهم؛ لأن الإمام هو الأصل وغيره تبع له فحيث انعقدت له لم يُنْظَر للمأمومين. (وشرطها كغيرها) كالقرب وعدم المخالفة الفاحشة وغير ذلك مما مر إلا نية الاقتداء والإمامة فإنهما شرطان هنا للانعقاد كما مر (و) اختصت باشتراط أمور أخرى منها (أن تقام بأربعين)؛ لما صح أن أول جمعة صُلِّيت بالمدينة كانت بأربعين وهو أقلّ ما ورد، فلو غاب بعض الأربعين فصلوا الظهر أو أحرموا بها ثمّ قدم الغائب في الوقت لم تلزمهم إقامتها جمعة (٣). وشرط انعقادها بهم كون كلّ منهم (مكلفا) مميزا ليخرج السكران (حرا (٤) ذكرا) وإن كانوا من الجنّ إن علم بعد العلم بوجودهم وجود الشرط فيهم، وتنعقد أيضاً بالمريض وإن لم تلزمه، ولا تنعقد بمن صلاها في قرية أخرى. ولو كمل العدد بخنثى وجبت الإعادة وإن بان رجلا، ولو أحرم بأربعين فيهم خنثى فانفض واحد وبقي الخنثى لم تبطل; لأن الأصل بقاء الانعقاد (مستوطنا) بمحل إقامتها، فلا تنعقد بمن يلزمه حضورها من غير المستوطنين؛ لأنه ﷺ لم يقم الجمعة بعرفة في حجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياما، ومر أن من توطن خارج السور لا تنعقد به الجمعة داخله وعكسه; لأن السور يجعلهما كبلدتين منفصلتين، ولو لزمته فاتته وأمكنه إدراكها في بلدِهِ كجواز تعددها فيه لزمته، بل تلزمه في بلد أخرى إن سمع النداء منها (لا يظعن) أي يسافر (شتاء ولا صيفا إلا لحاجة)، فلا تنعقد بمسافر

стр. 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومقيم على عزم عوده لوطنه ولو بعد مدة طويلة، ومن له مسكنان فالمعتبر ما إقامته به أكثر فإن استوت بهما فما فيه أهله أو ماله (١) فإن كان بكلّ أهل أو مال أعتبر ما به أحدهما دائما أو أكثر أو بواحد أهل وبالآخر مال أعتبر ما فيه الأهل فإن استويا في ذلك انعقدت به في كل منهما، ثمّ إن شرط المحلين أو المسكنين أن يكونا معينين يتنقل المتوطنون من أحدهما إلى الآخر ولا يتجاوزونهما إلى غيرهما، أما إن كانوا بمحل شتاء وبآخر صيفا مثلا ولم يتوطنوا محلين معينين كما مرّ فلا يكونوا مستوطنين بواحد منهما. ولو فارق أهلُ بلدٍ بلدهم في الصيف إلى مصايفهم فإن سافروا عنها -ولو سفرا قصيرا- لم تنعقد بهم في تلك المصايف وإن لزمتهم إن أقيمت جمعة معتبرة، وانعقدت بهم الجمعة في بلدهم لو عادوا إليها، أما إن خرجوا عن مساكنهم فقط فلا يكون هذا سفرا فتلزمهم الجمعة ولو فيما خرجوا إليه إن عُدَّ من الخطة وإلا لزمتهم فيها. ولو أكره الإمام أهل بلد على سكنى غيرها فامتثلوا لكنهم عازمون على الرجوع لبلدهم متى زال الإكراه لم تنعقد بهم في الثانية بل في الأولى لو عادوا إليها. ولو خرج بعد الفجر أهل البلد كلهم لحاجة كالصيف وأمكنهم إقامة الجمعة بوطنهم فالأحوط أنه يلزمهم السعي إليها من حين الفجر؛ لحرمة تعطيلها، وعُلم مما مرّ في التيمم أنه يشترط للانعقاد أيضا إغناء صلاتهم عن القضاء، وسيعلم مما يأتي أن شرطهم أيضا أن يسمعوا أركان الخطبتين وأن يكونوا قُرَّاء أو أميين متحدين في المعوز (٢) عنه من الحروف التي لا يحسنونها (٣) لكن بشرط أن يكون فيهم من يحسن الخطبتين، فلو كانوا قرّاء إلا واحداً منهم فإنه أميّ لم تنعقد بهم الجمعة، ولا فرق هنا بين أن يُقَصِّر الأمي في التعلم وأن لا (٤) ; لأن الجماعة المشروطة هنا للصحة صيَّرت بينهما ارتباطا كالارتباط بين صلاة الإمام والمأموم فصار كاقتداء قارئ بأمي، على أن المقصر لا يحسب من العدد; لأنه إن أمكنه التعلم قبل خروج الوقت فصلاته باطلة وإلا فالإعادة لازمة له. ولا تنعقد بأربعين أخرس؛ لتعذر الخطبة حينئذ. ولو كان في الأربعين مَن

стр. 310

وَالصَّحِيحُ انْعِقَادُهَا بِالمَرْضَى. وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ. وَلَوِ انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الخُطْبَةِ لَمْ يُحْسَبِ المَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِهِ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِنِ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، لا يعتقد وجوب بعض الأركان كحنفي صح حسبانه من الأربعين، وإن شك في إتيانه بجميع الواجب عندنا كما تصح إمامته بنا مع ذلك؛ لأن الظاهر توقيه للخلاف بخلاف ما إذا عُلم منه مفسد عندنا فلا يحسب؛ لبطلان صلاته عندنا كما مرّ، (والصحيح انعقادها بالمرضى)؛ لكمالهم، لكن إن لم يصلوا الظهر (وأن الإمام لا يشترط كونه فوق أربعين). (ولو انفضَّ الأربعون) يعني العدد المعتبر ولو تسعة وثلاثين إذا كان الإمام كاملا، والانفضاض مثال والضابط النقص (أو بعضهم في الخطبة لم يحسب المفعول في غيبتهم (١)؛ لاشتراط سماعهم لجميع أركانها (ويجوز البناء على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل) عرفا، وإن انفضوا لغير عذر; لأن اليسير لا يقطع الموالاة، (وكذا بناء الصلاة على الخطبة إن انفضوا بينهما) وعادوا قبل طول الفصل عرفا؛ لذلك، (فإن عادوا بعد طوله) عرفا (٢) بأن أبطل الموالاة في جمع التقدم (وجب الاستئناف في الأظهر) وإن انفضوا بعذر; لأن ذلك (٣) لم يُنقل إلا متواليا. (وإن انفضوا) بمفارقة أو بطلان صلاة بالنسبة للركعة الأولى وببطلان صلاة بالنسبة للثانية؛ لما مر أن بقاء العدد شرطٌ إلى السلام بخلاف الجماعة فإنها شرط في الأولى فقط (في الصلاة) ولم يحرم عقب انفضاضهم في الركعة الأولى أربعون سمعوا الخطبة (٤) (بطلت) الجمعة

стр. 311

وَفِي قَوْلٍ لَا إنْ بَقِيَ اثْنَانِ. وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالمُسَافِرِ فِي الْأَظْهَرِ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ. وَلَوْ بَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الْأَظْهَرِ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَمَنْ لَحِقَ الْإِمَامَ المُحْدِثَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ .... فيتمونها ظهرا (١)؛ لأن العدد شرطٌ ابتداءً فكذا دواما كالوقت فعليه لو تباطؤا حتى ركع فلا جمعة (٢)، وإن أدركوه قبل الركوع اشترط أن يتمكنوا من الفاتحة والركوع قبل قيام الإمام عن أقل الركوع، وشرط الخالفين سماع الخطبتين كما مرَّ، أما إذا لم يسمعوها فلا بد من إحرامهم قبل انفضاض السامعين، وفي هذه الحالة لا يشترط تمكنهم في الفاتحة؛ لأنهم تابعون لمن أدركها، وبه يُعْلم أنهم لو لم يدركوا الفاتحة قبل انفضاضهم اشتراط إدراك هؤلاء لها، وما تقرر من جواز تبعيض صلاة الجمعة يفارق الخطبة إذا انفض أربعون سمعوا بعضها وحضر أربعون قبل انفضاضهم فلا يكفي سماعهم لباقيها بأن الارتباط فيها غير تام بخلاف الصلاة، (وفي قول لا) يضر (إن بقي اثنان) مع الإمام؛ لوجود مسمى الجماعة، ولو غاب بعض الأربعين فصلوا الظهر ثم قدم الغائب في الوقت لم يلزمهم إعادتها جمعة. [تنبيه] ما مر من اشتراط إدراك الأربعين قدر الفاتحة في الأولى شامل للجائين بعد الانفضاض وفي أربعين حضروا معه أوّلاً وتباطئوا عنه ؛ لأن انفراد الإمام أوّلاً حتى لحقوه كانفراده في الأثناء (وتصح خلف) المتنفل وكلٍّ مِن (العبد والصبي والمسافر في الأظهر إن تم العدد بغيره)؛ لصحتها منهم، أما إن تم به فلا تصح جزما. (ولو بان الإمام جنبا أو محدثا صحت جمعتهم في الأظهر إن تم العدد بغيره) كما في سائر الصلوات، ومثل ذلك عكسه وهو ما لو بان المأمومون أو بعضهم محدثين فتحصل الجمعة للإمام والمتطهر منهم تبعا له أي واغتفر في حقه فوات العدد هنا دون ما في المتن; لأنه متبوع مستقل، وتقدم أنه لو أحدث واحد من الأربعين قبل سلامه بطلت جمعة الكل (وإلا) يتم (فلا) تصح؛ لما مر (ومن لحق الإمام المحدث راكعا لم تحسب ركعته على الصحيح) أما لو طرأ حدثه بعد إدراك المأموم للركوع معه فتحسب له كما مرّ.

стр. 312

الخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ فِي الخُطْبَتَيْنِ. وَالرَّابِعُ قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، (الخامس خطبتان)؛ لما في الصحيحين أنه ﷺ ((لم يصل الجمعة إلا بخطبتين)) (قبل الصلاة) إجماعا، وقُدِّمت؛ لأنها شرط بخلاف خطبتي العيد فإنها تكملة. (وأركانهما خمسة) ولا يؤثر الشك بعد فراغها في ترك ركن منها (حمد الله تعالى)؛ للاتباع (والصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لخبر ((قال الله تعالى وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي))، (ولفظهما متعين) ; لأنه الذي مضى عليه الناس في عصره ﷺ إلى الآن، فلا يكفي ثناء وشكر ولا الحمد للرحمن مثلا فلفظة ((الله)) متعينة كما يتعين اسم ظاهر من أسمائه ﷺ فلا يكفي ضمير كصلى الله عليه وإن تقدم له ذكر، ولا يتعين لفظ رسول بل يكفي لفظ محمد وأحمد والنبي والحاشر ونحوها مما ورد وصفه به، ولا يتعين أيضا لفظي الحمد والصلاة بالتعريف، بل يكفي أنا حامد لله وحمدت الله وأحمد الله وحمدا لله وصلى وأصلي ونصلي، ويكفي أيضا لله الحمد كعليكم السلام، ولا يشترط قصد الدعاء بالصلاة; لأنها موضوعة لذلك شرعا، (والوصية بالتقوى) ; لأنها المقصود من الخطبة فلا يكفي مجرد التحذير من الدنيا فإنه مما تواصى به منكرو الشرائع بل لا بد من الحث على الطاعة والزجر عن المعصية ويكفي أحدهما للزوم الآخر له (١)، (ولا يتعين لفظها على الصحيح)؛ لأن الغرض الوعظ، فيكفي أطيعوا الله، (وهذه الثلاثة أركان في) كل واحدة من (الخطبتين)؛ لأن كل خطبة مستقلة، (والرابع قراءة آية) مفهمة لا كـ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ المدثر: ٢١، وإن تعلقت بحكم منسوخ أو قصة لا بعض آية، وإن طال (٢)؛ لأنه ﷺ ((كان يقرأ سورة ﴿ق﴾ في كل جمعة على المنبر)) (في إحداهما)؛ لثبوت أصل القراءة دون محلها، ويسن كونها في الأولى بل يسن بعد فراغها سورة ﴿ق﴾ دائما؛ للاتباع، ويكفي في أصل السنة قراءة بعضها، ولو قرأ آية بقصد الوعظ أو

стр. 313

وَقِيلَ فِي الْأُولَى، وَقِيلَ فِيهِمَا، وَقِيلَ لَا تَجِبُ. وَالخَامِسُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَبَعْدَ الزَّوَالِ. وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إنْ قَدَرَ. وَالجُلُوسُ بَيْنَهُمَا الحمد مع مقصد القراءة حصلت ركنية القراءة وكذا إن أطلق (١)، فإن قصد بها أحدهما حصل ولا يحصلان معا؛ لأن الشيء الواحد لا يُؤدَّى به فرضان مقصودان. ولو أتى بآيات تشتمل على الأركان كلها -ما عدا الصلاة؛ لعدم آية تشتمل عليها- لم تجزئ; لأنها لا تسمى خطبة، (وقيل في الأولى) مقابلة للدعاء في الثانية، (وقيل فيهما) كالثلاثة الأُول، (وقيل لا تجب)؛ لأن المقصود الوعظ، (والخامس ما يقع عليه اسم دعاء) أخروي (للمؤمنين)، وإن لم يتعرض للمؤمنات؛ لأن المراد الجنس الشامل لهن؛ لنقل الخلف له عن السلف (في الثانية) ; لأن الأواخر به أليق ويكفي تخصيصه بالسامعين لا بالغائبين، (وقيل لا يجب)، ويسن الدعاء لولاة المسلمين وجيوشهم بالصلاح والنصر والقيام بالعدل ونحو ذلك بشرط أن لا يطيله بحيث يقطع الموالاة، أما وصف الولاة المُخَلِّطُون بما فيهم من الخير فمكروه إلا لخشية فتنة وبما ليس فيهم حرام إلا لفتنة فيوري ما أمكنه، وذكر المناقب لا يقطع الوِلاء ما لم يعد به معرضا عن الخطبة. (ويشترط كونها) أي الأركان (عربية)؛ للاتباع، نعم إن لم يكن فيهم من يحسنها ولم يمكن تعلمها قبل ضيق الوقت خطب منهم واحد بلسانهم، وإن أمكن تعلمها وجب على كل منهم، فإن مضت مدة إمكان تعلم واحد منهم ولم يتعلم عصوا كلهم ولا جمعة لهم بل يصلون الظهر، وفائدتها بالعربية مع عدم معرفتهم لها العلم بالوعظ في الجملة (مرتبة الأركان الثلاثة الأُوَل) ; لأنه الذي جرى عليه الناس. ولا ترتيب بين الأخيرين، ولا بينهما وبين الثلاثة (و بعد الزوال)؛ للاتباع (والقيام فيهما إن قدر) فإن عجز جلس والأولى أن يستخلف، فإن عجز فمضطجعا (٢) (والجلوس) بطمأنينة (بينهما)؛ للاتباع، ويجب على نحو الجالس الفصل بسكتة ولا يجزئ عنها الاضطجاع. ولا يجب الجلوس بنية الخطبة بل الشرط عدم

стр. 314

وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ. وَالجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلَامُ، وَيُسَنُّ الْإِنْصَاتُ الصارف، و لو لم يجلس حسبتا واحدة فيجلس ويأتي بالثانية (وإسماع) بالفعل (١) لا بالقوة فلا تصح مع وجود لغط (٢) يمنع السماع (أربعين) أي تسعة وثلاثين، وهو لا يشترط إسماعه ولا سماعه؛ لأنه وإن كان أصم يفهم ما يقول (كاملين) ممن تنعقد بهم الأركان المار ذكرهم. ولا يشترط طهرهم ولا كونهم بمحل الصلاة ولا فهمهم لِمَا يسمعونه (٣) (والجديد أنه لا يحرم) بل يكره (عليهم) أي الحاضرين -وإن لم يسمعوا- (الكلام)؛ لما صحّ ((أن رجلا سأل رسول ﷺ عن الساعة وهو يخطب ولم يُنكِر عليه (٤)، ولا يحرم قطعا الكلام على خطيب ولا على من لم يستقر في موضع ولا على سامع خشي وقوع محذور بغافل بل يجب عليه عينا إن انحصر الأمر فيه وظن وقوعه به لولا تنبيهه أن ينبهه عليه، ولا يحرم أيضا (٥) أن يُعَلِّم غيره خيرا ناجزا أو ينهاه عن منكر بل قد يجب في هذين أيضا إن كان التعليم لواجب مضيق والنهي عن محرم، نعم يسن له أن يقتصر على إشارة كفت، أما الخير والنهي الغير واجبين فيسنان بكلام يسير. (ويسن الإنصات) أي السكوت مع الإصغاء لما لا يجب سماعه، ومنه يعلم أنه لو كان من الحاضرين أربعون تلزمهم فقط حرم على بعضهم كلام فوته سماع ركن؛ لتسببه إلى إبطال الجمعة. ويسن الإنصات وإن لم يسمع الخطبة؛ خروجا من الخلاف، نعم الأولى لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا؛ لئلا يشوش على غيره، ولا يكره الكلام لمن أبيح له قطعا ممن ذكر وغيره ككونه قبل الخطبة أو بعدها أو بينهما ولو لغير حاجة. ويكره للداخل أن يسلم -أي وإن لم يأخذ لنفسه مكانا-؛ لاشتغال المُسَلَّم عليهم فإن سلم لزمهم الرد; لأن الكراهة لأمر خارج، ويسن تشميت العاطس والرد عليه; لأن سببه قهري، ورفع الصوت من غير مبالغة بالصلاة والسلام عليه ﷺ عند ذكر الخطيب له. ويسن أيضا صلاة ركعتين بنية التحية وهو الأولى أو راتبة الجمعة القبلية إن لم يكن صلاها وحينئذ الأولى أن ينوي التحية معها، فإن

стр. 315

قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَرْكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ المُوَالَاةِ، وَطَهَارَةِ الحَدَثِ وَالخَبَثِ وَالسَّتْرِ أراد الاقتصار فالأولى نية التحية؛ لأنها تفوت بفواتها بالكلية (١) إذا لم تنو، فإن نوى أكثر منهما أو صلاة أخرى بقدرهما لم تنعقد، ويلزمه أن يقتصر فيهما على أقل مجزئ (٢) ويخفف كذلك باقي أي صلاة طرأ جلوس الإمام على المنبر قبل الخطبة وهو فيها، فلو طولها على أقلّ مجزئ بطلت; لأن الحرمة ذاتية، ويحرم ولا تنعقد على من لم تسن له التحية (٣) كجالس بعد جلوس الإمام على المنبر صلاة نفل أو فرض وإن لزمه فورا أو في حال الدعاء للسلطان؛ لأن في الصلاة إعراضا عن الخطيب بالكلية، ولذا فليس مثلها طواف وسجدة تلاوة أو شكر (٤). [فرع] كتابه الحفائظ آخر جمعة من رمضان بدعة منكرة ؛ لتفويت سماع الخطبة والوقت الشريف مع ما فيها من الألفاظ مجهولة؛ إذ يحرم كتابة وقراءة الكلمات المجهولة التي لا يُعرف معناها، (قلت: الأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط) بل مندوب (والله أعلم)؛ لأن تركه لا يخل بالمقصود، (والأظهر اشتراط الموالاة) بين أركانهما وبينهما وبين الصلاة بأن لا يفصل بفصل طويل عرفا بما لا تعلق له بما هو فيه، وضابط العرف قدر ركعتين بأقلِّ مجزئ، (وطهارة الحدث) فإن سبقه تطهر واستأنف وإن قرب الفصل كالصلاة، ويفرق بين وجوب الاستئناف حينئذ وجواز البناء فيما لو استخلف الخطيب من سمع ما مضى بأن الأول فيه تكميل لما فسد بحدثه وهو ممتنع (والخبث) الذي لا يعفى عنه في الثوب والبدن والمكان وما يتصل بها بتفصيله السابق في المصلي (والستر) ; لأنه ﷺ كان يصلي عقب الخطبة فالظاهر أنه كان يخطب وهو متطهر مستور.

стр. 316

وَتُسَنُّ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ مُرْتَفِعٌ. وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ المِنْبَرِ وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إذَا صَعِدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ ثُمَّ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً مَفْهُومَةً قَصِيرَةً. وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا (وتسن على منبر) ولو في مكة؛ للاتباع، ويسن وضعه على يمين المحراب المُصَلَّى فيه؛ إذ القاعدة أن كل ما قابلته يسارك يمينه وعكسه، ومنبره ﷺ كان ثلاث درج غير المسماة بالمستراح، ويسن الوقوف على التي تلي المستراح؛ للاتباع، نعم إن طال وقف على السابعة (أو مرتفع) إن فُقِد المنبر; لأنه أبلغ في الإعلام فإن فُقِد استند لنحو خشبة، (ويسلم) ندبا إذا دخل من باب المسجد؛ لإقباله عليهم، ثم (على من عند المنبر) إذا انتهى إليه؛ للاتباع، و لو تعددت الصفوف بين الباب والمنبر سَلَّم على كل صف أقبل عليهم، ومرّ أنه يكره له تحية المسجد بشرطه، فإذا صعد سلم ثالثا; لأنه استدبرهم في صعوده فكأنه فارقهم، (وأن يقبل عليهم) بوجهه كهم; لأنه اللائق بأدب الخطاب ولما فيه من توجههم للقبلة، ولذا كره خلافه إلا في المسجد الحرام؛ للحاجة لذلك غالبا (إذا صعد) الدرجة التي تلي مجلسه وتسمى المستراح، (ويسلم عليهم)؛ للاتباع (ويجلس، ثم يُؤذَِّن بين يديه) والأولى اتحاد المؤذن -إلا لعذروبفراغ الأذان وما يسن بعده من الذكر يشرع في الخطبة، والاقتصار على الأذان الثاني أفضل- إلا لحاجة كأن توقف حضورهم على الأذان الأول بالمنائرـ؛ لأن الأذان الأول محدث. [تنبيه] يندب اتخاذ مرقٍ للخطيب يقرأ الآية والخبر المشهورين (١)؛ قياسا؛ لأنه ﷺ أمر من يستنصت له الناس عند إرادته خطبة منى، (وأن تكون بليغة)؛ لأنها أوقع في القلب بخلاف المبتذلة كالمشتملة على ألفاظ عاميّة، ويحسن أن يضمنها آيات وأحاديث مناسبة لما هو فيه، وأن يذكر ما يناسب الزمن والأحوال العارضة؛ للاتباع (مفهومة) أي قريبة الفهم لأكثر الحاضرين؛ لأن الغريب الوحشي لا ينتفع به، وتكره الكلمات المشتركة بين معانٍ على السواء والبعيدة عن الأفهام وما تنكره عقول بعض الحاضرين بل قد يحرم الأخير إن أوقع في محظور (قصيرة) يعني متوسطة; لأن الطويلة تمل وللأمر في خبر مسلم بقصرها وتطويل الصلاة، فهي قصيرة بالنسبة للصلاة وإن كانت متوسطة في نفسها، (ولا يلتفت يمينا وشمالا) ولا خلفا (في شيء منها) ;

стр. 317

وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا وَنَحْوِهِ. وَيَكُونَ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا نَحْوَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ. وَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا شَرَعَ المُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَبَادَرَ الْإِمَامُ لِيَبْلُغَ المِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ. وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى الجُمُعَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ المُنَافِقِينَ جَهْرًا. لأن ذلك بدعة، ويكره دق الدرج في صعوده والدعاء قبل الجلوس بل يكون الدعاء من جلوسه للأذان إلى فراغ الصلاة؛ لأنها ساعة الإجابة، ولا يذكر شعرا فيها، (وأن يعتمد) في حال خطبته (على سيف أو عصا) ونحوه كالقوس؛ للاتباع، ويقبض ذلك بيده اليسرى؛ لأنه العادة في مريد الضرب والرمي، ويشغل يمينه بحرف المنبر الذي ليس عليه ذرق طير ولا به نحو عاج (١) وإلا بطلت إن مست يده ذلك، فإن لم تمسه فإن قبض المنبر بها وانجر بجره أبطل وإلا فلا، فإن لم يشغلها به وضع اليمنى على اليسرى أو أرسلهما إن أمن العبث، (ويكون جلوسه بينهما نحو سورة الإخلاص) تقريبا؛ خروجا من خلاف من أوجبه، ويشتغل فيه بالقراءة؛ للخبر الصحيح بذلك والأفضل سورة الإخلاص، ولذا لو طَوَّل هذا الجلوس بحيث انقطعت به الموالاة بطلت خطبته؛ لما مر أن الموالاة بينهما شرط بخلاف ما لو طول بعض الأركان بمناسب له، (وإذا فرغ منها شرع المؤذن في الإقامة وبادر الإمام ليبلغ المحراب مع فراغه)؛ تحقيقا للموالاة. (ويقرأ في الأولى الجمعة) أو سبح، (وفي الثانية المنافقين) أو هل أتاك؛ للاتباع فيهما لكن الأوليان أفضل ولو لغير محصورين؛ لأن ما ورد بخصوصه لا تفصيل فيه، ولو ترك ما في الأولى قرأه مع ما في الثانية في الثانية وإن أدى لتطويلها على الأولى؛ لتأكد أمر هاتين السورتين، ولو قرأ ما في الثانية في الأولى عكس في الثانية؛ لئلا تخلو صلاته عنهما، ولو قرأ بعض الجمعة في الأولى أتى بباقيها مع المنافقين في الثانية (٢)، ولو اقتدى في الثانية فسمع قراءة الإمام للمنافقين فيها فظاهر أنه يقرأ المنافقين في الثانية أيضاً; لأن السنة له حينئذ الاستماع، ولذا فإن لم يسمع وسنت له السورة فقرأ المنافقين فيها قرأ الجمعة في الثانية (جهرا) إجماعا، ويسن أيضا لمسبوق قام ليأتي بثانيته. [فائدة] من السنة أن يقرأ المصلي بعد الجمعة قبل أن يثني رجله الفاتحة والإخلاص والمعوذتين سبعا سبعا .

стр. 318

فصل يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا، وَقِيلَ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَوَقْتُهُ مِنَ الْفَجْرِ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ فِي الْأَصَحِّ. وَمِنَ المَسْنُونِ غُسْلُ الْعِيدِ، وَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ المَيِّتِ، (فصل) في آدابها والأغسال المسنونة (يسن الغسل لحاضرها) أي مريد حضورها وإن لم تلزمه؛ للأخبار الصحيحة فيه، وينبغي لصائم خشي منه مفطراً ولو على قول تركه وكذا سائر الأغسال (وقيل لكل أحد) ورُدَّ بأن سبب مشروعيته دفع الريح الكريه عن الحاضرين، (ووقته من الفجر) الصادق; لأن الأخبار علَّقته باليوم، (وتقريبه من ذهابه أفضل) ; لأنه أبلغ في دفع الريح الكريه، ولو تعارض مع التبكير قدمه حيث أمن الفوات؛ للخلاف في وجوبه، ومن ثم كره تركه، ولا يبطله طرو حدث ولو أكبر، (فإن عجز) عن الماء للغسل بطريقه السابق في التيمم (تيمم) بنية التيمم بدلاً عن الغسل، أو بنية طهر الجمعة (في الأصح) كسائر الأغسال المسنونة ولأن القصد النظافة والعبادة فإذا فاتت تلك بقيت هذه، ولو وجد ماء يكفي بعض بدنه فإن كان ببدنه تغير أزاله به وإلا فإن كفى الوضوء توضأ وإلا غسل بعض أعضائه، وحينئذٍ إن نوى الوضوء تيمم عن باقيه غير تيمم الغسل وإلا كفى تيمم الغسل، فإن فضل شيء عن أعضاء الوضوء غسل به أعالي بدنه، ولو فقد الماء بالكلية (١) سن له بعد أن يتيمم عن حدثه تيمم عن الغسل فإن اقتصر على تيمم بنيتهما حصلا. (ومن المسنون (٢) غسل العيد)؛ لأن الزينة مطلوبة فيه (والكسوف) و الخسوف (والاستسقاء)؛ لاجتماع الناس لهما، ويدخل وقته بأول الكسوف وإرادة الاجتماع لصلاة الاستسقاء (و لغاسل الميت) ولو حربي؛ لخبر ((من غسَّل ميتا فليغتسل)) وصرفه عن الوجوب

стр. 319

وَالمَجْنُونِ وَالمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الحَجِّ، وَآكَدُهَا غُسْلُ غَاسِلِ المَيِّتِ ثُمَّ الجُمُعَةِ، وَعَكْسُهُ الْقَدِيمُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَ يُسَنُّ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا مَاشِيًا، خبر ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه)) وقيس بميتنا ميت غيرنا (و المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا) ; لأنه ﷺ كان يغمى عليه في مرض موته ثم يغتسل وقيس به المجنون بل أولى؛ لأنه مظنة لإنزال المني، وينوي هنا رفع الجنابة; لأن غسله لاحتمالها، ويجزئه بفرض وجودها إذا لم يبن الحال أخذا مما مر في وضوء الاحتياط (والكافر إذ ا أسلم)؛ للأمر به، ولم يجب؛ لأن كثيرين أسلموا ولم يؤمروا به، وينوي هنا سببه -كسائر الأغسال إلا غسل المجنون والمغنى عليه- ما لم يحتمل وقوع جنابة منه قبلُ فيضم ندبا إليها نية رفع الجنابة، أما إذا تحقق وقوعها منه قبل فيلزمه الغسل وإن اغتسل في كفره؛ لبطلان نيته (وأغسال الحج) والعمرة الآتية وغسل اعتكاف وأذان ودخول مسجد وحرم المدينة ومكة لحلال ولكل ليلة من رمضان ولحلق عانة أو نتف إبط كما صح عن ابني عمر وعباس ﵃ ولبلوغ بالسن ولحجامة أو نحو فصد ولخروج من حمام ولتغير الجسد وكذا عند كل حال يقتضي تغيره وعند كل مجمع من مجامع الخير وعند سيلان الوادي، (وآكدها غسل غاسل الميت)؛ للخلاف في وجوبه، فيكره تركه (ثم الجمعة، وعكسه القديم، قلت: القديم هنا أظهر ورجحه الأكثرون وأحاديثه صحيحة كثيرة وليس للجديد حديث صحيح) أي متفق على صحته (والله أعلم، ويسن) لغير معذور (التبكير إليها (١) من طلوع الفجر لغير الخطيب؛ لما صح ((أن للجائي بعد اغتساله غسل الجنابة -أي كغسلها- في الساعة الأولى بدنة والثانية بقرة والثالثة كبشا أقرن والرابعة دجاجة والخامسة عصفورا والسادسة بيضة))، والمراد أن ما بين الفجر وخروج الخطيب ينقسم ستة أجزاء متساوية سواء أطال اليوم أم قصر، ومن جاء أوَّلَ ساعةٍ أو وسطها أو آخرها يشتركون في أصل البدنة مثلا لكنهم يتفاوتون في كمالها، أما الإمام فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة؛ للاتباع، وقد يجب التبكير كما مر في بعيد الدار. ويسن لمطيق المشي أن يأتي إليها ككل عبادة (ماشيا) إلا لعذر؛ للخبر الصحيح ((من غَسَلَ يوم الجمعة -أي رأسه أو

стр. 320

بِسَكِينَةٍ، وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ، وَ لَا يَتَخَطَّى، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَطِيبٌ، زوجته لندب الجماع ليلتها أو يومها وهو أفضل وقرب خروجه للجمعة أفضل- واغتسل وبكّر -أي أتى بالصلاة أول وقتها- وابتكر -أي أدرك أول الخطبة- ومشى ولم يركب -أي في جميع الطريق- ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة -أي إلى مصلاه- عمل سنة أجر صيامها وقيامها))، ويسن أن يكون طريق ذهابه أطول; لأنه أفضل ويتخير في عوده بين الركوب والمشي وأن يكون مشيه (بسكينة)؛ للأمر به، ويكره العدو فيه ككل عبادة، نعم إن لم يدركها إلا بالسعي وقد أطاقه وجب وإن لم يلق به ويحتمل خلافه أخذا من أن فقد بعض اللباس اللائق به عذر فيها إلا أن يفرق (وأن يشتغل في طريقه وحضوره بقراءة أو ذكر) وأفضله الصلاة على النبي ﷺ قبل الخطبة وكذا إن لم يسمعها، وإنما تكره القراءة في الطريق إن التهى عنها (ولا يتخطى) رقاب الناس؛ للنهي الصحيح عنه فيكره كراهة شديدة بل اختار في الروضة حرمته، نعم للإمام التخطي للمنبر أو المحراب إذا لم يجد طريقا سواه وكذا لغيره إذا أذنوا له فيه لا حياءً، نعم إن كان فيه إيثار بقربة كره لهم، أما إن كانوا نحو عبيده أو أولاده أو كان الجالس في الطريق أو كان ممن لا تنعقد به الجمعة والجائي ممن تنعقد به فيتخطى ليسمع، أو وجد فرجة بين يديه؛ لتقصيرهم لكن يكره أن يزيد على صفين أو اثنين (١) إلا إذا لم يجد غيرها أو لم يرج أنهم يسدونها عند القيام، ولا يكره لمعظَّم ظهر صلاحه وولايته تخطي من يعرفه؛ لتبرك الناس به (وأن يتزين بأحسن ثيابه)؛ لما صحّ من الحث عليه، وأفضلها الأبيض في كل زمن حيث لا عذر؛ للخبر الصحيح ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم (٢)، ويلي الأبيض ما صبغ قبل نسجه، ولا كراهة فيما صبغ بعد نسجه كقبله، (وطيب) لغير صائم؛ لما صح أن الجمع بين الغسل ولبس الأحسن والطيب والإنصات وترك التخطي يكفر ما بين الجمعتين، ويسن للخطيب أن يبالغ في حسن
следующие страницы →