فصل
أَقَلُّ الْقَبْرِ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ إنْ صَلُبَتْ الْأَرْضُ، وَيُوضَعُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَيُسَلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ وَيُدْخِلَهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ، وَأَوْلَاهُمْ الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيهِ.
(فصل) في الدفن وما يتبعه (١)
(أقل القبر) المحصل للواجب (حفرة تمنع الرائحة والسبع)؛ لأن حِكْمَة وجوب الدفن لا تحصل إلا بذلك. وخرج بحفرة وضعه بوجه الأرض وستره بكثير نحو تراب أو حجارة فإنه لا يجزئ عند إمكان الحفر؛ لأنه ليس دفنا، أما لو لم تمنع الحفرة السباع منه فيجب بناء القبر بحيث تمنع وصولها إليه فإن لم يمنعها البناء وجب صندوق (ويندب أن يوسّع ويعمّق)؛ للخبر الصحيح في قتلى أحد ((أحفروا وأوسعوا وأعمقوا)) (قامة وبسطة) بأن يقوم فيه ويبسط يده مرتفعة، ويساوي ذلك أربعة أذرع ونصف بذراع اليد (واللَُحد) وهو أن يحفر في أسفل جانب القبر -والأولى كونه القبلي- قدر ما يسع الميت (أفضل من الشَّق) وهو حفرة كالنهر يُبْنَى جانباها ويوضع بينهما الميت ثم تسقف -والحجر أولى- ويرفع قليلا بحيث لا يمسه (إن صلبت الأرض)؛ لخبر مسلم أن سعد بن أبي وقاص أمر أن يجعل له لحد وأن ينصب عليه اللبن كما فعل برسول الله ﷺ ، أما في رخوة فالشق أفضل، ويسن أن يُوسع كل منهما ويتأكد ذلك عند رأسه ورجليه؛ للخبر الصحيح به، (ويوضع) ندبا (رأسه) أي الميت في النعش (عند رجل القبر) أي مؤخره (ويسل من قِبَل رأسه برفق)؛ لما صحّ عن صحابي أنه من السنة (٢)، (ويدخله) ولو أنثى ندبا (٣) (القبر الرجال)؛ لأنه ﷺ ((أمر أبا طلحة أن ينزل في قبر بنته أم كلثوم))، نعم يندب أن يتولين حملها من المغتسل إلى النعش وتسليمها لمن بالقبر وحل شدادها فيه (وأولاهم) بالدفن (الأحق بالصلاة) لكن من حيث الدرجة والقرب دون
стр. 387
قُلْتُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً فَأَوْلَاهُمْ الزَّوْجُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَكُونُونَ وِتْرًا، وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِهِ لِلْقِبْلَةِ وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ إلَى جِدَارِهِ وَظَهْرُهُ بِلَبِنَةٍ وَنَحْوِهَا، وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ بِلَبِنٍ،
الصفات؛ إذ الأفقه هنا مقدم على الأسن الأقرب عكس الصلاة (قلت: إلا أن تكون امرأة مزوجة فأولاهم الزوج) وإن لم يكن له حق في الصلاة (والله أعلم)؛ لأنه ينظر ما لا ينظرون، وبعده المحارم الأقرب فالأقرب كالصلاة -ويقدم الزوج على المحرم الأفقه بل على الفقيه إن عَرَف أي الزوج أحكامَ الدفن الواجبة- فعبدها فممسوح فمجبوب فخصي أجنبي؛ لضعف شهوتهم فعصبة غير محرم كابن عم ومعتق وعصبة بترتيبهم في الصلاة فذو رحم كذلك فصالح أجنبي، فإن استوى اثنان قربا وفضيلة أقرع، نعم يقدم من الأجانب المستوون في الصفات مَن بَعُد عهده بالجماع؛ لأنه أبعد عن مذكّر يحصل له لو ماسَّ المرأة (ويكونون وترا) ندبا؛ لما صح ((أن دافنيه ﷺ علي والعباس والفضل ﵃) وفي رواية خمسة، والزيادة على الواحد إلى ثلاثة وهكذا منوطة بالحاجة (ويوضع في اللحد) أو الشق (على يمينه) ندبا كالاضطجاع عند النوم، ويكره على يساره (للقبلة) وجوبا؛ لنقل الخلف له عن السلف، فإن دفن مستدبرا أو مستلقيا وإن كانت رجلاه إليها حَرُمَ ونُبِش ما لم يتغير (ويسند) ندبا في هذا وما بعده (١) (وجهه) ورجلاه (إلى جداره) ويتجافى بباقيه حتى يكون قريبا من هيئة الراكع (وظهره بلبنة) طاهرة (ونحوها)؛ لتمنعه من الاستلقاء على قفاه، ويجعل تحت رأسه نحو لبنة ويفضي بخده الأيمن بعد تنحية الكفن عنه إليه أو إلى التراب؛ ليكون بهيئة من هو في غاية الذل، ولو مات صغير أسلم دفن بمقابر الكفار؛ لإجراء أحكامهم الدنيوية عليه (و) يجب إذا دفن في شق أن يسقف، فإن دفن في لحد وجب أن يُبنى اللحد باللبن، ثم (يسد) وجوباً (فَتْح اللحد بلبن) أيضاً أي يسد ما بينه من الفُرَجِ بنحو كسر لبن؛ اتباعا لما فُعِل به ﷺ ، وكاللبن في ذلك غيره لكن اللبن أولى (٢)؛ لأنه المأثور كما يجب أيضا، ولو انهدم القبر أو انهار ترابه عقب دفنه تخير الولي بين تركه وإصلاحه ونقله منه إلى غيره، ومحل ذلك حيث لم يخش عليه سبع أو يظهر منه
стр. 388
وَيَحْثُو مَنْ دَنَا ثَلَاثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ ثُمَّ يُهَالُ بِالمَسَاحِي، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ شِبْرًا فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ، وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا،
ريح وإلا وجب إصلاحه قطعا، (و) يتأكد أن (يحثو من دنا) بأن كان على شفير القبر (١)، ويسن أيضا بلا تأكد فقط لمن حضر ولم يدنو (ثلاث حثيات تراب) بيديه جميعا من قِبَل رأس الميت؛ للاتباع (ثم يهال) فورا، والأولى كونه (بالمساحي) مثلا؛ لأنه أسرع لتكميل الدفن، ولا يزاد على تراب القبر إن كفاه؛ لئلا يعظم شخصه (ويرفع) إن لم يخف نبشه من نحو كافر أو سارق أو مبتدع (شبرا فقط)؛ ليعرف فيزار، فإن احتيج في رفعه إلى تراب آخر زيد عليه، (والصحيح أن تسطيحه أولى من تسنيمه)؛ لما صحّ عن القاسم بن محمد أن عمته ﵃ كشفت له عن قبره ﷺ وقبر صاحبيه فإذا هي مسطحة، (ولا يُدْفَنُ) ندبا (٢) (اثنان في قبر) من غير حاجزِ بناءٍ بينهما فيكره إن اتحدا نوعا، أو اختلفا -ولو احتمالا كخنثيين- إذا كان بينهما محرمية (٣) أو زوجية أو سيدية وإلا حرم، ويحرم أيضا إدخال ميت على آخر (٤) وإن اتحدا قبل بلى جميعه أي إلا عجب الذنب، ويرجع فيه لأهل الخبرة بالأرض، ولو وجد عظمة قبل كمال الحفر طمَّه (٥) وجوبا ما لم يحتج إليه، أو بعده نحَّاه ودفن الآخر فإن ضاق بأن لم يمكن دفنه إلا على العظم حرم حيث لا حاجة؛ للإيذاء (إلا لضرورة) بأن كثر الموتى وعَسُر إفراد كل ميت بقبر أو لم يوجد إلا كفن؛ لأنه ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب ويجعل بينهما حاجز تراب، وهذا الحجز مندوب وإن اختلف الجنس كتقديم الأفضل (فيقدم) للقبلة (أفضلهما) بما يقدم به في الإمامة عند اتحاد النوع وإلا فيقدم رجل ولو مفضولاً فصبي فخنثى فامرأة، نعم يقدم أصل على فرعه من جنسه ولو أفضل؛ لحرمة الأبوة أو الأمومة بخلافه من غير جنسه فيقدم ابن على أمه؛ لفضيلة الذكورة، وعُلم مما مر أنه لو استوى اثنان أقرع وأنهم لو
стр. 389
وَلَا يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَا يُوطَأُ، وَيَقْرُبُ زَائِرُهُ كَقُرْبِهِ مِنْهُ حَيًّا. وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ قَبْلَ دَفْنِهِ، وَبَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُعَزَّى المُسْلِمُ بِالمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وَبِالْكَافِرِ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ وَصَبَّرَكَ، وَالْكَافِرُ بِالمُسْلِمِ: غَفَرَ اللهُ لِمَيِّتِكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ
ترتبوا لم يُنَحَّ الأسبق المفضول إلا ما استثني (١). (ولا يجلس على) ما يحاذي الميت من (القبر) الذي لمسلم ولو مهدرا، ولا يستند إليه ولا يتكأ عليه (ولا يوطأ)؛ احتراما له إلا الضرورة كأن لم يصل لقبر ميته وكذا ما يريد زيارته ولو غير قريب إلا به، والنهي في هذه كلها للكراهة، (ويقرب) ندبا (زائره كقربه منه حيا)؛ احتراما له، والتزام القبر أو ما عليه وتقبيله بدعة قبيحة. (والتعزية (٢) بالميت أو مصيبة نحو المال (سنة)؛ لخبر ((من عزَّى مصابا فله مثل أجره))، فتسن لكل من يأسف عليه كقريب وزوج وصهر وصديق وسيد ومولى ولو صغيرا، نعم الشابة يحرم أن يعزيها أو تعزي إلا نحو مَحْرَم (قبل دفنه) إن رأى منهم شدة جزع؛ ليصبرهم وإلا فبعده لاشتغالهم بتجهيزه (و) تمتد (بعده) أي الدفن (٣) (ثلاثة أيام) تقريبا؛ لسكون الحزن بعدها غالبا، ومن ثم كرهت حينئذ؛ لأنها تجدده، هذا إن حضر المعزي والمُعَزَّى وعلم وإلا فمن القدوم أو بلوغ الخبر وكغائب نحو مريض أو محبوس. ويكره الجلوس للتعزية (ويُعَزَّى المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك)؛ لأنه ﷺ قالها لمّا عزى معاذا بابن له (وأحسن عزاءك وغفر لميتك، و) يعزى المسلم (بالكافر: أعظم الله أجرك) ويضم إليه إما (وصبرك) وإما وجبر مصيبتك أو نحوه (و) يعزى (الكافر) إن احترم أما الحربي فيكره تعزيته، نعم إن كان فيها توقيره حرمت حتى لذمي، وقد تسن تعزيته إن رجي إسلامه (بالمسلم: غفر الله لميتك وأحسن عزاءك) وتباح تعزية كافر محترم بمثله بل يتجه ندبها لمن تسن عيادته فيقال له أخلف أو خلف (٤) الله عليك ولا نقص عددك أي لتكثر الجزية بهم. ولا تسن
стр. 390
وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَيَحْرُمُ النَّدْبُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ وَالنَّوْحُ وَالجَزَعُ بِضَرْبِ صَدْرِهِ وَنَحْوِهِ.
تعزية مسلم بمرتد أو حربي بخلاف نحو محارب وزان محصن وتارك صلاة وإن قتل حدا. (ويجوز البكاء عليه قبل الموت) بل يندب (١) للوارث حينئذ، لكن الأولى ألا يكون بحضرة المحتضر، (و) يجوز (بعده)؛ لما صحَّ أنه ﷺ ((دمعت عيناه وهو جالس على قبر بنته))، نعم هو اختيارا مكروه (٢)؛ للخبر الصحيح ((فإذا وجبت فلا تبكينَّ باكية))، (ويحرم الندب بتعديد شمائله) نحو واكهفاه واجبلاه؛ للنهي عنه، وشرطه اقترانه بنحو واكذا وإلا دخل المادح والمؤرخ (والنوح) ولو من غير بكاء وهو رفع الصوت بالندب؛ لما صحّ في النائحة من التغليظ، ومن ثم كان كبيرة كالذي بعده (و) يحرم (الجزع بضرب صدره ونحوه) كشق ثوب ونشر شعر وتغيير لباس أو زي أو ترك لبس معتاد، ويحرم الإفراط في رفع الصوت بالبكاء.
[فرع] لا يعذب ميت بشيء من ذلك إلا إن أوصى به .
стр. 391
قُلْتُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ:
يُبَادَرُ بِقَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ وَوَصِيَّتِهِ. وَيُكْرَهُ تَمَنِّي المَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ لَا لِفِتْنَةِ دِينٍ. وَيُسَنُّ التَّدَاوِي، وَيُكْرَهُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ لِأَهْلِ المَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ تَقْبِيلُ وَجْهِهِ …
(قلت: هذه مسائل منثورة)
(يُبَادَر) ندبا (بقضاء دين الميت) عقب موته؛ مسارعة لفك نفسه عن حبسها بدينها عن مقامها الكريم كما صح عنه ﷺ ، ومحل الحبس إن عصى بالاستدانة (١) سواء خلف في تركته وفاء أم لا، والكلام في غير الأنبياء (٢). فإن لم يكن بالتركة جنس الدين أو كان ولم يسهل القضاء منه فورا سأل ندبا الولي غرماءه أن يحتالوا به عليه وحينئذ فتبرأ ذمة الميت بمجرد رضاهم بمصيره في ذمة الولي وإن لم يحللوه، وذلك؛ للحاجة والمصلحة، والأجنبي كالولي في ذلك، نعم ينبغي لمن فعل ذلك التراضي أن يسأل الدائن تحليل الميت تحليلا صحيحا؛ ليبرأ بيقين، وبالرغم من براءة الميت في ما تقدم إلا أن رهن التركة بالدين يدوم؛ احتياطا (ووصيته)؛ استجلابا للبر والدعاء له، وتجب المبادرة عند التمكن وطلب المستحق ونحو ذلك وكذا في وصية نحو الفقراء أو إذا أوصى بتعجيلها. (ويكره تمني الموت لضر نزل به) أي ببدنه أو ماله؛ للنهي عنه، أما إن لم يكن ثمة ضر فيندب؛ لحديث ((من أحب لقاء الله أحبّ الله لقاءه)) (لا لفتنة دين) فيسن إن خافها، ويندب تمنيه بالشهادة في سبيل الله وببلد شريف. (ويسن التداوي)؛ للخبر الصحيح ((تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم))، نعم إن تركه توكلا فهو فضيلة (٣) (ويكره إكراهه عليه) أي التداوي وتناول الدواء؛ لأنه يشوش عليه، ولا يكره إكراهه على طعام (٤). (ويجوز لأهل الميت ونحوهم) كأصدقائه أما لغيرهم فخلاف الأولى (تقبيل وجهه)؛ لما صح أنه ﷺ ((قبَّل وجه عثمان بن مظعون ﵁)، نعم
стр. 392
وَلَا بَأْسَ بِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ نَعْيِ الجَاهِلِيَّةِ. وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ مِنْ بَدَنِهِ إلَّا بِقَدْرِ الحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ. وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ. وَيُغَسِّلُ الجُنُبُ وَالحَائِضُ المَيِّتَ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِذَا مَاتَا غُسِّلَا غُسْلًا وَاحِدًا فَقَطْ. وَلْيَكُنِ الْغَاسِلُ أَمِينًا، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا ذَكَرَهُ أَوْ غَيْرَهُ حَرُمَ ذِكْرُهُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ
يسن لكلّ أحد تقبيل وجه صالح (١)؛ تبركا به. (ولا بأس بالإعلام بموته) بل يندب بالنداء ونحوه (للصلاة وغيرها) كالدعاء والترحم؛ لأنه ﷺ ((نعى النجاشي يوم موته)) (بخلاف نعي الجاهلية) وهو النداء بذكر مفاخره فيكره؛ للنهي الصحيح عنه. ويكره ترثيته بذكر محاسنه في نظم أو نثر؛ للنهي عنها، ومحلها حيث لم يوجد معها الندب السابق وإلا حرمت كما لو حملت على تجديد حزن أو أشعرت بتبرم أو فُعِلت في مجامع قصدت لها وإلا بأن كانت بحق في نحو عالم وخلت عن ذلك كله فهي بالطاعة أشبه. (ولا ينظر الغاسل) ولا يمس من غير خرقة شيئا (من بدنه) فيكره ذلك؛ لأنه قد يكون به ما يكره اطلاع أحد عليه، وربما رأى ما يسيء ظنه به (إلا بقدر الحاجة) كمعرفة المغسول من غيره (من غير العورة) وإلا حرم اتفاقا إلا نظر أحد الزوجين أو السيد بلا شهوة وإلا الصغير، أما غير الغاسل كمعينٍ فنظره لغيرها مكروه إلا لضرورة، ويسن تغطية وجهه من أول غسله إلى آخره ويحرم كبه عليه. (ومن تعذر غسله) لفقد ماء أو لنحو حرق أو لدغ ولو غُسل تهرى، أو خيف على الغاسل من تسري السم إليه ولم يمكنه التحفظ (يمم) وجوبا، وليس من ذلك خشية تسار الفساد إليه لقروح فيه؛ لأنه صائر للبلى. ولو وجد الماء بعد تيممه غُسِّل؛ احتياطا لخاتمة أمره كما مرّ، (ويُغَسِّل الجنب والحائض) والنفساء (الميت بلا كراهة)؛ لأنهما طاهران، (وإذا ماتا غسّلا غسلا واحدا فقط) للموت؛ لانقطاع ما عليهما به. (وليكن الغاسل أمينا) وكذا معينه ندبا فيهما؛ لأن غيره لا يوثق به في الإتيان بما طلب منه، نعم يجزئ غسل فاسق كالكافر وأولى ومع ذلك يحرم (٢) على الإمام تفويض غسل موتى المسلمين إليه وكذا لمن لم يعلم ما لا بد منه فيه، ويكفي قول الفاسق والكافر غَسَّلْتُه لا غُسِّل، (فإن رأى خيراً ذكره) ندبا؛ لأنه أدعى لكثرة المصلين عليه والداعين له (أو غيره حرم ذكره)؛ لأنه غيبة (إلا لمصلحة) فيهما فيسر الخير في نحو متجاهر بفسق أو
стр. 393
وَلَوْ تَنَازَعَ أَخَوَانِ أَوْ زَوْجَتَانِ أُقْرِعَ. وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ. وَيُكْرَهُ الْكَفَنُ المُعَصْفَرُ. وَالمُغَالَاةُ فِيهِ، وَالمَغْسُولُ أَوْلَى مِنَ الجَدِيدِ. وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ فِي تَكْفِينِهِ بِأَثْوَابٍ. وَالحَنُوطُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ. وَلَا يَحْمِلُ الجِنَازَةَ إلَّا الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى،
بدعة؛ لئلا يغتر به ويُظْهِر الشر فيه؛ لينزجر عن طريقته غيره، نعم الأول إن ترتب عليه ضررٌ وجب الكتم (١). (ولو تنازع) نحو (أخوان) من كل اثنين استويا قربا أو نحوه ولا مرجح (أو زوجتان) ولا مرجح أيضا (أقرع) بينهما في الغسل والصلاة والدفن؛ قطعا للنزاع، فإن رفع الأمر إلى حاكم وجب الإقراع، (والكافر أحقّ بقريبه الكافر)؛ لأنه وليه. (ويكره الكفن المعصفر) للرجل وغيره والمزعفر للمرأة ويحرم المزعفر كله وكذا أكثره لمن يحرم عليه الحرير، ويكره المصبوغ وكذا ثياب الزينة نحو الحِبَرة (٢) لكن إن قصد الزينة. (و) يكره حيث لا دين عليه مستغرق ولا في ورثته غائب أو محجور وإلا حرمت (المغالاة فيه) بارتفاع ثمنه عما يليق به؛ للنهي عنه، وأما تحسينه ببياضه ونظافته وسبوغه وكثافته فسنة؛ لخبر ((إذا كَفَّنَ أحدكم أخاه فليُحْسن كفنه))، (والمغسول) اللبيس (أولى من الجديد)؛ لأن الحي أحق به، وشرط اللبيس كونه يقرب من الجديد في قوَّته (٣) (والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب) عددا لا صفة؛ لحل الحرير للصبي. ولا يتقيد بقدر. (والحنوط) أي ذرّه (مستحب) فلا يتقيد بقدر، ومع أنه مستحب يخرج من رأس التركة (٤) ثم مال من عليه مؤنته و ليس لغريم ولا وارث منعه، نعم لا يُعْطَى من بيت المال، أو وقف الأكفان -كالقطن- إلا إن أطّرد ذلك في زمن الوقف وعلم به، (وقيل واجب)؛ للإجماع الفعلي عليه، ويُرَدُّ بأنه لا يستلزم الوجوب. (ولا يَحْمِل الجنازة إلا الرجال وإن كانت) خنثى أو (أنثى)؛ لضعفهن -كالخناثى- عنه، ويحمل على سرير أو لوح أو محمل وأي شيء حمل عليه أجزأ.
стр. 394
وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ وَهَيْئَةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ، وَلَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا.
وَلَا بَأْسَ بِاتِّبَاعِ المُسْلِمِ جِنَازَةَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ. وَيُكْرَهُ اللَّغَطُ فِي الجِنَازَةِ وَإِتْبَاعُهَا بِنَارٍ. وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ بِكَفَّارٍ وَجَبَ غُسْلُ الجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى الجَمِيع بِقَصْدِ المُسْلِمِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالمَنْصُوصُ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِيًا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا،
(ويحرم حملها على هيئة مزرية) كحملها في نحو قفة (١) وكحمل كبير على نحو يد أو كتف (وهيئة يخاف منها سقوطها)؛ لأنه تعريض لإهانته، نعم إن غلب على الظن تغيره قبل تهيئة ما يليق وجب حمله كذلك، ولا بأس في الطفل بحمله على الأيدي مطلقا. (ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت) يعني قُبَّة مغطاة؛ لإيصاء أم المؤمنين زينب ﵂ به. (ولا يكره الركوب في الرجوع منها)؛ لفعله ﷺ له بخلاف الذهاب لغير عذر كما مر. (ولا بأس باتّباع المسلم جنازة قريبه) ومثله زوج ومالك وكذا جار لكن إن خشي فتنة أو رجي إسلام قريب الجار (الكافر) فلا كراهة فيه؛ لأنه ﷺ ((أمر عليا كرم الله وجهه أن يواري أبا طالب))، ويجوز له زيارة قبره أيضا، ويحرم اتباع المسلم جنازة كافر غير نحو قريب. (ويكره اللغط) وهو رفع الصوت ولو بالذكر والقراءة (في) المشي مع (الجنازة)؛ لأن الصحابة ﵃ كَرِهُوه، بل يسكت متفكرا في الموت وما يتعلق به وفناء الدنيا ذاكرا بلسانه سرا لا جهرا؛ لأنه بدعة، (وإتْباعها بنار) بمجمرة أو غيرها؛ لأنه تفاؤل قبيح وكذا عند القبر إلا لإسراج محتاج إليه فلا بأس. (ولو اختلط مسلمون) أو مسلم (بكفار) أو شهيد أو سقط لم تظهر فيه أمارة حياة بغيره وتعذر التمييز (وجب غسل الجميع) وتكفينهم ودفنهم من بيت المال فالأغنياء حيث لا تركة وإلا أخرج من تركة كلٍّ تجهيز واحد بالقرعة (والصلاة) عليهم؛ إذ لا يتحقق الإتيان بالواجب إلا بذلك (فإن شاء صلى على الجميع بقصد المسلم) وغير نحو الشهيد (وهو الأفضل والمنصوص) وليس هنا صلاة على كافر حقيقة والنية جازمة، ويقول هنا في صورة المتن اللهم اغفر للمسلم منهم (أو على واحد فواحد ناويا الصلاة عليه إن كان مسلما) أو غير نحو شهيد. وقد تتعين هذه الكيفية إن غسّل بعضهم وخيف من انتظار الباقين تغير، وكذلك
стр. 395
وَيَقُولُ اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا. وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ تَقَدُّمُ غُسْلِهِ، وَتُكْرَهُ قَبْلَ تَكْفِينِهِ، فَلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَتَقَدَّمَ عَلَى الجِنَازَةِ الحَاضِرَةِ وَلَا الْقَبْرِ عَلَى المَذْهَبِ فِيهِمَا. وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفِهِمْ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ. وَإِذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَّى. وَمَنْ صَلَّى لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ،
تتعين الأولى إذا تم غسل الجميع وكان الإفراد يؤدي إلى تغير المتأخر (ويقول) في الكيفية الأولى: اللهم اغفر للمسلمين منهم كما مر، وفي الثانية (اللهم اغفر له إن كان مسلما) ولا يقول في اختلاط نحو الشهيد بغيره اللهم اغفر له إن كان غير شهيد بل يطلق ويدفنون في الأولى بين مقابرنا ومقابر الكفار، (ويشترط لصحة الصلاة تقدم غسله) أو تيممه بشرطه؛ لأنه المنقول وتنزيلا للصلاة عليه منزلة صلاته، ومن ثم اشترط طهارة كفنه أيضا (١) إلى فراغ الصلاة عليه (وتكره قبل تكفينه، فلو مات بهدم ونحوه) كوقوعه في بحر (وتعذر إخراجه) منه (وغسله وتيممه لم يصل عليه)؛ لفوات الشرط، (ويشترط ألا يتقدم على الجنازة الحاضرة ولا القبر على المذهب فيهما)؛ اتباعا للأولين، أما الغائبة فلا يؤثر فيها كونها وراء المصلي (وتجوز الصلاة عليه) بل تسن (في المسجد)؛ لأنه ﷺ ((صلى على ابني بيضاء في المسجد))، نعم إن خيف تلويث المسجد منه حرم. (ويسن) حيث كانوا ستة فأكثر (جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر)؛ للخبر الصحيح ((من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب)) أي غُفِر له، والصفوف الثلاثة في مرتبة واحدة في الفضيلة (٢)، نعم من جاء وقد اصطف الثلاثة فالأفضل له أن يتحرى الأول (٣). ولو لم يحضر إلا ستة بالإمام وقف واحد معه واثنان صفا واثنان صفا (وإذا صُلِّى عليه فحضر من لم يصلِّ صَلَّى) ندبا؛ لأنه ﷺ ((صلى على قبور جماعة))، وتقع فرضا فينويه ويثاب ثوابه وإن سقط الحرج بالأولين؛ لبقاء الخطاب به ندبا، (ومن صلى) ندب له أنه (لا يعيد على الصحيح) وإن صلى منفردا؛ لأن صلاة الجنازة لا يتنفل بها. ومن صلى بالتيمم ثم رأى الماء قبل دفنه لزمه إعادتها إن كان حاضرا، أما المسافر فلا يلزمه شيء من ذلك إذا وجده
стр. 396
وَلَا تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ. وَلَوْ نَوَى الْإِمَامُ صَلَاةَ غَائِبٍ، وَالمَأْمُومُ صَلَاةَ حَاضِرٍ، أَوْ عَكَسَ جَازَ. وَالدَّفْنُ بِالمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ المَبِيتُ بِهَا. وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا، وَأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا يُفْرَشُ تَحْتَهُ شَيْءٌ وَلَا مِخَدَّةٌ. وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ إلَّا فِي أَرْضٍ نَدْيَةٍ أَوْ رِخْوَةٍ. وَيَجُوزُ الدَّفْنُ لَيْلًا،
فيها أو بعدها (١). ومرّ حكم فاقد الطهورين، وإذا أعاد وقعت له نفلا فيجوز له الخروج منها. (ولا تؤخر) أي لا يندب التأخير (لزيادة مصلين)؛ للأمر بالإسراع بها، نعم تؤخر لحضور الولي إن لم يخش تغير (٢) (وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة) وغيرهما؛ لخبر ((الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة بَرَّا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر)) (ولو نوى الإمام صلاة غائب والمأموم صلاة حاضر أو عكس جاز) كظهر خلف عصر، ويجوز بالأولى اختلافهما في حاضرين أو غائبين. (والدفن بالمقبرة أفضل)؛ لكثرة الدعاء له بتكرير الزائرين، وغيرها أفضل لنحو شبهة بأرضها أو ملوحة أو نداوة أو لنحو مبتدعة أو فسقة فسقا ظاهرا دفنوا بها، ويجوز في البيت بلا كراهة. ويندب دفن الشهيد بمحله؛ للاتباع. ويحرم نقل الميت للمقبرة إن أدى لانفجاره بل لو خشي انفجاره من حمله عن محل موته وجب دفنه به إن أمكن ولو ملكه. (ويكره المبيت بها) لغير عذر؛ لما فيه من الوحشة، ولذا لا يبعد ندبه إن انتفت؛ لأنها تذكر الآخرة. (ويندب ستر القبر بثوب) مثلا عند إدخال الميت (وإن كان رجلا)؛ لئلا ينكشف، ويتأكد لخنثى ومرأة، (وأن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ؛ للاتباع، (ولا يفرش تحته شيء ولا رأسه مِخدّة) أي يكره ذلك؛ لما فيه من إضاعة المال، (ويكره دفنه في تابوت) إجماعا؛ لأنه بدعة (إلا) لعذر ككونه (في أرض نديَة أو رَِخوة) أو كان امرأة لا محرم لها، بل لا يبعد وجوبه إن كان بها سباع تحفر أرضها وإن أحكمت، أو تهرى بحيث لا يضبطه إلا التابوت. وتنفذ وصيته من الثلث بما ندب فإن لم يوصِ فمن رأس المال إن رضوا ولا تنفذ بما كُرِه. (ويجوز الدفن ليلا) بلا كراهة؛ لما صحَّ من فعله ﷺ .
стр. 397
وَوَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، وَغَيْرُهُمَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ. وَلَوْ بُنِيَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ هُدِمَ. وَيُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ حَصىً،
(ووقت كراهة الصلاة) إجماعا وكالصلاة ذات السبب (إذا لم يتحره)؛ لأن سببه وهو الموت متقدم أو مقارن، أما إذا تحراه (١) فيكره ولو في حرم مكة؛ لخبر مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ ((ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتانا .. الحديث)) سواء الزمانية كوقت الاستواء والفعلية كبعد صلاة العصر إلى الغروب، وفارق ذلك عدم كراهة الصلاة في حرم مكة وإن تحراه أن الصلاة لَمَّا تميزت فيه عليها في غيره بالمضاعفة الآتية التي لا توجد أصلا في غيره ناسب أن يوسع فيه لمريدها وإن تحراها فيه، (وغيرهما أفضل)؛ لأنه مندوب، نعم إن خشي من التأخير إلى الوقت المندوب تغير حرم، أو زيادة على الإسراع المطلوب ندب تركه. (ويكره تجصيص القبر) بالجص (٢)، ومثله الجير- لا التطيين - (والبناء) عليه في حريمه وخارجه إلا إن خَشيَ نبش أو حفر سبع أو هدم سيل، نعم البناء في المسبلة يحرم وسيأتي، (والكتابة عليه)؛ للنهي الصحيح عن الثلاثة، ويحرم كتابة القرآن؛ لتعريضه للامتهان، نعم يندب كتابة اسمه لمجرد التعريف به على طول السنين لاسيما لقبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه طريق للإعلام المستحب.
[فرع] يسن وضع جريدة خضراء على القبر ؛ للاتباع، ويحرم أخذ ذلك؛ لما فيه من تفويت حق الميت بخلاف يابسٍ أُعرض عنه (ولو بنى) نفس القبر لغير حاجة مما مر أو بنى نحو تحويط أو قبة عليه (في مقبرة مسبلة) وهي ما اعتاد أهل البلد الدفن فيها ومثلها بالأولى موقوفة (هدم) وجوبا؛ لحرمته لما فيه من التضييق. ولا يجوز زرع شيء من المسبلة وإن تيقن بلى من بها، (ويندب أن يرش القبر) ما لم ينزل مطر يكفي (بماء) طهورٍ وباردٍ؛ للاتباع، ولا يجوز بالنجس (٣) بخلاف ماء الورد (٤) (ويوضع عليه حصى) صغار.
стр. 398
وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ. وَجَمْعُ الْأَقَارِبِ. وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ، وَقِيلَ تَحْرُمُ، وَقِيلَ تُبَاحُ، وَيُسَلِّمُ الزَّائِرُ وَيَقْرَأُ وَيَدْعُو. وَيَحْرُمُ نَقْلُ المَيِّتِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَقِيلَ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ المَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ المَقْدِسِ، نَصَّ عَلَيْهِ
(ويوضع عند رأسه) ولو أنثى (حجر) ويندب كونه عظيما (أو) نحوه كـ (خشبة) كذلك؛ للاتباع، (و) يندب (جمع الأقارب) ونحوهم كالزوجة والمماليك والعتقاء بل والأصدقاء؛ للاتباع، ويرتبون كترتيبهم السابق في القبر. (و) تندب (زيارة القبور) التي للمسلمين، ويندب الوضوء للزيارة (للرجال) إجماعا؛ لقوله ﷺ ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها))، أما قبور الكفار فتحرم زيارتها إلا إن كان قريبا ونحوه، (وتكره) للخناثى و (للنساء) مطلقا ولو لقريب؛ خشية الفتنة (١) ورفع أصواتهن بالبكاء، نعم تسن لهن زيارته ﷺ ، أما بقية الأنبياء والعلماء والأولياء فَيُفَصَّل بين أن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الأجانب فيسن لها ولو شابة؛ إذ لا خشية فتنة هنا أو تذهب لمشهد فلا يسن إلا لعجوز ليست متزينة بطيب ولا حلي ولا ثوب زينة (وقيل تحرم) إن لم تكن ثمة فتنة (٢)؛ لخبر ((لعن الله زوّارات القبور)) (وقيل تباح) إذا لم تخش محذورا؛ لأنه ﷺ ((رأى امرأة بمقبرة ولم ينكر عليها)). (ويسلم الزائر) ندبا على أهل المقبرة عموما ثم خصوصا؛ لخبر مسلم أنه ﷺ قال ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) (ويقرأ (٣) ويدعو) له عقب القراءة بعد توجهه للقبلة؛ لأنه عقبها أرجى للإجابة، وتصل (٤) له القراءة هنا وفيما إذا دعا له عقبها ولو بعيدا. (ويحرم نقل الميت) قبل الدفن (إلى بلد آخر) بل إلى كل ما لا ينسب إلى بلد الموت ولو مقبرة أخرى، وإن أوصى به؛ لأمره ﷺ لهم بدفن قتلى أحد في مضاجعهم لَمَّا أرادوا نقلهم (وقيل يكره)؛ إذ لم يرد دليل لتحريمه. (إلا أن يكون بقرب مكة) أي حرمها وكذا البقية (أو المدينة أو بيت المقدس (٥) نص عليه) فلا يحرم ولا يكره بل يندب، ومحله حيث لم يخش تغيره وبعد غسله
стр. 399
وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنَّقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ إلَّا لِضَرُورَةٍ: بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ فِي أَرْضٍ، أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَالٌ، أَوْ دُفِنَ، لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، لَا لِلتَّكْفِينِ فِي الْأَصَحِّ
وتكفينه والصلاة عليه وإلا حرم؛ لأن الفرض تعلق بأهل محل موته فلا يسقطه حل النقل، وينقل أيضا لضرورة كأن تعذر إخفاء قبره ببلاد كفر أو بدعة وخشي منهم نبشه وإيذاؤه أو كان السيل يعم مقبرة البلد ويفسدها (ونبشه بعد دفنه) وقبل بِلى جميع أجزاء الميت الظاهرة (١) عند أهل الخبرة (للنقل وغيره) كتكفين وصلاة عليه (حرام)؛ لأن فيه هتكا لحرمته (إلا لضرورة) فيجب (بأن) أي كأن (دفن بلا غسل) أو تيمم بشرطه ولم يتغير بنتن أو تقطع؛ لأنه واجب لم يخلفه شيء فاستدرك (أو في أرض أو ثوب مغصوبين) وإن تغير، بل وإن غرم الورثة مثله أو قيمته ما لم يسامح المالك، نعم إن لم يكن ثَمَّ غير ذلك الثوب أو الأرض فلا ينبش. وليس الحرير كالمغصوب؛ لبناء حق الله تعالى على المسامحة، وينبش أيضا إن دفن في مسجد (أو وقع فيه مال (٢) ولو من التركة وإن قَلَّ وتغير الميت ما لم يسامح مالكه، نعم إن ابتلع الميت مالاً لم ينبش إلا إن طالب به مالكه فينبش ويشق جوفه وإن غرم الورثة مثله أو قيمته (٣)، وحيث سكت فلا؛ لأن المسامحة فيه أكثر من غيره، أما إذا ابتلع مال نفسه فلا ينبش قبره لإخراجه إلا بعد بلائه (أو دُفِن لغير القبلة) وإن كان رجلاه إليها- ما لم يتغيرـ؛ استدراكا للواجب، (لا للتكفين في الأصح)؛ لأن الستر حاصل بالتراب، ويجوز النبش أيضا إن دفنت وببطنها جنين ترجى حياته ويجب شق جوفها لإخراجه قبل دفنها وبعده فإن لم ترج حياته أُخّر دفنها حتى يموت، وكذا إن عَلَّق الطلاق أو النذر أو العتق بصفة فيه فينبش للعلم بها أو بعدمه، أو ليشهد على صورته (٤) من لم يعرف اسمه ونسبه إذا عظمت الواقعة، أو ليلحقه القائف بأحد متنازعين فيه، أو ليعرف ذكورته أو أنوثته عند تنازع الورثة فيه أو نحو شلل عضو عند تنازعهم مع جانٍ فيه، أو يلحقه سيل أو نداوة فينبش جوازا لينقل، ومحل كل ما تقدم إن لم يتغيّر تغيرا يمنع الغرض الحامل على نبشه و يُكتفى في التغير بالظن عادة أو لما كان
стр. 400
وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ سَاعَةً جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ. وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
فيه من نحو قروح تسرع إلى التغير. ولو انمحق الميت وصار ترابا جاز نبشه والدفن فيه بل تحرم عمارته وتسوية ترابه في مسبلة لتحجيره على الناس إلا في صحابي ومشهور الولاية فلا يجوز وإن انمحق؛ لما فيه من التبرك بهم. (ويسن أن يقف ساعة جماعة بعد دفنه عند قبره يسألون له التثبت) ويستغفرون له؛ للأثر الصحيح بذلك. ويستحب تلقين بالغ عاقل أو مجنون سبق له تكليف ولو شهيدا (١) بعد تمام الدفن؛ لخبر فيه. (و) يسن (لجيران أهله) ولو كان أهل الميت بغير بلده كما يسن كذلك لأقاربه الأباعد ولو ببلد آخر (تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم)؛ لخبر ((اصنعوا لآل جعفر طعاما))، (ويلح عليهم في الأكل) ندبا؛ لأنهم قد يتركونه حياء أو لفرط جزع ولا بأس بالقسم إن علم أنهم يبرونه، (ويحرم تهيئته للنائحات) أو لنائحةٍ (٢) واحدة وأريد بها هنا ما يشمل النادبة ونحوها (والله أعلم)؛ لأنه إعانة على معصية، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس عليه بدعة مكروهة كإجابتهم لذلك، ويكره لاجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء. وتصح الوصية بإطعام المعزين ومحل كراهة صنع الطعام للحاضرين في غير ما اعتيد الآن أن أهل الميت يعمل لهم مثل ما عملوه لغيرهم وإلا فيندب فعل ذلك ولا كراهة كالنقوط (٣)، ولا تصح الوصية بالذبح على القبر؛ لأنه بدعة.
стр. 401
كتاب الزكاة
باب زكاة الحيوان
إنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ فِي النَّعَمِ: وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ لَا الخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، وَالمُتَوَلِّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ. وَلَا شَيْءَ فِي الْإِبِلِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثٌ، وَعِشْرِينَ أَرْبَعٌ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ،
(كتاب الزكاة)
هي لغة: التطهير والنماء، وشرعا: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على الوجه الآتي. والأصل في وجوبها الكتاب نحو ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ البقرة: ٨٣ والسنة والإجماع بل هو معلوم من الدين بالضرورة فمن أنكر أصلها كفر وكذا بعض جزئياتها الضرورية.
(باب زكاة الحيوان)
أي بعضه وبدأ به وبالإبل منه اقتداء بكتاب الصديق ﵁، (إنما تجب) منه (في النعم وهي الإبل والبقر) الأهلية (والغنم، لا الخيل والرقيق) وغيرهما لغير تجارة؛ لخبر الشيخين ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) (والمتولد من) ما تجب فيه وما لا تجب فيه كالمتولد بين بقر أهلي وبقر وحشي وبين (غنم وظباء) ; لأنه لا يسمى بقرا ولا غنما، أما متولد مما تجب فيهما كإبل وبقر أهلي فتجب فيه الزكاة وتعتبر بأخفهما; لأنه المتيقن لكن بالنسبة للعدد كالبقر هنا أما بالنسبة للسن كأربعين متولدة بين ضأن ومعز فتعتبر بالأكثر فلا يخرج هنا إلا ما له سنتان (١) (ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسا)؛ لخبرهما ((ليس فيما دون خمس ذود (٢) من الإبل صدقة)) (ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وخمس عشرة ثلاث، وعشرين أربع، وخمس وعشرين بنت مخاض، و ست وثلاثين بنت لبون).
стр. 402
وَسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَإِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَسِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، وَمِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَكُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَبِنْتُ المَخَاضِ لَهَا سَنَةٌ، وَاللَّبُونِ سَنَتَانِ، وَالحِقَّةُ ثَلَاثٌ، وَالجَذَعَةُ أَرْبَعٌ، وَالشَّاةُ جَذَعَةُ ضَأْنٍ لَهَا سَنَةٌ، وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ لَهَا سَنَتَانِ، وَقِيلَ سَنَةٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ،
(و ست وأربعين حقّة) ويجزئ عنها بنتا لبون (وإحدى وستين جذعة) ويجزئ عنها حقتان أو بنتا لبون (وست وسبعين بنتا لبون وإحدى وتسعين حقتان ومائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون) فإن نقصت الواحدة أو بعضها لم يجب سوى الحقتين، وللواحدة الزائدة على العشرين هنا مثلا قسط من الواجب فلو تلفت واحدة بعد الحول وقبل التمكن سقط جزء من مائة وواحد وعشرين جزأ من ثلاث بنات لبون، (ثم في كل أربعين بنت لبون و كل خمسين حقة)؛ لخبر البخاري عن كتاب أبي بكر لأنس ﵄، وما بين النصب مما ذكر عفو لا يتعلق به الواجب ولا ينقص بنقصه فلو كان معه تسع إبل فالشاة في خمس منها فقط فلو تلفت أربع لم يسقط منها شيء.
[فرع] ملك ست إبل ثلاثة أحوال ولم يزكها لزمه شاة في الحول الأول فقط ؛ لأن الزكاة لا تتعلق بالوقص فالشاة في الحول الثاني متعلقة بالخَمْس فقط فيلزم نقصها وكذا في الثالث (١). (وبنت المخاض لها سنة) كاملة (٢) (واللبون سنتان) كاملتان (والحقة ثلاث) كاملة (والجذعة أربع) كاملة وإن جذعت قبلها. واعتبر في الجميع الأنوثة؛ لما فيها من رفق الدر والنسل. (والشاة جذعة ضأن لها سنة) كاملة وإن لم تجذع، أو أجذعت وإن لم تبلغ سنة (وقيل ستة أشهر، أو ثنية معز لها سنتان) كاملتان (وقيل سنة، والأصح أنه مخير بينهما. ولا يتعين غالب غنم البلد) أي بلد المال بل يجزئ أي غنم فيه؛ لصدق الاسم، ولا يجوز العدول عنه هنا وفيما يأتي في زكاة الغنم إلا لمثله أو خير منه قيمة، ويتعين الضأن فيما لو كانت غنم البلد كلها ضائنة وهي أعلى قيمة من المعز. ويشترط صحة الشاة وكمالها وإن كانت الإبل مريضة أو معيبة; لأن الواجب هنا في الذمة فلم يعتبر فيه صفة المُخْرَج عنه، فإن لم يجد صحيحة فرق
стр. 403
وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَكَذَا بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ المَخَاضِ فَابْنُ لَبُونٍ، وَالمَعِيبَةُ كَمَعْدُومَةٍ،
قيمتها دراهم كمن فقد بنت المخاض مثلا فلم يجدها ولا ابن لبون ولا بالثمن فيفرق قيمتها؛ للضرورة، (وأنه يجزئ الذكر) -ولو عن إناث- وهو جذع ضأن أو ثني معز؛ لأنه من غير الجنس، وبه فارق منع إخراج الذكر عن الإناث في الغنم، (وكذا بعير الزكاة (١) أي ما يجب فيها وهو بنت مخاض فما فوقها ثم بدلها (٢) كابن لبون عند فقدها (عن دون خمس وعشرين) ويقع كله فرضا سواء زاد عن قيمة الشاة أو نقص عنها؛ لأنه القياس. وخرج ببعير الزكاة ابن المخاض وما دون بنت المخاض. (فإن عدم بنت المخاض) بأن تعذر إخراجها وقت إرادة الإخراج (٣) ولو لنحو رهن بمؤجل مطلقا أو بحال لا يقدر عليه، أو غصب عجز عن تخليصه بأن كان فيه كلفة لها وقع عرفا (فابن لبون) أو خنثى ولد لبون يخرجه عنها، وإن كان أقل قيمة منها، ولا يكلف شراءها وإن قدر عليها، ولا يجزئ الخنثى من أولاد المخاض، وله إخراج بنت اللبون مع وجود ابن اللبون لكن إن لم يطلب جبرانا، ولو فقد الكل فإن شاء اشترى بنت مخاض أو ابن لبون، أما إذا لم يعدم بنت المخاض بأن وجدها -ولو قبيل الإخراج- فيتعين إخراجها ولو معلوفة بخلاف ما لو وجدها وارثه بين تمام الحول والأداء فلا تتعين (٤)، ولو تلفت بعد وقت إرادة الإخراج مع التمكن امتنع ابن اللبون (٥)؛ لتقصيره، وعليه فيلزم المالك أن يعدل عن إرادة إخراج بنت المخاض إلى إرادة إخراج ابن لبون عوضا عن بنت المخاض الموجودة حتى تلفت. ولو لم يجد بنت المخاض ولا ابن لبون فرق قيمتها إن لم يكن بماله سن مجزئ وأمكن الصعود إليه مع الجبران وإلا تخير بين ذلك وإخراج القيمة، ويجري ذلك في سائر أسنان الزكاة. (والمعيبة كمعدومة).
стр. 404
وَلَا يُكَلَّفُ كَرِيمَةً لَكِنْ تَمْنَعُ ابْنَ لَبُونٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيُؤْخَذُ الحِقُّ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوِ اتَّفَقَ فَرْضَانِ كَمِئَتَيْ بَعِيرٍ فَالمَذْهَبُ لَا يَتَعَيَّنُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، بَلْ هُنَّ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ فَإِنْ وُجِدَ بِمَالِهِ أَحَدَهُمَا أُخِذَ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ،
(ولا يكلف كريمة) وإبله مهازيل -بخلاف ما إذا كُنَّ كلهن كرائم كما يأتي-؛ للخبر الصحيح ((إياك وكرائم أموالهم)) (لكن تمنع) الكريمة (ابن لبون) وحِقا (في الأصح)؛ لوجود بنت مخاض مجزئة بماله فلزمه شراء بنت مخاض أو دفع الكريمة، (ويؤخذ الحِق عن بنت مخاض) عند فقدها; لأنه أولى من ابن لبون (لا) عن بنت (لبون في الأصح)؛ لعدم تميزه عليها بنحو فضل قوة ورود الماء والشجر، وبهذا فارق إجزاء ابن اللبون عن بنت المخاض. (ولو اتفق فرضان كمائتي بعير فالمذهب لا يتعين أربع حقاق بل هن أو خمس بنات لبون) حيث لا أغبط; لأن كلا يصدق عليه أنه واجب، ولا يجوز إخراج حقتين وبنتي لبون ونصف وإن كان أغبط؛ للتشقيص بخلاف ثلاث مع حقتين وأربع مع حقة مثلا فيجزئ إذا كان مع وجود الفرضين عنده هو الأغبط، (فإن وجُدِ بماله أحدهما) كاملا (أخذ) إن لم يُحَصِّل الآخر الأغبط (١) ولا يلزمه تحصيله وإن سهل، ولا يجوز هنا نزول ولا صعود؛ لعدم الضرورة إليه (وإلا) يوجد بماله أحدهما كاملا أو وجدا أو أحدهما لا بصفة الإجزاء أو بصفة الكرم (فله تحصيل ما شاء) وإن لم يكن أغبط؛ لمشقة تحصيل الأغبط، فله أن يجعل الحقاق أصلا ويصعد لأربع جذاع فيخرجها ويأخذ أربع جبرانات، وأن يجعل بنات اللبون أصلا وينزل لخمس بنات مخاض فيخرجها مع خمس جبرانات، فعلم أن له فيما إذا وجد بعض كل منهما كثلاث حقاق وأربع بنات لبون أن يجعل الحقاق أصلا فيدفعها أو بعضها والباقي من بنات اللبون مع الجبران لكل وبنات اللبون أصلا فيدفعها أو بعضها والباقي من الحقاق ويأخذ الجبران لكل، وفيما إذا وجد بعض أحدهما كحقة أن يجعلها أصلا فيدفعها مع ثلاث جذاع ويأخذ ثلاث جبرانات أو بنات اللبون أصلا فيدفع خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات، أما إذا فقد الحقاق وبنات اللبون فلا أصل في ذلك بل يحصل أحدهما، وفيما إذا كان له أربعمائة له إخراج أربع حقاق وخمس بنات لبون إذ لا تشقيص; لأن كل مائتين أصل برأسها، ومحله إذا استويا في الأغبطية أو كان في اجتماع الحقاق وبنات اللبون أغبطية كما تأتي، وليس له فيما ذكر
стр. 405
وَقِيلَ يَجِبُ الْأَغْبَطِ لِلْفُقَرَاءِ، وَإِنْ وَجَدَهُمَا فَالصَّحِيحُ تَعَيُّنُ الْأَغْبَطِ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إنْ دَلَّسَ أَوْ قَصَّرَ السَّاعِي، وَإِلَّا فَيُجْزِئُ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ قَدْرِ التَّفَاوُتِ، وَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِهِ. وَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَدِمَهَا دَفَعَ بِنْتَ مَخَاضٍ مَعَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ حِقَّةً وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا،
أن يصعد أو ينزل لدرجتين كأن يجعل بنات اللبون أصلا ويصعد لخمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات، (وقيل: يجب الأغبط للفقراء) ويُرَدُّ بالمشقة، (وإن وجدهما) بماله بغير صفة الإجزاء فكالعدم، أو بصفته حال الإخراج (فالصحيح تعين الأغبط) -إن كان من غير الكرام؛ إذ هي كالمعدومة- بأن كان أصلح لهم لزيادة قيمة أو احتياجهم لنحو دَرٍّ أو حرث أو حمل; إذ لا مشقة في تحصيله، (ولا يجزئ غيره إن دلس) المالك بأن أخفى الأغبط (أو قَصَّر الساعي) ولو في الاجتهاد في أيهما أغبط فترد عينه إن وجد وإلا فقيمته (وإلا فيجزئ) ; لمشقة الرد، (و) عليه فـ (الأصح) -ما لم يعتقد الساعي حل أخذ غير الأغبط ويُفَوِّض الإمام له ذلك- (وجوب قدر التفاوت) بينه وبين الأغبط إذا كانت الأغبطية بزيادة القيمة؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله (ويجوز إخراجه) دنانير أو (دراهم) من نقد البلد وإن أمكنه شراء كامل; لأن القصد الجبر لا غير، ويجوز أن يخرج بقدره جزءاً من الأغبط لا من المأخوذ (وقيل يتعين تحصيل شقص به) من الأغبط. (ومن لزمه بنت مخاض فعدمها) وعدم ابن لبون في ماله وأمكنه تحصيلهما (وعنده بنت لبون دفعها) إن شاء (وأخذ شاتين) بصفة الإجزاء إلا إن رضي ولو بذكر واحد (أو عشرين درهما) إسلامية فضة خالصة، نعم لو لم يجدها وغلبت المغشوشة جاز إخراج ما يكون فيه من النقرة (١) قدر الواجب، أما إذا وجد ابن لبون فلا يجوز بنت لبون إلا إذا لم يطلب جبرانا، (أو) لزمه (بنت لبون فعدمها دفع بنت مخاض مع شاتين) بالصفة المارة (أو عشرين درهما، أو حقة وأخذ شاتين أو عشرين درهما) كما رواه البخاري عن كتاب أبي بكر ﵁، وكذا كل من لزمه سن فقده، وما نزّل منزلته له الصعود لأعلى منه ولو غير سن زكاة وأخذ الجبران، والنزول لأسفل منه إن كان سن زكاة ودفع الجبران، وخرج بعدمها ما
стр. 406
وَالخِيَارُ فِي الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ لِدَافِعِهَا وَفِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ لِلْمَالِكِ فِي الْأَصَحِّ إلَّا أَنْ تَكُونَ إبِلُهُ مَعِيبَةً، وَلَهُ صُعُودُ دَرَجَتَيْنِ، وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ، وَنُزُولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ جُبْرَانَيْنِ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ دَرَجَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ جُبْرَانٍ مَعَ ثَنِيَّةٍ بَدَلَ جَذَعَةٍ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الجُمْهُورِ الجَوَازُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ،
إذا وجدها فيمتنع النزول وكذا الصعود إن طلب جبرانا، ونحو المعيب والكريم هنا كمعدوم، (والخيار في الشاتين والدراهم لدافعها) مالكا كان أو ساعيا، لكن يلزمه رعاية مصلحة الفقراء أخذا ودفعا كما يلزم وكيلا ووليا رعاية مصلحة المالك (وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح) ; لأنهما شُرِعا تخفيفا عليه حتى لا يُكَلَّف الشراء فناسب بين النزول والطلوع (١)، كما إذا لزمه بنتا لبون فليس الطلوع في واحدة والنزول في أخرى، ومحل الخلاف الذي في المتن إن دفع غير الأغبط وإلا لزم الساعي قبول الأغبط جزما (إلا أن تكون إبله معيبة) فلا يصعد لمعيب مع طلب الجبران -إلا إن رآه الساعي مصلحة (٢) -؛ لأنه قد تزيد قيمة الجبران المأخوذ على المعيب المدفوع، ومن ثم لو عدل لسليم مع طلب الجبران جاز، وله النزول لمعيب مع دفع جبران؛ لتبرعه بزيادة، (وله صعود درجتين وأخذ جبرانين ونزول درجتين مع جبرانين بشرط تعذر درجة) قربى في جهة المخرجة (في الأصح) فلا يصعد عن بنت المخاض للحقة، ولا ينزل عن الحقة إليها إلا عند تعذر بنت اللبون؛ لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد، نعم لو صعد درجتين ورضي بجبران واحد جاز قطعا مطلقا، وحكم الصعود والنزول الزائد على درجتين كما ذكر. وخرج بقولنا في جهة المخرجة ما لو لزمه بنت لبون فقدها والحقة فله الصعود للجذعة وأخذ جبرانين وإن كان عنده بنت مخاض; لأنها وإن كانت أقرب لبنت اللبون ليست في جهة الجذعة. (ولا يجوز أخذ جبران مع ثنية) وهي ما لها خمس سنين كاملة (بدل جذعة) فقدها (على أحسن الوجهين) ; لأنها ليست من أسنان الزكاة (قلت: الأصح عند الجمهور الجواز والله أعلم) ; لأنها أسن منها بسنة فكانت كجذعة بدل حقة، أما إذا لم يطلب جبرانا فيجوز جزماً.
стр. 407
وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَتُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ لِجُبْرَانَيْنِ. وَلَا الْبَقَرِ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَكُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، لَهَا سَنَتَانِ، وَلَا الْغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ فَشَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ، وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ، وَمِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثٌ، وَأَرْبَعَماِئَةٍ أَرْبَعٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ.
(ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) عن جبران واحد;; لأن الحديث اقتضى التخيير بين الشاتين والعشرين فلم تجزئ خصلة ثالثة، نعم إن كان الآخذ المالك ورضي بالتفريق جاز; لأن الحق له (وتجزئ شاتان وعشرون لجبرانين) ; لأن كلا مستقل (ولا البقر حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع) أو تبيعة بالأَولى (ابن سنة) كاملة (ثم في كل ثلاثين تبيع، وكل أربعين مسنة لها سنتان) كاملتان وذلك؛ للخبر الصحيح بذلك، ويجزئ تبيعان بالأولى، ولا جبران هنا كالغنم؛ لعدم وروده، (ولا) شيء في (الغنم حتى تبلغ أربعين فشاة جذعة ضأن أو ثنية معز وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان و مائتين وواحدة ثلاث وفي أربعمائة أربع، ثم في كل مائة شاة) كما في كتاب الصديق ﵁.
стр. 408
فصل
إنِ اتَّحَدَ نَوْعُ المَاشِيَةِ أَخَذَ الْفَرْضُ مِنْهُ فَلَوْ أَخَذَ عَنْ ضَأْنٍ مَعْزاً أَوْ عَكْسُهُ جَازَ فِي الْأَصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْقِيمَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ كَضَأْنٍ وَمَعْزٍ فَفِي قَوْلٍ يُؤْخَذُ مِنَ الْأَكْثَرِ فَإِنِ اسْتَوَيَا فَالْأَغْبَطُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَلَاثُونَ عَنْزًا وَعَشْرُ نَعْجَاتٍ أَخَذَ عَنْزاً أَوْ نَعْجَةٌ بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبْعِ نَعْجَةٍ.
(فصل) في بيان كيفية الإخراج لما مر وبعض شروط الزكاة
(إن اتحد نوع الماشية) كأن كانت إبله كلها أرحبية (١) أو بقره كلها جواميس (٢) أو غنمه كلها ضأنا أو معزا (أَخَذَ الفرض منه) وهو الأصل، نعم إن اختلفت الصفة (٣) مع اتحاد النوع ولا نقص وجب أغبطها كما مر في الحقاق وبنات اللبون، ولا ينافي هذا ما يأتي من أنه لا يؤخذ الخيار؛ لأن محل أخذ الأغبط هنا إذا كانت كلها خيارا لكن تعدد وجه الخيرية فيها أو كلها غير خيار بأن لم يوجد فيها وصف الخيار الآتي؛ لأن الأغبطية لا تنحصر في زيادة القيمة، (فلو أخذ عن ضأن معزاً أو عكسه) أو عن جواميس عرابا (٤) أو عكسه (جاز في الأصح)؛ لاتحاد الجنس، ولهذا يكمل نصاب أحدهما بالآخر (بشرط رعاية القيمة) بأن تساوي قيمة المُخْرَج من غير النوع -تعدد أو اتحد- قيمة الواجبَ من النوع (وإن اختلف) النوع (كضأن ومعز ففي قول يؤخذ من الأكثر)؛ تغليبا (فإن استويا فالأغبط)؛ لأنه لا مرجح غيره (والأظهر أنه يخرج ما شاء مقسطا عليهما بالقيمة)؛ رعاية للجانبين (فإذا كان ثلاثون عنزا) وهي أنثى المعز (وعشر نعجات أخذ) الساعي ما اختاره المالك مما ذكر في قوله: (عنزا أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة) فالخيرة للمالك، فلو كانت قيمة عنز مجزئة دينارا ونعجة مجزئة دينارين لزمه في مثال المتن عنز أو نعجة قيمتها دينار وربع، نعم لو وُجِد اختلاف الصفة في كل نوع
стр. 409
وَلَا تُؤْخَذُ مَرِيضَةٌ، وَلَا مَعِيبَةٌ إلَّا مِنْ مِثْلِهَا. وَلَا ذَكَرٌ إلَّا إذَا وَجَبَ، وَكَذَا لَوْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا فِي الْأَصَحِّ. وَفِي الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ فِي الجَدِيدِ،
أخرج من أي نوع شاء لكن من أجوده مع اعتبار القيمة (ولا تؤخذ مريضة ولا معيبة (١) بما يُرَدُّ به المبيع؛ للنهي عن ذلك (إلا من مثلها) ; لأن المستحقين شركاؤه، ولو كان البعض أردأ من بعض أخرج الوسط في المعيب، فلو ملك خمسا وعشرين بعيراً معيبة فيها بنت مخاض من الأجود وأخرى دونها تعيَّنت هذه؛ لأنها الوسط. ويؤخذ ابن لبون خنثى عن ابن لبون ذكر مع أن الخنوثة عيب في المبيع. ولو انقسمت ماشيته لسليمة ومعيبة أُخذت سليمة بالقسط ففي أربعين شاة نصفها سليم ونصفها معيب -وقيمة كلِّ سليمة ديناران وكلَّ معيبة دينار- تؤخذ سليمة بقيمة دينار ونصف، ولو كانت المنقسمة لسليمة ومعيبة ستا وسبعين مثلا فيها بنت لبون صحيحة أخذ صحيحة بالقسط مع مريضة غير مقسطة، أو فيها صحيحتان أخذتا مع رعاية القيمة بأن تكون نسبة قيمتهما إلى قيمة الجميع كنسبتهما إلى الجميع، (ولا ذكر) ; لأن النص ورد بالإناث (إلا إذا وجب) كابن لبون أو حق في خمس وعشرين إبلا عند فقد بنت المخاض وكجذع أو ثني فيما دونها، (وكذا) يؤخذ الذكر فيما (لو تمحضت) ماشيته غير الغنم (ذكورا في الأصح) كما تؤخذ معيبة من مثلها، نعم يجب في ابن لبون أخذ في ست وثلاثين أن يكون أكثر قيمة منه في خمس وعشرين؛ لئلا يسوي بين النصب، ويعرف ذلك بالتقويم والنسبة فلو كانت قيمة المأخوذ في خمس وعشرين خمسين كانت قيمة المأخوذ في ست وثلاثين اثنين وسبعين، أما الغنم فيجزي الذكر عنها قطعا. وخرج بتمحضت ما لو انقسمت إلى ذكور وإناث فلا يؤخذ عنها إلا الإناث كالمتمحضة إناثا لكن الأنثى المأخوذة في المختلطة تكون دون المأخوذة في المتمحضة؛ لوجوب التقسيط السابق فيها، فإن تعدد واجبها وليس عنده إلا أنثى واحدة جاز إخراج ذكر معها (وفي الصغار) إذا ماتت الأمهات عنها وبني حولها على حولها، أو ملك أربعين من صغار المعز ومضى عليها حول (صغيرة في الجديد)؛ لقول الصديق ﵁ ((والله لو منعوني عناقا (٢) كانوا يؤدونها إلى رسول لقاتلتهم على منعها))، ويجتهد الساعي في غير الغنم، وليحترز عن التسوية بين ما قل وكثر فيؤخذ في ست وثلاثين فصيلا
стр. 410
وَلَا رُبَّى، وَأَكُولَةٌ وَحَامِلٌ، وَخِيَارٌ، إلَّا بِرِضَا المَالِكِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ أَهْلُ الزَّكَاةِ فِي مَاشِيَةٍ زَكَّيَا كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا لَوْ خَلَطَا مُجَاوَرَةً بِشَرْطِ أَلَّا تَتَمَيَّزَ فِي المَشْرَبِ
فصيل فوق المأخوذ في خمس وعشرين وهكذا، ومحل إجزاء الصغير إن كان من الجنس فإن كان من غيره كخمسة أبعرة صغار أخرج عنها جذعة أو ثنية؛ لأنها لمَّا كانت من غير الجنس لم تختلف باختلافه. ولو انقسمت ماشيته لصغار وكبار وجبت كبيرة بالقسط فإن لم توجد به فالقيمة كما مر، وكذا يقال فيما سبق. (ولا) تؤخذ (رُبّى) أي حديثة عهد بنتاج عرفا (وأَكُولة) أي مُسَمَّنة للأكل (وحامل) ويُلحق بها التي طرقها الفحل؛ لغلبة حمل البهائم من مرة واحدة (وخيار) بوصف آخر غير ما ذكر، وضابطه أن يزيد قيمة بعضها -بوصف آخر غير ما ذكر- على قيمة كل من الباقيات، ولا عبرة هنا بزيادة لأجل نحو نطاح. وإذا وجد وصف من أوصاف الخيار التي ذكروها فلا يعتبر معه زيادة قيمة ولا عدمها اعتبارا بالمظنة وذلك؛ لخبر ((إياك وكرائم أموالهم))، نعم إن كانت ماشيته كلها خيارا أخذ الواجب منها إلا الحوامل; لأنها حيوانان (إلا برضا المالك) في الجميع؛ لأنه محسن بالزيادة (ولو اشترك) اثنان من (أهل الزكاة في) جنس -وإن اختلف النوع- من (ماشية) نصاب أو أقل ولأحدهما نصاب بنحو إرث أو شراء (زكَّيا كرجل)، نعم يكفي انفراد أحدهما ونيته في إخراج زكاتهما فيرجع (١) ببدل ما أخرجه عنه. و قد يفيدهما الاشتراك تخفيفا كثمانين بينهما سواء، وتثقيلا كأربعين كذلك، وتثقيلا على أحدهما وتخفيفا على الآخر كستين لأحدهما ثلثاها، وقد لا تفيد شيئا كمائتين سواء، أما إذا لم يكن لأحدهما نصاب فلا زكاة وإن بلغه مجموع المالين كأن انفرد كل منهما بتسعة عشر واشتركا في ثنتين، (وكذا لو خلطا مجاورة) -بأن كان مال كلٍّ معينا في نفسه-؛ لخبر البخاري عن كتاب الصديق ﵁ ((لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة))، نعم لو كان أحد المالين موقوفا أو لذمي أو مكاتب أو لبيت المال فيعتبر الآخر إن بلغ نصابا زكاه زكاة المفرد وإلا فلا (بشرط) دوام الخلطة سنة في الحولي فلو ملك كلٌّ أربعين شاة أول المحرم وخلطاها أول صفر لم تثبت في الحول الأول فإذا جاء المحرم أخرج كلٌّ شاةً وثبتت في الحول الثاني وما بعده، أما غير الحولي فإن كان خلطة شيوع فالعبرة بالخلطة فيه عند الوجوب كالزهو في الثمر، أو خلطة مجاورة فلا بد منها من أول الزرع إلى وقت الإخراج، و (ألا تتميز في المشرب)
стр. 411
وَالمَسْرَحِ وَالمُرَاحِ وَمَوْضِعِ الحَلْبِ، وَكَذَا الرَّاعِي وَ الْفَحْلُ فِي الْأَصَحِّ، لَا نِيَّةُ الخُلْطَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَظْهَرُ تَأْثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ، بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ النَّاطُورُ وَالجَرِينُ وَالدُّكَّانُ وَالحَارِسُ وَمَكَانُ الحِفْظِ وَنَحْوُهَا. وَلِوُجُوبِ زَكَاةِ المَاشِيَةِ شَرْطَانِ: مُضِيُّ الحَوْلِ فِي مِلْكِهِ لَكِنْ مَا نُتِجَ مِنْ نِصَابٍ يُزَكَّى بِحَوْلِهِ،
أي محل الشرب، ولا في الدلو والآنية التي تشرب فيها، ولا فيما تجتمع فيه قبل السقي وما تُنَحَّى إليه ليشرب غيرها، والمراد أن لا تنفرد إحداهما بمحل لا تَرِد فيه الأخرى وكذا في جميع ما يأتي إلا الفحل عند اختلاف النوع كما يأتي (والمسرح) أي فيما تجتمع فيه لتساق للمرعى والمرعى نفسه والطريق إل يه (والمُراح) أي مأواها ليلا (وموضع الحلَب) -لا الحالب- (وكذا الراعي والفحل) إن اتحد النوع وإلا لم يضر اختلافه؛ للضرورة (في الأصح، لا نية الخلطة في الأصح) ; لأن المقتضي لتأثير الخلطة هو خفة المؤنة وهو موجود وإن لم تنو، ويضر الافتراق في واحد مما ذكر أو يأتي زمنا طويلا كثلاثة أيام مطلقا أو يسيرا بتعمد أحدهما له أو بتقريره للتفرق. ويجزئ أخذ الساعي الواجب من مال أحدهما فيرجع على شريكه بحصته من القيمة ويصدق الشريك في القيمة; لأنه غارم. (والأظهر تأثير خلطة الثمر والزرع والنقد وعرض التجارة)؛ لعموم خبر ((ولا يفرق بين مجتمع)) (بشرط ألا يتميز) في خلطة الجوار (الناطور) هو حافظ النخل والشجر (١) (والجَرين) وهو محل التجفيف وتخليص الحبّ (والدكان والحارس ومكان الحفظ ونحوها) كماء تشرب به وحراث ومتعهد وجداد نخل وميزان ومكيال ووزان وكيال وحمال ولقاط وملقح ونقاد (٢) ومناد ومطالب بالأثمان; لأن المالين إنما يصيران كالمال الواحد بذلك، وصورة خلطة المجاورة في ذلك أن يكون لكلٍّ صفُّ نخيلٍ أو زرع في حائط واحد أو كيس دراهم في صندوق واحد أو أمتعة تجارة في دكان واحد، ومر أنه ليس الشرط الاتحاد بالذات بل أن لا يظهر تميز أحد المالين به وإن تعدد.
(ولوجوب زكاة الماشية شرطان):
أحدهما (مضي الحول) كله (في ملكه)؛ لخبر ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))، (لكن ما نُتج من نصاب) لا دونه (يزكى بحوله) أي النصاب؛ لما مر عن أبي بكر ﵁، فيتبع
стр. 412
وَلَا يُضَمُّ المَمْلُوكُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي الحَوْلِ، فَلَوِ ادَّعَى النِّتَاجَ بَعْدَ الحَوْلِ صُدِّقَ. فَإِنِ اتُّهِمَ حُلَّفَ، أوْ زَالَ مِلْكُهُ فِي الحَوْلِ فَعَادَ أَوْ بَادَلَ بِمِثْلِهِ اسْتَأْنَفَ،
الأصل في حوله وإن مات فإذا كان عنده مائة فولدت إحدى وعشرين قبل الحول وجب شاتان أو عشرين لم يفده (١)؛ لأنها لم تبلغ بالنتاج ما يجب فيه شيء زاد على ما قبله، وإذا كان عنده أربعون شاة فولدت أربعين وماتت قبل الحول فتجب شاة ولا يشترط سوم هنا في النتاج، وخرج بنُتج ما ملك بنحو شراء، وبقوله ((بحوله (٢) ما حدث بعد الحول أو مع آخره (٣) فلا يضم للحول الأول بل للثاني، ويشترط اتحاد سبب ملك الأمهات والنتاج، فلو أوصى الموصى له بالحمل به قبل انفصاله لمالك الأمهات ثم مات ثم نتجت لم يزك بحول الأصول، واتحاد المالك (٤)، فلو أوصى به لشخص لم يضم لحول الوارث، أو انفصال كل النتاج قبل تمام الحول وإلا فلا زكاة، واتحاد الجنس فلو حملت البقرة بإبل فلا ضم، (ولا يضم المملوك بشراء أو غيره في الحول) ; لأنه لم يتم له حول، نعم يضم إليه في النصاب فيضم فيه فإذا اشترى غرة (٥) المحرم ثلاثين بقرة وعشرة أخرى أول رجب فعليه في الثلاثين تبيع عند محرم وللعشرة ربع مسنة عند رجب ثم عليه بعد ذلك في باقي الأحوال ثلاثة أرباع مسنة عند محرم وربعها عند رجب وهكذا، كما لو طرأت زكاة الخلطة على زكاة الإنفراد فيلزم للسنة الأولى زكاة الانفراد ولما بعدها زكاة الخلطة، (فلو ادعى) المالك (النتاج بعد الحول) أو غيره من مسقطات الزكاة وخالفه الساعي واحتمل قول كلٍّ (صُدِّق) المالك; لأن الأصل عدم الوجوب (فإن اتهم حُلِّف) ندبا، فإن أبى ترك، ولا يحلف ساعٍ ولا مستحقٌّ. (ولو مات) المالك في الحول انقطع فيستأنفه الوارث من وقت الموت، نعم السائمة لا يستأنف حولها منه بل من وقت قصده هو؛ لإسامتها بعد علمه بالموت، ومثل ذلك ما لو كان مال مورثه عرض تجارة فلا ينعقد حوله حتى يتصرف فيه بنية التجارة (أو زال ملكه في الحول فعاد أو بادل بمثله) مبادلة صحيحة في غير نحو قرض النقد (استأنف) ; لأنه ملك جديد، ويكره له ذلك
стр. 413
وَكَوْنُهَا سَائِمَةً، فَإِنْ عُلِفَتْ مُعْظَمَ الحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ إنْ عُلِفَتْ قَدْرًا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلَا ضَرَرٍ بَيِّنٍ وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوِ اعْتَلَفَتِ السَّائِمَةُ أَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ فِي حَرْثٍ وَنَضْحٍ وَنَحْوِهِ فَلَا زَكَاةَ فِي الْأَصَحِّ
إن قصد به الفرار من الزكاة، وشمل المتن بيع بعض النقد الذي للتجارة ببعض كما يفعله الصيارفة، وكذا لو كان عنده نصاب سائمة للتجارة فبادلها بمثلها، أما لو أقرض نصاب نقد في الحول فلا ينقطع الحول عن المقرض؛ لثبوت بدله في ذمته.
(و) الشرط الثاني (كونها) راعية في كلا مباح، وتسمى (سائمة) سواء بفعل المالك أو وكيله أو وليه أو الحاكم لغيبته مثلا، وذلك؛ للتقييد بالسوم في الأحاديث، فلا زكاة في معلوفة، والمتجه في ملك العلف أو مؤنة تقديم المباح لها أنه إن عدَّهُ أهل العرف تافها في مقابلة بقائها أو نمائها فهي باقية على سومها وإلا فلا (١)، ولا يشكل عليه ما يأتي أن النظر إلى الضرر البيِّن؛ لأن ما هنا فيه النظر للمعلوف وذاك فيه النظر لزمنه، ويأتي ذلك فيما لو استأجر من يرعاها بأجرة فيفرق بين كثرة الأجرة وقلّتها، ولا أثر لشرب النتاج لبن أمه; لأنه ناشئ عن الكلأ المباح مع كونه تابعاً، وخرج بإسامة المالك ونحوه لو ورث سائمة ودامت كذلك سنة ثم علم بإرثها، أو أسامها غاصب أو مشتر شراء فاسدا فلا زكاة فيهما، (فإن علفت معظم الحول فلا زكاة)؛ لكثرة مؤنتها (وإلا) تعلف معظمه كأن كانت تسام نهارا وتعلف ليلا (فالأصح إن علفت قدرا تعيش بدونه بلا ضرر بيِّن) إما لقلة الزمن كيوم أو يومين أو لاستغنائها بالرعي (وجبت، وإلا فلا) زكاة؛ لظهور المؤنة سواء أكان ذلك القدر الذي علفت به متواليا أم غير متوالٍ، ومحل ما ذكر حيث لم يقصد بالعلف قطع السوم وإلا انقطع به مطلقا (٢). (ولو سامت بنفسها) فلا زكاة؛ لعدم قصد السوم (أو اعتلفت السائمة) بنفسها القدر المؤثر فلا زكاة؛ للمؤنة. (أو كانت عوامل) للمالك ولو في مُحَرّمٍ أو بأجرة أو لغاصب (في حرث ونضح) وهو محل الماء المعد للشرب (٣) (ونحوه فلا زكاة في الأصح) ;
стр. 414
إِذَا وَرَدَتْ مَاءً أُخِذَتْ زَكَاتُهَا عِنْدَهُ وَإِلَّا فَعِنْدَ بُيُوتِ أَهْلِهَا. وَيُصَدَّقُ المَالِكُ فِي عَدَدِهَا إنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِلَّا فَتُعَدُّ عِنْدَ مَضِيقٍ
لأنها معدة لاستعمال مباح كثياب البدن وصح ((ليس في البقر العوامل شيء))، وشرطُ استعمالها أن يستمر ثلاثة أيام متوالية فأكثر وإلا لم يؤثر (١). (وإذا وردت ماء أخذت زكاتها عنده) ندبا؛ للأمر به، ولا يكلفون حينئذٍ ردها للبلد، ولا الساعي أن يتبع المرعى (وإلا فعند بيوت أهلها) وأفنيتهم; لأنه أضبط، أما التي لا تَرِد ماء ولا مستقر لأهلها لدوام انتجاعهم معها فيكلف الساعي النجعة إليهم، ولا يجب الدفع إلى الإمام إلا إن أرسل ساعيا فيجب تمكينه من القبض ولو بنحو عقال الجموح ثم يؤخذ منه بعد القبض لا حملها إلى محله إن بَعُد; لأن في ذلك مشقة لا تطاق، ويجب على الإمام بعث السعاة لأخذها ممن لا يعلم أنهم يؤدونها بأنفسهم. (ويصدق المالك) أو نحو وكيله (في عددها إن كان ثقة) وللساعي عدها (وإلا فتعد) وجوبا، والأولى كونه (عند مضيق) تمر به واحدة فواحدة وبيد كلّ من الآخذ والمخرج قضيب يشير به إليها ويضعه على ظهرها، فإن ادعى أحدهما الخطأ بما يختلف الواجب به أعيد العد. ويسن لآخذ الزكاة الدعاء لمعطيها؛ ترغيبا له. ويكره لغير نبي أو مَلَك إفراد الصلاة على غير نبي أو مَلَك والسلام كالصلاة فيكره إفراد غائب به إلا في المكاتبات، ويسن لمعطي نحو صدقة أو كفارة أو نذر ((ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)). ويسن الترضي والترحم على كلِّ خَيِّرٍ.
стр. 415
باب زكاة النبات
تَخْتَصُّ بِالْقُوتِ، وَهُوَ مِنْ الثِّمَارِ: الرُّطَبُ: وَالْعِنَبُ، وَمِنَ الحَبِّ: الحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالْأَرُزُّ، وَالْعَدَسُ، وَسَائِرُ المُقْتَاتِ اخْتِيَارًا،
(باب زكاة النبات)
الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. (تختص بالقوت وهو من الثمار الرطب والعنب) إجماعا (ومن الحب الحنطة والشعير والأَرُزّ والعَدَس وسائر المقتات) لا غيره كما يؤكل تداويا أو تأدما أو تنعما (اختيارا) ولو نادرا كالحِمّص (١) والباقلاء (٢) والذرة والدخن وهو نوع منها (٣) واللوبيا -وهو الدَُِجْر-؛ لخبر ((فيما سقت السماء والسيل والبعل (٤) العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر))، وإنما يكون ذلك في الثمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء (٥) والبطيخ والرمان والقضب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ ، وقيس بما يجب وما لا يجب غيرهما سواء أزرع ذلك قصدا أم نبت اتفاقا؛ لأن النادر يلحق بالغالب، نعم يشترط أن يملك الحب معين، ويلحق بالمملوك ما حمله سيل إلى أرضه مما يُعْرَض عنه فنبت وقصد تملكه بعد النبت أو قبله، ومثله ما حمله سيل من دار حرب، أما إن لم يقصد تملكه فلا زكاة كالنخل المباح وثمار موقوفة على غير معين كمسجد أو فقراء; إذ لا مالك لها معين أو على إمام المسجد أو المدرس; لأن المقصود بذلك الجهة أو انتقل الوقف إلى رحم الواقف كما يأتي؛ لأن الواقف لم يقصدهم، ومن ثم لا زكاة فيما جعل نذرا أو أضحية أو صدقة قبل وجوب الزكاة ولو نذرا معلقا بصفة حصلت قبله.
[تنبيه] يُزَكَّى ما نبت في أرض موقوفة على معين من بذر مباح يملكه الموقوف عليه ، بخلاف المملوك لغيره فإنه لمالكه فعليه زكاته سواء أنبت في أرض موقوفة أو مملوكة لغيره
стр. 416
وَفِي الْقَدِيمِ تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالْقُرْطُمِ، وَالْعَسَلِ. وَنِصَابُهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَهِيَ أَلْفٌ وَسِتُّماِئَةِ رَطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثَانِ، قُلْتُ: الْأَصَحُّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ; لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ مِئَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ بِلَا أَسْبَاعٍ وَقِيلَ وَثَلَاثُونَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيُعْتَبَرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إنْ تَتَمَّرَ أَوْ تَزَبَّبَ،
كمؤجرة (١) أو مغصوبة. وخرج باختياراً ما يقتات اضطرارا -وهو ما لا يستنبته الآدميون- كالحلبة. وتجب الزكاة على من يدفع الخراج أو الأجرة؛ لأن الجهة مختلفة ولا يؤديهما من حبِّها إلا بعد إخراج زكاة الكل. ولو أخذ الإمام أو نائبه الخراج على أنه بدل عن العشر فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد أو التقليد والأصح إجزاؤه أو ظلما لم يجز عنها وإن نواها المالك وعلم الإمام بذلك؛ لأن الظلم صارف عنها لذا فقولهم يجوز دفعها لمن لم يعلم أنها زكاة; لأن العبرة بنية المالك محله عند عدم الصارف من الآخذ، أما معه كأن قصد بالأخذ جهة أخرى فلا، وبهذا يُعْلَم أن المكس لا يجزئ عن الزكاة إلا إن أخذه الإمام أو نائبه على أنه بدل عنها باجتهاد أو تقليد صحيح.
[تنبيه] قَدَّم حنفي مثلا لشافعي أو باعه مثلا ما لا يعتقد تعلق الزكاة به على خلاف عقيدة الشافعي حرم ؛ اعتبارا بعقيدة الشافعي، (وفي القديم تجب في الزيتون والزعفران والوَرْس) ولو دون النصاب فيهما (والقُِرطُِم والعسل) من النحل؛ لآثار ضعيفة.
(ونصابه (٢) خمسة أوسق)؛ لخبر الشيخين ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) (وهي ألف وستمائة رطل بغدادية وبالدمشقي ثلاثمائة وستة وأربعون رطلا وثلثان، قلت: الأصح ثلاثمائة واثنان وأربعون وستة أسباع; لأن الأصح أن رطل بغداد مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وقيل بلا أسباع وقيل وثلاثون والله أعلم) وتقدير الأوسق تحديد، والاعتبار بالكيل بمكيال أهل المدينة، وإنما قدر بالوزن؛ احتياطا، والمعتبر فيه من كل نوع الوسط، (ويعتبر تمرا أو زبيبا إن تتمر أو تزبب)؛ لخبر مسلم ((ليس في حب ولا تمر صدقة
стр. 417
وَإِلَّا فَرُطَبًا وَعِنَبًا. وَالحَبُّ مُصَفّىً مِنْ تِبْنِهِ وَمَا اُدُّخِرَ فِي قِشْرِهِ كَالْأَرُزِّ وَالْعَلَسِ فَعَشَرَةُ أَوْسُقٍ
حتى يبلغ خمسة أوسق)) (وإلا) أي إن لم يجف أو كان يجف رديئا أو يطول زمن جفافه كسنة (فرطبا وعنبا) ويخرج منه؛ لأن هذا أكمل أحواله، ويضم غير المتجفف للمتجفف في إكمال النصب؛ لاتحاد الجنس، وله قطع ما لا يجف وما ألحق به بإذن العامل (١) وإن لم يضر; لأنه لا نفع في بقائه، وكذا ما ضر أصله لنحو عطش أو خيف عليه قبل أوانه، وتخرج منه وإن كان رطبا؛ للضرورة (٢)، ومن ثم لو قطعه من غير ضرورة لزمته القيمة على ما يأتي آخر الباب، ومع أن الزكاة تتعلق حينئذ بالقيمة وليس بالعين فليس له التصرف في المقطوع فلو باع بطل في الكل؛ للجهل بما عدا قدر الزكاة. وللساعي قبض ما لا يجف وما ألحق به على النخل ثم يقسمه بالخرص، وله قبضه بعد قطعه مشاعا ثم يقسمه، وله بعد قبضه بيعه لمصلحة المستحقين -ولو للمالك- وتفرقة ثمنه إن لم يمكن تجفيفه وتتمره بعد القطع وإلا لزمه، أما ما يجف منه فلا يصح قبضه له فيلزمه رده إن بقي وبدله إن تلف فإن أخره عنده حتى جف وساوى قدر الزكاة أجزأ (٣) فإن زاد رد الزائد أو نقص أخذ ما بقي، وإن أتلفها المالك أو تلفت عنده لزمه قيمة الواجب تمرا، نعم إن قطعه لنحو عطش لزمه قيمة الواجب رطبا (٤)، ويجوز للمالك الاستقلال بالقسمة ويستظهر بحيث يعلم أن مع الفقراء زيادة على الواجب، ويجوز له أيضا قسمته وهو على النخل بأن يسلم إليهم نخلات يعلم أن ثمنها أكثر من العشر. وللقاضي ولاية الزكاة ما لم يولِّ عليها غيره، (والحب مصفىً من) نحو (تبنه) وقشر لا يؤكل ولا يدخر معه، ويغتفر قليل فيه لا يؤثر في الكيل، (وما ادخر في قشره) الذي لا يؤكل معه -وإلا فيحسب معه كالذرة، وقشرة الباقلا السفلى- (كـ) الكاف استقصائية (الأرز) ولو في قشرته الحمراء (٥) (والعَلَس فعشرة أوسق) تحديدا؛ اعتباراً لقشرِهِ بالنصف; لأن خالصه يجيء
стр. 418
وَلَا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ، وَيُضَمُّ النَّوْعُ إلَى النَّوْعِ، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلٍّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ أُخْرِجَ الْوَسَطُ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إلَى الحِنْطَةِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَالسُّلْتُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقِيلَ: شَعِيرٌ، وَقِيلَ حِنْطَةٌ، وَلَا يُضَمُّ ثَمَرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ إلَى آخَرَ، وَيُضَمُّ ثَمَرُ الْعَامِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَ إدْرَاكُهُ، وَقِيلَ: إنْ طَلَعَ الثَّانِي بَعْدَ جَِدَادِ الْأَوَّلِ لَمْ يُضَمَّ
منه خمسة أوسق غالبا (١). (ولا يكمل جنس بجنس، ويضم النوع إلى النوع) كبر مصري وشامي؛ لاتحاد الاسم، والدخن نوع من الذرة فيضم إليها بشرط أن يتساويا في أكثر هذه الصفات وهي الصورة واللون والطبع والطعم وغالباً هما يختفان في الجميع (ويخرج من كل بقسطه فإن عسر)؛ لكثرة الأنواع (أخرج الوسط)؛ رعاية للجانبين، وإخراج القسط أولى، (ويضم العلس إلى الحنطة; لأنه نوع منها، والسُّلْت جنس مستقل، وقيل شعير) ; لأنه بارد مثله (وقيل حنطة) ; لأنه مثلها لونا وملاسة.
[تنبيه] لو اختلط برٌّ بشعير فإن قلَّ الشعير بحيث لو مُيز لم يؤثر في النقص لم يعتبر ، وعليه فلا يجزئ إخراج شعير ولا يدخل في الحساب وإلا لم يكمل أحدهما بالآخر فما كمل نصابه أخرج عنه من غير المختلط. (ولا يضم ثمر عام وزرعه إلى آخر) في تكميل النصاب ولو فرض إطلاع ثمر العام الثاني قبل جذاذ الأول، (ويضم ثمر العام) أي الاثنى عشر شهرا عربية (بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه)؛ لأن الإدراك يختلف زمنه ولو في النخلة الواحدة فلو اعتبر تساوي الإدراك لتعذر وجوب الزكاة فاعتبر وقوع القطع في العام الواحد (٢)، (وقيل إن اطلع الثاني بعد جَِداد الأول) أي قطعه (لم يضم)؛ لأنه يشبه ثمر العام الثاني، أما إن أطلع قبل بدو صلاح الأول فيضم جزماً، ومحل الخلاف إن تعددت الأشجار أما إن تصور أن نخل أو كرم يحمل في العام مرتين فالحملان كثمرة عامين إن كان الثاني بعد جداد أو وقت نهايته (٣).
стр. 419
وَزَرْعَا الْعَامِ يَضُمَّانِ وَالْأَظْهَرُ اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا فِي سَنَةٍ. وَوَاجِبُ مَا شَرِبَ بِالمَطَرِ أَوْ عُرُوقُهُ لِقُرْبِهِ مِنْ المَاءِ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ، أَوْ دُولَابٍ أَوْ بِمَاءٍ اشْتَرَاهُ نِصْفُهُ. وَالْقَنَوَاتُ كَالمَطَرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءٌ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا فَفِي قَوْلٍ يُعْتَبَرُ هُوَ، وَالْأَظْهَرُ يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ،
(وزرعا العام يضمان) و إن استخلفا من أصل أو اختلفا زرعا وجدادا كالذرة تزرع ربيعا وصيفا وخريفا (والأظهر اعتبار وقوع حصاديهما في سنة) أي اثنى عشر شهرا عربية; لأن الحصاد هو المقصود وعنده يستقر الوجوب، ويكفي عن الحصاد وعن الجداد زمان إمكانهما وإن لم يقعا بالفعل، ويصدق المالك أنه زرع عامين ويُحَلَّف ندبا إن اتهم. (وواجب ما شرب) بمؤنة خفيفة كالذي شرب (بالمطر) أو ماء منصب إليه من نهر (أو عروقُهُ لقربه من الماء من ثمر وزرع العشر، و ما سقي) بمؤنة كثيرة كالذي شرب (بنضح (١) بنحو البعير (أو دُولاب) وهو ما يديره الحيوان، أو ناعورة يديرها الماء بنفسه (أو بما اشتراه) شراء صحيحا أو فاسدا أو غصبه أو استأجره؛ لوجوب ضمانه أو وُهِب له؛ لعظم المنة، أو ثلج أو برد (نصفه)؛ للأخبار الصحيحة الصريحة في ذلك، (والقنوات (٢) وكذا السواقي (٣) المحفورة من النهر العظيم (كالمطر على الصحيح) ; لأنه لا كلفة في مقابلة الماء نفسه بل في عمارة وإحياء أو تهيئة الأرض أو العين أو النهر كي يجري الماء بطبعه إلى الزرع. (وما سقي بهما) أي النوعين (سواء) أو جهل حاله (ثلاثة أرباعه)؛ رعاية للجانبين (فإن غلب أحدهما ففي قول يعتبر هو)؛ للغلبة (والأظهر يقسط) فإن كان ثلثاه بنحو مطر وثلثه بنحو نضح وجب خمسة أسداس العشر ثلثا العشر للثلثين وثلث نصف العشر للثلث. وتعتبر الغلبة على الضعيف والتقسيط على الأظهر (باعتبار عيش الزرع) أو الثمر (ونمائه) أي مدته وجد النماء أو لا، ولو علم أن أحدهما أكثر وجهل عينه فالواجب ينقص عن العشر ويزيد على نصفه فيؤخذ اليقين إلى أن يعرف الحال،
стр. 420
وَقِيلَ بِعَدَدِ السَّقَيَاتِ. وَتَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ وَاشْتِدَادِ الحَبِّ
(وقيل بعدد السقيات) النافعة بقول الخبراء، فإذا كان مِن بذره إلى إدراكه ثمانية أشهر فاحتاج في ستة أشهر زمن الشتاء والربيع إلى سقيتين فسقي بنحو مطر وفي شهرين زمن الصيف إلى ثلاث سقيات فَسُقِيَهَا بنحو نضح فيجب على المعتمد ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، فإن احتاج في أربعة أشهر لسقية بمطر وأربعة لسقيتين بنضح وجب ثلاثة أرباع العشر، ويضم المسقي بنحو مطر إلى المسقي بنحو نضح في إكمال النصاب وإن اختلف الواجب، وبهذا -المستلزم لاختلاف الأرض غالبا- يُعلم أن من له أرض في محالٍ متفرقة ولم يتحصل النصاب إلا من مجموعها لزمه زكاته، ولو حصل له من زرع دون النصاب حل له التصرف فيه -وإن ظن حصوله مما زرعه أو سيزرعه ويتحد حصاده مع الأول- فإذا تم النصاب بان بطلان نحو البيع في قدر الزكاة، ويلزمه الإخراج عنه وإن تلف وتعذر رده. ويصدق المالك في كونه مسقيا بماذا ويحلَّف ندبا إن اتهم. (وتجب ببدو) فقط ولا يشترط غاية (صلاح الثمر) ولو في البعض ويأتي ضابطه في البيع (واشتداد الحب) ولو في البعض، ومع وجوبها بما ذكر لا يجب الإخراج إلا بعد التصفية والجفاف فيما يجف بل لا يجزئ قبلهما وإلا فيحرم الإعطاء ويضمنه قابضه وإن لم يشرط الاسترداد، نعم إن ميزه قابضه فكان قدر الواجب أجزأه إن نوى به المالك الزكاة حينئذٍ بل ولو عند الإخراج فقط (١) بشرط أن يجدد الإقباض، أما القول بندب إطعام الفقراء يوم الحصاد والجداد اللازم منه الإخراج قبل التصفية فمحمول على ما لا زكاة فيه (٢) أو ما علم أنه قد زكي أو ما زادت أجرة جمعه على ما يحصل منه، بل محل جواز هذا ما لم تدل قرينة على عدم رضا المالك أو يكن المالك محجورا عليه (٣)، والمؤن لنحو الجداد والتصفية تخرج من خالص ماله لا من الحب والثمر.
стр. 421
وَيُسَنُّ خَرْصُ الثَّمَرِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى مَالِكِهِ. وَالمَشْهُورُ إدْخَالُ جَمِيعِهِ فِي الخَرْصِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي خَارِصٌ، وَشَرْطُهُ الْعَدَالَةُ، وَكَذَا الحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ فِي الْأَصَحِّ. فَإِذَا خَرَصَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَنْقَطِعُ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرِ وَيَصِيرُ فِي ذِمَّةِ المَالِكِ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِيُخْرِجهُمَا بَعْدَ جَفَافِهِ، وَيُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِتَضْمِينِهِ وَقَبُولِ المَالِكِ عَلَى المَذْهَبِ،
(ويسن خرص) وهو حزر ما يجيء من الرطب والعنب تمرا أو زبيبا بأن يرى ما على كل شجرة ثم إن شاء -وهو الأولى- قَدَّر عقب رؤية كلٍّ ما عليها رطبا ثم جافا، وإن شاء -إن اتحد النوع- قَدَّر الجميع رطبا ثم جافا (الثمر) -وإن كان من نخيل البصرة- ولا يخرص الحب؛ للتعذر (إذا بدا صلاحه) أو صلاح بعضه -لا قبله؛ لتعذر الخرص- (على مالكه)؛ للأمر الصحيح بذلك، بل يجب إذا علم الإمام أو نائبه تصرف الملاك بالبيع وغيره قبل الجفاف (والمشهور إدخال جميعه) ولا يستثنى شيء لأكله وأكل عياله (في الخرص)؛ لعموم الأدلة (وأنه يكفي خارص) ; لأنه يجتهد ويعمل بقول نفسه فهو كالحاكم. ولو اختلف خارصان توقفنا حتى يُعرف الأمر منهما أو من غيرهما، ولو فقد خارص من جهة الساعي حَكِّم المالك عدلين يخرصان عليه ويضمنانه، (وشرطه) العلم بالخرص بشاهدين وإلا بالاستفاضة، و (العدالة) أي عدالة الشهادة، (وكذا الحرية والذكورة في الأصح) ; لأنه ولاية. (فإذا خرص) وضمن (فالأظهر أن حق الفقراء) أي المستحقين (ينقطع من عين الثمر ويصير في ذمة المالك التمر والزبيب) إن لم يتلفا بغير تقصير منه، فإن تلفا بغير تقصير منه قبل التمكن من الأداء فلا ضمان (ليخرجهما بعد جفافه) أي الثمر، (ويشترط التصريح) من الساعي أو الخارص المُحَكَّم في الخرص (بتضمينه وقبول المالك (١) أو وليه أو وكيله للتضمين (على المذهب) ; لأن الانتقال من العين إلى الذمة يستدعي رضاهما، ولو ضمّن الساعي أحد الشريكين أو الخليطين قدر حقه من الزكاة (٢) تضمينا صحيحا، أو أخرج أحدهما حصته منها من ماله -ولو بغير إذن شريكه- جاز له التصرف في قدر حقه؛ لأن الشركة تجعل المالين
стр. 422
وَقِيلَ يَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الخَرْصِ، فَإِذَا ضُمِّنَ جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي جَمِيعِ المَخْرُوصِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ. وَلَوِ ادَّعَى هَلَاكَ المَخْرُوصِ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ، أَوْ ظَاهِرٍ عُرِفَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الظَّاهِرُ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي الهَلَاكِ بِهِ. وَلَوِ ادَّعَى حَيْفَ الخَارِصِ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ بِمُحْتَمَلٍ قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ.
كالمال الواحد، ويجاب ساع طلب قسمة ما يجف مما يضر بأصله أو ما لا يجف قبل القطع، أو بعده وقبل الجفاف بأن تفرد الزكاة بالخرص في نخلة أو أكثر ويبرأ المالك، وللساعي أن يبيعه لا أن يأخذ قيمة الواجب مع بقاء الثمر إلا باجتهاد أو تقليد صحيح، فإن أتلفها المالك أو تلفت عنده بعد قطعها لزمه قيمة الواجب رطبا كما مر، (وقيل ينقطع بنفس الخرص) ; لأن التضمين لم يرد (وإذا ضُمِّن) وقبل (جاز تصرفه في جميع المخروص بيعا وغيره) ; لأنه ملكه بذلك، ومحل الخرص والتضمين عند إمكان الاستيفاء من الشجر أو غيره، فإن ضمّنه على ظن أنه موسر فأخلف ظنه باع الإمام جزءا من الثمر أو الشجر -أي حيث لم يكن مرهونا- أما قبل الخرص والتضمين أو القبول فلا ينفذ تصرفه ببيع أو غيره إلا فيما عدا قدر الزكاة، ومع ذلك يحرم عليه التصرف في شيء منها؛ لتعلق الحق بها. (ولو ادعى) المالك (هلاك المخروص) أو بعضه (بسبب خفي كسرقة أو ظاهر) كحريق (عرف) دون عمومه أو معه ولكن اتهم في هلاك الثمر به (صدق بيمينه) واليمين هنا وفي سائر ما يأتي مستحبة، (فإن لم يعرف الظاهر) بأن عرف عدمه (١) أو لم يعرف شيء (طولب ببينة على الصحيح)؛ لسهولة إقامتها (ثم يصدق بيمينه في الهلاك به)؛ لاحتمال سلامة ماله بخصوصه، ولو اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب قُبِل قوله ويحلف ندبا إن اتهم. (ولو ادعى حيف الخارص) بزيادة عمدا لم تسمع دعواه إلا ببينة، (أو غلطه بما يَبْعُد) وقوعه عادة من عالم بالخرص كالربع (لم يقبل)؛ للعلم ببطلان دعواه، نعم يحط عنه القدر الممكن الذي لو اقتصر عليه قبل (أو بمحتمَل) وبَيَّن قدره كنصف العشر (قبل) وحُلِّف ندبا إن اتهم (في الأصح) ; لأن صدقه ممكن، ذا كله (٢) إن تلف المخروص وإلا أعيد كيله.
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فرع] إذا أتلف المالك الثمر الذي يجف بعد الخرص والتضمين والقبول لزمه زكاته جافا أو قبل ذلك لا لخوف ضرر أصله لزمه قيمته (١) يدفعها للمستحقين سواء كان يتتمر أم لا، ولو تلف كله بعد ذلك قبل إمكان الأداء بلا تقصير لم يلزمه شيء أو بعضه زكى الباقي، ولو أتلف المال بعد الخرص والتضمين أجنبي لزم المالك الزكاة إن ضمن الجاني وإلا فلا، أو قبل التضمين فلا شيء عليه ويطالب الغاصب، وللساعي أن يضمن يهوديا شريك مسلم زكاته; لأن ابن رواحة ضمن يهود خيبر زكاة الغانمين; لأنهم شركاؤهم في التمر وابن رواحة من الغانمين.
стр. 424
باب زكاة النقد
نِصَابُ الْفِضَّةِ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَالذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَزَكَاتُهُمَا رُبْعُ عُشْرٍ. وَلَا شَيْءَ فِي المَغْشُوشِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا
(باب زكاة النقد)
هو لغة: المضروب (١) من الفضة، والمراد شرعا: الذهب والفضة ولو غير مضروبين (نصاب الفضة مائتا درهم والذهب عشرون مثقالا) إجماعا تحديدا، فلو نقص في ميزان وتَمَّ في آخر فلا زكاة؛ للشك (بوزن (٢) مكة)؛ للخبر الصحيح ((المكيال مكيال المدينة والوزن وزن مكة))، (وزكاتهما ربع عشر)؛ لخبرين صحيحين بذلك، ويجب فيما زاد بحسابه، (ولا شيء في المغشوش) أي المخلوط من ذهب بنحو فضة ومن فضة بنحو نحاس (حتى يبلغ خالصه نصابا)؛ لخبر الشيخين ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة))، فإذا بلغ خالص المغشوش نصابا أو كان عنده خالص يكمله أخرج قدر الواجب خالصا أو من المغشوش ما يعلم أن فيه قدر الواجب، ويصدق المالك في قدر الغش فلو كان لمحجور تعين الأول إن نقصت مؤنة السبك المحتاج إليه عن قيمة الغش، فإن زادت مؤنة السبك على قيمة الغش ولم يرض المستحقون بتحملها لم يجزئ إخراج الثاني؛ لإضرارهم حينئذ بخلاف ما إذا لم تزد أو رضوا، ويكره للإمام ضرب المغشوش ولغيره ضرب الخالص (٣) إلا بإذنه، وما لا يروج إلا بتلبيس يدوم إثمه بدوامه، ولا يكره إمساك مغشوش موافق لنقد البلد. ولا يكمل أحد النقدين بالآخر ويكمل كل نوع من جنس بآخر منه ثم يؤخذ من كلٍّ إن سهل وإلا فمن الوسط، ويجزئ جيد وصحيح عن رديء ومكسور بل هو أفضل لا عكسهما فيستردهما إن بَيَّن عند الدفع أنه عن ذلك المال.
стр. 425
وَلَوِ اخْتَلَطَ إنَاءٌ مِنْهُمَا وَجُهِلَ أَكْثَرَهُمَا زُكِّيَ الْأَكْثَرُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ مُيِّزَ. وَيُزَكَّى المُحَرَّمُ مِنْ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ، لَا المُبَاحُ فِي الْأَظْهَرِ، وَمِنَ المُحَرَّمِ الْإِنَاءُ وَالسِّوَارُ وَالخَلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ، فَلَوِ اتَّخَذَ سِوَارًا بِلَا قَصْدٍ أَوْ قَصْدِ إجَارَتِهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ فَلَا زَكَاةَ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ الحُلِيُّ وَقَصَدَ إصْلَاحَهُ
(ولو اختلط إناء منهما) أي النقدين بأن أذيبا وصيغ منهما (وجُهِل أكثرهما) كأن كان وزنه ألفا وأحدهما ستمائة والآخر أربعمائة وجهل عينه (زكى الأكثر ذهبا وفضة)؛ احتياطا فيزكي ستمائة ذهبا وستمائة فضة ولا يكفي تزكية كله ذهبا; لأنه لا يجزئ عن الفضة كعكسه، هذا إن كان لغير محجور وإلا تعين التمييز الآتي بقوله (أو مُيِّز) بينهما بالنار أو بالماء، وليس له الاعتماد على غلبة ظنه من غير تمييز؛ لتعلق حق الغير به، ومؤنة السبك على المالك، ولو فقد آلة السبك أو احتاج فيه لزمن طويل عذر إلى التمكن. (ويُزَكَّى المُحَرَّم من حُِلِيٍّ وغيرِه (١) إجماعا، وكذا المكروه كضبة فضة كبيرة لحاجة (لا المباح في الأظهر) ; لشبهِهِ أمتعة الدار. ولو مات مورثه عن حلي مباح فمضى عليه حول أو أكثر ولم يعلم به لزمه زكاته. ولو حليت الكعبة مثلا بنقد حرم كتعليق محلىً فيها يتحصل منه شيء فإن وُقِف عليها فلا زكاة فيه قطعا؛ لعدم المالك المعين مع حرمة استعماله، ويصح وقف النقد على مسجد احتاج إليه لا للتزيين أما وقفه على تحليته به فباطل; لأنه لا يتصور حله، (ومن المحرم الإناء) كميل ولو لامرأة إلا لجلاء عين توقف عليه (والسِّوار والخَلخَال) وسائر حلي النساء (للبس الرجل) بأن قصد ذلك باتخاذهما; لأن فيه خنوثة لا تليق بشهامة الرجل بخلاف اتخاذهما للبس امرأة أو صبي، والخنثى كرجل في حلي النساء وكامرأة في حلي الرجال؛ أخذا بالأسوأ، (فلو اتخذ) الرجل (سوارا بلا قصد) -بخلاف ما لو قصد الكنز وإن لم يحرم الاتخاذ في غير الإناء- (أو قصد إجارته) ومثله -بلا خلاف- ما لو قصد إعارته (لمن له استعماله) بلا كراهة (فلا زكاة في الأصح) ; لأنه في الأولى بالصياغة بطل تهيؤه للإخراج الملحق له بالناميات وفي الثانية يشبه ما مر في المواشي العوامل. ولو قصد مباحا ثم غيره لمحرم أو عكسه تغير الحكم، (وكذا لو انكسر الحلي) المباح فعلمه (٢) (وقصد إصلاحه) فلا زكاة فيه في الأصح؛ لدوام صورة الحلي