فصل
لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَلَى مُلْكِ النِّصَابِ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الحَوْلِ، وَلَا تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ قَبْلَهُ. وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ،
(فصل) في التعجيل وتوابعه
(لا يصح تعجيل الزكاة) العينية (على مُلْكِ النصاب (١) كما إذا ملك مائة فأدى خمسة لتكون زكاة إذا تم المال مائتين وحال الحول؛ لفقد سبب الوجوب، أما غير العينية كأن اشترى للتجارة عرضا قيمته مائة فعجل عن مائتين أو أربعمائة مثلا وحال الحول وهو يساويهما فيجزئه. ولو ملك مائة وعشرين شاة فعجل عنها شاتين -وميز واجب المائة وعشرين من واجب المائة وواحد وعشرين (٢) - ثم أنتج بعضها سخلة قبل الحول لم تجزئ المعجلة عن النصاب الذي كمل. (ويجوز) التعجيل للمالك دون نحو الولي (قبل الحول)؛ لما صح أنه ﷺ ((رخَّص للعباس فيه قبل الحول))، ويشترط للتعجيل انعقاد الحول وذلك بأن يملك النصاب في غير التجارة، أما التجارة فالشرط أن توجد نيتها مقارنة لأول تصرف (ولا تعجل لعامين) فأكثر (في الأصح) ; لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها فكان كالتعجيل قبل كمال النصاب، وإذا عجل لعامين أجزأه ما يقع عن الأول إن ميّز (٣) واجب كل سنة; لأن المجزئ شاة معينة لا مشاعة ولا مبهمة. (وله تعجيل الفطرة من أول رمضان)؛ للاتفاق على جوازه (٤) بيومين فألحق بهما البقية؛ إذ لا فارق، ولوجوبها بسببين الصوم والفطر وقد وجد أحدهما (والصحيح منعه قبله)؛ لأنه تقديم على السببين معاً (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه، …
стр. 457
وَلَا الحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ، وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا. وَشَرْطُ إجْزَاءِ المُعَجَّلِ بَقَاءُ المَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ إلَى آخِرِ الحَوْلِ، وَكَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الحَوْلِ مُسْتَحِقًّا وَقِيلَ إنْ خَرَجَ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَثْنَاءِ الحَوْلِ لَمْ يُجْزِهِ. وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ
ولا الحب قبل اشتداده) ; لأن وجوبها بسبب البدو والاشتداد فامتنع التقديم عليه، وقبل الظهور يمتنع قطعا، (ويجوز بعدهما) ولو قبل الجفاف والتصفية (١)، ثم إن بان نقصٌ كمَّله أو زيادة فهي تبرع.
(وشرط إجزاء المعجل)
أوّلا (بقاء المالك أهلا (٢) للوجوب) أي دوام شرط الوجوب.
وثانيا بقاء المال (إلى آخر الحول) أي وقت الوجوب، ولا يضر تلف المعجل، ويشترط أن لا يتغير الواجب وإلا كأن عَجَّل بنت مخاض عن خمس وعشرين فتوالدت وبلغت ستا وثلاثين قبل الحول لم تجزئ تلك وإن صارت بنت لبون بل يستردها ويعيدها أو يعطي غيرها.
(و) ثالثا (كون القابض في آخر الحول) أي وقت الوجوب (مستحقا) فلو زال استحقاقه كأن كان المال أو الآخذ آخر الحول بغير بلده (٣) أو مات أو ارتد حينئذٍ لم تجزئ ويلزم المالك الدفع ثانيا، ولا يضر الشك في قيام المانع من الزكاة في المستحق بل لا بد من تحققه عند الوجوب (٤)، (وقيل إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول) وعاد في آخره (لم يجزه) كما لو لم يكن عند الأخذ مستحقا ثم استحق آخره، (ولا يضر غناه بالزكاة) المعجلة لنحو كثرة أو توالد ولو بها مع غيرها; لأن القصد بالدفع إليه إغناؤه أما غناه بغيرها وحده فيضر. ولو استغنى بزكاة أخرى معجلة أو غير معجلة ضر، وصورتها أن تتلف المعجلة ثم تحصل له زكاة يسد منها بدل المعجلة ثم يبقى منها ما يغنيه، أو تبقى ويكون حالة قبضهما محتاجا لهما ثم يتغير حاله عند الحول فصار يكفيه أحدهما وهما بيده. ولو اتفق حول معجلتين
стр. 458
وَإِذَا لَمْ يَقَعِ المُعَجَّلُ زَكَاةً اسْتَرَدَّ إنْ كَانَ شَرَطَ الِاسْتِرْدَادَ إنْ عَرَضَ مَانِعٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاتِي المُعَجَّلَةُ فَقَطْ اسْتَرَدَّ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْقَابِضُ لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَأَنَّهُمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مُثْبِتِ الِاسْتِرْدَادِ صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ،
فالثانية أولى بالاسترجاع، ولو كانت إحداهما واجبه فالمسترجع المعجلة؛ لأن الواجبة لا يضر عروض المانع بعد قبضها. (وإذا لم يقع المعجل زكاة استرد إن كان شرط الاسترداد إن عرض مانع) أما قبل المانع فلا يسترد مطلقا، أو شرطه من غير مانع فلا يسترد بل لا يصح القبض أصلا (١). (والأصح أنه لو قال هذه زكاتي المعجلة فقط استرد) ; لأنه عيّن الجهة فإذا بطلت رجع كالأجرة، وعِلْمُ القابض بالتعجيل كاف في الرجوع وإن لم يذكر كما أفاده قوله: (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض لم يسترد) الدافع؛ لتفريطه، ولا فرق في ذكر بين المالك والإمام، نعم إن علم المستحق بالتعجيل بعد القبض وقبل التصرف استرد.
[تنبيه] فرض ذلك في الزكاة يقتضي أنه لا يجري هذا التفصيل في غيرها مما له سببان فعجَّل عن أحدهما كأن ذبح متمتع عقب فراغ عمرته ثم دفعه للمستحقين فبان أنه ممن لا يلزمه دم فلا يرجع مطلقا، (وأنهما لو اختلفا في مثبت الاسترداد صُدِّق القابض) ووارثه -لا الدافع- (بيمينه) ; لأن الأصل عدمه، وفيما لو اختلفا في علم القابض يحلف على نفي علمه بالتعجيل.
стр. 459
وَمَتَى ثَبَتَ وَالمُعَجَّلُ تَالِفٌ وَجَبَ ضَمَانُهُ وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَأَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ نَاقِصًا فَلَا أَرْشَ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً. وَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِنْ تَلِفَ المَالُ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَلَا،
(ومتى ثبت) الاسترداد (والمعجل) باق تعين رده بعينه، أو (تالف وجب ضمانه) بالمثل في المثلي والقيمة في المتقوم; لأنه قبضه لغرض نفسه، (والأصح اعتبار قيمته يوم القبض) ; لأن ما زاد عليها يومئذ حصل في ملك القابض، (وأنه) أي المالك (لو وجده ناقصا) نقصَ صفةٍ كمرض وسقوط يد (فلا أرش (١) كأب رجع في هبته فرأى الموهوب ناقصا، أما نقصُ جزءٍ متميز كتلف أحد شاتين فيضمن بدله قطعا، (وأنه) يأخذ الزيادة المتصلة، و (لا يسترد زيادة منفصلة (٢) كولد وكسب ولبن ولو بضرع وصوف وإن لم يُجَزَّ؛ لحصولها في ملكه، أما لو بان غير مستحق كقن فيرجع عليه بها وبأرش النقص مطلقا؛ لتبين عدم ملكه ولفساد قبضه وإن صار عند الحول مستحقا، وكذا يضمنهما لو وجد سبب الرجوع قبلهما أو معهما.
مسائل مناسبة للفصل
(وتأخير) المالك إخراج (الزكاة بعد التمكن) بحضور المال والأصناف كما مر (يوجب الضمان) أي إخراج قدر الزكاة (٣) لمستحقيه (٤) (وإن تلف المال)؛ لتقصيره بحبس الحق عن مستحقيه، والأصح أن التمكن شرط للضمان؛ إذ لو تأخر الإمكان مدة فابتداء الحول الثاني من تمام الأول، لا من الإمكان أي بالنسبة لما لم يملكه المستحقون أخذا مما مر في التنبيه المذكور في مسألة الدار. ولو حدث نتاج بعد الحول وقبل الإمكان ضم للأصل في الثاني دون الأول. (ولو تلف قبل التمكن) بلا تفريط سواء أكان تلفه بعد الحول أم قبله (فلا)
стр. 460
وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِسْطَ مَا بَقِيَ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالمَالِ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ، وَفِي قَوْلٍ تَعَلُّقَ رَهْنٍ، وَفِي قَوْلٍ بِالذِّمَّةِ
يلزمه؛ لعدم تقصيره، (ولو تلف بعضه) أي بعض النصاب بعد الحول وقبل التمكن بلا تفريط (فالأظهر أنه يغرم قسط ما بقي) فإذا تلف واحد من خمسة أبعرة وجب أربعة أخماس شاة، أما لو تلف زائد على النصاب كأربعة من تسعة فالأصح أنه تجب شاة أيضا؛ لأن الوقص عفو، (وإن أتلفه) أي المالك ولو نحو مجنون، أو قَصَّر في دفع متلِف عنه كأن وضعه في غير حرزه (بعد الحول وقبل التمكن لم تسقط الزكاة (١)؛ لتعديه، ولو أتلفه أجنبي يضمن لزمه بدل قدر الزكاة من قيمة المتقوم ومثل المثلي للمستحقين (٢)، ويأتي ذلك في زكاة الفطر فتستقر في ذمته بإتلافه المال قبل التمكن وبعده وكذا بتلفه بعد التمكن لا قبله. (وهي تتعلق بالمال) الذي تجب في عينه، وكذا تتعلق الدين كما مر، (تعلق شركة) بقدرها; لأنها تؤخذ من عينه قهرا عند الامتناع كما يقسم المال المشترك قهرا عند الامتناع من القسمة، وعليه إن كان الواجب من غير الجنس كشاة في خمس إبل ملك المستحقون منها بقدر قيمة الشاة، وإن كان من الجنس كشاة من أربعين فالواجب شائع أي ربع عشر كلٍّ وللمالك تعيين واحدة منها -مع نية إخراجها- أو من غيرها قطعا؛ رفقا به، وعلى القول بتعلق الشركة لا يتعدى التعلق لنحو لبن ونتاج حدث بعد الوجوب وقبل الإخراج، والمراد بتعلق شركة أن المغلب فيها ذلك؛ لقولهم يجوز ضمانها بالإذن واختلافهم في إحالة المالك للساعي بها وإن كان الراجح عدمه (٣)، (وفي قول تعلق رهن) أي المغلب ذلك أيضا، (وفي قول بالذمة)؛ كالفطرة،
стр. 461
فَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ إخْرَاجِهَا فَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ فِي قَدْرِهَا، وَصِحَّتُهُ فِي الْبَاقِي.
(فلو باعه) أي الجميع الذي تعلقت به (قبل إخراجها فالأظهر) ظاهر المتن أن هذا يتفرع على الوجهين السابقين في الشركة من الإشاعة والإبهام لكن الأصح أنا إن قلنا الواجب مشاع صح في غير قدر الزكاة أو مبهم بطل في الكل (بطلانه في قدرها) -من المبيع سواء أكان المال زكوي أم بعضه-; لأن بيع ملك الغير من غير مسوغ له باطل فيطالب المشتري كلٌّ من الفقراء والساعي وإن أفرز المالك قدرها، وطريق براءة المشتري أن يرد قدر زكاة ما قبضه على البائع أو يستأذنه في إخراجها أو يُعْلِم الإمام أو الساعي ليأخذها منه فإن فعل ذلك وبرئ انقطع تسلط الساعي على ما بقي بيد المشتري، أما إن تعذر ذلك فيحفظها إلى تيسر المالك أو الساعي، ومنه القاضي إن لم يُفوَّض أمر الزكاة لغيره، فإن مات المالك -وقلنا للأجنبي أداء الزكاة عنه- فللمشتري إخراج قدرها من ماله وحينئذ فللورثة مطالبته بقدرها من المبيع؛ لأنه على ملك مورثهم والزكاة سقطت عنه. ثم إنه متى دفع المشتري قدرها رجع على البائع بحصته من الثمن إن قبضه، ويأتي ذلك فيما لو آجر أرضا للزرع وأخذ أجرتها من حبِّه قبل إخراج زكاته (وصحته في الباقي (١) فيتخير المشتري إن جهل؛ بناء على قولي تفريق الصفقة، ومن ثم اشترط العلم بقدر الواجب وإلا فتبطل في الكل، وبه يعلم البطلان في الكل في نحو خمسة أبعرة فيها شاة؛ لما مر أنهم شركاء بقدر قيمتها وذلك لا تمكن معرفته حتى يختص البطلان بما عداه; لأن التقويم تخمين. أما لو باع البعض فإن لم يبق قدرها فكبيع الكل وإن أبقاه فتبطل في قدرها أيضا؛ لأن حقهم شائع فأي قدر باعه كان حقه وحقهم، نعم إن قال بعتك هذا إلا قدرها صح فيما عداها أي قطعا، ثم الأوجه اشتراط معرفة المتبايعين لقدرها من نحو عشر أو نصفه أو ربعه.
[تنبيه] جميع ما مر في زكاة الأعيان -إلا الثمر بعد الخرص والتضمين؛ لما مر من صحة تصرف المالك فيه حينئذ- أما زكاة التجارة فيصح بيع الكل ولو بعد الوجوب لكن بغير محاباة; لأن متعلق هذه الزكاة القيمة وهي لا تفوت بالبيع، فإن باعه بمحاباة بطل البيع فيما قيمته قدر الزكاة من المحاباة وإن أفرز قدرها، وكذا لو وَهَب أو أعتق قنّها وهو غير موسر.
стр. 462
كتاب الصيام
يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ الهِلَالِ،
(كتاب الصيام)
هو لغةً: الإمساكُ، وشرعاً: الإمساك الآتي بشروطه الآتية.
وأركانه النية والإمساك والصائم (١)، وثواب الناقص والكامل منه واحدٌ في فضل رمضان جملة إلا أن ليوم الثلاثين في ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره وفطره زيادة يفوق بها الناقص. (يجب صوم رمضان) إجماعاً، وهو معلوم من الدين بالضرورة. وهو أفضل الأشهر حتى من عشر الحجة؛ للخبر الصحيح ((رمضان سيد الشهور))، نعم يوم عرفة أفضل أيام السنة. ولا يكره قول رمضان بدون ((شهر))؛ للأخبار الكثيرة فيه (بإكمال شعبان ثلاثين) حتى لو كان كماله بناءً على رؤية لم يثبت بها هلال شعبان لكن في حق الرائي نفسه (أو رؤية الهلال) بعد الغروب -لا بواسطة نحو مرآة- ليلة الثلاثين منه بخلاف ما إذا لم ير وإن أطبق الغيم؛ لخبر البخاري ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). وكهذين الخبرُ المتواتر برؤيته (٢) ولو من كفار؛ لإفادته العلم الضروري، وظَنُّ دخوله بالاجتهاد كما يأتي (٣)، أو بالأمارة الظاهرة الدالة التي لا تتخلف عادة كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر، لا قول منجم وحاسب، ولا يجوز لأحد تقليدهما (٤)، نعم لهما العمل بعلمهما ولكن لا يجزئهما (٥) عن رمضان، ولا برؤية النبي ﷺ في النوم قائلا غداً من رمضان؛ لبعد ضبط الرائي، ولا برؤية الهلال في رمضان وغيره قبل الغروب; لأن الشارع إنما أناط الحكم برؤيته بعده.
стр. 463
وَثُبُوتُ رُؤْيَتِهِ بِعَدْلٍ، وَفِي قَوْلٍ عَدْلَانِ. وَشَرْطُ الْوَاحِدِ صِفَةُ الْعُدُولِ فِي الْأَصَحِّ، لَا عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ
(وثبوت) ولو في أثنائه (١) وعليه فيقضون اليوم الأول (رؤيته (٢) في حق من لم يره تحصل بحكم القاضي بها بعلمه (٣)، وكذا بحكم مُحَكَّم لكن بالنسبة لمن رضي بحكمه فقط، و (بـ) شهادة (عدل) -ولو مع إطباق غيم لا يحيل الرؤية عادة- بلفظ أشهد أني رأيت الهلال أو أنه هَلَّ أو نحوهما بين يدي قاض وإن لم تتقدم دعوى، ولا بد من نحو قوله ثبت عندي أو حكمت بشهادته لكن ليس المراد هنا حقيقة الحكم; لأنه إنما يكون على معين مقصود، ومن ثم لو ترتب عليه حق آدمي ادعاه كان حكما حقيقيا -ولا يكفي قوله (٤): ((إن غدا أو الليلة من رمضان)) -؛ للخبر الصحيح أن ابن عمر ﵄ رآه فأخبر النبي ﷺ به ((فصام وأمر الناس بصيامه)). ولا يجوز لمن لم يره الشهادة برؤيته أو بما يفيدها ككونه هلّ وإن استفاض عنده ذلك بل وإن أخبره بها عدد التواتر وعلم به ضرورة، ولا يُكَلَّف الشاهد ذكر صفة الهلال ولا محله، نعم إن ذكر محله مثلا وبان الليلة الثانية بخلافه فإن أمكن عادة الانتقال لم يؤثر وإلا علم كذبه فيجب قضاء بدل ما أفطروه برؤيته. ولو تعارضا في محله مثلا عُمِل باتفاقهما على أصل الرؤية، ثم إن محل ثبوته بعدل إنما هو في الصوم وتوابعه كالتراويح والاعتكاف دون نحو طلاق وحلول دين مؤجل عُلِّق به، نعم إن تعلق بالرائي عومل به، وكذا إن تأخر التعليق عن ثبوته بعدل (٥)، (وفي قول عدلان. وشرط الواحد صفة العدول) في الشهادة الآتي (في الأصح، لا عبد وامرأة)، نعم يُكتفى بالمستور وهو من ظاهره التقوى ولم يُعَدَّل عند قاضٍ، وتقبل شهادة عدلين على شهادته. ولا أثر لتردد يبقى بعد الحكم بشهادته؛ للاستناد إلى ظن معتمد، نعم إن علم -غير القاضي- قادحا عمل به باطنا لا ظاهرا؛ لتعرضه للعقوبة، ويلزم الفاسقَ ومَن لا يُقْبَل العملُ برؤية نفسه، وكذا من اعتقد صدقه في إخباره
стр. 464
وَإِذَا صُمْنَا بِعَدْلٍ وَلَمْ نَرَ الهِلَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ أَفْطَرْنَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَإذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ دُونَ الْبَعِيدِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْبَعِيدُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ بِاخْتِلَافِ المَطَالِعِ،
برؤية نفسه أو بثبوته في بلد متحد مطلعه سواء أول رمضان وآخره، بل عليه اعتماد العلامات بدخول شوال إذا حصل له اعتقاد جازم بصدقها كقناديل المقبرة فجر العيد، ومثله إخبار العدل الموجب للاعتقاد الجازم (١) (وإذا صمنا بعدل) ولو مستور العدالة (ولم نر الهلال بعد ثلاثين) يوما (أفطرنا) وجوبا (في الأصح وإن كانت السماء مصحية)؛ لإكمال العدد كما لو صمنا بعدلين. ولا يقبل رجوع العدل أو العدلين بعد الشروع في الصوم; لأن الشروع فيه كالحكم، وخرج بـ ((العدل)) ما لو صام شخص بقول من اعتقد صدقه (٢) فلا يفطر بعد الثلاثين؛ لأنا صوَّمناه احتياطا فلا نفطره احتياطا أيضاً (وإذا رُئي) وثبت (ببلد لزم حكمه البلد القريب) قطعا; لأنهما كبلد واحد، أما إذا لم يثبت بالبلد الذي أشيعت رؤيته فيها فلا يثبت في القريبة منه إلا بالنسبة لمن صدَّق المخبر. ولابد من طريق يعلم بها أهل القريبة الثبوت فإن كان ثبت بنحو حكم فلا بد من اثنين يشهدان عند حاكم القريبة بالحكم ولا يكفي واحد وإن كان المحكوم به يكفي فيه الواحد; لأن المقصود إثباته الحكم بالصوم لا الصوم، أو بنحو استفاضة فلا بد من اثنين أيضا لذلك، فإن لم يكن بالبلد من يسمع الشهادة أو امتنع لم يثبت عندهم إلا بالنسبة لمن صَدَّق المخبِر بأن أهل تلك البلد ثبت عندهم ذلك، فعُلم أنه لو وجدت شروط الشهادة على الشهادة فشهد اثنان على شهادة الرائي -ولو واحدا- كفت إن كان ثَمَّ مَن يسمعها وإلا فلا تكفي إلا لمن صَدَّق المخبِر كما مر (دون البعيد في الأصح)؛ لخبر مسلم عن كريب ((استهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة فرآه الناس فصام معاوية ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فأخبرت ابن عباس بذلك فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية فقال: لا هكذا أمرنا رسول ﷺ )، (والبعيد مسافة القصر) ; لإناطة كثير من الأحكام بها، (وقيل باختلاف المطالع (٣).
стр. 465
قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَى الْبَلَدَ الْآخَرِ فَسَارَ إلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الصَّوْمِ آخِرًا، وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الْآخَرِ إلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ عَيَّدَ مَعَهُمْ وَقَضَى يَوْمًا
(قلت: هذا أصح والله أعلم) ; لأن المناظر تختلف باختلافها ولا تعلق للهلال بمسافة القصر، والمراد باختلافها أن يتباعد المحلان بحيث لو رُئي في أحدهما لم ير في الآخر غالبا (١). والشك في اختلافها كتحققه; لأن الأصل عدم الوجوب، ومحل عدم الوجوب مع الشكّ إن لم يبن آخرا اتفاقها وإلا وجب القضاء. ولو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية (٢) فإن اتفق أهل الحساب على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة وإلا فلا.
[تنبيه] إذا أثبت مخالفٌ الهلالَ مع اختلاف المطالع لزمنا العمل بمقتضى إثباته ; لأنه صار من رمضان حتى على قواعدنا فيجب قضاء ما أفطرناه عملا بمطلعنا، والقضاء فوري؛ بناء على ما قاله المتولي أنه إذا ثبت أثناء يوم الشك أي ثلاثي شعبان -وإن لم يتحدث برؤيته- أنه من رمضان لزمه قضاؤه فورا. (وإذا لم نوجب) الصوم (على البلد الآخر)؛ لاختلاف مطالعهما (فسافر إليه من بلد الرؤية) إنسان لم يُعيّد (فالأصح أنه يوافقهم في الصوم آخرا) وإن كان قد أتم ثلاثين; لأنه بالانتقال إليهم صار مثلهم، أما إذا وصل تلك البلد في يومه (٣) فلا يفطر (٤)؛ لأن حقيقة الرؤية أقوى من استصحاب المنتقل إليهم (٥)، وأما إذا أوجبنا الصوم على البلد الآخر بسبب اتفاق المطالع فيلزم أهل المحل المنتقل إليه الفطر آخراً ويقضون يوما إذا ثبت ذلك عندهم، وإلا لزمه الفطر كما لو رأى هلال شوال وحده، (ومن سافر من البلد الآخر) الذي لم يُرَ فيه (إلى بلد الرؤية عيّد) أي أفطر (معهم) وإن كان لم يصم إلا ثمانية وعشرين، يوما (وقضى يوما) إذا عيد معهم في التاسع والعشرين من صومه بخلاف ما إذا
стр. 466
وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا فَسَارَتْ سَفِينَتُهُ إلَى بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ
عيد معهم يوم الثلاثين فإنه لا قضاء; لأنه يكون تسعة وعشرين (ومن أصبح معيدا فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة) تخالفها في المطلع (أهلها صيام فالأصح أنه يمسك بقية اليوم)؛ لما تقرر أنه صار مثلهم.
стр. 467
فصل
النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلصَّوْمِ. وَيُشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التَّبْيِيتُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْأَكْلُ وَالجِمَاعُ بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّجْدِيدُ إذَا نَامَ ثُمَّ تَنَبَّهَ
(فصل) في النية وتوابعها
(النية شرط) لصحة (للصوم)؛ لخبر ((إنما الأعمال بالنيات))، ومحلها القلب ولا تكفي باللسان وحده. ويصح تعقيبها بإن شاء الله إن قصد التبرك لا التعليق ولا إن أطلق، ولا يجزئ عنها التسحر وإن قصد به التقوي على الصوم ولا الامتناع من تناول مفطر خوف الفجر ما لم يخطر بباله الصوم بالصفات التي يجب التعرض لها في النية; لأن ذلك يستلزم قصده غالبا (١). (ويشترط لفرضه) كرمضان -أداءً وقضاءً- وكفارةٍ ومنذور وصوم استسقاء أمر به الإمام (التبييت) أي: إيقاع النية فيما بين غروب الشمس وطلوع الفجر، ولو في صوم المميز; لأنه على صورة الفرض، وذلك لخبر ((مَن لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له))، ويشترط التبييت لكل يوم; لأنه عبادة مستقلة. ولو شك هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده لم يصح؛ لأن الأصل عدم وقوعها ليلا بخلاف ما لو نوى ثم شك هل طلع الفجر أو لا; لأن الأصل عدم طلوعه، ولو شك نهارا في النية أو التبييت صَحَّ وإن ذكر بعد مضي أكثره (٢)، وكذا لو تذكر بعد الغروب (٣)، (والصحيح أنه لا يشترط النصف الآخر من الليل)؛ لإطلاق التبييت في الخبر المتقدم، (وأنه لا يضر الأكل والجماع) وكل مفطر إلا الردة (بعدها) ; لأنه تعالى أباح الأكل إلى طلوع الفجر، (وأنه لا يجب التجديد إذا نام ثم تنبه) ; لأن النوم لا ينافي الصوم، ولو استمر للفجر لم يضر قطعاً، نعم لو قطع النية قبل الفجر احتاج لتجديدها قطعا، وإنما لم يؤثر قطعها نهارا; لأنها وجدت في وقتها من غير معارض.
стр. 468
وَيَصِحُّ النَّفَلُ بِنِيَّتِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَكَذَا بَعْدَهُ فِي قَوْلٍ، وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرْضِ، وَكَمَالُهُ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ للهِ تَعَالَى، وَفِي الْأَدَاءِ وَالْفَرْضِيَّةِ وَالْإِضَافَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى الخِلَافُ المَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ،
(ويصح النفل بنيته قبل الزوال)؛ لما صح أنه ﷺ دخل على عائشة ﵂ يوما فقال ((هل عندكم من غَداء قالت: لا، قال: فإني إذا أصوم))، والغداء اسم لما يؤكل قبل الزوال (١)، (وكذا بعده في قول)؛ لعدم الفرق، (والصحيح اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) أي من الفجر، نعم يُستثنى ما لو أصبح ولم ينو صوما فتمضمض ولم يبالغ فسبق الماء إلى جوفه ثم نوى صوم تطوع فيصح سواء قلنا يفطر بذلك أم لا. (ويجب التعيين في الفرض) بأن ينوي كل ليلة أنه صائم غدا عن رمضان أو النذر أو الكفارة وإن لم يعين سببها، فإن عين وأخطأ لم يجزئ، نعم لو تيقن أن عليه صوم يوم وشك أهو قضاء أو نذر أو كفارة أجزأه نية الصوم الواجب وإن كان مترددا؛ للضرورة ولم يلزمه الكل; لأن الأصل براءة الذمة، ومن ثم لو كانت الثلاثة عليه فأدى اثنين وشك في الثالث لزمه الكل، أما النفل فيصح بنية مطلقة، نعم يُشترط التعيين في الراتب كعرفة وما يتبعها مما يأتي كرواتب الصلاة؛ للكمال وحصول الثواب عليها بخصوصها لا لأصل الصحة، فلو نوى غيرها معها حصل؛ لأن القصد وجود صوم فيها، (وكماله) أي التعيين (أن ينوي صوم غد) وهذا واجب لا بد منه، ويكفي عنه عمومٌ يشمله كنية أول ليلة من رمضان ((صوم رمضان)) فيصح لليوم الأول (عن أداء فرض رمضانِ هذه السنة لله تعالى)؛ لصحة نيته اتفاقا حينئذ، واحتيج لإضافة رمضان إلى ما بعده; لأن قطعه عنها يُصَيِّر ((هذه السنة)) محتملا لكونه ظرفا لنويت فلا يبقى له معنى. (وفي الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى الخلاف المذكور في الصلاة (٢)، نعم لا تجب نية الفرضية هنا; لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضا والظهر قد تكون معادة، وعليه فلو نوى ولم يتعرض
стр. 469
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ فَكَانَ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ مِنْهُ. وَلَوِ اشْتَبَهَ صَامَ شَهْرًا بِالِاجْتِهَادِ،
للفرضية ثم بلغ قبل الفجر لم يلزمه التعرض لها. (والصحيح أنه لا يشترط تعيين السنة) ; لأن تعيين اليوم يغني عنه. (ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد) نفلا إن كان منه وإلا فمن رمضان صح له نفلا; لأن الأصل بقاؤه ما لم يبن من رمضان فلا يصح أصلا; لأن رمضان لا يقبل غيره، أو صوم غد (عن رمضان إن كان منه فكان منه لم يقع عنه) وإن زاد بعده وإلا فأنا متطوع أو حذف إن وما بعدها؛ لعدم الجزم بالنية، وجزمه به عن غير أصل ليس إلا حديث نفس (إلا إذا) قامت عنده قرينة تغلب على ظنه كونه منه كما مر في نحو إيقاد القناديل، ولا يضر إزالتها بعدُ النية (١) لإشاعة أن الهلال لم ير إذا بان بعد أنه رئي; لأن العبرة بظن كونه منه عند النية، وكأن (اعتقد) أي ظن، أما لو اعتقد جازما فمرّ أنه يجب عليه الصوم (كونه منه بقول من يثق به من عبد أو امرأة) ولو كان أحدهما غير رشيد (أو صبيان رشداء) أي لم يجرب عليهم الكذب أو صبي مميز كذلك، ولو أتى مع ظن ذلك بما يشعر بالتردد كأصوم عن رمضان فإن لم يكن منه فتطوع فإن زال ظنه بذكره لما يشعر بالتردد لم يصح، وإلا صح (٢)، ولا ينافي هذا ما يأتي أن بكلام عدد من هؤلاء يتحقق يوم الشك الذي يحرم صومه; لأن الكلام هنا في صحة النية اعتمادا على خبرهم ثم إن بان أنه من رمضان لم يحتج لإعادتها وإلا كان يوم شك فلا يجوز له صومه، (ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم غد إن كان من رمضان أجزأه إن كان منه) ; لأن الأصل بقاؤه، ولا أثر لتردد يبقى بعد حكم الحاكم. (ولو اشتبه) رمضان على نحو أسير أو محبوس (صام شهرا بالاجتهاد) كالقبلة، فلو صام بلا اجتهاد لم يجزئه وإن بان رمضان؛ لتردده ولو تحير لم يلزمه شيء؛ لعدم تيقن دخول الوقت.
стр. 470
فَإِنْ وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَوْ نَقَصَ وَكَانَ رَمَضَانُ تَامًّا لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ لَزِمَهُ صَوْمُهُ، وَإِلَّا فَالجَدِيدُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَلَوْ نَوَتِ الحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاعِ دَمِهَا ثُمَّ انْقَطَعَ لَيلاً صَحَّ إِنْ تَمَّ لَهَا فِي اللَّيلِ أَكْثَرُ الحَيْضِ، وَكَذَا قَدْرُ العَادَةِ فِي الأَصَحِّ.
(فإن) بان له الحال وأنه وافق رمضان أجزأه ووقع أداء وإن كان نوى به القضاء (١)، أو (وافق ما بعد رمضان أجزأه وهو قضاء على الأصح)؛ لوقوعه بعد الوقت، أو وافق رمضان السنة القابلة وقع عنه وإن نوى به القضاء ولم يقع عن الماضي.
[فرع] لو لم يعرف الليل من النهار لزمه التحري والصوم ولا قضاء إذا لم يتبن له شيء (٢)، فإن بان أنه كأن يصوم الليل لزمه القضاء قطعا، (فلو نقص وكان رمضان تاما لزمه يوم آخر)؛ بناء على أنه قضاء وفي عكس ذلك يفطر اليوم الأخير إذا عرف الحال، ولو وافق صومه شوالا حسب له تسعة وعشرون إن كمل وإلا فثمانية وعشرون أو الحجة حسب له ستة وعشرون إن كمل وإلا فخمسة وعشرون. (ولو غلط بالتقديم وأدرك رمضان لزمه صومه)؛ لتمكنه منه في وقته (وإلا فالجديد وجوب القضاء) ; لأنه أتى بالعبادة قبل الوقت، ولو لم يبن الحال فلا شيء عليه. (ولو نوت الحائض صوم غد قبل انقطاع دمها) أو قبل استحاضتها (ثم انقطع) أو استحاضت (ليلا صح إن تم لها في الليل أكثر الحيض)؛ لجزمها بأن غدها كله طهر، (وكذا قدر العادة) التي لم تختلف وهي دون أكثره (في الأصح) ; لأن الظاهر استمرار عادتها بخلاف ما إذا لم يتم لها ما ذكر أو اختلفت عادتها لعدم بناء نيتها على أصل صحيح، والنفاس كالحيض.
стр. 471
فصل
شَرْطُ الصَّوْمِ الْإِمْسَاكُ عَنِ الجِمَاعِ، وَالِاسْتِقَاءَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ بَطَلَ، وَإنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، ..
(فصل) في بيان المفطرات
(شرط (١) صحة (الصوم) من حيث الفعل (الإمساك عن الجماع) إجماعا فيفطر به -وإن لم ينزل- إن علم وتعمد واختار، ويشترط هنا كونه واضحا فلا يُفْطِر به خنثى إلا إن وجب عليه الغسل، (والاستقاءة (٢)؛ للخبر الصحيح ((من استقاء فليقض))، أي من عامد عالم مختار، أما ناسٍ وجاهل عذر لقرب إسلامه أو بعده عن عالمي ذلك ومُكْرَه فلا يفطرون بذلك، وكذا كل مفطِّر مما يأتي، ومن الاستقاءة نزعه لخيط ابتلعه ليلا (٣)، ولذا فالمستحاضة عليها أن تترك الحشو نهارا وتقتصر على العصب محافظة على الصوم لا الصلاة (٤) (والصحيح أنه لو تيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه بطل)؛ لأن الاستقاءة مفطرة لنفسها، (وإن غلبه القيء فلا بأس)؛ لخبر ((من ذرعه القي فلا شيء عليه))، (وكذا لو اقتلع نخامة) من الدماغ أو الباطن (ولفظها في الأصح) ; لأن الحاجة لذلك تتكرر فرُخِّص فيه، لكن يسن قضاء يوم ككل ما في الفطر به خلاف يُراعَى، أما إذا لم يقتلعها بأن نزلت من محلها من الباطن إليه أو قلعها بسعال أو غيره فلفظها فإنه لا يفطر قطعا، وأما لو ابتلعها مع قدرته على لفظها بعد وصولها لحد الظاهر فإنه يفطر قطعا، (فلو نزلت من دماغه وحصلت في حد الظاهر من الفم) وهو مخرج الحاء المهملة فما بعده باطن (فليقطعها (٥) من مجراها وليمجها) إن أمكنه
стр. 472
فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الجَوْفَ أَفْطَرَ فِي الْأَصَحِّ. وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إلَى مَا يُسَمَّى جَوْفًا، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ تُحِيلُ الْغِذَاءَ وَالدَّوَاءَ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ بَاطِنُ الدِّمَاغِ وَالْبَطْنِ وَالْأَمْعَاءِ وَالمَثَانَةِ مُفْطِّرٌ بِالِاسْعَاطِ أَوِ الْأَكْلِ أَوِ الحُقْنَةِ أَوِ الْوُصُولِ مِنْ جَائِفَةٍ وَ مَأْمُومَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ وَالْإِحْلِيلِ مُفْطِّرٌ فِي الْأَصَحِّ.
وَشَرْطُ الْوَاصِلِ كَوْنُهُ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ فَلَا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بِتَشَرُّبِ المَسَامِّ. وَلَا الِاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بِحَلْقِهِ،
(فإن تركها مع القدرة فوصلت الجوف) يعني جاوزت الحد المذكور (أفطر في الأصح)؛ لتقصيره بخلاف ما إذا لم تصل للظاهر وإن قدر على لفظها، وما إذا وصلت إليه وعجز عن ذلك، (وعن وصول العين) -وإن كانت أقل ما يدرك من نحو حجر- ولو بأمره لمن طعنه في جوفه، ولا يضر سكوته مع تمكنه من دفعه، أما الأثر كالطعم أو الريح بالشم وكدخان البخور فلا يضر (إلى ما يسمى جوفا) ; لأن فاعل ذلك لا يسمى ممسكا بخلاف الوصول لما لا يسمى جوفا كداخل مخ الساق أو لحمه وبخلاف جوف شخص آخر، وكالعين ريقه المتنجس بنحو دم لثته وإن صفا ولم يبق فيه أثر مطلقا; لأنه لَمَّا حَرُم ابتلاعه لتنجسه صار بمنزلة عين أجنبية، (وقيل يشترط مع هذا أن يكون فيه قوة تحيل الغِذاء والدواء) ; لأن ما لا تحيله لا ينتفع به البدن، (فعلى الوجهين باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مفطر بالإسعاط أو الأكل أو الحقنة) والحقنة أدوية معروفة تعالج بها المثانة (أو الوصول من جائفة ومأمومة ونحوهما) ; لأنه جوف محيل، وذكر المصنف باطن ما ذكر لجريان الوجهين؛ لأن الوصول للظاهر مثله، فيفطر بوصول عين ولو إلى ظاهر الدماغ أو الأمعاء فيكفي الوصول إلى ظاهر خريطة الدماغ ووصولُ الجوف وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء، (والتقطير في باطن الأذن والإحليل مفطر في الأصح)، وكذا يفطر بإدخال أدنى جزء من أصبع في قبلها بأن يجاوز ما يجب غسله في الاستنجاء، أما الدبر فيفطر بدخول رأس أنملته إلى مسربته إن وصل للمجوف منها دون أولها المنطبق، وأُلحق به أول الإحليل الذي يظهر عند تحريكه.
(وشرط الواصل كونه في مَنفَذ مفتوح فلا يضر وصول الدهن بتشرب المسام) وهي ثقب لطيفة جداً لا تُدرك، (ولا الاكتحال وإن وَجَد) لونه في نخامته و (طعمه بحلقه) ; إذ لا
стр. 473
وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ، فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أَوْ بَعُوضَةٌ، أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَ غَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ لَمْ يُفْطِرْ. وَلَا يُفْطِرُ بِبَلْعِ رِيقِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ أَوْ بَلَّ خَيْطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إلَى فَمِهِ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا أَفْطَرَ. وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ فِي الْأَصَحِّ
منفذ من عينه لحلقه، نعم هو للصائم خلاف الأولى، (وكونه بقصد، فلو وصل جوفه ذباب أو بعوضة (١) لم يفطر إلا إن أخرجها -؛ لأنه قيء مفطر- ما لم يخف ضررا يبيح التيمم فيجوز إخراجها مع وجوب القضاء (أو غبار الطريق) الطاهر (٢) ولو كثيرا (وغربلة الدقيق لم يفطر) ; لعسر التحرز عنه، هذا إن لم يتعمده فإن تعمد فتحه ولو بقصد دخول المفطِّر لم يفطر لكن إن قلّ عرفا (٣). ولو خرجت مقعدة مبسور لم يفطر بعودها أو إعادتها، وعليه فلا يجب بخروجها ودخولها غسلها عمَّا عليها من القذر. (ولا يفطر ببلع ريقه من معدنه) إجماعا وهو منبعه تحت اللسان، (فلو) ابتلع ريق غيره أفطر، أو (خرج من الفم) لا على لسانه (٤) ولو إلى ظهر الشفة (ثم رده وابتلعه أو بَلَّ خيطا) أو سواكا (بريقه) أو بماء (ورده إلى فمه وعليه رطوبة تنفصل) وابتلعها (أو ابتلع ريقه مخلوطا بغيره) الطاهر (أو متنجسا أفطر) ; لأنه بانفصاله واختلاطه وتنجسه صار كعين أجنبية، نعم يعفى عمّن ابتلي بدم لثته بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه فمتى ابتلعه مع علمه به وليس له عنه بد فصومه صحيح، (ولو جمع ريقه فابتلعه لم يفطر في الأصح) كالمتفرق الذي من معدنه.
стр. 474
وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ المَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ إلَى جَوْفِهِ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ بَالَغَ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ لَمْ يُفْطِرْ إنْ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ، وَمَجِّهِ. وَلَوْ أُوجِرَ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ. فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ أَفْطَرَ فِي الْأَظْهَرِ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ لَا يُفْطِرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يُفْطِرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَالجِمَاعُ كَالْأَكْلِ عَلَى المَذْهَبِ. وَعَنِ الِاسْتِمْنَاءِ فَيُفْطِرُ بِهِ،
(ولو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق (١) إلى جوفه فالمذهب أنه إن بالغ) العالم الذاكر للصوم (أفطر) ; لأن الصائم منهي عن المبالغة، وضابطها أن يملأ فمه أو أنفه ماء بحيث يسبق غالبا إلى الجوف، ومثل ذلك سبق الماء في غسل تبرد أو تنظف لكراهته الغمس فيه (٢)، وكذا دخول جوف منغمس، ومحله إن لم يعتد أنه يسبقه وإلا أثم وأفطر قطعا (وإلا) يبالغ (فلا) يفطر -ما لم يزد على المشروع-؛ لعذره، فإن زاد على المشروع عامداً عالماً أفطر، نعم لو تنجس فمه أو أنفه فبالغ في غسله فسبقه لجوفه لم يفطر؛ لوجوب المبالغة عليه. (ولو بقي طعام بين أسنانه فجرى به) أي من غير قصدٍ (ريقه) بطبعه -لا بفعله وإلا أفطر- (لم يفطر إن عجز) نهاراً (عن تمييزه ومجه)؛ لعذره بخلاف ما إذا لم يعجز. ويتأكد التخلل بعد الأكل ليلا. (ولو أُوجر) طعاما (مكرها لم يفطر)؛ لانتفاء فعله، (فإن أكره) بما يحصل به الإكراه على الطلاق الآتي (حتى أكل) أو شرب (أفطر في الأظهر) ; لأنه يفعله دفعا لضرر نفسه، (قلت: الأظهر لا يفطر والله أعلم)؛ لرفع القلم عنه كما في الخبر، ولو فاجأه قُطَّاع فابتلع الذهب خوفا أفطر؛ لأنه ابتلعه لشهوة نفسه، (وإن أكل ناسيا لم يفطر)؛ لأنه ((إنما أطعمه الله وسقاه)) كما جاء في الخبر (إلا أن يكثر) أكثر من أربع لقم (في الأصح، قلت: الأصح لا يفطر والله أعلم)؛ لعموم الخبر، وكالأكل فيما ذكر كلُّ مناف للصوم فعله ناسيا له لا يفطر إلا الردة وإن أسلم فورا، وكالناسي جاهل بحرمة ما تعاطاه إن عذر بقرب إسلامه أو بُعْدِهِ عن العلماء بذلك، ومن علم تحريم شيء وجهل كونه مفطرا لا يعذر. (والجماع كالأكل) فيما مر (على المذهب) فلا يفطر به مُكْرَهٌ؛ بناء على الأصح أنه يتصور الإكراه عليه وناسٍ وإن طال وجاهلٌ عُذِرَ، (وعن الاستمناء) وهو استخراج المني بغير جماع وإن كان بيد حليلته (فيفطر به) واضح وكذا مشكل خرج من
стр. 475
وَكَذَا خُرُوجُ المَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ لَا الفِكْرِ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ. وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، وَالْأَوْلَى لِغَيْرِهِ تَرْكُهَا، قُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ فِي الْأَصَحِّ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالحِجَامَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَلَّا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إلَّا بِيَقِينٍ وَيَحِلُّ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ إذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ
فرجيه إن علم وتعمد واختار; لأنه أولى من مجرد الإيلاج، ولو حك ذكره لعارض سوداء أو حكة فأنزل لم يفطر، نعم إن علم أنه إذا حكه ينزل أفطر إن أمكنه الصبر وإلا فلا، ولا يفطر محتلم إجماعا; لأنه مغلوب، (وكذا خروج المني) لا المذي (بلمس) ولو لذكر أو فرج قُطِع وبقي اسمه (وقبلة ومضاجعة) معها مباشرة شيء ناقض للوضوء من بدن مَن ضاجعه; لأنه أنزل بمباشرة، بخلاف ضم امرأة مع حائل أو ليلا (١)، فلو باشر وأعرض قبل الفجر ثم أمنى عقبه لم يفطر ولو قبّلها صائما ثم فارقها ثم أنزل أفطر إن كانت الشهوة مستصحبة والذَّكَرُ قائما وإلا فلا، وبخلاف مس بدن أمرد؛ لأنه لا ينقض الوضوء وإن ندب القضاء به، (لا) خروجه بنحو مس فرج بهيمة ولا بنحو المباشرة بحائل ولا بنحو (الفكر والنظر بشهوة) وإن كررهما واعتاد الإنزال بهما؛ لانتفاء المباشرة، نعم يحرم تكرير النظر إن انزل به (٢). (وتكره القبلة (٣) ككل لمس لشيء من البدن بلا حائل (لمن حركت شهوته) حالا; لأنه ﷺ رخَّص فيها للشيخ دون الشاب وعلل ذلك بأن الشيخ يملك إربه فأفهم التعليل أن النهي دائر مع تحريك الشهوة وعدمه، (والأولى لغيره تركها)؛ حسما للباب، (قلت: هي كراهة تحريم) إن كان الصوم فرضا (في الأصح، والله أعلم) ; لأن فيها تعرضا قويا لإفساد العبادة. وبقي من المفطرات الردة والموت لا قطع النية (ولا يفطر بالفصد) بلا خلاف (والحجامة) عند الأكثر؛ لخبر البخاري عن ابن عباس أنه ﷺ ((احتجم وهو صائم)). (والاحتياط ألا يأكل آخر النهار إلا بيقين)؛ لخبر ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، (ويحل) بسماع أذان عدل عارف وبإخباره بالغروب عن مشاهدة نظير ما مر في أول رمضان، و (بالاجتهاد) بورد ونحوه (في الأصح) كوقت الصلاة كما مر. (ويجوز) الأكل (إذا ظن بقاء الليل) باجتهاد أو إخبار.
стр. 476
قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ أَكَلَ بِاجْتِهَادٍ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا فَبَانَ الْغَلَطُ بَطَلَ صَوْمُهُ أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ الحَالُ صَحَّ إنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ وَبَطَلَ فِي آخِرِهِ. وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ صَحَّ صَوْمُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُجَامِعًا فَنَزَعَ فِي الحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ بَطَلَ.
(قلت: وكذا لو شك) أي تردد وإن لم يستو الطرفان (والله أعلم) ; لأن الأصل بقاء الليل، نعم لو أخبره عدل بطلوع الفجر لزمه الإمساك، وكذا فاسق ظن صدقه. (ولو أكل) أو شرب (باجتهاد أولاً) أي قبل الفجر في ظنه (أو آخرا) أي بعد الغروب كذلك (فبان الغلط بطل صومه) أي بان بطلانه; إذ لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه، فإن لم يبن شيء صح صومه، (أو بلا ظن) يعتد به بأن هجم أو ظن من غير أمارة -ويأثم آخرا لا أولاً- (ولم يبن الحال صح إن وقع في أوله وبطل) إن وقع (في آخره)؛ عملا بأصل بقاء كل منهما، وإن بان الغلط فيهما قضى أو الصواب فيهما فلا، والمراد ببطل وصح هنا الحكم بهما وإلا فالمدار على ما في نفس الأمر. (ولو طلع الفجر) الصادق (وفي فمه طعام فلفظه) قبل أن ينزل منه شيء لجوفه بعد الفجر، أو بعد أن نزل منه لكن بغير اختياره أو أبقاه ولم ينزل منه شيء لجوفه بعد الفجر ولا يعذر هنا بالسبق؛ لتقصيره بإمساكه كما لو وضعه بفمه نهارا (صح صومه)؛ لعدم المنافي، (وكذا لو كان مجامعا) عند ابتداء طلوع الفجر (فنزع) قاصدا تركه وإلا بطل (في الحال) أي عقب طلوعه فلا يفطر وإن أنزل; لأن النزع ترك للجماع، نعم يشترط أن يظن عند ابتداء الجماع أنه بقي ما يسعه فإن ظن أنه لم يبق ذلك أفطر وإن نزع مع الفجر؛ لتقصيره (فإن مكث بطل) أي لم ينعقد، وتلزمه الكفارة; لأنه بمنزلة المفسد له بالجماع، أما لو مضى زمن بعد طلوعه ثم علم به ثم مكث فلا كفارة; لأن مكثه مسبوق ببطلان الصوم (١).
стр. 477
فصل
شَرْطُ الصَّوْمِ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِن الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ. وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ المُسْتَغْرِقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ.
(فصل) في شروط الصوم من حيث الفاعل والوقت
وكثير من سننه ومكروهاته
(شرط) صحة (الصوم) من حيث الزمن قابلية الوقت، ومن حيث الفاعل (الإسلام) إجماعا (والعقل) أي التمييز (والنقاء من الحيض والنفاس (١) إجماعا، بل لا يصح إن ولدت (٢) ولم تر دما (جميع النهار) قيد في الأربعة. ويحرم على حائض ونفساء الإمساك بنية الصوم فلا يجب عليهما تعاطي مفطر، (ولا يضر النوم المستغرق على الصحيح)؛ لبقاء أهلية الخطاب فيه، فإن استيقظ لحظة صح إجماعا. (والأظهر أن الإغماء) والسكر إن استغرقا النهار بطل الصوم ووجب القضاء تعدى بهما أم لا، فـ (لا يضر إذا أفاق) -من الإغماء أو السكر- يعني خلا عنه وإن لم توجد إفاقة منه، كأن طلع الفجر ولا إغماء به وبعد لحظة طرأ الإغماء واستمر إلى الغروب (لحظة من نهاره)؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، ومحل عدم الضرر حينئذٍ إن لم يكن متعديا (٣) بأحدهما (٤) أما إن كان متعديا فيأثم ويبطل صومه.
[تنبيه] لو شرب دواء ليلا فزال تمييزه نهارا فإن كان شربه للتداوي لم يأثم ، ثم إن استغرق زوال تمييزه النهار بطل صومه ووجب القضاء أو لم يستغرق فلا بطلان، أو شربه سَفَهَا لا لحاجة فيأثم ويبطل صومه سواء استغرق أم لا، وفي حكم شرب الدواء لحاجة مَن شرب شيئا ليلا من غير تعدٍّ فتسبب في سكره أو إغمائه نهاراً فإن تعدى بشربهما فهو في حكم من شرب دواء لغير حاجة.
стр. 478
وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الجَدِيدِ. وَلَا يَحِلُّ تَطَوُّعُ يَوْمٍ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ صَامَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ تَطَوُّعِهِ وَهُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ، وَلَيْسَ إطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ. وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ عَلَى تَمْرٍ،
(ولا) يجوز، ولا (يصح) صوم في رمضان عن غيره وإن أبيح له فطره لنحو سفر; لأنه لا يقبل غيره بوجه، ولا (صوم العيد (١) الفطر والأضحى اتفاقا (وكذا) أيام (التشريق) الثلاث ولو للمتمتع (في الجديد)؛ للنهي الصحيح عنه. (ولا يحل) ولا يجوز (التطوع يوم الشك بلا سبب)؛ لما صح أن مَن صامه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، ولا تختص الحرمة به بل يحرم صوم ما بعد نصف شعبان ما لم يصله بما قبله أو يكن لسبب مما يأتي. ولو أفطر بعد صومه المتصل بالنصف امتنع عليه الصوم بعده بلا سبب مما يأتي؛ لزوال الاتصال المجوِّز لصومه، (فلو صامه لم يصح في الأصح) كيوم العيد، (وله) من غير كراهة (صومه عن القضاء) ولو لنفل كأن شرع في نفل فأفسده (والنذر) كأن نذر صوم يوم كذا فوافق يوم الشك، أما نذر صوم يوم الشك فلا ينعقد، وله صومه أيضا عن الكفارة مسارعة لبراءة ذمته ولأن له سببا فجاز كنظيره من الصلاة في الوقت المكروه، ومن ثم لو أخَّر صوما ليوقع في يوم الشك أو في النصف الثاني من شعبان حرم، (وكذا لو وافق عادة تطوعه) كأن اعتاد سرد الصوم أو صوم نحو الاثنين؛ لخبر الصحيحين بذلك و تثبت العادة هنا بمرة (وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس) أي جمع منهم بحيث يتولد من تحدثهم الشك في الرؤية (برؤيته) وإن أطبق الغيم ولم يُعلم من رآه (أو شهد) أي أخبر إذ لا يشترط ذكر ذلك عند حاكم (بها صبيان أو عبيد أو فسقة) أو نساء وظن صدقهم أو عدل وَ رُدّ، واشترط العدد هنا بخلاف ما مر في النية؛ احتياطا فيهما، فإن فقد ذلك (٢) حرم صومه لكونه بعد النصف لا لكونه يوم شك (٣)، (وليس إطباق الغيم بشك) ; لأنا تعبدنا فيه بإكمال العدد (ويسن تعجيل الفطر) ; إذا تيقن الغروب، وتقديمه على الصلاة؛ للخبر الصحيح ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر))، ويسن كونه وإن تأخر (على تمر)
стр. 479
وَإِلَّا فَمَاءٍ. وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ. وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ،
وأفضل منه رطب وَجَدَهُ، ويُلحق به بسر تَمَّ صلاحه؛ لأن رسول الله ﷺ ((كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء))، وحكمته إزالة ضعف البصر الحاصل من الصوم (وإلا) تيسر له أحدهما حال إرادة الفطر -فلو تعارض التعجيل على الماء والتأخير على التمر قدم الأول- (فماء) ولا شيء بعد التمر إلا الماء، ويسن التثليث فيما مر وهو شرط لكمال السنة لا لأصلها كالترتيب المذكور (١)، ولا يقدم ماء زمزم على التمر، ولو قويت شبهة تمر وخفّت أو عدمت في ماء فالماء أفضل.
[تنبيه] يجب إمساك جزء من الليل بعد الغروب؛ ليتحقق به استكمال النهار ، ويعتبر كل محل بطلوع فجره وغروب شمسه فيما يظهر لنا لا في نفس الأمر، قال العلماء في خبر مسلم ((إذا غابت الشمس من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم)) أي: حقيقة إنما ذكر هذين ليبين أن غروبها عن العيون لا يكفي; لأنها قد تغيب ولا تكون غربت حقيقة فلا بد من إقبال الليل أي: دخوله. (وتأخير السحور) ; لأن ((الأمة لا يزالون بخير ما أخروه)). ويسن كونه بتمر، ويحصل أصل سنته ولو بجرعة ماء (٢)، ويدخل وقته بنصف الليل (ما لم يقع في شك) وإلا كأن تردد في طلوع الفجر فالأولى تركه؛ لخبر ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣).
[فرع] يحرم علينا -لا عليه ﷺ الوصال بين صومين شرعيين عمدا مع علم النهي بلا عذر وإن لم ينو به التقرب، والعلة فيه الضعف ولذا لا يزول إلا بتعاطي ما من شأنه أن يقوي كسمسمة بخلاف نحو الجماع (٤). (وليصن) ندبا من حيث الصوم فلا ينافي وجوبه من جهة أخرى (لسانه عن الكذب والغيبة) حتى المباحين بخلاف الواجبين ككذب لإنقاذ
стр. 480
وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنْ الجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعَلْكِ. وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ. وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَاسِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ.
مظلوم وذكر عيب نحو خاطب، وجميع جوارحه عن كل محرم -ونحو الغيبة المحرمة يبطل ثواب صومه- وعن نحو الشتم ولو بحق فإن شتمه أحد فليقل -ولو في نفل- ((إني صائم))؛ لخبر الصحيحين بذلك، أي يقوله في نفسه تذكيرا لها وبلسانه حيث لم يظن رياء مرتين أو ثلاثا؛ زجرا لخصمه، فإن اقتصر على أحدهما فالأولى بلسانه (ونفسه عن الشهوات) المباحة من ملبوس ومسموع ومُبْصَر ومشموم كنظر ريحان أو مسه (١). (ويستحب أن يغتسل عن الجنابة) والحيض والنفاس (قبل الفجر)؛ لئلا يصل الماء إلى باطن نحو أذنه (٢) أو دبره من نحو مبالغة منهي عنها وإلا فقد تقدم أنه لا يفطر بنحو المضمضة المشروعة أو غسل الفم النجس؛ لعذره، ويكره له دخول الحمَّام من غير حاجة; لأنه تَرَفُّه لا يناسب الصوم (٣). (و) يسن (أن يحترز عن الحجامة) والفصد (والقبلة) المكروهة؛ لما مر في الجميع (و) يكره (ذوق الطعام)؛ خوفا من وصوله إلى حلقه (و) ذوق (العَلك) ومضغ العِلك؛ لأنه يعطش، والكلام في علك لم تنفصل منه عين بأن مُضِغ قبل ذلك حتى ذهبت رطوبته، أو مُضِغ وفيه عين لكن لم يبتلع من ريقه المخلوط شيئا. (و) يسن (أن يقول عند فطره) أي عقبه (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت)؛ للاتباع. (و) يتأكد من حيث الصوم (أن يكثر الصدقة وتلاوة القرآن في رمضان)؛ لخبر الترمذي ((أيّ الصدقة أفضل قال صدقة في رمضان))، ولأنه ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل فيه (٤)، (وأن يعتكف) فيه كثيرا; لأنه أقرب لصون النفس وتفرغها للعبادة (لاسيّما في العشر الأواخر منه) فيتأكد له إكثار الثلاثة المذكورة؛ للاتباع ورجاء مصادفة ليلة القدر; إذ هي منحصرة فيه.
стр. 481
فصل
شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَإِطَاقَتُهُ، وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إذَا أَطَاقَ. وَيُبَاحُ تَرْكُهُ لِلْمَرِيضِ إذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا. وَلِلْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا.
(فصل) في شروط وجوب الصوم ومُرخِّصاته
(شرط وجوب صوم رمضان العقل والبلوغ) ويجب على السكران المتعدي (١)، والإسلام ولو فيما مضى بالنسبة للمرتد حتى يلزمه القضاء إذا عاد للإسلام بخلاف الكافر الأصلي، نعم يعاقب عليه في الآخرة نظير ما مر في الصلاة، ويحرم إطعام المسلم له في نهار رمضان; لأنه إعانة على معصية، (وإطاقته) حسا وشرعا، فلا يلزم عاجزا إجماعا ولا حائضا أو نفساء; لأنهما لا يطيقانه شرعا، ووجوب القضاء عليهما إنما هو بأمر جديد، وينويان القضاء; لأنه فُعِل خارج وقته المقدر له شرعا. (ويؤمر به الصبي) أي يأمره به وليه وجوبا (لسبع إذا أطاق) وميّز، ويضربه وجوبا على تركه لعشر إذا أطاقه نظير ما مر في الصلاة. (ويباح تركه (٢) أي رمضان، ومثله كل صوم واجب (للمريض) أي يجب عليه (٣) (إذا وجد به ضررا شديدا) بحيث يبيح التيمم؛ للنص والإجماع وإن تعدى بسببه; لأنه لا ينسب إليه، ثم إن أطبق مرضه فواضح وإلا فإن وجد المرض المعتبر قبيل الفجر لم تلزمه النية وإلا لزمته، وإذا نوى وعاد أفطر. ولو لزمه الفطر فصام صح; لأن معصيته ليست لذات الصوم. (و) يباح تركه لنحو حصاد أو بناء لنفسه أو لغيره تبرعا أو بأجرة -وإن لم ينحصر الأمر فيه- وقد خاف على المال إن صام وتعذر العمل ليلا أو لم يغنه فيؤدي لتلفه أو نقصه نقصا لا يتغابن به، ولو توقف كسبه لنحو قوته المضطر إليه هو أو ممونه على فطره فله الفطر بقدر الضرورة. و (للمسافر) ولو أدام السفر أبداً (سفرا طويلا مباحا)؛ للكتاب والسنة والإجماع، وحيث جاز القصر جاز الفطر وحيث لا فلا، نعم سيعلم أن شرط الفطر في أول أيام سفره أن يفارق ما
стр. 482
وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ فَلَا، وَلَوْ أَصْبَحَ المَرِيضُ وَالمُسَافِرُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَا الْفِطْرَ جَازَ، فَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِذَا أَفْطَرَ المُسَافِرُ وَالمَرِيضُ قَضَيَا وَ كَذَا الحَائِضُ. وَالمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ
تشترط مجاوزته للقصر قبل طلوع الفجر وإلا لم يفطر ذلك اليوم، ومر أنه إن تضرر بالصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم، ولا يباح الفطر -حيث لم يخش مبيح تيمم- لمن قصد بسفره محض الترخص، ولا ينافيه قولهم لو حلف ليطأن في نهار رمضان فطريقه أن يسافر; لأن السفر هنا ليس لمجرد الترخص بل للتخلص من الحنث، ولا يباح أيضا لمن صام قضاءً لزمه الفور فيه (١)، ولو نذر صوم شهر معين كرجب أو قال لله عليَّ صوم شهر (٢) أصومه من الآن جاز له الفطر بعذر السفر (٣)، نعم يمتنع الفطر في سفر النزهة على من نذر صوم الدهر; لأنه انسد عليه القضاء بخلاف رمضان. (ولو أصبح صائما فمرض أفطر)؛ لوجود سبب الفطر قهرا، ويشترط في حل الفطر بالعذر قصد الترخص، (وإن) أصبح صائما ثم (سافر فلا) يفطر؛ تغليبا للحَضَر لأنه الأصل، (ولو أصبح المريض والمسافر صائمين) بأن نويا ليلا (ثم أرادا الفطر جاز) بلا كراهة؛ لوجود سبب الترخص، ولهما ذلك وإن نذرا الإتمام; لأن إيجاب الشرع أقوى منه (٤)، (فلو أقام) المسافر الذي نوى (وشفي) المريض كذلك قبل أن يتناولا مفطرا (حرم الفطر على الصحيح)؛ لانتفاء المبيح، (وإذا أفطر المسافر والمريض قضيا)؛ للآية (وكذا الحائض) والنفساء إجماعا (والمفطر بلا عذر) ; لأنه أولى بالإيجاب من المعذور (٥) (وتارك النية) -الواجبة ولو سهوا-; لأنه لم يصم. ويسن تتابع قضاء رمضان ولا يجب فور في قضائه إلا إن ضاق الوقت أو تعدى بالفطر.
стр. 483
وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالْإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَالصِّبَا وَالجُنُونِ، وَلَوْ بَلَغَ بِالنَّهَارِ صَائِمًا وَجَبَ إتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ، وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ فَلَا قَضَاءَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا وَ مَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا فَكَذَا فِي المَذْهَبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ،
(ويجب قضاء ما فات) من رمضان (بالإغماء) ; لأنه نوع مرض (والردة)؛ لأنه التزم الوجوب بالإسلام (دون الكفر الأصلي) إجماعا وترغيبا في الإسلام (والصبا والجنون (١)؛ لرفع القلم عنهما، نعم لو ارتد ثم جن قضى جميع أيام الجنون، أو سكر ثم جن قضى أيام السكر فقط؛ لما مر في الصلاة (٢). (ولو بلغ بالنهار) في حال كونه (صائما) بأن نوى ليلا (وجب إتمامه بلا قضاء) ; لأنه صار من أهل الوجوب، فلو جامع بعد البلوغ لزمته الكفارة. (ولو بلغ فيه) أي النهار (مفطرا أو أفاق أو أسلم فلا قضاء في الأصح)؛ لعدم تمكنه من زمن يسع الأداء. (ولا يلزمهم إمساك بقية النهار في الأصح) ; لأنهم أفطروا لعذر فأشبهوا المسافر، (ويلزم من تعدى بالفطر) ولو شرعا كأن ارتد؛ عقوبة له (أو نسي النية)؛ لتقصيره، وكذا لو ظن بقاء الليل فأكل ثم بان خلافه (لا مسافرا ومريضا) وحائضا ونفساء (٣) ومن أفطر لعطش أو جوع خشي منه مبيح تيمم (زال عذرهما بعد الفطر) ; لأن زوال العذر بعد الترخص لا أثر له، نعم يسن؛ لحرمة الوقت، ويسن لهما أيضا -إن خفي عذرهم- إخفاء الفطر خوف التهمة أو العقوبة، أما إن ظهر سفره أو مرضه الزائل فلا يسن له ذلك، (ولو زال) عذرهما (قبل أن يأكلا) أي يتناولا مفطرا (ولم ينويا ليلا فكذا) لا يلزمهما إمساك (في المذهب) ; لأن تارك النية مفطر حقيقة، وإلا لزم كما مر. (والأظهر أنه) أي الإمساك (يلزم من) ترك النية ليلا، ومن (أكل يوم الشك) وهو هنا يوم ثلاثي شعبان وإن لم يتحدث فيه برؤية (ثم ثبت كونه من رمضان)؛ لتبين
стр. 484
وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ.
وجوبه عليه وأنه إنما أكل لجهله به، وهنا يجب القضاء على الفور؛ للتقصير بعدم الاطلاع على الهلال، ويثاب مأمور بالإمساك عليه وإن لم يكن في صوم شرعي. (وإمساك بقية اليوم من خواص رمضان بخلاف النذر والقضاء)؛ لانتفاء شرف الوقت عنهما.
стр. 485
فصل
مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ فَمَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إثْمَ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الجَدِيدِ بَلْ يُخْرِجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ طَعَامٍ، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ وَالْوَلِيُّ كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى المُخْتَارِ
(فصل) في بيان فدية الصوم الواجب
(من فاته شيء من رمضان فمات قبل إمكان القضاء) بأن مات في رمضان أو قبل غروب ثاني العيد أو استمر به نحو حيض أو مرض من قبيل غروبه أيضا أو سفره المباح من قبل فجره إلى موته (فلا تدارك له)؛ لعدم تقصيره (ولا إثم) إن فات بعذر وإلا أثم وتدارك عنه وليه بفدية أو صوم، (وإن مات) الحر ومثله القن في الإثم لا التدارك; لأنه لا عِلقة بينه وبين أقاربه حتى ينوبوا عنه، نعم لو مات حرٌّ وله قريب رقيق فله الصوم عنه; لأن الميت أهل للإنابة عنه (بعد التمكن) أثم سواء أفات بعذر أو غيره، ومثله كل عبادة وجب قضاؤها فأخره مع التمكن إلى أن مات قبل الفعل وإن ظن السلامة فيعصي من آخر زمن الإمكان كالحج، و (لم يصم عنه وليه في الجديد) ; لأن الصوم عبادة بدنية لا تقبل النيابة كالصلاة، وخرج بمات من عجز في حياته بمرض أو غيره فإنه لا يصام عنه ما دام حيا (بل يخرج من تركته لكل يوم مد طعام) مما يجزئ فطره؛ لخبر موقوف على ابن عمر ﵄، ولا يجوز للأجنبي الإطعام عنه إلا بإذن الولي، وكذا يقال في الإطعام في الأنواع الآتية، والمراد بالبلد التي يعتبر غالب قوتها المحل الذي هو به عند أول مخاطبته بالقضاء، (وكذا النذر والكفارة) بأنواعها فإذا مات قبل تمكنه من قضائه فلا تدارك ولا إثم إن فات بعذر، أو بعده وجب لكل يوم مد فات بعذر أم لا، (قلت: القديم) وهو أنه لا يتعين الإطعام فيمن مات مسلما بل يجوز للولي أيضا أن يصوم عنه؛ للخبر المتفق عليه ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)) والإطعام أفضل، ثم إن خلَّف تركة وجب أحدهما وإلا ندب (هنا أظهر)؛ لثبوت الحديث فيه من غير معارض، (والولي كل قريب على المختار)؛ لخبر مسلم ((صومي عن أمك لمن قالت له أمي ماتت وعليها صوم نذر))، ولو كان عليه ثلاثون يوما أو أكثر فصامها نحو أقاربه في يوم واحد أجزأت.
стр. 486
وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ، لَا مُسْتَقِلًّا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الِاعْتِكَافِ قَوْلٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ المُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ. وَأَمَّا الحَامِلُ وَالمُرْضِعُ فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ أَوْ عَلَى الْوَلَدِ لَزِمَتْهُمَا الْفِدْيَةُ فِي الْأَظْهَرِ
(ولو صام أجنبي بإذن) الميت بأن يكون أوصاه به، أو بإذن (الولي) ولو سفيها; لأنه أهل للعبادة (صح) ولو بأجرة كالحج (لا مستقلا في الأصح) ; لأنه لم يَرِد. ولو امتنع الولي من الإذن أو لم يتأهل لنحو صبا لم يأذن الحاكم (١) بل إن كانت تركة تعين الإطعام وإلا لم يجب شيء. (ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يُفْعَل عنه ولا فدية) تجزئ عنه؛ لعدم ورود ذلك (وفي الاعتكاف) وكذا الصلاة (قول والله أعلم)، وقد يفعلان عن ميت كركعتي الطواف فإنها تفعل عنه تبعا للحج وكما لو نذر أن يعتكف صائما فمات فيعتكف الولي أو مأذونه عنه صائما. (والأظهر وجوب المد) ولا قضاء (على من أفطر) أما إن صام فلا فدية (للكبر) أو المرض الذي لا يرجى برؤه -بأن يلحقه بالصوم مشقة شديدة لا تطاق عادة-؛ للإجماع السكوتي على ذلك، ولو قدر بعدُ على الصوم لم يلزمه قضاء، أما من يقدر على الصوم في زمن لنحو برده أو قصره فهو كمرجو البرء، ومحل وجوب الفدية على غير الفقير (٢) فلا تستقر في ذمته. (وأما الحامل والمرضع) غير المتحيرة وليستا في سفر ولا مرض (فإن أفطرتا خوفا على نفسهما) أن يحصل لهما من الصوم مبيح تيمم (وجب القضاء بلا فدية) كالمريض المرجو البرء وإن انضم لذلك الخوف على الولد; لأنه وقع تبعا، (أو) خافتا (على الولد) وحده أن تجهض أو يقل اللبن فيتضرر بمبيح تيمم ولو من تبرعت بإرضاعه أو استؤجرت له (٣) وإن لم تتعين (٤) بأن تعددت المراضع (لزمتهما الفدية في الأظهر)؛ لقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة: ١٨٤ إنها منسوخة إلا في حقهما، والفدية هنا على الأجيرة لا المستأجرة، وأما المرضعة المتحيرة فلا فدية عليها؛ للشك، وكذا إن كانتا في سفر أو
стр. 487
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لِإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَى هَلَاكٍ، لَا المُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَالْأَصَحُّ تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ
مرض وترخصتا لأجله أو أطلقتا بخلاف ما إذا ترخصتا (١) للرضيع والحمل، (والأصح أنه يلحق بالمرضع) فيما ذكر من التفصيل (من أفطر لإنقاذ) آدمي محترم حر أو قن له أو لغيره (مشرف على هلاك) بغرق أو غيره ولم يتمكن من تخليصه إلا بالفطر بجامع أن كلا أفطر بسبب الغير. وخرج بالآدمي الحيوان المحترم فيجب عليه الفطر والفدية مطلقاً، والمال المحترم الذي لا روح فيه فيجوز له الفطر ولا فدية فيه أيضا إن كان له، أما إن كان لغيره فتجب الفدية (٢).
[تنبيه] لو انقذت مشرفاً على الهلاك مسافرةٌ أو مريضةٌ أو متحيرةٌ فيأتي فيهن التفصيل السابق آنفاً في المرضعة المسافرة والمريضة والمتحيرة، وقد أشار إلى ذلك المصنف بقوله ((يلحق))، (لا المتعدي بفطر رمضان بغير جماع) فإنه لا يلحق بالمرضع في وجوب الفدية في الأصح; لأنه لم يرد وفي الفدية حكمة استأثر الله بها، نعم يعزر تعزيرا شديدا لائقا بعظيم جرمه. (ومن أخر قضاء رمضان مع إمكانه) بأن خلا عن السفر والمرض قَدْر ما عليه بعد يوم عيد الفطر في غير يوم النحر وأيام التشريق (حتى دخل رمضان آخر لزمه مع القضاء لكل يوم مد) ; لأن ستة من الصحابة ﵃ أفتوا بذلك ولا يعرف لهم مخالف، أما إذا لم يخل كذلك فلا فدية; لأن تأخير الأداء بذلك جائز فالقضاء أولى، نعم ما تعدى بفطره يحرم تأخيره بعذر السفر وإذا حرم كان بغير عذر فتجب الفدية (٣)، ولا فدية إن أخره لنسيان أو جهل بحرمة التأخير وإن كان مخالطا للعلماء؛ لخفاء ذلك، لا بالفدية فلا يعذر بجهله، (والأصح تكرره) أي المد عن كل يوم (بتكرر السنين) ; لأن الحقوق المالية لا تتداخل، ولو أخرجها عقب كل عام تكررت قطعا.
стр. 488
وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إمْكَانِهِ فَمَاتَ أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ وَمُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ. وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ الْفُقَرَاءُ أَوِالمَسَاكِينُ. وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَجِنْسُهَا جِنْسُ الْفِطْرَةِ.
(وأنه لو أخر القضاء مع إمكانه) حتى دخل رمضان آخر (فمات أخرج من تركته لكل يوم مدان مد للفوات) إن لم يصم عنه (ومد للتأخير) ; لأن كلا منهما موجب عند الانفراد فكذا عند الاجتماع، هذا إن أخر سنة فقط وإلا تكرر مُدَّ التأخير. (ومصرف الفدية الفقراء والمساكين) دون بقية الأصناف؛ لقوله تعالى ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة: ١٨٤، (وله صرف أمداد إلى شخص واحد) بخلاف مد واحد لشخصين ومد وبعض مد آخر لواحد فلا يجوز; لأن كل مد فدية تامة وقد أوجب تعالى صرف الفدية لواحد فلا يُنْقَص عنها، ويجب صرف صاع الفطرة إلى اثنين وعشرين (١)، ثلاثة من كل صنف والعامل؛ لأنه زكاة مستقلة (وجنسها جنس الفطرة) فيأتي فيها ما مر ثَمَّ، ويعتبر كونها فاضلة عما مرَّ ثَمّ.
стр. 489
فصل
تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ وَلَا مُفْسِدِ غَيْرِ رَمَضَانَ أَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، …
(فصل) في بيان كفارة جماع رمضان (١)
(تجب) على واطئ بشبهة أو نكاح أو زنا (الكفارة (٢)؛ لخبر البخاري (بإفساد) أو منع انعقاد (٣) (صوم يوم من رمضان) على نفسه (بجماع) تام في قبل أو دبر ولو لبهيمة، ولو مع وجود خرقة لفَّها على ذكره (أثم به بسبب الصوم) أي في رمضان ولا شبهة له. (ولا كفارة على) من فُقِدَ فيه شرط من ذلك نحو (ناسٍ) ومكره وجاهل عذر؛ لانتفاء الإفساد (ولا مفسد غير رمضان (٤) من نذر أو قضاء أو كفارة; لأن النص ورد في رمضان وهو لاختصاصه بفضائل لا يقاس به غيره، ولا على مفسد صوم غيره كمسافر جامع حليلته فأفسد صومها (أو بغير جماع) ; لأن الجماع أغلظ، ولا على المرأة مطلقا؛ لنقص صومها بتعرضه كثيرا للفساد بنحو الحيض فلم يقو على إيجاب كفارة. وخرج بتام الموطوء في دبره فلا كفارة عليه؛ لأنه يفطر بدخول رأس الذكر قبل تمام الحشفة، ولذا لو أُولج فيه وهو نائم مثلا ثم استيقظ وأدام لزمته الكفارة (٥)؛ لأن صومه حينئذٍ فسد بجماع تام (ولا) على من لم يأثم بجماعه (٦) نحو (مسافر) أو مريض صائم (جامع بنية الترخص)؛ لأنه يحل له ذلك.
стр. 490
وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَانَ نَهَارًا، وَلَا عَلَى مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا وَلَا مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا. وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ، وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ وَعَنْهَا وَفِي قَوْلٍ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى. وَتَلْزَمُ مَنْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ. وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ، وَحُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ الجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ،
(وكذا) من أثم به لكن لا من جهة الصوم كأن جامع نحو المسافر (بغيرها في الأصح) ; لشبهة أن إفطاره مباح (ولا على من ظن) بقاء (الليل) فجامع (فبان نهارا) وكذا إن لم يظن شيئا؛ لما مر أنه يجوز الأكل مع الشك آخر الليل، بل لا كفارة هنا وإن أثم كأن ظن الغروب بلا أمارة أو شك فيه فجامع فبان نهارا; لأنه لم يقصد الهتك والكفارة تدرأ بالشبهة، وكذا لا كفارة لو شك أنوى أم لا فجامع ثم بان أنه نوى وإن فسد صومه وأثم بالجماع، ولا على من نوى يوم الشك قضاء مثلا ثم جامع ثم ثبت أنه من رمضان. ومر وجوب الكفارة فيما لو طلع الفجر وهو مجامع فعلم واستدام مع أنه لم يفسد؛ تنزيلا لمنع الانعقاد منزلة الإفساد (ولا على من جامع بعد الأكل ناسيا) للصوم متعلق بالأكل (وظن أنه أفطر به)؛ لاعتقاده أنه غير صائم (وإن كان الأصح بطلان صومه) بهذا الجماع، أما إذا لم يظن ذلك فعليه الكفارة; إذ لا عذر له بوجه، وهذا الذي جامع بعد الأكل إن علم وجوب الإمساك بعد الفطر عن الجماع وغيره فإثمه لا بسبب الصوم فيخرج بالقيد الأخير وإن ظنّ الإباحة فيخرج بقول المصنف أثم به (١) (ولا من زنى ناسيا) للصوم; لأنه لم يأثم بسبب الصوم (ولا مسافر أفطر بالزنا مترخصا) ; لأن فطره جائز له وإثمه للزنا لا للصوم فذكر الترخص لذلك وإلا فهو لا كفارة عليه وإن لم ينو الترخص. (والكفارة على الزوج عنه) دونها؛ لأنه ﷺ لم يأمر بها زوجة المجامع، (وفي قول عنه وعنها)؛ لمشاركتها له في السبب، (وفي قول عليها كفارة أخرى)؛ قياسا على الرجل (وتلزم من انفرد برؤية الهلال) ومن اعتقد صدقه (وجامع في يومه)؛ لصدق الضابط عليه باعتبار ما عنده. (ومن جامع في يومين لزمه كفارتان) ; لأن كل يوم عبادة مستقلة، أما جماع ثان أو أكثر في يوم واحد فلا شيء فيه وإن اختلفت الموطوآت; لأن الإفساد لم يتكرر. (وحدوث السفر) والردة (بعد الجماع لا يسقط الكفارة) ; لأنه كان من أهل الوجوب حال الجماع.
стр. 491
وَكَذَا المَرَضُ عَلَى المَذْهَبِ. وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الْإِفْسَادِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الجَمِيعِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ فَعَلَهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ. وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إلَى عِيَالِهِ.
(وكذا) حدوث (المرض) بعده (على المذهب)؛ لذلك بخلاف حدوث الجنون والموت; لأنه يتبين بهما زوال أهلية الوجوب من أول اليوم. (ويجب معها قضاء يوم) أو أيام (الإفساد على الصحيح) ; لأنه إذا لزم المعذور فغيره أولى ورُوي أنه ﷺ أمر بها المجامع (وهي عتق رقبة (١) مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (٢)، وسيأتي بيانها في باب الكفارة، (فلو عجز عن الجميع استقرت) مرتبة (في ذمته في الأظهر (٣) ; لأنه ﷺ أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره له بعجزه، فدل على قبولها في الذمة (فإذا قدر على خصلة فعلها (٤) فورا وجوبا; لأن كل كفارة تعدى بسببها يجب الفور فيها. (والأصح أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لشدة الغلمة)؛ لئلا يقع فيه أثناء الصوم (وأنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله) كالزكاة وقوله ﷺ للمجامع بعد أن أخبره بعجزه فجاء له قدر الكفارة فأعطاه له فقال يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا- ((أطعمه أهلك)) يحتمل أنه تصدق به عليه أو ملَّكه إياه ليكفر به فلما أخبره بفقره أذن له في صرفه لأهله إعلاما بأن الكفارة إنما تجب بالفاضل عن الكفاية أو أنه تطوع بالتكفير عنه وسوَّغ له صرفها لأهله إعلاما بأن المُكَفِّر المتطوع عن الغير يجوز له صرف الكفارة لممون المُكَفَّر عنه (٥).
стр. 492
باب صوم التطوع
يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَالخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، وَأَيَّامِ الْبِيضِ
(باب صوم التطوع)
وهو ما لم يُفْرَض، ويصح بنية مطلقة، نعم الراتب منه تشترط النية فيه؛ لحصول الثواب عليه بخصوصه. (يسن صوم الاثنين والخميس)؛ للخبر الحسن أنه ﷺ كان يتحرى صومهما ويقول ((إنهما تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) (و) يسن بل يتأكد صوم تسع الحجة؛ للخبر الصحيح فيها وآكدها تاسعها وهو يوم (عرفة) -لغير حاج ومسافرـ; لأنه ((يكفر السنة التي هو فيها والتي بعدها)) كما في خبر مسلم وآخر الأولى سلخ الحجة وأول الثانية أول المحرم الذي يلي ذلك، والمُكَفَّر الصغائر (١)، فإن لم تكن صغائر رفعت درجته أو وقي اقترافها أو استكثارها. أما الحاج فيسن له فطره (٢)، ويكره صومه وإن لم يضعفه الصوم عن الدعاء؛ تأسيا به ﷺ ، نعم يسن صومه لمن أخَّر وقوفه إلى الليل أي ولم يكن مسافرا، أو مريضاً وإلا سن له الفطر إن أتعبه الصوم وإن لم يتضرر به، ويسن صوم ثامن الحجة؛ احتياطا له، (وعاشوراء) وهو عاشر المحرم; لأنه يكفر السنة الماضية (وتاسوعاء)؛ لخبر مسلم ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع))، ويسن صوم الحادي عشر أيضا، (وأيام) الليالي (البيض) وهي الثالث عشر وتالياه؛ لصحة الأمر بصومها والاحتياط صوم الثاني عشر معها. نعم في الحجة يصوم السادس عشر (٣) أو يوما بعده بدل الثالث عشر، وتحصل أصل السنة بصوم ثلاثة من أيام الشهر. ويسن صوم أيام السود؛ خوفا ورهبة من ظلمة الذنوب وهي السابع أو الثامن والعشرون وتالياه فإن بدأ بالثامن ونقص الشهر صام أول تاليه وحينئذ يقع صومه عن كونه أول الشهر أيضا فإنه يسن صوم ثلاثة أول كل شهر.
[تنبيه] مَن قال أولها السابع ينبغي أن يقول إذا تم الشهر يسن صوم الآخر؛ خروجا من خلاف الثاني، ومن قال الثامن ينبغي أن يقول يسن صوم السابع؛ احتياطا فنتج سن صوم
стр. 493
وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ إفْرَادُ الجُمُعَةِ، وَإِفْرَادُ السَّبْتِ. وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ، وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ
الأربعة الأخيرة إذا تم الشهر عليهما (وستة من شوال) ; لأنها مع صيام جميع رمضان كل سنة كصيام الدهر أي فرضا -بلا مضاعفة- وإلا لم يكن لخصوصية ستة شوال معنى; إذ من صام مع رمضان ستة غيرها يحصل له ثواب الدهر نفلا بلا مضاعفة. وقضية المتن ندبها حتى لمن أفطر رمضان وهو كذلك إلا فيمن تعدى بفطره (١) ; لأنه يلزمه القضاء فورا. ولو فاته رمضان فصام عنه شوالا سن له صوم ست من القعدة; لأن من فاته صوم راتب يسن له قضاؤه، (وتتابعها أفضل)؛ مبادرة للعبادة. (ويكره إفراد الجمعة) بالصوم؛ لخبر الصحيحين بالنهي عنه إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده وعلته الضعف به عما يتميز به من العبادات الكثيرة الفاضلة، ويعلل أيضاً بكونه يوم عيد، ولذا لم يكره لمن لا يضعفه عن شيء من وظائفه، وإنما زالت الكراهة بضم غيره إليه كما صح به الخبر وبصومه إذا وافق عادة أو نذرا أو قضاء; لأن صوم المضموم إليه وفضل ما يقع فيه يجبر ما فات منه، (وإفراد السبت) بغير ما ذكر في الجمعة (٢)؛ لخبر ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))؛ لأنه يشبه تعظيم اليهود له، ولذا كره إفراد الأحد أيضا؛ لأن النصارى تعظمه بخلاف ما لو جمعهما; لأن أحدا لم يقل بتعظيم المجموع. ولا يكره إفراد عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كالنيروز؛ لأنها غير مشتهرة. (وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروه (٣) لمن خاف به ضررا أو فوت حق) ولو مندوبا؛ لخبر ((لا صام من صام الأبد))، (ومستحب لغيره)؛ لخبر ((مَن صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا))، وصوم يوم وفطر يوم أفضل منه؛ لخبر ((أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما))، نعم من فعله فوافق فطره يوما يسن صومه كالاثنين كان صومه له أفضل (٤).
стр. 494
وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلَا قَضَاءَ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ لِوَاجِبٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ.
(ومن تلبس بصوم تطوع أو صلاته) أو غيرهما من التطوعات إلا النسك (فله قطعهما)؛ للخبر الصحيح ((الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر)) وقيس به الصلاة وغيرها، ثم إن قطع لغير عذر كره وإلا كأن شق على الضيف أو المضيف صومه سن له الفطر، ويثاب على ما مضى ككل قطع لفرض أو نفل بعذر، (ولا قضاء) أي لا يلزمه، بل يسن؛ خروجا من الخلاف. (ومن تلبس بقضاء لواجب حرم عليه قطعه إن كان على الفور وهو صوم من تعدى بالفطر) أو أفطر يوم الشك كما مر فلا يجوز له التأخير ولو بعذر كسفر تداركا لورطة الإثم أو التقصير، (وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح بأن لم يكن تعدى بالفطر) ; لأنه قد تلبس بالفرض كمن شرع في أداء فرض أول وقته، نعم مر أنه متى ضاق الوقت بأن لم يبق من شعبان إلا ما يسع الفرض وجب الفور وإن فات بعذر. وكالقضاء في حرمة القطع كل فرض عيني يبطله القطع أو يفوِّت وجوبه الفوري بخلاف نحو قراءة الفاتحة في الصلاة وكذا فرض كفاية هو جهاد أو نسك أو صلاة جنازة. ويحرم على الزوجة أن تصوم تطوعا أو قضاء موسعا (١) وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه كما يأتي (٢).
стр. 495
كتاب الاعتكاف
هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ ﵀ إلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الحَادِي أَوْ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ. وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي المَسْجِدِ،
(كتاب الاعتكاف)
هو مكث مخصوص على وجه يأتي. والأصل فيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو من الشرائع القديمة. وأركانه أربعة معتكِف ومُعْتَكَف فيه ولبث ونية، (هو مستحب كل وقت) إجماعا (و في العشر الأواخر من رمضان أفضل) ; لأنه ﷺ داوم عليه إلى وفاته (لطلب ليلة القدر) أي الحكم أو الشرف؛ إذ تختص ليلة القدر بوجودها في العشر الأواخر، وهي أفضل ليالي السنة. والمذهب أنها تلزم ليلة بعينها من ليالي العشر وأرجاها الأوتار، (وميل الشافعي ﵁ إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين)؛ لأنه ﷺ ((أريها في العشر الأواخر في ليلة وتر منه، وأنه سجد صبيحتها في ماء وطين فكان ذلك ليلة الحادي والعشرين)) كما في الصحيحين ((وليلة الثالث والعشرين)) كما في مسلم. ويسن لرائيها كتمها، ولا ينال كمال فضلها إلا من أطلعه الله عليها. ويسن الاجتهاد في يومها كليلتها. (وإنما يصح الاعتكاف) لمن هو أو ما اعتمد عليه فقط من بدنه (في المسجد (١) -إن كانت أرضه غير محتكرة (٢) ; لأنه ﷺ وأصحابه حتى نساءه لم يعتكفوا إلا فيه- سواء سطحه وروشنه (٣) وإن كان كله في هواء شارع مثلا ورحبته (٤) المعدودة منه وإن خص بطائفة ليس منهم; لأن إثمه إن