← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20

مختصر تحفة المحتاج بشرح المنهاج

مصطفى سميط

Полный текст (2 142 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَكَذَا المَرَضُ عَلَى المَذْهَبِ. وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الْإِفْسَادِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الجَمِيعِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ فَعَلَهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ. وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إلَى عِيَالِهِ. (وكذا) حدوث (المرض) بعده (على المذهب)؛ لذلك بخلاف حدوث الجنون والموت; لأنه يتبين بهما زوال أهلية الوجوب من أول اليوم. (ويجب معها قضاء يوم) أو أيام (الإفساد على الصحيح) ; لأنه إذا لزم المعذور فغيره أولى ورُوي أنه ﷺ أمر بها المجامع (وهي عتق رقبة (١) مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (٢)، وسيأتي بيانها في باب الكفارة، (فلو عجز عن الجميع استقرت) مرتبة (في ذمته في الأظهر (٣) ; لأنه ﷺ أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره له بعجزه، فدل على قبولها في الذمة (فإذا قدر على خصلة فعلها (٤) فورا وجوبا; لأن كل كفارة تعدى بسببها يجب الفور فيها. (والأصح أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لشدة الغلمة)؛ لئلا يقع فيه أثناء الصوم (وأنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله) كالزكاة وقوله ﷺ للمجامع بعد أن أخبره بعجزه فجاء له قدر الكفارة فأعطاه له فقال يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا- ((أطعمه أهلك)) يحتمل أنه تصدق به عليه أو ملَّكه إياه ليكفر به فلما أخبره بفقره أذن له في صرفه لأهله إعلاما بأن الكفارة إنما تجب بالفاضل عن الكفاية أو أنه تطوع بالتكفير عنه وسوَّغ له صرفها لأهله إعلاما بأن المُكَفِّر المتطوع عن الغير يجوز له صرف الكفارة لممون المُكَفَّر عنه (٥).

стр. 492

باب صوم التطوع يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَالخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، وَأَيَّامِ الْبِيضِ (باب صوم التطوع) وهو ما لم يُفْرَض، ويصح بنية مطلقة، نعم الراتب منه تشترط النية فيه؛ لحصول الثواب عليه بخصوصه. (يسن صوم الاثنين والخميس)؛ للخبر الحسن أنه ﷺ كان يتحرى صومهما ويقول ((إنهما تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) (و) يسن بل يتأكد صوم تسع الحجة؛ للخبر الصحيح فيها وآكدها تاسعها وهو يوم (عرفة) -لغير حاج ومسافرـ; لأنه ((يكفر السنة التي هو فيها والتي بعدها)) كما في خبر مسلم وآخر الأولى سلخ الحجة وأول الثانية أول المحرم الذي يلي ذلك، والمُكَفَّر الصغائر (١)، فإن لم تكن صغائر رفعت درجته أو وقي اقترافها أو استكثارها. أما الحاج فيسن له فطره (٢)، ويكره صومه وإن لم يضعفه الصوم عن الدعاء؛ تأسيا به ﷺ ، نعم يسن صومه لمن أخَّر وقوفه إلى الليل أي ولم يكن مسافرا، أو مريضاً وإلا سن له الفطر إن أتعبه الصوم وإن لم يتضرر به، ويسن صوم ثامن الحجة؛ احتياطا له، (وعاشوراء) وهو عاشر المحرم; لأنه يكفر السنة الماضية (وتاسوعاء)؛ لخبر مسلم ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع))، ويسن صوم الحادي عشر أيضا، (وأيام) الليالي (البيض) وهي الثالث عشر وتالياه؛ لصحة الأمر بصومها والاحتياط صوم الثاني عشر معها. نعم في الحجة يصوم السادس عشر (٣) أو يوما بعده بدل الثالث عشر، وتحصل أصل السنة بصوم ثلاثة من أيام الشهر. ويسن صوم أيام السود؛ خوفا ورهبة من ظلمة الذنوب وهي السابع أو الثامن والعشرون وتالياه فإن بدأ بالثامن ونقص الشهر صام أول تاليه وحينئذ يقع صومه عن كونه أول الشهر أيضا فإنه يسن صوم ثلاثة أول كل شهر. [تنبيه] مَن قال أولها السابع ينبغي أن يقول إذا تم الشهر يسن صوم الآخر؛ خروجا من خلاف الثاني، ومن قال الثامن ينبغي أن يقول يسن صوم السابع؛ احتياطا فنتج سن صوم

стр. 493

وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ إفْرَادُ الجُمُعَةِ، وَإِفْرَادُ السَّبْتِ. وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ، وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ الأربعة الأخيرة إذا تم الشهر عليهما (وستة من شوال) ; لأنها مع صيام جميع رمضان كل سنة كصيام الدهر أي فرضا -بلا مضاعفة- وإلا لم يكن لخصوصية ستة شوال معنى; إذ من صام مع رمضان ستة غيرها يحصل له ثواب الدهر نفلا بلا مضاعفة. وقضية المتن ندبها حتى لمن أفطر رمضان وهو كذلك إلا فيمن تعدى بفطره (١) ; لأنه يلزمه القضاء فورا. ولو فاته رمضان فصام عنه شوالا سن له صوم ست من القعدة; لأن من فاته صوم راتب يسن له قضاؤه، (وتتابعها أفضل)؛ مبادرة للعبادة. (ويكره إفراد الجمعة) بالصوم؛ لخبر الصحيحين بالنهي عنه إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده وعلته الضعف به عما يتميز به من العبادات الكثيرة الفاضلة، ويعلل أيضاً بكونه يوم عيد، ولذا لم يكره لمن لا يضعفه عن شيء من وظائفه، وإنما زالت الكراهة بضم غيره إليه كما صح به الخبر وبصومه إذا وافق عادة أو نذرا أو قضاء; لأن صوم المضموم إليه وفضل ما يقع فيه يجبر ما فات منه، (وإفراد السبت) بغير ما ذكر في الجمعة (٢)؛ لخبر ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))؛ لأنه يشبه تعظيم اليهود له، ولذا كره إفراد الأحد أيضا؛ لأن النصارى تعظمه بخلاف ما لو جمعهما; لأن أحدا لم يقل بتعظيم المجموع. ولا يكره إفراد عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كالنيروز؛ لأنها غير مشتهرة. (وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروه (٣) لمن خاف به ضررا أو فوت حق) ولو مندوبا؛ لخبر ((لا صام من صام الأبد))، (ومستحب لغيره)؛ لخبر ((مَن صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا))، وصوم يوم وفطر يوم أفضل منه؛ لخبر ((أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما))، نعم من فعله فوافق فطره يوما يسن صومه كالاثنين كان صومه له أفضل (٤).

стр. 494

وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلَا قَضَاءَ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ لِوَاجِبٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ. (ومن تلبس بصوم تطوع أو صلاته) أو غيرهما من التطوعات إلا النسك (فله قطعهما)؛ للخبر الصحيح ((الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر)) وقيس به الصلاة وغيرها، ثم إن قطع لغير عذر كره وإلا كأن شق على الضيف أو المضيف صومه سن له الفطر، ويثاب على ما مضى ككل قطع لفرض أو نفل بعذر، (ولا قضاء) أي لا يلزمه، بل يسن؛ خروجا من الخلاف. (ومن تلبس بقضاء لواجب حرم عليه قطعه إن كان على الفور وهو صوم من تعدى بالفطر) أو أفطر يوم الشك كما مر فلا يجوز له التأخير ولو بعذر كسفر تداركا لورطة الإثم أو التقصير، (وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح بأن لم يكن تعدى بالفطر) ; لأنه قد تلبس بالفرض كمن شرع في أداء فرض أول وقته، نعم مر أنه متى ضاق الوقت بأن لم يبق من شعبان إلا ما يسع الفرض وجب الفور وإن فات بعذر. وكالقضاء في حرمة القطع كل فرض عيني يبطله القطع أو يفوِّت وجوبه الفوري بخلاف نحو قراءة الفاتحة في الصلاة وكذا فرض كفاية هو جهاد أو نسك أو صلاة جنازة. ويحرم على الزوجة أن تصوم تطوعا أو قضاء موسعا (١) وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه كما يأتي (٢).

стр. 495

كتاب الاعتكاف هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ ﵀ إلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الحَادِي أَوْ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ. وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي المَسْجِدِ، (كتاب الاعتكاف) هو مكث مخصوص على وجه يأتي. والأصل فيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو من الشرائع القديمة. وأركانه أربعة معتكِف ومُعْتَكَف فيه ولبث ونية، (هو مستحب كل وقت) إجماعا (و في العشر الأواخر من رمضان أفضل) ; لأنه ﷺ داوم عليه إلى وفاته (لطلب ليلة القدر) أي الحكم أو الشرف؛ إذ تختص ليلة القدر بوجودها في العشر الأواخر، وهي أفضل ليالي السنة. والمذهب أنها تلزم ليلة بعينها من ليالي العشر وأرجاها الأوتار، (وميل الشافعي ﵁ إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين)؛ لأنه ﷺ ((أريها في العشر الأواخر في ليلة وتر منه، وأنه سجد صبيحتها في ماء وطين فكان ذلك ليلة الحادي والعشرين)) كما في الصحيحين ((وليلة الثالث والعشرين)) كما في مسلم. ويسن لرائيها كتمها، ولا ينال كمال فضلها إلا من أطلعه الله عليها. ويسن الاجتهاد في يومها كليلتها. (وإنما يصح الاعتكاف) لمن هو أو ما اعتمد عليه فقط من بدنه (في المسجد (١) -إن كانت أرضه غير محتكرة (٢) ; لأنه ﷺ وأصحابه حتى نساءه لم يعتكفوا إلا فيه- سواء سطحه وروشنه (٣) وإن كان كله في هواء شارع مثلا ورحبته (٤) المعدودة منه وإن خص بطائفة ليس منهم; لأن إثمه إن

стр. 496

وَالجَامِعُ أَوْلَى. وَالجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ المَرْأَةٍ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ المُعْتَزَلُ المُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ. وَلَوْ عَيَّنَ المَسْجِدَ الحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ تَعَيَّنَ، وَكَذَا مَسْجِدُ المَدِينَةِ وَالْأَقْصَى فِي الْأَظْهَرِ، وَيَقُومُ المَسْجِدُ الحَرَامُ مَقَامَهُمَا، وَلَا عَكْسَ، وَيَقُومُ مَسْجِدُ المَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى، وَلَا عَكْسَ فُرِضَ لأمر خارج، أما ما أرضه محتكرة فلا يصح فيه إلا إن بنى فيه مسطبة (١) أو بلَّطه ووقف ذلك مسجدا؛ لصحة وقف السفل دون العلو وعكسه وهذا منه، وما وقف بعضه مسجدا شائعا يحرم المكث فيه على الجنب ولا يصح الاعتكاف فيه؛ احتياطا فيهما، (والجامع) وإن قلَّت جماعته بل وإن لم يحتج للخروج للجمعة لو اعتكف في غيره لكونه مسافرا مثلا (أولى)؛ خروجا من خلاف من اشترطه، نعم يجب إن نذر اعتكاف مدة متتابعة تتخللها جمعة وهو من أهلها ولم يشترط الخروج لها (٢) ; لتقصيره، أما إن كانت تقام في غير جامع أو أُحْدِث الجامع بعد اعتكافه لم يضر الخروج لها؛ لعدم تقصيره. وإذا خرج لها تعين أقرب جامع إليه إن اتحد وقت صلاة الجامعين. وإلا جاز الذهاب للأبعد إن سبق الأقرب; لأن سبقه مرجح له، ويؤخذ منه أن مثله بالأولى ما تيقن حل مال بانيه وأرضه دون ضده. (والجديد أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة)؛ لحل تغييره والمكث فيه للجنب وغيره، وحيث كره لها الخروج إليه للجماعة (٣) كره الاعتكاف فيه، ولا يجري هذا القول في الخنثى. (ولو عَيَّن المسجد الحرام في نذره الاعتكاف تعين)؛ لزيادة فضله والمضاعفة فيه. والمراد به الكعبة والمسجد حولها، ولو عينها أجزأ عنها بقية المسجد (وكذا مسجد المدينة) وهو مسجده ﷺ دون ما زيد فيه (والأقصى في الأظهر) ; لأنهما تشد إليهما الرحال كالمسجد الحرام، ولا يتعين غير الثلاثة بالتعيين لكن المُعَيَّن أولى، (ويقوم المسجد الحرام مقامهما) ; لأنه أفضل منهما (ولا عكس)؛ لذلك، (ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى) ; لأنه أفضل منه (ولا عكس)؛ لذلك. ويتعين زمن الاعتكاف إن عين له زمنا فلو قدمه عليه لم يحسب وإن أخره

стр. 497

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا، وَقِيلَ يَكْفِي المُرُورُ بِلَا لُبْثٍ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ. وَيَبْطُلُ بِالجِمَاعِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ المُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ كَلَمْسٍ، وَقُبْلَةٍ تُبْطِلُهُ إنْ أَنْزَلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فَكَجِمَاعِ الصَّائِمِ. وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ وَالْفِطْرُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ لَزِمَهُ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا لَزِمَاهُ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ جَمْعِهِمَا عنه كان قضاء وأثم إن تعمد. (والأصح أنه يشترط في الاعتكاف لبثُ قَدْرٍ يسمى عكوفا) ; لأن مادة لفظ الاعتكاف تقتضيه، بأن يزيد على أقل طمأنينة الصلاة ولا يكفي قدرها ويكفي عنه التردد (١)، (وقيل يكفي المرور بلا لبث) كالوقوف بعرفة، (وقيل يشترط مكث نحو) أي قريب (يوم) وقيل يشترط يوم. (ويبطل بالجماع) من عالم عامد مختار ولو في غير المسجد كأن كان في طريق أو محل قضاء الحاجة، لكنه فيه -ولو في هوائه- يحرم مطلقا وخارجه لا يحرم إلا إن كان منذورا ولا يبطل ما مضى إلا إن نذر التتابع، و يبطل ثوابه بشتم أو غيبة أو أكل حرام، (وأظهر الأقوال أن المباشرة بشهوة كلمس وقبلة تبطله إن أنزل وإلا فلا) كالصوم فيأتي هنا جميع ما مر ثم، (ولو جامع ناسيا فكجماع الصائم) فلا يبطل. (ولا يضر التطيب والتزين) وله أن يتزوج ويزوج، (و) لا يضر (الفطر بل يصح اعتكاف الليل وحده)؛ للخبر الصحيح ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)). (ولو نذر اعتكاف يوم هو فيه صائم) كان قال عليَّ أن أعتكف يوما وأنا فيه صائم أو جدوه -أو بدون واو- (لزمه) بالنذر كالتتابع، ويجوز كون اليوم عن رمضان وغيره; لأنه لم يلتزم صوما بل اعتكافا بصفة وقد وجدت. (ولو نذر أن يعتكف صائما أو يصوم معتكفا لزماه) أي الاعتكاف والصوم; لأنه التزم كلا على حدته فلا يكفيه أن يعتكف وهو صائم عن رمضان أو نذر آخر مثلا ولا أن يصوم في يوم اعتكفه عن نذر آخر قبل أو بعد (والأصح وجوب جمعهما)؛ لما بينهما من المناسبة إذ كلٌّ كف، وبه فارق أن أصلي صائما أو أعتكف مصليا فلو شرع في الاعتكاف صائما ثم أفطر لزمه استئنافهما، نعم لو نذر أن يعتكف صائما أو يصوم

стр. 498

وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاعْتِكَافِ، وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ. وَإِذَا أَطْلَقَ كَفَتْهُ نِيَّتُهُ، وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ لَكِنْ لَوْ خَرَجَ وَعَادَ احْتَاجَ إلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَلَوْ نَوَى مُدَّةً فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ، أَوْ لَهَا فَلَا، وَقِيلَ إنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ اسْتَأْنَفَ وَقِيلَ لَا يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا. وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ لَمْ يَجِبْ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، معتكفاً يكفيه يوم الصوم اعتكافه لحظة فيه ولا يلزمه استغراقه بالاعتكاف؛ لأن اللفظ صادق بالقليل والكثير، ولو قال أن أعتكف يوم العيد صائما وجب اعتكافه ولغا قوله صائما. (ويشترط) في ابتداء الاعتكاف -لا دوامه- (نية الاعتكاف) ; لأنه عبادة (وينوي) وجوبا (في) الاعتكاف أو غيره (النذر) أي المنذور النذرَ أو (الفرضية)؛ ليتميز عن التطوع، ولا يشترط أن يعين سببها وهو النذر; لأنه لا يجب إلا به بخلاف الصوم والصلاة. (وإذا أطلق) الاعتكاف بأن لم يعين له مدة (كفته نيته) أي الاعتكاف (وإن طال مكثه)؛ لشمول النية المطلقة لذلك (لكن لو خرج) غير عازم على العود (وعاد احتاج إلى الاستئناف) ; لأن ما مضى عبادة فانتهت بالخروج ولو لقضاء الحاجة، أما إذا خرج عازما على العود فلا يحتاج لنية العود وإن طال زمن خروجه؛ لقيام هذا العزم مقامها. (ولو نوى) في اعتكاف تطوع أو نَذْرٍ (مدة) مطلقة أو معينة (١) ولم يشترط تتابعا واعتكف لوفاء نذره في صورته (فخرج فيها وعاد فإن خرج لغير قضاء الحاجة لزمه الاستئناف) للاعتكاف (٢) في الصورة الثانية; لأن خروجه المذكور قطعه (أو لها) أي للحاجة وهي البول والغائط؛ للضرورة لا الريح (فلا) ; لأنه لا بد منه، (وقيل إن طالت مدة خروجه) ولو للحاجة (استأنف)؛ لتعذر البناء، (وقيل لا يستأنف مطلقا) ; لأن عوده ينصرف لما نواه. (ولو نذر مدة متتابعة فخرج لعذر لا يقطع التتابع) وإن كان منه بد كالأكل وقضاء الحاجة والحيض والخروج ناسيا (لم يجب استئناف النية)؛ لشمولها جميع المدة وتجب المبادرة للعود عقب زوال العذر، فإن أخَّر عالما ذاكرا مختارا انقطع التتابع وتعذر البناء.

стр. 499

وَقِيلَ إنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الحَاجَةِ وَغُسْلِ الجَنَابَةِ وَجَبَ. وَشَرْطُ المُعْتَكِفِ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ عَنِ الحَيْضِ وَالجَنَابَةِ. وَلَوِ ارْتَدَّ المُعْتَكِفُ أَوْ سَكِرَ بَطَلَ، وَالمَذْهَبُ بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِمَا المُتَتَابِعِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إنْ لَمْ يُخْرَج، وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ مِنَ الِاعْتِكَافِ دُونَ الجُنُونِ. أَوْ الحَيْضٌ وَجَبَ الخُرُوجُ، وَكَذَا الجَنَابَةُ إنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي المَسْجِدِ، (وقيل إن خرج لغير الحاجة وغسل الجنابة) ونحوهما (وجب)؛ لخروجه عن العبادة بما منه بد، أما ما يقطعه فيجب استئنافها جزما. (وشرط المعتكف الإسلام والعقل)؛ لأن غيرهما لا نية له (والنقاء عن الحيض) والنفاس (والجنابة)؛ لحرمة المكث بالمسجد حينئذ، والحرمة هنا ذاتية بخلاف نحو من به نحو قروح تلوث المسجد (١). (ولو ارتد المعتكف أو سكر) سكرا تعدى به (بطل) اعتكافه زمن الردة والسكر؛ لانتفاء أهليته (والمذهب بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابع) ; لأن ذلك أقبح من مجرد الخروج من المسجد، ويبطل أيضا ثواب المرتد كثواب جميع أعماله وإن أسلم. (ولو طرأ جنون أو إغماء) ولم يتسبب في ذلك (لم يبطل ما مضى إن لم يُخرَج) وكذا لا يبطل ما مضى إن جازت إدامته في المسجد فأُخْرِج -سواء شق حفظه في المسجد أوْ لا (٢) -؛ لعذره (٣) كالمكرَه بغير حق وإلا فيضر، (ويحسب زمن الإغماء من الاعتكاف دون الجنون) كما في الصوم فيهما. (أو) طرأ (الحيض) أو النفاس أو نجس غيرهما لا يمكن معه المكث بالمسجد (وجب الخروج)؛ لتحريم مكثهم، (وكذا الجنابة إن) طرأت بما لا يبطل الاعتكاف كاحتلام، و (تعذر الغسل في المسجد)؛ للضرورة إليه، ولو كان يتيمم وأمكنه التيمم بغير ترابه وهو مار فيه لم يجز له الخروج (٤) ; إذ لا ضرورة إليه حينئذ.

стр. 500

فَلَوْ أَمْكَنَ جَازَ الخُرُوجُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الحَيْضِ وَلَا الجَنَابَةِ. (فلو أمكن) الغسل فيه (جاز الخروج) ; لأنه أقرب للمروءة وتلزمه المبادرة به، (ولا يلزمـ) ـه بل له الغسل في المسجد (١)؛ رعاية للتتابع، نعم محل جوازه حيث لا مكث فيه بأن كان فيه نهر يخوضه وهو خارج وإلا وجب الخروج، وكذا لو كان مستجمرا -؛ لحرمة إزالة النجاسة في المسجد- أو يحصل بغسالته ضرر للمسجد أو المصلين، (ولا يحسب زمن الحيض ولا الجنابة) من الاعتكاف إذا اتفق المكث مع أحدهما; لأنه حرام وإنما أبيح للضرورة.

стр. 501

فصل إذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ بِلَا شَرْطٍ، وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتَتْهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ. وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الخُرُوجَ لِعَارِضٍ صَحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَظْهَرِ، (فصل) في الاعتكاف المنذور المتتابع (إذا نذر مدة متتابعة لزمه (١) ; لأنه وصف مقصود، (والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط) وإن نواه; لأن مطلق الزمن كأسبوع وعشرة أيام صادق بالمتفرق أيضا. ولو شرط التفريق أجزأ عنه التتابع; لأنه أفضل منه مع كونه من جنسه (٢)، (و) الصحيح (أنه لو نذر يوما لم يجز تفريق ساعاته) من أيام بل يلزمه الدخول قبل الفجر -بحيث يقارن لبثه أول الفجر- ويخرج منه عقب الغروب; لأن المفهوم من لفظ اليوم هو الاتصال فلو دخل الظهر ومكث إلى الظهر ولم يخرج ليلا لم يجزئه; لعدم اتصال اليوم والليلة ليست من اليوم. فإن قال نهارا نذرته من الآن لزمه منه إلى مثله ودخلت الليلة تبعا، ولو نذر اعتكاف يوم فاعتكف ليلة أو عكسه فإن عيَّن زمنا وفاته كفى إن كان ما أتى به قدره أو أزيد وإلا فلا (وأنه لو عيَّن مدة كأسبوع) معين (وتعرض للتتابع وفاتته لزمه التتابع في القضاء)؛ لتصريحه به فصار مقصودا لذاته (وإن لم يتعرض له لم يلزمه في القضاء)؛ لأنه حينئذ من ضرورة الوقت فليس مقصودا لذاته. (وإذا ذكر التتابع وشرط الخروج لعارض) مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف (صح الشرط في الأظهر) ; لأنه إنما لزم بالتزامه فوجب أن يكون بحسبه فإن عيَّن شيئا لم يتجاوزه، وإلا خرج لكل غرض ولو دنيويا مباحا كلقاء الأمير لا لنحو نزهة. أما لو شرط الخروج لمُحَرَّم كشرب خمر أو لمناف كجماع فيبطل نذره، نعم لو كان المنافي لا يقطع التتابع كحيض لا تخلو عنه مدة الاعتكاف غالبا صح شرط الخروج له، وأما لو شرط الخروج لا لعارض كأن

стр. 502

وَالزَّمَانُ المَصْرُوفُ إلَيْهِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ، وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالخُرُوجِ بِلَا عُذْرٍ. وَلَا يَضُرُّ إخْرَاجُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَلَا الخُرُوجُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا إلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ، قال إلا أن يبدو لي فهو باطل; لأنه علّقه ويبطل به نذره أيضا (والزمان المصروف إليه) أي لذلك العارض (لا يجب تداركه إن عيَّن المدة كهذا الشهر) ; لأن زمن المنذور من الشهر إنما هو اعتكاف ما عدا العارض (وإلا فيجب) تداركه؛ لتتم المدة الملتزمة. (وينقطع التتابع بـ) أشياء أخر زيادة على ما مر كـ (الخروج بلا عذر) مما يأتي وإن قل زمنه؛ لمنافاته اللبث (ولا يضر إخراج بعض الأعضاء) ; لأنه ﷺ ((كان يخرج رأسه الشريف وهو معتكف إلى عائشة فتسرحه))، نعم إن أخرج رِجلا مثلا ضر إن اعتمد عليها فقط -بحيث لو زالت سقط- وكذا لو اعتمد عليهما (١)، (ولا الخروج لقضاء الحاجة) إجماعا; لأنه ضروري، ولا تشترط شدتها ولا يكلف المشي على غير سجيته فإن تأتى أكثر منها ضر، ومثلها غسل جنابة وإزالة نجس وأكل; لأنه يستحيى منه في المسجد غير المهجور، وشرب إذا لم يجد ماء فيه ولا من يأتيه به; لأنه لا يستحيى منه فيه، وله الوضوء بعد قضاء الحاجة تبعا; إذ لا يجوز الخروج له قصدا إلا إذا تعذر في المسجد ولا لغسل مسنون ولا لنوم، (ولا يجب فعلها في غير داره) كسقاية المسجد ودار صديقه بجنب المسجد؛ للحياء (٢) مع المنة في الثانية (ولا يضر بُعْدُها إلا أن) يكون له دار أقرب منها أو (يفحش) البعد بأن يذهب أكثر الوقت المنذور في التردد (فيضر في الأصح) ; لأنه قد يحتاج في عوده أيضا إلى البول فيمضي يومه في التردد، نعم لو لم يجد غيرها أو وجد غير لائق به لم يضر. (ولو عاد مريضا) أو زار قادما (في طريقه) لنحو قضاء الحاجة (لم يضر) وإن جمع بين ذلك وصلاة الجنازة أو تكرر كأن صلى على موتى أو عاد عدة مرضى، ولا نظر لضمه مع غيره المقتضي لطول الزمن (ما لم يطل وقوفه) فإن طال بأن زاد على قدر صلاة الجنازة بأقل مجزئ (٣) ضر، أما قدرها فيحتمل لجميع الأغراض (أو) لم (يعدل عن طريقه).

стр. 503

وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ، يُحْوِجُ إلَى الخُرُوجِ. وَبِحَيْضٍ إنْ طَالَتْ مُدَّةُ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ انْقَطَعَ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا بِالخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى المَذْهَبِ. وَلَا بِخُرُوجِ المُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ المَسْجِدِ لِلْأَذَانِ فِي الْأَصَحِّ فإن عدل ضر وإن قصر الزمن؛ لخبر أبي داود أنه ﷺ ((كان يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو يسأل عنه ولا يعرج)). (ولا ينقطع التتابع بمرض) ومنه جنون أو إغماء (يحوج إلى الخروج) بأن خشي تنجس المسجد أو احتاج إلى فرش وخادم، ومثله خوف حريق وسارق بخلاف نحو صداع وحمَّى خفيفة فإن أخرج لأجل ذلك فقد مر (١) (و) لا ينقطع بالخروج لشهادة تعينت (٢) أو لحد ثبت بالبينة (٣) أو (بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) بأن كانت لا تخلو عن الحيض غالبا (٤) فتبني على ما سبق إذا طهرت; لأنه بغير اختيارها، وحكم النفاس كالحيض، (فإن كانت بحيث تخلو عنه انقطع في الأظهر)؛ لإمكان الموالاة بشروعها عقب الطهر، (ولا بالخروج) مُكرَها بغير حق أو (ناسيا على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسيا، ومثله جاهل يعذر بجهله (ولا بخروج المؤذن الراتب إلى منارة منفصلة) بخلاف متصلة بأن يكون بابها في المسجد أو رحبته فلا يضر مطلقا (عن المسجد) لكنها قريبة منه مبنية له (للأذان في الأصح) ; لأنها مبنية لإقامة شعائر المسجد وقد ألِفَ الناسُ صوتَ الراتب فعُذر، ولذا فارقت الخلوة الخارجة عن المسجد التي بابها فيه فينقطع بدخولها قطعا، أما غير راتب فيضر صعوده لمنفصلة؛ لانتفاء ما ذكر في الراتب، وأما بعيدة عن المسجد أي بحيث لا تنسب إليه عرفا أو مبنية لغيره الذي ليس متصلا به فيضر صعودها مطلقا بخلاف المتصل به;

стр. 504

وَيَجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الخُرُوجِ بِالْأَعْذَارِ إلَّا أَوْقاتَ قَضَاءِ الحَاجَةِ. لأن المساجد المتلاصقة حكمها حكم المسجد الواحد. (ويجب قضاء (١) أوقات الخروج بالأعذار) ; لأنه غير معتكف فيها (إلا أوقات قضاء الحاجة (٢) ; لأن حكم الاعتكاف منسحب عليها، ولهذا لو جامع في زمنها من غير مكث بطل.

стр. 505

كتاب الحج هُوَ فَرْضٌ وَكَذَا الْعُمُْرَةُ فِي الْأَظْهَرِ. وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: الْإِسْلَامُ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالمَجْنُونِ، (كتاب الْحَج (١)) (هو) قصد الكعبة للنُّسُك مع الإتيان به، أو هو نفس الأفعال الآتية. والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، وهو (فرض) معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره إلا إن أمكن خفاؤه عليه (وكذا العُمُْرة) وهي قصد الكعبة للنسك الآتي، أو نفس الأفعال الآتية (في الأظهر)؛ للخبر الصحيح ((حِجَّ عن أبيك واعتمر)). ولا يغني عنها الحج; لأن كُلاً أصلٌ قُصد منه ما لم يقصد من الآخر. ولا يجبان في العمر إلا مرة. وهما على التراخي بشرط العزم على الفعل بعدُ، وأن لا يتضيقا بنذر أو خوف عضب أو تلف مال بقرينة ولو ضعيفة أو بكونهما قضاء عما أفسده، ومتى أخَّر فمات تبين فسقه بموته من آخر سني الإمكان إلى الموت فيرد ما شهد به وينقض ما حكم به، وسيأتي أنه يستقر عليه بوجود مال له لم يعلمه ومع ذلك لا نحكم بفسقه؛ لعذره. (وشرط صحته) المطلقة (الإسلام) فقط فلو ارتد أثناءه بطل ولم يجب مضي في باطلة. ولا تحبط الردة -غير المتصلة بالموت- ذات ما مضى بل ثوابه ولذا لم يجب قضاؤه (فللولي) على المال ولو وصيا وقيما بنفسه أو مأذونه ولو لم يحج أو كان محرما بحج عن نفسه وإن غاب المولى، نعم لا يرمى عن الصبي -بشرطه- إلا إن رمى عن نفسه (أن يحرم) أي ينوي الإحرام (عن الصبي) أو جعله محرما (الذي لا يميز)، أما المميز فيتخير بين أن يحرم عنه أو يأذن له أن يحرم عن نفسه؛ لخبر مسلم أنه ﷺ لقي ركبا بالروحاء فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال ((نعم ولك أجر))، فيكتب للصبي ثواب ما عمله أو عمله به وليه من الطاعات ولا يكتب عليه معصية إجماعا، (والمجنون)؛

стр. 506

وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ المُسْلِمِ المُمَيِّزِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِالمُبَاشَرَةِ إذَا بَاشَرَهُ المُكَلَّفُ الحُرُّ، فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ قياسا على الصبي. وحيث صار المولى محرما وجب أن يفعل به ما يمكن فعله (١) كإحضاره عرفة وسائر المواقف ومنها الرمي فيلزمه إحضاره إياه حالة رميه عنه -وإن لم يتصور منه- والطواف والسعي به، وأن يفعل عنه ما لا يمكن كالرمي -بعد رميه عن نفسه- إن لم يقدر لو جعل الحصاة بيده أن يرمي بها، ولا يعتد بجعلها بيده (٢) إلا إن رمى عن نفسه (٣)، ويصلي عنه سنة الطواف والإحرام ويشترط في الطواف به طهر الولي والصبي فيوضئه الولي وينوي عنه. وخرج بالصبي والمجنون المغمى عليه فلا يحرم أحد عنه؛ إذ لا ولي له (٤). وللسيد أن يحرم عن قنه الصغير لا البالغ، نعم الصبي المبعض يحرم عنه وليّه وسيده معا لا أحدهما وإن كانت مهايأة، ومع ذلك للسيد تحليله إلا في المهايأة إن أحرم في نوبته ووسعت نسكه فله حينئذ حكم الحر. (وإنما تصح مباشرته من المسلم المميز) ولو قنا ككل عبادة بدنية، نعم تتوقف صحة إحرامه على إذن وليه كما مر أو سيده؛ لأن شأنه الاحتياج للمال وهو محجور عليه فيه، ويلزم الوليَ كلُّ دم لزم المولى وما زاد على مؤنته في الحضر، ومؤنة قضاء ما أفسده بجماعه؛ لوجود شروط جماع البالغ المفسد فيه؛ لأنه الذي ورَّطه في ذلك من غير حاجة ولا ضرورة. (وإنما يقع) ما أتى به المحرم (عن) نذر إن كان مسلما مكلفا. وعن (حجة الإسلام) وعمرته (بالمباشرة) عن نفسه أو عن ميت أو معضوب (إذا باشره المكلف) أي البالغ العاقل (الحر) ولو بالتبين (فيجزئ حج الفقير) وعمرته عن حجة الإسلام وعمرته أداء أو قضاء لما أفسده كما لو تكلف مريض حضور الجمعة (دون الصبي والعبد) إجماعا، هذا إن لم يدركا وقوف الحج وطواف العمرة كاملين وإلا بأن بلغ أو عتق قبل الوقوف أو الطواف أو في أثنائهما أو بعد الوقوف (٥) وعاد وأدركه (٦) قبل فجر النحر أجزأهما

стр. 507

وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ، وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، عن حجة الإسلام وعمرته؛ لوقوع المقصود الأعظم في حال الكمال. ثم إنه إن أدرك الوقوف لزمه إعادة طواف الإفاضة والسعي والحلق، فيجزئه عوده (١) ولو بعد التحللين وإن جامع بعدهما ولا يعيد الإحرام. أما المجنون فيشترط لوقوعه عن حجة الإسلام إفاقته في الأركان كلها (٢). (وشرط وجوبه الإسلام) فلا يجب على كافر أصلي إلا للعقاب عليه نظير ما مر، ولا أثر لاستطاعته في كفره، أما المرتد فيخاطب به في ردته حتى لو استطاع ثم أسلم لزمه الحج وإن افتقر، فإن أخَّره حتى مات حُجَّ عنه من تركته (والتكليف والحرية والاستطاعة (٣) بالإجماع، فعلم أن المراتب خمس صحة مطلقة وصحة مباشرة فوقوع عن نذر فوقوع عن فرض الإسلام فوجوب، وتكفي استطاعة الحج عن استطاعة العمرة؛ لإمكان القران، أما استطاعة العمرة في غير وقت الحج فلا يكتفى بها للحج. (وهي نوعان: أحدهما استطاعة مباشرة) فلا عبرة بقدرة ولي على الوصول إلى مكة وعرفة في لحظة كرامة، ولا يخاطب بذلك وإنما العبرة بالمعتاد، نعم الولي إذا فعل الشيء كرامة ترتب عليه حكمه كما لو حج هنا، (ولها شروط): (أحدها وجود الزاد وأوعيته) حتى السفرة (٤) مثلا (ومؤنة) نفسه وغيرها مما يحتاج إليه في (ذهابه، و) إن كان له وطن (٥) ونوى الرجوع إليه أو لم ينوِ شيئا أشترط أن يكون معه مؤنة (إيابه) أي

стр. 508

وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ لَمْ تُشْتَرَطْ نَفَقَةُ الْإِيَابِ، وَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ مَا يَفِي بِزَادِهِ وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ لَمْ يُكَلَّفْ الحَجَّ، وَإِنْ قَصُرَ وَهُوَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ. الثَّانِي وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، أقل مدة يمكن فيها ذلك بالسير المعتاد الآتي من بلده مع مدة الإقامة المعتادة بمكة؛ لأنه ﷺ سُئل عن السبيل في الآية فقال: ((الزاد والراحلة))، (وقيل إن لم يكن له ببلده أهل) هم من تجب نفقتهم، أ (وعشيرة) وهم أقاربه مطلقا (لم تشترط نفقة) أي مؤنة (الإياب)؛ لاستواء كل البلاد إليه حينئذ، أما من لا وطن له وله بالحجاز ما يقيته فلا تعتبر في حقه مؤنة الإياب قطعا، وكذا من نوى الاستيطان بمكة وقربها (١). (ولو) لم يجد ما ذكر لكن (كان يكسب) في السفر (ما يفي بزاده) وغيره من المؤن (وسفره طويل لم يكلف الحج)؛ لاجتماع تعب السفر والكسب وتلك مشقة شديدة عليه، (وإن قصر وهو يكسب في) أول (يوم) من أيام سفره (كفاية أيام) الحج وهي ما بين سابع الحجة وزوال ثالث عشره في حق من لم ينفر النفر الأول (كُلِّف (٢)؛ لانتفاء المشقة، ولا بد مع ذلك من قدرته على مؤنة أيام سفره إلى مكة ذهابا ورجوعا. وخرج بأول يوم قدرته على أن يكتسب بعده أو في الحضر ما يفي في الكل فلا يلزمه؛ لأن تحصيل سبب الوجوب لا يجب. ويعتبر في العمرة القدرة على مؤنة ما يسعها غالبا وهو نحو نصف يوم مع مؤنة سفره. (الثاني وجود) بشراء أو استئجار بعوض المثل -لا بأزيد منه وإن قل- أو وقفٍ عليه أو إيصاء له بمنفعتها مدة يمكن فيها الحج أو على هذه الجهة أو إعطاء الإمام إياها له من بيت المال لا من ماله كما لو وهبها له غيره؛ للمنة (الراحلة) وذلك؛ للخبر السابق، وهي الناقة التي تصلح لأن ترحل والمراد كل ما يصلح للركوب عليه بالنسبة لطريقه الذي يسلكه ولو نحو بغل وبقر وحمار وإن لم يلق به ركوبه (٣) (لمن بينه وبين مكة مرحلتان) وإن أطاق المشي بلا

стр. 509

فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ اُشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ، وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى المَشْيِ يَلْزَمُهُ الحَجُّ، فَإِنْ ضَعُفَ فَكَالْبَعِيدِ، مشقة; لأنها من شأنه حينئذ، نعم هو الأفضل -ولو لمرأة لا يُخْشَى عليها فتنة منه بوجهٍ-؛ خروجا من خلاف من أوجبه. ولو قدر على استئجار راحلة إلى دون مرحلتين وعلى مشي الباقي لم يلزمه; لأن تحصيل سبب الوجوب لا يجب، (فإن لحقه) أي الذكر (بالراحلة مشقة شديدة)، وهي ما يبيح التيمم (١) أو يحصل به ضرر لا يحتمل عادة (اشترط وجود مَحمِل (٢)؛ دفعا للضرر، فإن لحقته بالمحمل اشترط نحو كنيسة (٣)، فإن لحقته بها فمحفة (٤)، فإن لحقته بها فسرير يحمله رجال. أما المرأة والخنثى فيشترط في حقهما القدرة على المحمل وإن اعتادا غيره كنساء الأعراب; لأنه أستر لهما. (واشترط) وجود (شريك) إن لم يسهل (٥) معادلته بما يحتاج لاستصحابه أو يريده معه (يجلس في الشق الآخر) بشرط أن تليق به مجالسته بأن لا يكون فاسقا ولا مشهورا بنحو مجون أو خلاعة، ولا شديد العداوة له، وليس به نحو برص، وأن يوافقه على الركوب بين المحملين إذا نزل لقضاء حاجة، (ومن بينه وبينها) أي مكة (دون مرحلتين) وإن كان بينه وبين عرفة مرحلتان (وهو قوي على المشي يلزمه الحج)؛ لعدم المشقة غالبا، ولا عبرة بقربه من عرفة إن بعد عن مكة (فإن ضعف) عن المشي بحيث يلحقه به المشقة السابقة (فكالبعيد) أما الحبو فلا يجب مطلقا؛ لعظم مشقته.

стр. 510

وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ، (ويشترط كون) كل ما يلزمه من مؤن السفر كـ (الزاد والراحلة) ومثلهما ثمنهما وأجرة خفارة (١) ونحو محرم امرأة وقائد أعمى ومحمل (فاضلين عن دينه) ولو مؤجلا وإن رضي صاحبه أو كان لله تعالى كنذر; لأن المنية قد تخترمه فتبقى الذمة مرتهنة، ودينه الحال على مليء مقر به أو به بينة أو يعلمه القاضي كالذي بيده وإلا فكالمعدوم، نعم ما يسهل عليه الظفر به بشرطه كالحاصل أيضا (و) عن دست ثوب (٢) يليق به وعن كتب نحو الفقيه (٣) بتفصيله الآتي في قسم الصدقات، وخيل الجندي الآتي ثَمَّ، وآلة المحترف. وثمن المحتاج إليه مما ذكر وغيره كهو، وعن (مؤنة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه) وإقامته؛ لئلا يضيعوا، والمؤنة هنا شاملة للكسوة والخدمة والسكنى وإعفاف الأب وثمن دواء وأجرة طبيب ونحوها فلا يجوز له الخروج حتى يترك تلك المؤن (٤) أو يوكل من يصرفها من مال حاضر أو يطلق الزوجة (٥) أو يبيع القن. (والأصح اشتراط كونه فاضلا عن مسكنه وعبد يحتاج إليه لخدمته) لزَمَانَة أو منصب، أو عن ثمنهما الذي يحصلهما به، هذا إن استغرقت حاجته الدار وكانت مسكن مثله ولاق به العبد وإلا فإن أمكن بيع بعضها أو الاستبدال عنها أو عن العبد بلائق وكفى التفاوت مؤن الحج تعين وإن ألفهما قطعا. وأمة الخدمة كالعبد فيما ذكر بخلاف السرية (٦)، فإن احتاج لها لنحو خوف عنت لم يكلف بيعها وإن تضيق عليه الحج لكن يستقر الحج في ذمته كما لو كان ليس معه إلا ما يصرفه للحج أو النكاح فينكح ويستقر الحج في ذمته، والمكفية بإسكان زوج والساكن في بيت مدرسة بحق لا يترك لهما مسكن، ولا عبرة بما هو مستأجر له وإن طالت مدة الإجارة فيترك له المسكن مع ذلك إلا إن اعتاد السكن بالأجرة

стр. 511

وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتِهِ إلَيْهِمَا. الثَّالِثُ أَمْنُ الطَّرِيقِ فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ سِوَاهُ لَمْ يَجِبِ الحَجُّ، وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ إنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ، وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ، بحيث إن اشتراه لا يسكن فيه، ولا يشترى للموصى له بمنفعة مطلقة بخلاف الموصى له بمدة معلومة، ومن لا يصبر على ترك الجماع لا يشترط قدرته على سرية أو زوجة يستصحبها فيستقر الحج في ذمته، (وأنه يلزمه صرف مال تجارته) وثمن مستغلاته التي يحصل منها كفايته (إليهما) أي الزاد والراحلة مع ما ذكر معهما كما يلزمه صرفه في دينه. (الثالث أمن الطريق) -ولو ظنا- الأمن اللائق بالسفر دون الحضر على نفسه وما يحتاج لاستصحابه لا على ما معه من مال تجارته ونحوه إن أمن عليه ببلده، ولا على مال غيره إلا إذا لزمه حفظه والسفر به، وذلك; لأن خوفه يمنع استطاعة السبيل. ويشترط أيضا وجود رفقة يخرج معهم وقت العادة إن خاف وحده ولا أثر للوحشة هنا، ولو اختص الخوف به لم يستقر في ذمته، (فلو خاف على نفسه) أو بعضه (أو ماله) وإن قل (سبعا أو عدوا) مسلما أو كافرا (أو رصَديا) وهو من يرصد الناس أي يرقبهم في الطريق أو القرى لأخذ شيء منهم ظلما (ولا طريق سواه لم يجب الحج)؛ لحصول الضرر، نعم يسن الخروج وقتال الكافر إن أمكن، ويكره بذل مال له; لأنه ذل بخلافه للمسلم بعد الإحرام; لأنه أخف من قتاله، نعم إن علم أنه به يتقوى على التعرض للناس كره أيضا. ولو بذل الإمام للرصد وجب الحج وكذا أجنبي (١) حيث لا يتصور لحوق مِنَّة لأحد منهم في ذلك بوجه. (والأظهر وجوب ركوب البحر) ولو على المرأة إن وجدت لها محلا تنعزل فيه عن الرجال (إن) تعين طريقا ولو لنحو جدب البر وعطشه، و (غلبت) عرفا (السلامة) وقت السفر فيه; لأنه حينئذ كالبر الآمن بخلاف ما إذا غلب الهلاك أو استويا (٢)؛ لحرمة ركوبه حينئذ. وخرج به الأنهار العظيمة كالنيل فيجب ركوبها قطعا; لأن المقام فيها لا يطول، (وأنه تلزمه أجرة) مثل (البذرقة) وهي الخفارة بحيث يأمنون معهم ظنا، وأجرة دليل لا يعرف الطريق إلا به.

стр. 512

وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ المَاءِ وَالزَّادِ فِي المَوَاضِعِ المُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ المِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِق بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَعَلَفِ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ، وَفِي المَرْأَةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ، أَوْ نُِسْوَةٌ ثِقَاتٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لِإِحْدَاهُنَّ، وَأَنَّهُ تُلْزَمُهَا أُجْرَةُ المَحْرَمِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِهَا (ويشترط) للوجوب أيضا (وجود الماء والزاد في المواضع) كلها (المعتاد حمله منها بثمن المثل) لا أكثر منه وإن قلَّت الزيادة (١) (وهو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان) ; لأنه إن لم يحمل ذلك معه خاف على نفسه وإن حمله عظمت المؤنة، (وعلف الدابة في كل مرحلة) بل المعتبر فيه العادة وإلا لم يلزم آفاقيا الحج أصلا، (وفي) الوجوب على (المرأة) لا في الأداء -فلو استطاعت ولم تجد من يأتي لم يُقض من تركتها- (أن يخرج معها زوج) ولو فاسقا لكن إن غار عليها من مواقع الريب (أو محرم) ولو فاسقا بالتفصيل المذكور في الزوج، ويكفي مراهق وأعمى (٢) لهما حذق يمنع الريبة، وكونه في قافلتها وإن لم يكن معها لكن إن قرب بحيث تمتنع الريبة بوجوده، ومثلهما عبدها الثقة إذا كانت هي ثقة أيضا، والأجنبي الممسوح إن كانا ثقتين أيضا (أو) ثلاث (نُِسوة) فأكثر (ثقات) أي بالغات متصفات بالعدالة ولو إماء، وتكفي مراهقات -إن كان فيهن حذق يمنع الريبة- ومحارم فسقهن بغير نحو زنا أو قيادة ونحو ذلك؛ لحرمة سفرها وحدها لخوف استمالتها وهو منتف بمصاحبتها لمن ذكر، واعتبار تعدد النسوة إنما هو للوجوب أما الجواز فلها أن تخرج لأداء فرض الإسلام مع امرأة ثقة أو وحدها لكن إن تيقنت الأمن على نفسها. هذا كله في الفرض ولو نذرا أو قضاء، أما النفل فليس لها الخروج له مع نسوة وإن كثرن (٣)، نعم لو مات نحو المحرم -وهي في تطوع- فلها إتمامه، ويشترط في الأمرد الحسن أن يخرج معه سيد أو محرم يأمن به على نفسه. (والأصح أنه لا يشترط وجود محرم) أو نحو زوج (لإحداهن، و أنه تلزمها أجرة) مثل (المحرم) أو الزوج أو النسوة (إذا لم يخرج) من ذكر (إلا بها)

стр. 513

الرَّابِعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَعَلَى الْأَعْمَى الحَجُّ إنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَهُوَ كَالمَحْرَمِ فِي حَقِّ المَرْأَةِ، وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا يُدْفَعُ المَالُ إلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَنْصِبُ شَخْصًا لَهُ كأجرة البذرقة (١). وليس لها إجبار محرمها إلا إن كان قنها، ولا زوجها إلا إن أفسد حجها ولزمه إحجاجها فيلزمه ذلك بلا أجرة. (الرابع أن يثبت على الراحلة) أو نحو المحمل (بلا مشقة شديدة (٢)، وعلى الأعمى الحج) والعمرة (إن وجد) مع ما مر (قائدا) وشرطه ما مر في الشريك (وهو كالمحرم في حق المرأة) ويشترط في مقطوع نحو الأربعة الأطراف وجود معين له. (والمحجور عليه لسفه كغيره، لكن لا يدفع) الولي (المال) الذي هو من مال السفيه (إليه) ; لأنه يتلفه، وكذا مال الولي إن علم أنه يصرفه في معصية، (بل يخرج معه الولي أو يُنَصِّب شخصا) ثقة (له) ولو بأجرة مثله من مال المولى كقائد الأعمى إن لم يجد ثقة متبرعا. وبقي شرط خامس، وهو أن يبقى بعد وجود الاستطاعة زمن يمكنه السير فيه لأداء النسك على العادة (٣) بحيث لا يحتاج لقطع أكثر من مرحلة شرعية في بعض الأيام بل ولو في يوم واحد أو ليلة واحدة -وإن اعتيد-، فإن انتفى ذلك لم يجب الحج أصلا، وسادس وهو أن يوجد المعتبر في الإيجاب في الوقت، فلو استطاع قبل الوقت -كرمضان- ثم افتقر بعد دخول الوقت -كشوال- أو بعد الحج وقبل الرجوع لمن هو معتبر في حقه فلا وجوب، وسابع وثامن وهما خروج رفقة معه وقت العادة. [تنبيه] من استطاع ثم افتقر لزمه الكسب للحج والمشي إن قدر عليه ولو فوق مرحلتين لا السؤال .

стр. 514

النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنِ الحَجِّ بِنَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ المِثْلِ لَزِمَهُ، (النوع الثاني استطاعة تحصيله بغيره، فمن مات وفي ذمته) لكونه تمكن من الأداء بعد الوجوب (حج) واجب أو عمرة واجبة (وجب) على الوصي، فإن لم يكن فالوارث الكامل، فإن لم يكن فالحاكم (الإحجاج) أو الاعتمار (عنه) إن لم يرد الوصي ونحوه فعل ذلك بنفسه (من تركته) فورا؛ لخبر البخاري ((إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها، قال: حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؛ قالت: نعم، قال: اقضوا الله فالله أحق بالوفاء))، فإن لم يخلِّف تركة فلا يلزم أحدا الحج ولا الإحجاج عنه لكنه يسن للوارث، وللأجنبي وإن لم يأذن له الوارث. ولكلٍّ الحج والإحجاج عمن لم يستطع في حياته؛ نظرا إلى وقوع حجة الإسلام عنه وإن لم يكن مخاطبا بها في حياته. وخرج بقوله ((في ذمته)) النفل فلا يجوز حجه عنه إلا إن أوصى به. ولا يقضى من تركته لو لم يتمكن بعد الوجوب بأن تلف ماله أو عضب قبل إياب الحجيج، أو أخر فمات أو جن قبل تمام الحج أي قبل مضي زمن بعد نصف ليلة النحر يسع الأركان (١) التي لم يمكنهم تقديمها ورمى جمرة العقبة. (والمعضوب) الذي بينه وبين مكة مسافة القصر -وإلا كلف بنفسه أو من تركته بعد موته إن عجز (٢) - (العاجز عن الحج بنفسه) لنحو زمانة أو مرض لا يُرْجى برؤه (إن وجد أجرة من يحج عنه) ولو ماشيا (بأجرة المثل (٣) لا بأزيد وإن قلَّ (لزمه) الإحجاج عن نفسه فورا إن عضب بعد الوجوب والتمكن، وعلى التراخي إن عضب قبل الوجوب أو معه أو بعده ولم يمكنه الأداء، وذلك; لأنه مستطيع إذ الاستطاعة بالمال كهي بالنفس. ولو شُفي بعد الحج عنه بان فساد الإجارة ووقوعه للنائب ولزوم المعضوب الحج بنفسه بخلاف ما لو حضر معه ثم فات الحج فإن الإجارة صحيحة ويقع الحج للأجير؛ لتقصير المعضوب.

стр. 515

وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنِ الحَاجَاتِ المَذْكُورَةِ فِيمَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا تُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَلَوْ بَذَلَ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلْأُجْرَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَكَذَا الْأَجْنَبِيُّ فِي الْأَصَحِّ. (ويشترط كونها فاضلة عن الحاجات المذكورة فيمن يحج بنفسه، لكن لا يشترط نفقة العيال ذهابا وإيابا) ; لأنه مقيم عندهم فيُحَصَّل مؤنتهم ولو باقتراض أو تعرض لصدقة. (ولو بذل ولده) أي فرعه وإن سفل ذكرا كان أو أنثى أو والده وإن علا كذلك (أو أجنبي مالا للأجرة) لمن يحج عنه (لم يجب قبوله في الأصح)؛ لما في قبوله من المنة، ومن ثم لو أراد الأصل أو الفرع العاجز (١) أو القادر استئجار من يحج عنه أو قال له أحدهما استأجر وأنا أدفع عنك لزمه الإذن له في الأولى أو الاستئجار في الثانية (٢) ; لأنه ليس عليه مع كون البذل من أصله أو فرعه كبير مِنَّة فيه بخلاف بذله ليستأجر هو به عن نفسه، ولو رضي الأجير بدون أجرة المثل لزمه إنابته؛ لضعف المنة هنا أيضا. (ولو بذل الولد الطاعة) للمعضوب بأن يحج عنه بنفسه (وجب قبوله) بأن يأذن له فورا هنا وفيما يأتي وإن لزمه الحج على التراخي، فإن امتنع من الإذن لم يأذن الحاكم عنه ولا يجبره عليه وإن تضيق. ولو توسم الطاعة ولو من أجنبي لزمه سؤاله، نعم لا يلزمه الإذن لمن يذهب ماشيا من فرع أو أصل أو امرأة إلا إن كان بين المطيع وبين مكة دون مرحلتين وأطاقه، ولا لقريبه أو أجنبي معوِّل على سؤال أو كسب; لأنه يشق عليه، إلا إذا كان يكتسب في يوم كفاية أيام بشرطه السابق. ويجوز الرجوع من الباذل قبل الإحرام، وبه يتبين عدم الوجوب على المعضوب إذا كان قبل إمكان الحج عنه وإلا استقر عليه لا على المطيع. ولو كان له مال أو مطيع لم يعلم به استقر في ذمته، والعلم وعدمه إنما يؤثران في الإثم وعدمه، (وكذا الأجنبي) ونحو الأخ والأب (في الأصح) ولو ماشيا؛ لأنه لا استنكاف بالاستعانة ببدن الغير. وشرط الباذل الذي يجب قبوله أن يكون حرا مكلفا موثوقا به أدَّى فرض نفسه وأن لا يكون معضوبا. [فرع] مات أجير العين قبل الإحرام لم يستحق شيئا، أو بعده استحق بالقسط ; لأنه أتى ببعض المُسْتَأْجَر عليه فتوزع أجرة المثل على السير والأعمال ويعطى ما يخص عمله. ولا

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تصح الإجارة على زيارته ﷺ سواء الوقوف عند قبره أو الدعاء؛ لعدم انضباطه، فلو انضبطت كأن كتب له بورقة صحّت (١)، وأما الجعالة فلا تصح على الوقوف؛ لأنه لا يقبل النيابة بل على الدعاء، وعليه لو استجعل من جماعة على الدعاء ثَمَّ صح فإذا دعا لكل منهم استحق جعل الجميع لتعدد المُجَاعَل عليه وإن اتحد السير إليه. وتصح بالسلام عليه ﷺ سواء إجارة أو جعالة (٢).

стр. 517

باب المواقيت وَقْتُ إحْرَامِ الحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ (باب المواقيت) جمع ميقات وهو زمن العبادة ومكانها. (وقت إحرام الحج شوال وذو القَعدة وعشر ليال من ذي الحِجة) أي ما بين غروب آخر رمضان وفجر النحر، وبذا فُسِّر قوله تعالى ((الحج أشهر معلومات))، وقولنا ((آخر رمضان)) أي بالنسبة للبلد الذي هو فيه فيصح إحرامه به فيه وإن انتقل بعده إلى بلد أخرى تخالف مطلع تلك ووجدهم صياما؛ لشدة تشبث الحج، نعم لا يصح الإحرام في الثانية; لأنه بعد أن انتقل إليها صار مثلهم في الصوم فكذا الحج، (وفي ليلة النحر وجه) بعدم الصحة؛ لأنها تابعة ليومه وهو لا يصح الإحرام فيه به. وعلى الأصح يصح الإحرام به فيها (١) وإن علم أنه لا يدرك عرفة قبل الفجر فإذا فاته تحلل، (فلو أحرم به) أي بالحج، ومثله بالأولى ما لو أطلق (في غير وقته انعقد عمرة) مجزئة عن عمرة الإسلام (على الصحيح) علم أو جهل; لأن الإحرام شديد التعلق فانصرف لما يقبله، نعم يكره له ذلك. (وجميع السنة وقت لإحرام العمرة) وغيره مما يتعلق بها; لأنها صحت عنه ﷺ وعن غيره في أوقات مختلفة ثلاث مرات متفرقات (٢). وقد يمتنع الإحرام بها لعارض كمحرم بها وكحاج لم ينفر من منى نفرا صحيحا وإن لم يكن بها؛ لأن بقاء أثر الإحرام كبقاء نفس الإحرام، ولذا امتنعت حجتان في عام واحد. ولا تنعقد كالحج ممن أحرم بها وهو مجامع أو مرتد. ويسن الإكثار منها لاسيما في رمضان (٣)، وصحّ ((عمرة في رمضان تعدل حجة معي))، وهي أفضل

стр. 518

وَالمِيقَاتُ المَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ كُلُّ الحَرَمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمِيقَاتُ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الحِجَازِ قَرْنٌ، وَمِنَ المَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ. من الطواف إذا استويا في الزمن المصروف إليهما; لأنها لا تقع من المكلف الحر إلا فرضا (١) وهو أفضل من التطوع، (والميقات المكاني للحج) ولو في حق القارن؛ تغليباً للحج (في حق من بمكة) ولو آفاقيا (نفس مكة) لا خارجها ولو محاذيها (٢)، وورد (( .. حتى أهل مكة من مكة)) (وقيل كل الحرم)؛ لاستوائه معها في الحرمة ويرده تميزها عليه بأحكام أخر، فعلى الأول لو أحرم خارج بنيانها -أي في محل يجوز قصر الصلاة فيه لمن سافر منها- ولم يعد إليها قبل الوقوف أساء ولزمه دم بخلاف ما إذا عاد لكن كان عوده قبل وصوله لمسافة القصر، أما إذا وصل إلى مسافة القصر فيتعين لسقوط الدم الوصولُ إلى ميقات الآفاقي أو محاذاته إن كان ميقات الجهة التي خرج إليها أبعد من مرحلتين، فإن كان ميقات جهة خروجه على مرحلتين أو لم يكن لها ميقات فيكفيه وصوله إلى مسافة القصر تلك وإن لم يصل لعين الميقات. [تنبيه] عُلم مما تقرر أن الآفاقي المتمتع لو دخل مكة وفرغ من أعمال عمرته ثم خرج إلى محل بينه وبينها مرحلتان لزمه الإحرام بالحج من ميقاته على ما تقرر، أو دون مرحلتين ثم أراد الإحرام بالحج جاز له تأخيره إلى أن يدخلها بل لو أحرم من محله لزمه دخولها قبل الوقوف أو الوصول إلى الميقات أو مثله، وفي الروضة إذا كان ميقات المتمتع الآفاقي في مكة فأحرم خارجها لزمه دم الإساءة أيضا ما لم يعد لمكة أو للميقات (٣) أو مثل مسافته. (وأما غيره فميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة، ومن الشام) إذا لم يسلكوا طريق تبوك (ومصر والمغرب الجحفة، ومن تهامة اليمن يلملم ومن نجد اليمن ونجد الحجاز قرْن ومن المشرق) العراق وغيره (ذات عرق)، ويسن لهم الإحرام من العقيق قبيلها؛ لخبر فيه. وكلٌّ من الثلاثة على مرحلتين من مكة، وذلك؛ للنص الصحيح في الكل، ويستثنى مما ذكر الأجير فإنه يحرم من مثل مسافة ميقات من أحرم عنه إن كان أبعد من ميقاته فإن أحرم من ميقات أقرب فعليه دم

стр. 519

وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ المِيقَاتِ وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إلَى مِيقَاتٍ فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَمَنْ مَسْكَنُهُ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، الإساءة والحط، ومثله بالأولى ما لو استؤجر مكي عن آفاقي بحج أو عمرة فأحرم من مكة وترك ميقات المستأجَر عنه. (والأفضل أن يحرم) من هو فوق الميقات أو فيه -إلا المكي؛ لما يأتي فيه- (من أول الميقات)؛ ليقطع باقيه محرما، نعم الإحرام عند مسجد ذي الحليفة أفضل؛ للاتباع، (ويجوز من آخره)؛ لصدق الاسم عليه، والعبرة بالبقعة لا بما بُني ولو قريبا منها. (ومن سلك طريقا) في بر أو بحر ينتهي إلى ميقات فهو ميقاته وإن حاذى غيره أوَّلاً، أو (لا ينتهي إلى ميقات، فإن حاذى ميقاتا) أي سامته بأن كان على يمينه أو يساره ولا عبرة بما أمامه أو خلفه (أحرم من محاذاته)، فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة اجتهد، ويسن أن يستظهر؛ ليتيقن المحاذاة، فإن لم يظهر له شيء تعين الاحتياط (أوميقاتين) بأن كان إذا مرَّ على كل تكون المسافة من طريقه إليه واحدة (فالأصح أنه يحرم من محاذاة أبعدهما) من مكة وإن حاذى الأقرب إليها أوَّلاً، فإن استوت مسافتهما في القرب إلى طريقه وإلى مكة أحرم من محاذاتهما ما لم يحاذ أحدهما قبل الآخر وإلا فمنه. أما إذا لم تستو مسافتهما إليه بأن كان بين طريقه وأحدهما إذا مر عليه ميلان والآخر إذا مر عليه ميل فهذا هو ميقاته وإن كان أقرب إلى مكة، (وإن لم يحاذ) ميقاتا (أحرم على مرحلتين من مكة) ; لأنه لا ميقات دونهما. (ومن مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه)؛ لقوله ﷺ ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة))، فلو جاوز مسكنه إلى جهة مكة بأن أحرم من محل تقصر فيه الصلاة أساء ولزمه دم وإن كان على دون مرحلتين من مكة أو الحرم. ومن مسكنه بين ميقاتين أحرم من أقربهما. (ومن بلغ ميقاتا) منصوصا أو محاذيه، أو جاوز محله الذي هو ميقاته (غير مريد نسكا ثم أراده فميقاته موضعه)؛ لما مر، ومعلوم مما يأتي في العمرة أن من أرادها وهو بالحرم لزمه الخروج إلى أدنى الحل مطلقا، وإن لم يخطر له إلا حينئذ.

стр. 520

وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، .. (وإن بلغه مريدا) للنسك ولو في العام القابل (١) مثلا -وإن أراد إقامة طويلة (٢) ببلد قبل مكة- (لم تجز مجاوزته) إلى جهة الحرم غير ناوٍ العود إليه أو إلى مثله (بغير إحرام) أي بالنسك الذي أراده، ولذا لو قصد الإحرام بالعمرة وحدها عند المجاوزة فأحرم بالحج وحده أو العكس لزمه دم كما لو كان قاصدا الإحرام بالحج عند المجاوزة فأحرم بالعمرة ثم أدخله عليها بعدُ (٣)، نعم لو لم يطرأ له قصده إلا بعد مجاوزته فلا دم. هذا كله إن أمكن ما قصده وإلا كأن نوى الحج في العام القابل تعينت العمرة، وأما إذا جاوزه مريدا العود إليه أو إلى مثل مسافته قبل التلبس بنسك في تلك السنة فإنه لا يأثم بالمجاوزة إن عاد بخلاف ما إذا لم يعد. وخرج بقولنا إلى جهة الحرم ما لو جاوزه يمنة أو يسرة فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات، وبه يُعْلم أن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة; لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم بخلاف الجائي فيه من مصر; لأن كل محل من البحر بعد الجحفة أقرب إلى مكة منها إلى مكة، وبه يعلم أيضا أن مثل مسافة الميقات يجزئ العود إليها وإن لم تكن ميقاتا (٤). ولو كان ميقاته على مرحلتين من مكة فسلك طريقا لا ميقات لها وجاوز مسيئا وقدر على العود إلى ميقات فيكفيه ذلك أو العود إلى مرحلتين بخلاف ما لو عدل عن ميقات منصوص فلا يجزئه العود إلى مثل مسافته (٥) وإلا لم يكن للتعيين معنىً، (فإن فعل) بأن جاوزه مريدا بلا إحرام ولو جاهلا (لزمه العود) ولو محرما، أو (ليحرم منه)؛ تداركا لإثمه أو تقصيره. ولا يتعين العود إلى عينه بل يجزئ إلى مثل مسافته حتى لو أخَّر إحرامه عمَّا أراده فيه بعد الميقات أجزأه العود إليه أو إلى مثل مسافته; لأنه ميقاته، وإنما لم يذكر الناسي هنا؛ لأنه لا يتأتى أن يجاوز الميقات مريدا للنسك وهو ناسي; لأن العبرة في لزوم الدم وعدمه بحاله عند آخر جزء من الميقات، وحينئذ فالسهو إن طرأ عند ذلك الجزء فلا دم أو بعده فالدم (إلا إذا) كان له عذر كأن (ضاق الوقت) عن

стр. 521

أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ. وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ مِنَ المِيقَاتِ. قُلْت: المِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الحَرَمِ مِيقَاتُ الحَجِّ، العود بأن خشي فوت الحج لو عاد بل يحرم حينئذٍ وفيما لو خاف على محترم بتركه إن أدى إلى تفويته، ويجوز العود إن كان به مرض يشق معه العود مشقة لا تحتمل عادة (أو) إن (كان الطريق مخوفا) أو خاف انقطاعا عن الرفقة لا مجرد الوحشة. ولو قدر على العود ماشيا بلا مشقة أو بها لكنها تحتمل عادة لزمه ولو فوق مرحلتين، (فإن لم يعد لزمه دم) إن اعتمر مطلقا أو حج في تلك السنة أو في القابلة (١) في الصورة السابقة (٢) ; لأنها التي تأدت بإحرام ناقص، بخلاف ما إذا لم يحرم أصلا أو أحرم بحج بعد تلك السنة. ولو جاوزه كافر مريدا للنسك ثم أسلم وأحرم ولم يعد لزمه دم; لأنه مكلف بالفروع، أو قن كذلك ثم عتق وأحرم لا دم عليه (٣) ; لأنه عند المجاوزة غير أهل للإرادة. ومجاوزة الولي بموليه مريدا النسك به فيها الدم على الأوجه بالتفصيل المذكور، (وإن أحرم ثم عاد فالأصح أنه إن عاد قبل تلبسه بنسك سقط الدم)؛ لقطعه المسافة من الميقات محرما (وإلا) يعد قبل ذلك بأن عاد بعد شروعه في طواف القدوم -أي بعد مجاوزته الحَجَر- أو بعد الوقوف (فلا) يسقط الدم عنه؛ لتأدي نسكه بإحرام ناقص. (والأفضل) لمن فوق الميقات وليس بحائض ولا نفساء (أن يحرم من دويرة أهله) ; لأنه أكثر عملا، (وفي قول من الميقات، قلت: الميقات أظهر، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة والله أعلم)، فإنه ﷺ أخَّر إحرامه من المدينة إلى الحليفة في حجة الوداع إجماعا، نعم قد يجب قبل الميقات بالنذر، و يسن كما لو خشيت طرو حيض أو نفاس عند الميقات وكما لو قصده من المسجد الأقصى؛ لخبر فيه. (وميقات العمرة لمن هو خارج الحرم ميقات الحج)؛ لقوله ﷺ (( .. ممن أراد الحج أو العمرة .. )).

стр. 522

وَمَنْ بِالحَرَمِ يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَتْهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ. فَلَوْ خَرَجَ إلَى الحِلِّ بَعْدَ إحْرَامِهِ سَقَطَ الدَّمُ عَلَى المَذْهَبِ. وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الحِلِّ الجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الحُدَيْبِيَةُ. (ومن بالحرم) مكيا أو غيره بمكة أو غيرها (يلزمه الخروج إلى أدنى الحل) يقينا، وكذا ظنا بأن يجتهد فيما لم يتعرضوا لتحديد الحرم فيه وكذا في سائر الأحكام ويعمل بما غلب على ظنه، فإن لم يظهر له شيء أو لم يجد علامة للاجتهاد تعين عليه الاحتياط بأن يصل إلى أبعد حد عن يمينه أو يساره (ولو بخطوة) الصادقة بنقل القدم عن محله إلى ملاصقه من أي جهة شاء; لأنه ﷺ ((أرسل عائشة مع أخيها عبد الرحمن ﵄ فاعتمرت من التنعيم)) ولو لم يجب ذلك لما أرسلها لضيق الوقت، ولو أخرج رِجلا إلى الحل اشترط اعتماده عليها وحدها. ولو أراد مَن بمكة القران لم يلزمه ذلك؛ تغليبا للحج كما مر، (فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة) أثم، و (أجزأته في الأظهر)؛ لانعقاد إحرامه اتفاقا (وعليه دم)؛ لتركه الميقات، (فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه) وقبل الشروع في طوافها (سقط الدم) أي لم يجب (على المذهب) نظير ما مر، (وأفضل بقاع الحل الجعْرَانة) ; لأنه ﷺ ((اعتمر منها ليلا ثم أصبح كبائت))، وبينها وبين مكة اثنا عشر ميلا (١)، (ثم التنعيم) ; لأنه ﷺ ((أمر عائشة بالاعتمار منه))، والمعتبر في حده ما بالأرض لا ما بأعلى الجبل، (ثم الحديبيَة) ; لأنه ﷺ ((أراد الدخول لعمرته منها)).

стр. 523

باب الإحرام يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ، وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ الْإِطْلَاقُ، فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْأَعْمَالِ. وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ عُمْرَةً فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى الحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ. وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقدَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا، (باب الإحرام) يطلق على نية الدخول في النسك -وبهذا المعنى يُعدُّ ركناً- وعلى نفس الدخول فيه بالنية وتحريم ما يأتي، وهو المراد هنا (ينعقد معينا بأن ينوي حجا أو عمرة) أو حجتين فأكثر -ولا تنعقد الثانية عمرة بل تكون لغوا- أو بعض حجة فتنعقد كاملة، وكذا العمرة، (أو كليهما، ومطلقا بألا يزيد على نفس الإحرام)؛ لصحة الخبر به. (والتعيين أفضل)؛ ليعرف ما يدخل عليه، (وفي قول الإطلاق) ; لأنه ربما عرض له عذر كمرض فيتمكن من صرفه لما لا يخاف فوته، (فإن أحرم مطلَِقا في أشهر الحج صرفه بالنية) لا بمجرد اللفظ (إلى ما شاء من النسكين) وإن ضاق وقت الحج بل وإن فات (١) -؛ لأنه بالصرف يتبين أنه كان كالمحرم بما صرفه إليه- وحينئذٍ فإذا صرفه للحج فعل ما يفعله من فاته الحج، ويسن له صرفه للعمرة؛ خروجا من الخلاف، (أو إليهما، ثم اشتغل بالأعمال) ولا يجزئه العمل قبل الصرف بالنية، نعم إن طاف ثم صرفه للحج وقع عن طواف القدوم، ولا يجزئه السعي بعده قبل الصرف (٢) ; لأنه يحتاط للركن ما لا يحتاط للسنة، (وإن أطلق في غير أشهره فالأصح انعقاده عمرة) ; لأن الوقت لا يقبل غيرها (فلا يصرفه إلى الحج في أشهره. وله أن يحرم كإحرام زيد) ; لأن أبا موسى أحرم كإحرام النبي ﷺ فلما أخبره قال ((قد أحسنت))، (فإن لم يكن زيد محرما) أو كان محرما إحراما فاسدا (انعقد إحرامه مطلقا) ; لأنه إذا بطلت الصفة بقي أصل الإحرام.

стр. 524

وَقِيلَ إنْ عَلِمَ عَدَمَ إحْرَامِ زَيْدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ. (وقيل إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد) كما لو علق بإن أو إذا أو متى كان محرما فأنا محرم ولم يكن محرما، ويُرَدُّ بأنه هنا جازم بالإحرام بخلافه عند التعليق. أما لو علق بإذا أو إن أو متى أحرم فأنا محرم فإنه لا ينعقد وإن كان محرما; لأن التعليق بالمستقبل أكثر غررا، وليس منه أنا محرم غدا أو رأس الشهر أو إذا دخل فلان بل إذا وجد الشرط صار محرما; لأنه جزم بالإحرام بصفة ولم يعلِّق، والأوجه أن ذكر الإحرام مثال ففي إن كان في الدار فأنا محرم ينعقد إن كان فيها وإلا فلا (وإن كان زيد محرما انعقد إحرامه كإحرامه)، نعم إن كان مطلقا لا يلزمه أن يصرف لما صرف له زيد إلا إذا أراد إحراما كإحرامه بعد صرفه. ولو أحرم زيد مطلقا ثم عيَّن، أو بعمرة ناويا التمتع، أو ثم أدخل عليها الحج ثم أحرم هذا كإحرامه انعقد له في الأولى مطلقا وفي الثانية بعمرة اعتبارا بأصل الإحرام ما لم ينو التشبيه به حالا، ويجب أن يعمل بما أخبره به زيد ولو فاسقا; لأنه لا يُعْرَف إلا منه، (فإن تعذر معرفة إحرامه بموته) أو جنونه المتصل (١) بموته مثلا، وينوي الحج أو (جعل نفسه قارنا) -وهو أولى- كما لو شك في إحرام نفسه هل هو بقران أو بأحد النسكين (وعمل أعمال النسكين) أي الحج; لأن عمرة القارن مغمورة في حجه فيبرأ بيقين، ويجزئه عن الحج ولو حجة الإسلام إن نوى قبل أن يعمل شيئا من الأعمال، لا العمرة; لاحتمال أنه كان أحرم بالحج، ويسن له دم القران ولا يلزمه; لأن الأصل براءة ذمته. أما لو اقتصر على أعمال الحج من غير نية فيحصل له التحلل لا البراءة، وإن تيقن أنه أتى بأحدهما; لأنه مبهم، أو على عمل العمرة لم يحصل التحلل أيضا؛ لاحتمال أنه أحرم بحج ولم يتم أعماله مع بقاء وقته، هذا كله إن كان عروض ذلك قبل شيء من الأعمال وإلا فإن كان بعد الوقوف وقبل الطواف فإن بقي وقت الوقوف فقرن أو نوى الحج ووقف ثانيا وأتى ببقية أعمال الحج حصل له الحج فقط ولا دم، وإن فات الوقوف أو تركه أو فعله ولم يقرن ولا أفرد لم يحصل له شيء؛ لاحتمال إحرامه بها أو بعد الطواف وقبل الوقوف، أو بعده ففيه تفصيل.

стр. 525

فصل المُحْرِمُ يَنْوِي وَيُلَبِّي ، فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ، فَإِنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، (فصل) (المحرمُ ينوي) بقلبه وجوبا؛ لخبر ((إنما الأعمال بالنيات))، ولسانه ندبا؛ للاتباع، فيقول نويت الحج وأحرمت به لله تعالى، ولا تجب نية الفرضية (و) عقبهما (يلبي) ندبا سراً. ويسن الاستقبال عند النية، (فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه، وإن نوى ولم يلب انعقد على الصحيح) كما إن نحو الطهارة والصوم لا يشترط فيه لفظ مع النية. (ويسن الغسل للإحرام) لكل أحد بل يكره تركه، ولو نحو حائض وإن أرادته قبل الميقات؛ للاتباع. ويكره إحرام الجنب. وغير المميز يغسله وليه وينوي عنه، وتنوي الحائض والنفساء هنا وفي سائر الأغسال الغسل المسنون كغيرهما، ويكفي تقدمه عليه إن نسب له عرفا. ويسن له أن يتنظف قبل الغسل بما مر في الجمعة قبل الغسل، نعم يكره لمريد التضحية إزالة شيء من نحو ظفره أو شعره في عشر ذي الحجة وكذا للجنب كما مر، وأن يلبد الرجل بعده شعره بنحو صمغ؛ صونا له عن القمل والشعث، (فإن عجز) حسا لفقد الماء أو شرعا لخشية مبيح تيمم مما مر (تيمم) ; لأنه ينوب عن الواجب فالمندوب أولى، ويأتي هذا في جميع الأغسال المسنونة. ولو وجد من الماء بعض ما يكفيه فإن كان ببدنه تغير أزاله به وإلا فإن كفى الوضوء توضأ به وإلا غسل به بعض أعضاء الوضوء وحينئذ إن نوى الوضوء تيمم عن باقيه غير تيمم الغسل وإلا كفى تيمم الغسل، فإن فضل شيء عن أعضاء الوضوء غسل به أعالي بدنه، (ولدخول) الحرم، ثم لدخول (مكة) ولو حلالا؛ للاتباع، نعم لو اغتسل لدخول الحرم أو لنحو استسقاء بمحل قريب منها لا يغتسل لدخولها، وكذا لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة من نحو التنعيم واغتسل منه لإحرامه فلا يسن له النسك لدخولها بخلاف نحو الحديبية مما يغلب فيه التغير، بل لو أحرم من نحو التنعيم بالحج لكونه لم يخطر له إلا حينئذ أو مقيما ثَمَّ -بل وإن أخر إحرامه تعديا- واغتسل لإحرامه فلا يغتسل لدخولها، ومحل هذا التفصيل عند عدم وجود تغير وإلا سن مطلقا،

стр. 526

وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ. وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جُرْمٌ، لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ المُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَأَنْ تُخَضِّبَ لِلْإِحْرَامِ يَدَهَا (وللوقوف بعرفة) والأفضل كونه بعد الزوال (١)، ويحصل أصل سنته بالغسل بعد الفجر كغسل الجمعة، (و) للوقوف (بمزدلفة غداة النحر) أي بعد فجره. ويدخل وقت هذا الغسل بنصف الليل كغسل العيد فينويه به أيضا، (وفي) في كل يوم من (أيام التشريق) قبل زواله أو بعده (للرمي)؛ لآثار وردت فيها. ولا يسن لطواف بأنواعه ولا لحلق؛ لاتساع وقتيهما وللاكتفاء في طواف القدوم بغسل دخول مكة، ولا للمبيت بمزدلفة أو لرمي جمرة العقبة؛ اكتفاء بما قبله، ولذلك لو ترك غسل عرفة ودخول الحرم سن لدخول مزدلفة، أو ترك غسل وقوف مزدلفة والعيد سن لرمي جمرة العقبة، أو ترك غسل دخول مكة أو طال الفصل بينه وبين طواف القدوم سن له. (وأن يطيب) الذكر وغيره -غير الصائم- (بدنه للإحرام)؛ للاتباع، نعم لا يجوز لمحدة ولا يسن لمبتوتة، والأفضل المسك وخلطه بماء الورد؛ ليذهب جرمه، (وكذا ثوبه في الأصح) كالبدن لكن المعتمد الكراهة (٢)؛ للخلاف القوي في حرمته، (ولا بأس باستدامته) في ثوبه أو بدنه بخلاف ما لو أخذه من أحدهما ثم رده إليه فتلزمه الفدية (بعد الإحرام)؛ لقول عائشة ﵂ ((كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرَِق رسول الله ﷺ وهو محرم))، (ولا بطيب له جرم) كالحناء وإن استدامه (لكن لو نزع ثوبه المطيب) وإن لم يكن لطيبه ريح لكن إن كان بحيث لو رش بماء ظهر ريحه (ثم لبسه لزمته الفدية في الأصح) كما لو ابتدأ لبس مطيب، (وأن تخضب) غير المحدة (للإحرام يدها) أي يديها إلى كوعيها بالحناء تعميما وكذلك وجهها ولو خلية شابة; لأنه يستر لونهما، ويكره لها به بعد الإحرام; لأنه زينة ولا فدية فيه; لأنه ليس بطيب. أما المحدة والخنثى والرجل فيحرم عليهم إلا لضرورة، ويسن لغير المحرمة إن كانت حليلة وإلا كره. ولا يسن لها نقش وتسويد وتطريف وتحمير وجنة بل يحرم واحد من هذه على خلية ومن لم يأذن لها حليلها.

стр. 527

وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لِإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَيَلْبَسُ إزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ. وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَحَبُّ إكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِي دَوَامِ إحْرَامِهِ، (ويتجردُ) أي يجب ذلك على (الرجل) ولو مجنونا وصبيا (لإحرامه عن) كل ما فيه إحاطة للبدن أو عضو منه مما يحرم على المحرم كـ (مخيط الثياب، ويلبس إزارا ورداء)؛ لصحة ذلك عنه ﷺ (أبيضين)؛ لخبر ((البسوا من ثيابكم البياض))، وجديدين نظيفين وإلا فنظيفين، ويكره المتنجس الجاف والمصبوغ (١) كله، وكذا بعضه إن كان له وقع. ومر الخلاف في حرمة المزعفر والمعصفر فيتعين اجتنابهما (ونعلين) والأولى كونهما جديدين كذلك، والمراد بالنعل ما لا يحرم في الإحرام، (ويصلي ركعتين (٢) ينوي بهما سنة الإحرام؛ للاتباع، ويقرأ سراً ليلا ونهارا في الأولى بعد الفاتحة الكافرون وفي الثانية الإخلاص ويغني عنهما غيرهما (٣)؛ لأن القصد وقوع الإحرام إثر صلاة بحيث لا يطول الزمن بينهما عرفا. ويحرمان وقت الكراهة في غير الحرم، (ثم) بعدهما (الأفضل أن يحرم) لا عقبهما بل (إذا انبعثت) أي توجهت (به راحلته) إلى جهة مقصده سائرة (أو توجه لطريقه ماشيا)؛ للاتباع، فعُلِم أن الأفضل في حق المكي أن يصلي ركعتي الإحرام في المسجد الحرام ثم يأتي إلى باب محله الساكن به إن كان له مسكن فيحرم منه عند ابتداء سيره ثم يأتي المسجد لطواف الوداع المسنون، ومن لا مسكن له الأفضل له أن يحرم من المسجد، (وفي قول يحرم عقب الصلاة)؛ لخبر صحيح فيه وقُدِّم الأول; لأنه أصح (٤)، (ويستحب إكثار التلبية)؛ للاتباع (ورفع صوته بها) ولو في المسجد بحيث لا يجهد نفسه ولا ينقطع صوته (في دوام إحرامه) أي جميع حالاته؛ للخبر الصحيح ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية))، واحترز بدوام إحرامه عن التلبية المقترنة بابتدائه فيسن

стр. 528

وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُِفْقَةٍ. وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ القُدُومِ، وَفِي القَدِيمِ تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ، وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَاشَرِيكَ لَكَ)، وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ (لَبَّيْكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةَ). وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، واسْتَعَاذَ مِنَ النَّارِ. الإسرار بها; لأنه يسن فيها ذكر ما أحرم به فطلب منه الإسرار; لأنه أوفق بالإخلاص، وبقوله صوته عن المرأة والخنثى فيسن لهما إسماع أنفسهما فقط ويكره (١) لهما الزيادة على ذلك (٢) (وخاصة عند تغاير الأحوال كركوب ونزول وصُعود وهُبوط واختلاط رُِفقة) وإقبال ليل أو نهار ووقت السحر وفراغ صلاة فيقدمها على الأذكار بعدها. وتكره في نحو خلاء ومحل نجس كسائر الأذكار، (ولا تستحب في طواف القدوم) والسعي بعده; لأن لكل منهما أذكاراً مخصوصة، (وفي القديم تستحب فيه بلا جهر)؛ لإطلاق الأدلة، أما طوافي الإفاضة والوداع فلا يسن فيهما جزما، (ولفظها لبيك اللهم، لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إِنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك) ويسن الوقف هنا (لا شريك لك) ويستحب أن لا يزيد على هذه الكلمات وأن يكررها كلها ثلاثا متوالية ثم يصلي ثم يسأل كما يأتي، ويكره السلام عليه أثناءها; لأنه يكره له قطعها إلا برد السلام فيندب وإلا لخشية محذور توقف على الكلام فيجب. (وإذا رأى ما يعجبه) أو يكرهه (قال) ندبا (لبيك) إن كان مُحرِماً، وإلا قال اللهم (إن العيش عيش الآخرة) ; لأنه ﷺ قاله في أسر أحواله لماَّ رأى جمع المسلمين بعرفة وفي أشدها في حفر الخندق، ومن لا يحسن العربية يلبي بلسانه، ويجوز أن يترجم به مع القدرة، (وإذا فرغ من تلبيته) أي جميعها، نعم الأكمل أن يأتي بالتلبية ثلاثا ثم الصلاة ثم الدعاء ثم بالتلبية ثلاثا ثم الصلاة ثم الدعاء وهكذا (صلى) وسلم (على النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الشرح: ٤، والأولى صلاة التشهد الكاملة. ويسن أن يكون صوته بها وبما بعدها أخفض من صوت التلبية (وسأل الله تعالى الجنة ورضوانه) وما أحب (واستعاذ من النار)؛ للاتباع.

стр. 529

باب دخوله مكة الْأَفْضَلُ دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ المَدِينَةِ بِذِي طَوًى وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَيَقُولَ إذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: اللهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، (باب دخوله مكة (١) (باب دخوله) أي المحرم وخُصَّ; لأن الكلام فيه وإلا فكثير من السنن الآتية يخاطب بها الحلال (مكة) أي بلد مكة، وهي كبقية الحرم أفضل الأرض -إلا التربة التي ضمت أعضاءه ﷺ الكريمة فهي أفضل إجماعا حتى من العرش-، وأفضل موضع فيها بعد المسجد بيت أم المؤمنين خديجة. (الأفضل) لمحرم بحج أو قران (دخولها قبل الوقوف) إن لم يخش فوته؛ للاتباع (وأن يغتسل داخلها) أي مريد دخولها ولو حلالا، والأفضل أن يكون غسل الجائي (من طريق المدينة بذي طَوى) أي بماء البئر التي فيه عندها بعد المبيت وصلاة الصبح به؛ للاتباع، أما الداخل من غير تلك الطريق فإن أراد الدخول من الثنية العليا -كما هو الأفضل- سُن له الغسل من ذي طوى أيضا; لأنه يمر بها وإلا اغتسل من مثل مسافتها (٢)، (و) أن (يدخلها) كل أحد ولو حلالا (من ثنية كَداءٍَ) ويخرج من ثنية كُدى وإن لم تكن على طريقه؛ للاتباع فيهما. ويسن أن يدخل ولو في العمرة نهارا وبعد الصبح والذَّكَر ماشيا وحافيا إن لم يخش نجاسة أو مشقة، (و يقول) رافعا يديه ولو حلالا (إذا أبصر البيت) بالفعل أو وصل نحو الأعمى إلى محل يراه منه لو كان بصيرا (اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد مَن شرَّفه وعظَّمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا) وقد روى قريبا منه الشافعي ﵁.

стр. 530

اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ثُمَّ يَدْخُلَ المَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَة. وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ. وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ، إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ. (اللهم أنت السلام) أي السالم من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية أو المُسَلِّم لعبيدك من الآفات (ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام) رواه البيهقي، (ثم يدخل) فورا (المسجد) ولو حلالا؛ إذ يسن له طواف القدوم (من باب بني شيبة) وإن لم يكن على طريقه؛ لما صح أنه ﷺ ((دخل منه في عمرة القضاء)). ويسن الخروج للسعي من باب بني مخزوم وإلى بلده مثلا من باب الحزون، فإن لم يتيسر فباب العمرة (١)، (ويبدأ) بعد تفريغ نفسه من أعذارها إلا نحو كراء بيت متيسر بُعْدُ وتغيير ثياب لم يشك في طهرها (بطواف القدوم)؛ للاتباع إلا لعارض كأن كان عليه فائتة فرض لم يلزمه الفور في قضائها وإلا وجب تقديمها، ولم تكثر بحيث يفوت بها فورية الطواف عرفا وإلا قدم الطواف، وكخشية فوت راتبة أو سنة مؤكدة أو مكتوبة أو جماعة تسن له معهم، فإن أقيمت فيه جماعة مكتوبة لا غيرها قطعه وصلى. وتؤخر جميلة ومن لا تبرز للرجال الطوافَ إلى الليل ما لم تخش طرو حيض يطول، ولو منعه الناس صلى التحية كما لو دخل ولم يرده، (ويختص طواف القدوم) -وهو سنة يكره تركة، ويثاب عليه بطواف الفرض إن قصده (٢) - بحلال مطلقا، و (بحاج دخل مكة قبل الوقوف) لا بعد الوقوف، ولا المعتمر؛ لأنه دخل وقت طوافهما المفروض فلم يصح تطوعهما، ومن ثم لو دخل بعد الوقوف وقبل نصف الليل سن له طواف القدوم. ويفوت طواف القدوم في حق من دخل مكة قبل الوقوف بالوقوف. والوجه أنه لا يدخله القضاء. (ومن قصد مكة) أو الحرم (لا لنسك استحب) له ولو نحو حطاب (أن يحرم بحج) يدركه في أشهره (أو عمرة)؛ قياسا على التحية (وفي قول يجب)؛ لإطباق الناس عليه، ومن ثم كره تركه (إلا أن) يكون فيه رق أو غير مكلف أو (يتكرر دخوله كحطاب وصياد)؛ للمشقة، أو يدخل من الحرم أو لقتال مباح أو خائفا من ظالم وإلا لم يجب جزما.
следующие страницы →