وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ. وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جُرْمٌ، لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ المُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَأَنْ تُخَضِّبَ لِلْإِحْرَامِ يَدَهَا
(وللوقوف بعرفة) والأفضل كونه بعد الزوال (١)، ويحصل أصل سنته بالغسل بعد الفجر كغسل الجمعة، (و) للوقوف (بمزدلفة غداة النحر) أي بعد فجره. ويدخل وقت هذا الغسل بنصف الليل كغسل العيد فينويه به أيضا، (وفي) في كل يوم من (أيام التشريق) قبل زواله أو بعده (للرمي)؛ لآثار وردت فيها. ولا يسن لطواف بأنواعه ولا لحلق؛ لاتساع وقتيهما وللاكتفاء في طواف القدوم بغسل دخول مكة، ولا للمبيت بمزدلفة أو لرمي جمرة العقبة؛ اكتفاء بما قبله، ولذلك لو ترك غسل عرفة ودخول الحرم سن لدخول مزدلفة، أو ترك غسل وقوف مزدلفة والعيد سن لرمي جمرة العقبة، أو ترك غسل دخول مكة أو طال الفصل بينه وبين طواف القدوم سن له. (وأن يطيب) الذكر وغيره -غير الصائم- (بدنه للإحرام)؛ للاتباع، نعم لا يجوز لمحدة ولا يسن لمبتوتة، والأفضل المسك وخلطه بماء الورد؛ ليذهب جرمه، (وكذا ثوبه في الأصح) كالبدن لكن المعتمد الكراهة (٢)؛ للخلاف القوي في حرمته، (ولا بأس باستدامته) في ثوبه أو بدنه بخلاف ما لو أخذه من أحدهما ثم رده إليه فتلزمه الفدية (بعد الإحرام)؛ لقول عائشة ﵂ ((كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرَِق رسول الله ﷺ وهو محرم))، (ولا بطيب له جرم) كالحناء وإن استدامه (لكن لو نزع ثوبه المطيب) وإن لم يكن لطيبه ريح لكن إن كان بحيث لو رش بماء ظهر ريحه (ثم لبسه لزمته الفدية في الأصح) كما لو ابتدأ لبس مطيب، (وأن تخضب) غير المحدة (للإحرام يدها) أي يديها إلى كوعيها بالحناء تعميما وكذلك وجهها ولو خلية شابة; لأنه يستر لونهما، ويكره لها به بعد الإحرام; لأنه زينة ولا فدية فيه; لأنه ليس بطيب. أما المحدة والخنثى والرجل فيحرم عليهم إلا لضرورة، ويسن لغير المحرمة إن كانت حليلة وإلا كره. ولا يسن لها نقش وتسويد وتطريف وتحمير وجنة بل يحرم واحد من هذه على خلية ومن لم يأذن لها حليلها.
стр. 527
وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لِإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَيَلْبَسُ إزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ. وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَحَبُّ إكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِي دَوَامِ إحْرَامِهِ،
(ويتجردُ) أي يجب ذلك على (الرجل) ولو مجنونا وصبيا (لإحرامه عن) كل ما فيه إحاطة للبدن أو عضو منه مما يحرم على المحرم كـ (مخيط الثياب، ويلبس إزارا ورداء)؛ لصحة ذلك عنه ﷺ (أبيضين)؛ لخبر ((البسوا من ثيابكم البياض))، وجديدين نظيفين وإلا فنظيفين، ويكره المتنجس الجاف والمصبوغ (١) كله، وكذا بعضه إن كان له وقع. ومر الخلاف في حرمة المزعفر والمعصفر فيتعين اجتنابهما (ونعلين) والأولى كونهما جديدين كذلك، والمراد بالنعل ما لا يحرم في الإحرام، (ويصلي ركعتين (٢) ينوي بهما سنة الإحرام؛ للاتباع، ويقرأ سراً ليلا ونهارا في الأولى بعد الفاتحة الكافرون وفي الثانية الإخلاص ويغني عنهما غيرهما (٣)؛ لأن القصد وقوع الإحرام إثر صلاة بحيث لا يطول الزمن بينهما عرفا. ويحرمان وقت الكراهة في غير الحرم، (ثم) بعدهما (الأفضل أن يحرم) لا عقبهما بل (إذا انبعثت) أي توجهت (به راحلته) إلى جهة مقصده سائرة (أو توجه لطريقه ماشيا)؛ للاتباع، فعُلِم أن الأفضل في حق المكي أن يصلي ركعتي الإحرام في المسجد الحرام ثم يأتي إلى باب محله الساكن به إن كان له مسكن فيحرم منه عند ابتداء سيره ثم يأتي المسجد لطواف الوداع المسنون، ومن لا مسكن له الأفضل له أن يحرم من المسجد، (وفي قول يحرم عقب الصلاة)؛ لخبر صحيح فيه وقُدِّم الأول; لأنه أصح (٤)، (ويستحب إكثار التلبية)؛ للاتباع (ورفع صوته بها) ولو في المسجد بحيث لا يجهد نفسه ولا ينقطع صوته (في دوام إحرامه) أي جميع حالاته؛ للخبر الصحيح ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية))، واحترز بدوام إحرامه عن التلبية المقترنة بابتدائه فيسن
стр. 528
وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُِفْقَةٍ. وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ القُدُومِ، وَفِي القَدِيمِ تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ، وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَاشَرِيكَ لَكَ)، وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ (لَبَّيْكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةَ). وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، واسْتَعَاذَ مِنَ النَّارِ.
الإسرار بها; لأنه يسن فيها ذكر ما أحرم به فطلب منه الإسرار; لأنه أوفق بالإخلاص، وبقوله صوته عن المرأة والخنثى فيسن لهما إسماع أنفسهما فقط ويكره (١) لهما الزيادة على ذلك (٢) (وخاصة عند تغاير الأحوال كركوب ونزول وصُعود وهُبوط واختلاط رُِفقة) وإقبال ليل أو نهار ووقت السحر وفراغ صلاة فيقدمها على الأذكار بعدها. وتكره في نحو خلاء ومحل نجس كسائر الأذكار، (ولا تستحب في طواف القدوم) والسعي بعده; لأن لكل منهما أذكاراً مخصوصة، (وفي القديم تستحب فيه بلا جهر)؛ لإطلاق الأدلة، أما طوافي الإفاضة والوداع فلا يسن فيهما جزما، (ولفظها لبيك اللهم، لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إِنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك) ويسن الوقف هنا (لا شريك لك) ويستحب أن لا يزيد على هذه الكلمات وأن يكررها كلها ثلاثا متوالية ثم يصلي ثم يسأل كما يأتي، ويكره السلام عليه أثناءها; لأنه يكره له قطعها إلا برد السلام فيندب وإلا لخشية محذور توقف على الكلام فيجب. (وإذا رأى ما يعجبه) أو يكرهه (قال) ندبا (لبيك) إن كان مُحرِماً، وإلا قال اللهم (إن العيش عيش الآخرة) ; لأنه ﷺ قاله في أسر أحواله لماَّ رأى جمع المسلمين بعرفة وفي أشدها في حفر الخندق، ومن لا يحسن العربية يلبي بلسانه، ويجوز أن يترجم به مع القدرة، (وإذا فرغ من تلبيته) أي جميعها، نعم الأكمل أن يأتي بالتلبية ثلاثا ثم الصلاة ثم الدعاء ثم بالتلبية ثلاثا ثم الصلاة ثم الدعاء وهكذا (صلى) وسلم (على النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الشرح: ٤، والأولى صلاة التشهد الكاملة. ويسن أن يكون صوته بها وبما بعدها أخفض من صوت التلبية (وسأل الله تعالى الجنة ورضوانه) وما أحب (واستعاذ من النار)؛ للاتباع.
стр. 529
باب دخوله مكة
الْأَفْضَلُ دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ المَدِينَةِ بِذِي طَوًى وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَيَقُولَ إذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: اللهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا،
(باب دخوله مكة (١)
(باب دخوله) أي المحرم وخُصَّ; لأن الكلام فيه وإلا فكثير من السنن الآتية يخاطب بها الحلال (مكة) أي بلد مكة، وهي كبقية الحرم أفضل الأرض -إلا التربة التي ضمت أعضاءه ﷺ الكريمة فهي أفضل إجماعا حتى من العرش-، وأفضل موضع فيها بعد المسجد بيت أم المؤمنين خديجة. (الأفضل) لمحرم بحج أو قران (دخولها قبل الوقوف) إن لم يخش فوته؛ للاتباع (وأن يغتسل داخلها) أي مريد دخولها ولو حلالا، والأفضل أن يكون غسل الجائي (من طريق المدينة بذي طَوى) أي بماء البئر التي فيه عندها بعد المبيت وصلاة الصبح به؛ للاتباع، أما الداخل من غير تلك الطريق فإن أراد الدخول من الثنية العليا -كما هو الأفضل- سُن له الغسل من ذي طوى أيضا; لأنه يمر بها وإلا اغتسل من مثل مسافتها (٢)، (و) أن (يدخلها) كل أحد ولو حلالا (من ثنية كَداءٍَ) ويخرج من ثنية كُدى وإن لم تكن على طريقه؛ للاتباع فيهما. ويسن أن يدخل ولو في العمرة نهارا وبعد الصبح والذَّكَر ماشيا وحافيا إن لم يخش نجاسة أو مشقة، (و يقول) رافعا يديه ولو حلالا (إذا أبصر البيت) بالفعل أو وصل نحو الأعمى إلى محل يراه منه لو كان بصيرا (اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد مَن شرَّفه وعظَّمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا) وقد روى قريبا منه الشافعي ﵁.
стр. 530
اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ثُمَّ يَدْخُلَ المَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَة. وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ. وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ، إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ.
(اللهم أنت السلام) أي السالم من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية أو المُسَلِّم لعبيدك من الآفات (ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام) رواه البيهقي، (ثم يدخل) فورا (المسجد) ولو حلالا؛ إذ يسن له طواف القدوم (من باب بني شيبة) وإن لم يكن على طريقه؛ لما صح أنه ﷺ ((دخل منه في عمرة القضاء)). ويسن الخروج للسعي من باب بني مخزوم وإلى بلده مثلا من باب الحزون، فإن لم يتيسر فباب العمرة (١)، (ويبدأ) بعد تفريغ نفسه من أعذارها إلا نحو كراء بيت متيسر بُعْدُ وتغيير ثياب لم يشك في طهرها (بطواف القدوم)؛ للاتباع إلا لعارض كأن كان عليه فائتة فرض لم يلزمه الفور في قضائها وإلا وجب تقديمها، ولم تكثر بحيث يفوت بها فورية الطواف عرفا وإلا قدم الطواف، وكخشية فوت راتبة أو سنة مؤكدة أو مكتوبة أو جماعة تسن له معهم، فإن أقيمت فيه جماعة مكتوبة لا غيرها قطعه وصلى. وتؤخر جميلة ومن لا تبرز للرجال الطوافَ إلى الليل ما لم تخش طرو حيض يطول، ولو منعه الناس صلى التحية كما لو دخل ولم يرده، (ويختص طواف القدوم) -وهو سنة يكره تركة، ويثاب عليه بطواف الفرض إن قصده (٢) - بحلال مطلقا، و (بحاج دخل مكة قبل الوقوف) لا بعد الوقوف، ولا المعتمر؛ لأنه دخل وقت طوافهما المفروض فلم يصح تطوعهما، ومن ثم لو دخل بعد الوقوف وقبل نصف الليل سن له طواف القدوم. ويفوت طواف القدوم في حق من دخل مكة قبل الوقوف بالوقوف. والوجه أنه لا يدخله القضاء. (ومن قصد مكة) أو الحرم (لا لنسك استحب) له ولو نحو حطاب (أن يحرم بحج) يدركه في أشهره (أو عمرة)؛ قياسا على التحية (وفي قول يجب)؛ لإطباق الناس عليه، ومن ثم كره تركه (إلا أن) يكون فيه رق أو غير مكلف أو (يتكرر دخوله كحطاب وصياد)؛ للمشقة، أو يدخل من الحرم أو لقتال مباح أو خائفا من ظالم وإلا لم يجب جزما.
стр. 531
فصل
لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ أَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَيُشْتَرَطُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَةُ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ،
(فصل) في واجبات الطواف وكثير من سننه
(للطواف بأنواعه) وهي طواف قدوم وركن وتحلل ووداع ونذر وتطوع (واجبات) أركان وشروط (وسنن، أما الواجب فـ) ثمانية: منها أنه (يشترط ستر العورة وطهارة الحدث) الأكبر والأصغر (١) (والنجس) في الثوب والبدن والمكان; لأن الطواف صلاة كما صح به الخبر وصح أيضا ((لا يطوف بالبيت عريان))، نعم يعفى أيام الموسم وغيرها عما يشق الاحتراز عنه في المطاف من نجاسة الطيور وغيرها إن لم يتعمد المشي عليها ولم تكن رطوبة فيها أو في مماسها كما مر (٢). ولو عجز عن الستر طاف عاريا ولو للركن؛ إذ لا إعادة عليه، أو عن الطهارة حسا أو شرعا جاز له إن عزم على الرحيل أن يطوف ولو للركن، وإن اتسع وقته؛ لمشقة مصابرة الإحرام بالتيمم ويتحلل به وإذا جاء مكة لزمه إعادته (٣)، فإذا جاءها لم يلزمه عند فعله نحو إحرام وتجرد، فإن مات وجب الإحجاج عنه بشرطه. ولا يجوز طواف الركن ولا غيره لفاقد الطهورين (٤) بل يسقط عنه طواف الوداع. ولو طرأ (٥) حيضها قبل طواف الركن ولم يمكنها التخلف لنحو فقد نفقة (٦) أو خوف على نفسها رحلت إن شاءت ثم إذا وصلت لمحل يتعذر عليها الرجوع منه إلى مكة تتحلل كالمحصر ويبقى الطواف في ذمتها، والأحوط لها أن تقلد
стр. 532
وَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ يَسْتَأْنِفُ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ،
من يرى براءة ذمتها بطوافها قبل رحيلها (١). (ولو أحدث فيه) حدثا أصغر أو أكبر أو انكشفت عورته (توضأ) أو اغتسل أو استتر (وبنى) وإن تعمد وطال الفصل؛ لعدم اشتراط الولاء فيه كالوضوء (وفي قول يستأنف) كالصلاة، نعم الاستئناف أفضل؛ خروجا من الخلاف (٢). وسكت عن النية -والمراد بها هنا قصد الفعل عنه-؛ لعدم وجوبها، ومحله في طواف النسك ولو قدوما أو وداعا، أما غيره كنذر وتطوع فلا بد منها فيه، وأما مطلق قصد أصل الفعل فلا بد منه حتى في طواف النسك، ويجب أيضا عدم صرفه لفرض آخر وإلا كلحوق غريم أو صديق انقطع، نعم لا يضر النوم مع التمكن في أثنائه، (وأن يجعل البيت عن يساره) ويمر إلى ناحية الحِجْر؛ للاتباع، ومع وجود هذين لا أثر لكونه منكوسا (٣) أو مستلقيا على قفاه أو وجهه أو حابيا أو زاحفا ولو بلا عذر. ولو لم يتأت حمل المريض إلا ووجهه أو ظهره للبيت صح طوافه؛ للضرورة، وكذا لو لم يمكنه إلا التقلب على جنبيه سواء كان رأسه للبيت أم رجلاه، نعم محله إن لم يجد من يحمله ويجعل يساره للبيت وإلا لزمه ولو بأجرة مثل فاضلة عما مر في نحو قائد الأعمى.
стр. 533
وَمُبْتَدِئًا بِالحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ أَوْ دَخَلَ مِنْ إحْدَى فَتْحَتَيْ الحِجْرِ وَخَرَجَ مِنْ الْأُخْرَى لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ، ....
(مبتدئا بالحجر الأسود) أي ركنه، وإن قلع منه وحول منه لغيره منه (محاذيا له) أو لبعضه (في مروره) عليه ابتداء (بجميع) فلو استقبل الحجر ابتداء ببعض شقه الأيسر وبعضه مجاور لجانب الباب لم يصح (بدنه) أي شقه الأيسر بأن يجعله إليه وقد بقي من الحجر أو محله ما يسامته ويمشي أمام وجهه. وتجب مقارنة النية حيث وجبت أو أراد فضلها لما تجب محاذاته منه والأفضل أن يقف بجانبه من جهة اليماني بحيث يصير منكبه الأيمن عند طرفه ثم يمر متوجها له حتى يجاوز (١) منكبه الأيمن الحجر فينفتل بشقه الأيسر جاعلا يساره محاذيا جزءا من الحجر، ولا يجوز شيء من الطواف مع استقبال البيت إلا هذا في الأول لا غير، وينبغي أن لا يفعله إلا مع الخلو؛ لئلا يضر غيره.
[تنبيه] المراد بالشق الأيسر أعلاه المحاذي للصدر وهو المنكب ، فلو انحرف عنه بهذا أو حاذاه ما تحته من الشق الأيسر لم يكف، (فلو بدأ بغير الحجر) كالباب (لم يحسب) ما فعله؛ لإخلاله بالترتيب (فإذا انتهى إليه) وهو مستحضر للنية حيث وجبت (ابتداء) وحسب له (منه، ولو مشى على الشاذروان)، وهو بعض جدار البيت نُقض من عرض الأساس، وهو من الجهة الغربية واليمانية وكذا من جهة الباب (٢)، وهو عام في جوانبها كلها حتى عند الحجر الأسود وعند اليماني وإن كان أسُّ هذين على القواعد (أو مس الجدار) الموصوف بكونه (في موازاته) أي الشاذروان، أو دخل شيء من بدنه وكذا ملبوسه (٣) في هواء الشاذروان (أو دخل من إحدى فتحتي الحِجر) وهو ما بين الركنين الشاميين عليه جدار قصير بينه وبين كل من الركنين فتحة (وخرج من الأخرى) أو وضع أنملته على طرف جدار الحِجْر القصير (لم تصح طوفته) أي بعضها الذي قارنه ذلك المس أو الدخول; لأنه حينئذ طائف في البيت لا به. وينبغي لمقبِّل الحجر أن يقر قدميه حتى يعتدل قائما; لأنه حال التقبيل في هواء البيت فمتى
стр. 534
وَفِي مَسْأَلَةِ المَسِّ وَجْهٌ، وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا وَدَاخِلَ المَسْجِدِ. وَأَمَّا السُّنَنُ فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا. وَيَسْتَلِمَ الحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ، وَيُقَبِّلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ،
زالت قدمه عن محلها قبل اعتداله كان قد قطع جزءا من البيت وهو في هوائه فلا يحسب له وكذا يقال في مستلم الركن اليماني (وفي مسألة المس وجه) أنه لا يضر; لأنه خرج عن البيت بمعظم بدنه، ويُرَدُّ بأن المدار على الاتباع، (وأن يطوف سبعا)؛ للاتباع، فلو شك في العدد أخذ بالأقل كالصلاة، نعم يسن هنا الاحتياط لو أُخْبِر بخلاف ما في ظنه (١)، ولا يلزمه أن يأخذ بخبر (٢) ناقص عما في اعتقاده إلا إن أورثه الخبر ترددا. ولا يكره في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، (داخل المسجد) ولو على سطحه، وإن كان أعلى من الكعبة; لأن هوائها في حكمها، نعم يكره إن حال بين الطائف والبيت حائل كالسقاية والسواري بل خارج المطاف مطلقا؛ مراعاة للخلاف. ولا يصح خارج المسجد إجماعا ويمتد بامتداده إلا إن بلغ الحل.
(وأما السنن (٣) فأن يطوف) القادر الذي لا يحتاج للركوب حتى يظهر فيُسْتَفْتَى أو يُقتدى به، قائما و (ماشيا) ولو امرأة، وأن يُقصِّر خطاه؛ تكثيرا للأجر، وحافيا لا راكبا بهيمة أو آدمي؛ لمنافاته الخضوع والأدب، فإن ركب بلا عذر لم يكره وإن لم يؤمن تلويثه (٤) كإدخال الصبي غير المميز وجاز ذلك في قصد النسك؛ لوروده، أما دخول ما مر لغير غرض الطواف فيجوز مع الكراهة إن أمن تلويثه وإلا فيحرم، والمراد بأمن التلويث غلبة الظن باعتبار العادة أنه لا يخرج منه نجس يصل للمسجد منه شيء بخلاف ما لو أحكم شد ما على فرجه بحيث أمن تلويث الخارج للمسجد. ويكره إن يزحف أو يحبو بلا عذر، (ويستلم الحجر) أو محله لو أخذ -بعد أن يستقبله- (أول طوافه) بيده واليمين أولى ولا يقبلها مع القدرة على تقبيل الحجر، فإن شق فبنحو خشبة أي في اليمنى ثم اليسرى (ويقبله)؛ للاتباع فيهما، ويكره إظهار صوت لقبلته (ويضع جبهته عليه)؛ للاتباع. ويسن تكرير كل من الثلاثة ثلاثا، والأفضل أن يستلم ثلاثا متوالية ثم يقبل كذلك ثم يسجد كذلك، ولا يسن شيء من ذلك لامرأة وخنثى
стр. 535
فَإِنْ عَجَزَ اسْتَلَمَ، فَإِنْ عَجَزَ أَشَارَ بِيَدِهِ، وَيُرَاعَى ذَلِكَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا، وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلَهُ. وَأَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: بِسْمِ اللهِ وَاَللهُ أَكْبَرُ، اللهُمَّ إيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ ﷺ وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ
إلا عند خلو جهة الحَجَر من الرجال والخناثى ولو نهارا بأن تأمن مجيء ونظر رجل غير محرم حالة فعلها ذلك، (فإن عجز) عن التقبيل والسجود أو عن السجود فقط لنحو زحمة أي بحيث يخل بالخشوع من أصله له أو لغيره (استلم) أي اقتصر على الاستلام في الأولى أو عليه وعلى التقبيل في الثانية ثم قبَّل ما استلم به من يده أو غيرها؛ للاتباع. ويندب لمن لم يتيسر له الاستلام التهليل والتكبير كما أمر به النبي ﷺ عمر ﵁، (فإن عجز أشار) إليه (بيده) اليمنى فاليسرى فما في اليمنى فما في اليسرى؛ للاتباع، ثم قبَّل ما أشار به. وخرج بيده فمه فتكره الإشارة به للتقبيل؛ لقبحه كالرِّجل، أما بالرأس فخلاف الأولى ما لم يعجز عن الإشارة بيديه وما فيهما فيسن به ثم بالطرف، (ويراعي ذلك) المذكور كله مع تكرره ثلاثا وكذا ما يأتي في اليماني وكذا الدعاء الآتي (في كل طوفة)؛ لما صح ((أنه كان ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة))، وهو في الأوتار آكد وآكدها الأولى والأخيرة. (ولا يُقبِّل الركنين الشاميين ولا يستلمهما)؛ للاتباع، (ويستلم اليماني)؛ للخبر المذكور بيده اليمنى فاليسرى فما في اليمنى فاليسرى ثم يقبل ما استلم به، فإن عجز أشار إليه بما ذكر بترتيبه ثم قبَّل ما أشار به (ولا يقبله) ; لأنه لم ينقل، ويباح تقبيل الشاميين. (وأن يقول) سِرَّا هنا وفيما يأتي; لأنه أجمع للخشوع، نعم يسن الجهر لتعليم الغير حيث لا يتأذى به أحد (أول طوافه) وفي كل طوفة، والأوتار آكد وآكدها الأولى (بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ (١)؛ اتباعا للسلف والخلف (٢)، (وليقل قُبالة الباب) أي جهته، فلا يتوقف للذكر بل يقول الذكر هنا وفيما مر ويأتي وهو ماشٍ؛ لأن الوقوف في الطواف مضر، فالمراد بقُبالة الباب مثلا هي وما بإزائها مما بعدها.
стр. 536
اللهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك، وَالحَرَمُ حَرَمُك، وَالْأَمْنُ أَمْنُك، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: اللهُمَّ ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ. وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ وَيَمْشِي عَلَى هَيِّنَتِهِ فِي الْبَاقِي، وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ وَفِي قَوْلٍ بِطَوَافِ الْقُدُومِ،
(اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار، وبين اليمانيين اللهم ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ البقرة: ٢٠١) سنده صحيح لكن بلفظ ((ربنا)) وفي رواية ((اللهم ربنا))، وهي أفضل، (وليدع بما شاء) من كل دعاء جائز له ولغيره، والأفضل الاقتصار الأخروي، (ومأثور الدعاء) الشامل للذكر، ولم يصح عنه ﷺ إلا ((ربنا آتنا)) إلى آخره، و ((اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليَّ كل غائبة لي منك بخير)) (أفضل من القراءة) أي الاشتغال به أفضل من الاشتغال بها؛ لأنها لم تحفظ عنه ﷺ فيه، (وهي أفضل من غير مأثوره) ; لأنها أفضل الذَّكر. (وأن يرمل) الذكر المحقق (في) جميع (الأشواط) لا تنافيه كراهة تسمية المرة شوطا; لأنها كراهة أدبية (١) (الثلاثة الأول بأن يسرع مشيه) مع هزّ كتفيه (مقاربا خطاه) بأن لا يكون فيه وثوب ولا عدو (ويمشي على هينته في الباقي)؛ للاتباع فيهما. ويرمل الحامل بمحموله ويحرك الراكب دابته، ويكره ترك ذلك، وقضاء الرمل في الأربعة الأخيرة; لأن فيه تفويت سنتها من الهينة، (ويختص الرمل بطواف يعقبه سعي) مطلوب أراده كطواف معتمر ولو مكيا أحرم من الحرم وحاج أو قارن قدم قبل الوقوف أو بعده وبعد نصف الليل ليلة النحر، (وفي قول بطواف القدوم) وإن لم يرد السعي عقبه؛ لأنه الذي رمل فيه ﷺ ، وردّ أنه ﷺ سعى بعده فلا خصوص له، ولو أراد السعي عقب طواف القدوم ثم سعى ولم يرمل لم يقضه في طواف الإفاضة، وإن لم يسع رمل فيه وإن كان قد رمل في القدوم.
стр. 537
وَلْيَقُلْ فِيهِ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا. وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَلَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ. وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى، وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ
(وليقل فيه) أي الرمل أي في المحال (١) التي لم يرد لها ذكر مخصوص، ولا يندب هذا الدعاء إلا في طواف حج أو عمرة (٢) (اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا)؛ للاتباع على ما ذكره الرافعي، ويقول في الأربعة الأخيرة -أي في تلك المحال (٣) - رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره. (وأن يضطبع) الذكر المحقق ولو صبيا فيسن للولي فعله به (في جميع كل طواف يرمل فيه) أي يشرع فيه الرمل وإن لم يرمل؛ للاتباع. ويكره تركه ولو تركه في بعضه أتى به في باقيه (وكذا في) جميع (السعي على الصحيح)؛ قياسا على الطواف، ويكره فعله في الصلاة كسنة الطواف، (وهو جعل وسَط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على الأيسر) ويدع منكبه الأيمن مكشوفا إن كان متجردا، بل يسن للابس ولو بغير عذر، (ولا ترمل المرأة) ومثلها الخنثى (ولا تضطبع) وإن خلا المطاف; لأنهما لا يليقان بهما فيكرهان لهما، بل يحرمان إن قصدا التشبه بالرجال، (وأن يقرب) الذكر مطلقا حيث لا إيذاء ولا تأذي بنحو زحمة (من البيت)؛ تبركا به لشرفه ولأنه أيسر لنحو الاستلام، (فلو فات الرمل بالقرب لزحمة) أو خشي صدم نساء (فالرمل) حيث لم يرج فرجة على قرب عرفا ولم يؤذ أو يتأذ بوقوفه (مع بعد) لا يخرج به عن حاشية المطاف (أولى) ; لأن ما تعلق بذات العبادة أفضل مما تعلق بمحلها، (إلا أن يخاف صدم النساء) إذا بعد (فالقرب بلا رمل أولى) من البعد مع الرمل محافظة على الطهارة، ومن ثم لو خاف مع القرب أيضا لمسهن كان ترك الرمل أولى هنا أيضا، ويسن لتاركه أن يتحرك في مشيه ويُرِي أنه لو أمكنه أكثر من ذلك لفعل. (وأن يوالي) عرفا الذكر وغيره (طوافه)؛ اتباعا كما تندب الموالاة بين الطواف والركعتين وبينهما وبين الاستلام وبينه وبين السعي.
стр. 538
وَأَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ الكافرون: ١، وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ، وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ تَجِبُ المُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ،
(و) أن (يصلي بعده ركعتين) وتسقط بغيرها ثم إن نويت أثيب عليها (١) وإلا سقط الطلب فقط، و الأفضل -؛ للاتباع- فعلهما (خلف المقام) أي ما يصدق عليه ذلك عرفا، ويليه في الفضل داخل الكعبة فتحت الميزاب فبقية الحِجر فالحطيم فوجه الكعبة فبين اليمانيين فبقية المسجد فدار خديجة ﵂ فمكة فالحرم (يقرأ) ندبا (في الأولى) بعد الفاتحة (﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية الإخلاص)؛ للاتباع، (ويجهر ليلا) وبعد الفجر إلى طلوع الشمس، نعم لو نوها مع ما سُنّ الإسرار فيه كراتبة العشاء أسرّ؛ لأنها أفضل منها (٢)، (وفي قول تجب الموالاة) بين أشواطه وأبعاضها (والصلاة) عقب الطواف ولو نفلا (٣)؛ لقوله ﷺ ((خذوا عني مناسككم))، ورُدَّ أن ذلك لا يكفي في الوجوب وإلا لوجب جميع السنن. ومحل الخلاف في تفريق كثير بأن يغلب على الظن أنه أضرب عن الطواف بلا عذر، ومن العذر إقامة جماعة مكتوبة وفوت راتبة (٤) لا فعل جنازة (٥) ومكتوبة اتسع وقتها. والأفضل لمن طاف أسابيع فعلها عقب كلٍّ ويليه ما لو أخرها إلى ما بعد الكل ثم صلى لكل ركعتين ويليه ما لو اقتصر على ركعتين للكل، ويصح السعي قبلها اتفاقاً.
[فرع] من سنن الطواف السكينة والوقار وعدم الكلام إلا في خير كتعليم جاهل برفق إن قلَّ وسجدة التلاوة لا الشكر; لأن الطواف صلاة وهي تحرم فيها ورفع اليدين في الدعاء وإلا جعلهما تحت صدره بكيفيتهما في الصلاة. والاشتغال بالعمرة أفضل منه بالطواف إذا استوى زمنهما، والوقوف أفضل منه (٦)؛ لخبر ((الحج عرفة (٧).
стр. 539
وَلَوْ حَمَلَ الحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ قَصْدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ.
(ولو حمل)، ومثله لو جذب ما هو عليه كخشبة (الحلال) ولو محدثا (محرما) لم يطف عن نفسه ولو صغيرا لم يميز لكن إن كان حامله الولي أو مأذونه متطهرا أيضا،؛ لتوقف صحة طواف في غير المميز على مباشرة الولي أو مأذونه (وطاف به حسب للمحمول) إن دخل وقت طوافه ووجدت شروط الطواف السابقة فيه ونواه الحامل له أو أطلق ولم يصرفه المحمول عن نفسه; لأنه حينئذ كراكب بهيمة بخلاف ما إذا فقد شرط من ذلك كما لو نواه لنفسه أو لهما فلا يقع له، وقد يقع للحامل إن وجد فيه شرطه، (وكذا لو حمله) أي المحرم الواحد أو المتعدد (محرم قد طاف عن نفسه) أي فعل ما تضمنه إحرامه من طواف قدوم أو ركن، أو لم يدخل وقت طوافه; لأنه حينئذ كالحلال (وإلا) يطف عن نفسه وقد دخل وقت طوافه (فالأصح أنه) أي الحامل (إن قصده للمحمول فله) حيث لم يصرفه -أي الممحول- عن نفسه، (وإن قصده) جميعه (لنفسه أو لهما) أو أطلق أو قصده كلٌّ لنفسه أو تعدد الحامل وقصد أحدهما نفسه والآخر المحمول (فللحامل فقط) ; لأنه لم يصرفه عن نفسه وطوافه لا يحتاج لنية. ويأتي ذلك التفصيل في السعي؛ بناء على المعتمد (١) أنه يشترط فيه فقد الصارف كالطواف، ولو قصد الجاذب المار المشي لأجل الجذب بطل طوافه.
стр. 540
فصل
يُسَنُّ أَنْ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْيِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا، ذَهَابُهُ مِنْ الصَّفَا إلَى المَرْوَةِ مَرَّةٌ، وَعَوْدُهُ مِنْهَا إلَيْهِ أُخْرَى،
(فصل) في واجبات السعي وكثير من سننه
(يسن) بعد ركعتي الطواف (أن) يشرب من زمزم ويصب على رأسه ثم (يستلم) ندبا القادر (الحجر) ويقبله ويضع جبهته عليه (بعد الطواف وصلاته)، ثم يخرج إلى الصفا، وأكمل من ذلك بعد أن يفرغ من طوافه أن يقبل الحجر ويضع يده عليه ويمسح بها وجهه ثم يركع سنة الطواف ثمّ يقبل الحجر ثمّ يذهب إلى زمزم فيشرب منها ويصب منها على رأسه ثم يرجع فيستلم الركن ثم يذهب إلى الصفا؛ لورود كل ذلك عنه ﷺ . ولا يسن أن يأتي الملتزم إلا إن لم يكن طوافه بعده سعي فيأتيه بعد الركعتين وورد حديث ضعيف فيه، (ثم يخرج من باب الصفا للسعي)؛ للاتباع. (وشرطه أن يبدأ) في الأولى وما بعدها من الأوتار (بالصفا) وهو طرف جبل أبي قبيس، وهو أفضل من المروة (١). ويبدأ في الثانية وما بعدها من الأشفاع بالمروة، فلو ترك خامسة مثلا جعل السابعة خامسة وأتى بسادسة وسابعة وذلك؛ لما صح أنه ﷺ قال ((ابدءوا بما بدأ الله به))، (وأن يسعى سبعا) يقينا، فإن شك أخذ بالأقل (٢) (ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إليه أخرى) ; لأنه ﷺ ((بدأ بالصفا وختم بالمروة)). ويجب استيعاب المسافة في كلٍّ بأن يلصق عقبه أو عقب أو حافر مركوبه بأصل ما يذهب منه ورأس إصبع رجليه أو رجل أو حافر مركوبه بما يذهب إليه (٣).
стр. 541
وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ لَمْ يُعِدْهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ،
(وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم (١) ; لأنه الوارد عنه ﷺ ، فلا يجوز بعد طواف نفل كأن أحرم من بمكة بحج منها ثم تنفل بطواف وأراد السعي بعده. وإذا أراد السعي بعد طواف القدوم -كما هو الأفضل (٢) ; لأنه الذي صح عنه ﷺ لم تلزمه الموالاة بينهما بل له تأخيره وإن طال لكن (بحيث لا يتخلل بينهما) أي السعي وطواف القدوم (الوقوف بعرفة) ; لأنه يقطع تبعيته للقدوم قبله فيلزمه تأخيره إلى ما بعد طواف الإفاضة.
[تنبيه] أحرم بالحج من مكة ثم خرج ثم عاد لها قبل الوقوف سن له طواف القدوم ، وعليه فيجزئ السعي بعده ويفرق بينه وبين من عاد لمكة بعد الوقوف وقبل نصف الليل فإنه يسن له القدوم ولا يجزئه السعي بأن السعي متى أخر عن الوقوف وجب وقوعه بعد طواف الإفاضة. (ومن سعى بعد قدوم لم يعده (٣) بل يكره (٤) له ذلك؛ لمخالفته للوارد، نعم مر وجوب الإعادة على من كَمُل قبل فوات الوقوف. (ويستحب) للذكر (أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة)؛ للاتباع فيهما. أما المرأة والخنثى فلا يسن لهما رقي ولو في خلوة (٥)، نعم لو وقعا في شك لولا الرقي سُن لهما؛ احتياطا.
стр. 542
فَإِذَا رَقَى قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ المَسْعَى وَآخِرَهُ، وَيَعْدُوَ الذَّكَرُ فِي الْوَسَطِ، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ
(فإذا رقِي) الذكر وغيره -واشتراط الرقي ليس قيدا في ندب ما بعده لندبه لغير الراقي أيضا بل في حيازة الأفضل لا غير- استقبل ثم (قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير)؛ للاتباع (ثم يدعو بما شاء دينا ودنيا، قلت: ويعيد الذكر والدعاء ثانيا وثالثا والله أعلم)؛ لما في خبر مسلم بعد ما ذُكر ((ثم دعا بين ذلك قال هذا ثلاث مرات))، (وأن) يكون ماشيا وحافيا إن أمن تنجس رجليه وسهل عليه ومتطهرا ومستورا، والأفضل تحري خلو المسعى إلا إن فاتت الموالاة بينه وبين الطواف؛ للخلاف في وجوبها، ولا يكره الركوب، ويندب أن يوالي بين مراته -بل يكره الوقوف فيه لحديث أو غيره- وبينه وبين الطواف، ومر أنه يضر صرفه كالطواف لكنه لا يشترط له كيفية مثله; لأن القصد هنا قطع المسافة، وأن (يمشي أول السعي وآخره) على هينته (ويعدو (١) الذكر) عدوا شديدا طاقته حيث لا تأذي ولا إيذاء قاصدا السنة (٢) (في) محل العدو وهو (الوسط) تقريبا؛ للاتباع فيهما (وموضع النوعين معروف).
стр. 543
فصل
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إلَى مِنًى، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ المَنَاسِكِ، وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنْ غَدٍ إلَى مِنًى وَيَبِيتُوا بِهَا فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوا عَرَفَاتٍ
(فصل) في الوقوف بعرفة، وبعض مقدماته وتوابعه
(يستحب للإمام) إذا حضر (أو منصوبه) ونصبه واجب على الإمام (أن يخطب بمكة) وكونها عند الكعبة أو ببابها حيث لا منبر أفضل، ويسن كونه مُحْرِما ويفتتحها المحرم بالتلبية وغيره بالتكبير (١) (في سابع ذي الحجة بعد) أداء (صلاة الظهر) أو الجمعة (خطبة فردة يأمر فيها) المتمتعين والمكيين بطواف الوداع بعد إحرامهم وقبل خروجهم; لأنه مندوب لهم لتوجههم لابتداء النسك دون المفردين والقارنين؛ لتوجههم لإتمامه، ويأمر جميع الحجاج (بالغدو) أي السير بعد صبح الثامن (إلى منى) بحيث يكونون بها أول الزوال، ويستثنى مَن تلزمه الجمعة كحاج انقطع سفره إذا كان الثامن الجمعة فلا يجوز له الخروج بعد الفجر إلا إن عُذر أو أقيمت صحيحة بمنى.
[تنبيه] ما أمر به هنا الإمام أو منصوبه يجب ظاهرا ؛ لأنه مصلحة عامة، (ويعلمهم) في هذه الخطبة (ما أمامهم من المناسك) إلى الخطبة الأخرى، نعم الأكمل أن يعلمهم فيها كل المناسك؛ لترسخ في أذهانهم بإعادتها في الخطب الآتية، وأيضا ينبغي أن يتعرض لما قبل الخطبة؛ ليتذكره من أخل به، (ويخرج بهم) في غير يوم الجمعة وفيه إن لم تلزمهم وإلا فقبل الفجر ما لم تتعطل الجمعة بمكة (مِن) بعد صلاة صبح (غد) والأفضل ضحىً؛ للاتباع (إلى منى، و) يستحب أن (يبيتوا بها) وأن يصلوا بها العصرين والعشاءين والصبح؛ للاتباع، والأولى صلاتها بمسجد الخيف والنزول بمنزله ﷺ أو قريب منه، (فإذا طلعت الشمس) أي أشرقت على جبل ثبير المُطِلِّ على مسجد الخيف (قصدوا عرفات) من طريق ضب مكثرين
стр. 544
قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا. وَيَقِفُوا إلَى الْغُرُوبِ، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ. وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ،
للتلبية والذكر. ومن البدع مبيت هذه الليلة بعرفة اللهم إلا مَن يخاف زحمة أو على محترم لو بات بمنى، أو وقع شك في الهلال يقتضي فوت الحج بفرض المبيت فلا بدعة في حقه، (قلت: ولا يدخلونها بل يقيمون بنَمِرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس، والله أعلم)؛ للاتباع. ويسن الغسل بها للوقوف كما مر (ثم) عقب الزوال يذهب إلى مسجد إبراهيم، و (يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين) قبل الصلاة ويعلمهم في أولاهما ما أمامهم كله، أو إلى الخطبة الأخرى نظير ما مر، ويحرضهم على إكثار ما يأتي في عرفة ثم يجلس بقدر سورة الإخلاص فإذا قام للخطبة الثانية أخذ المؤذن في الأذان ويخفف الخطبة بحيث يفرغها مع فراغ الأذان (ثم) يقيم و (يصلي بالناس) الذين يجوز لهم القصر. وقد مر أنه لو دخل الحاج مكة قبل الوقوف بنحو يوم وكان ناويا الإقامة بها بعد رجوعه من منى أربعة أيام فأكثر أنه يستمر سفره وترخصه (الظهر والعصر) قصرا و (جمعا)؛ للاتباع، ويسر بالقراءة، وهذا الجمع بسبب السفر لا النسك (١). ويسن للإمام إعلامهم بقوله بعد سلامه ((أتموا ولا تجمعوا فإنا قوم سفر))، وبقي خطبتان مشروعتان إحداهما يوم النحر والأخرى ثالثه بمنى والأربع فرادى وبعد صلاة الظهر إلا التي بنمرة. وإذا فرغوا من الصلاة سُن لهم أن يبادروا إلى عرفة (و) أن (يقفوا إلى الغروب)؛ للاتباع (ويذكروا الله تعالى ويدعوه ويكثروا التهليل (٢) والوارد من ذلك أولى. ويسن للذكر -كامرأة في هودج- أن يقف راكبا ومتطهرا ومستقبل القبلة وبموقف رسول الله ﷺ أو قريب منه. وأن يكثر الصدقة وأفضلها العتق وأن يحسن ظنه بربه تعالى، ومن البدع صعود جبل الرحمة.
стр. 545
فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا المَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا، وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ بِشْرْطِ كَوْنِهِ مُحْرِمَاً أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمًى عَلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالصَّحِيحُ بَقَاؤُهُ إلَى فَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبَابًا،
(فإذا غربت الشمس) جميعها (قصدوا مزدلفة) على طريق المأزمين -أي الجبلين- وعليهم السكينة والوقار مكثرين من التلبية وكذا في الذهاب من مزدلفة لمنى إلى خروج الإمام لصلاته، ومر أن التكبير سنة لغير الحاج ما لم يتحلل (١)، ومن وجد فرجة أسرع، (وأخروا) أي من يجوز لهم القصر (المغرب) ندبا (ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعا) أي جمع تأخير؛ للاتباع. ويسن بعد صلاة المغرب (٢) إناخة كل جمله ثم يعقله ثم يصلون العشاء ثم يحلون؛ للاتباع، ثم يصلون الرواتب والوتر، هذا إن ظنوا وصولها قبل مضي وقت اختيار العشاء وإلا صلوهما بالطريق، (وواجب الوقوف حضوره بجزء من أرض عرفات)؛ لخبر مسلم ((وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف))، ولا يشترط فيه مكث ولا قصد بل لو قصد غيره لم يؤثر، ومن ثم أجزأ (وإن) لم يعلم أن اليوم يوم عرفة ولا أن المكان مكانها، ولو (كان مارَّا في طلب آبق ونحوه بشرط كونه محرما أهلا للعبادة لا مغمى عليه) وسكران وإن لم يتعدَّ و مجنون (٣) كذلك؛ إذ لا أهلية فيهم للعبادة، نعم يقع لهم نفلا، (ولا بأس بالنوم) المستغرق كما في الصوم، (ووقت الوقوف من الزوال) أي عقبه (يوم عرفة)؛ للاتباع (والصحيح بقاؤه إلى فجر يوم النحر)؛ لما صح أنه ﷺ قال حين خرج للصلاة يوم النحر بمزدلفة ((من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه (٤) (فلو وقف نهارا ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد) إليها قبل فجر النحر، أو وقف ليلا فقط (أراق دما) وهو دم الترتيب والتقدير (استحبابا)؛
стр. 546
وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ، وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ، وَكَذَا إنْ عَادَ لَيْلًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا أَجْزَأَهُمْ، إلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُونَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ غَلَطًا وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوْتِ الوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.
لخبر ((فقد تم حجه)) (وفي قول يجب)؛ لأنه ترك نسكا، (وإن عاد فكان بها عند الغروب فلا دم) ; لأنه جمع بين الليل والنهار (وكذا إن عاد ليلا في الأصح)؛ لذلك. (ولو وقفوا اليوم) الحادي عشر لم يجز مطلقا، أو (العاشر) أو ليلة الحادي عشر (١) (غلطا) سواء أبان بعد الوقوف أم في أثنائه، أم قبله بأن غم هلال الحجة فأكملوا القعدة ثلاثين ثم ثبتت رؤيته ليلة الثلاثين وهم بمكة ليلة العاشر ولم يتمكنوا من المضي لعرفة قبل الفجر (أجزأهم) إجماعا؛ لمشقة القضاء عليهم مع كثرتهم. وخرج بالغلط ما لو وقع ذلك بسبب الحساب فلا يجزئهم؛ لتقصيرهم. وإذا وقفوا في ذلك كان أداء لا قضاء فتحسب أيام التشريق لهم (٢) على حساب وقوفهم (إلا أن يقلوا على خلاف العادة فيقضون في الأصح)؛ لعدم المشقة العامة، (وإن وقفوا في الثامن غلطا) بأن شهد اثنان برؤية الهلال ليلة ثلاثي القعدة ثم بانا فاسقين (وعلموا قبل فوت الوقت وجب الوقوف في الوقت، وإن علموا بعده وجب القضاء) في عام آخر (في الأصح) وإن كثروا، وفارق ما مر بأن تأخير العبادة عن وقتها أقرب إلى الاحتساب من تقديمها عليه.
стр. 547
فصل
وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ، وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى مِنًى، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إلَى مِنًى، وَيَأْخُذُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَصَى الرَّمْيِ
(فصل) في المبيت بمزدلفة وتوابعه
(ويبيتون) وجوبا أي الدافعون من عرفة بعد الوقوف (بمزدلفة)؛ للاتباع، فيجبر بدم. ويحصل بلحظة من النصف الثاني ولو بالمرور؛ تخفيفا عليهم. ويسن إحياء هذه الليلة بالذكر والدعاء -للاتباع- دون غيرهما كالنفل المطلق فلا يسن (١)؛ لأن عليه أعمالا شاقة في صبيحتها فأريح ليلا، (ومن دفع منها بعد نصف الليل، أو قبله وعاد قبل الفجر فلا شيء عليه)؛ لما مرّ، (ومن لم يكن بها في النصف الثاني أراق دما وفي وجوبه القولان) و الأصح هنا الوجوب حيث لا عذر مما يأتي في مبيت منى (٢). ومن العذر هنا اشتغاله بالوقوف أو بطواف الإفاضة بأن وقف ثم ذهب إليه قبل النصف، أو بعده ولم يمر بمزدلفة وإن لم يضطر إليه، نعم لو فرغ منه وأمكنه العود لمزدلفة قبل الفجر لزمه ذلك (ويسن تقديم النساء والضعفة) وتقدمهم وإن لم يؤمروا (بعد نصف الليل إلى منى)؛ للاتباع، وليرموا قبل الزحمة إن أرادوا تعجيل الرمي وإلا فالسنة لهم تأخيره إلى طلوع الشمس كغيرهم لما صح ((أنه ﷺ أمرهم أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس)) (و) ويتأكد أن (يبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلسين)؛ ليتسع الوقت، (ثم يدفعون إلى منى)؛ للاتباع، (ويأخذون من مزدلفة) ليلا (حصى الرمي) ليوم النحر، وهو سبع حصيات؛ للخبر الصحيح أنه ﷺ قال: للفضل بن عباس غداة يوم النحر ((التقط لي حصىً)) قال: ((فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف (٣). ويزيد قليلا؛ لئلا يسقط
стр. 548
فَإِذَا بَلَغُوا المَشْعَرَ الحَرَامَ وَقَفُوا وَدَعَوْا إلَى الْإِسْفَارِ، ثُمَّ يَسِيرُونَ فَيَصِلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ،
منه شيء. أما حصى جمار أيّام التشريق فتحصل السنة بأخذها من وادي محسر أو من منى غير المرمى وما احتمل اختلاطه به، ويجوز أخذه من غير مزدلفة ومحسر لكن يكره من مسجد لم يملك المسجد ذلك الحصى أو يوقف عليه وإلا حرم، ويحرم مِن مُلك الغير إلا إن علم رِضَى مالكه أو إعراضه عنه فيكره كما لو أخذها من حَشّ وكذا كل محل نجس ما لم يغسله (١)، وإنما لم تزل كراهة الأكل في إناء بولٍ والرمي بحجر حَشٍّ غُسِلا؛ لبقاء استقذارهما بعد غسلهما. ويسن غسل الحصى حيث قرب احتمال تنجسه؛ احتياطا، ومن المرمى؛ لما صح أن ((ما قُبِل رُفع))، ومن الحل، (فإذا بلغوا المشعرالحرام وقفوا) مستقبلين القبلة ذاكرين، والأولى أن يكون الوقوف عليه حيث لا تأذي ولا إيذاء للزحمة ثَمَّ وإلا فتحته (ودعوا) وتصدقوا وأعتقوا (إلى الإسفار)؛ للاتباع، ويحصل أصل السنة بالوقوف بغيره من مزدلفة بل وبالمرور، (ثم) عقب الإسفار؛ لكراهة التأخير إلى الطلوع (يسيرون) إلى منى بسكينة ووقار ذاكرين ومُلَبِّيْن، ومن وجد منهم فرجة أسرع فإذا بلغوا بطن محسر -ومحسر: ما بين مزدلفة ومنى، وبطنه: مسيل فيه- أسرع الماشي جهده وحرك الراكب دابته كذلك حيث لا ضرر حتى يقطع عرض ذلك المسيل؛ للاتباع (٢)، ومثلهم في الإسراع غير الحاج (فيصلون منى بعد طلوع الشمس (٣) والأفضل بعد ارتفاعها كرمح، ومن ثمّ لو وصل قبله سُنّ أن يؤخر إليه (فيرمي كل شخص حينئذ) من غير تعريج على غير الرمي; لأنه تحية منى (سبع حصيات إلى جمرة العقبة)؛ للاتباع. ويجب رميها من بطن الوادي ولا يجوز من أعلى الجبل خلفها، ويسن أن يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة حالة الرمي؛ للاتباع. ويختص هذا بيوم النحر؛ لتميزها فيه بخلاف بقية أيام التشريق فالسنة استقباله للقبلة في رمي الكل.
[تنبيه] هذه الجمرة ليست من منى بل ولا عقبتها كما قاله الشافعي ﵁.
стр. 549
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَالحَلْقُ أَفْضَلُ مِن التَّقْصِيْرِ، وَتُقَصِّرُ المَرْأَةُ، وَالحَلْقُ نُسُكٌ عَلَى المَشْهُورِ
(ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي) فلا يعود إليها؛ للاتباع لأنه أخذ في التحلل، ومن ثم لو ترك الأفضل بأن قَدَّم الطواف أو ألحلق قطع التلبية عنده، و يقطعها المعتمر عند ابتداء طوافه، (ويكبر) تكبيرة واحدة (١) (مع كل حصاة)؛ للاتباع، (ثم يذبح من معه هدي) نذَر أو تطوعَ هديه، ومن معه أضحية أضحيته سواء أكان معه هدي أم لا، (ثم يحلق أو يقصر)؛ لثبوت هذا الترتيب في مسلم، (والحلق) للذكر الواضح (أفضل) غالبا (من التقصير)؛ اتباعا. ويسن الابتداء بشقه الأيمن واستيعابه ثم استيعاب البقية حتى يبلغ عظمي الصدغين وأن يستقبل المحلوق ويكبر معه وعقبه اقتداء بالسلف ويدفن شعره وما يصلح للوصل آكد وأن لا يشارط الحلاق بل يعطيه ابتداء ما تطيب به نفسه فإن رضي وإلا زاده، وأن يأخذ شيئا من نحو شاربه وظفره عند فراغه وأن يتطيب ويلبس. وخرج بغالبا المتمتع فيسن له أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج; ليحصل له ثواب التقصير فيها والحلق فيه؛ إذ لو عكس فاته الركن فيه من أصله، ومحل ذلك (٢) إن كان لو حلقه في العمرة لا ينبت شعره قبل يوم النحر بحيث يكون به شعر يزال، أما إن كان ينبت قبله فيحلق فيهما، ويأتي نظير التفصيل المتقدّم فيما لو قدم الحج وأخّر العمرة فيقصر فيه ويحلق فيها، وإنما لم يحلق بعض الرأس الواحد في أحدهما وباقيه في الآخر; لأنه من القزع المكروه (وتُقَصِّر المرأة) ولو صغيرة؛ إذ لا يشرع الحلق لأنثى مطلقا إلا يوم سابع ولادتها؛ للتصدق بوزنه وإلا لتداوٍ، أو استخفاء من فاسق يريد سوءا بها ومثلها الخنثى، ويكره لهما الحلق بل يحرم على زوجة أو أمة بغير إذن زوج أو سيد. ويندب لها أن تعم الرأس بالتقصير وأن يكون بقدر أنملة إلا الذوائب; لأن قطع بعضها يشينها. (والحلق) للموجود قبل دخول وقت التحلل (نسك على المشهور) فيثاب عليه، وصح أنه ((له بكل شعرة سقطت نور يوم القيامة)).
стр. 550
وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْنَتْفَاً أَوْ إحْرَاقًا أَوْ قَصًّا، وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ اسْتَحَبُّ إمْرَارُ المُوسَى عَلَيْهِ، فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ، وَسَعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى، وَهَذَا الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالحَلْقُ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ،
(وأقله) ثنتان أو واحدة إن لم يكن غيرهما أو غيرها، وإلا فـ (ثلاث) أو جزء من كل من ثلاثة لا أقل (شعرات) من شعر الرأس وإن استرسل وخرج عن حده ولو على دفعات؛ لقوله تعالى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ الفتح: ٢٧ أي: شعرا فيها، وتكفي الشعرة والشعرتان إن لم يكن برأسه غيرها أو غيرهما (حلقا) أي استئصال الشعر بالموسى أي بحيث لا يظهر منه شيء لمن هو في مجلس التخاطب (أو تقصيرا) والمراد الأخذ من الشعر بمقص أو غيره (أو نتفا، أو إحراقا، أو) الأخذ منه بالمقص المسمى (قَصَّا)، أو غيرها من سائر وجوه الإزالة؛ لأنها المقصود. ولو نذر الذكر التقصير لم يتعيّن أو الحلق تعين، ثم إن قال نذرت حلق رأسي فالكل، أو الحلق أو أن أحلق كفى ثلاث شعرات. ويجري ذلك في نذر غير الذكر التقصير المطلوب، (ومن لا شعر برأسه) من الذكور (استحب) له (إمرار الموسى عليه) إجماعا؛ تشبها بالحالقين، ولذا لو كان ببعض رأسه شعر سن إمرار الموسى على الباقي أي سواء أحلق ذلك البعض أم قصره (فإذا حلق أو قصر دخل مكة) ضُحَىً (وطاف طواف الركن) ويحصل بطواف الوداع (١). ويسن عقبه أن يشرب من سقاية العباس من زمزم؛ للاتباع (وسعى) بعد الطواف؛ لوجوب الترتيب بينهما فورا ندبا (إن لم يكن سعى) بعد طواف القدوم كما هو الأفضل (٢) (ثم يعود إلى منى) بحيث يدرك أول وقت الظهر بمنى حتى يصليها بها؛ للاتباع، ولذا فهي بها أفضل منها بالمسجد الحرام. ورواية مسلم أنه ﷺ ((صلى الظهر بمكة)) محمولة على أنه صلاها بها أول وقتها ثم ثانيا بمنى إماما لأصحابه. (وهذا الرمي والذبح والحلق والطواف يسن ترتيبها كما ذكرنا) في الوقت الذي ذكرنا؛ للاتباع، فإن خالف صح لإذنه ﷺ في ذلك، (ويدخل وقتها) أي ما ذكر -إلا الذبح- لمن وقف بعرفة (بنصف ليلة النحر)؛ لصحة الخبر به في الرمي وقيس به غيره.
стр. 551
وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ، قُلْت: الصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَةِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَالحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا، وَإِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَفَعَلَ اثْنَيْنِ: مِنَ الرَّمْيِ وَالحَلْقِ وَالطَّوَافِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالحَلْقُ وَالْقَلْمُ، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ لَا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بِهِ، بَاقِي المُحَرَّمَاتِ.
(ويبقى وقت) فضيلة (الرمي) إلى الزوال، واختيارا (إلى آخر يوم النحر)؛ لخبر البخاري به، وجوازا إلى آخر أيام التشريق، (ولا يختص الذبح) للهدايا (بزمن) وإن اختص بالحرم بخلاف الضحايا تختص بيوم النحر والثلاثة بعده (قلت: الصحيح اختصاصه بوقت الأضحية، وسيأتي في آخر باب محرمات الإحرام على الصواب والله أعلم (١). والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها) ; لأن الأصل عدم التأقيت، نعم يكره تأخيرها عن يوم النحر وأشد منه تأخيرها عن أيام التشريق ثم عن خروجه من مكة. (وإذا قلنا الحلق نسك) وهو المشهور (ففعل اثنين من الرمي) للعقبة (والحلق) أو التقصير (والطواف) المتبوع بالسعي إن لم يكن سعى (حصل التحلل الأول) فإن لم يكن برأسه شعر حصل بواحد من الباقين، (وحل به اللبس) ونحوه (والحلق والقلم) والطيب بل يسن التطيب واللبس؛ للاتباع (وكذا الصيد وعقد النكاح) والتمتع -دون الفرج- ولو بشهوة (في الأظهر) كالحلق (قلت: الأظهر لا يحل عقد النكاح) ولا التمتع كالنظر بشهوة، (والله أعلم)؛ للخبر الصحيح ((إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء)) (وإذا فعل الثالث حصل التحلل الثاني وحل به باقي المحرمات) إجماعا، وإن بقي عليه المبيت وبقية الرمي. ولو فاته الرمي توقف التحلل على الإتيان ببدله ولو صوما. أما العمرة فليس لها إلا تحلل واحد.
стр. 552
فصل
إذَا عَادَ إلَى مِنًى بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيْ التَّشْرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إلَى الجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ، ..
(فصل) في مبيت ليالي أيام التشريق بمنى ورميها وشروط الرمي وما يتبع ذلك
(إذا عاد إلى منى) من مكة، أو لم يعد بأن لم يذهب لمكة (بات (١) وجوبا (بها) معظم (ليلتي) يومي (التشريق) الأولين، وكذا الثالثة إن لم ينفر (ورمى) وجوبا. ويجب فيه -جَمَعَه أو فَرّقَه- أن يرمي (كل يوم إلى الجمرات الثلاث) والأصل في الرمي -لا الواجب فيه- أن يكون (كل جمرة سبع حصيات)؛ للاتباع، ومحل وجوب الرمي والمبيت حيث لا عذر (٢)، ومن العذر قصد سقي الحاج بمكة أو بطريقها ورعي دابة أو دواب ولو لغير الحاج، نعم يمنع بعد الغروب النفر للرعي; لأنه لا يكون ليلا بخلاف نحو سقاية. ويلزم الرِّعاء العود للرمي في وقته، ولهم كغيرهم ترك رمي النحر وما بعدها إلى آخرها ليرموا الكل قبيل غروب شمسه، ومعنى كون الرمي عذرا عدم الكراهة في تأخيره لأجله، فإن فرض خوفه على دابته لو عاد للرمي كان معنى كون الرمي عذرا له عدم الإثم. ومن العذر أيضا خوف على محترم ولو لغيره ومرض تشق معه الإقامة بمنى وتمريض منقطع وطلب نحو آبق أو كان يخف من غريمه حبسا أو ملازمة ولا بينة له بعسره، أو عقوبة يرجو بغيبته العفو عنها أو يعجز عن لباس لائق به وإن وجد ساتر عورته أو تسافر رفقته أو يبحث عن ضالة يرجوها، ويعذر بالنوم في غيرها إن غلبه وإلا فتفصيله كالصلاة (٣)، ومنه الاشتغال بنحو طواف الركن. وسيعلم مما يأتي أن العذر في المبيت يسقط دمه وإثمه وفي الرمي يسقط إثمه لا دمه (فإذا رمى اليوم الثاني فأراد) أي قارنت نية (٤) (النفر) للنفر، والنفر هو التحرك للذهاب، ومنه الأخذ في شغل الارتحال (قبل غروب الشمس جاز) إن كان بات الليلتين قبله، أو تركهما لعذر.
стр. 553
وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْفُِرْ حَتَّى غَرَبَتْ وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيَ الْغَدِ، وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا، وَقِيلَ يَبْقَى إلَى الْفَجْرِ
(وسقط مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها) ولا دم؛ لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ البقرة: ٢٠٣ والأصل فيما لا إثم فيه عدم الدم، والتأخير أفضل لاسيما للإمام إلا لعذر كخوف أو غلاء. وذلك؛ للاتباع. أما إذا لم يبتهما ولا عذر له أو نفر قبل الزوال أو بعده وقبل الرمي فلا يجوز له النفر ولا يسقط عنه مبيت الثالثة ولا رمي يومها، نعم له النفر في غير الأولى إن عاد قبل الغروب ورمى. وبحث الإسنوي أن من ترك الرمي لا لعذر امتنع عليه النفر، أو لعذر يمكن معه تداركه ولو بالنائب فكذلك، أو لا يمكن جاز، (فإن لم ينفُِر حتى غربت وجب مبيتها ورمي الغد) كما صح عن ابن عمر ﵄. ولو نفر لعذر أو غيره بعد الرمي قبل الغروب وليس في عزمه العود للمبيت ثم عاد لها قبله أو بعده لم يلزمه المبيت ولا الرمي إن بات، أما إن كان في عزمه ذلك فيلزمه العود ولا تنفعه نية النفر؛ لأنه مع عزمه العود لا يسمى نفرا. (ويدخل رمي) كل يوم من أيام (التشريق) الثلاثة وهي المعدودات والمعلومات عشر ذي الحجة (بزوال الشمس) من ذلك اليوم؛ للاتباع، ويستحب فعله عقبه وقبل صلاة الظهر ما لم يضق الوقت ولم يرد جمع التأخير (ويخرج) وقت جوازه (١) (بغروبها) من كل يوم (وقيل) ومحله في غير ثالثها؛ لخروج وقت الجواز وغيره بغروب شمسه قطعا (يبقى) وقت الجواز (إلى الفجر) وما جرى عليه المصنف ضعيف والصواب أن وقت الاختيار هو الذي يخرج بغروب شمس كل يوم، أما وقت الجواز فيمتد إلى غروب آخر أيام التشريق، ويمكن أن يحمل الغروب على غروب آخر أيام التشريق، ويكون المعنى ويبقى وقت الجواز إلى غروب آخر أيام التشريق وقيل يبقى وقت الجواز إلى فجر الليلة التي تلي كل يوم.
[فرع] يسن لمتولي أمر الحج خطبة بعد صلاة ظهر يوم النحر بمنى يعلمهم فيها الرمي والمبيت وخطبة بها أيضا بعد صلاة ظهر يوم النفر الأول يعلمهم فيها جواز النفر فيه وغيره ويُوَدِّعهم.
стр. 554
وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَتَرْتِيبُ الجَمَرَاتِ وَكَوْنُ المَرْمِيِّ حَجَرًا، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الخَذْفِ،
(ويشترط) في رمي يوم النحر وما بعده (رمي السبع واحدة واحدة) وإن اشتملت كل مرة على سبع أو أكثر أو اتحدت الحصاة في المرات السبع أو وقعت المرتان أو المرات معا في المرمى وذلك؛ للاتباع. فلو رمى ثنتين أو أكثر دفعة واحدة ولو واحدة بيمينه وأخرى بيساره حسبت رمية واحدة وإن وجد الترتيب في الوقوع، أو مترتبتين فوقعتا معا فثنتان، (و) فيما بعده (ترتيب الجمرات) بأن يبدأ بالأولى من جهة عرفة ثم بالوسطى ثم بجمرة العقبة؛ للاتباع. فلو عكس حسبت الأولى فقط، فلو ترك حصاة عمدا أو غيره ونسي محلها جعلها من الأولى فيكملها ثم يعيد الأخيرتين مترتبتين، (وكون المَرْمِيِّ حجرا (١)؛ للاتباع، والمراد كونه من طبقات الأرض كحجر حديد ونقد ورخام وعقيق وزمرد، وإن جعلت فصوصا مثلا، أو العقيق بنحو خاتم فرماها به بخلاف المصنوع وما ليس من طبقاتها كإثمد ومرجان ولؤلؤ ومنطبع بالفعل من نحو نقد أو حديد ونورة طبخت، نعم يحرم الرمي بنفيس كياقوت إن نقص به قيمته؛ لحرمة إضاعة المال (وأن يسمى رميا) وأن يقصد المَرْمَى وإن لم ينو النسك فلو قصد الرمي لشخص في الجمرة لغا (٢) -والمَرْمَى ثلاثة أذرع في سائر الجوانب إلا جمرة العقبة فليس لها إلا جهة واحدة من بطن الوادي-، وأن يتيقن وقوعه فيه، وأن يكون الوقوع فيه لا بفعل غيره فلو وقع الحجر على ما له تأثير في وقوعه ولو احتمالا كمحمل -لا نحو أرض- ثم تدحرج للمرمى لغا، بخلاف ما لو رده الريح إليه؛ لتعذر الاحتراز عنها، وأن يكون باليد إن قدر; لأنه الوارد (فلا يكفي الوضع) في المرمى ولا رميه بنحو رجله أو قوسه أي: مع القدرة باليد، ولا أن يدحرجها برجله إلى المرمى. ولو عجز عن اليد وقدر على الرمي بقوس في يده وبفم وبرجل تعين الأول، أو قدر على الأخيرين فقط تعينت الرجل؛ لأن الرمي بها معهود في الحرب، ومثله لو قدر على القوس بالفم والرجل. (والسنة أن يرمي بقدر حصى الخذْف) -أي قدر حَبَّة الباقلاء المعتدلة- ويكره بأكبر وأصغر منه وبهيئة الخذف؛ للنهي الصحيح عنها،
стр. 555
وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الحَجَرِ فِي المَرْمَى، وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنْ الجَمْرَةِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ اسْتَنَابَ،
ويجزئ الأكبر حيث سمي حجرا يُرمى به عادة، والسنة أيضا إن يرمى بيده اليمنى وأن يرفع الذَّكَر يده حتى يُرَى ما تحت إبطه، وأن يستقبل القبلة في الكل أيام التشريق، وأن يرمي الجمرتين الأولتين من علو ويقف عندهما بقدر سورة البقرة داعيا ذاكرا إن توفر خشوعه وإلا فأدنى وقوف -لا عند جمرة العقبة-؛ تفاؤلا بالقبول، وأن يكون راجلا في اليومين الأولين وراكبا في الأخير (١) وينفر عقبه ثم ينزل بالمحصب ويصلي به العصرين -وصلاتهما به ثم بغيره أفضل منها بمنى- والعشاءين ويرقد رقدة ثم يذهب إلى طواف الوداع. (ولا يشترط بقاء الحجر في المَرْمَى)؛ لحصول اسم الرمي (ولا كون الرامي خارجا عن الجمرة) وهي اسم للمرمى حول الشاخص، ومن ثم لو قلع الشاخص لم يجز الرمي إلى محله، ولو قصد الشاخص لم يجزئ (٢) إلا إن رمى إليه بقصد الوقوع في المرمى وقد علمه فوقع فيه; لأن قصده غير صارف حينئذ. (ومن عجز) ولو أجير عين (عن الرمي) لنحو مرض بحيث يصيبه منه مشقة شديدة لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم، أو جنون، أو إغماء بأن أيس من القدرة عليه وقته ولو ظنا. ولا ينعزل النائب بطرو إغماء المنيب أو جنونه بعد إذنه لمن يرمي عنه وهو عاجز آيس بخلاف قادر عادته الإغماء فيلزمه الدم إذا أغمي عليه، ولحبس ولو بحق بأن يحبس (٣) في قود لصغير حتى يبلغ بخلاف محبوس بدين يقدر على وفائه؛ لعدم عجزه عن الرمي حينئذ (استناب) -وقت الرمي لا قبله وجوبا، ولو بأجرة مثل وجدها فاضلة عما يعتبر في الفطرة- ولو مُحْرِما قَدْ رمى عن نفسه الجمرات الثلاث وإلا وقع له وإن نوى مستنيبه، و لغا فيما إذا رمى للأولى مثلا أربع عشرة سبعا عنه ثم سبعا عن موكله وذلك كالاستنابة في الحج المارة، نعم لا يشترط هنا عجز ينتهي لليأس بل يكفي العجز حالا إذا لم يرج زواله قبل خروج وقت الرمي. ولا يضر زوال العجز عقب رمي النائب على خلاف ظنه.
стр. 556
وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا دَمَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالمَذْهَبُ تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ. وَإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ طَافَ لِلْوَدَاعِ،
[فرع] لو أنابه جماعة في الرمي لزمه الترتيب بينهم بأن لا يرمي عن الثاني إلا بعد استكمال رمي الأول. (وإذا ترك رمي) أو بعض رمي (يوم) ولو عمدا (تداركه) أي أداء (في باقي الأيام) والليالي (في الأظهر) ; لأنه ﷺ جوّز ذلك للرعاء. ويمتنع تقديم رمي يوم على زواله، ويجب الترتيب بين الرمي المتروك وبين يوم التدارك حتى لو رمى عنه قبل التدارك انصرف للمتروك لا ليومه; لأنه لم يقصد غير النسك. ولو رمى لكل جمرة أربع عشرة حصاة عن يومه وأمسه حسبت سبعة منها في كل جمرة عن أمسه؛ لفقد الصارف (ولا دم) مع التدارك، (وإلا) يتداركه (فعليه دم)؛ لتركه نسكا (والمذهب تكميل الدم في ثلاث حصيات) فأكثر حتى لو ترك الرمي من أصله كفاه دم واحد؛ لاتحاد الجنس. وفي الليلة مد كحصاة من جمرة العقبة من آخر أيام رميه، وفي الحصاتين من ذلك أو الليلتين لمن بات الثالثة مدان، فإن عجز وجب في الواحدة يومان ويجب كونهما عقب أيام التشريق إن تعدى بالترك وثلاثة إذا رجع، وفي الثنتين ثلاثة قبل رجوعه كذلك -أي عقب أيام التشريق إن تعدى بالترك- وخمسة بعده، أما ترك حصاة من غير ما ذكر ولم يقع عنه تدارك من يوم بعده فيلزمه به دم لإلغاء ما بعده؛ لما مر من وجوب الترتيب.
(وإذا أراد) الحاج أو المعتمر وغيره المكي وغيره (الخروج) إلى مسافة قصر مطلقا، أو دونها وهو وطنه أو ليتوطنه وإلا فلا دم (من مكة) أو منى عقب نفره منها، وإن كان طاف للوداع عقب طواف الإفاضة عند عوده إليها (طاف) وجوبا (للوداع (١) طوافا كاملا؛ لثبوته عنه ﷺ ، وهو ليس من المناسك، ويلزم الأجير فعله (٢)، وحيث وقع إثر نسك لم تجب له نية (٣) نظرا للتبعية وإلا وجبت؛ لانتفائها، وعُلم أنه لو خرج من عمران مكة لحاجة فطرأ له السفر لم يلزمه دخولها لأجل طواف الوداع; لأنه لم يخاطب به حال خروجه.
стр. 557
وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَفِي قَوْلٍ سُنَّةٌ لَا تُجْبَرُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَخَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ وَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بِلَا وَدَاعٍ. وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ
(ولا يمكث بعده) وبعد ركعتيه والدعاء المندوب عقبهما ثم عند الملتزم وإن أطال فيه بغير الوارد وإتيان زمزم ليشرب من مائها، فإن مكث لذلك وحده أو مع فعل جماعة أقيمت عقبه وفعل شيء يتعلق بالسفر كشراء زاد وشد رحل وإن طال لم تلزمه إعادته وإلا لزمته ولو ناسيا أو جاهلا بخلاف من مكث بالإكراه (١) أو نحو إغماء، نعم يُعفى عن سائر الأغراض إن لم يعرج لها ولم تزد على قدر فعل صلاة الجنازة بأقل ممكن كعيادة وقضاء دين، (وهو واجب يُجْبَر تركه) أو ترك خطوة منه (بدم) إلا المتحيرة فلا دم عليها؛ للشك في وجوبه، (وفي قول سنة لا تجبر) كطواف القدوم، وفَرَّق الأول بأن هذا تحية غير مقصود في نفسه ومن ثم دخل تحت غيره بخلاف ذاك، (فإن أوجبناه فخرج بلا وداع وعاد قبل) بلوغ نحو وطنه، أو (مسافة القصر) من مكة; لأنها أقرب نسبة إلى البيت من الحرم (سقط الدم)؛ لعدم انقطاع نسبته عنها. وعوده هنا دون ما يأتي واجب إن أمكنه، (أو) عاد وقد بلغ مسافة القصر سواء أعاد منها، أو (بعدها) -وإن فعله- (فلا) يسقط الدم (على الصحيح)؛ لاستقراره. (وللحائض) والنفساء، ومثلهما مستحاضة نفرت في نوبة حيضها وذو جرح نضَّاح يخشى منه تلويث المسجد (النفر بلا وداع)؛ تخفيفا عنها، نعم إن طهرت أو انقطع ما يخرج من الجرح قبل مفارقته ما لا يجوز القصر فيه مما مر لزمها العود لتطوف، أو بعد ذلك لم يلزمها للإذن لها في الانصراف، ولا يلحق بها نحو من خاف نحو ظالم أوفوت رفقة (٢). (ويسن) لكل أحد (شرب ماء زمزم)؛ لما ورد ((أنها مباركة))، وأن يقصد به نيل مطلوباته؛ لخبر ((ماء زمزم لما شرب له))، ويسن عند إرادة شربه الاستقبال والجلوس ودعاء شربه، وأن يتضلع منه أي: يمتلئ ويكرِه نفسه عليه؛ لخبر فيه، وأن ينقله إلى وطنه استشفاء وتبركا. ويسن تحري دخول الكعبة والإكثار منه، فإن لم يتيسر فما في الحجر منها، ويكثر من الصلاة والدعاء في جوانبها. وكلٌّ من الصلاة والعمرة أفضل من الطواف.
стр. 558
وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِ الحَجِّ.
(و زيارة قبر رسول الله ﷺ لكل أحد، وللحاج آكد، وصح خبر ((من زارني وجبت له شفاعتي))، والأولى في حق مريد الحج إن مَرَّ بالمدينة المشرفة أو وصل مكة والوقت متسع والأسباب متوفرة تقديمها على الحج، فإن انتفى شرط من ذلك سن كونها (بعد فراغ الحج).
стр. 559
فصل
أَرْكَانُ الحَجِّ خَمْسَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالحَلْقُ إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا وَلَا تُجْبَرُ، وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا. وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا الْإِفْرَادُ بِأَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ: كَإِحْرَامِ المَكِّيِّ وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا
(فصل) في أركان النسكين وبيان وجوه أدائهما
(أركان الحج خمسة: الإحرام) به -أي نية الدخول فيه- أو مطلقا مع صرفه إليه (والوقوف (١) والطواف) إجماعا في الثلاثة (والسعي)؛ للخبر الصحيح ((اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي)) (والحلق) أو التقصير (إذا جعلناه نسكا) كما هو المشهور، وله ركن سادس هو الترتيب بمعنى تأخير الكل عن الإحرام وما عدا الوقوف عنه والسعي عن طواف الإفاضة إن لم يكن سعى بعد القدوم. (ولا تجبر) الأركان وبعضها؛ لأنها الماهية، وما عداها إن جبر بدم كالرمي سمي بعضا وإلا سمي هيئة، (وما سوى الوقوف أركان في العمرة أيضا) لكن الترتيب هنا في كلها.
(ويؤدَّى النسكان (٢) على أوجه) ثلاثة: (أحدها الإفراد) وأفضل صورِهِ تحصل (بأن يحج) من الميقات، أو دونه (٣) (ثم يحرم بالعمرة) ولو من أدنى الحل (٤) (كإحرام المكي)، وكذا لو أحرم من الحرم؛ لأن الإثم والدم لا دخل لهما في التسمية (ويأتي بعملها) وقد يطلق على الإتيان بالحج وحده وعلى ما إذا اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج (٥)، لكن الإطلاق الأول مجازي والثاني حقيقة.
стр. 560
الثَّانِي الْقِرَانُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ المِيقَاتِ وَيَعْمَلَ عَمَلَ الحَجِّ فَيَحْصُلَانِ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ بِحَجٍّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِنًا. وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الجَدِيدِ.
الثَّالِثُ: التَّمَتُّعُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ. وَأَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ، وَفِي قَوْلٍ التَّمَتُّعُ
(الثاني القران بأن يحرم بهما) معا (من الميقات)، أو دونه لكن بدم (ويعمل عمل الحج) فيه إشارة إلى اتحاد ميقاتهما في المكي، وأن المُغَلَّب حكم الحج، فيجزئه الإحرام بهما من مكة (فيحصلان)؛ للخبر الصحيح ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي عنهما حتى يحل منهما جميعا)). (ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج)، أو قبلها (ثم بحج) في أشهره في الثانية (١) (قبل) الشروع في (الطواف) -وإن استلم الحجر بنية الطواف؛ لأنه مقدمه له- لا بعده -كأن انفتل بعد الاستلام-؛ لأنه حينئذ يكون آخذا في أسباب التحلل (كان قارنا) إجماعا. وقد يشمل المتن ما لو أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج فينعقد إحرامه به فاسدا ويلزمه المضي وقضاء النسكين، (ولا يجوز عكسه) وهو إدخال العمرة على الحج (في الجديد)؛ إذ لا يستفيد به شيئا آخر.
(الثالث التمتع بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده) يعني طريقه (ويفرغ منها ثم ينشئ حجا) ويلزمه دما إن أنشأه (من مكة) في أشهر الحج. وقوله من ميقات بلده غير شرط بل لو أحرم دونه كان متمتعا ويلزمه مع دم المجاوزة -إن أساء بها- دم التمتع وإن كان بين محل إحرامه ومكة دون مرحلتين. (وأفضلها الإفراد)؛ لأن رواته أكثر ولأن بقية الروايات يمكن ردها إليه ولعدم دم فيه بخلافهما والجبر دليل النقص، نعم شرط أفضليته أن يعتمر من سنته بأن لا يؤخرها عن ذي الحجة وإلا كان كل منهما أفضل منه؛ لكراهة تأخيرها عن سنته. ويأتي أن من أتى بعمرة أو بإحرامها فقط قبل أشهر الحج متمتع -أي لغة- لكن لا دم عليه ومع ذلك لا ينبغي لمن بمكة وهو يريد الإفراد الأفضل ترك الاعتمار في رمضان مثلا لئلا يفوته; لأن الفضل الحاضر لا يترك لمترقب. (وبعده التمتع) ; لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين ثم القران ثم الحج وحده ثم العمرة وحدها (وفي قول) أفضلها (التمتع) وفي قول القران.
стр. 561
وَعَلَى المُتَمَتِّعِ دَمٌ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَحَاضِرُوهُ مَنْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ مِنَ الحَرَمِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ، وَأَلَّا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الحَجِّ إلَى المِيقَاتِ
(وعلى المتمتع دم (١) إجماعا؛ لربحه الميقات لكونه يحرم بالحج من مكة، ولذا لو كرر العمرة في أشهر الحج لا يتكرر عليه الدم، وإن أخرج الدم قبل التكرر. والدم هنا وحيث أطلق شاة، أو سُبُع بدنة أو بقرة مما يجزئ أضحية (بشرط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام)؛ لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ البقرة: ١٩٦ (وحاضروه مَن) استوطنوا -بالفعل لا بالنية- حالة الإحرام -لا بعده سواء أكان الإحرام بقرب مكة أم لا جاوز الميقات مريدا للنسك أم لا- محلا (دون مرحلتين (٢) ; لأنه يطلق عليه أنه حاضره (من مكة، قلت: الأصح من الحرم، والله أعلم) ; لأن الأغلب في القرآن استعمال المسجد الحرام في الحرم. ومن له مسكنان قريب من الحرم وبعيد منه اعتبر ما مقامه به أكثر ثم ما به أهله وماله دائما ثم أكثر ثم ما به أهله كذلك ثم ما به ماله كذلك ثم ما قصد الرجوع إليه ثم ما خرج منه ثم ما أحرم منه، وأهله حليلته ومحاجيره دون نحو أب وأخ. ولو تمتع ثم قرن من عامه لزمه دمان؛ لاختلاف موجبي الدمين، (وأن تقع عمرته) أي: نية الإحرام بها وما بعدها من الأعمال (في أشهر الحج) ; دفعا للمشقة عن نحو غريب قدم قبل عرفة بزمن طويل بعدم استدامته إحرامه بل يتحلل بعمل عمرة مع الدم، ومن ثم لو نوى الإحرام بالعمرة مع آخر جزء من رمضان وأتى بأعمالها كلها في شوال لم يلزمه دم مع أنه متمتع كمن أتى بها كلها قبل أشهر الحج. وأن يكون وقوعها في أشهر الحج (من سنته) أي: الحج، وإلا فلا دم كما جاء عن الصحابة ﵃، (وألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات) - أي ميقات الآفاقي الذي أحرم منه بالعمرة إحراما جائزا كأن لم يخطر له إلا قبيل دخول الحرم- أو مثل مسافته، أو ميقات آخر غيره، أو مرحلتين من مكة، فإن عاد
стр. 562
وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ إحْرَامُهُ بِالحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الحَجِّ
ولو بعد دخول مكة لواحد من ذلك محرما بالحج قبل الوقوف (١)، أو أحرم منه به فلا دم للتمتع; لأن موجبه ربح الميقات ولا ربح حينئذ، وإنما لم يكف المسيء بالمجاوزة العود لأقرب؛ تغليظا عليه لتعديه. وخرج بقولي للتمتع ما لو عاد قبل أعمال العمرة ثم أحرم بالحج، فإن الذي عليه حينئذ هو دم القران لا التمتع.
[تنبيه] تعتبر هذه الشروط في الدم لا للتسمية بالمتمع ، ولذا يصح التمتع والقران من المكي. (ووقت وجوب الدم) على المتمتع (إحرامه بالحج) ; لأنه إنما يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج حينئذ، ومع ذلك يجوز تقديم غير الصوم عليه لكن بعد فراغ العمرة لا قبله (والأفضل ذبحه يوم النحر) ; لأنه الاتباع، (فإن عجز عنه في موضعه) وهو الحرم، ومثله ما كان على دون مرحلتين منه. ومن العجز ما لو عجز شرعا بأن وجده بأكثر من ثمن مثله ولو بما يتغابن به، أو وهو محتاج إلى ثمنه بحيث لو أنفقه فيها حصلت له مشقة شديدة لا تحتمل عادة، ولا أثر لفوات رفاهية. ويشترط كون الدم فاضلا عن كفاية نفسه وعياله الذين تلزمه مؤنتهم نفقة وكسوة وسكنى وأثاثا لابدَّ منه، وعن دينه ولو مؤجلا، ونحو كتب الفقيه وخيل الجندي وآلة المحترف كل ذلك فاضلٌ عن كفاية العمر الغالب، والمعتبر في إيساره بذلك هو وقت الأداء (٢)، ولو أمكنه الاقتراض قبل حضور ماله الغائب (٣) اقترض (صام) إن قدر -وإن علم أنه يقدر على الهدي قبل فراغ الصوم- فإن عجز أخرج عن كل يوم مداً فإن عجز بقي الواجب في ذمته فإذا قدر على واحد فعله (٤). ولو مات وعليه هذا الصوم مثلا صام عنه وليه أو أطعم نظير ما مر في رمضان (عشرة أيام ثلاثة) منها -ومثل التمتع في ذلك القران وترك الميقات في الحج، أما نحو الرمي مما يجب بعد الحج فيصوم الثلاثة عقب أيام التشريق، وأما ترك الميقات في العمرة فوقت أداء الصوم قبل فراغها، أو عقبه؛ لأن وجوبه حينئذ لا يتوقف على الحج- (في الحج)
стр. 563
تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ، وَالسَّبْعَةُ، وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الحَجِّ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ كَدَمِ التَّمَتُّعِ. قُلْت: بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
قبل يوم النحر ولو مسافرا؛ للآية، أي: إن أحرم به بزمن يسعها قبل يوم النحر، فإن لم يسع إلا بعضها وجب ولا يلزمه تقديم الإحرام حتى يلزمه صومها; لأن تحصيل سبب الوجوب لا يجب. أما لو أخرها عن يوم النحر بأن أحرم قبله بزمن يسعها ثم أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها فإنه يأثم وتكون قضاء؛ لندرة هذه الصورة، ويلزمه حينئذ القضاء فورا؛ لتعديه بالتأخير، (تستحب قبل يوم عرفة)؛ لأن فطره سنة للحاج، ومر حرمة صومها يوم النحر وأيام التشريق، (وسبعة إذا رجع)؛ للآية (إلى أهله) أي: وطنه، أو ما يريد توطنه (١) ولو مكة إن لم يكن له وطن أو أعرض عن وطنه، فلا يعتد بصومها قبل ذلك، ولا بوطنه وعليه طواف إفاضة أو سعي أو حلق; لأنه لم يفرغ من الحج، نعم لو وصل لوطنه قبل الحلق ثم حلق فيه جاز له صومها عقب الحلق ولم يحتج لاستئناف مدة الرجوع (في الأظهر)؛ للخبر المتفق عليه بذلك، (ويندب تتابع الثلاثة) إذا أحرم قبل يوم النحر بزمن يسع أكثر منها وإلا وجب تتابعها كما مرَّ (والسبعة)؛ مبادرة لبراءة الذمة. (ولو فاته) ولو بعذر (الثلاثة في الحج) أو عقب أيام التشريق (فالأظهر أنه يلزمه أن يفرق في قضائها)؛ لكي يحاكي الأداء (بينها وبين السبعة) بقدر ما كان يفرق به في الأداء، وهو أربعة أيام العيد والتشريق في الثلاثة الأيام التي في الحج، ومدة سيره على العادة الغالبة إلى وطنه وما ألحق به فيهما (٢). ومن توطن مكة يلزمه في الأولى التفريق بخمسة أيام وفي الثانية بيوم. (وعلى القارن دم)؛ لما صحّ أنه ﷺ ذبح عن نسائه البقر يوم النحر وهنّ قارنات، وهو (كدم التمتع) في جميع ما مر، ومنه أن لا يعود لما مرّ قبل الوقوف (قلت: بشرط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام والله أعلم) كالتمتع.
стр. 564
باب محرمات الإحرام
أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إلَّا لِحَاجَةٍ،
(باب محرمات الإحرام (١)
أي ما حرُم بسببه ولو مطلِقا، ومنها عقد النكاح (٢) ومقدمات الوطء والاستمناء.
(أحدها ستر) ومنه استدامة الساتر، نعم التلبيد بما له جرم يحل استدامته كالطيب; لأنه مندوب مثله (بعض رأس الرجل)، وإن قلَّ ومنه البياض (٣) المحاذي لأعلى الأذن (بما يعد) هنا (ساترا) عرفا، وإن حكى البشرة كثوب رقيق، ولو غير مخيط كعصابة عريضة وطين أو حناء ثخين؛ للنهي الصحيح عن تغطية رأس المحرم الميت. أما ما لا يعد ساترا فلا يضر كخيط رقيق وتوسد نحو عمامة ووضع يد لم يقصد بها الستر -بخلاف ما إذا قصده- وانغماس بماء ولو كدرا وحمل نحو زنبيل لم يقصد به الستر أو استظلال بمحمل وإن مس رأسه بل وإن قصد به الستر، نعم الشعر الخارج عن حد الرأس لا شيء بستره كما لا يجزئ مسحه في الوضوء (إلا لحاجة) بحيث لا يطيق الصبر عليه عادة وإن لم يبح التيمم كحر أو برد فيجوز مع الفدية، ويأتي ما ذكر في ستر الرأس في نحو ستر البدن وغيره كالتطيب.
стр. 565
وَلُبْسُ المَخِيطِ أَوْ المَنْسُوجِ أَوِ المَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ،
(ولبس) المحيط نحو (المخيط) كالقميص (١) (أو المنسوج) كالزِّرْد (أو المعقود) أو الملزق (٢) أو المضفور (٣) ; للنهي الصحيح عن لبس المحرم للقميص والعمامة والبرنس (٤) والسراويل والخف. وتعتبر العادة الغالبة في الملبوس، فيحل لبس الخاتم وتقلد المصحف وشدّ الهيمان (٥) والمِنطقة (٦) في وسطه وعقد الإزار وشد خيط عليه ليثبت، وأن يجعله مثل الحُجزة (٧) ويدخل فيها التِّكة (٨) وشد أزراره في عرى إن تباعدت وغرز طرف الرداء في الإزار والالتحاف والارتداء بالقميص والقباء -بأن يلتحف به كالملحفة أو يضع أسفله على عاتقه; لأنه إذا قام لا يستمسك فلا يعد لابسا له- والاتزار بالسراويل كالارتداء برداء ملفق من رقاع (٩) طاقين (١٠) فأكثر بخلاف ما لو وضع طوق (١١) القباء أو الفرجية على رقبته فإنه وإن لم يدخل يديه في كميه يستمسك إذا قام فيعد لابسا له، ولا يجوز عقد الرداء ولا خل طرفيه بخلال (١٢) ولا ربطهما أو شدهما ولو بِزِرٍّ في عروة مطلقا (في سائر بدنه) أي كل جزء جزء منه ككيس اللحية أو الأصبع بخلاف تغطية الوجه; لأن ساتره لا يحيط به، ومن ثم لو أحاط به بأن جعل له كيس على قدره إن تصور حرم (إلا إذا لم يجد غيره) أي المحيط حسّا بأن لم يملكه ولا قدر على تحصيله ولو بنحو استعارة بخلاف الهبة؛ لعظم المنة، أو شرعا كأن وجده بأكثر من ثمن