وَعَلَى المُتَمَتِّعِ دَمٌ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَحَاضِرُوهُ مَنْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ مِنَ الحَرَمِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ، وَأَلَّا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الحَجِّ إلَى المِيقَاتِ
(وعلى المتمتع دم (١) إجماعا؛ لربحه الميقات لكونه يحرم بالحج من مكة، ولذا لو كرر العمرة في أشهر الحج لا يتكرر عليه الدم، وإن أخرج الدم قبل التكرر. والدم هنا وحيث أطلق شاة، أو سُبُع بدنة أو بقرة مما يجزئ أضحية (بشرط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام)؛ لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ البقرة: ١٩٦ (وحاضروه مَن) استوطنوا -بالفعل لا بالنية- حالة الإحرام -لا بعده سواء أكان الإحرام بقرب مكة أم لا جاوز الميقات مريدا للنسك أم لا- محلا (دون مرحلتين (٢) ; لأنه يطلق عليه أنه حاضره (من مكة، قلت: الأصح من الحرم، والله أعلم) ; لأن الأغلب في القرآن استعمال المسجد الحرام في الحرم. ومن له مسكنان قريب من الحرم وبعيد منه اعتبر ما مقامه به أكثر ثم ما به أهله وماله دائما ثم أكثر ثم ما به أهله كذلك ثم ما به ماله كذلك ثم ما قصد الرجوع إليه ثم ما خرج منه ثم ما أحرم منه، وأهله حليلته ومحاجيره دون نحو أب وأخ. ولو تمتع ثم قرن من عامه لزمه دمان؛ لاختلاف موجبي الدمين، (وأن تقع عمرته) أي: نية الإحرام بها وما بعدها من الأعمال (في أشهر الحج) ; دفعا للمشقة عن نحو غريب قدم قبل عرفة بزمن طويل بعدم استدامته إحرامه بل يتحلل بعمل عمرة مع الدم، ومن ثم لو نوى الإحرام بالعمرة مع آخر جزء من رمضان وأتى بأعمالها كلها في شوال لم يلزمه دم مع أنه متمتع كمن أتى بها كلها قبل أشهر الحج. وأن يكون وقوعها في أشهر الحج (من سنته) أي: الحج، وإلا فلا دم كما جاء عن الصحابة ﵃، (وألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات) - أي ميقات الآفاقي الذي أحرم منه بالعمرة إحراما جائزا كأن لم يخطر له إلا قبيل دخول الحرم- أو مثل مسافته، أو ميقات آخر غيره، أو مرحلتين من مكة، فإن عاد
стр. 562
وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ إحْرَامُهُ بِالحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الحَجِّ
ولو بعد دخول مكة لواحد من ذلك محرما بالحج قبل الوقوف (١)، أو أحرم منه به فلا دم للتمتع; لأن موجبه ربح الميقات ولا ربح حينئذ، وإنما لم يكف المسيء بالمجاوزة العود لأقرب؛ تغليظا عليه لتعديه. وخرج بقولي للتمتع ما لو عاد قبل أعمال العمرة ثم أحرم بالحج، فإن الذي عليه حينئذ هو دم القران لا التمتع.
[تنبيه] تعتبر هذه الشروط في الدم لا للتسمية بالمتمع ، ولذا يصح التمتع والقران من المكي. (ووقت وجوب الدم) على المتمتع (إحرامه بالحج) ; لأنه إنما يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج حينئذ، ومع ذلك يجوز تقديم غير الصوم عليه لكن بعد فراغ العمرة لا قبله (والأفضل ذبحه يوم النحر) ; لأنه الاتباع، (فإن عجز عنه في موضعه) وهو الحرم، ومثله ما كان على دون مرحلتين منه. ومن العجز ما لو عجز شرعا بأن وجده بأكثر من ثمن مثله ولو بما يتغابن به، أو وهو محتاج إلى ثمنه بحيث لو أنفقه فيها حصلت له مشقة شديدة لا تحتمل عادة، ولا أثر لفوات رفاهية. ويشترط كون الدم فاضلا عن كفاية نفسه وعياله الذين تلزمه مؤنتهم نفقة وكسوة وسكنى وأثاثا لابدَّ منه، وعن دينه ولو مؤجلا، ونحو كتب الفقيه وخيل الجندي وآلة المحترف كل ذلك فاضلٌ عن كفاية العمر الغالب، والمعتبر في إيساره بذلك هو وقت الأداء (٢)، ولو أمكنه الاقتراض قبل حضور ماله الغائب (٣) اقترض (صام) إن قدر -وإن علم أنه يقدر على الهدي قبل فراغ الصوم- فإن عجز أخرج عن كل يوم مداً فإن عجز بقي الواجب في ذمته فإذا قدر على واحد فعله (٤). ولو مات وعليه هذا الصوم مثلا صام عنه وليه أو أطعم نظير ما مر في رمضان (عشرة أيام ثلاثة) منها -ومثل التمتع في ذلك القران وترك الميقات في الحج، أما نحو الرمي مما يجب بعد الحج فيصوم الثلاثة عقب أيام التشريق، وأما ترك الميقات في العمرة فوقت أداء الصوم قبل فراغها، أو عقبه؛ لأن وجوبه حينئذ لا يتوقف على الحج- (في الحج)
стр. 563
تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ، وَالسَّبْعَةُ، وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الحَجِّ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ كَدَمِ التَّمَتُّعِ. قُلْت: بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
قبل يوم النحر ولو مسافرا؛ للآية، أي: إن أحرم به بزمن يسعها قبل يوم النحر، فإن لم يسع إلا بعضها وجب ولا يلزمه تقديم الإحرام حتى يلزمه صومها; لأن تحصيل سبب الوجوب لا يجب. أما لو أخرها عن يوم النحر بأن أحرم قبله بزمن يسعها ثم أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها فإنه يأثم وتكون قضاء؛ لندرة هذه الصورة، ويلزمه حينئذ القضاء فورا؛ لتعديه بالتأخير، (تستحب قبل يوم عرفة)؛ لأن فطره سنة للحاج، ومر حرمة صومها يوم النحر وأيام التشريق، (وسبعة إذا رجع)؛ للآية (إلى أهله) أي: وطنه، أو ما يريد توطنه (١) ولو مكة إن لم يكن له وطن أو أعرض عن وطنه، فلا يعتد بصومها قبل ذلك، ولا بوطنه وعليه طواف إفاضة أو سعي أو حلق; لأنه لم يفرغ من الحج، نعم لو وصل لوطنه قبل الحلق ثم حلق فيه جاز له صومها عقب الحلق ولم يحتج لاستئناف مدة الرجوع (في الأظهر)؛ للخبر المتفق عليه بذلك، (ويندب تتابع الثلاثة) إذا أحرم قبل يوم النحر بزمن يسع أكثر منها وإلا وجب تتابعها كما مرَّ (والسبعة)؛ مبادرة لبراءة الذمة. (ولو فاته) ولو بعذر (الثلاثة في الحج) أو عقب أيام التشريق (فالأظهر أنه يلزمه أن يفرق في قضائها)؛ لكي يحاكي الأداء (بينها وبين السبعة) بقدر ما كان يفرق به في الأداء، وهو أربعة أيام العيد والتشريق في الثلاثة الأيام التي في الحج، ومدة سيره على العادة الغالبة إلى وطنه وما ألحق به فيهما (٢). ومن توطن مكة يلزمه في الأولى التفريق بخمسة أيام وفي الثانية بيوم. (وعلى القارن دم)؛ لما صحّ أنه ﷺ ذبح عن نسائه البقر يوم النحر وهنّ قارنات، وهو (كدم التمتع) في جميع ما مر، ومنه أن لا يعود لما مرّ قبل الوقوف (قلت: بشرط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام والله أعلم) كالتمتع.
стр. 564
باب محرمات الإحرام
أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إلَّا لِحَاجَةٍ،
(باب محرمات الإحرام (١)
أي ما حرُم بسببه ولو مطلِقا، ومنها عقد النكاح (٢) ومقدمات الوطء والاستمناء.
(أحدها ستر) ومنه استدامة الساتر، نعم التلبيد بما له جرم يحل استدامته كالطيب; لأنه مندوب مثله (بعض رأس الرجل)، وإن قلَّ ومنه البياض (٣) المحاذي لأعلى الأذن (بما يعد) هنا (ساترا) عرفا، وإن حكى البشرة كثوب رقيق، ولو غير مخيط كعصابة عريضة وطين أو حناء ثخين؛ للنهي الصحيح عن تغطية رأس المحرم الميت. أما ما لا يعد ساترا فلا يضر كخيط رقيق وتوسد نحو عمامة ووضع يد لم يقصد بها الستر -بخلاف ما إذا قصده- وانغماس بماء ولو كدرا وحمل نحو زنبيل لم يقصد به الستر أو استظلال بمحمل وإن مس رأسه بل وإن قصد به الستر، نعم الشعر الخارج عن حد الرأس لا شيء بستره كما لا يجزئ مسحه في الوضوء (إلا لحاجة) بحيث لا يطيق الصبر عليه عادة وإن لم يبح التيمم كحر أو برد فيجوز مع الفدية، ويأتي ما ذكر في ستر الرأس في نحو ستر البدن وغيره كالتطيب.
стр. 565
وَلُبْسُ المَخِيطِ أَوْ المَنْسُوجِ أَوِ المَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ،
(ولبس) المحيط نحو (المخيط) كالقميص (١) (أو المنسوج) كالزِّرْد (أو المعقود) أو الملزق (٢) أو المضفور (٣) ; للنهي الصحيح عن لبس المحرم للقميص والعمامة والبرنس (٤) والسراويل والخف. وتعتبر العادة الغالبة في الملبوس، فيحل لبس الخاتم وتقلد المصحف وشدّ الهيمان (٥) والمِنطقة (٦) في وسطه وعقد الإزار وشد خيط عليه ليثبت، وأن يجعله مثل الحُجزة (٧) ويدخل فيها التِّكة (٨) وشد أزراره في عرى إن تباعدت وغرز طرف الرداء في الإزار والالتحاف والارتداء بالقميص والقباء -بأن يلتحف به كالملحفة أو يضع أسفله على عاتقه; لأنه إذا قام لا يستمسك فلا يعد لابسا له- والاتزار بالسراويل كالارتداء برداء ملفق من رقاع (٩) طاقين (١٠) فأكثر بخلاف ما لو وضع طوق (١١) القباء أو الفرجية على رقبته فإنه وإن لم يدخل يديه في كميه يستمسك إذا قام فيعد لابسا له، ولا يجوز عقد الرداء ولا خل طرفيه بخلال (١٢) ولا ربطهما أو شدهما ولو بِزِرٍّ في عروة مطلقا (في سائر بدنه) أي كل جزء جزء منه ككيس اللحية أو الأصبع بخلاف تغطية الوجه; لأن ساتره لا يحيط به، ومن ثم لو أحاط به بأن جعل له كيس على قدره إن تصور حرم (إلا إذا لم يجد غيره) أي المحيط حسّا بأن لم يملكه ولا قدر على تحصيله ولو بنحو استعارة بخلاف الهبة؛ لعظم المنة، أو شرعا كأن وجده بأكثر من ثمن
стр. 566
وَوَجْهُ المَرْأَةِ كَرَأْسِهِ وَلَهَا لُبْسُ المَخِيطِ إلَّا الْقُفَّازَ فِي الْأَظْهَرِ
أو أجرة مثله وإن قلّ فله حينئذ ستر العورة بالمحيط بلا فدية، ولبسه في بقية بدنه لحاجة نحو حر أو برد بفدية، فعُلم أن له لبس السراويل لفقد الإزار لكن إن لم يتأت الاتزار به على هيئته أو نقص بفتقه أو لم يجد ساترا لعورته مدة فتقه وإلا لزمه الاتزار به على هيئته أو فتقه بشرطه (١)، وأن له لبس الخف (٢) لفقد النعل لكن بشرط قطعه حتى يصير أسفل من الكعبين وقطع ما يحيط بالعقبين وبالأصابع وإن نقصت قيمته بذلك، ولا يضر استتار ظهر القدمين; لأن الاستمساك يتوقف على الإحاطة بذلك دون الآخرين. والمراد بالنعل هنا ما يجوز لبسه للمحرم من غير المحيط كالمداس، والشرط أن لا يستر جميع أصابع الرجل وإلا حرم ككيس الإصبع، فالحاصل أن ما ظهر منه العقب ورءوس الأصابع يحل مطلقا; لأنه كالنعلين، وما يستر الأصابع فقط أو العقب فقط (٣) لا يحل إلا مع فقد الأولين (٤). وإذا لبس ممتنعا لحاجة ثم وجد جائزا لزمه نزعه فورا وإلا أثم وفدى، والصبي كالبالغ في جميع ما ذكر ويأتي لكن الإثم على الولي والفدية في ماله; لأنه المورط له، نعم إن فَعَل به ذلك أجنبي كأن طيَّبه فالفدية على الأجنبي فقط. (ووجه المرأة) ولو أمة (٥) (كرأسه) أي الرجل؛ لنهيها عن الانتقاب، نعم عليها أن تستر منه ما لا يتأتى ستر رأسها إلا به. ولها أن تسدل على وجهها شيئا متجافيا عنه بنحو أعواد ولو لغير حاجة، فلو سقط فمس الثوب الوجه بلا اختيارها فإن رفعته فورا فلا شيء، وإلا فإن تعمدته أو أدامته أثمت وفدت. ويسن لها كشف كفيها. (ولها لبس المخيط) إجماعا (إلا القفاز) كالرجل وتلزمهما الفدية، وهو شيء يعمل لليد يحشى بقطن ويزر بأزرار على الساعد ليقيها من البرد والمراد هنا المحشو والمزرور وغيرهما (في الأظهر)؛ للنهي عنهما في الحديث الصحيح لكن أُعلَّ بأنه من قول الراوي. ولها لفُّ خرقة بشد أو غيره على يديها ولو لغير حاجة؛ إذ لا يشبه القفاز بل لو لفها الرجل على نحو يده أو رجله لم يأثم إلا أن يعقدها
стр. 567
الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ،
أو يشدها أو يخيطها. وليس للخنثى ستر وجهه بمخيط (١) ولا بغيره مع رأسه في إحرام واحد (٢)؛ لتيقن سبب التحريم والفدية حينئذ وإلا فلا، وعليه فتلزمه أيضا لو ستر وجهه ولبس المخيط في إحرام واحد، نعم لو ستر رأسه ثم اتضح بالذكورة أو وجهه ثم اتضح بالأنوثة لم تلزمه؛ لعدم علمه بالتحريم حال فعله.
(الثاني استعمال) مؤثر بأن يلصق نحو الطيب الآتي ببدنه أو نحو ثوبه على الوجه المعتاد فيه (٣)، وأن يحتوي على مجمرة أو يقرب منها ويعلق ببدنه أو ثوبه عين البخور لا أثره (الطيب) وهو ما ظهر منه غرض التطيب وقصد منه غالبا (في ثوبه) أي ملبوسه ولو نعلا -كأن يشد نحو مسك بطرفه أو يجعله في جيبه أو يلبس حليا محشوا به لم يصمّت- إن علق به شيء من عين الطيب؛ للنهي الصحيح عن لبس ما مسه ورس أو زعفران. ومن الطيب كافور وعنبر وعود ونيلوفر (٤) وبنفسج وريحان (٥) ودهن نحو أترج (٦) بأن أغلي فيه بخلاف نحو أترج وتفاح وعصفر وحناء وقرنفل وسائر الأبازير الطيبة الرائحة; لأن القصد منها الدواء، وإصلاح الأطعمة غالبا (أو بدنه) كالثوب سواء ظاهر البدن وباطنه (٧) كأن أكل ما ظهر (٨) فيه طعم الطيب المختلط به أو ريحه -لا لونه- أو احتقن أو استعط به. وليس من الاستعمال حمل نحو مسك في نحو خرقة مشدودة بخلاف حمل نحو فارة مسك مشقوقة الرأس أو قارورة
стр. 568
وَيَحْرُمُ دَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخَطْمِيّ
مفتوحة الرأس، ولا أثر لعبق ريح من غير عين. ولو خفيت رائحته (١) كثمر الحناء فإن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت حرم وإلا فلا، نعم شرط التطيب بالرياحين أن يأخذها بيده ويشمها أو يضع أنفه عليها للشم.
[تنبيه] شرط الإثم في المحرمات كلها العقل -إلا السكران المتعدي بسكره- وعِلْم الإحرام والتحريم أو التقصير في التعلم والتعمد والاختيار، وكذا في الفدية إلا نحو الحلق أو الصيد; لأنهما إتلاف محض. ويلزم ناسيا تذكر وجاهلا علم ومكرها زال إكراهه إزالته فورا وإلا لزمته الفدية، نعم يشترط هنا أيضا العلم بأن الممسوس طيب يعلق وإلا فلا فدية كأن ظنه يابساً لا يَعْلَق فعلق. (ويحرم) على الرجل (دَهن) بأي دهن، ولو غير مطيب (شعر) ولو دون ثلاث شعرات إن كان مما يقصد به التزين (الرأس أو) الوجه كـ (اللحية) -إلا شعر الخد (٢) والجبهة؛ إذ لا تقصد تنميتهما بحال- من نفسه (٣) ولو أصوله؛ إذ محلوقها كغيره بخلاف رأس أقرع وأصلع وذقن أمرد وبقية شعور البدن فلا يحرم دهنها بما لا طيب فيه; لأنه لا يقصد به تزيينها.
[تنبيه] ينبغي التحرز عن تلويث الشارب والعنفقة بالدهن عند أكل اللحم ؛ لما مرّ أنه مع العلم والتعمد حرام فيه الفدية. (ولا يكره غسل رأسه وبدنه بخطمي) ونحو سدر; لأنه لإزالة الوسخ، نعم الأولى ترك ذلك حتى في ملبوسه ما لم يفحش وسخه، وليترفق عند غسل رأسه؛ لئلا ينتتف شيء من شعره. ويكره الاكتحال بنحو إثمد لا طيب فيه لغير عذر; لأن فيه زينة لا بنحو توتيا (٤).
стр. 569
الثَّالِثُ: إزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفْرِ، وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعَامٍ،
(الثالث إزالة الشعر) ولو من غير رأسه (١)؛ قياسا عليه (أو الظفر) أي شيء من أحدهما من نفسه، وإن قلَّ حتى بنحو شرب دواء مزيل مع العلم والتعمد؛ لقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ البقرة: ١٩٦، وقيس عليه شعر بقية البدن والظفر، نعم له قطع شعر نبت داخل جفنه وتأذى به ولو أدنى تأذٍّ، وقطع ما غَطَّى عينيه مما طال من شعر حاجبيه أو رأسه كدفع الصائل، وما انكسر من ظفره وتأذى به كذلك ولا فدية كما لو قطع أصبعه وعليها شعر أو ظفر أو كشط جلدته أو جلدة رأسه وعليها شعر؛ للتبعية، ولذا استوى المعذور وغيره. وخرج بـ ((مِن نفسه)) إزالته من غيره فإن كان حلالا فلا شيء لكن إن كان بغير إذنه أثم وعُزِّر أو مُحْرِمَاً لم يدخل وقت تحلله بإذنه حرم عليهما والفدية على المحلوق; لأنه المترفه مع إذنه بخلاف ما لو كان نائما أو مكرها أو غير مكلف فعلى الحالق وللمحلوق مطالبته بإخراجها; لأن نسكه يتم بأدائها، وله إخراجها عن الحالق لكن بإذنه كالكفارة. ولو أمر غيره بحلق رأس محرم فالفدية على الآمر إن عذر المأمور وإلا فهي على المأمور، والآمر هنا طريق في الضمان بخلافه في الحالة السابقة حين عذر المأمور فقط فالمأمور ليس طريقا في الضمان، ولو عذرا فهي على الحالق؛ لأنه المباشر. (وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار) أو بعض من كل منهما فأكثر إن اتحد محل الإزالة وزمنها عرفا وإن كان المزال جميع شعر الرأس والبدن وأظفار اليدين والرجلين فلا تتعدد الفدية; لأنه حينئذ يعد فعلا واحدا؛ لقوله تعالى ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ البقرة: ١٩٦، أي فحلق شعرا له ففدية، وإذا وجبت مع العذر فمع غيره أولى، ومن ثم لزمت هنا -كالصيد- نحو ناسٍ وجاهل وولي صبي مميز بخلاف نحو مجنون ومغمى عليه وغير مميز; لأن هؤلاء لا ينسبون لتقصير بوجه. أما إذا اختلف محل الإزالة أو زمنها عرفا فيجب في كل شعرة أو بعضها أو ظفر كذلك مد كما يأتي. (والأظهر أن في الشعرة) أو الظفر أو بعض كلٍّ (مد طعام).
стр. 570
وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّيْنِ وَلِلْمَعْذُورِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ.
الرَّابِعُ: الجِمَاعُ وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا الحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ،
(وفي الشعرتين) أو الظفرين أو بعضهما (مدين)؛ لعسر تبعيض الدم والشارع عدّل الحيوان بالطعام والشعرة أو بعضها النهاية في القلة والمد أقل ما وجب في الكفارات فقوبلت به، وأُلحق بها الظفر، ولا يجب غير المد في الشعرة والمدين في الشعرتين (١)، ولا فرق في ذلك بين أن يختار دماً أوْ لا، (وللمعذور) بأن آذاه الشعر إيذاء لا يحتمل عادة لنحو قمل فيه أو مرض أو حر أو وسخ (أن يحلق) أو يزيل ما يحتاج لإزالته من رأسه وغيره وكذا له قلم ظفر احتاج إليه (ويفدي)؛ لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ البقرة: ١٩٦ .. الآية، نزلت فيمن آذاه هوام رأسه فأمره ﷺ بالحلق ثم بالفدية الآتية.
[تنبيه] كل محظور أبيح للحاجة فيه الفدية إلا إزالة نحو شعر العين، وإلا نحو لبس السراويل والخف المقطوع فيما مر؛ احتياطا لستر العورة ووقاية للرِّجل من نحو النجاسة، وكل محظور بالإحرام فيه الفدية إلا عقد النكاح.
(الرابع الجماع) ولو في دبر بهيمة ولو بحائل إجماعا. ويحرم على الحليلة الحلال تمكينه; لأن فيه إعانة على معصية، وعلى الزوج الحلال مباشرة مُحْرِمة يمتنع عليه تحليلها، وتحرم أيضا مقدماته كقبلة ونظر ولمس بشهوة ولو مع عدم إنزال أو بحائل لكن لا دم مع انتفاء المباشرة وإن أنزل ويجب بها وإن لم ينزل، نعم إن جامع بعدها -وإن طال الفصل- دخلت فديتها في واجب الجماع سواء المفسد وغيره، والاستمناء بنحو يده لكن إنما تجب به الفدية إن أنزل. ويستمر تحريم ذلك كله إلى التحلل الثاني (٢)، (وتفسد به) أي الجماع من عامد عالم مختار وهما واضحان (العمرة) المفردة ما بقي شيء منها، (وكذا الحج قبل التحلل الأول) -؛ لإفتاء ابن عباس ﵄ ولم يعرف له مخالف -بخلاف ما إذا تحلله وإن كان قارنا ولم يأت بشيء من أعمال العمرة; لأنها تقع تبعا له.
стр. 571
وَتَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، وَالمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَالْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ
(وتجب) على الرجل إن كان زوجا محرما مكلفا وإلا فعليها (١) حيث لم يكرهها كما لو زنت أو مكَّنت غير مكلف (به) أي الجماع المفسد والفور هنا واجب ككل فدية تعدى بسببها (بدنة)؛ لقضاء جمع من الصحابة ﵃ بها ولا يعرف لهم مخالف، والبدنة بعير يجزئ في الأضحية فإن عجز فبقرة فإن عجز فسَبْع شياه فطعام يجزئ فطرة بقيمة البدنة بسعر مكة حالة الأداء (٢) فإن عجز صام عن كل مد يوما ويكمل المنكسر. وخرج بالمفسد الجماع بين التحللين والجماع الثاني بعد الجماع المفسد فيجب بكل منهما شاة كاللبس، ولذا تكررت بتكرر أحد هذين، (والمضي في فاسده (٣) فيأتي بما كان يأتي به قبل الجماع ويجتنب ما كان يجتنبه قبله، فلو فعل فيه محظورا لزمته فديته، (والقضاء (٤) فإن أفسد ذلك القضاء لم يقضه بل يقضي الأول إذ المقضي واحد (وإن كان نسكه تطوعا) ككونه من صبي مميز أو قن; لأنه يلزم بالشروع فيه. ويتأدى بالقضاء ما كان يتأدى بالأداء لولا الفساد من فرض أو غيره ويلزمه أن يحرم فيه مما أحرم منه بالأداء من ميقات أو قبله وكذا من ميقات جاوزه ولو غير مريد للنسك، والمراد مثل مسافة ذلك، ولا يلزمه رعاية زمن الأداء ولو أجيرا؛ إذ الأجير يقع القضاء عنه لا عن الميت (والأصح أنه على الفور)؛ لتعديه بسببه، والفور في العمرة ظاهر وفي الحج يتصور في سنة الفساد بأن يحصر قبل الجماع فيجامع ثم يتحلل أو يحصر بعد الجماع فيتحلل ثم يزول الإحصار والوقت باقٍ، فإن لم يمكن في سنة الإفساد تعين في التي تليها وهكذا. ولو جامع مميز أو قن أجزأه القضاء في الصبا والرق.
стр. 572
الخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُلِّ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ. قُلْتُ: وَكَذَا المُتَوَلِّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ،
(الخامس اصطياد كل) حيوان (مأكول) مباحا أو مملوكا (١) (برّي) متوحش جنسه وإن استأنس هو كدجاج الحبشة، قال تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ المائدة: ٩٦ أي التعرض له بوجه من وجوه التلف أو الإيذاء ولو بالإعانة أو الدلالة لحلال كالتنفير سواء له أو لجزءٍ من أجزائه كلبنه وريشه وبيضه غير المذر، نعم يُضْمَن بيض النعامة ولو كان مذرا؛ لأن قشره متقوم، ولو كسره عن فرخ فمات وجب مثله من النعم أو طار وسلم لم يجب شيء (٢). ولو نفَّره عن بيضه أو أحضن بيضه دجاجة ضمنه حتى لو تفرخ كان من ضمانه حتى يمتنع بطيرانه أو سعيه ممن يعدو عليه (٣)، نعم يجوز تنفير الحيوان إن كان ثمة ضرورة كأن كان يأكل طعامه أو ينجس متاعه بما ينقص قيمته (٤) ولا يضمنه. وخرج بالمأكول غيره إذ منه ما فيه نفع وضرر كقرد وصقر فيباح قتله، ومنه ما لا يظهر فيه نفع ولا ضرر كسرطان فيكره قتله، نعم مرّ في كلب كذلك أنه محترم فيحرم قتله، ومنه مؤذ فقد يحرم قتله كالنمل الكبير والنحل والخطاف والهدهد والصرد، وقد يجب (٥) ككلب عقور وخنزير يعدو، وقد يندب قتله كنمر ونسر وكالفواسق الخمس وكالنمل الصغير والقمل، نعم يكره التعرض لقمل شعر اللحية والرأس خوف الانتتاف، ويسن فداء الواحدة ولو بلقمة. وخرج بالبري البحري وهو ما لا يعيش إلا في البحر; لأنه لا عِزَّ في صيده، بخلاف ما يعيش فيهما تغليبا للحرمة، وبالمتوحش الإنسي وإن توحش. وإذا أحرم وبملكه (٦) صيد أو نحو بيضه -ولم يتعلق به حق لازم كرهن- زال ملكه عنه ولزمه إرساله ولو بعد التحلل؛ إذ لا يعود به الملك، (قلت: وكذا) يحرم (المتولد منه ومن غيره والله أعلم) بأن يكون أحد أصليه وإن علا برِّيا وحشيا مأكولا والآخر ليس فيه هذه الثلاثة جميعها أو مجموعها.
стр. 573
وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الحَرَمِ عَلَى الحَلَالِ، فَإِنْ أَتْلَفَ صَيْدًا ضَمِنَهُ
(ويحرم ذلك) سواء كان الصائد وحده أو المصيد وحده أو الآلة كالشبكة وحدها (في الحرم) المكي، نعم يكفي في الصائد القائم كون ما اعتمد عليه من الرجلين أو إحداهما -وإن اعتمد على الأخرى- أو مستقر غير القائم في الحرم وإن كان ما عداه في هواء الحل (١)، ومثله في ذلك المصيد الذي بعضه في الحل وبعضه في الحرم لكن إن أصاب منه ما في الحل أما إن أصاب ما في الحرم فيضمنه مطلقا. ولو (على الحلال) إجماعا، فعُلم أنه لو رمى مَن في الحل صيدا بالحل فمر السهم بالحرم حرم بخلاف نحو الكلب وإن قتله في الحرم إلا إن تعين الحرم طريقا أو مفرّا له، ولو سعى من الحرم إلى الحل فقتله لم يضمنه بخلاف ما لو رمى من الحرم؛ لأن ابتداء الاصطياد من حين الرمي. ولو أخرج يده من الحرم ونصب شبكة بالحل فتعقل بها صيد لم يضمنه بخلاف ما لو أخرج من بالحرم يديه إلى الحل ثم رمى صيدا فيضمنه (٢)؛ لاتصال أثره به. ولو كان محرما أو بالحرم عند ابتداء الرمي دون الإصابة أو عكسه ضمن تغليبا للتحريم، ومثله ما لو نصب شبكة مُحْرِمَاً للاصطياد بها ثم تحلل فوقع الصيد بها؛ لتعديه بخلاف عكسه. ولو أدخل معه الحرم صيدا مملوكا تصرف فيه بما شاء; لأنه صيد حلٍّ، (فإن أتلف) أو أزمن المحرم أو من بالحرم أو تلف تحت يده (صيدا) في الحرم أو في الحل، أو أتلف من بالحل صيدا في الحرم (ضمنه) وإن كان كافرا أو جاهلا أو ناسيا أو مخطئا مع قيمته لمالكه إن كان مملوكا؛ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ المائدة: ٩٥ .. الآية ﴿مِنْكُمْ﴾ و ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ جري على الغالب، نعم إن قتله دفعا لصياله عليه أو لعموم الجراد للطريق ولم يجد بدّا من وطئه أو باض أو فرخ بنحو فرشه ولم يمكنه دفعه إلا بتنحيته عنه ففسد بها أو كسر بيضة فيها فرخ له روح فطار وسلم أو أخذه من فم مؤذ ليداويه فمات في يده لم يضمنه كما لو انقلب عليه في نومه أو أتلفه غير مميز (٣).
[تنبيه] يتحصل أن جهات ضمان الصيد ثلاث: مباشرة وتسبب ويد فالمباشرة ما أثّر في التلف وحصَّله (٤) وإن أكره لكنه يرجع على آمره، والتسبب ما أثر في التلف فقط، وهو هنا
стр. 574
فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ، وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ، وَالْغَزَالِ عَنْزٌ، وَالْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، ..
شامل للشرط الذي هو ما لم يؤثر في التلف ولا حصله (١) بأن لم يقصد العين بالكلية، ومن مثله أن ينصب حلال شبكة أو يحفر بئرا ولو بملكه بالحرم أو ينصبها محرم حيث كان فيتعقل بها صيد ويموت أو يحفر تعديا، أو يرسل كلبا ولو غير معلم (٢) أو يحل رباطه أو ينحل بتقصيره -وإن لم يرسله- فيتلف صيدا أو ينفِّره فيتعثر ويموت أو يأخذه سبع أو يصدمه نحو شجرة وإن لم يقصد تنفيره -ولا يخرج عن عهدة تنفيره حتى يسكن- أو يزلق بنحو بول مركوبه في الطريق (٣)، وأما اليد فكأن يضعها عليه بعقد أو غيره كوديعة فيأثم ويضمنه كالغاصب ويلزمه رده لمالكه. ولو أتلفته دابة معها راكب وسائق وقائد ضمنه الراكب وحده; لأن اليد له دونهما. ومذبوح المحرم مطلقا (٤) ومن بالحرم لصيد لم يضطر أحدهما لذبحه ميتة عليه وعلى غيره وكذا محلوبه وبيض كسره وجراد قتله (٥)، أما لو اضطر فيحل له ولغيره (٦). وله أكل لحم صيد لم يصد له ولا أعان أو دلّ عليه ولو بطريق خفي كأن ضحك فتنبه الصائد له.
ثم الصيد إما له مثل من النعم صورة وخلقة على التقريب بأن حكم بذلك النبي ﷺ أو عدلان بعده، أو لا مثل له وفيه نقل، وأما ما لا مثل له ولا نقل فيه.
فالأول بقسميه يضمن بمثله أو بما نُقل فيه (ففي النعامة) الذكر والأنثى (بدنة وفي بقر الوحش وحماره بقرة) أي في الذكر ذكر وفي الأنثى أنثى ويجوز عكسه (والغزال) يعني الظبية (عنز) وهي أنثى المعز التي تم لها سنة، وأما الظبي ففيه تيس ويجوز عكسه. وأما الغزال وهو ولد الظبي إلى طلوع قرنه -ثم هو ظبي أو ظبية- ففي أنثاه عناق وفي ذكره جدي أو جفر (و الأرنب) أي أنثاه (عناق) وهو ما لم يبلغ سنة من أنثى المعز، وفي ذكره ذكر في سن العناق الآتي ويجوز عكسه.
стр. 575
وَالْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ. وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلَانِ. وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ. وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الحَرَمِ الَّذِي لَا يُسْتَنْبَتُ،
(و اليربوع) أي أنثاه (جفرة) وهي أنثى المعز التي تفطم وتفصل عن أمها فتأخذ في الرعي ويكون ذلك بعد أربعة أشهر، وفي ذكره جفر ويجوز عكسه، والوبْر كاليربوع في حكمه. ودليل ما مر أن جمعا من الصحابة حكموا به. وصح خبر ((أن الضبع فيه كبش)) فيدل على جواز فداء الأنثى بالذكر؛ لأن الضبع أنثى والكبش ذكر الضأن. (وما لا نقل فيه) ولو بحكم مجتهد واحد مع سكوت الباقين (يحكم بمثله) من النعم (عدلان)؛ للآية، ويجب كونهما فطنين فقيهين بما لا بد منه في الشبه حُرَّين ذكرين، ولا يؤثر كون أحدهما أو كل منهما قاتله إن لم يفسق بقتله -؛ لتعمده- أو تاب؛ إذ لا يشترط هنا استبراء. ولو حكم اثنان بمثل وآخران بنفيه كان مثليا أو بمثل آخر تخير.
[تنبيه] العبرة في المماثلة بالخلقة والصورة تقريبا لا تحقيقا ، أما حكم الصحابة في الحمام ونحوه من كل ما عب وهدر بالشاة فلتوقيف بلغهم، نعم تجب رعاية الأوصاف إلا الذكورة والأنوثة، وإلا النقص فيجزئ الأعلى عن الأدنى وهو أفضل ولا عكس، ولا يجزئ معيب عن معيب إلا إذا اتحدا عيبا، وإن اختلف محله كأعور يمين بأعور يسار، ولا يجزي كثير العور عن قليله. ولا يشترط الاستواء في القيمة أو السن.
والثاني يضمن ببدله كما قال: (وفيما لا مثل له) مما لا نقل فيه كالجراد والعصافير (القيمة) بمحل الإتلاف أو التلف بقول عدلين كما حكمت الصحابة ﵃ بها في الجراد.
(ويحرم) ولو على الحلال (قطع) وقلع (نبات الحرم) وإن نقل إلى الحل بل يحرم قطع الذي نبت في الحلّ وكان نواه من الحرم (الذي لا يستنبت (١) من الناس بأن نبت بنفسه شجرا كان -وإن كان بعض مغرسه في الحل- أو حشيشا رطبا إجماعا؛ للنهي عنه، نعم يجوز أخذ ورق من غير خبط يضر بالشجر، وقطع غصن يخلف مثله قبل مضي سنة كاملة ولو من محل قريب منه بحيث يعدّ عرفا أنه خلف له، ويُكْتَفَى في المثلية بالعرف المبني على تقارب الشبه، فإن لم يخلف قبل ذلك وجبت القيمة، نعم عود السواك ونحوه يجوز أخذه اتفاقا. أما اليابس
стр. 576
وَالْأَظْهَرُ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ وَبِقَطْعِ أَشْجَارِهِ فَفِي الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ قُلْت: وَالمُسْتَنْبَتُ كَغَيْرِهِ عَلَى المَذْهَبِ. وَيَحِلُّ الْإِذْخِرُ، وَكَذَا الشَّوْكُ كَالْعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ،
فيجوز قطعه -شجرا أو حشيشاً-، وكذا قلع الشجر، لا الحشيش; لأنه ينبت إذا أصابه ماء، ومن ثم لو علم فساد منبته من أصله جاز قلعه. (والأظهر تعلق الضمان به) أي الحشيش (وبقطع أشجاره) كصيده. ويسقط ضمان شجرة بردها إليه إذا نبتت ولو بغير منبته، (ففي) الحشيش القيمة ما لم يقطعه فيخلف ولو بعد سنين (١) فلا يضمن كسن غير المثغور، ومر أن الغصن يضمن إن لم يخلف بعد سنة، أما الشجرة إذا أخذت من أصلها فتضمن وإن أخلفت قبل السنة والفرق بين الشجر والحشيش أن الأول يحتاط له أكثر. وفي قلع أو قطع (الشجرة الكبيرة) عرفا -وإن لم يتناه نموها- (بقرة) تجزئ في الأضحية، وتجزئ البدنة هنا أيضا بخلافه في جزاء الصيد; لأن المدار فيه على المماثلة (و الصغيرة) وهي ما لم يسمَّ كبيرة (٢)، وأقلها ما يقرب من سُبُع الكبيرة، فإن صغرت جدا ففيها القيمة (شاة) تجزئ في الأضحية (٣)؛ لما رواه الشافعي ﵁ عن ابن الزبير (قلت: والمستنبت) من الشجر الحرمي -بأن يأخذ غصنا من حرمية ويغرسه في محل آخر من الحرم أو غيره ولو ملكه- (كغيره على المذهب) ففيه الإثم إن تعمد وبقرة أو شاة، أما المستنبت في الحرم مما أصله في الحل فلا شيء فيه. وخرج بالشجر غيره فلا يحرم مستنبته كشعير وبر وسائر القطاني (٤) والخضروات كالبقل فيجوز قطعها وقلعها اتفاقا. (ويحلُّ الإذخر) قطعا وقلعا ولنحو البيع (٥)؛ لاستثناء الشارع له، (وكذا) قطع وقلع المؤذي، ومنه غصن شوك انتشر وآذى المارة، و (الشوك) أي شجره (كالعوسج وغيره) وإن لم يكن نابتا في الطريق (عند الجمهور) كالصيد الصائل (٦)،
стр. 577
وَالْأَصَحُّ حِلُّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ وَلِلدَّوَاءِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَصَيْدُ المَدِينَةِ حَرَامٌ، وَلَا يُضْمَنُ فِي الجَدِيدِ
(والأصح حِلّ أخذ نباته) -أي نابته- الحشيش لا الشجر (١) قلعا أو قطعا (٢) (لعلْف البهائم) التي عنده (٣) ولو للمستقبل إلا إن كان يتيسر أخذه كلما أراده، وذلك كما يحل تسريحها في شجره وحشيشه (والدواء) بعد وجود المرض -ولو للمستقبل- لا قبله (٤) ولو بنية الاستعداد له (والله أعلم)؛ للحاجة إليه، ومِن ثَمَّ جاز قطعه لنحو التسقيف به كالإذخر، ولا يجوز أخذه لبيعه ممن يعلف به.
[فرع] يحرم أيضا إخراج شيء من تراب الحرم الموجود فيه ما لم يعلم أنه من الحِل، أو ما عُمِل منه -كأواني الخزف-، أو من أحجاره إلى الحل أو حرم آخر ولو بنية رده إليه فيلزمه رده إليه وإن انكسر الإناء، وبالرد تنقطع الحرمة، ويكره فقط إدخال شيء من تراب أو حجر الحل إلى الحرم. (وصيد) حرم (المدينة) ونباته ونحو ترابه (حرام)؛ للأخبار الصحيحة، وحدّه عرضا ما بين اللابتين (٥) وطولا من عَير إلى ثور كما صحّ به الخبر، (ولا يضمن) بشيء (في الجديد)؛ لأنه يحل دخوله بغير إحرام فكان كوَجّ الطائف (٦) في حرمة ذلك من غير ضمان؛ إذ ورد النص فيه.
واعلم أن دماء النسك أربعة: دم ترتيب وتقدير -أي قدر الشارع بدله صوما لا يزيد ولا ينقص- ودم ترتيب وتعديل -أي أمر الشارع بتقويمه والعدول لغيره بحسب القيمة فهو مقابل التقدير- ودم تخيير تقدير، ودم تخيير وتعديل.
стр. 578
وَيَتَخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ المِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ والتَّصَدُّقِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الحَرَمِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَوَّمَ المِثْلُ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِها طَعَامًا لَهُمْ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَغَيْرُ المِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ، وَيَتَخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الحَلْقِ بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ،
(و) هو دم الصيد والنبات فـ (يتخير في الصيد المثلي بين ذبح) -لا إخراجه حيّا- (مثله) في الحرم ما لم يكن الصيد حاملا فيتصدق بقيمة المثل حاملا فقط، وفي حكم ماله مثلٌ ما لا مثل فيه وفيه نقل كالحمامة (والتصدق به) جميعه (على) ثلاثة -يفرقه عليهم أو يملّكهم جملته ولو قبل سلخه متساويا أو متفاوتا- من (مساكين) أو فقراء (الحرم) أي الموجودين فيه حالة الإعطاء، لكن المستوطن أولى ما لم يكن غيره أحوج، (وبين أن يقوّم) بالنقد الغالب في الحرم (المثلُ) لا الصيد، ويعتبر في التقويم عدلان عارفان وإن كان أحدهما قاتله حيث لم يفسق نظير ما مر كـ (دراهمَ) غلبت، ولو اختلفت القيمة باختلاف بقاع الحرم جاز اعتبار أقلها؛ لأنه لو ذبح بذلك المحل أجزأه (ويشتري بها) يعني يُخرِج ما يساويها (طعاما (١) يجزئ في الفطرة بسعر مكة (لهم) بأن يتصدق به عليهم (٢)، فإن أحرم الصائدُ أحد المساكين الثلاثة غرم له أقل ما يصدق عليه الاسم. وحيث وجب صرف الطعام إليهم -في غير دم التخيير والتقدير- لا يتعين لكلٍّ منهم مد بل يجوز دونه وفوقه، (أو يصوم) المسلم، والأولى كونه في الحرم (عن كل مد) تامٍ أو منكسرٍ (يوما، وغير المثلي) مما لا نقل فيه (يتصدق بقيمته) بموضع وزمن الإتلاف أو التلف (طعاما أو يصوم. و) أما الثالث وهو دم التخيير والتقدير فهو واجب في الحلق والقلم واللبس والستر والطيب والدهن والتمتع بغير جماع والوطء غير المفسد، فحينئذٍ (يتخير في فدية) نحو (الحلق بين ذبح شاة) تجزئ في الأضحية أو سُبُع بدنة أو بقرة كذلك (٣) وتمليكها لثلاثة فأكثر ممن مر.
стр. 579
وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الدَّمَ فِي تَرْكِ المَأْمُورِ كَالْإِحْرَامِ مِنَ المِيقَاتِ دَمُ تَرْتِيبٍ، فَإِذَا عَجَزَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَيَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ. وَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ، وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ،
(والتصدق بثلاثة آصع لستة مساكين) أو فقراء بالحرم لكل واحد نصف صاع وجوبا (وصوم ثلاثة أيام)؛ لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ البقرة: ١٩٦ .. الآية مع الحديث المبين لها، وقيس غير المعذور عليه في التخيير. (و) أما الأول أعني دم الترتيب والتقدير فواجب في التمتع والقران كما مر، والفوات كما يأتي، وترك مبيت مزدلفة أو منى، والرمي، وطواف الوداع، والإحرام من الميقات، والركوب المنذور، والمشي المنذور. ومعنى التقدير في هذه السبعة الأخيرة أنه إذا عجز عن الذبح صام ثلاثة أيام في الحج إن تُصُوِّرَ كالثلاثة الأخيرة، وإلا -كالثلاثة التي قبلها- صامها عقب تركها وسبعة بوطنه. وجرى في المتن على خلاف المعتمد فقال: (الأصح أن الدم في ترك المأمور كالإحرام من الميقات) وغيره من تلك السبعة (دم ترتيب) وتعديل (فإذا عجز اشتري) يعني أخرج (بقيمة الشاة طعاما وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد) أو بعضه (يوما. ودم الفوات كدم التمتع) في الترتيب والتقدير وسائر أحكامه السابقة; لأن موجب دم التمتع ترك الإحرام من الميقات فترك النسك كله أولى (ويذبحه) في أحد وقتي جوازه ووجوبه لا قبلهما، فالأول يدخل بدخول وقت الإحرام بالقضاء من قابل والثاني يدخل بالدخول (في حجة القضاء)؛ لفتوى عمر ﵁ بذلك. ولا يجوز تقديم صوم الثلاثة على الإحرام بالقضاء.
وأما الثاني -أي دم الترتيب والتعديل- فهو دم الجماع وقد مر ودم الإحصار وسيأتي.
(والدم الواجب بفعل حرام) باعتبار أصله وإن لم يكن حال الفعل حراما كحلق أو لبس لعذر (أو ترك واجب) أو بتمتع أو قران، ومثله الدم المندوب لترك سنة متأكدة كصلاة ركعتي الطواف، وترك الجمع بين الليل والنهار بعرفة (لا يختص بزمان)؛ لأن الأصل عدم التأقيت لكن يسن فعله في وقت الأضحية، نعم إن عصى بسببه لزمه الفورية، (ويختص ذبحه) جوازا وأجزاء حيث لا حصر (بالحرم في الأظهر)؛ لقوله تعالى ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ المائدة: ٩٥.
стр. 580
وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إلَى مَسَاكِينِهِ. وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ لِذَبْحِ المُعْتَمِرِ المَرْوَةُ، وَالحَاجِّ مِنًى، وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنْ هَدْيٍ مَكَانًا. وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
(ويجب صرف) جميع أجزائه كـ (لحمه) وبدل ما له بدل من ذلك (إلى) ثلاثة من (مساكينه) وفقرائه، وهذا من حيث الصرف؛ لأن فيه إعظاما للحرم بتفرقة اللحم فيه، أما الذبح في الحرم فمكروه. وتجب النية عند التفرقة ويجزئ تقدمها عليها بقيده، ولا تجب النية عند الذبح؛ لأنه وسيلة فقط (١). (وأفضل بقعة) من الحرم (لذبح المعتمر) عمرة منفردة عن حج قبلها أو بعدها (المروة، والحاج) إفرادا أو تمتعا أو قراناً (منى) ; لأنها محل تحللهما، (وكذا حكم ما ساقا من هدي) نذر أو تطوع (مكانا) -في الاختصاص والأفضلية-؛ للاتباع. (ووقته) أي ذبح هذا الهدي بقسميه حيث لم يعين في نذره وقتا (وقت الأضحية على الصحيح)؛ قياسا عليها، فلو أخرَّه حتى مضت أيام التشريق وجب ذبحه قضاء إن كان واجبا ووجب صرفه إلى مساكين الحرم وإلا فلا؛ لفواته. وخرج بـ ((ساقا)) ما ساقه الحلال فلا يختص بزمن كهدي الجبران، أما إذا عيَّن في نذره غير وقت الأضحية فيتعين (٢).
[فرع] يتأكد على قاصد الحج أو العمرة أن يصحب معه هديا وهو للحاج آكد (٣).
стр. 581
باب الإحصار والفوات
مَنْ أُحْصِرَ تَحَلَّلَ، وَقِيلَ لَا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ
(باب الإحصار والفوات)
(باب الإحصار) وهو المنع عن إتمام أركان الحج أو العمرة أو هما، فلو مُنع من الرمي أو المبيت لم يجز له التحلل; لأنه متمكن منه بالطواف والحلق ويقع حجه مجزئا عن حجة الإسلام، ويجبر كلّ من الرمي والمبيت بدم (والفوات) أي للحج؛ إذ العمرة لا تفوت إلا تبعا لحج القارن (مَن أحصر) أي مُنع عن المضي في نسكه ولم يجد طريقا آخر يمكنه سلوكه، فإن وجده ولو بحرا غلبت فيه السلامة ووجدت شروط الاستطاعة لزمه سلوكه وإن علم الفوات ويتحلل بعمرة، ويستوي في المانِع الكافر والمسلم وإن أمكنه قتاله أو بذل مال له (تحلل) جوازا؛ لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ البقرة: ١٩٦. والأولى للمعتمر وحاج اتسع زمن إحرامه الصبر إن رجا زوال الإحصار، نعم إن غلب على ظنه انكشاف العدو وإمكان الحج أو قبل ثلاثة أيام في العمرة امتنع تحلله؛ لقلة المشقة حينئذ، أما إذا خشي فوات الحج لو صبر فالأولى التحلل؛ لئلا يدخل في ورطة لزوم القضاء له. وشمل كلامه الحصر عن الوقوف دون البيت وعكسه لكن يلزمه في الأول أن يدخل مكة ويتحلل بعمرة، وفي الثاني أن يقف ثم يتحلل أي ما لم يغلب على ظنه انكشاف العدو قبل ثلاثة أيام، ولا قضاء فيهما على تفصيل فيه وفي لزوم دم الإحصار (١)، وتقدم أنه متى حاضت أو نفست قبل الطواف ولم يمكنها الإقامة للطهر -لنحو خوف على نفسها- أنها تسافر فإذا وصلت لمحل يتعذر وصولها منه لمكة تحللت بالنية والذبح والحلق، (وقيل لا تتحلل الشرذمة) القليلة، والأصح أن الحصر لخاص ولو لواحدٍ كأن حُبِس ظلما -ولو بدين يعجز عنه- كالعام، وفارق نحوُ المحبوسِ المريضَ بأن الحبس يمنعه إتمام نسكه حسا بخلاف المرض.
стр. 582
وَلَا تَحَلُّلَ بِالمَرَضِ، فَإِنْ شَرَطَهُ تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى المَشْهُورِ، وَمَنْ تَحَلَّلَ ذَبَحَ شَاةً حَيْثُ أُحْصِرَ. قُلْتُ: إنَّمَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالذَّبْحِ وَنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَكَذَا الحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، فَإِنْ فُقِدَ الدَّمُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ بَدَلًا وَأَنَّهُ طَعَامٌ بِقِيمَةِ الشَّاةِ،
(ولا تحلل) جائز بالأعذار التي لا تمنعه من إتمام نسكه حسّا، والمراد بها ما يشق معه مصابرة الإحرام مشقة لا تحتمل عادة كضلال الطريق ونفاذ النفقة، ومنها (بالمرض) إذا لم يشرطه بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان محرما بعمرة أتمها أو بحج وفاته تحلل بعمرة; لأن المرض لا يمنع الإتمام، (فإن شرطه) -أي التحلل بالمرض الذي يبيح ترك الجمعة- وقد قارنت نية شرطه الذي تلفظ به عقب نيةِ الإحرام نيةَ الإحرام بأن وجدت قبل تمامها (تحلل به على المشهور)؛ لقوله ﷺ لوجعة ((حِجِّي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني))، ثم إن شرط التحلل بهدي لزمه أو بلا هدي أو أطلق فلا. وله شرط انقلاب حجَّه عمرة عند نحو المرض وتجزئه حينئذ عن عمرة الإسلام. وخرج بشرط التحلل شرط صيرورته حلالا بنفس المرض فإنه يصير به حلالا من غير تحلل ولا هدي.
(ومن) أراد الـ (تحلل) ولو مبعضا ومع التحلل في نوبته (ذبح) وجوبا (شاة) تجزئ في الأضحية أو سُبُع بدنة أو بقرة كذلك؛ للآية السابقة ولو شرط التحلل بالحصر بلا دم. ويتعين الذبح لذلك ككل ما معه من دم وهدي (حيث أُحْصِر) أو مَرِض مثلا ولو في الحل وإن تمكن من طرف الحرم; لأنه ﷺ ((ذبح هو وأصحابه بالحديبية))، ويفرقه على مساكين ذلك المحل ثم مساكين أقرب محل إليه (١)، ويحرم نقله عنه إذا كان من الحل إلى غيره من الحل، نعم يسن له بعثه لما يقدر عليه من الحرم أو مكة، ولا يصير حلالاً حينئذٍ حتى يغلب على ظنه ذبحه بخبر من وقع في قلبه صدقه لا بمجرد طول الزمن، (قلت: إنما يحصل التحلل بالذبح ونية التحلل) مقارِنة للذبح; لأنه يكون لغير التحلل فاحتاج لِمَا يخصصه به، (وكذا الحلق إن جعلناه نسكا) وهو المشهور، ويجب قرن النية به وتقديم الذبح عليه، (فإن فقد الدم) حسا أو شرعا (فالأظهر أن له بدلا) كغيره (و أنه طعام) -مع الحلق والنية- يخرجه في مكان عذره; لأنه أقرب للحيوان من الصوم؛ لكونهما مالا (بقيمة الشاة) بالنقد الغالب ثَمَّ فإن لم يكن به ذلك فأقرب البلاد إليه.
стр. 583
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَلَهُ التَّحَلُّلُ فِي الحَالِ فِي الْأَظْهَرِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِلَا إذْنٍ فَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ. وَلِلزَّوْجِ تَحْلِيلُهَا مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ،
(فإن عجز عنه صام) حيث شاء (عن كل مد يوماً)، ويصوم عن المنكسر يوما أيضا، (وله التحلل) بالحلق مع النية (في الحال) من غير توقف على الصوم (في الأظهر والله أعلم)؛ لتضرره ببقاء إحرامه إلى فراغ الصوم. (وإذا أحرم العبد) ولو مكاتبا (بلا إذن) في الإحرام ولا في المضي، أو بعد الإذن لكن قبل دخول وقته الذي عيَّنه له لا بعده -ومثله ما لو أذن له في الإحرام من مكان بعيد فأحرم قبله أو أبعد منه (١) - أو بعد رجوعه عن الإذن قبل إحرامه وإن لم يعلم بالرجوع لكن لا يقبل (٢) قوله فيه بل لا بد من بينة به (فـ) للعبد التحلل وإن لم يأذن له سيده، و (لسيده) والمراد مالك منفعته (تحليله) أي أمره بالحلق (٣) مع النية؛ صيانة لحقه، والأولى للسيد أن يأذن له في الإتمام، وله إذا لم يمتثل أمره أن يفعل به المحظور، والإثم على العبد فقط؛ إذ لا يزول إلا بما مر من الحلق مع النية. وليس له تحليل مبعض بينهما مهايأة وامتدت نوبته إلى فراغ نسكه، ولا من أذن له في حج فاعتمر أو قرن; لأنه لم يزد على المأذون له فيه بخلاف من أذن له في عمرة فحج، (وللزوج تحليلها) أي زوجته ولو أمة أذن لها سيدها (مِن حج) أو عمرة (تطوع لم يأذن (٤) لها (فيه (٥)؛ لئلا يفوت تمتعه، ومن ثم أثمت بذلك بخلاف ما إذا أذن؛ لرضاه بالضرر. والتحليل هنا الأمر بالتحلل كما مر في السيد لكنه في الحرة يكون بالذبح مع ما مر في المحصر، فإن أبت وطئها والإثم عليها. وليس لها أن تتحلل حتى يأمرها به، وليس له تحليل رجعية، نعم له حبسها كالبائن لانقضاء عدته.
стр. 584
وَكَذَا لَهُ مِنْ الْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا قَضَاءَ عَلَى المُحْصَرِ المُتَطَوِّعِ، فَإِنْ كَانَ فَرْضاً مُسْتَقِرّاً بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍ اعْتُبِرَتِ الإِسْتِطَاعَةُ بَعْدُ،
(وكذا له من الفرض) وإن كان محرما وإن طال (١) زمن إحرامه على إحرامها وإن لم تأثم بذلك؛ إذ يسن للحرة استئذانه (في الأظهر)؛ لأن حقه فوري وأصل الحج على التراخي. وشمل الفرض النذر -ما لم يكن قبل النكاح أو بعده بإذنه- وشمل أيضا القضاء الذي لزمها (٢) لا بسبب من جهته.
[تنبيه] يجوز للزوج (٣) إن حرَّمنا على الزوجة الإحرام بغير إذنه (٤) وطء الأمة والزوجة قبل الأمر بالتحلل ؛ لأن فعلها ليس محترما. (ولا قضاء على المحصر المتطوع) وإن اقترن به فوات الحج؛ إذ لم يَرِد الأمر به، نعم قد يلزمه للفوات الغير ناشئ عن الحصر كأن أخرَّ التحلل من الحج مع إمكانه من غير رجاء أمن حتى فاته، أو فاته ثم أحصر، أو زال الحصر والوقت باق ولم يتحلل ومضى في النسك ففاته، أو سلك طريقا آخر مساويا للأول ففاته الوقوف، (فإن كان فرضا مستقرا) عليه كحجة الإسلام بعد أولى سِنِي الإمكان، وكنذر قدر عليه قبل عام الحصر، ومثلهما قضاء ونذر معين في عام الحصر (بقي في ذمته) كما لو شرع في صلاة مفروضة ولم يتمها، (أو غير مستقر) كحجة الإسلام في أولى سني الإمكان (اعتبرت الاستطاعة بعد) زوال الإحصار، نعم الأولى له أن يحرم بعد زوال الإحصار إن بقي من الوقت ما يسع الحج، ولا يجب وإن استقر الوجوب بمضيه، نعم يلزم بعيد الدار (٥) الإحرام في هذا العام إذا غلب على ظنه أنه لو أخرّ عجز عن الحج فيما بعد.
стр. 585
وَمَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ. وَفِيهِمَا قَولٌ. وَعضلَيهِ دَمٌ وَالقَضَاءُ.
(ومن فاته الوقوف تحلل) فورا وجوبا؛ لئلا يصير محرما بالحج في غير أشهره، فلو استمر على إثمه ببقاء إحرامه إلى العام القابل لم يجزئه؛ لأن إحرام سنة لا يصلح لإحرام سنة أخرى، ثم إن لم يمكنه عمل عمرة تحلل بما مر في المحصر، وإن أمكنه وجب، وله تحللان: أولهما يحصل بواحد من الحلق أو الطواف المتبوع بالسعي إن لم يقدمه وسقط الرمي بفوات الوقوف، وثانيهما يحصل (بطواف وسعي) بعده إن لم يكن سعى بعد القدوم (وحلق) مع نية التحلل بالثلاثة؛ لما صحّ عن عمر ﵁ أنه أفتى بذلك، ولا يلزمه مبيت بمنى ولا رمي، وما أتى به لا ينقلب عمرة؛ لأن إحرامه انعقد بنسك فلا ينصرف لغيره (وفيهما) أي الآخران (قول) أنهما يسقطان؛ لأن السعي يجوز تقديمه عقب طواف القدوم فلا دخل له في التحلل، والحلق استباحة محظور، (وعليه دم) كما مر (و) عليه إن لم ينشأ الفوات من الحصر (القضاء) للتطوع فورا؛ لأثر عمر ﵁ بهما. أما الفرض فهو باقٍ في ذمته كما كان (١) من توسيع أو تضيق.
[تنبيه] يلزمه الإحرام بالقضاء من مكان الإحرام بالأداء على التفصيل السابق في قضاء الفاسد؛ لقوله في المجموع نقلا عن الأصحاب: ((وعلى القارن القضاء قارنا، ويلزمه ثلاثة دماء دم الفوات ودم القران الفائت، ودم ثالث للقران المأتي به في القضاء، ولا يسقط هذا عنه بالإفراد في القضاء؛ لأنه توجه عليه القران ودمه فلا يسقط عنه بتبرعه بالإفراد)) انتهى. وأما إذا نشأ الفوات عن الحصر كأن أُحصر فسلك طريقا آخر ففاته لصعوبة الطريق أو طوله وقد ألجأه نحو العدو إلى سلوكها أو صابر الإحرام متوقعاً زوال الحصر فلم يزل حتى فات الحج فتحلل بعمرة لم يقض؛ لأنه بذل ما في وسعه كالمحصر.
والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 586
كتاب البيع
شَرْطُهُ الْإِيجَابُ
(كتاب البيع (١))
وهو لغةً: مقابلةُ شيءٍ بشيءٍ، وشرعاً: عقدٌ يتضمنُ مقابلةَ مالٍ بمالٍ بشرطه الآتي؛ لاستفادة ملك عين أو منفعة مؤبدة.
وأركانه: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة،؛ ولقوة الخلاف فيها بدأ بها فقال:
(شرطه) ولو تقديرا كأعتق عبدك عني بألف فيقبل فإنه يعتق به؛ لتضمنه البيع وقبوله (٢) (الإيجاب) من البائع ولو هزلا، وصريح الإيجاب ما دلَّ على التمليك (٣) دلالةً قويةً مما اشتهر وتكرر على ألسنة حملة الشرع؛ لقوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٢٩، والرِّضى خفي فأنيط بشيء ظاهر وهو الصيغة (٤)، فلا ينعقد بالمعاطاة بأن يتراضيا بثمن ولو مع السكوت منهما، واختار المصنف انعقاده بها في كل ما (٥) يعده الناس بها بيعا، وآخرون في محقر كرغيف. وأما الاستجرار فباطل اتفاقا أي إلا إن قدَّر الثمن في كل مرة على أن الغزالي سامح فيه؛ بناء على جواز المعاطاة، وعلى الأصح لا مطالبة بسبب المعطاة -من حيث المال (٦) - في الآخرة، ويجري خلافها في سائر العقود المالية (٧).
стр. 587
كَبِعْتُك وَمَلَّكْتُك، وَالْقَبُولُ: كَاشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْتُ وَقَبِلْتُ
ثم الصريح هنا (كبعتك (١) -وما اشتق منه- ذا بكذا (وملكتك) ووهبتك ذا بكذا، وشريتَ وعوضتَ ورضيتَ واشتر مني هذا بكذا، ونحو نعم وإي وفعلتُ جواباً لقول المشتري بعتَنتي وتبيعني وبعني لكن نحو بعتني وتبيعني لا يغني عن قبول المشتري بخلاف بعني (٢)، ومن الصريح (٣) أيضاً بعتك ولي عليك وعلى أن لي عليك أو على أن تعطيني كذا إن نوى به الثمن، ومثله في ذلك بعني ولك عليّ كذا.
وشرط الصيغة:
الأول: كاف الخطاب ولو في نحو وكيل إلا في نحو نعم ومسألة المتوسط (٤)، ولو باع ماله لولده محجوره لم يتأت هنا خطاب، بل يتعين بعته لابني وقبلت له.
والثاني: إسناد البيع إلى جملة المخاطب لا بعت موكلك ولا نحو يدك بخلاف نحو نفسك، (والقبول من المشتري)، وصريح القبول ما دل على التملك دلالة قوية (كاشتريت) ويغتفر نحو فتح التاء من العامي (وتملكت وقبلت) وابتعت، ونحو نعم جواباً لقول البائع اشتريتَ مني وتشتري مني (٥) ; لأنها بعد الالتماس جواب بخلافها (٦) بعد نحو قول المشتري اشتريتُ منك، ومن الصريح أيضا رضيتُ لكن يصدق في أنه لم يقصد بها جواباً.
والثالث: أن يقصد اللفظ لمعناه، ويأتي هذا الشرط في سائر العقود.
стр. 588
وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ المُشْتَرِي، وَلَوْ قَالَ: بِعْنِي فَقَالَ: بِعْتُك انْعَقَدَ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ كَجَعَلْتُهُ لَك بِكَذَا فِي الْأَصَحِّ
[تنبيه] اختُلف في السبب القولي كصيغ العقود والفعلي كالرضاع أيحصل المسبب كالملك والحرمة مثلا مع نهاية السبب (١) أو عقبه على الاتصال ، أما إذا ترتب الحكم على سبب مركب من أسباب متعاقبة كالسكر بالقدح العاشر فالوجه أن المؤثر هو المجموع فيجب الحد بما قبله (٢). (ويجوز تقدم لفظ المشتري) إلا نحو نعم وفعلت، نعم يُكْتَفَى بهما في مسألة المتوسط (٣)، (ولو قال بعني فقال بعتك انعقد البيع في الأظهر)؛ لدلالته على الرضا، ويجري الخلاف فيما لو قال اشتر مني فقال اشتريت، أما لو قال المشتري اشتريت منك فقال البائع بعتك فينعقد البيع بلا خلاف.
(وينعقد) ولو من السكران (٤) (بالكناية) وهي ما يحتمل البيع وغيره، ولذا لابد لها من نية مقترنة بجزء من الصيغة، ولا تغني عنها القرائن (كجعلته لك) أو خذه (٥) -ما لم يقل بمثله، وإلا كان صريحَ قرضٍ (٦) - أو تسلمه أو هو لك بكذا (٧) أو باعك الله أو سلطتك عليه وكذا بارك الله لك فيه في جواب بعنيه، و أدخلته في ملكك، والعمرى والرقبى (٨) أبحتكه فليست كناية ولو مع ذكر الثمن؛ لصراحتها في الإباحة مجانا لا غير (بكذا) لا يشترط ذكره، بل تكفي نيته (٩) (في الأصح)؛ قياسا على نحو الإجارة والخلع. ولا ينعقد بالكناية بيع أو شراء وكيل لزمه الإشهاد ما لم تتوفر القرائن المفيدة لغلبة الظن، ومن الكناية الكتابة مع النية -لا على مائع أو هواء- ويقبل فورا عند علمه ويمتد خيارهما لانقضاء مجلس قبوله.
стр. 589
وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَتَخَلَّلَ لَفْظٌ وَلَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا
[تنبيه] البيع بلا رضا ولا إكراه يحرم إن كان لنحو حياء أو مصادرة (١) بخلافه لضرورة نحو فقر أو دين فيحل باطنا قطعا (٢). (و) الرابع: (يشترط ألا يتخلل لفظ) من المطلوب جوابُهُ (٣) ولا تعلق لذلك اللفظ بالعقد أي ليس من مقتضاه ولا من مصالحه ولا من مستحباته ولو كلمة إلا نحو قد (و) الخامس أن (لا يطول الفصل) بسكوت مريد الجواب -ولو قصيرا إن قصد به قطع الصيغة- أو كلام من انقضى لفظه بحيث يُشعِر بالإعراض وإن كان لمصلحة (بين لفظيهما) أو إشارتيهما أو كتابتيهما أو لفظ أحدهما وكتابة أو إشارة الآخر أو كتابة أحدهما وإشارة الآخر، والعبرة في التخلل في الغائب بما يقع منه عقب علمه أو ظنه بوقوع البيع له. والسادس أن يذكر الثمن المبتدئ (٤)، والسابع أن تبقى أهليتهما، والثامن أن لا يُغَيِّر شيئا مما تلفظ به إلى تمام الشق الآخر، والتاسع أن يكون تكلم كلٌّ بحيث يسمعه من بقربه عادة وإن لم يسمعه الآخر، وإلا لم يصح وإن حملته الريح إليه، والعاشر أن يتمم المخاطَب بنفسه لا وكيله أو موكله أو وارثه ولو في المجلس، والحادي عشر أن لا يوقِّت ولو بنحو ألف سنة، والثاني عشر أن لا يعلِّق إلا بالمشيئة في اللفظ المتقدم (٥) فلو قال بعتك إن شئتَ فقال اشتريتُ مثلا صح، وكذا إن قال شئتُ لكن إن نوى به الشراء، ولو قال المشتري اشتريت منك فقال البائع إن شئتَ بعتك صح (٦) بخلاف بعتكما إن شئتما، وبعتك إن شئتَ بعد اشتريتُ منك وإن قبل
стр. 590
وَأَنْ يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُك بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ بِالْعَقْدِ كَالنُّطْقِ. وَشَرْطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ
بعده أو قال شئتُ. ويصح التعليق بالملك كإن كان ملكي فقد بعتكه; لأن إن حينئذ بمعنى إذ. ويصح بعتك هذا بكذا على أن لي نصفه; لأنه بمعنى إلا نصفه. (و) الثالث عشر (أن يقبل على وفق الإيجاب) في المعنى، (فلو قال بعتك بألف مكسرة) أو مؤجلة (فقال قبلت بألف صحيحة) أو حالة أو إلى أجل أقصر أو أطول أو بألفين أو قبلت نصفه بخمسمائة (لم يصح)؛ لأنه قبل غير ما خوطب به ولو قال بعتك هذا بألف وهذه بمائة فقبل أحدهما بعينه صحت فيه (١)؛ لأن كلا عقد مستقل، (وإشارة (٢) الأخرس (٣) بالعقد) المالي وغيره وبالحل والحلف و النذر وغيرها -إلا في نحو الصلاة والشهادة وبعد الحلف على عدم الكلام- (كالنطق (٤)؛ للضرورة، ثم إن فهمها الفطن وغيره فصريحة، أو الفطن وحده فكناية يتعذر بيعه -مثلا- بها؛ لعدم العلم بنيته إلا أن يقال إنه يكفي هنا نحو كتابة أو إشارة بأنه نوى؛ للضرورة (٥).
(وشرط العاقد (٦) الإبصار، و (الرشد (٧) يعني عدم الحجر عليه ليشمل من بلغ مصلحا لدينه وماله ثم استمر كذلك أو فسق بعدُ بل أو بذر ولم يحجر عليه ومن جُهِل رشده (٨)، نعم لو ادعى والد بائع بقاء حجره عليه صدق بيمينه إلا إن اشتهر رشده بخلاف صبي -وإن قصد اختبار رشده- ومجنون، ومحجور عليه بسفه مطلقا (٩)، أو فلس بالنسبة لبيع عين ماله، نعم يصح شراؤه مثلا في الذمة. ويصح بيع السكران المتعدي؛ تغليظا.
стр. 591
قُلْتُ: وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ المُصْحَفَ. وَالمُسْلِمَ فِي الْأَظْهَرِ، إلَّا أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا الحَرْبِيِّ سِلَاحًا، وَاَللهُ أَعْلَمُ
(قلت: وعدم الإكراه (١)؛ لعدم الرضا، وليس من الإكراه قول مجبر لها لا أزوجك إلا إن بعتني مثلا كذا (بغير حق) بخلافه بحق (٢) كأن تعين بيع ماله لوفاء دينه (٣). ومن أَكْرَه غيره على بيع مال نفسه صح منه; لأنه أبلغ في الإذن، ويصح بيع المصادر (٤). (ولا يصح شراء) يعني تملك (الكافر (٥) ولو مرتدا لنفسه (المصحف) يعني ما فيه قرآن وإن قلّ أو كان ضِمْن علمٍ أو على نحو ثوب أو جدار ما عدا النقد؛ للحاجة، ولذا تُفَرَّق الصفقة لو كان بسقف البيت قرآن (٦)، ومثل القرآن الحديث ولو ضعيفا وكتب آثار السلف؛ وذلك لتعريضها للامتهان. ويكره -لغير حاجة- بيع المصحف دون شرائه (٧) (والمسلم) ولو بنحو تبعية والمرتد -؛ لبقاء علقة الإسلام- أو بعض أحدهما ولو بشرط العتق (في الأظهر)؛ لما فيه من إذلال المسلم (٨) (إلا أن يعتق عليه) كبعضه ومن أقر أو شهد بحريته (فيصحُّ في الأصح)؛ لانتفاء إذلاله بعتقه (ولا) تملك الذمي -بغير دارنا لا فيها؛ لأنه في قبضتنا (٩) - ولا تملك (الحربي) ولو مستأمنا (سلاحاً) -وهو هنا كل نافع في الحرب ولو درعا وفرسا- أو بعض سلاح شائعا؛ لأنه يستعين به على قتالنا بخلاف الباغي وقاطع الطريق؛ لسهولة تدارك أمرهما، وأصل السلاح كالحديد؛ لاحتمال أن يجعل غير سلاح فإن ظن جعله سلاحا حرم وصح (والله أعلم).
стр. 592
وَلِلْمَبِيعِ شُرُوطٌ: طَهَارَةُ عَيْنِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالخَمْرِ وَالمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالخَلِّ وَاللَّبَنِ، وَكَذَا الدُّهْنُ فِي الْأَصَحِّ. الثَّانِي: النَّفْعُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الحَشَرَاتِ،
وللكافر التوكل في شراء كل ما مر لمسلم لا العكس. ويجوز بلا كراهة للمسلم الذي هو وكيل لكافر ارتهان واستيداع واستعارة المسلم ونحو المصحف لذلك الكافر، ويكره للمسلم إيجار عين قنّه، وإعارته، وإيداعه، لكن يؤمر بوضع المرهون عند عدل وينوب عنه مسلم في قبض المصحف; لأنه محدث وبإيجار المؤجر لمسلم كما يؤمر بإزالة ملكه -ولو بنحو كتابة القن- عمن أسلم في يده أو ملكه بنحو إرث أو فسخ أو إقالة أو رجوع أصل واهب أو مقرض، فإن امتنع باعه الحاكم عليه.
(وللمبيع) يعني المعقود عليه (١) ولو ثمنا (٢) (شروط) خمسة:
أحدها (طهارة) أو إمكان طهارة (عينه (٣) شرعا، (فلا يصح بيع الكلب) ولو معلما (والخمر) يعني المسكر وسائر نجس العين والمشتبه بطاهر؛ لصحة النهي عن ثمن الكلب، وأن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير (والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره) بالغسل (كالخل واللبن، وكذا الدهن في الأصح) وكماء تنجس وكآجر عجن بزبل لا دار بنيت به; لأنه فيها تابع، وأرض سمدت بنجس، ولا قن عليه وشم وإن وجبت إزالته. ويصح بيع القز وفيه الدود ولو ميتا; لأنه من مصلحته.
(الثاني النفع) به شرعا -ولو مآلا كجحش صغير-؛ لأن بذل المال في غيره سفه (فلا يصح بيع الحشرات) وهي صغار دواب الأرض كفأرة ولا عبرة بمنافعها المذكورة في الخواص،
стр. 593
وَلَا كُلِّ سَبُعٍ لَا يَنْفَعُ، وَلَا حَبَّتَيِ الحِنْطَةِ، وَآلَةِ اللهْوِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْآلَةِ إنْ عُدَّ رُضَاضُهَا مَالًا. وَيَصِحُّ بَيْعُ المَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصَّحْرَاءِ فِي الْأَصَحِّ
ويستثنى نحو يربوع (١) وضبٍّ مما يؤكل ونحل ودود قزٍّ وعلق (٢) لمنفعة امتصاص الدم (ولا كل) طير و (سبع لا ينفع) لنحو صيد أو قتال أو حراسة كالفواسق الخمس وأسد، ونمر كبير مثلا لا يرجى تعلمه بخلاف الفهد فيصح بيعه للصيد وإن كان كبيرا؛ لأنه يرجى تعلمه وإن كان كبيرا (٣)، ويصح بيع فيل لقتال وقرد لحراسة وهرة أهلية لدفع نحو فأر ونحو عندليب للأنس بصوته وطاووس للأنس بلونه وإن زيد في ثمنه لأجل ذلك، أما الهر الوحشي فلا يصح بيعه إلا إن كان فيه منفعة كهر الزباد (٤)، وقدر على تسليمه. (ولا حبتي) نحو (الحنطة) وكل ما لا يقابل بمال (٥) عرفا في حالة الاختيار، لانتفاء النفع بذلك، ولا يضمن وإن كفر مستحله (وآلة اللهو) المحرم كشبابة وصنم وصورة حيوان وكتب علم محرم، نعم يصح بيع نرد (٦) صلح -من غير كبير كلفة- بيادق للشطرنج كجارية غناء محرم وكبش نِطاح; لأن المقصود أصالة الحيوان كما يصح بيع نقد عليه صورة حيوان. (وقيل يصح في الآلة إن عد رضاضها مالا) وفارقت صحة بيع إناء النقد قبل كسره؛ بأنها ما دامت بهيئتها لا يقصد منها غير المعصية. والمراد ببقائها بهيئتها أن تكون بحالة بحيث إذا أريد منها ما هي له لا تحتاج لصنعة وتعب وعليه يحمل حل بيع المركَّبة إذا فك تركيبها، و الصليب كالصنم إن كان من شعارهم المخصوصة بتعظيمهم (ويصح بيع الماء على الشط والتراب بالصحراء) ممن حازهما (في الأصح)؛ لظهور النفع فيهما، ولو اختصا بوصف زائد صح قطعا، ويصح بيع نصف دار شائع بنصفه الآخر كي لا يرجع الأصل مثلا في هبته.
стр. 594
الثَّالِثُ إمْكَانُ تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الضَّالِّ وَالْآبِقِ وَالمَغْصُوبِ. فَإِنْ بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ
[فرع] من المنافع شرعا حق الممر بأرض أو على سطح، وجاز بيعه مع أنه محض منفعة؛ للحاجة . ولا يصح بيع بيت أو أرض بلا ممر بأن احتف من جميع الجوانب بملك البائع أو المشتري أو غيره وكذا لو كان لها ممر ونفاه البائع عن العقد، نعم لو باع دارا واستثنى لنفسه بيتا منها فله الممر إليه إن لم يتصل البيت بملكه أو شارع (١)، فإن نفاه حينئذ صح إن أمكن اتخاذ ممر وإلا فلا، والفرق أن هذه فيها استدامة ويغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء، ولو كان للبيت ممران -في مسألة ما لو استثنى البائع بيتاً- تخير المشتري في أخذ أحدهما إن استويا في نحو السعة وإلا تعين ما لا ضرر فيه. وإذا بيع عقار واشترط حقّ المرور للمشتري من جانب اشترط تعيينه -وإلا بطل إن احتف بملك البائع من كل الجوانب- فإن أطلق أو قال من كل جانب أو بحقوقها صح ومر من كل جانب، نعم محلّ حالة الإطلاق إن لم يلاصق الشارع أو ملك المشتري وإلا مرّ منه فقط، ولو اتسع ممر جاز للمالك تضييقه لكن بحيث لا يحصل للمار ضرر وإن فرض الازدحام.
(الثالث إمكان) حساً وشرعاً (تسليمه) من البائع للمشتري من غير كبير كلفة؛ وذلك لتوقف الانتفاع به ذلك، وقدرة المشتري على تسلمه حسّا (فلا يصح بيع الضال) كبعير نَدَّ (٢) وطير سائب غير نحل، ونحل ليست أمه في الكوارة (٣) ونحو سمك ببركة واسعة يتوقف أخذه منها على كبير كلفة عرفا (والآبق) وإن عرف محله ويختص بالآدمي (والمغصوب) ولو لكي يعتقه بخلاف الزَّمِن فيجوز شراؤه لكي يعتقه. (فإن باعه) أي ما ذكر (لقادر على انتزاعه) أو رده (صح على الصحيح) حيث لا مؤنة لها وقع تتوقف قدرته عليها؛ لتيسر وصوله إليه حينئذ. ولو جهل القادر نحو غصبه عند البيع تخير (٤)؛ للاطلاع على العيب سواءٌ احتاج لمؤنة أم لا، وكذا يتخير إن طرأ عجزه بعد البيع؛ لحدوث العيب قبل القبض. ولو اختلفا في العجز حلف
стр. 595
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْإِنَاءِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِمَا، وَيَصِحُّ فِي الثَّوْبِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا المَرْهُونِ بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنِهِ. وَلَا الجَانِي المُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا يَضُرُّ تَعَلُّقُهُ بِذِمَّتِهِ، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقِصَاصِ فِي الْأَظْهَرِ
المشتري، ولو قال كنت أظن القدرة فبان عدمها حلف وبان عدم الانعقاد (ولا يصح بيع) ما يعجز عن تسليمه أو تسلمه شرعا كجذع في بناء و (نصف) مثلا (معين) خرج الشائع؛ لانتفاء إضاعة المال عنه (من الإناء والسيف ونحوهما) مما تنقص قيمته أو قيمة الباقي بكسره أو قطعه نقصا يحتفل بمثله كجدار أو عمود فوقه شيء أو كله قطعة واحدة من نحو طين أو خشب، وكذا لا يجوز إخراج صفٍّ من الجدار إن كان الجدار مكوَّناً من صفوف من لبن أو آجر ولم تجعل النهاية صفا واحدا، وكخشبة معينة من سفينة وجزء معين من حي لا مذكى؛ وذلك للعجز عن تسليم كل ذلك شرعا؛ لأنه فيه إضاعة مال.
[تنبيه] ضابط الاحتفال هنا كما في الوكالة التي اغتفروا فيها واحد في عشرة لا أكثر ، والمراد بالنقص النقص بالنسبة لأغلب محالّ بلدة العقد (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعه) كغليظ القطن (في الأصح) والحيلة شراء النفيس أن يتواطئا على شراء البعض ثم يقطع البائع ثم يعقدان فيصح اتفاقا (ولا) يصح بيع عين تعلق بها حق لله تعالى يفوت بالبيع كماء تعين للطهر، أو حق لآدمي كأرض أذن مالكها في زرعها فحرثها المأذون له وأصلحها فلا يصح بيعها إلا برضا المأذون بإعطائه ما زاد من القيمة بسببه، ولا بيع نحو (المرهون بغير إذن مرتهنه) ويصح بيعه للمرتهن نفسه (ولا) بيع (الجاني) لغير المجني عليه بغير إذنه (المتعلق برقبته مال) لكونه جنى خطأ أو شبه عمد أو عمدا وعفي على مال أو أتلف مالا (في الأظهر)؛ لتعلق حقهما بالرقبة، ومحل الثاني إن بيع لغير غرض الجناية ولم يفده السيد ولم يختر فداءه وهو موسر وإلا صحّ (ولا يضر) في صحة البيع (تعلقه بذمته) -كأن اشترى فيها بغير إذن سيده وأتلفه- أو بكسبه كمؤنة زوجته؛ لانتفاء تعلقه برقبته التي هي محل البيع (وكذا تعلق القصاص في الأظهر)؛ لرجاء السلامة بالعفو بل لو تحتم قتله كقاطع طريق قَتَل، وأَخَذ مالا كان كذلك؛ نظرا لحالة البيع، أما تعلقه ببعض أعضائه فلا يضر قطعاً.
стр. 596
الرَّابِعُ: المِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ. فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، وَفِي الْقَدِيمِ مَوْقُوفٌ إنْ أَجَازَ مَالِكُهُ نَفَذَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيْتًا صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ
(الرابع الملك) في المعقود عليه التام فخرج بيع نحو المبيع قبل قبضه (لمن) يقع (له العقد) من عاقد أو موكله أو موليه كالحاكم في مال الممتنع والملتقط والظافر بغير جنس حقه. (فبيع) وسائر عقود (الفضولي) وهو من ليس بوكيل ولا ولي عن المالك (باطلٌ (١) سواءٌ في عين غيره أو في ذمة غيره، وصحّ ((لا بيع إلا فيما تملك))، (وفي القديم موقوفٌ) الصحة (إن أجاز مالكه) أو وليه (نفذ، وإلا فلا) وخرج بقولنا أو في ذمة غيره ما لو قال في الذمة أو أطلق فيقع للمباشر وبالفضولي ما لو اشترى بمال نفسه أو في ذمته لغيره وأذن له الغير وسماه هو (٢) في العقد فيقع للآذن ويكون الثمن قرضا بخلاف نظيره في السلم لا يصح; لأنه لا بد فيه من القبض الحقيقي. و لو قال لمدينه اشتر لي عبدا مما في ذمتك صح للموكل، ثم إن حسبه من الدين بطل وإلا صحّ -بأن كان ما أقبضه قرضا عليه- إن وجدت شروط التقاص.
[تنبيه] قول الماوردي يجوز شراء ولد المعاهد منه ويملكه لا سبيه محمول على الاستيلاء ، وما بذله من مال إنما هو للتمكين لا للشراء الصحيح، ومثله ولد الحربي لكن يلزمه تخميسه أو تخميس فدائه إن اختاره الإمام؛ لأن الابن يعتق على الأب عند قصد الاستيلاء بخلاف الأخ والمستولدة فيصحّ الشراء ولا يلزم التخميس. (ولو باع مال مورثه) أو غيره أو زوّج أمته أو أعتق قنه (ظانا حياته) أو عدم إذن الغير له (فبان ميْتا) أو آذنا له (صح) البيع وغيره (في الأظهر) ; لأن العبرة في العقود بما في نفس الآمر، والوقف هنا للتبين.
стр. 597
الخَامِسُ: الْعِلْمُ بِهِ، فَبَيْعُ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ بَاطِلٌ، وَيَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ تُعْلَمُ صِيعَانُهَا،
(الخامس العلم به) أي المعقود عليه عينا في المعين، وقدراً وصفة فيما في الذمة؛ للنهي عن الغرر، وهو ما احتمل أمرين أغلبهما أخوفهما، وقد لا يشترط العلم للضرورة أو المسامحة كاختلاط حمام البرجين (١) وماء السّقاء في الكوز (٢) ولو لشرب دابة وكل ما المقصود لبه، ولو انكسر ذلك الكوز من يد المشتري بلا تقصير لم يضمن إلا قدر كفايته (٣) منه لا الكوز (٤) ولا الزائد عليه؛ لأنهما أمانة في يده. والمراد بالعلم هنا ما يشمل الظن وإن لم يطابق الواقع كشراء زجاجة بثمن كثير يظن أنها جوهرة. وتشترط رؤية المبيع المعين وهي من لازم العلم به (٥). ووقت العلم هو حال العقد فنحو سدس عشر تسع ألف لا يصح إن جهلا بالحساب وإن كان يُعلم بعد خلافا لما في نظيره من القراض، وعلى ما مر لو باع نصيبه من مشترك وهو يجهل كمِّيته (٦) لم يصح. (فبيع أحد الثوبين) مثلا وإن استوت قيمتهما (باطل) كما لو لم يخصصا قيمة كلٍّ في مشترك باعاه؛ للجهل بعين المبيع أو الثمن. وقد تغني الإضافة والإشارة عن التعيين كداري وليس له غيرها وكهذه الدار، وإن غلط في حدودها، وأفتى ابن الصلاح في صك فيه جملة زائدة وتفصيل أنقص منها بأنها إن تقدمت عُمِل بها؛ لإمكان الجمع بكون التفصيل لبعضها، وإن تأخرت فإن قيل فمجموع ذلك كذا حكم بالتفصيل; لأنه المتيقن وإن لم يقل ذلك حكم بالجملة (ويصح بيع صاع من صبرة) وهي طعام مجتمع، والمراد منها هنا كل متماثل الأجزاء بخلاف نحو أرض وثوب (تعلم صيعانها) للمتعاقدين؛ لعدم الغرر وتنزل على
стр. 598
وَكَذَا إنْ جُهِلَتْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الحَصَاةِ ذَهَبًا، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ، أَوْ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِير لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ، وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ غَالِبٌ تَعَيَّنَ،
الإشاعة فإذا تلف بعضها تلف بقدره من المبيع (وكذا إن جُهلت في الأصح)؛ لعلمهما بقدر المبيع مع تساوي الأجزاء، ويُنَزَّل على صاع مبهم حتى لو لم يبق منها غيره تعين وإن صب عليها مثلها أو أكثر، نعم محله ما لم يتميز المصبوب. ثمّ إن محل صحة مسألة المتن حيث لم يريدا صاعا معينا منها أو لم يقل من باطنها أو إلا صاعا منها وكان أحدهما يجهل كيلها؛ للجهل بالمبيع بالكلية، وحيث علم أن الصبرة تفي بالمبيع وإلا فإن بانت أقلّ أو مساوية بطل وإلا فلا، ولو باع جميع الصبرة اشترط أن لا يكون بمحلها ارتفاع أو انخفاض وإلا فإن علم أحدهما ذلك لم يصح إن لم ير المحل قبل الوضع وإن جهلا ذلك فإن ظن تساوي المحل أو الظرف صح وخُيِّر من لحقه النقص، نعم لو كان تحت كومة الطعام حفرة صح البيع و يكون ما فيها للبائع (١) (ولو باع) في الذمة (بملء) أو ملء (ذا البيت حنطة أو بزنة) أو زنة (هذه الحصاة ذهبا أو بما باع به فلان فرسه) وأحدهما يجهل قدر ذلك (أو بألف دراهم ودنانير لم يصح)؛ للجهل بالقدر، ولذا لو علماه قبل العقد صح، وإن قال بما باع به ولم يذكر المثل ولا نواه بطل أيضا; لأنه محمول عليه، نعم لو انتقل حينئذ ثمن الفرس للمشتري وعلم البائع ذلك صحّ البيع إن أعطاه عين ذلك الثمن. وخرج بما في الذمة المعين كبعتك ملء أو بملء ذا الكوز من هذه الحنطة أو الذهب، وإن جهل قدره؛ لإحاطة التخمين برؤيته (٢) (ولو باع بنقد) وعيّن شيئا موجودا اتبع وإن عزّ فإن كان معدوما أصلا بطل ولو مؤجلا، أو كان معدوما في البلد فإن كان حالا أو مؤجلا إلى أجل لا يمكن نقله إليه للبيع قبل مضي الأجل بطل وإلا فلا. أما إن لم يعيّن بأن أطلق (وفي البلد) أي بلد البيع ويظهر عدم تناول الحكم لمن لم يكن من أهلها أو لمن يعلم نقودها (نقد غالب تعين) ولو مغشوشا أو ناقص الوزن; لأن الظاهر إرادتهما له، نعم إن تفاوتت قيمة أنواعه أو رواجها وجب التعيين. وذكر النقد للغالب والمراد به هنا مطلق
стр. 599
وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ المَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ،
العوض كفلوس وحنطة فلو غلبت الفلوس حمل العقد عليها ولو لم يذكرها (١) بل إن اطرد عرفهم بالتعبير بالدينار عن الدراهم أو عن الفلوس أو عن الحنطة حُمل عليه (٢) (أو نقدان) أو عرضان (ولم يغلب أحدهما) وتفاوتا قيمة أو رواجا -وإلا سلم المشتري أحدهما- (اشترط التعيين) لأحدهما في العقد لفظا، ولا تكفي النية. ولو أبطل السلطان ما وجب بعقد نحو بيع أو إجارة أو قرض -وإن كان أبطله في مجلس العقد- لم يعط غيره سواءٌ زاد سعره أو نقص أو عز وجوده فإن فقد وله مثل وجب، وإلا اعتبرت قيمته وقت المطالبة. ويجوز التعامل بالمغشوشة المعلوم قدر غشها أو الرائجة وإن جهل قدر غشّها سواء كانت له قيمة لو انفرد أم لا استهلك فيها أم لا؛ لأن المقصود رواجها، وإنما لم يصح بيع تراب المعدن؛ نظرا إلى أن المقصود منه النقد وهو مجهول، وكذا يقال في عدم صحة بيع اللبَن -المخلوط بالماء لغير نحو حموضته (٣) - ونحو المسك المختلط بغيره لغير تركيب، وفي عدم صحة السلم والقرض في الجواهر والحنطة المختلطة بشعير مع صحة بيعها معينة، ثم إن النقد المغشوش يحمل المطلق عليه إن غلب وهو مثلي فيضمن بمثله إلا إن فقد المثل فبقيمة الدراهم ذهبا وعكسه يوم الطلب، نعم إن غصبت فأقصى الفم أو تلفت فقيمة يوم التلف (ويصح بيع الصبرة المجهولة الصيعان) والقطيع المجهول العدد والأرض أو الثوب المجهولة الذرع (كلَّ صاع) أو رأس أو ذراع، فالشرط هنا لصحة البيع أن يذكر الصبرة ويذكر كل صاعٍ بدرهم عقبها، وعليه فلو اقتصر على كل صاع بدرهم وأشار إلى الصبرة لم يصح. ولو قال بعتك من هذه كلّ صاعٍ بدرهم (٤) لم يصحّ إن نوى بمن التبعيض أو أطلق بخلاف ما لو أراد بها البيان فيصح; لأن التقدير حينئذ شيئا هو هذه، نعم إن قال بعتك هذه الصبرة كلَّ صاع منها بدرهم صح؛ لإضافة البيع للجميع أوَّلاً (بدرهم)؛ لمشاهدة المبيع وتفصيل الثمن جملة، ولو أخرج بعض صاع أعطي بعض الدرهم بحصته؛ لأنه مثلي متسامح فيه بعكس المتقدم كبعض الشاة، ومن ثم لو قال بعتك هذا القطيع أو الثياب مثلا كل اثنين مثلا بدرهم بطل; لأن فيه توزيع الدرهم
стр. 600
وَلَوْ بَاعَهَا بِماِئَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ إنْ خَرَجَتْ ماِئَةً، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَتَى كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ،
على قيمتهما وهي مختلفة غالبا فيؤدي للجهل. وخرج ببيع الصبرة بيع بعضها كما لو باع منها كل صاع بدرهم فلا يصح للجهل. (ولو باعها بمائة درهم كل صاع) أو رأس أو ذراع (بدرهم صح إن خرجت مائة)؛ لموافقة الجملة التفصيل (وإلا فلا على الصحيح)؛ لتعذر الجمع بينهما. ولو قال بعتك هذا على أن قدره كذا تخير البائع في الزيادة والمشتري في النقص، فإن قال البائع بعد ذلك إن نقص فعليّ وإن زاد فلك تخير المشتري في النقص فإن أجاز فبكل الثمن، لا البائع في الزيادة؛ لأنها داخلة في المبيع.
[فرع] لو اعتيد طرح شيء عند نحو الوزن من الثمن أو المبيع لم يعمل بتلك العادة ثم إن شُرط ذلك في العقد بطل وإلا فلا. ولا يصح بيعه ثلاثة أذرع مثلا من أرض ليحفرها ويأخذ ترابها; لأنه لا يمكن أخذ تراب الثلاثة إلا بأكثر منها (ومتى كان العوض معينا) أي مشاهدا (كفت معاينته) وإن جهلا قدره; لأن من شأنه أن يحيط التخمين به، نعم يكره بيع مجهول نحو الكيل جزافا؛ لأنه يوقع في الندم؛ لتراكم الصبر بعضها على بعض غالبا بخلاف المذروع. (والأظهر أنه لا يصح)؛ للنهي عن بيع الغرر (بيع الغائب) الثمن أو المثمن بأن لم يره أحد العاقدين وإن كان حاضرا في مجلس البيع، أو وُصف ولو تواترا، أو رآه ليلا ولو في ضوء إن ستر الضوء لونه كورق أبيض، فالشرط هنا الرؤية العرفية التي تظهر للناظر من غير مزيد تأمل، ومثل رؤيته في الليل رؤيته من وراء نحو زجاج وكذا ماء صاف إلا الأرض والسمك; لأن به صلاحهما، وصَحَّت إجارة أرض مستورة بماء ولو كدرا; لأنها أوسع. (والثاني يصح) البيع إن ذكر جنسه (ويثبت الخيار) للمشتري وكذا البائع (عند الرؤية)؛ لحديث فيه، وكالبيع الصلح والإجارة والرهن والهبة ونحوها بخلاف نحو الوقف. (وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا) يظن أنه (يتغير غالبا) أي ما لا يغلب تغيره فالقيد للمنفي فيصح في ما يحتمل التغير وعدمه سواء كحيوان (إلى وقت العقد) كأرض وآنية وحديد، نعم لا بد أن يكون ذاكرا حال البيع لأوصافه التي رآها كأعمى اشترى ما رآه قبل العمى وإلا لم يصح، وإذا اشترى ما لا يتغير