وَفِي الثِّيَابِ الجِنْسُ وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ وَالنُّعُومَةُ وَالخُشُونَةُ، وَمُطْلَقُهُ يُحْمَلُ عَلَى الخَامِ، وَيَجُوزُ فِي المَقْصُورِ، وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ كَالْبُرُودِ، وَالْأَقْيَسُ صِحَّتُهُ فِي المَصْبُوغِ بَعْدَهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ مَنْعُهُ وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَفِي التَّمْرِ لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ، وَصِغَرُ الحَبَّاتِ أَوْ كِبَرُهَا وَعِتْقُهُ وَحَدَاثَتُهُ، وَالحِنْطَةُ وَسَائِرُ الحُبُوبِ كَالتَّمْرِ
لأن نزع نواه يعرضه للإفساد. ويجب قبول جلد يؤكل عادة مع اللحم لا رأس ورجل من طير، وذنب أو رأس من سمك إن لم يكن على الأخيرين لحم (وفي الثياب الجنس) كقطن أو كتان والنوع وبلد نسجه إن اختلف به غرض، وقد يغني ذكر النوع عن غيره (والطول والعرض و) في غزله (الغلظ والدقة، و) في صفة نسجه (الصفاقة) وهي انضمام بعض الخيوط إلى بعض (والرقة) ضدها (والنعومة والخشونة) وكذا اللون (١) في نحو حرير ووبر وقطن وإطلاقهم محمول على ما لا يختلف من كتان أو قطن (ومطلقه) عن ذكر قصر (٢) وعدمه (يحمل على الخام) ; لأنه الأصل دون المقصور، نعم يجب قبول المقصور إن لم يختلف الغرض. (ويجوز في المقصور)؛ لانضباطه لا الملبوس وإن لم يغسل؛ لعدم انضباطه بخلاف جديد وإن غسل ولو قميصا وسراويل إن أحاط بهما الوصف وإلا فلا (و) يجوز السلم في الكتان لكن بعد دقه لا قبله وفيـ (ما صبغ غزله قبل النسج كالبرود) إذا بُيِّن الصبغ ونوعه وزمنه ولونه وبلده (والأقيس صحته في) الثوب (المصبوغ بعده) أي النسج كالغزل المصبوغ (قلت الأصح منعه، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) ; لأن الصبغ بعده يسد الفرج فلا يظهر فيه نحو صفاقة أو رقة (وفي التمر) والزبيب (لونه ونوعه) كمعقلي أو برني (وبلده وصغر الحبات أو كبرها وعتقه وحداثته) وكون جفافه على النخل أو على الأرض لا مدة جفافه إلا في بلد يختلف بها، ولا يصح في التمر المكنوز بالقواصر؛ لتعذر استيفاء صفاته المشترطة حينئذ وظاهر أنه لو لم يتعرض لكنزه فيها جاز قبول ما فيها، ويذكر في الرُّطب والعنب غير الأخيرين (والحنطة وسائر الحبوب كالتمر) فيما ذكر فيه حتى مدة الجفاف بتفصيلها، نعم لا يصح في أرز في قشرته؛ إذ لا يعرف حينئذ لونه وصغر حبه وكبرها؛ لاختلاف قشره خفة ورزانة، وإنما صح
стр. 702
وَفِي الْعَسَلِ جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ، صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِتْقُ وَالحَدَاثَةُ. وَلَا يَصِحُّ فِي المَطْبُوخِ وَالمَشْوِيِّ، وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ. وَالْأَظْهَرُ مَنْعُهُ فِي رُؤُوسِ الحَيَوَانِ، وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ كَبُرْمَةٍ مَعْمُولَةٍ وَجِلْدٍ وَكُوزٍ وَطَسٍّ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَطِنْجِيرٍ وَنَحْوِهَا
بيعه فيه; لأنه يعتمد المشاهدة والسلم يعتمد الصفات (وفي العسل) أي عسل النحل (جبلي أو بلدي) وناحيته ومرعاه؛ لتكيفه بما رعاه من داء -كنور الفاكهة- أو دواء كالكمون (صيفي أو خريفي) ; لأن الخريفي أجود (أبيض أو أصفر) قوي أو رقيق ويقبل ما رق لحَرٍّ لا لعيب (ولا يشترط) فيه (العتق والحداثة)؛ لعدم تغيّره (ولا يصح في) كل ما تأثير النار فيه غير منضبط كالخبز، و (المطبوخ والمشوي)؛ لاختلاف الغرض باختلاف تأثير النار فيه، ومن ثم لو انضبطت ناره أو لطفت صحّ (١) كسكر وفانيد (٢) وقند (٣) ودبس (٤) ما لم يخالطه ماء، ولبأ وصابون؛ لانضباط ناره وقصد أجزائه مع انضباطها وجص ونورة وزجاج وماء ورد وفحم وآجر وأواني خزف انضبطت (ولا يضر تأثير الشمس) أو النار في تمييز نحو عسل أو سمن؛ لعدم اختلافه (والأظهر منعه) أي السلم (في رؤوس الحيوان) والأكارع؛ لاشتمالها على أجناس مقصودة لا تنضبط ولأن غالبها غير مقصود وهو العظم (ولا يصح) السلم (في مختلف) أجزاؤه (كبرمة (٥) من نحو حجر (معمولة) أي محفورة بالآلة، واحترز بها عن المصبوبة في قالب وهذا قيد أيضا فيما بعد ما عدا الجلد كما يأتي (وجلد وكوز وطَِس (٦) وقمقم (٧) ومَنارة (٨) وطَِنجير (٩) ونحوها)؛ لعدم انضباطها باختلاف أجزائها، ومن ثم صح
стр. 703
وَيَصِحُّ فِي الْأَسْطَالِ المُرَبَّعَةِ وَفِيمَا صُبَّ فِي قَالِبٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى الجَيِّدِ، وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ الصِّفَاتِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الْأَصَحِّ.
فصل
لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَبْدَلَ عَنْ المُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ،
في قطع أو قصاصة جلد دبغ واستوت جوانبه وزنا (ويصح في الأسطال المربعة) مثلا والمدورة وإن لم تصب في قالَب؛ لعدم اختلافها بخلاف الضيقة الرءوس ومحله إن اتحد معدنها لا إن خالطه غيره (وفيما صب منها) -أي المذكورات ما عدا الجلد- أي من أصلها المذاب (في قالَب)؛ لانضباطها. ويصح إسلام غير النقدين فيهما لا أحدهما في الآخر (١) -كمطعوم في مثله ولو غير جنسه- ولو حالا; لأن وضع السلم على التأخير، ويصح أيضاً في دقيق ودهن وبقل وشعر وصوف وقطن وورق ومعدن وعطر وأدوية وبهار وسائر ما ينضبط. (ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة) فيما يسلم فيه (في الأصح، ويحمل مطلقه) منهما (على الجيد)؛ للعرف، ويصح شرط أحدهما إلا رديء العيب؛ لعدم انضباطه ومن ثم لو أسلم في معيب بعيب مضبوط صح، ويظهر هنا وجوب قبول السليم ما لم يختلف به الغرض وإلا شرط الأجودية; لأن أقصاها غير معلوم، ويقبل في الجودة أقل درجاتها وفي الرداءة والأردئية ما حضر; لأن طلب غيره عناد. (ويشترط معرفة العاقدين الصفات) المشترطة (وكذا غيرهما) أي عدلان آخران يشترط معرفتهما لها (في الأصح)؛ ليرجع إليهما عند التنازع، والمراد أن يوجد غالبا بمحل التسليم ممن يعرفها عدلان أو أكثر ومن لازم معرفة من ذكر لها ذكرها في العقد بلغة يعرفها العاقدان وعدلان.
(فصل) في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه
(لا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه) ومثله المبيع في الذمة (غيرُ جنسه) كبر عن شعير (ونوعه) كبرني عن معقلي وتركي عن هندي وتمر عن رطب ومسقي بمطر عن مسقي بعين، وكذا مسقي بماء السماء عن مسقي بماء الوادي لكن أن عُلم اختلاف ما ينبت منهما اختلافا ظاهرا ويأتي هذا الشرط في اختلاف المكانين، وإنما لم يصح; لأنه بيع للمبيع قبل قبضه، والحيلة فيه أن يفسخا السلم بأن يتقايلا فيه ثم يعتاض عن رأس المال. ومن الاعتياض الممتنع
стр. 704
وَقِيلَ يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ وَلَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنْ المَشْرُوطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَجْوَدُ وَ يَجِبُ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَامْتَنَعَ المُسْلِمُ مِنْ قَبُولِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ لَمْ يُجْبَرْ،
ما لو أسلم لآخر ثوبا في دراهم فأسلم الآخر إليه ثوبا في دراهم واستويا صفة وحلولا فلا يقع تقاص (وقيل يجوز في نوعه) كما لو اتحد النوع واختلفت الصفة ويرد بقرب الاتحاد هنا (و) على الجواز (لا يجب) القبول؛ لاختلاف الغرض (ويجوز أردأ من المشروط) أي دفعه بتراضيهما; لأن فيه مسامحة بصفة (ولا يجب) قبوله وإن كان أجود من وجه; لأنه دون حقه (ويجوز أجود) منه من كل وجه؛ لعموم خبر ((خياركم أحسنكم قضاء)) (ويجب قبوله) إن لم يجد المسلم فيه غيره (في الأصح) ; لأن زيادته غير متميزة، نعم إن أضره قبوله ككونه زوجه أو بعضه لم يلزمه كما لو تميزت الزيادة كأحد عشر عن عشرة، أما نحو عمه وأخيه فإن (١) كان هناك حاكم يرى عتقه عليه بمجرد دخوله في ملكه لم يلزمه قبوله، ولا يلزم قبول من شهد أو أقر بحريته، ولو قبض بعضه جاهلا فسد القبض ولم يعتق عليه (٢)؛ لأنه بمنزلة المعيب. ويجب تسليم نحو البر نقيا من تبن ونحوه، فإن كان فيه قليل من ذلك وقد أسلم كيلا جاز أو وزنا فلا، وما أسلم فيه كيلا لا يجوز قبضه وزنا وعكسه; لأنه يشبه الاستبدال الممنوع. ويجب تسليم التمر جافا ما لم يتناه جفافه; لأن ذلك عيب فيه. ويقبل قول المسلم في لحم هو ميتة؛ استصحابا لأصل الحرمة في الحياة حتى يتيقن الحل بالذكاة الشرعية (٣). (ولو أحضره) أي أحضر المسلم إليه أو وارثه أو أجنبي عن ميت المسلم فيه ومثله فيما يأتي جميعه كل دين مؤجل (قبل محِلّّه) أي وقت حلوله (فامتنع المسلم من قبوله لغرض صحيح بأن) بمعنى كأن (كان حيوانا) يحتاج لمؤنة قبل المحل لها وقع -أي عرفا- أو غيره واحتاج لها في كراء محله أو حفظه أو كان يترقب زيادة سعره عند المحل (أو وقت) إ (غارة) وإن وقع العقد وقتها، أو كان يريد أكله عند محله طريا (لم يجبر) على قبوله وإن كان للمؤدي غرض؛ للضرر.
стр. 705
وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ أُجْبِرَ، وَكَذَا لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ وَجَدَ المُسْلِمُ المُسْلَمَ إلَيْهِ بَعْدَ المَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
(وإلا) يكن له غرض صحيح في الامتناع (فإن كان للمؤدي غرض صحيح كفك رهن) أو براءة ضامن أو خوف انقطاع الجنس عند الحلول (أجبر (١) ; لأن امتناعه حينئذ تعنت (وكذا) يجبر إن أتى إليه به (لمجرد غرض البراءة في الأظهر) أوْ لا لغرض أصلا؛ لتعنته، ولو تعارض غرضاهما قدم غرض المؤدَّى إليه، ولو أصر على الامتناع بعد الإجبار أخذه الحاكم أمانة عنده له وبرئ المدين، ولو أحضر المسلم فيه الحال في مكان التسليم لغرض غير البراءة أجبر المسلم على قبوله أو لغرضها أجبر عليه أو على الإبراء؛ لأن امتناعه وقد وجد زمان التسليم ومكانه عناد بخلاف المؤجل والحال المحضر في غير محل التسليم. ولا فرق هنا بين زمن الخوف وغيره (ولو وجد المسلم المسلم إليه بعد المحِل في غير محَل التسليم) أي مكانه المعين بالشرط أو العقد عليه فله الدعوى عليه بالمسلم فيه وإلزامه بالسفر معه لمحل التسليم أو يوكل ولا يُحْبَس؛ لأنه لو امتنع (لم يلزمه الأداء إن كان لنقله) من محل التسليم إلى محل الظفر (مؤنة) ولم يتحملها المسلم (٢)؛ لتضرر المسلم إليه بذلك بخلاف ما لا مؤنة لنقله كيسير نقد وما له مؤنة وتحملها المسلم؛ إذ لا ضرر حينئذ، ولا نظر لكونه في ذلك المحل أغلى منه بمحل التسليم (٣) (ولا يطالبه بقيمته للحيلولة (٤) على الصحيح)؛ لمنع الاستبدال عن المسلم فيه، نعم له الفسخ (٥) وأخذ رأس ماله وإلا فبدله كما لو انقطع.
стр. 706
وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ هُنَاكَ لَمْ يُجْبَرْ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ كَانَ المَوْضِعُ مَخُوفًا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ إجْبَارُهُ
(وإن امتنع) المسلم (من قبوله هناك) أي في غير محل التسليم، وقد أحضر فيه (لم يجبر) عليه (إن كان) له غرض صحيح كأن كان (لنقله مؤنة) إلى محل التسليم ولم يتحملها المسلم إليه (أو كان الموضع) أو الطريق (مخوفا)؛ للضر، فإن رضي بأخذه لم يجب له مؤنة النقل (وإلا فالأصح إجباره) على قبوله; لأنه متعنت نظير ما مر، ولو اتفق كون رأس مال السلم بصفة المسلم فيه فأحضره وجب قبوله.
[تتمة] يجبر الدائن على قبول كل دين حال أو الإبراء عنه حيث لا غرض له نظير ما مر آنفا، وقد أحضره من هو عليه أو وارثه لا أجنبي عن حي -بخلافه عن ميت لا تركة له؛ لمصلحة براءة ذمته- وسيأتي أن الدين يجب بالطلب أداؤه فورا لكن يمهل المدين لما لا يخل بالفورية في الشفعة ما لم يخف هربه أو تستره فبكفيل أو ملازم.
стр. 707
الْإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ. وَصِيغَتُهُ أَقْرَضْتُكَ أَوْ أَسْلَفْتُكَ أَوْ خُذْهُ بِمِثْلِهِ، أَوْ مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ
(فصل في القرض)
(الإقراض) الذي هو تمليك الشيء برد بدله (مندوب) إليه؛ لقوله ﷺ ((من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة))، وهو أفضل من الصدقة ابتداء وهي أفضل منه انتهاء، وقد يجب إن كان المقترض مضطرا أو يحرم إن ظن من آخذه أنه ينفقه في معصية، أو يكره إن ظنه في مكروه. ويحرم الاقتراض والاستدانة على غير مضطر لم يرج الوفاء من جهة ظاهرة فورا في الحال وعند الحلول في المؤجل ما لم يعلم المقرض بحاله وعلى من أخفى غناه وأظهر فاقته عند القرض، ومن ثم لو علم المقترض أنه إنما يقرضه لنحو صلاحه وهو باطنا بخلاف ذلك حرم الاقتراض لما تقدم أن من أُعطي شيئا لصفة ظُنّت فيه وخلا عنها باطنا حرم عليه قبولها ولم يملكه.
وأركانه أربعة: عاقدان ومعقود عليه وصيغة -في غير القرض الحكمي- (وصيغته) الصريحة منها (أقرضتك أو أسلفتك (١) كذا أو هذا (أو خذه بمثله) أو ببدله (٢) ; لأن ذكر المثل أو البدل فيه نص في مقصود القرض، نعم خذه بكذا كناية هنا كالبيع. ولو قال ملكتك هذا الدرهم بمثله أو بدرهم فهذه صريحة في الصرف و القرض فإن نويا به أحدهما تعين لما تقرر من صلاحيته لهما وإلا كان في بمثله صريح قرض وفي بدرهم صريح بيع؛ عملا بالمتبادر فيهما (أو ملكتكه على أن ترد بدله) فإن حذف قوله على أن تردّ بدله فذلك صريح هبة ولا أثر لنيته البدل حينئذٍ، ومن صريح القرض أيضا خذه وردّ بدله أو أصرفه في حوائجك وردّ بدله، فإن حذف وردّ بدله فكناية قرض أو بيع أو هبة أو عارية (٣) إلا إن سبقه بنحو أقرضني فتتعين
стр. 708
وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ
كناية القرض. ولو اختلفا في ذكر البدل صدق الآخذ أو في نيته فإن كان اللفظ المأتي به كناية صدق الدافع في نيته به أو صريحا في التمليك بلا بدل كملكتك صدق الآخذ في نفي ذكر البدل أو نيته، وإنما صُدِّق مُطْعِم مضطرٍّ أنه قَرَضَهُ؛ حملا للناس على هذه المكرمة التي بها إحياء النفوس، ولو اختلفا في أن المأخوذ قرض أو قراض فإن ادعى المالك بعد التلف أنه قرض والعامل أنه قراض حلّف العامل، أما قبل التلف فيصدق المالك ولو أقاما بينتين حينئذٍ قدمت بينة المالك. ولو ادعى المالك القرض والآخذ الوديعة صدق الآخذ (١)، وللضيف أخذه ما يعلم رضى المالك به ثم إن ظن الأخذ بالبدل كان قرضا ضمنيا أو بلا بدل توقف الملك على ما ظنه (٢)، ولو أقر بالقرض وقال لم أقبض لم يقبل (٣)، نعم له تحليفه أنه أقبضه. ولو استعمل لفظ العارية في القرض فإن كان فيما لا تصح إعارته فهو كناية قرض أو فيما يصح فهو عارية (ويشترط قبوله في الأصح) كالبيع، ومن ثم اشترط فيه شروط البيع السابقة في العاقدين والصيغة حتى موافقة القبول للإيجاب فلو قال أقرضتك ألفا فقبل خمسمائة أو بالعكس لم يصح، وتدخل المعاطاة (٤) هنا كما هو ظاهر. أما القرض الحكمي فلا يشترط فيه صيغة كإطعام جائع وكسوة عار وإنفاق على لقيط ومنه أمر غيره بإعطاء ما له غرض فيه كإعطاء شاعر أو ظالم أو إطعام فقير أو فداء أسير وعَمِّر داري واشتر هذا بثوبك لي (٥). ولا بد في جميع ذلك ونحوه من شرط الرجوع (٦) بخلاف أمر غيره بأداء ما لزمه كدين وما نزّل منزلته كقول الأسير لغيره فادني، ومن الأول أدِّ لمن ادعى علي ما ادعى به -أي قبل ثبوته- وأدِّ زكاتي أي قبل تعلقها بالذمة (٧) وإلا فهي من جملة الديون، وإذا رجع كان المرجوع به في المقدر والمعين بمثله صورة كالقرض. ولو قال اقبض ديني وهو لك قرضا صح قبضه لا قوله
стр. 709
وَفِي المُقْرِضِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، وَيَجُوزُ إقْرَاضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ إلَّا الجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الْأَظْهَرِ،
وهو إلى آخره، نعم له أجرة مثل تقاضيه، أو اقبض وديعتي مثلا وتكون لك قرضا صح وكانت قرضا وحَصِّل لي ألفا قرضا ولك عشرة جعالة فيستحق الجعل إن اقترضها له لا إن أقرضه. وقرض الأعمى واقتراضه كبيعه.
(و) يشترط (في المقرض أهلية التبرع) المطلق -المستلزمة رشده واختياره فيما يقرضه-؛ لأن فيه شائبة تبرع، ومن ثَمَّ امتنع تأجيله؛ إذ التبرع يقتضي تنجيزه ولم يجب التقابض وإن كان ربويا، فلا يصح من محجور عليه وكذا وليه إلا لضرورة بالنسبة لغير القاضي إذ له ذلك مطلقا؛ لكثرة أشغاله، نعم لا بد من يسار المقترض منه وأمانته وعدم الشبهة في ماله إن سلم منها مال المولى والإشهاد عليه وكذا أخذ رهن منه إن رأى القاضي أخذه (١) وله أيضا إقراض مال المفلس بتلك الشروط إذا رضي الغرماء بتأخير القسمة. أما المستقرض فشرطه الرشد والاختيار، وسيعلم صحة قرض السفيه المهمل و السكران (ويجوز إقراض) كل (ما يسلم فيه) أي في نوعه، فلو قال أقرضتك ألفا وقبل وتفرقا ثم أعطاه ألفا جاز إن قرب الفصل عرفاً وإلا فلا. ويجوز قرض كف من نحو دراهم على شرط أن يتبين قدرها بعد ويرد مثلها ولا أثر للجهل بها حالة العقد. ويحل إقراض النقد المغشوش; لأنه مثلي تجوز المعاملة به في الذمة وإن جهل قدر غشه لكن في غير الربا؛ لضيقه، ولو ردّ من نوعه أحسن أو أزيد وجب قبوله وإلا جاز، فإن اختلف النوع كان استبدالا فتجب المماثلة والقبض. ويمنع قرض منفعة محل معين -وهي منفعة العقار- بخلاف التي في الذمة وهي منفعة غير العقار (إلا الجارية التي تحل للمقترض في الأظهر) ولو غير مشتهاة فلا يجوز قرضها له وإن جاز السلم فيها; لأنه قد يطؤها ويردها فتصير في معنى إعارة الجواري للوطء وهو ممتنع. وخرج بتحل محُرَّمَة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة وكذا ملاعنة ونحو مجوسية (٢) ووثنية لا نحو أخت زوجة؛ لتعلق زوال مانعها باختياره ومثلها مطلقة ثلاثا ورتقاء وقرناء ومقرضة لنحو ممسوح; لأن المحذور
стр. 710
وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَرُدُّ المِثْلَ فِي المِثْلِيِّ، وَفِي المُتَقَوِّمِ المِثْلَ صُورَةً، وَقِيلَ الْقِيمَةَ. وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ مُؤْنَةٌ طَالَبَهُ بِقِيمَةِ بَلَدِ الْإِقْرَاضِ
خوف التمتع وهو موجود، ويجوز كون الخنثى مقترضا لجارية؛ لأن اتضاحه بعيد ثم إن اتضح ذكرا بان بطلان القرض; لأن العبرة في العقود بما في نفس الأمر، ولا يجوز أن يكون الخنثى مقرَضا -بفتح الراء-؛ لأنه يعز وجوده، (وما لا يسلم فيه) أي في نوعه (لا يجوز إقراضه في الأصح) ; لأن ما لا ينضبط أو يعز وجوده يتعذر أو يتعسر رد مثله إذ الواجب في المتقوم رد مثله صورة، نعم يجوز قرض الخبز والعجين، ولو خميرا حامضا؛ للحاجة والمسامحة ويرده وزنا أو عددا، وجزء شائع من دار لم يزد على النصف؛ لأن له حينئذ مثلا، لا الروبة (١)؛ لاختلاف حموضتها المقصودة، فعلم أن القرض لا بد أن يكون معلوم القدر ولو مآلا. ويجوز إقراض المكيل موزونا وعكسه (ويَردُّ) وجوبا حيث لا استبدال (المثل في المثلي (٢) ولو نقدا أبطله السلطان؛ لأنه أقرب إلى حقه (وفي المتقوِّم المثل صورة (٣)؛ لخبر مسلم ((أنه ﷺ استسلف بكرا -أي وهو الثني من الإبل- وردَّ رباعيا -أي وهو ما دخل في السنة السابعة- وقال: إن خياركم أحسنكم قضاء))، ومن لازم اعتبار المثل الصوري اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد بها القيمة فيرد ما يجمع تلك كلها حتى لا يفوت عليه شيء ويصدق المقترض فيها بيمينه. والذي يتجه في النقوط (٤) المعتاد في الأفراح أنه هبة -ولا أثر للعرف فيه لاضطرابه- ما لم يقل خذه مثلا وينوي القرض ويصدق في نية ذلك هو أو وارثه، ومحل الخلاف في النقوط كما يأتي إذا كان صاحب الفرح يعتاد أخذه لنفسه أما إذا اعتيد أنه لنحو الخاتن وأن معطيه إنما قصده فقط فلا رجوع للمعطي على صاحب الفرح جزما (وقيل) يرد (القيمة) يوم القبض وأداء المقرض كأداء المسلم فيه في جميع ما مر فيه صفة وزمنا ومحلا. (و) لكن (لو ظفر) المقرض (به) أي بالمقترض (في غير محل الإقراض وللنقل) من محله إلى محل الظفر (مؤنة) ولم يتحملها المقرض (طالبه بقيمة بلد الإقراض) يوم المطالبة؛ لجواز الاعتياض عنه لا
стр. 711
وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، وَلَوْ رَدَّ هَكَذَا بِلَا شَرْطٍ فَحَسَنٌ. وَلَوْ شَرَطَ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ لَغَا الشَّرْطُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ. وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ،
بالمثل؛ للضرر وهي للفيصولة فلو اجتمعا ببلد الإقراض لم يكن للمقرض ردها وطلب المثل ولا للمقترض طلب استردادها. أما إذا لم تكن له مؤنة أو تحملها المقرض فيطالبه به، نعم النقد الذي يعسر نقله كالذي لنقله مؤنة (ولا يجوز) قرض نقد أو غيره إن اقترن (بشرط رد صحيح عن مكسر أو) رد (زيادة) على القدر المقرض أو رد جيد عن رديء أو غير ذلك من كل شرط جر منفعة للمقرض كرده ببلد آخر أو رهنه بدين آخر فإن فعل فسد العقد؛ لخبر ((كل قرض جر نفعا فهو ربا))، ومن ربا القرضِ القرضُ لمن يستأجر ملكه -أي مثلا- بأكثر من قيمته لأجل القرض إن وقع ذلك شرطا؛ إذ هو حينئذ حرام إجماعا وإلا كره (ولو رد) وقد اقترض لنفسه من ماله (هكذا) أي زائدا قدرا أو صفة (بلا شرط فحسن) ومن ثم ندب ذلك ولم يكره للمقرض الأخذ كقبول هديته ولو في الربوي وكذا كل مدين؛ للخبر السابق وفيه ((إن خياركم أحسنكم قضاء)) ولو عُرِف المستقرض برد الزيادة كره إقراضه إن قصد ذلك (١) (ولو شرط مكسرا عن صحيح أو أن يقرضه) شيئا آخر (غيره لغا الشرط) فيهما ولم يجب الوفاء به; لأنه وعد تبرع (والأصح أنه لا يفسد العقد)؛ إذ ليس فيه جر منفعة للمقرض (٢) (ولو شرط أجلا فهو كشرط مكسر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرض) صحيح أو له والمقترض غير مليء فيلغو لأجل امتناع التفاضل فيه كالربا ويصح العقد؛ لأنه زاد في الإرفاق بجر المنفعة للمقترض، ويسن الوفاء بالتأجيل ونحوه; لأنه وعد خير ولا يتأجل الحال إلا بالوصية، أما لو نذر ذو دينٍ حال أن لا يطالب غريمه فإن كان معسرا لغا؛ لأن انتظاره واجب أو موسرا وفي الصبر عليه فائدة كرجا غلوّ سعرِ بضاعته لزمه؛ لأن القربة ذاتية حينئذٍ أو ليس فيه ذلك لغا إذ لا قربة فيه كذلك (٣).
стр. 712
وَإِنْ كَانَ كَزَمَنِ نَهْبٍ فَكَشَرْطِ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ. وَيُمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ، وَفِي قَوْلٍ بِالتَّصَرُّفِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ فِي الْأَصَحِّ،
(وإن كان) للمقرض غرض (كزمن نهب) والمقترض مليء (١) (فكشرط) رد (صحيح عن مكسر) فيفسد العقد (في الأصح (٢)؛ لأن فيه جر منفعة للمقرض (وله) أي المقرض (شرط رهن وكفيل) عينا قياسا على ما مر في البيع وإقرار به وحده عند حاكم وإشهاد عليه; لأنه مجرد توثقه فله إذا اختل الشرط الفسخ وإن كان له الرجوع بلا شرط; لأن الحياء والمروءة يمنعانه منه. (ويملك القرض بالقبض) السابق في المبيع (وفي قول بالتصرف) المزيل للملك، وتظهر فائدة الخلاف في النفقة ونحوها وكذا في الإبراء فيصح على الأول؛ لأنه بملكه له انتقل بدله لذمته لا الثاني؛ لبقاء العين بملك المقرض فلم يصح الإبراء منها (وله) بناء على الأول (الرجوع في عينه ما دام باقيا) في ملك المقترض (بحاله) بأن لم يتعلق بها حق لازم (في الأصح) وإن دبره أو زال عن ملكه ثم عاد؛ لأن له طلب بدله عند فواته فعينه أولى، وللمقترض رده عليه قهرا. وخرج بحاله رهنه وكتابته وجنايته إذا تعلقت برقبته فلا يرجع فيه حينئذٍ، نعم لو أجرّه رجع فيه كما لو زاد، ثم إن اتصلت الزيادة أخذه بها وإلا فبدونها أو نقص فإن شاء أخذه مع أرشه أو مثله سليما، ويصدق المقترض أنه قبضه بهذا النقص (٣). وإذا رجع فيه مؤجرا فإن شاء صبر لانقضاء المدة ولا أجرة له وإن شاء أخذ بدله (٤).
стр. 713
كتاب الرهن
لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مُقْتَضَاهُ كَتَقَدُّمِ المُرْتَهَنِ بِهِ أَوْ مَصْلَحَةٌ لِلْعَقْدِ كَالْإِشْهَادِ أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ صَحَّ الْعَقْدُ. وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ المُرْتَهِنَ بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ نَفَعَ المُرْتَهِنَ وَضَرَّ الرَّاهِنَ كَشَرْطِ مَنْفَعَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الرَّهْنُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَحْدُثَ زَوَائِدُهُ مَرْهُونَةً فَالْأَظْهَرُ فَسَادُ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَسَدَ فَسَدَ الْعَقْدُ
(كتاب الرهن)
هو لغة الثبوت، وشرعا جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه. وأصله قبل الإجماع آية ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ البقرة: ٢٨٣. وأركانه عاقد ومرهون ومرهون به وصيغة فـ (لا يصح إلا بإيجاب وقبول) أو استيجاب وإيجاب بشروطهما السابقة في البيع؛ لأنه عقد مالي مثله، ومن ثم جرى هنا خلاف المعاطاة، فلابد من خطاب الوكيل على المعتمد نظير ما مر في البيع. ولو قال دفعت إليك هذا وثيقة بحقك علي فقال قبلت، أو بعتك هذا بكذا على أن ترهنني دارك به فقال اشتريت ورهنت كان رهنا. (فإن شرط فيه مقتضاه كتقدم المرتهن به) أي المرهون عند تزاحم الغرماء (أو) شرط فيه (مصلحة للعقد كالإشهاد) بالمرهون به وحده فقط، ولذا لو قال بشرط أن تشهد به وبرهن آخر عندك فسد (أو) شرط فيه (ما لا غرض فيه) كأن لا يأكل المرهون إلا كذا (صح العقد) كالبيع ولغا الشرط الأخير. (وإن شرط ما يضر المرتهن) وينفع الراهن كأن لا يباع عند المحل أو إلا بأكثر من ثمن المثل (بطل) الشرط، و (الرهن)؛ لمنافاته لمقصوده (١) (وإن نفع) الشرط (المرتهن وضر الراهن كشرط منفعته) من غير تقييد (للمرتهن بطل الشرط، وكذا الرهن) يبطل (في الأظهر)؛ لما فيه من تغير قضية العقد. أما لو قيدها بسنة مثلا وكان الرهن مشروطا في بيع فهو جمع بين بيع وإجارة فيصحان (ولو شرط أن تحدث زوائده مرهونة فالأظهر فساد الشرط)؛ لعدمها (وأنه متى فسد) الشرط المخالف لمقتضى العقد (فسد العقد) أي عقد الرهن بفساده؛ لما مر.
стр. 714
وَشَرْطُ الْعَاقِدِ كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَرْهَنُ الْوَلِيُّ مَالَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ. وَشَرْطُ الرَّهْنِ كَوْنُهُ عَيْنًا فِي الْأَصَحِّ. وَيَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ،
(وشرط العاقد) الراهن والمرتهن الاختيار (وكونه مطلق التصرف)؛ لأنه عقد مالي كالبيع، والمراد بمطلقه هنا كونه أهلا للتبرع (فلا يرهن الولي) بسائر أقسامه (مال) موليه كالسفيه و (الصبي والمجنون)؛ لأنه يحبسه من غير عوض إلا لضرورة -كما لو اقترض لحاجة ممونه أو لحاجة ضياعه مرتقبا غلتها أو حلول دين له أو نفاق متاعه الكاسد- أو غبطة ظاهرة كأن يشتري للمولى ما يساوي مائتين بمائة نسيئة ويرهن بها ما يساوي مائة، فلو امتنع البائع إلا برهن ما يزيد على المائة ترك الشراء، وفي هذه الصور لا يرهن إلا عند أمين يجوز إيداعه زمن أمن أو لا يمتد الخوف إليه (ولا يرتهن لهما) أو للسفيه؛ لأنه في حال الاختيار لا يبيع إلا بحال مقبوض، ولا يقرض إلا القاضي كما مر (إلا لضرورة) كما إذا أقرض ماله أو باعه مؤجلا لضرورة كنهب، ويشترط حينئذٍ أن يكون المرهون عند الولي ولا يمتد الخوف إليه، وله الارتهان أيضا إن تعذر عليه استيفاء دينه أو إن أراد الاستيثاق لموليه فيما ورثه من دين مؤجل (أو غبطة ظاهرة) بأن يبيع ماله عقارا كان أو غيره مؤجلا بغبطة فيلزمه الارتهان (١) بالثمن كالمأذون إن أعطي مالا أو ربح.
(وشرط الرهن) أي المرهون (كونه عينا) يصح بيعها ولو موصوفة بصفة السلم (في الأصح) فلا يصح رهن المنفعة؛ لأنها تتلف شيئا فشيئا، ولا رهن الدين ولو ممن هو عليه، نعم من مات مدينا وله منفعة أو دين تعلق الدين بتركته ومنها دينه ومنفعته تعلق رهن. ولا يصح أيضا رهن وقف ومكاتب وأم ولد. (ويصح رهن المشاع (٢) من الشريك وغيره وقبضه بقبض الجميع كالمبيع، ولا يحتاج لإذن الشريك إلا في المنقول فإن لم يأذن ورضي المرتهن كونه بيده جاز وناب عنه في القبض وإلا أقام الحاكم عدلا يكون في يده لهما، فعلم صحة رهن نصيبه من بيت معين من دار مشتركة بلا إذن شريكه كما يجوز بيعه فلو اقتسماها قسمة
стр. 715
وَالْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَعَكْسُهُ، وَعِنْدَ الحَاجَةِ يُبَاعَانِ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تُقَوَّمُ الْأُمُّ وَحْدَهَا ثُمَّ مَعَ الْوَلَدِ فَالزَّائِدُ قِيمَتُهَا. وَرَهْنُ الجَانِي وَالمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا. وَرَهْنُ المُدَبَّرِ. وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ بَاطِلٌ عَلَى المَذْهَبِ
صحيحة فخرج المرهون لشريكه لزمه قيمته رهنا؛ لأنه حصل له بدله من غير تعيين. (و) يصح رهن (الأم) القنة (دون ولدها) القن ولو صغيرا (وعكسه)؛ لبقاء الملك فيهما فلا تفريق (وعند الحاجة يباعان) معا إذا ملكهما الراهن وكان الولد في سن يحرم فيه التفريق؛ لتعذر بيع أحدهما حينئذ (ويوزع الثمن) عليهما ثم يقدم المرتهن بما يخص المرهون منهما (والأصح أنه تقوم الأم) إذا كانت هي المرهونة (وحدها) مع اعتبار كونها -فيما إذا قارن وجود الولد لزوم الرهن- ذات ولد حاضنة له؛ لأنها رهنت كذلك، فإذا ساوت حينئذ حُفظ، (ثم) تقوَّم (مع الولد) فإذا ساويا مائة وخمسين فالخمسون قيمة الولد وهي ثلث المجموع، فإن كان الولد مرهونا دونها انعكس الحكم فيقوم وحده محضونا مكفولا، ثم معها (فالزائد قيمتها)، وكالأم من ألحق بها في حرمة التفريق كما مرَّ (ورهن الجاني والمرتد كبيعهما) السابق في البيع صريحا في الأول وفي الخيار ضمنا في الثاني، فيصح رهن جان لم يتعلق برقبته مال ومرتد مطلقا كقاطع طريق وإن تحتم قتله (ورهن المدبر) باطل؛ لاحتمال عتقه دوما بموت السيد (والمعلق عتقه بصفة يمكن سبقها حلول الدين) يعني لم يعلم حلوله قبلها (باطل على المذهب)؛ لفوات غرض الرهن بعتقه المحتمل قبل الحلول، ولو تيقن وجودها قبل الحلول بطل جزما ما لم يشترط بيعه قبلها في جميع الصور؛ لزوال الضرر. وأفهم المتن صحة رهن الثاني إذا علم الحلول قبلها وكذا إذا كان الدين حالا.
стр. 716
وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ فُعِلَ، وَإِلَّا فَإنْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ أَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْنًا صَحَّ،
(ولو رهن ما يسرع فساده فإن أمكن تجفيفه -كرطب) وعنب يجيء منهما تمر وزبيب- ولو على شجرهما ولو قبل بدو الصلاح وإن لم يشرط القطع على تفصيل في ذلك في الروضة وغيرها (١)، وكلحم (٢) صح الرهن مطلقا وإن لم يشرط التجفيف؛ إذ لا محذور، ثم إن رهن بمؤجل لا يحل قبل فساده بأن كان يحل بعده أو معه أو قبله بزمن لا يسع البيع (فعل) ذلك التجفيف عند خوف فساده أي فعله المالك ومؤنته عليه؛ حفظا للرهن، فإن امتنع أجبر عليه فإن تعذر أخذ شيء منه باع الحاكم جزءا منه وجفف بثمنه، ولا يتولاه المرتهن إلا بإذن الراهن إن أمكن وإلا راجع الحاكم. أما إذا كان يحل قبل فساده بزمن يسع البيع فإنه يباع (وإلا) يمكن تجفيفه (فإن رهنه بدين حال أو مؤجل يحل قبل فساده) بزمن يسع بيعه على العادة (أو) يحل بعد فساده أو معه لكن (شرط) في هذه الصورة (بيعه) أي عند إشرافه على الفساد لا الآن
стр. 717
وَيُبَاعُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، فَإِنْ شَرَطَ مَنْعَ بَيْعِهِ لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ أَطْلَقَ فَسَدَ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ قَبْلَ الْأَجَلِ صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِنْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ لَمْ يَنْفَسِخِ الرَّهْنُ بِحَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ، وَهُوَ فِي قَوْلٍ عَارِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ
وإلا بطل (وجعل الثمن رهنا) مكانه، ويجب اشتراط هذا الجعل؛ لأنه من مصالح المرتهن (صح) الرهن في الصور الثلاث؛ لانتفاء المحذور (ويباع) في تلك الثلاث وجوبا أي يرفعه المرتهن للحاكم عند نحو امتناع الراهن ليبيعه (عند خوف فساده)؛ حفظا للوثيقة فإن أخره حتى فسد ضمنه (ويكون ثمنه) في الأخيرة (رهنا) من غير إنشاء عقد عملا بالشرط ويجعل ثمنه رهنا في الأوليين بإنشاء العقد (١) (فإن شرط منع بيعه) قبل الفساد (لم يصح) الرهن؛ لمنافاة الشرط لمقصود التوثق (وإن أطلق) فلم يشرط بيعا ولا عدمه (فسد) الرهن (في الأظهر)؛ لتعذر استيفاء الحق من المرهون عند المحل؛ لفساده قبله (وإن لم يعلم هل يفسد قبل الأجل صح) الرهن المطلق (في الأظهر)؛ إذ الأصل عدم فساده قبل الحلول (وإن رهن) بمؤجل (ما لا يسرع فساده فطرأ ما عرضه للفساد) قبل الحلول (كحنطة ابتلت) وإن تعذر تجفيفها (لم ينفسخ الرهن بحال) وإن طرأ ذلك قبل قبضه; لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء فيباع فيهما عند تعذر تجفيفه قهرا على الراهن إن امتنع الراهن من البيع والحال أنه قبض المرهون (٢) ويجعل ثمنه (٣) رهنا مكانه حفظا للوثيقة. (ويجوز أن يستعير شيئا ليرهنه) إجماعا، وإن كانت العارية ضمنا كما لو قال لغيره ارهن عبدك على ديني ففعل فإنه كما لو قبضه ورهنه، (وهو) أي عقد العارية بعد الرهن (في قول عارية)؛ لأنه قبضه بإذنه لينتفع به (والأظهر أنه ضمان دين في رقبة) وعليه فلا يتعلق شيء من الدين بذمة المعير (٤) (ذلك الشيء)؛ لأن الانتفاع هنا إنما يحصل بإهلاك العين ببيعها في الدين فهو منافٍ لوضع العارية،
стр. 718
فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا المَرْهُونُ عِنْدَهُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ المُرْتَهَنِ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا رُوجِعَ المَالِكُ لِلْبَيْعِ. وَيُبَاعُ إنْ لَمْ يُقْضَ الدَّيْنُ ثُمَّ يَرْجِعُ المَالِكُ بِمَا بِيعَ بِهِ.
ومن ثم صح هنا فيما لا تصح فيه كالنقد (فيشترط ذكر جنس الدين وقدره وصفته) كحلوله وتأجيله وصحته وتكسيره، نعم لو قال له ارهن عبدي بما شئت صح أن يرهنه بأكثر من قيمته (وكذا المرهون عنده) وكونه واحدا أو متعددا (في الأصح)؛ لاختلاف الغرض بذلك، فإن خالف شيئا من ذلك ولو بأن يعين له زيدا فيرهن من وكيله -لا عكسه (١) - أو يعين له ولي محجور فيرهن منه بعد كماله بطل كما لو عين له قدرا فزاد لا إن نقص وكما لو استعاره ليرهنه من واحد فرهنه من اثنين أو عكسه (فلو تلف في يد) الراهن ضمن; لأنه مستعير الآن اتفاقا أو في يد (المرتهن فلا ضمان) على المرتهن بحالٍ؛ لأنه أمين، ولا على الراهن على قول الضمان؛ لأنه لم يسقط الحقّ عن ذمته، نعم إن رهن فاسدا ضمن الراهن -أي المعير- بالتسليم؛ لأن المالك لم يأذن في وضع يده عليه في هذه الحالة أصلا (٢)، ويضمن المرتهن أيضا ويرجع حينئذ على الراهن إن لم يعلم الفساد وكونها مستعارة (ولا رجوع للمالك) فيه (بعد قبض المرتهن) وإلا لغت فائدة هذا الرهن (فإن حلّ الدين أو كان حالا روجع المالك للبيع) ; لأنه قد يفدي ملكه (ويباع) -ولو بما يُتغابن به- من قِبل الحاكم وإن لم يأذن المالك (إن لم يُقض الدين) ولو أيسر الراهن (ثم يرجع المالك) على الراهن (بما بيع به) ; لأنه لم يقض من الدين غيره.
[تنبيه] ألغز شارح فقال لنا مرهون يصح بيعه جزما بغير إذن المرتهن وصورته أنه استعار شيئا ليرهنه بشروطه ففعل ثم اشتراه المستعير من المعير بغير إذن المرتهن.
стр. 719
فصل
شَرْطُ المَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا ثَابِتًا لَازِمًا فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ المَغْصُوبَةِ وَالمُسْتَعَارَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ
(فصل) في شروط المرهون به ولزوم الرهن
(شرط المرهون به) ليصح الرهن (كونه دينا) ولو زكاة (١) أو منفعة كالعمل في إجارة الذمة؛ لإمكان استيفائه ببيع المرهون وتحصيله من ثمنه لا إجارة العين؛ لتعذر استيفائه من غير العين، ويشترط أيضا في المرهون به كونه معينا معلوماً قدره وصفته فلو ظن دينا فرهن أو أدى فبان عدمه لغا الرهن والأداء أو ظن صحة شرط رهن فاسد فرهن وثَمَّ دين في نفس الأمر صح (٢)؛ لوجود مقتضيه حينئذ (ثابتا) أي موجودا حالا (لازما) في نفسه كثمن المبيع بعد الخيار دون دين الكتابة سواء وجد معه استقرار كدين قرض وإتلاف أم لا كثمن مبيع لم يقبض وأجرة قبل استيفاء المنفعة (فلا يصح) الرهن (بالعين) المضمونة كالمأخوذة بالسوم أو البيع الفاسد و (المغصوبة والمستعارة) وألحق بها ما يجب رده فورا كالأمانة الشرعية (في الأصح) ; لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة. أما الأمانة الجعلية كالوديعة فلا يصح بها جزما، وبه علم بطلان ما اعتيد من أخذ رهن من مستعير كتاب موقوف، نعم إن شرط الواقف أخذ رهن فإن عنى الرهن الشرعي فباطل أو اللغوي وأراد أن يكون المرهون تذكرة صح (٣)، وإن جهل مراده صحّ حملا على اللغوي؛ تصحيحا للكلام ما أمكن وحينئذٍ فالشرط بلوغها ثمنه لو أمكن بيعه على ما بُحث (ولا) يصح الرهن (بما) ليس بثابت سواء وجد سبب وجوبه كنفقة زوجته في الغد أم لا كرهن شخص على ما (سيقرضه)
стр. 720
وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ فَقَالَ اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ أَوْ قَالَ بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ فَقَالَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَصِحُّ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلَا بِجَعْلِ الجِعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَقِيلَ يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَيَجُوزُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ. وَبِالدَّيْنِ رَهْنٌ بَعْدَ رَهْنٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ المَرْهُونَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ فِي الجَدِيدِ. وَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِقَبْضِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ
شخص آخر أو سيشتريه; لأنه وثيقة حق فلا تقدم عليه كالشهادة (و) قد يغتفر تقدم أحد شقي الرهن على ثبوت الدين؛ لحاجة التوثق كما (لو قال أقرضتك هذه لدراهم وارتهنت بها عبدك) هذا أو الذي صفته كذا (فقال اقترضت ورهنت أو قال بعتكه بكذا وارتهنت) بثمنه هذا (الثوب) أو ما صفته كذا (فقال اشتريت ورهنت صح في الأصح)؛ لجواز شرط الرهن في ذلك فمزجه أولى لأن التوثق فيه آكد إذ قد لا يفي بالشرط. واستفيد من صنيع المتن أن الشرط وقوع أحد شقي الرهن بين شقي نحو البيع والآخر بعدهما فيصح إذا قال بعني هذا بكذا ورهنت به هذا فقال بعت وارتهنت. (ولا يصح) الرهن بغير لازم ولا آيل للزوم، وإن كان ثابتا; لأنه لا فائدة في التوثق بدين يتمكن المدين من إسقاطه فلا يصح (بنجوم الكتابة ولا بجعل الجعالة قبل الفراغ) وإن شرع في العمل بخلافه بعد الفراغ؛ للزومه حينئذ (وقيل يجوز بعد الشروع، ويجوز) الرهن (بالثمن في مدة الخيار) ; لأنه يئول إلى اللزوم، ومحله إن ملك البائع الثمن لكون الخيار للمشتري وحده كما مر ولا يباع المرهون إلا بعد انقضاء الخيار. (و) يجوز (بالدين) الواحد (رهن بعد رهن) وإن اختلف جنسهما (ولا يجوز أن يرهنه المرهونَ عنده بدين آخر) موافق لجنس الأول أو لا (في الجديد) وإن وفّى بالدينين، وفارق ما قبله بأن ذاك شغل فارغ فهو زيادة في التوثقة وهذا شغل مشغول فهو نقص منها، نعم لو أنفق المرتهن على المرهون بإذن الراهن أو الحاكم لنحو غيبة الراهن أو عجزه ليكون مرهونا بالنفقة صحّ؛ لأن فيه مصلحة حفظ الرهن. (ولا يلزم) الرهن من جهة الراهن (إلا) بإقباضه أو (بقبضه) أي المرتهن نظير ما مر في البيع مع إذنه له فيه إن كان المقبض غيره؛ لقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ البقرة: ٢٨٣، نعم قد لا يلزم لعارض كما لو شرط في بيع وأقبضه في المجلس فبراهن حينئذ فسخ الرهن بفسخ البيع (ممن يصح عقده) أي الرهن، فلا يصح من نحو صبي ومجنون ومحجور ومكره؛ لانتفاء أهليتهم ولا من وكيل راهن جُنَّ أو أغمي عليه قبل إقباض وكيله
стр. 721
وَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ لَكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ رَاهِناً وَلَا عَبْدَهُ، وَفِي المَأْذُونِ لَهُ وَجْهٌ، وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ. وَلَوْ رَهَنَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُودَعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ قَبْضِهِ، وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ إذْنِهِ فِي قَبْضِهِ، وَلَا يُبْرِئُهُ ارْتِهَانُهُ عَنِ الْغَصْبِ، وَيُبْرِئُهُ الْإِيدَاعُ فِي الْأَصَحِّ
ولا من مرتهن أذن له الراهن أو أقبضه فطرأ له ذلك قبل قبضه، ولا يرد عليه سفيه ارتهن وليه على دينه ثم أذن له في قبض الرهن؛ لأنه يتعين حينئذٍ حضور الولي (وتجري فيه النيابة) من الطرفين كالعقد (لكن لا يستنيب) المرتهن في القبض (راهنا) ولا وكيله في الإقباض كعكسه؛ لامتناع اتحاد القابض والمقبض، ومن ثم لو كان الراهن وكيلا في الرهن فقط فوكله المرتهن في القبض أو عقد ولي الرهنَ فرشد المولى ثم وكل المرتهن الولي في القبض جاز؛ إذ لا اتحاد حينئذ (ولا عبده) ولو مأذونا وأم ولد; لأن يده كيده (وفي المأذون) له في التجارة (وجه) مردود (ويستنيب مكاتبه) كتابة صحيحة؛ لاستقلاله باليد والتصرف كالأجنبي ومبعضا وقعت الإنابة في نوبته. (ولو رهن وديعة عند مودع أو مغصوبا عند غاصب) أو مستعيرا عند مستعير أو رهن أصل من فرعه المحجور أو ارتهن له (لم يلزم) هذا الرهن (ما لم يمض زمن إمكان قبضه) من وقت الإذن مع النقل أو التخلية نظير ما مر في البيع. ولا يشترط ذهابه إليه (والأظهر) في غير الولي؛ إذ العبرة فيه بالقصد فقط (اشتراط إذنه) أي الراهن (في قبضه) ; لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن ولم يقع تعرض للقبض عنه (ولا يبرئه ارتهانه) ونحو إجارته وتوكيله وقراضه عليه وتزوجه إياها وإبراؤه عن ضمانه قبل رده لمالكه (١) (عن الغصب) ونحوه من كل ضمان يد كالعارية; لأن نحو الرهن توثق لا ينافي الضمان، ومن ثم لو تعدى فيه المرتهن لم يرتفع.
[تنبيه] إنما برئ عن ضمان الوديعة لو تعدى فيها فأبرأه المالك؛ لأن يد الوديع الضمان طارئ عليها بخلاف يد الغاصب ونحوه (ويبرئه الإيداع) كاستأمنتك عليه أو أذنت لك في حفظه (في الأصح) ; لأنه محض ائتمان فينافيه الضمان.
стр. 722
وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ المِلْكَ كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ وَكَذَا تَدْبِيرُهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَبِإِحْبَالِهَا، لَا الوَطْءِ وَالتَزْوِيجِ. وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ جُنَّ أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ، لَمْ يَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ المُقْبِضِ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ، لَكِنْ فِي إعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا يَنْفُذُ مِنَ المُوسِرِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ يَوْمَ عِتْقِهِ رَهْنًا،
(ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة وبرهن مقبوض)؛ لتعلق حق الغير به لا غير مقبوض (١) (وكتابة) صحيحة (وكذا) فاسدة و (تدبيره في الأظهر)؛ لمنافاة ذلك لمقصود الرهن، وإن جاز الرجوع عنه، (وبإحبالها)؛ لامتناع بيعها، (لا الوطء) فقط; لأنه استخدام (والتزويج)؛ إذ لا تعلق له بمورد العقد (ولو مات العاقد قبل القبض أو جن) أو أغمي عليه أو طرأ عليه حجر سفه أو فلس أو خرس ولم تبق له إشارة مفهمة (أو تخمر العصير أو أبق العبد) أو جنى قبل القبض في الكل (لم يبطل) الرهن (في الأصح) أما غير الأخيرين فكالبيع في زمن الخيار بجامع أن مصير كلٍّ اللزوم فيقوم في الموت الوارث مقام مورثه في القبض والإقباض وفي غيره من ينظر في أمر نحو المجنون فيعمل فيه بالمصلحة وأما في الأخيرتين -كالجناية-؛ فلأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ويعود الرهن بالانقلاب خلا وبعود الآبق وعفو المجني عليه، ويمتنع القبض حال التخمر (وليس للراهن المقبض) أي يحرم عليه ولا ينفذ منه (تصرف) مع غير المرتهن بغير إذنه (يزيل الملك) كالبيع والوقف; لأنه حجَّر على نفسه بالرهن مع القبض، نعم له قتله قودا ودفعا وكذا لنحو ردة إذا كان واليا (لكن في إعتاقه) -عن نفسه تبرعا أو كفارة- ومثله سيد جان تعلق برقبته حال (أقوال أظهرها ينفذ) ويجوز (من الموسر) دون المعسر (ويغرم) وجوبا؛ جبرا لحق المرتهن (قيمته) في المؤجل وبأقل الأمرين من قيمته حال الإعتاق والدين في الحال (٢)، وتعتبر القيمة بـ (يوم عتقه) ; لأنه وقت الإتلاف وتصير حيث لم يقض بها الدين الحال (رهنا) مكانه بلا
стр. 723
فَإِنْ لَمْ يُنْفِذْهُ فَانْفَكَّ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ رَهْنٌ فَكَالْإِعْتَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ نَفَذَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا رَهْنُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا التَّزْوِيجُ، وَلَا الْإِجَارَةُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا، وَلَا الْوَطْءُ،
عقد؛ لقيامها مقامه، ومن ثم حكم برهنيتها في ذمة المعتق كالأرش في ذمة الجاني (١). ويشترط قصد دفعها عن جهة الغرم كسائر الديون -ويكفي أذنه لغيره في الأداء عن دينه؛ لتضمنه النية (٢) - فلو قال قصدت الإيداع صدق بيمينه ولو أيسر ببعضه نفذ فيما أيسر به، وخرج بـ ((عن نفسه)) ما لو أعتقه عن كفارة غير المرتهن فيمتنع; لأنه بيع أو هبة، وعتقه تبرعا عن غير المرتهن باطل؛ لذلك أيضا، وظاهر أن الإعتاق عن المرتهن جائز كالبيع منه (٣). ولو رهن بعض قنه ثم أعتق باقيه سرى للمرهون إن أيسر وإلا فلا (فإن لم ينفذه) لإعساره (فانفك) الرهن بأداء أو غيره (٤) (لم ينفذ في الأصح)؛ لأنه أُلغي لوجود مانعه فلم يعد لضعفه، فإن بيع في الدين ثم ملكه لم يعتق جزماً (ولو علقه بصفة فوجدت وهو رهن فكالإعتاق) فينفذ من الموسر لا المعسر بل تنحل اليمين (أو) وجدت (بعده) أي الفك أو معه (نفذ) العتق ولو من معسر (على الصحيح)؛ إذ لا يبطل به حق أحد (ولا رهنه) عطف على ((تصرف يزيل الملك)) (لغيره) أي المرتهن؛ لمزاحمته له، ومرَّ امتناعه له أيضا (ولا التزويج) للعبد وكذا الأمة لكن لغير المرتهن كما علم مما قبله; لأنه ينقص قيمته، نعم تجوز الرجعة (ولا الإجارة إن كان الدين حالا أو يحل قبلها) أي قبل انقضاء مدتها; لأنها تقلل الرغبة فيه فتبطل من أصلها كسابقيها إلا من المرتهن أو بإذنه بخلاف ما يحل بعد انقضائها أو معه ولو احتمالا فيجوز إن لم تنقص بها قيمة المرهون ولم تمتد مدة تفريغه لما بعد الحلول زمنا له أجرة وكانت من ثقة إلا أن يرضى المرتهن بغيره، ثم إن اتفق حلوله مع بقائها لنحو موت الراهن صَبَرَ لانقضائها (ولا الوطء (٥)
стр. 724
فَإِنْ وَطِئَ فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيلَادِ أَقْوَالُ الْإِعْتَاقِ، فَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانْفَكَّ نَفَذَ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ مَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ غَرِمَ قِيمَتَهَا رَهْنًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ كَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى، لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَقْلَعْ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ يُقْلَعُ إنْ لَمْ تَفِ الْأَرْضُ بِالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ
أو الاستمتاع به أو الاستخدام إن جر لوطء، وذلك؛ لخوف الحبل فيمن يمكن حبلها وحسما للباب في غيرها، نعم لو خاف الزنا لو لم يطأها جاز (فإن وطئ) راهنها المالك لها (فالولد حر) نسيب; لأنها علقت به في ملكه فلا حد ولا مهر، نعم عليه في البكر أرش البكارة يقضيه من الدين -وإن لم يحل- أو يجعله رهنا. (وفي نفوذ الاستيلاد أقوال الإعتاق) أظهرها نفوذه من الموسر فقط وتصير قيمتها -بقيدها السابق وقت الإحبال أي وإن كانت أقل، نظير ما مر- هنا مكانها (فإن لم ننفذه)؛ لإعساره (فانفك) الرهن بلا بيع (نفذ) الاستيلاد (في الأصح)، أما إذا انفك ببيعها في الدين ثم عادت إلى ملكه فينفذ الاستيلاد في الأظهر (فلو) لم ننفذه لإعساره حالة الإحبال، و (ماتت) أو نقصت (بالولادة) ثم أيسر (غرم قيمتها) وقت الإحبال أو الأرش، ويكون (رهنا) مكانها من غير إنشاء رهن (في الأصح)؛ لتسببه لهلاكها أو نقصها بالاستيلاد بلا حق، ولا قيمة لمزني بها ولا دية لحرة موطوءة بشبهة ماتتا بالإيلاد بخلاف أمة موطوءة بشبهة ماتت به، (وله) أي الراهن (كل انتفاع لا ينقصه) أي المرهون (كالركوب) في البلد؛ لامتناع السفر به -وإن قصر- بلا إذن إلا لضرورة كنهب أو جدب (والسكنى) ولبس خفيف؛ للخبر الصحيح ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا)) (لا البناء والغراس)؛ لنقصهما قيمة الأرض إلا إذا كان الدين مؤجلا وقال الراهن افعل واقلع عند الحلول ولم تنقص الأرض بالقلع ولا طالت مدته أي زمنا له أجرة (فإن فعل لم يقلع قبل الأجل)؛ لتحقق ضرر قلعه الآن مع إمكان أداء الدين من غيره أو وفاء قيمة الأرض به (وبعده) أي الحلول (يقلع) وجوبا (إن لم تف) قيمة (الأرض بالدين وزادت به) أي القلع ولم يحجر على الراهن ولا إذن في بيعها مع ما فيها؛ لتعلق حق المرتهن بأرض فارغة، أما إذا وفت الأرض به أو لم تزد بالقلع أو حجر عليه بفلس أو أذن الراهن فيما ذكر ولم تكن قيمة الأرض بيضاء أكثر من قيمتها مع ما فيها فلا يقلع بل يباع معها ويوزع الثمن عليهما ويحسب النقص عليه في الأخيرة (١)
стр. 725
ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ لَمْ يَسْتَرِدَّ وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّ. وَيُشْهِدُ إنِ اتَّهَمَهُ. وَلَهُ بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ المُؤَجِّلَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الْأَظْهَرِ
والثالثة (١)، (ثم إن أمكن الانتفاع بغير استرداد لم يسترد)؛ إذ لا ضرورة إليه (وإلا) يمكن الانتفاع به إلا بالاسترداد كالخدمة وإن كان له حرفة يمكن عملها بيد المرتهن (فيسترد)؛ للضرورة بالنسبة لما أراده المالك منه ويردّ وقت فراغه للمرتهن كالليل أي الوقت الذي اعتيد الراحة فيه منه، نعم لا يسترد الجارية إلا إذا أمن منه وطؤها؛ لكونه محرما أو ثقة وعنده مانع خلوة (ويُشهد) المرتهن عليه بالاسترداد للانتفاع شاهدين أو واحدا ليحلف معه كل مرة قهرا عليه (إن اتهمه) وإن اشتهرت عدالته بخلاف غير المتهم بأن ثبتت عدالته فلا يلزمه إشهاد أصلا وبخلاف المشهور بالخيانة فإنه لا يسلم إليه وإن أشهد (وله بإذن المرتهن) وأن رد الراهن إذن المرتهن (ما منعناه)؛ لأن المنع لحقه.
ويبطل الرهن بما يزيل الملك أو نحوه كالرهن لغير المرتهن، أما المرتهن فيصح (٢) رهنه منه بدين آخر إن جعل العاقدان الرهن الثاني فسخا للأول وإلا فلا يصح؛ لمنافاته للعقد الأول مع بقائه (وله) أي المرتهن (الرجوع) عن الإذن (قبل تصرف الراهن) تصرفا لازما فله الرجوع بعد نحو الهبة وقبل القبض، نعم لو أذن له في بيع فباع بشرط الخيار لم يصح رجوعه؛ لأن وضع البيع اللزوم كما مر، وكرجوعه خروجه عن الأهلية بنحو إغماء أو حجر (فإن تصرف) بعد إذنه فيما يتوقف عليه (جاهلا برجوعه فكتصرف وكيل جهل عزله) فلا ينفذ (ولو أذن) له (في بيعه ليعجل) له المرهون به (المؤجل من ثمنه) أي بأن شرط عليه التعجيل لفظاً أو قال: ((أذنت لك في بيعة لتعجل المؤجل)) وأراد بقوله هذا الاشتراط وإلا لم يضر ذكره (لم يصح البيع)؛ لفساد الإذن بشرط التعجيل (وكذا لو شرط) في الإذن في بيعه (رهن الثمن) أي إنشاء رهنه مكانه فإنه لا يصح البيع وإن حل الدين (في الأظهر)؛ لفساد الشرط بجهالة
стр. 726
فصل
إذَا لَزِمَ الرَّهْنُ فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَا تُزَالُ إلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ شَرَطَا وَضْعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ جَازَ، أَوْ عِنْدَ اثْنَيْنِ وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوِ الِانْفِرَادِ بِهِ فَذَاكَ. وَإِنْ أَطْلَقَا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ فِي الْأَصَحِّ
الثمن عند الإذن، أما إذا لم يرد الإنشاء والدين حال بل أراد استصحاب الرهن على الثمن فيصح جزما (١) ولا يتسلط الراهن على الثمن.
(فصل) في الأمور المترتبة على لزوم الرهن
(إذا لزم الرهن) بالقبض السابق (فاليد فيه للمرتهن) غالبا; لأنها الركن الأعظم في التوثق، وظاهرٌ أنه مع ذلك ليس له السفر به إلا إذا جوزناه للوديع الوديعة في الصور الآتية في بابها (ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق)، وقد لا تكون اليد له كرهن نحو مسلم (٢) أو مصحف من كافر أو سلاح من حربي فيوضع تحت يد عدل له تملكه ويستنيب الكافر مسلما في القبض (ولو شرطا وضعه عند عدل) مطلقا، أو فاسق وهما يتصرفان لأنفسهما التصرف التام (جاز)؛ لأن قد لا يثق بصاحبه فيتولى الحفظ والقبض، فإن أراد سفرا فكما يأتي في الوديع، ولو اتفقا على وضعه عند الراهن جاز. أما نحو ولي ووكيل ومأذون له وعامل قراض ومكاتب جاز لهم الرهن أو الارتهان فلا بد من عدالة من يوضع عنده (أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الانفراد به فذاك) واضح أنه يتبع فيه الشرط (وإن أطلقا فليس لأحدهما الانفراد) بحفظه (في الأصح)؛ لعدم الرضا بيد أحدهما على الانفراد فيجعلانه في حرزهما وإلا ضمن من انفرد به نصفه إن لم يسلمه له صاحبه وإلا اشتركا في ضمان النصف.
стр. 727
وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فُسِّقَ جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا وَضَعَهُ الحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ. وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ المَرْهُونِ عِنْدَ الحَاجَةِ، وَيُقَدَّمُ المُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ قَالَ لَهُ الحَاكِمُ تَأْذَنُ أَوْ تُبْرِئُهُ،
(ولو) اتفقا على نقله ممن هو بيده من مرتهن أو غيره جاز مطلقا، فإن لم يتفقا وقد تغير حال من هو بيده من المرتهن أو غيره بأن (مات العدل) الموضوع عنده (أو فسق) أو زاد فسقه (١) أو خرج عن أهلية الحفظ بغير ذلك كأن صار عدو أحدهما (جعلاه حيث يتفقان، وإن تشاحا) فيه أو مات المرتهن ولم يرض الراهن بيد وارثه (وضعه الحاكم عند عدل) يراه لأنه الإنصاف. أما لو تشاحا ابتداء -أي قبل أن يتفقا على أن يضعا المرهون عند عدل- فيمن يوضع عنده فإن كان قبل القبض لم يجبر الراهن بحال، أو بعده وقد وضع بيد عدل أو بيد المرتهن بلا شرط لم ينزع قهرا عليه إلا بمسوغ أو وضع بيد فاسق وأراد أحدهما نزعه رفع (٢) الأمر للحاكم فإن رآه أهلا لحفظه لم ينقله وإلا نقله (ويستحق بيع المرهون عند الحاجة) إليه بأن حل الدين ولم يوف أو أشرف الرهن على الفساد قبل الحلول، والمعتمد وجوب الوفاء فورا من الرهن أو غيره (٣) بل لو كان الوفاء من غير الرهن أسرع وطلبه المرتهن وجب (ويقدم المرتهن) بعد بيعه (بثمنه) على سائر الغرماء لتعلق حقه به وبالذمة وحقهم مرسل فيها فقط (ويبيعه الراهن أو وكيله بإذن المرتهن) أو وكيله; لأن الحق له. (فإن لم يأذن) المرتهن في البيع الذي أراده الراهن أو نائبه ولا عذر له في ذلك (قال له الحاكم) ألزمك بأنك (تأذن) له في البيع (أو تبرئه) من الدين؛ دفعا لضرر الراهن فإن أصر باعه الحاكم أو أذن للراهن في بيعه، ومنعه من التصرف في ثمنه إلا إذا أبى أيضا من أخذ دينه منه فيطلق للراهن التصرف فيه، ولو عجز الراهن عن استئذان المرتهن والحاكم صح بيعه لغرض الوفاء ويحجر عليه في ثمنه إلى الوفاء؛ لأنه لا ضرر فيه حينئذ على المرتهن.
стр. 728
وَلَوْ طَلَبَ المُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضَاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ بَاعَهُ الحَاكِمُ. وَلَوْ بَاعَهُ المُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِذَا بَاعَ فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ المُرْتَهِنُ
(ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن ألزمه) بحبس أو غيره (القاضي قضاء الدين أو بيعه) ليوفي منه بما يراه (فإن أصر باعه الحاكم)؛ دفعا لضرر المرتهن.
[تنبيه] المعتمد هنا -خلافا لما اقتضاه المتن- أنه يخير القاضي بين توليه للبيع وإكراه الراهن عليه، ولو غاب الراهن أثبت المرتهن الأمر عند الحاكم ليبيعه وحينئذ لا يتعين عليه بيعه إلا إذا لم يتيسر حالا وفاء من غيره وإلا أوفى منه; لأنه نائب الغائب فيلزمه العمل بالأصلح له من بيع المرهون أو الوفاء من غيره، ومن ثم لو أحضر الراهن إلى الحاكم الدينَ المرهون به لينفك الرهن والحال أن المرتهن غائب لزم القاضي قبضه منه. أما إن عجز المرتهن عن الإثبات لفقد البينة أو لفقد الحاكم تولاه بنفسه وكان ظافرا بخلاف ما إذا قدر عليها، ثم أنه إن جاز بيع الحاكم لم يلزمه طلب إثبات ملكية الراهن للمرهون (ولو باعه المرتهن) والدين حال (بإذن الراهن) له في بيعه بأن قال بعه لي أو أطلق ولم يقدر الثمن (فالأصح أنه إن باعه بحضرته صح) البيع؛ إذ لا تهمة (وإلا) بأن باعه في غيبته (فلا) يصح; لأنه يبيع لغرض نفسه فيتهم في الاستعجال، ومن ثم لو قدر له الثمن صح مطلقا وكذا لو كان الدين مؤجلا ما لم يأذن (١) له في استيفاء حقه من ثمنه؛ للتهمة حينئذ. أما لو قال بعه لك فيبطل مطلقا؛ لاستحالته، فعلم أنه في بعه لي أو لنفسك واستوف لي أو لنفسك يصح ما للراهن فقط (ولو شُرط) أي شَرَطَا (أن يبيعه العدل) أو غيره ممن هو تحت يده عند المحلّ (جاز) هذا الشرط؛ إذ لا محذور فيه (ولا يشترط مراجعة الراهن) في البيع (في الأصح) ; لأن الأصل بقاء إذنه، بل يشترط مراجعة المرتهن; لأنه قد يمهل أو يبرئ. ويصح عزل الراهن للمشروط له ذلك قبل البيع; لأنه وكيله دون المرتهن; لأن إذنه إنما هو شرط في الصحة (فإذا باع فالثمن) الذي قبضه (عنده من ضمان الراهن)؛ لبقائه بملكه (حتى يقبضه المرتهن)؛ إذ هو أمينه عليه، ومن ثم صدق في تلفه لا في تسليمه للمرتهن فإذا حلف أنه لم يتسلمه غرم الراهن وهو يغرم أمينه وإن
стр. 729
وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ المَرْهُونُ فَإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ، فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الخِيَارِ فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ. وَمُؤْنَةُ المَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ،
كان أذن له في التسليم للمرتهن; لأنه لم يثبت (ولو تلف ثمنه في يد) المأذون (العدل) أو غيره ولو المرتهن (ثم استحق المرهون) المبيع (فإن شاء المشتري رجع على) المأذون (العدل) أو غيره; لأنه واضع اليد، ومحله إن لم يكن نائب الحاكم وإلا لم يكن طريقا; لأن يده كيد الحاكم (وإن شاء على الراهن) ; لأنه الموكل (والقرار عليه) فيرجع مأذونه عليه ما لم يقصر في تلفه (ولا يبيع) المأذون (العدل) أو غيره المرهونَ (إلا بثمن مثله) أو دونه بقدر يتغابن به، ثم إذا تعذر المثل بأن لم يدفع فيه شيء أو دفع ورجيت الزياده وجب الصبر فإن دفع فيه شيئا بعد الانتهاء ولم ترج زيادة بيع (١)، ويقال مثل ذلك في تركة المدين أو تعذر نقد البلد (حالا من نقد بلده) وإلا لم يصح كالوكيل، ولذا لم يصح منه شرط الخيار لغير موكله، وعليه أن لا يسلم المبيع قبل قبض الثمن وإلا ضمن. ولا يبيع المرتهن إلا بذلك أيضا وكذا الراهن؛ لتعلق حق الغير به، نعم إن وفى دون ثمن المثل بالدين جاز؛ لانتفاء الضرر حينئذ، ولو رأى الحاكم بيعه بجنس الدين جاز كما لو اتفق العاقدان على بيعه بغير ما مر، ولا يصح البيع بثمن المثل أو أكثر وهناك راغب بأزيد (فإن زاد) في الثمن (راغب) بعد اللزوم لم ينظر إليه، أو زاد ما لا يتغابن به وهو ممن يوثق به (قبل انقضاء الخيار) الثابت بالمجلس أو الشرط واستمر على زيادته (فليفسخ) وجوبا (وليبعه) أو يبعه بلا فسخ ويكون بيعه مع قبول المشتري له فسخا للأول وهو الأحوط; لأنه قد يفسخ فيرجع الراغب، فإن تمكن من ذلك وترك انفسخ البيع حتى لو رجع الراغب احتيج لتجديد عقده، ولو لم يعلم بالزيادة إلا بعد اللزوم وهي مستقرة بان الانفساخ من حينها.
[تنبيه] مع ترتب الأحكام المارة يحرم على الراغب الزيادة؛ لأنه شراء على شراء أخيه، وجميع ما تقدم يأتي في كل بائع عن غيره (ومؤنة المرهون) التي تبقى بها عينه، ومنها أجرة حفظه وسقيه وجذاذه وتجفيفه ورده إن أبق (على الراهن) -إن كان مالكا وإلا فعلى المعير أو المولى- لا على المرتهن إجماعا.
стр. 730
وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ المُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنِ مِنْ مَصْلَحَةِ المَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدَ المُرْتَهِنِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ. وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ
(ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح. ولا يمنع الراهن من مصلحة المرهون كفصد وحجامة) -بخلافهما لغير مصلحة-؛ حفظا لملكه. لكنه لا يجبر عليه كسائر الأدوية; لأن البرء بالدواء غير متيقن، وكمعالجة بدواء قطع يد متآكلة وسلعة إن غلبت السلامة في القطع وختان ولو لكبير وقت الاعتدال حيث لا عارض به يخاف من الختان معه وكان يندمل عادة قبل الحلول أو لا تنقص به القيمة (وهو أمانة في يد المرتهن) فلا يضمنه إلا بالتعدي كالوديع؛ للخبر الصحيح ((لا يغلق الرهن على راهنه له غنمه وعليه غرمه))، فلو غفل عن نحو كتاب فأكلته الأرضة أو جعله في محل هو مظنتها ضمنه؛ لتفريطه، ومرَّ أن اليد الضامنة لا تنقلب بالرهن أمانة (ولا يسقط بتلفه شيء من دينه)؛ للحديث. (وحكم فاسد (١) العقود) إذا صدر من رشيد (حكم صحيحها في الضمان (٢) وعدمه (٣) ; لأن صحيحه إن اقتضى الضمان بعد القبض كالبيع والقرض ففاسده أولى، أو عدمه كالمرهون والعين المستأجرة والموهوب ففاسده كذلك; لأن إثبات اليد عليه بإذن المالك ولم يلتزم بالعقد ضمانا، والمراد التشبيه في أصل الضمان لا الضامن -فلا يرد كون الولي لو استأجر لموليه فاسدا تكون الأجرة عليه وفي الصحيحة على موليه- ولا في القدر فلا يرد كون صحيح البيع مضمونا المبيع فيه بالثمن وفاسده بالبدل، والقرض بمثل المتقوم الصوري وفاسده بالقيمة، ونحو القراض والمساقاة والإجارة بالمسمى وفاسدها بأجرة المثل. وخرج بالرشيد ما صدر من غيره فإنه مضمون وإن لم يقتض صحيحه الضمان.
стр. 731
وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ المَرْهُونِ مَبِيعًا لَهُ عِنْدَ الحُلُولِ فَسَدَا، وَهُوَ قَبْلَ المَحِلِّ أَمَانَةٌ. وَيُصَدَّقُ المُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ
ثم يستثنى (١) من طرد هذه القاعدة (٢) ما لو قال قارضتك أو ساقيتك على أن الربح أو الثمرة كلها لي فهو فاسد ولا أجرة له إن علم كما يأتي; لأنه لم يدخل طامعا وكذا من حيث لم يطمع كأن ساقاه على غرس ودي أو تعهده مدة لا يثمر فيها غالبا، وما لو عقد الذمة غير الإمام فتفسد ولا جزية؛ حسما لتصرف غير الإمام فيما هو من خواصه عن الاعتداد به، وما لو امتنع المستأجر من تسليم العين بعد عرضها عليه إلى انقضاء المدة فتستقر بذلك الأجرة في الصحيحة دون الفاسدة، ويستثنى من عكسها الشركة فإن عمل الشريكين فيها لا يضمن إلا مع فسادها، وما لو رهن أو آجر نحو غاصب فتلفت العين في يد المرتهن أو المستأجر فللمالك تضمينه -وإن كان القرار على الراهن والمؤجر- مع أن صحيح الرهن والإجارة لا ضمان فيه (و) من فروع القاعدة ما (لو شرط كون المرهون مبيعا له عند الحلول) فالبيع من طردها والرهن من عكسها لكونهما قد (فسدا) البيعُ؛ لتعليقه والرهنُ؛ لتأقيته بالحلول، ومن ثم لو لم يؤقت بأن قال رهنتك وإذا لم أقض عند الحلول فهو مبيع منك كان الفاسد البيع وحده دون الرهن (٣) ; لأنه لم يشرط فيه شيء (و) حينئذ (هو قبل المَحِل) أي وقت الحلول (أمانة)؛ لأنه رهن فاسد وبعده مضمون; لأنه بيع فاسد (ويصدق المرتهن في دعوى التلف) حيث لا تفريط (بيمينه) إن لم يذكر سببا أو إن ذكر سببا خفيا كسرقة أما إن ذكر سببا ظاهرا كحريق فإن عرف وعمومه صدق بلا يمين وإن عرف دون عمومه صدق بيمينه وإن جهل طولب ببينة ثمّ يحلف على التلف به (٤)، والمراد تصديقه حتى لا يضمن وإلا فالمعتدي يصدق فيه أيضا؛ لضمان القيمة (ولا يصدق في) دعوى (الرد عند الأكثرين)؛ لأنه قبضه لغرض نفسه كالمستأجر بخلاف بقية الأمناء.
стр. 732
وَلَوْ وَطِئَ المُرْتَهِنُ المَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ إسْلَامُهُ أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الْأَصَحِّ فَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ المَهْرُ إنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ. وَلَوْ أَتْلَفَ المَرْهُونَ وَقَبَضَ بَدَلَهُ صَارَ رَهْنًا،
(ولو وطئ المرتهن المرهونة بلا شبهة فزانٍ) فيحد ويلزمه المهر إن لم تطاوعه أو جهلت التحريم وعُذرت به (ولا يقبل قوله جهلت تحريمه) أي الزنا أو وطء المرهونة (١)؛ لظنه الارتهان مبيحا للوطء (إلا أن يقرب إسلامه) ولم يكن مخالطا لنا بحيث لا يخفى عليه ذلك (أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء) بذلك فيقبل قوله؛ لدفع الحد ويلزمه المهر إن عذرت كما لو وطئها بشبهة كأن ظنها حليلته (وإن وطئ بإذن الراهن) المالك (قبل دعواه جهل التحريم) إن أمكن كون مثله يجهل ذلك (في الأصح) ; لأن هذا قد يخفى، أما إذن راهن مستعير أو ولي راهن فكالعدم، وإذا قبل (فلا حد) عليه بخلاف ما لو علم التحريم، (ويجب المهر إن أكرهها) أو عذرت بنحو نوم أو جهل; لأنه لحق الشرع فلم يؤثر فيه الإذن، أما إذا طاوعته غير معذورة فلا مهر لها (والولد) عند قبول قوله في جميع ما مر (حر نسيب)؛ للشبهة (وعليه قيمته للراهن) المالك وإلا (٢) فللمالك؛ لأنه فوت رقه عليه. (ولو أتلف) بغير حق أو تلف تحت يد عادية (المرهون بعد القبض وقبض بدله) أو لم يقبض (صار رهنا) مكانه من غير إنشاء عقد؛ لقيامه مقامه، ويجعل بيد من كان الأصل بيده، وإتلاف بعض المرهون كذلك، نعم إن لم تنقص قيمته كقطع مذاكيره (٣) أو نقصت وزاد الأرش على نقص القيمة فاز المالك بالزائد، ولو أتلفه المرتهن كان ما وجب عليه رهنا له (٤) ولا محذور فيه؛ إذ فائدته صونه عن تعلق الغرماء به ويشمل كلامه ما لو كان المتلف هو الراهن وهو الأوجه وفائدته انه إذا مات وليس له إلا قدر القيمة فإن حكمنا بأن ما في ذمته رهن قام ما خلفه مقامه فيقدم به المرتهن على مؤن التجهيز وبقية الغرماء وإلا قدمت مؤن التجهيز واستوى هو والغرماء.
стр. 733
وَالخَصْمُ فِي الْبَدَلِ الرَّاهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ لَمْ يُخَاصِمْ المُرْتَهِنُ فِي الْأَصَحِّ. فَلَوْ وَجَبَ قِصَاصٌ اقْتَصَّ الرَّاهِنُ وَفَاتَ الرَّهْنُ، فَإِنْ وَجَبَ المَالُ بِعَفْوِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ. وَلَا إبْرَاءُ المُرْتَهِنِ الجَانِي وَلَا يَسْرِي الرَّهْنُ إلَى زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ كَثَمَرٍ وَوَلَدٍ، فَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الْأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ بِيعَتْ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ بِيعَ مَعَهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الْأَظْهَرِ.
(والخصم في البدل الراهن) إن كان مالكا أو وليه وإلا (١) فالمالك ومع كونه الخصم فيه لا يقبضه وإنما الذي يقبضه المرتهن أو العدل وإن مُنِعا من الخصومة (فإن لم يخاصم) الراهن في ذلك (لم يخاصم المرتهن في الأصح) كما لا يخاصم مستأجر ومستعير، نعم له حضور خصومة الراهن؛ لتعلق حقه بالمأخوذ، ومحل ذلك كله حيث لم يكن المتلف الراهن وإلا طالبه المرتهن؛ لئلا يفوت حقه من التوثق (فلو وجب قصاص) في نفس المرهون المتلف كالعبد (اقتص الراهن) المالك إن شاء أو عفا بلا مال (وفات الرهن)؛ لفوات محله بلا بدل. أما إذا وجب في طرفه فالرهن في الباقي باق بحاله وله العفو مجانا ولا يجبر على قود ولا عفو (فإن وجب المال بعفوه) عن القود عليه (أو) بجناية على نحو فرعه أو (بجناية خطأ) أو شبه عمد (لم يصح عفوه) أي الراهن (عنه) أي المال الواجب؛ لتعلق حق المرتهن به، (ولا) يصح (إبراء المرتهن الجاني)؛ لأنه غير مالك ولا يسقط بإبرائه حقه من الوثيقة إلا إذا أسقطه منها. (ولا يسري الرهن إلى زيادته) أي المرهون (المنفصلة كثمرة وولد) وبيض; لأنها أجنبية عنه بخلاف المتصلة كسمن وكبر شجرة (٢) (فلو رهن حاملا وحل الأجل وهي حامل) أو مست الحاجة لبيعها قبل الحلول (بيعت) كذلك؛ لأنه إما معلوم أو صفة تابعة وعلى كل منهما يشمله الرهن (وإن ولدته بيع معها في الأظهر)؛ لما ذكر (وإن كانت حاملا عند البيع دون الرهن فالولد ليس برهن في الأظهر)؛ لحدوثه بعده وهو بمنزلة المنفصلة؛ لأنه يعلم ويقابل بقسط من الثمن، ثم
стр. 734
فصل
جَنَى المَرْهُونُ قُدِّمَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ. فَإِنِ اقْتُصَّ أَوْ بِيعَ لَهُ بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتُصَّ بَطَلَ. وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَبْقَى رَهْنًا. وَإِنْ قَتَلَ مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ بَطَلَ الرَّهْنَانِ، وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ، فَيُبَاعُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ،
إن تعلق بالحمل حقّ ثالث بفلس أو موت أو وصية به لم تُبَع حتى تضعه؛ لتعذر استثنائه والتوزيع عليه وعلى الأم؛ للجهل بقيمته.
(فصل) في جناية الرهن
إذا (جنى المرهون) على أجنبي بما يوجب القود في نفس أو طرف، ولم يكن بأمر غيره وهو يعتقد الطاعة أو تحت يده تعديا وإلا فالجاني الغير (قدم المجني عليه)؛ لتعلق حقه بالرقبة فقط (فإن اقْتُص) من قِبل مستحق القود أو وارثه في القتل (أو بيع) المرهون أي ما يفي بالواجب من كله أو بعضه (له) أي لحقه بأن وجب له مال ابتداء أو بالعفو (بطل الرهن) فيما فات بقود أو بيع ما لم تجب قيمته لكونه تحت يد نحو غاصب; لأنها رهن بدله، فلو عاد المالك الراهن لم يعد الرهن. (وإن جنى) المرهون (على سيده) فقتله أو قطعه (فاقتُص) بأن اقتص سيده في نحو القطع أو وارثه في القتل (بطل الرهن) فيما وقع فيه القود؛ لفوات محله بلا بدل (وإن عُفي على مال) أو كانت الجناية خطأ مثلا (لم يثبت على الصحيح) ; لأن السيد لا يثبت له على عبده مال ابتداء (فيبقى رهنا) لازما كما كان، وخرج بابتداء ما لو جنى غير عمد أو عمدا و عفى على مال على طرف مورثه أو مكاتبه ثم انتقل المال للسيد بموت أو عجز فإنه يثبت له عليه فيبيعه فيه ولا يسقط، أو قتل المورث أو قنه أو المكاتب غير عمد أو عمدا وعفا السيد على مال فكذلك (وإن قتل) المرهون (مرهونا لسيده عند) مرتهن (آخر فاقتص) منه السيد (بطل الرهنان) أي كل منهما؛ لفوات محلهما (وإن وجب مال) ابتداء أو بعفو وإن لم يطلبه المرتهن (تعلق) برقبة القاتل وحينئذ يتعلق (به) أي بهذا المال المتعلق برقبة القاتل (حق مرتهن القتيل) ; لأن السيد لو أتلف الرهن غرم قيمته للمرتهن فإذا أتلفه عبده كان تعلق الغرم به أولى (فيباع) كله إن طلب بيعه مرتهن القتيل وأبى الراهن وكذا عكسه وساوى الواجب قيمته أو زاد (وثمنه) إن لم يزد على الواجب وإلا فقدر الواجب منه (رهن) من غير إنشاء عقد
стр. 735
وَقِيلَ يَصِيرُ رَهْنًا. فَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ نَقَصَتِ الْوَثِيقَةُ، أَوْ بِدَيْنَيْنِ وَفِي نَقْلِ الْوَثِيقَةِ غَرَضٌ نُقِلَتْ. وَلَوْ تَلِفَ المَرْهُونُ بِآفَةٍ بَطَلَ. وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ المُرْتَهِنِ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ
نظير ما مر; لأن حق مرتهن القتيل في مالية العبد القاتل لا في عينه; لأنه قد يزيد فيه راغب فيتوثق بها مرتهن القاتل. أما إذا نقص الواجب عن قيمة القاتل فلا يباع منه إلا قدره فقط إن أمكن ولم ينقص بالتبعيض وإلا بيع الكل والزائد لمرتهن القاتل، ولو اتفق الراهن والمرتهنان على النقل نقل أو الراهن ومرتهن القتيل على النقل وأبى مرتهن القاتل إلا البيع لم يُجَب (وقيل يصير رهنا. فإن كانا) أي القاتل والمقتول (مرهونين عند شخص) أو أكثر (بدين واحد) وقد عفا السيد عن القاتل وكذا في الصورة التي عقب هذه (نَقصَت الوثيقة)؛ إذ لا جابر كما لو مات أحدهما (أو بدينين) عند شخص واحد ووجب مال يتعلق برقبة القاتل (وفي نقل الوثيقة) به إلى دين القتيل (غرض) أي فائدة للمرتهن (نقلت) بأن يباع القاتل فيصير ثمنه رهنا (١) مكان القتيل، وحيث لا غرض بأن اتفق الدينان تأجيلا وحلولا وقدرا واتفقت قيمتا العبدين فلا نقل بل يبقى القاتل بحاله وسقطت وثيقة المقتول (٢) (ولو تلف المرهون بآفة) سماوية أو بفعل من لا يضمن كحربي وكضرب راهن له بإذن المرتهن (بطل) الرهن؛ لفواته، ومر أنه لو تخمر ثم تخلل عاد رهنه، وأنّ المرهون المغصوب يضمن وإن تلف بآفة فالرهن باق في بدله (وينفك) الرهن (بفسخ المرتهن) وإن أبى الراهن لا عكسه؛ لجوازه من جهته دون الراهن، نعم التركة المرهونة بالدين لا تنفك بفسخ المرتهن؛ لأن الرهن لمصلحة براءة ذمة الميت (وبالبراءة من الدين) جميعه بأي وجه كانت ولو بإحالة المرتهن على الراهن ولو اعتاض عن الدين ثم تقايلا أو تلف العوض قبل قبضه بطل الاعتياض وعاد الرهن (فإن بقي شيء منه) أي الدين (لم ينفك شيء من الرهن) إجماعا; لأنه كله وثيقة على كل جزء من الدين، ومن ثم أبطل شرط أنه كلما قضى منه شيئا انفك بقدره من الرهن نعم إن تعدد العقد أو مستحق الدين أو المدين أو مالك المعار انفك بعضه بالقسط.
стр. 736
وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ، وَلَوْ رَهَنَاهُ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا انْفَكَّ نَصِيبُهُ.
اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ صُدِّقَ الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، وَإِنْ شُرِطَ فِي بَيْعٍ تَحَالَفَا
(و) من مُثُل ذلك أنه (لو رهن نصف عبد بدين ونصفه بآخر فبرئ من أحدهما انفك قسطه)؛ لتعدد الصفقة بتعدد العقد وإن اتحد العاقدان. (ولو رهناه) عبدهما بدينه عليهما (فبرئ أحدهما) مما عليه، أو أعاراه عبدهما ليرهنه بدين فرهنه به وأدى أحدهما ما يقابل نصيبه أو أداه المستعير وقصد فكاك نصف العبد أو أطلق ثم جعله عنه (انفك نصيبه) -أي ما يقابل ما خصه مما قبضه-؛ لتعدد الصفقة بتعدد العاقد، ولو رهنه من أثنين بدينهما عليه فبرئ من دين أحدهما بأداء أو إبراء انفك قسطه لذلك اتحدت جهة الدينين أوْ لا. ولو تعدد الوارث انفك بأداء كل نصيبه ما لم يكن المورث هو الراهن في حياته، والعبرة هنا بتعدد الموكل واتحاده لا الوكيل.
[فرع] له دين به رهن فأقر به لغيره فإن قال صار هذا الدين لفلان انفك الرهن ؛ لاحتمال انتقال الدين بالحوالة أو بالنذر أو الهبة بناء على صحتها فيه وإن قال هذا الدين لفلان وأسمي فيه عارية أو نحو ذلك لم ينفك; لأن هذا لا يشعر بانتقاله من المرتهن لغيره في حالة الرهن.
(فصل) في الاختلاف في الرهن
إذا (اختلفا في) أصل (الرهن) كرهنتني كذا فأنكر (أو) في (قدره) أي المرهون أو عينه أو قدر المرهون به (صدق الراهن) أو مالك العارية (بيمينه) ; لأن الأصل عدم ما يدعيه المرتهن هذا (إن كان رهن تبرع) بأن لم يشترط في بيع (وإن شرط) الرهن (في بيع) باتفاقهما -واختلفا في شيء مما مر غير أصل الرهن- أو بزعم المرتهن وخالفه الآخر (تحالفا)؛ لرجوع الاختلاف حينئذ إلى كيفية عقد البيع، أما لو اختلفا في أصل الرهن بأن اختلفا في الوفاء بما شرطاه فادعاه المرتهن وأنكره الراهن كأن قال المرتهن رهنت مني المشروط رهنه وهو كذا فأنكر الراهن فلا تحالف فحينئذٍ؛ لأنهما لم يختلفا في كيفية البيع الذي هو موقع التحالف بل
стр. 737
وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِائَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا فَنَصِيبُ المُصَدِّقِ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ فِي نَصِيبِ الثَّانِي قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ المُصَدِّقِ عَلَيْهِ. وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ أَوْ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ غَصَبَتْهُ صُدِّقَ الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ وَكَذَا إنْ قَالَ: أَقْبَضْتُهُ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ،
يصدق الراهن بيمينه فيأخذ الرهن؛ لإمكان توصل المرتهن إلى حقه بالفسخ. ولو ادعى كل من اثنين أنه رهنه كذا وأقبضه له فصدق أحدهما فقط أخذه وللآخر تحليفه (١) ; لأنه لو أقر أو نكل فحلف الآخر غرم له القيمة لتكون رهنا عنده (ولو ادعى أنهما رهناه عبدهما بمائة) وأقبضاه (وصدقه أحدهما فنصيب المصدق رهن بخمسين)؛ مؤاخذة له بإقراره (والقول في نصيب الثاني قوله بيمينه) ; لأنه ينكر أصل الرهن (وتقبل شهادة المصدق عليه) ; إذ لا تهمة فإن شهد معه آخر أو حلف معه المدعي ثبت رهن الكل، ولو زعم كلٌّ أنه ما رهن بل شريكه وشهد عليه قبلت شهادة كل منهما على صاحبه وإن تعمد الإنكار; لأن الكذبة الواحدة لا تفسق ومحل قبول شهادتهما إن لم يصرح مدعي الشهادة بظلمهما بالإنكار بلا تأويل وإلا رُدّا; لظهور ما يقتضي تفسيقهما (٢) (ولو اختلفا في قبضه فإن كان في يد الراهن أو في يد المرتهن وقال الراهن غصبته صدق الراهن بيمينه) ; لأن الأصل عدم اللزوم وعدم الإذن في القبض عن الرهن، بخلاف ما لو كان بيد المرتهن ووافقه الراهن على إذنه له في قبضه لكنه قال: إنك لم تقبضه عنه أو رجعت عن الإذن فيحلف المرتهن، وعليه فمن اشترى عينا بيده حال التنازع فأقام آخر بينة أنها مرهونة عنده قبل البيع لم تقبل إلا إن شهدت البينة بالقبض وإلا صدق المشتري بيمينه; لأن الأصل بقاء يده (وكذا إن قال أقبضته عن جهة أخرى) كإيداع أو إجارة أو إعارة (في الأصح) ; لأن الأصل عدم ما ادعاه المرتهن، ويكفي قول الراهن لم أقبضه عن جهة الرهن (ولو أقر) الراهن (بقبضه (٣) أي المرتهن للمرهون قُبِل إقراره إن أمكن (٤) (ثم) إن (قال لم يكن إقراري عن حقيقة فله) أي الراهن (تحليفه)
стр. 738
وَقِيلَ لَا يُحَلِّفُهُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا كَقَوْلِهِ أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقَبَالَةِ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا جَنَى المَرْهُونُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ صُدِّقَ المُنْكِرُ بِيَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ جَنَى قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْأَظْهَرُ تَصْدِيقُ المُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ فِي إنْكَارِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ غَرِمَ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَغْرَمُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَرْشِ الجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ نَكَلَ المُرْتَهِنُ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا عَلَى الرَّاهِنِ، فَإِذَا حَلَفَ بِيعَ فِي الجِنَايَةِ ....
أي المرتهن أنه قبض المرهون قبضا صحيحا; لأنا نعلم أن الوثائق يشهد فيها غالبا قبل تحقيق ما فيها، ويأتي ذلك في سائر العقود وغيرها كإقرار مقترض بقبض القرض وبائع بقبض الثمن، (وقيل لا يحلفه إلا أن يذكر لإقراره تأويلا كقوله أشهدت على رسم) أي: كتابة (القَبالة) -أي الورقة التي يكتب فيها الحق والتوثق- لكي أُعْطَى بعد ذلك; لأنه إذا لم يذكر تأويلا يكون مكذبا لدعواه بإقراره السابق.
[فرع] الشرط في إقباض الرهن عدم الصارف فقط، ولذا لو دفع الراهن الرهن للمرتهن من غير قصد إقباضه عن الرهن كفى (١)؛ لأنه سبق له مقتضٍ، ولو رهن وأقبض ما اشتراه ثم ادعى فساد البيع سمعت دعواه لتحليف المرتهن، وكذا بينته إلا إن كان قال هو ملكي غير معتمد على ظاهر العقد (ولو قال أحدهما) أي الراهن أو المرتهن (جنى المرهون) بعد القبض، أو قال المرتهن جنى قبل القبض (وأنكر الآخر صدق المنكر بيمينه) على نفي العلم بالجناية إلا أن ينكرها الراهن فعلى البت; لأن الأصل عدمها وبقاء الرهن، وإذا بيع للدين فلا شيء للمقر له على الراهن المقر ولا يلزمه تسليم الثمن إلى المرتهن المقر؛ مؤاخذة له بإقراره. ولو نكل المنكر هنا جرى فيه ما يأتي من حلف المجني عليه ثم يباع العبد أو بعضه للجناية، (ولو قال الراهن جنى) على زيد (قبل القبض) بعد الرهن أو قبله وأنكر المرتهن وادعى زيد ذلك (فالأظهر تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره) الجناية؛ صيانة لحقه فيحلف على نفي العلم (والأصح أنه إذا حلف) المرتهن (غرم الراهن للمجني عليه) ; لأنه حال بينه وبين حقه برهنه (و) الأصح (أنه يغرم له الأقل من قيمة العبد) المرهون (وأرش الجناية) كجناية أم الولد بجامع امتناع البيع (و) الأصح (أنه لو نكل المرتهن) عن اليمين (ردت اليمين على المجني عليه) ; لأن الحق له (لا على الراهن) ; لأنه لا يدعي لنفسه شيئا (فإذا حلف) المردود عليه (بيع) العبد (في الجناية) إن استغرقت قيمته
стр. 739
وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِ المَرْهُونِ فَبِيعَ وَرَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ وَقَالَ رَجَعْتُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الرَّاهِنُ بَعْدَهُ فَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ المُرْتَهِنِ، وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَقَالَ أَدَّيْتُهُ عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ، وَقِيلَ يُقَسَّطُ
وإلا بيع منه بقدرها ولا يكون الباقي رهنا; لثبوتها باليمين المردودة (ولو أذن) المرتهن (في بيع المرهون فبيع ورجع عن الإذن وقال) بعد بيعه (رجعت قبل البيع وقال الراهن) بل (بعده فالأصح تصديق المرتهن) بيمينه; لأن الأصل استمرار الرهن، والمسألة مفروضة فيما لو صدق الراهن المرتهن في رجوعه أما إن أنكر الرجوع من أصله فالمصدق الراهن كما لو أذن، وبهذا يفرق بين هذا وما يأتي في دعوى الموكل أنه عزل وكيله قبل بيعه; لأن الأصل عدم الانعزال قبله من غير معارض، وأفهم المتن أن الفرض أن الراهن صدق على الرجوع، فإن أنكره من أصله صدق بيمينه كما لو أذن الراهن في البيع ثم ادعى الرجوع وأنكره المرتهن من أصله فإنه المصدق بيمينه. (ومن عليه ألفان) مثلا (بأحدهما رهن) أو كفيل مثلا (فأدى ألفا وقال أديته عن ألف الرهن صدق بيمينه) ; لأنه أعرف بقصده، ومن ثم لو أدى لدائنه شيئا وقصد أنه عن دينه وقع عنه إن أجبر الدائن على القبول بأن كان المدفوع من جنس حقّه ولا غرض له في الامتناع -سواء ظنّه الدائن وديعة أو هدية أم لا- أما إن كان لا يجبر على القبول فلا يقع عنه إلا برضاه (وإن لم ينو) حالة الدفع (شيئا جعله عما شاء) منهما; لأن التعيين إليه ولم يوجد حالة الدفع، فإن مات قبل التعيين قام وارثه مقامه فإن تعذر ذلك جُعِل بينهما نصفين. وإذا عيّن انفك الرهن من حين الدفع كما في الطلاق المبهم (وقيل يقسط) بينهما؛ إذ لا أولوية لأحدهما على الآخر، ولو نوى جعله عنهما جُعل بينهما بالسوية لا بالقسط; لأن تشريكه بينهما حالة الدفع اقتضى أنه لا تميز لأحدهما على الآخر، ولو تنازعا عند الدفع فيما يؤدي عنه تخير الدافع، نعم لو كان للسيد على مكاتبه دين معاملة فله الامتناع من إقباضه عن النجوم حتى يوفي غيرها فإن أعطاه ساكتا (١) ثم عينه المكاتب للنجوم صدق.
стр. 740
فصل
مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ تَعَلُّقَهُ بِالمَرْهُونِ،
(فصل) في تعلق الدين بالتركة
(من مات) أو استُرِقّ (١) (وعليه دين) لله تعالى أو لآدمي -غير الوارث (٢) قلّ أو كثر- ما عدا لقطة تملكها; لأن صاحبها قد لا يظهر فيلزم دوام الحجر لا إلى غاية. أما ما أيس من معرفة صاحبه كالدين الذي انقطع خبر صاحبه فهو يصير من أموال بيت المال وحينئذٍ فرهن التركة باقٍ وليس للوارث إفراز قدر دين الغائب ثم التصرف في الباقي بل عليه رفع الأمر لقاضٍ أمين يبيع المال ويدفعه لمتولي بيت المال العادل أو يأذن للوارث بفعل ذلك، أما إن لم يوجد المتولي العادل فلقاضٍ أمين أو ثقة عارف أخذُهُ ليصرفه في مصارفه أو يتولى الوارث ذلك إن عرفه ويغتفر اتحاد القابض والمقبض هنا؛ للضرورة، ومثل الوارث من عليه دين أيس من معرفة صاحبه، هذا إن قبله القاضي (٣) وإلا فإن امتنع منه أو لم يكن ثمّ قاضٍ أمين ودام انقطاع خبر الدائن فيلحق باللقطة، وكالدين فيما ذكر الوصية المطلقة فيتمنع التصرف في كل التركة وكذا الوصية بعين معينة فيتمنع التصرف في تلك العين حتى يرد الموصى له أو يمتنع من القبول. وللموصى له فداء الموصى به كالوارث (تعلق (٤) بتركته (٥) -الزائدة على مؤن التجهيز- التي لم ترهن في الحياة، فإن رُهنت التركة في الحياة لم يزاحم ذلك الدين المرهون به