وَمَا يُسْتَوْفَى بِهِ كَثَوْبٍ وَصَبِيٍّ عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالِارْتِضَاعِ يَجُوزُ إبْدَالُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَدُ المُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الْأَصَحِّ
(وما يستوفى به كثوب وصبي عين) الأول (للخياطة و) الثاني لفعل (الارتضاع) بأن التزم في ذمته خياطة أو إرضاع موصوف ثم عيّن (يجوز إبداله (١) بمثله (في الأصح) وإن أبى الأجير؛ لأنه طريق للاستيفاء لا معقود عليه فأشبه الراكب والمتاع المعين للحمل، ومحل الخلاف في إبداله بغير معاوضة وإلا جاز قطعا كما يجوز لمستأجر دابة أن يعاوض عنها بسكنى دار، وفي ملتزم في الذمة أما لو استأجر لحَمْلِ مُعَيَّنٍ فيجوز إبداله بمثله قطعاً، والحاصل أنه يجوز إبدال المستوفي كالراكب والمستوفى به كالمحمول والمستوفى فيه كالطريق بمثلها أو دونها ما لم يشرط عدم الإبدال في الأخيرين بخلافه في الأول؛ لأنه يفسد العقد كما مر، ومحل جوازه فيهما إن عينا في العقد أو بعده وبقيا، فإن عينا بعده ثم تلفا وجب الإبدال برضا المكتري أو عينا فيه ثم تلفا انفسخ العقد (٢)، ولا يجوز إبدال المستوفى منه بتفصيله السابق، ويجب في الاستيفاء ومثله الخدمة -كما مر ويأتي قبيل النذر - اتِّباع العرف فما استأجره للبس المطلق لا يلبسه وقت النوم ليلا -إلا إن اطردت عادتهم بخلافه (٣) - بخلاف ما عداه ولو وقت النوم نهارا، وعليه نزع الأعلى في غير وقت التجمل (ويد المكتري على) العين المكتراة نحو (الدابة والثوب يد أمانة) فيأتي فيه ما سيذكره في الوديع (مدة الإجارة) إن قدرت بزمن، أو مدة إمكان استيفاء إن قدرت بمحل عمل؛ إذ لا يمكن استيفاء المنفعة بدون وضع يده. وله السفر بالعين المؤجرة حيث لا خطر في السفر؛ لأنه ملك المنفعة فيستوفيها حيث شاء، نعم يضمن بسفره بها بعد المدة كالوديع (وكذا بعدها في الأصح) ما لم يستعملها؛ استصحابا لما كان ولأنه لا يلزمه الرد ولا مؤنته، بل لو شرط أحدهما عليه فسد العقد وإنما الذي عليه التخلية كالوديع، وعليه فلا يلزمه إعلام المؤجر بتفريغ العين بل الشرط أن لا يستعملها ولا يحبسها لو طلبها، ولا فرق حينئذٍ بين أن يقفل باب نحو الحانوت والدار بعد تفريغه وأن لا (٤)، نعم لو استأجر حانوت
стр. 982
وَلَوْ رَبَطَ دَابَّةً اكْتَرَاهَا لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ إلَّا إذَا انْهَدَمَ عَلَيْهَا إصْطَبْلٌ فِي وَقْتٍ لَوِ انْتَفَعَ بِهَا لَمْ يُصِبْهَا الهَدْمُ. وَلَوْ تَلِفَ المَالُ فِي يَدِ أَجِيرٍ بِلَا تَعَدٍّ كَثَوْبٍ اُسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ لَمْ يَضْمَنْ إنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالْيَدِ بِأَنْ قَعَدَ المُسْتَأْجِرُ مَعَهُ أَوْ أَحْضَرَهُ مَنْزِلَهُ، وَكَذَا إنِ انْفَرَدَ فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ،
شهرا فأغلق بابه وغاب شهرين لزمه المسمى للشهر الأول وأجرة المثل للشهر الثاني؛ لأن التقصير حينئذ من الغائب لأن غلقه مع غيبته مانع للمالك من فتحه؛ لاحتمال أن له فيه شيئاً.
وإذا انقضت المدة وكانت الإجارة لبناء أو غراس ولم يختر المستأجر القلع تخير المؤجر بين الثلاثة السابقة في العارية (١) ما لم يوقف المستأجر البناء أو الغراس فيتخير المؤجر فيما عدا التملك (٢). ولو استعمل العين بعد المدة -في غير نحو اللبس لدفع الدود كما يعلم مما يأتي في الوديعة- لزمه أجرة المثل من نقد البلد الغالب في تلك المدة (ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب) مثلا (ولم ينتفع بها) وتلفت في المدة أو بعدها (لم يضمن) ـها؛ لأن يده يد أمانة، وتقييده بالربط ليس قيدا في الحكم، بل يستثنى منه قوله: (إلا إذا انهدم عليها إصطبل في وقت) اعتيد الانتفاع بها فيه وكان (لو انتفع بها) فيه (لم يصبها الهدم)؛ لنسبته إلى تقصير حينئذ إذ الفرض أنه لا عذر له. ثم إن الضمان الحاصل بالربط ضمان يد (٣) فتصير مضمونة عليه بعدُ وإن لم تتلف، ولو اكتراها ليركبها اليوم ويرجع غدا فأقامه بها ورجع في الثالث ضمنها فيه فقط؛ لأنه استعملها فيه تعديا، ولو اكترى عبدا لعمل معلوم ولم يبين موضعه فذهب به من بلد العقد إلى آخر فأبق ضمنه مع الأجرة. (ولو تلف المال في يد أجير بلا تعد كثوب استؤجر لخياطته أو صَبْغِهِ لم يضمن إن لم ينفرد باليد بأن قعد المستأجر معه) يعني كان بحضرته، ويظهر الضبط هنا بما مر في ضبط مجلس الخيار من اعتبار العرف (أو أحضره منزله) وإن لم يقعد معه أو حمل المتاع ومشى خلفه؛ لثبوت يد المالك عليه حكما ولا يد للأجير عليه مستقلة (وكذا إن انفرد) باليد بأن انتفى ما ذكر فلا يضمن أيضا (في أظهر الأقوال)؛ لأنه إنما أثبت يده لغرضه
стр. 983
وَالثَّالِثُ يَضْمَنُ المُشْتَرِكُ، وَهُوَ مَنِ الْتَزَمَ عَمَلًا فِي ذِمَّتِهِ، لَا المُنْفَرِدُ، وَهُوَ مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِعَمَلٍ. وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ أَوْ خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أُجْرَةً فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقِيلَ لَهُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ الْعَمَلِ فَلَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ يُسْتَحْسَنُ
وغرض المالك فأشبه عامل القراض (و) القول الثاني يضمن كالمستعير، و (الثالث يضمن) الأجير (المشترك) بين الناس بقيمة يوم التلف (وهو من التزم عملا في ذمته) كخياطة (لا المنفرد وهو من آجر نفسه) أي عينه (مدة معينة لعمل) أو آجر عينه وقدر بالعمل؛ لاختصاص منافع هذا بالمستأجر فكان كالوكيل بخلاف الأول، ولا تجري هذه الأقوال في أجير لحفظ دكان مثلا إذا أخذ غيره ما فيها فلا يضمنه قطعا؛ لأنه لم يسلم إليه المتاع، ومثله حارس لسكة وخفير. وخرج بقوله بلا تعدٍّ ما إذا تعدى كأن استأجره ليرعى دابته فأعطاها آخر يرعاها فيضمنها كل منهما والقرار على من تلفت في يده، وكأن أسرف خباز في الوقود أو مات المتعلم من ضرب المعلم فإنه يضمن، ويصدَّق أجير أنه لم يتعد ما لم يشهد خبيران بخلافه (ولو) عمل لغيره عملا بإذنه كأن (دفع ثوبه إلى قصار ليقصره أو) إلى (خياط ليخيطه ففعل ولم يذكر) أحدهما (أجرة) ولا ما يفهمها بحضرة الآخر فيسمعه ويجيب أو يسكت (فلا أجرة له)؛ لأنه متبرع، نعم تجب في قن ومحجور سفه؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع ومثلهما بالأولى غير مكلف، (وقيل له، وقيل إن كان معروفا بذلك العمل) بالأجرة (فله) الأجرة المعتادة بمثل ذلك العمل (وإلا فلا وقد يستحسن) ترجيحه؛ لوضوح مدركه، أما إذا ذكر أجرة فيستحقها قطعا إن صح العقد وإلا فأجرة المثل. وأما إذا عرَّض بها كأرضيك أو لا أخيبك أو ترى ما يسرك أو أطعمك فتجب أجرة المثل، نعم في الأخيرة يحسب على الأجير ما أطعمه إياه؛ لأنه لا تبرع من المطعم، وقد تجب من غير تسميتها ولا تعريض بها كما في عامل الزكاة (١)؛ اكتفاء بثبوتها له بالنص فكأنها مسماة شرعا، وكعامل مساقاة عمل عملا غير لازم له بإذن المالك؛ اكتفاء بذكر المقابل له في الجملة. ولا يستثنى وجوبها على داخل حمام أو راكب سفينة مثلا بلا إذن؛ لاستيفائه المنفعة من غير أن يصرفها صاحبها إليه بخلافه بإذنه.
стр. 984
وَلَوْ تَعَدَّى المُسْتَأْجِرُ بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ أَوْ كَبَحَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ أَوْ أَرْكَبَهَا أَثْقَلَ مِنْهُ أَوْ أَسْكَنَ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا ضَمِنَ الْعَيْنَ، وَكَذَا لَوْ اكْتَرَى لِحَمْلِ مِئَةِ رِطْلٍ حِنْطَةً فَحَمَلَ مِائَةً شَعِيرًا أَوْ عَكَسَ أَوْ لِعَشْرَةِ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَحَمَلَ حِنْطَةً دُونَ عَكْسِهِ. وَلَوِ اكْتَرَى لِحَمْلِ لِمِائَةٍ فَحَمَلَ مِائَةً وَعَشَرَةً لَزِمَهُ أُجْرَةُ المِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ ضَمِنَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ
(ولو تعدى المستأجر (١) في ذات العين المؤجرة (بأن) أي كأن (ضرب الدابة أو كبحها) أي جذبها بلجامها (فوق العادة) فيهما أي بالنسبة لمثل تلك الدابة (أو أركبها أثقل منه أو أسكن حدادا أو قصارا) بشرط حصول الدق، وكون الحدادة أو القصارة أشدّ ضررا مما استأجر له (ضمن العين) المؤجرة أي دخلت في ضمانه؛ لتعديه، أما ما هو العادة فلا يضمن به، ومتى أركب من هو أثقل منه استقر الضمان على الثاني إن علم وإلا فالأول، ومحله إن كانت يد الثاني لا تقضي ضمانا كيد المستأجر فإن اقتضته كالمستعير فالقرار عليه (٢). وخرج بذات العين منفعتها كأن استأجر لبر فزرع ذرة فلا يضمن الأرض؛ لأنه لم يتعد إلا في منفعتها بل تلزمه أجرة مثل الذرة، ولو ارتدف ثالث وراء مكتريين بغير إذنهما ضمن الثلث (وكذا) يضمن وإن تلفت بسبب آخر (لو اكترى لحمل مائة رطل حنطة فحمل مائة شعيرا أو عكس)؛ لأنها لثقلها تجمع بمحل واحد وهو لخفته يأخذ من ظهر الدابة أكثر فاختلف ضررهما، وكذا كل مختلفي الضرر كحديد وقطن (أو) اكترى (لعشرة أقفزة) والقفيز اثني عشر صاعاً (شعير فحمل) عشرة أقفزة (حنطة)؛ لأنها أثقل (دون عكسه) فلا يضمن؛ لاتحاد جرمهما باتحاد كيلهما مع أن الشعير أخف (ولو اكترى لحمل مائة فحمَّل مائة وعشرة لزمه) مع المسمى (أجرة المثل للزيادة)؛ لتعديه بها، ومثل لها بالعشرة ليفيد اغتفار نحو الاثنين مما يقع التفاوت به بين الكيلين (وإن تلفت بذلك) المحمول أو بسبب آخر (ضمنها) ضمان يد (إن لم يكن صاحبها معها)؛ لأنه صار غاصبا لها بحمل الزيادة (فإن كان) صاحبها معها وتلفت بسبب الحمل دون غيره؛ لأن اليد هنا للمالك فكان الضمان للجناية فقط (ضمن قسط الزيادة)؛
стр. 985
وَفِي قَوْلٍ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ المِائَةَ وَالْعَشَرَةَ إلَى المُؤَجِّرِ فَحَمَّلَهَا جَاهِلًا ضَمِنَ المُكْتَرِي عَلَى المَذْهَبِ وَلَوْ وَزَنَ المُؤَجِّرُ وَحَمَّلَ فَلَا أُجْرَةَ لِلزِّيَادَةِ، وَلَا ضمَانَ إنْ تَلِفَتْ. وَلَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ فَخَاطَهُ قَبَاءً وَقَالَ أَمَرْتنِي بِقَطْعِهِ قَبَاءً فَقَالَ بَلْ قَمِيصًا فَالْأَظْهَرُ تَصْدِيقُ المَالِكِ بِيَمِينِهِ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الخَيَّاطِ أَرْشُ النَّقْصِ
لاختصاص يده بها، ومن ثم لو سخره مع دابته فتلفت (١) لم يضمنها المسخر؛ لتلفها في يد صاحبها (وفي قول) يضمن (نصف القيمة. ولو سلم المائة والعشرة إلى المؤجر فحمَّلها جاهلا) بالزيادة كأن قال له هي مائة فصدقه (ضمن المكتري) القسط نظير ما مر وأجرة الزيادة (على المذهب)؛ إذ المكري لجهله صار كالآلة له، أما العالم فكما في قوله: (ولو) وضع المكتري ذلك بظهرها فسيرها المؤجر، أو (وزن المؤجر وحمّل فلا أجرة للزيادة) وإن غلط وعلم بها المستأجر؛ لأنه لم يأذن في حملها، بل له مطالبة المؤجر بردها لمحلها وليس له ردها بدون إذن وإذا تلفت ضمنها، ولو وزن المؤجر أو كال وحمل المستأجر فكما لو كال بنفسه إن علم وكذا إن جهل (ولا ضمان) على المستأجر (إن تلفت) الدابة؛ إذ لا يد ولا تعدي بنقل، ولو قال له المستأجر احمل هذا الزائد فكمستعير فيضمن القسط من الدابة إن تلفت بغير المحمول دون منفعتها. (ولو أعطاه ثوبا ليخيطه) بعد قطعه (فخاطه قباء وقال أمرتني بقطعه قباء فقال بل قميصا فالأظهر تصديق المالك بيمينه)؛ لأنه المصدق في أصل الإذن فكذا في صفته (ولا أجرة عليه) بعد حلفه؛ لأنها إنما تجب بالإذن وقد ثبت عدمه بيمينه (وعلى الخياط أرش) وهو ما بين قيمته صحيحا ومقطوعا (٢) (النقص)؛ لما ثبت من انتفاء الإذن والأصل الضمان، ويؤخذ من قولهم -لو استؤجر لنسخ كتاب فغير ترتيب أبوابه فإن أمكن البناء على بعض المكتوب كأن كتب الباب الأول منفصلا بحيث يبني عليه استحق بقسطه من الأجرة وإلا فلا شيء له (٣) - أن من استؤجر لتضريب (٤) ثوب بخيوط معدودة وتقسيم البعد بين
стр. 986
فصل
لَا تَنْفَسِخُ إِجَارَةٌ بِعُذْرٍ كَتَعَذُّرِ وَقُودِ حَمَّامٍ وَسَفَْرٍ وَمَرَضِ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ لِسَفَرٍ، وَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلْزِرَاعَةٍ فَزَرَعَ فَهَلَكَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَلَا حَطُّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ وَالْأَجِيرِ المُعَيَّنَيْنِ فِي المُسْتَقْبَلِ
الخيوط قسمة متساوية فخاطه بأنقص أو أوسع في القسمة لم يستحق شيئا لمخالفته المشروط إلا إن تمكن من إتمامه كما شرط وأتمه فيستحق الكل أو من البناء على بعضه فيستحق أجرة ذلك البعض.
(فصل) فيما يقتضي انفساخ الإجارة والتخير في فسخها وعدمهما وما يتبع ذلك
(لا تنفسخ إجارة) عينية أو في الذمة بنفسها ولا بفسخ أحد العاقدين (بعذر) لا يوجب خللا في المعقود عليه (١) (كتعذر وَقود حمام) على مستأجره، ومثله ما لو عدم دخول الناس له لفتنة أو خراب ما حوله كما لو خرب ما حول الدار أو الدكان (و) تعذر (سفَْر) -بفتح الفاء- بالدابة المستأجرة لطرو خوف مثلا، وبسكونها جمع مسافر أي رفقة يخرج معهم (و) نحو (مرض مستأجر دابة لسفر) ومؤجرها الذي يلزمه الخروج معها؛ إذ لا خلل في المعقود عليه والاستنابة ممكنة، نعم (٢) التعذر الشرعي يوجب الانفساخ كأن استأجره لقلع سن مؤلم فزال ألمه، وكذا الحسي إن تعلق بمصلحة عامة كأن استأجر الإمام ذميا لجهاد فصالح قبل المسير. أما إذا أوجب العذر خللا في المعقود عليه فإن كان في إجارة العين فإن أزال منفعته بالكلية انفسخت، وإن عيَّبه بحيث أثر في منفعته تأثيرا يظهر به تفاوت الأجرة تخير المكتري. (ولو استأجر أرضا للزراعة فزرع فهلك الزرع بجائحة) كسيل أو جراد (فليس له الفسخ ولا حط شيء من الأجرة)؛ إذ لا خلل في منفعة الأرض كما لو احترق بزُّ مستأجرِ دكان (وتنفسخ) الإجارة بتلف مستوفىً منه عُيِّن في عقدها شرعا -كمسلمة استؤجرت عينها مدة لخدمة مسجد فحاضت فيها- أو حسا كالموت فتنفسخ (بموت) نحو (الدابة والأجير (٣) المعينين) ولو بفعل المستأجر؛ لفوات المنفعة المعقود عليها قبل قبضها (في) الزمان (المستقبل) ومنافعه معدومة لا يتصور ورود الإتلاف عليها
стр. 987
لَا المَاضِي فِي الْأَظْهَرِ، فَيَسْتَقِرُّ قِسْطُهُ مِنْ المُسَمَّى، وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدَيْنِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ، وَلَوْ أَجَّرَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا، أَوِ الْوَلِيُّ صَبِيًّا مُدَّةً لَا يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ فَالْأَصَحُّ انْفِسَاخُهَا فِي الْوَقْفِ
(لا) في الزمن (الماضي) بعد القبض الذي لمثله أجرة فلا تنفسخ (في الأظهر)؛ لاستقراره بالقبض، ومن ثم لم يثبت فيه خيار (فيستقر قسطه من المسمى) بالنظر لأجرة المثل بأن تقوَّم منفعة المدة الماضية والباقية ويوزع المسمى على نسبة قيمتهما حالة العقد دون ما بعده، فإذا كانت مدة الإجارة سنة ومضى نصفها وأجرة مثله مثلا أجرة النصف الباقي وجب من المسمى ثلثاه وإن كان بالعكس وجب الثلث. وخرج بالمستوفى منه المستوفى به وغيره مما مر فلا انفساخ بتلفه على ما مر فيه (١). (ولا تنفسخ) الإجارة بنوعيها (بموت العاقدين (٢) أو أحدهما للزومها كالبيع فتترك العين بعد موت المؤجر عند المستأجر أو وارثه ليستوفي منها المنفعة، وما التزمه في الذمة دين عليه، فإن كان في التركة وفاء استؤجر منها وإلا تخير الوارث فإن وفى استحق الأجرة وإلا فللمستأجر الفسخ (و) لا تنفسخ أيضا بموت (متولي الوقف (٣) أي ناظره؛ لأنه بمنزلة ولي المحجور، بل لو كان الناظر هو المستحق وآجر بدون أجرة المثل لم تنفسخ بموته أثناء المدة (٤). ولا يجوز للناظر إذا آجر سنين أن يدفع جميع أجرتها للبطن الأول مثلا بل يعطيهم بقدر ما مضى وإلا ضمن الزائد (٥) (ولو آجر البطن الأول) مثلا أو بعضهم الوقف وقد شرط له النظر لا مطلقا بل مقيدا بنصيبه أو بمدة استحقاقه (مدة) لمستحق أو غيره (ومات قبل تمامها أو) آجر (الولي صبيا) أو ماله (مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ) رشيدا (بالاحتلام) أو غيره (فالأصح انفساخها في الوقف)؛ لأنه لما تقيد
стр. 988
لَا الصَّبِيِّ. وَأَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ. لَا انْقِطَاعِ مَاءِ أَرْضٍ اُسْتُؤْجِرَتْ لِزِرَاعَةٍ، بَلْ يَثْبُتُ الخِيَارُ،
نظره من جهة الواقف بمدة استحقاقه لم يكن له ولاية على المنافع المنتقلة لغيره. وخرج بما ذكرناه موقوف عليه لم يشرط له نظر عام ولا خاص فلا يصح إيجاره. ولو آجره الناظر ولو حاكما للبطن الثاني فمات البطن الأول لم تنفسخ (١) (لا) في (الصبي) فلا تنفسخ؛ لبناء الولي تصرفه على المصلحة مع عدم تقييد نظره، وإفاقة مجنون ورشد سفيه كبلوغ الصبي بالإنزال. أما إذا بلغ بالاحتلام سفيها فلا تنفسخ قطعا، وأما إذا آجره مدة يبلغ فيها بالسن فتبطل في الزائد إن بلغ رشيدا. (و) الأصح (أنها تنفسخ بانهدام الدار) كلها ولو بفعل المستأجر؛ لزوال الاسم وفوات المنفعة قبل الاستيلاء عليها؛ إذ لا تحصل إلا شيئا فشيئا، وإنما حكمنا فيها بالقبض؛ ليتمكن المستأجر من التصرف فتنفسخ بالكلية إن وقع ذلك قبل القبض أو بعده وقبل مضي مدة لها أجرة، وإلا ففي الباقي منها دون الماضي فيأتي فيه ما مر من التوزيع، أما انهدام بعضها فيتخير به المستأجر ما لم يبادر المؤجر ويصلحها قبل مضي زمن لا أجرة له. وتعطل الرحا بانقطاع مائها والحمام لنحو خلل أبنيتها أو نقص ماء بئرها مع تعذر سوق الماء من محل آخر يفسخها (لا انقطاع ماء أرض استؤجرت لزراعة) فلا تنفسخ به؛ لبقاء اسم الأرض مع إمكان سقيها بماء آخر، ومن ثم لو غرقت هي أو بعضها بماء لم يتوقع انحساره مدة الإجارة أو أوان الزرع انفسخت في الكل في الأولى وفي البعض في الثانية ويتخير حينئذ على التراخي (٢)، فإن لم يمكن سقيها بماء أصلا انفسخت (بل يثبت) به (الخيار)؛ للعيب ما لم يبادر المؤجر قبل مضي ما مر ويسوق إليها ما يكفيها ولا يكفي وعده بذلك، والخيار هنا على التراخي، ومما يتخير به أيضا ما لو استأجر محلا لدوابه فوقفه المؤجر مسجدا فيمتنع عليه تنجيسه وكل مقذر له من حينئذ ويتخير فإن اختار البقاء انتفع به إلى مضي المدة أي إن كانت المنفعة المستأجر لها تجوز فيه وإلا كاستئجاره لوضع نجس به تعين إبداله بمثله من الطاهر وامتنع على الواقف وغيره الصلاة ونحوها فيه بغير إذن المستأجر وحينئذ يقال لنا مسجد منفعته مملوكة ويمتنع نحو صلاة واعتكاف به من غير إذن مالك منفعته.
стр. 989
وَغَصْبُ الدَّابَّةِ وَإِبَاقُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الخِيَارَ. وَلَوْ أَكْرَى جِمَالًا وَهَرَبَ وَتَرَكَهَا عِنْدَ المُكْتَرِي رَاجَعَ الْقَاضِيَ لِيَمُونَهَا مِنْ مَالِ الجَمَّالِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا اقْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَثِقَ بِالمُكْتَرِي دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا جَعَلَهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا قَدْرَ النَّفَقَةِ،
(وغصب) غير المؤجر لنحو (الدابة وإباق العبد) في إجارة عين قدرت بمدة من غير تفريط من المستأجر، سواء كان الغصب على المالك أو المستأجر (يثبت الخيار) ما لم يبادر بالرد كما مر، وذلك؛ لتعذر الاستيفاء فإن فسخ فواضح وإن أجاز ولم يرد حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة فيستقر قسط ما استوفاه من المسمى، أما إجارة الذمة فيلزم المؤجر الإبدال فيها فإن امتنع استأجر الحاكم عليه، وإذا تلف المعين فيها انفسخ التعيين لا أصل العقد، نعم محل لزوم الإبدال وعدم الانفساخ في إجارة الذمة إذا لم يقدر بزمن وإلا انفسخت بمضيه، وأما إجارة عين قدرت بعمل فلا تنفسخ (١) بنحو غصبه بل يستوفيه متى قدر عليه كثمن حال أُخِّر قبضه، وأما وقوع ذلك بتفريط المستأجر فيسقط خياره ويلزمه المسمى، وأما غصب المؤجر لها بعد القبض أو قبله بأن امتنع من تسليمها فيفسخها كما يأتي (ولو أكرى جِمَالا) عينا أو ذمة (وهرب وتركها عند المكتري) فلا خيار؛ لإمكان الاستيفاء بما في قوله: (راجع) حيث لم يتبرع بمؤنتها (القاضي ليمونها) بإنفاقها وأجرة متعهدها كمتعهد أحمالها إن لزم المؤجر (من مال الجَمَّال فإن لم يجد له مالا) بأن لم يكن له غيرها وليس فيها زيادة على حاجة المستأجر -وإلا باع الزائد من غير اقتراض- (اقترض عليه) ; لأنه الممكن، وعليه (٢) فيلزمه استئذان الحاكم إن أمن عليه منه وإعطاؤه له إن كان أمينا وقَبِلَه (فإن وثق) القاضي (بالمكتري دفعه) أي المقترض منه أو من غيره (إليه) ليصرفه فيما ذكر (وإلا) يثق به (جعله عند ثقة) يصرفه لذلك، والأولى له تقدير النفقة وإن كان القول قول المنفق بيمينه إن ادعى لائقا بالعرف (وله) أي القاضي عند تعذر الاقتراض ومنه أن يخشى أن لا يتوصل بعد إلى استيفائه وكذا إن لم يتعذر لكنه لم يره (أن يبيع منها) بنفسه أو وكيله غير المستأجر؛ لامتناع وكالته في حق نفسه (قدر النفقة) والمؤنة المذكورة؛ للضرورة، وبعد البيع تبقى في يد المستأجر إلى انقضاء المدة فالإجارة لم تنفسخ هنا، وعليه فلو لم يجد مشتريا لها مسلوبة المنفعة مدة الإجارة كان للحاكم فسخها كما
стр. 990
وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُكْتَرِي فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ جَازَ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَتَى قَبَضَ المُكْتَرِي الدَّابَّةَ وَ الدَّارَ وَأَمْسَكَهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ، …
لو هرب ولم يترك جمالا فإن للمستأجر فسخ العينية للضرورة، ومحل جواز بيع قدر النفقة دون الكل في الذميّة ما إذا لم ير الحاكم بيع الكل وإلا باع وانفسخت الإجارة وعليه فيفرق بينها وبين العينية بأن تعلق حق المستأجر بالعين فيها أقوى منه في الذمية كما علم مما مر فيهما، وعليه أيضا يظهر أنه لو رأى مشتريا لها مسلوبة المنفعة مدة الإجارة لزمه أن يبيعه ما يحتاج لبيعه منها مقدما له على غيره; لأنه الأصلح. وخرج بمنها كلها فليس له بيعه ابتداء؛ خشية أن يأكل أثمانها، نعم يجوز للحاكم البيع في إجارة الذمة إذا رأى المصلحة فيه ويكتري للمستأجر ببعض الثمن (ولو أذن للمكتري في الإنفاق من ماله ليرجع جاز في الأظهر)؛ لأنه محل ضرورة وقد لا يرى الاقتراض، ويتحصل من كلامهم أنه إن وجد حاكم وأمكن إثبات الواقعة عنده فلم يقبل وانفق بغير إذنه لم يرجع، أما إن فقد الحاكم أو وجد ولم يمكن إثبات الواقعة عنده فحينئذ يشهد المكتري على أنه أنفق بشرط الرجوع لكي يرجع، فإن تعذر الإشهاد ونوى الرجوع رجع أيضا (١). وخرج بتركها ما لو هرب بها ففي إجارة العين يتخير نظير ما مر في الإباق وكما لو شردت الدابة، وفي إجارة الذمة يكتري عليه الحاكم أو يقترض نظير ما مر، ولا يفوض ذلك للمستأجر؛ لامتناع توكله في حق نفسه، فإن تعذر الاكتراء فله الفسخ. (ومتى قبض المكتري) العين المؤجرة ولو الحر المؤجرة عينه، أو (الدابة والدار وأمسكها) زيادة إيضاح، وكقبضها امتناعه منه بعد عرضها عليه إلا فيما يتوقف قبضه على النقل فيقبضه الحاكم، فإن صمم المستأجر على الامتناع من قبضها حينئذ ردها لمالكها (حتى مضت مدة الإجارة استقرت الأجرة) عليه (وإن لم ينتفع) ولو لعذر كخوف أو مرض؛ لتلف المنافع تحت يده حقيقة أو حكما فاستقر عليه بدلها، ومتى خرج بها المستأجر مع الخوف ضمنها إلا إذا ذكر ذلك حالة العقد. وليس له فسخ ولا إلزام مكر أخذها إلى الأمن; لأنه يمكن للمكتري أن يسير عليها مثل تلك المسافة إلى بلد آخر. ومتى انتفع بعد المدة لزمه مع المسمى المستقر عليه أجرة مثل ذلك الانتفاع.
стр. 991
وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ إلَى مَوْضِعٍ وَقَبَضَهَا وَمَضَتْ مُدَّةُ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إجَارَةُ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ إذَا سَلَّمَ الدَّابَّةَ المَوْصُوفَةَ وَتَسْتَقِرُّ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ المِثْلِ بِمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ المُسَمَّى فِي الصَّحِيحَةِ. وَلَوْ أَكْرَى عَيْنًا مُدَّةً وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتِ انْفَسَخَتْ، وَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ مُدَّةً وَأَجَّرَ لِرُكُوبٍ إلَى مَوْضِعٍ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ السَّيْرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ. وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ
(وكذا) تستقر الأجرة (لو اكترى دابة لركوب إلى موضع) معين (وقبضها) أو عرضت عليه (١) (ومضت مدة إمكان السير إليه)؛ لتمكنه من الاستيفاء، والفرق بين هذه والأولى أن هذه مقدرة بعمل بخلاف الأولى (وسواء فيه) أي التقدير بمدة أو عمل (إجارة العين والذمة إذا سلم) المؤجر في إجارة الذمة (الدابة) مثلا (الموصوفة) للمستأجر؛ لتعين حقه بالتسليم بخلاف ما إذا لم يسلمها فإنه لا يستقر عليه أجرة؛ لبقاء المعقود عليه في الذمة، وكالتسليم العرض كما مر. (ويستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل) زادت على المسمى أو نقصت (بما يستقر به المسمى في الصحيحة) مما ذكر وإن لم ينتفع؛ لما مر أن لفاسد العقود حكم صحيحها ضمانا وعدمه غالبا، نعم تخلية العقار والوضع بين يديه والعرض عليه وإن امتنع لا يكفي هنا بل لا بد من القبض الحقيقي (ولو أكرى عينا مدة ولم يسلمها) أو غصبها أو حبسها أجنبي ولو كان حبسه لها لقبض الأجرة (حتى مضت) تلك المدة (انفسخت) الإجارة؛ لفوات المعقود عليه قبل قبضه، فإن حبسها بعض تلك المدة انفسخت فيه فقط ويخير في الباقي ولا يبدل زمان بزمان (ولو لم يقدر مدة و) إنما قدرت بعمل كأن (آجر) دابة (لركوب إلى موضع معين ولم يسلمها حتى مضت مدة) إمكان (السير) إليه (فالأصح أنها) أي الإجارة (لا تنفسخ) ولا يخير المكتري؛ لتعلقها بالمنفعة دون الزمان ولم يتعذر استيفاؤها، ولا فسخ ولا خيار بذلك في إجارة الذمة قطعا; لأنه دين ناجز إيفاؤه تأخر (ولو آجر عبده ثم أعتقه) أو وقفه مثلا أو أمته ثم استولدها ثم مات (فالأصح أنها لا تنفسخ الإجارة)؛ لأن نحو العتق لم يصادف إلا رقبة مسلوبة المنافع. وخرج بثم أعتقه ما لو علق عتقه بصفة ثم آجره ثم وجدت
стр. 992
وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْعَبْدِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مَا بَعْدَ الْعِتْقِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ المُسْتَأْجَرَةِ لَلْمُكْتَرِي، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ جَازَ فِي الْأَظْهَرِ وَلَا تَنْفَسِخُ
الصفة أثناء مدة الإجارة فإنها تنفسخ؛ لسبق استحقاق العتق على الإجارة، ومثله ما لو آجر أم ولده ثم مات (و) الأصح (أنه) أي الشأن (لا خيار للعبد) في فسخ الإجارة بعد العتق (والأظهر أنه لا يرجع على سيده) أما على وراثه فقطعاً (بأجرة ما) أي المنافع التي تستوفى منه (بعد العتق) إلى انقضاء المدة؛ لتَصَرُّفه في منافعه حين كان يملكها بعقد لازم، ونفقته في بيت المال ثم على مياسير المسلمين. ولو أقر السيد بعتق قبل الإجارة غرم له بعد مضيها أجرة مثله؛ لتعديه بها، ولو فسخت الإجارة بعد العتق بعيب ملك منافع نفسه.
[تنبيه] لا تنفسخ الإجارة -ولو في الموقوف- بزيادة الأجرة ولا بظهور طالب بالزيادة؛ لجريانها بالغبطة في وقتها (ويصح بيع) العين (المستأجرة) حال الإجارة (للمكتري) قطعا؛ إذ لا حائل كبيع مغصوب من غاصبه (ولا تنفسخ الإجارة في الأصح)؛ لأنها واردة على المنفعة والملك على الرقبة فلا تنافي، فلو رد المبيع بعيب استوفى بقية المدة أو فسح الإجارة بعيب أو تلفت المنفعة رجع بأجرة باقي المدة (فلو باعها لغيره) وقد قدرت بزمن (جاز في الأظهر) ولو بغير إذن المستأجر؛ لما تقرر من اختلاف الموردين، ويسلمها للمشتري لحظة لطيفة؛ ليستقر ملكه ثم ترجع للمستأجر، نعم لو كثرت أمتعة الدار ولم يمكن تفريغها (١) إلا في زمن يقابل بأجرة صح البيع وأخر التسليم للمشتري إلى انقضاء المدة، أما إذا قدّرت بعمل كركوب لبلد كذا فيمتنع البيع؛ لجهالة مدة السير (٢) (ولا تنفسخ) الإجارة قطعا، فتبقى في يد المستأجر إلى انقضاء المدة، ويخير المشتري إن جهل ولو مدة الإجارة، فإن أجاز فلا أجرة له لبقية المدة، ولو علم المشتري الإجارة وظن أن له الأجرة تخير، ولو انفسخت الإجارة فمنفعته بقية المدة للبائع، ولو آجر داراً مدة ثم استأجرها تلك المدة ثم باعها انتقلت بجميع منافعها للمشتري. ولو آجر لغراس أو بناء ثم انقضت المدة فآجر لآخر قبل وقوع نظيرالتخيير السابق
стр. 993
نظيره في العارية لم يصح فيما يضر الانتفاع به الشجر أو البناء؛ لبقاء احترام مال المستأجر الأول، ويصح في غير المضر إن خصه بالعقد وكذا إن لم يخصه وأمكن التوزيع على المضر وغيره ولو آجر أرضه بأجرة مؤجلة ثم توفي المستأجر قبل أوان الزرع فاستولى آخر وزع عدوانا فتحل الإجارة بموته ولا تنفسخ الإجارة، ومحله إن لم يضع المتعدي يده إلى نهاية المدة وإلا ارتفع الحلول الذي بسببه موت المستأجر -بخلاف الحلول الذي سببه مضي المدة قبل موته فلا يرتفع-، فإذا مضت المدة ويد المتعدي قائمة بعدُ انفسخت الإجارة في الجميع وارتفع الحلول ويلزم المؤجر رد ما أخذه من تركة الميت على ورثته. ولو آجر بأجرة مقسطة فكتب الشهود الأجرة إجمالا ثم تقسيطها بما لا يطابق الإجمال فإن لم يمكن الجمع تحالفا; لأن تعارض ذينك أوجب سقوطهما، وإن أمكن كأن قالوا أربع سنين بأربعة آلاف كل شهر مائتا درهم وعشرة دراهم حمل على تقسيط المبلغ على أول المدة إلى أن ينفذ المبلغ وما زاد على ذلك لا تتعلق به الإجارة، وعليه فيفضل بعد تسعة عشر شهرا عشرة دراهم تقسط على ما يخصها من الشهر وهو يوم من أول الشهر العشرين وثلاثة أسباع يوم; لأن حصة كل يوم سبعة، ومر أوائل البيع قبل قبضه أن للمستأجر حبس ما استؤجر عليه للعمل فيه ثُمّ لاستيفاء أجرته، ومحله -كما يعلم مما مر في تعدد الصفقة- ما إذا لم يتعدد هنا وإلا كاستأجرتك لكتابة كذا كل كراس بكذا فليس له حبس كراس على أجرة آخر; لأن الكراريس حينئذ بمنزلة أعيان مختلفة (١).
стр. 994
كتاب إحياء الموات
الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ قَطُّ إنْ كَانَتْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ; فَلِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا بِالْإِحْيَاءِ. وَلَيْسَ هُوَ لِذِمِّيٍّ. وَإِنْ كَانَتْ بِبِلَادِ الْكُفَّارِ فَلَهُمْ إحْيَاؤُهَا، وَكَذَا المُسْلِمُ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَذُبُّونَ المُسْلِمِينَ عَنْهَا. وَمَا كَانَ مَعْمُورًا فَلِمَالِكِهِ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَالْعِمَارَةُ إسْلَامِيَّةٌ فَمَالٌ ضَائِعٌ
(كتاب إحياء الموات)
هو (الأرض التي لم تعمر قط) أي لم تتيقن عمارتها في الإسلام من مسلم أو ذمي وليست من حقوق عامر ولا من حقوق المسلمين. وأصله الخبر الصحيح ((من عَمَرَ أرضا ليست لأحد فهو أحق بها))، والتملك بالإحياء سنة؛ لما ورد أن له أجرا. ثم تلك الأرض (إن كانت ببلاد الإسلام فللمسلم) ولو غير مكلف كمجنون فيما لا يشترط فيه القصد مما يأتي (تملكها بالإحياء) ويسن استئذان الإمام (وليس هو لذمي) وإن أذن الإمام؛ لخبر ((عادي الأرض لله ورسوله ثم هي لكم مني))، وإنما جاز لكافر معصوم نحو احتطاب واصطياد بدارنا؛ لغلبة المسامحة بذلك. (وإن كانت ببلاد كفار) أهل ذمة (فلهم) ولو غير مكلفين (إحياؤها)؛ لأنه من حقوق دارهم (وكذا المسلم) له ذلك (إن كانت مما لا يذُِبون) أي يدفعون (المسلمين عنه) كموات دارنا بخلاف ما يذبون عنه وقد صولحوا على أن الأرض لهم فليس له إحياؤه. أما ما بدار الحرب فيملك بمجرد (١) الاستيلاء عليه بقصد تملكه ولا يشترط إحياء (وما) عرف أنه (كان معمورا) في الماضي وإن كان الآن خرابا (فلمالكه) إن عرف ولو ذميا إلا إن أعرض عنه الكفار قبل القدرة على الاستيلاء فإنه يملك بالإحياء (فإن لم يعرف) مالكه دارا كان أو قرية بدارنا (والعمارة إسلامية) يقينا (فمال ضائع) أمره للإمام في حفظه أو بيعه وحفظ ثمنه أو استقراض ذلك الثمن على بيت المال إلى ظهور مالكه إن رجي وإلا كان ملكا لبيت المال فله إقطاعه.
стр. 995
وَإِنْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ. وَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ حَرِيمُ مَعْمُورٍ، وَهُوَ مَا تَمَسُّ الحَاجَةُ إلَيْهِ لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ، فَحَرِيمُ الْقَرْيَةِ النَّادِي، وَمُرْتَكَضُ الخَيْلِ، وَمُنَاخُ الْإِبِلِ، وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ وَنَحْوُهَا، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ فِي المَوَاتِ مَوْقِفُ النَّازِحِ، وَالحَوْضُ، وَالدُّولَابُ، وَمُجْتَمَعُ المَاءِ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ،
[تنبيه] للإمام إقطاع أرض بيت المال إذا رأى فيه مصلحة، ولا يملكه أحد إلا بإقطاعه، ثم إن أقطع رقبتها ملكها المقطع أو منفعتها استحق الانتفاع بها مدة الإقطاع خاصة (وإن كانت) العمارة (جاهلية) وجهل دخولها في أيدينا أو شك في كونها جاهلية فكالموات (١)، وحينئذ (فالأظهر أنه) أي المعمور (يملك بالإحياء) كالركاز؛ لأنه لا حرمة لملك الجاهلية، نعم إن كان بدارهم وذبونا عنه وقد صولحوا على أنه لهم لم يملك بالإحياء (ولا يملك بالإحياء حريم معمور)؛ لأنه ملك لمالك المعمور، نعم لا يباع وحده كشرب الأرض وحده (وهو) أي الحريم (ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع) بالمعمور وإن حصل أصل الانتفاع بدونه (فحريم القرية) المحياة (النادي) وهو ما يجتمعون فيه للتحدث (ومرتَكض) أي مكان سوق نحو (الخيل) إن كانوا خيالة (٢) (ومُناخ الإبل) إن كانوا أهل إبل (ومطرح الرماد) والقمامات (ونحوها) كمراح الغنم وملعب الصبيان ومسيل الماء وطرق القرية؛ لاطراد العرف بذلك والعمل به خلفا عن سلف، ومنه مرعى البهائم إن قرب منها عرفا واستقل، وكذا إن بعد ومست حاجتهم له ولو في بعض السنة ومثله في ذلك المحتطب. وليس لأهل القرية منع المارة من رعي مواشيهم في مراتعها المباحة (وحريم) النهر كالنيل ما تمس حاجة الناس إليه لتمام الانتفاع بالنهر وما يحتاج لإلقاء ما يخرج منه فيه لو أريد حفره أو تنظيفه فلا يحل البناء فيه ولو لمسجد ويهدم ما بني فيه، ولا يغير هذا الحكم وإن تباعد عنه الماء بحيث لم يصر من حريمه؛ لاحتمال عوده إليه. وحريم (البئر) المحفورة (في الموات) للتملك ما لو حُفِر فيه لنقص ماؤها أو خيف الانهيار، و (موقف النازح) للدلاء منها بيده إن قصدت لذلك، أما قدر موقف النازح من بقية الجوانب فالعبرة فيه بالعرف (والحوض) يعني مصب الماء (والدُّولاب) وهو ما يستقي به النازح وما تستقى به الدابة (ومجتمع الماء) لسقي الماشية أو الزرع (ومتردد الدابة) -إن كان
стр. 996
وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي المَوَاتِ مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الْقَنَاةِ مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ الِانْهِيَارُ. وَالدَّارُ المَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لَا حَرِيمَ لَهَا، وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ المَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ إذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الجُدْرَانَ
الاستقاء بها- وملقى ما يخرج من نحو حوض البئر؛ لتوقف الانتفاع بالبئر على ذلك. ولا حد لشيء مما ذكر ويأتي بل المدار في قدره على ما تمس الحاجة إليه إن امتد الموات إليه وإلا فإلى انتهاء الموات إن كان وإلا فلا حريم، وخرج بالبئر المحفورة في الموات التي في الملك فلا حريم لها (١) (وحريم الدار) المبنية (في الموات) فناؤها وهو ما حوالي جدرها ومصب ميازيبها -نعم مصب ماء الغسالة لا يعتبر- و (مطرح الرماد وكناسة وثلج) في بلده (وممر في صوب الباب) أي جهته لكن لا إلى امتداد الموات؛ إذ لغيره إحياء ما قبالته إذا أبقى له ممرا وإن احتاج لانعطاف وازورار (٢) (وحريم بِئْر القناة) المحياة لا للاستقاء منها (ما لو حفر فيه نَقَص ماؤها أو خيف الانهيار) -أي السقوط- ويختلف باختلاف لين الأرض وصلابتها، نعم يجوز له البناء في حريمها؛ لأنه لا ينافي حفظها، ولا يمنع من حفر بئر بملكه ينقص ماء بئر جاره؛ لتصرفه في ملكه بخلاف حفر بئر في حريم بئر جاره فإنه ابتداء تملك. (والدار المحفوفة بدور) أو شارع بأن أُحيي الكل معا أي أو جهل (لا حريم لها)؛ إذ لا مرجح لها على غيرها، نعم لها فقط ما يتحفظ به عن يقين الضرر (ويتصرف كل واحد) من الملاك (في ملكه على العادة) وإن أضر جاره كأن سقط بسبب حفره المعتاد جدار جاره أو تغير بحشه بئره; لأن المنع من ذلك ضرر لا جابر له (فإن تعدى) في تصرفه بملكه العادة (ضمن) ما تولد منه قطعا أو ظنا قويا كأن شهد به خبيران؛ لتقصيره (والأصح أنه يجوز أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حماما وإصطبلا) وطاحونا وفرنا ومدبغة (وحانوته في البزازين حانوت حدادٍ) وقصارٍ (إذا احتاط وأحكم الجدران) إحكاما يليق بما يقصده بحيث يندر تولد خلل منه في أبنية الجار; لأن في منعه إضرارا به. وأفهم المتن أنه يمنع مما الغالب فيه الإخلال بنحو حائط الجار كدق عنيف
стр. 997
وَيَجُوزُ إحْيَاءُ مَوَاتِ الحَرَمِ، دُونَ عَرَفَاتٍ فِي الْأَصَحِّ قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى كَعَرَفَةَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَخْتَلِفُ الْإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ فَإِنْ أَرَادَ مَسْكَنًا اشْتُرِطَ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ وَسَقْفَ بَعْضِهَا وَتَعْلِيقُ بَابٍ، وَفِي الْبَابِ وَجْهٌ، أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابَّ فَتَحْوِيطٌ لَا سَقْفٌ، وَفِي الْبَابِ الخِلَافُ فِي الْمَسْكَنِ
يزعجها وحبس ماء بملكه تسري نداوته إليها، والحاصل منع ما يضر الملك -أي ضررا غير معتاد- دون المالك. ولو اهتز الجدار بدقه وانكسر ما علق فيه ضمنه (١) إن سقط حالة الضرب أو عقبه بحيث ينسب إليه عادة وإلا فلا.
[تنبيه] يستثنى من قولهم لا يمنع مما يضر المالك ما لو تولد من الرائحة مبيح تيمم كمرض فحينئذ إن غلب تولده وإيذاؤه المذكور منع منه وإلا فلا . (ويجوز) قطعا (إحياء موات الحرم) بما يفيد ملكه كما يملك عامره بالبيع وغيره، بل يسن وإن قلنا بكراهة بيع عامره (دون عرفات) -وإن لم يكن من الحرم- إجماعا، فلا يجوز إحياؤها ولا تملك به (في الأصح)؛ لتعلق حق النسك بها وإن اتسعت ولم تضق به (قلت: ومزدلفة) وإن قلنا المبيت بها سنة (ومنى) ونمرة والمحصب (٢) (كعرفة والله أعلم)؛ لذلك (ويختلف الإحياء بحسب الغرض) المقصود منه، وضابطه أن يهيأ كل شيء لما يقصد منه غالبا (فإن أراد مسكنا) أو مسجدا (اشترط) لحصوله (تحويط البقعة) ولو بقصب أو جريد أو سعف اعتيد، ويختلف باختلاف البلاد، ويرجع للعادة (٣) في بناء نحو الأحجار أو التحويط المجرد عن البناء، فإن اعتيد البناء بنحو الأحجار اشترط، أو التحويط المجرد عن البناء فلا. ولو اعتاد نازلو الصحراء تنظيف الموضع عن نحو شوك وحجر وتسويته لضرب خيمة وبناء معلف ومخبز ففعلوا ذلك بقصد التملك ملكوا البقعة وإن ارتحلوا عنها، أو بقصد الارتفاق فهم أولى بها إلى الرحلة (وسقف بعضها وتعليق باب) أي نصبه (وفي) تعليق (الباب وجه) أنه لا يشترط وكذا فيما قبله; لأن فقدهما لا يمنع السكنى. والأوجه في مصلى العيد أنه لا يشترط تسقيف بعضه كما هو العادة فيه (أو زريبة دواب) أو نحو ثمر أو حطب (فتحويط) بما اعتيد بحيث يمنع الطارق (لا سقف) كما هو العادة (وفي) تعليق (الباب الخلاف) السابق (في المسكن)
стр. 998
أَوْ مَزْرَعَةً فَجَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا، وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَتَرْتِيبُ مَاءٍ لَهَا إنْ لَمْ يَكْفِهَا المَطَرُ المُعْتَادُ، لَا الزِّرَاعَةُ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ بُسْتَانًا فَجَمْعُ التُّرَابِ، وَالتَّحْوِيطُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّهُ أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ أَوْ غَرَزَ خَشَبًا فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لَكِنِ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ
والأصح اشتراطه (أو مزرَعة فجمع) نحو (التراب) أو الشوك (حولها) كجدار الدار (وتسوية الأرض) بطم المنخفض وكسح العالي وحرثها إن توقف زرعها عليه مع سوق ماء توقف الحرث عليه (وترتيب ماء لها) بشق ساقية مثلا وإن لم يحفر طريقه إليها (إن لم يكفها المطر المعتاد)؛ لتوقف مقصودها عليه بخلاف ما إذا كفاها، نعم أراضي الجبال التي لا يمكن سوق ماء إليها ولا يكفيها المطر تكفي الحراثة وجمع التراب في حصول الإحياء والتملك، (لا الزراعة) فلا يشترط في إحيائها (في الأصح) كما لا يشترط سكنى الدار; لأن استيفاء المنفعة خارج عن الإحياء (أو بستانا فجمع التراب) حولها إن اعتادوا الاكتفاء به عن التحويط بغيره (و) إلا اشترط (التحويط) ولو بنحو قصب اعتيد; لأنه (حيث جرت العادة به) لا يتم الإحياء بدونه (وتهيئة ماء) له إن لم يكفه مطر كالمزرعة (ويشترط) نصب باب له و (الغرس) ولو لبعضه بحيث يسمى معه بستانا (على المذهب)؛ إذ لا يتم اسمه بدونه بخلاف المزرعة بدون الزرع ولا يشترط أن يثمر.
[تنبيه] ما لا يفعل عادة إلا للتملك كبناء دار لا يشترط فيه قصده وما يفعل له ولغيره كحفر بئر يتوقف ملكه على قصد تملكه . (ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمه) كحفر الأساس (أو أعلم على بقعة بنصب أحجار أو غرز خشبا) أو جمع ترابا أو خط خطوطا (فمتحجر) عليه أي مانع لغيره منه بما فعله بشرط كونه بقدر كفايته وقادرا على عمارته حالا (و) حينئذ (هو أحق به) من غيره اختصاصا لا ملكا، والمراد ثبوت أصل الحقية له؛ إذ لا حق لغيره فيه؛ لخبر أبي داود ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به))، فظهر أنه لا يبطل حقه بنحو غرقه وتعذر الانتفاع به فيعود بعود الانتفاع به، أما ما زاد على كفايته فلا حق له فيه بخلاف ما عداه وإن كان شائعا فيبقى تحجره فيه، وأما ما لا يقدر عليه حالا بل مآلا فلا حق له فيه (لكن الأصح أنه لا يصح) هبته أو (بيعه)؛ لما تقرر أنه غير مالك له وحق التملك لا يباع كحق الشفعة (و) الأصح (أنه لو أحياه آخر ملكه) وإن أثم; لأنه حقق الملك كشراء ما سامه
стр. 999
وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ أَحْييِ أَوِ اتْرُكْ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً. وَلَوْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ كَالمُتَحَجِّرِ. وَلَا يُقْطِعُ إلَّا قَادِرًا عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَا المتَحَجِّرُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ،
غيره، هذا إن لم يُعْرِض وإلا ملكه المحيي قطعا. ويحرم عليه نحو نقل آلات المتحجر مطلقا (ولو طالت مدة التحجر) عرفا بلا عذر ولم يحي (قال له السلطان) أو نائبه وجوبا (أحيي أو اترك) ذلك برفع يدك عنه؛ لتضييقه على الناس في حق مشترك بينهم، بل للآحاد أمره بذلك؛ لحرمة التضييق (فإن استمهل) وأبدى عذرا (أمهل مدة قريبة) في رأي الإمام رفقا به، فإن مضت ولم يفعل شيئا بطل حقه (١)، أما إذا لم يذكر عذرا أو علم منه الإعراض فله أن ينزعها منه حالا ولا يمهله. (ولو أقطعه الإمام مواتا) لتمليك رقبته ملكه بمجرد إقطاعه له أو ليحييه وهو يقدر عليه (صار أحق بإحيائه) بمجرد الإقطاع أي مستحقا له دون غيره وصار (كالمتحجر) في أحكامه السابقة وذلك؛ لأنه ﷺ ((أقطع الزبير ﵁ أرضا من أموال بني النضير)). أما إقطاع المندرس فإن كان (٢) ملكا لمرجو لم يجز للإمام إقطاعه أو لغير مرجو فهو ملك لبيت المال فيجوز له (ولا يقطع) الإمام أي لا يجوز له أن يقطع (إلا قادرا على الإحياء) حسا وشرعا دون ذمي بدارنا (وقدرا يقدر عليه) أي على إحيائه; لأنه اللائق بفعله المنوط بالمصلحة (وكذا التحجر) لا ينبغي أن يقع من مريده إلا فيما يقدر على إحيائه وإلا جاز لغيره إحياء الزائد بل يحرم تحجر الزائد على ما يقدر عليه; لأن فيه منعا لمريدي الإحياء من غير حاجة له فيه، ولو قال المتحجر لغيره آثرتك به أو أقمتك مقامي صار الثاني أحق به وهو حينئذ إيثار (والأظهر أن للإمام) ونائبه ولو والي ناحية (أن يَحمي بقعة موات) بأن يمنع من عدا من يريد الحمى له من رعيها (لرعي) خيل جهاد، و (نعم جزية) وفيء (وصدقة و) نعم (ضالة و) نعم إنسان (ضعيف عن النُّجعة) وهو الإبعاد في الذهاب لطلب الرعي; لأنه ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين، ويشترط أن يكفي المسلمين ما بقي وإن احتاجوا للتباعد للرعي. ويحرم ولو على الإمام بلا خلاف أخذ عوض ممن يرعى في حمى أو موات.
стр. 1000
وَأَنَّ لَهُ نَقْضَ حِمَاهُ لِلْحَاجَةِ. وَلَا يَحْمِي لِنَفْسِهِ.
فصل
مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ المُرُورُ، وَيَجُوزُ الجُلُوسُ بِهِ لِاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا إذَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى المَارَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ
(و) الأظهر (أن له نقض حماه) وحمى غيره إذا كان النقض (للحاجة) بأن ظهرت المصلحة فيه بعد ظهورها في الحمى؛ رعاية للمصلحة، نعم حماه ﷺ نص فلا ينقض ولا يغير بحال بخلاف حمى غيره ولو الخلفاء الراشدين ﵃. (ولا يحمي) الإمام ونائبه (لنفسه) قطعا؛ لأن ذلك من خصائصه ﷺ وإن لم يقع منه، وليس للإمام أن يدخل مواشيه ما حماه للمسلمين; لأنه قوي لا ضعيف، ولو رعى الحمى غير أهله فلا غرم عليه ولا تعزير. وليس للإمام أن يحمي الماء العِدَّ أي الذي له مادة لا تنقطع كماء عين أو بئر لنحو نعم الجزية.
(فصل) في بيان حكم منفعة الشارع (١) وغيرها من المنافع المشتركة
(منفعة الشارع) الأصلية (المرور) فيه؛ لأنه وضع له (ويجوز الجلوس) والوقوف (به) ولو لذمي (لاستراحة ومعاملة ونحوهما) كانتظار (إذا لم يضيق (٢) على المارة (٣)؛ لنهيه ﷺ عن نحو الحديث فيه إلا أن يعطيه حقه من غض بصرٍ وكف أذىً وأمر بمعروف، (ولا يشترط) في جواز الانتفاع به ولو لذمي (إذن الإمام)؛ لإطباق الناس عليه بدون إذنه من غير نكير.
стр. 1001
وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّةٍ وَغَيْرِهَا. وَلَوْ سَبَقَ إلَيْهِ اثْنَانِ أُقْرِعَ، وَقِيلَ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ بِرَأْيِهِ. وَلَوْ جَلَسَ لِلْمُعَامَلَةِ ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَوْ مُنْتَقِلًا إلَى غَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلْ إلَّا أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَأْلَفُونَ غَيْرَهُ. وَمَنْ أَلِفَ مِنَ المَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ وَيُقْرِئُ كَالجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ، ..
ولا يجوز لأحد أخذ عوض ممن يجلس به مطلقا (١)، وكالشارع فيما ذكر الرحاب الواسعة بين الدور فإنها من المرافق العامة وقد أجمعوا على منع إقطاع المرافق العامة إقطاع التمليك، أما إقطاع الارتفاق فيجوز بالشارع أي بما لا يضر منه بوجه فيصير كالمتحجر وكالشارع حريم مسجد لم يضر الارتفاق به أهله بخلاف رحبته; لأنها منه، (وله تظليل مقعده) فيه (بباريِّة) هي منسوج بقصب كالحصير (وغيرها) مما لا ضرر فيه عرفا على المارة كثوب؛ لاعتياده دون نحو بناء، ويتجه جواز وضع سرير لم يضيق به (ولو سبق إليه) أي موضع من الشارع (اثنان) وتنازعا ولم يسعهما معا (أقرع) بينهما وجوبا؛ إذ لا مرجح، ومن ثم لو كان أحدهما مسلما قدم; لأن انتفاع الذمي بدارنا إنما هو بطريق التبع لنا، وإن ترتبا قدم السابق (وقيل يُقدِّم الإمام) أحدهما (برأيه) أي اجتهاده كمال بيت المال (ولو جلس) في الشارع لنحو استراحة بطل حقه بمجرد مفارقته وإن نوى العود أو (لمعاملة) أو صناعة بمحل وإن ألفه (ثم فارقه تاركا الحرفة أو منتقلا إلى غيره بطل حقه) منه ولو مقطعا إقطاع منفعة؛ لإعراضه عنه، أما المقطع أقطاع رقبة فلا يبطل حقه بالإعراض؛ لأنه ملكه بالقبول أو عدم الرد (وإن فارقه) -أي محل جلوسه الذي ألفه- ولو بلا عذر (ليعود) إليه، وأُلحق به ما لو فارقه بلا قصد عود ولا عدمه (لم يبطل) حقه؛ لخبر مسلم ((إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به))، ويجري هذا في السوق الذي يقام في كل شهر مرة مثلا، ولغيره الجلوس في مقعده مدة غيبته ولو لمعاملة (إلا أن تطول مفارقته) ولو لعذر وإن ترك فيه متاعه (بحيث ينقطع معاملوه عنه ويألفون غيره) هو لازم لما قبله فيبطل حقه حينئذ ولو مُقطعا (ومن ألف من المسجد موضعا يفتي فيه) أ (ويقرئ) فيه قرآنا أو علما شرعيا أو آلة له (كالجالس في شارع لمعاملة) ففيه ما مر في التفصيل
стр. 1002
وَقِيلَ يَبْطُلُ حَقُّهُ، وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلَاةٍ لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بِهِ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلْ اخْتِصَاصُهُ، فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إزَارَهُ،
الأن له غرضا في ملازمة ذلك الموضع؛ ليألفه الناس، (وقيل يبطل حقه) بقيامه. وأفهم المتن أنه لا يشترط إذن الإمام، ومحله إن لم يعتد وإلا اشترط (١). وجلوس الطالب بمحل بين يدي المدرس كذلك إن أفاد أو استفاد فيختص به وإلا فلا (ولو جلس فيه) جلوسا جائزا لا كخلف المقام (٢) المانع للطائفين من فضيلة سنة الطواف ثَمّ فإنه حرام كبسط السجادة فيه وإن لم يجلس ويعزر فاعل ذلك مع العلم بمنعه؛ لأن الشارع عينه من حيث الأفضلية لهذه الصلاة ووقوف إمام الجماعة فيه فلم يجز لأحد تفويته بجلوس بل ولا صلاة لم يعينه الشارع لهما، والكلام في جلوس لغير دعاء عقب سنة الطواف; لأنه من توابعها (لصلاة) ولو قبل دخول وقتها، وظاهرٌ أن مثلها كل عبادة قاصر نفعها عليه كقراءة أو ذكر صار أحق به فيها ولو صبيا في الصف الأول، و (لم يصر أحق به في) صلاة (غيرها) ; لأن لزوم بقعة معينة للصلاة غير مطلوب، (فلو فارقه) ولو قبل دخول الوقت (لحاجة) كإجابة داع وتجديد وضوء (ليعود) أوْ لا بقصد شيء (لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصح) فيحرم على غيره العالم به الجلوس فيه بغير إذنه أو ظن رضاه (وإن لم يترك إزاره) فيه؛ لخبر مسلم السابق آنفا، نعم إن أقيمت الصلاة واتصلت الصفوف سَدَّ الصَّفُ مكانه أي وإن كان له سجادة فينحيها برجله من غير أن يرفعها بها عن الأرض؛ لئلا تدخل في ضمانه كما يُفْهِمه بالأولى قول البغوي أنه لو وضع رجليه على شيء مطروح متحاملا ضمنه؛ لقوة استيلائه عليه حينئذ، أما إذا فارقه لا لعذر أو به لا ليعود فيبطل حقه مطلقا. وخرج بالصلاة جلوسه لاعتكاف فإن لم ينو مدة بطل حقه بخروجه ولو لحاجة وإلا لم يبطل حقه بخروجه أثناءها لحاجة.
[فائدة] يمنع تعليم الصبيان في المسجد ; لأن الغالب إضرارهم به، ومحله في غير كاملي التمييز إذا صانهم المعلم عما لا يليق بالمسجد. ويمنع جالس به اتخذه لنحو بيع أو حرفة، ويمنع من أراد استطراق حلقة علم.
стр. 1003
وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ أَوْ فَقِيهٌ إلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إلَى خَانِقَاهٍ لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ
(ولو سبق رجل إلى موضع من رباط) وهو ما يُبنى لنحو سكنى المحتاجين فيه، واشتهر عرفا في الزاوية وأنها قد ترادف المسجد وقد ترادف المدرسة وقد ترادف الرباط فيعمل فيها بعرف محلها المطرد وإلا بعرف أقرب محل إليه (مسبل) وفيه شرط من يدخله وكذا الباقي (أو فقيه إلى مدرسة) أو متعلم قرآن إلى ما بني له (أو صوفي إلى خانقاه) وهي ديار الصوفية (لم يزعج ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه) من الأعذار وإن لم يترك متاعا ولا نائبا؛ لعموم خبر مسلم. أما خروجه لغير عذر فيبطل به حقّه كما لو كان لعذر وطالت غيبته عرفا، ولغيره الجلوس محله حتى يحضر، ويؤخذ مما مر أن أيام العطلة المعودة الآن في المدارس تمنع الاستحقاق إلا إن شرطها الواقف أو عهدت في زمن الواقف حالة الوقت وعلم بها (١).
[تنبيه] محل ما في المتن من أحقِّية السبق إن استأذن الناظر أو لم يكن ثمة ناظر وإلا فلا حقّ له ؛ عملا بالعرف في ذلك، ولذا لو كان العرف لا يعتبره لم يعتبر. ومتى عين الواقف مدة لم يزد عليها إلا إذا لم يوجد في البلد من هو بصفته; لأن العرف يشهد بأن الواقف لم يرد شغور مدرسته وكذا كل شرط شهد العرف بتخصيصه، وعند الإطلاق ينظر إلى الغرض المبني له ويعمل بالمعتاد المطرد في مثله حالة الوقف; لأن العادة المطردة في زمن الواقف إذا علم بها تنزل منزلة شرطه، فيزعج متفقه ترك التعلم وصوفي ترك التعبد ولا يزاد في رباطِ مارّةٍ على ثلاثة أيام إلا إن عرض نحو خوف أو ثلج فيقيم لانقضائه، ولغير أهل المدرسة ما اعتيد فيها من نحو نوم بها وشرب وطهر من مائها ما لم ينقص الماء عن حاجة أهلها.
стр. 1004
فصل
المَعْدِنُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَارِ رَحًى لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلَا إقْطَاعٍ، فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ قُدِّمَ السَّابِقُ إلَيْهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ
(فصل) في بيان حكم الأعيان المشتركة
(المعدن الظاهر وهو ما يخرج) جوهره (بلا علاج) في بروزه وإنما العلاج في تحصيله (كنِفط) هو دهن معروف (وكِبريت) وأصله عين تجري فإذا جمد ماؤها صار كبريتا (وقار) أي زفت (١) (ومُومياء) وهو شيء يلقيه الماء في بعض السواحل فيجمد ويصير كالقار (وبِرام) وهو حجر يعمل منه قدور الطبخ (وأحجار رحا) وجص ونورة ومدر ونحو ياقوت وكحل وملح مائي وجبلي لم يحوج إلى حفر وتعب (لا يملك) بقعة ونيلا (بالإحياء) لمن علمه قبل إحيائه (ولا يثبت فيه اختصاصٌ بتحجر ولا إقطاعٌ) من سلطان بل هو مشترك بين المسلمين وغيرهم كالماء والكلأ؛ لما صح أنه ﷺ ((أقطع رجلا ملح مأرب -أي مدينة قرب صنعاء كانت بها بلقيس- فقال رجل: يا رسول الله إنه كالماء العِد لا انقطاع لمنبعه، قال: فلا إذن))، ويمتنع أيضا إقطاع وتحجر أرض لأخذ نحو حطبها أو صيدها وبركة لأخذ سمكها (٢). وإذا قصد أرضا لا مالك لها بالإحياء وملكها دخل ما فيها من الشجر والكلاء تبعاً أما إن قصد أخذ الأشجار فقط دون إحياء الأرض فيمتنع على الإمام إقطاعها بل تبقى مشتركة بين الناس. و إذا لم يعلم بالمعدن إلا بعد الإحياء فيملكه بقعة ونيلا، وأما ما فيه علاج كأن كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت وسيق الماء إليها ظهر الملح فيملك بالإحياء وللإمام إقطاعها (فإن ضاق نيله) أي الحاصل منه عن اثنين تسابقا إليه، ومثله في هذا الباطن الآتي (قُدَّم السابق) منهما إليه؛ لسبقه، وإنما يقدر (بقدر حاجته) عرفا
стр. 1005
فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً فَالْأَصَحُّ إزْعَاجُهُ، فَلَوْ جَاءَا مَعًا أُقْرِعَ فِي الْأَصَحِّ، وَالمَعْدِنُ الْبَاطِنُ وَهُوَ مَا لَا يَخْرُجُ إلَّا بِعِلَاجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ لَا يُمْلَكُ بِالحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الْأَظْهَرِ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ مَلَكَهُ، وَالمِيَاهُ المُبَاحَةُ مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الجِبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا،
فيأخذ ما تقتضيه عادة أمثاله، ويبطل حقه بانصرافه وإن لم يأخذ شيئا (فإن طلب زيادة) على حاجته (فالأصح إزعاجه)؛ لشدة الحاجة إلى المعادن، ومحل الخلاف إن لم يضر الغير وإلا أزعج جزما (فلو جاءا) إليه (معا) أو جهل السابق (أقرع) بينهما وإن كان أحدهما غنيا (في الأصح)؛ إذ لا مرجح، وإن وسعهما اجتمعا، وليس لأحدهما أن يأخذ أكثر من الآخر في البقعة إلا برضاه بخلاف النَّيْل فله أخذ أكثر منه (والمعدن الباطن وهو ما لا يخرج إلا بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس) وفيروزج وياقوت وسائر الجواهر المبثوثة في الأرض (لا يملك) محله (بالحفر والعمل) مطلقا ولا بالإحياء في موات على ما يأتي (في الأظهر) كالظاهر، وفارق الموات بأن إحياءها متوقف على العمار وهي مناسبة لها وإحياؤه متوقف على تخريبه بالحفر وهو غير مناسب له، ومن ثم لو استقل بإحياء محل المعدن فقط دون انظمام شيء من أطرافه لم يملك البقعة ولا النَّيْل قبل أخذه. وخرج بمحله نيله فيُمْلك بغير إذن الإمام بالأخذ قطعا لا قبل الأخذ. ويجوز في المعدن الباطن إقطاع الإرفاق لا إقطاع تمليك، نعم لا يثبت فيه اختصاص بتحجر كالظاهر (ومَن أحيا مواتا فظهر فيه معدن باطن ملكه) بقعة ونيلا; لأنه من أجزاء الأرض التي ملكها بالإحياء -بخلاف الركاز (١) - بل ويملك ما كان في البقعة من النَّيْل قبل أخذه بالفعل. وخرج بقوله فظهر -المشعر بأنه لم يعلمه حال الإحياء- ما لو علمه وبنى عليه دارا مثلا فيملكه دون بقعته (٢) ; لأن المعدن لا يتخذ دارا ولا مزرعة فالقصد فاسد، ومع ملكه (٣) له لا يجوز له بيعه; لأن مقصوده النيل وهو مجهول (والمياه المباحة) بأن لم تملك (من الأودية) كالنيل (والعيون في الجبال) ونحوها من الموات وسيول الأمطار (يستوي الناس فيها)؛ لخبر أبي داود ((الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار))، فلا يجوز لأحد تحجرها ولا
стр. 1006
فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ سُقِيَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ المَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ. وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا المَاءِ فِي إنَاءٍ مُلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلِارْتِفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ
للإمام إقطاعها إجماعا، وعند الازدحام وقد ضاق الماء أو مشرعه يقدم السابق وإلا أقرع، وعطشان على غيره، وطالب شرب على طالب سقي. وليس من المباحة ما جهل أصله وهو تحت يد واحد أو جماعة; لأن اليد دليل الملك، ومحله إن كان منبعه من مملوك لهم بخلاف ما منبعه بموات أو يخرج من نهر عام كدجلة فإنه باق على إباحته، ويعمل فيما جهل قدره ووقته وكيفيته في المشارب والمساقي وغيرها بالعادة المطردة; لأنها محكمة في هذا وأمثاله (فإن أراد قوم سقي أرَضيهم) من ماء مباح (فضاق سقى الأعلى) مرة أو أكثر; لأن الماء ما لم يجاوز أرضه فهو أحق به ما دامت له به حاجة (فالأعلى) أي الأقرب للنهر فالأقرب وإن هلك زرع الأسفل قبل انتهاء النوبة إليه، أما إذا اتسع فيسقي كل متى شاء. هذا كله إن أحيوا معا أو جهل الحال، أما لو كان الأسفل أسبق إحياء فهو المقدم -بل له منع من أراد إحياء أقرب منه إلى النهر؛ لئلا يستدل بقربه بعدُ على أنه مقدم عليه- ثم من وليه في الإحياء وهكذا ولا عبرة حينئذ بالقرب من النهر، ولو استوت أرضون في القرب للنهر وجهل المحيي أوَّلا أقرع للتقدم، ولهم منع من أراد إحياء موات وسقيه منه إن ضيَّق عليهم كما يأتي (وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين (١)؛ لما صح من قضائه ﷺ بذلك، والمراد جانب الكعب الأسفل (فإن كان في الأرض) الواحدة (ارتفاع) من طرف (وانخفاض) من طرف (أفرد كل طرف بسقي)؛ لئلا يزيد الماء في المنخفضة على الكعبين لو سقيا معا فيسقي أحدهما حتى يبلغهما ثم يسد عنها ويرسله إلى الآخر. (وما أخذ من هذا الماء) المباح (في إناء مُلِك) -ومع ذلك لا يصير شريكا بإعادته إليه- (على الصحيح) وكأخذه في إناء سوقه لنحو بركة أو حوض له مسدود وكذا دخوله في كيزان دولابه. وخرج بذلك دخوله في ملكه بنحو سيل وإن حفر نهرا حتى دخل فإنه لا يملكه بدخوله لكنه يكون أحق به، نعم إن أقفل عليه مَلَكَهُ (وحافر بئر بموات للارتفاق) لنفسه لشربه وشرب دوابه منه لا للتملك (أولى بمائها) الذي يحتاجه ولو لزرعه (حتى يرتحل)؛ لسبقه إليه فإن ارتحل
стр. 1007
وَالمَحْفُورَةُ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْقَنَاةُ المُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْبِ خَشَبَةٍ فِي عَرْضِ النَّهَرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ الحِصَصِ،
بطلت أحقيته ما لم يرتحل لحاجة بنية العود ولم تطل غيبته، وأما إذا حفرها لارتفاق المارة أو لا بقصد نفسه ولا المارة فهو كأحدهم فيشترك الناس فيها وإن لم يتلفظ بوقفها، وليس له سدها وإن حفرها لنفسه لتعلق حق الناس بها (والمحفورة) في الموات (للتملك أو) المحفورة بل والنابعة بلا حفر (في ملك يملك) حافرها ومالك محلها (ماؤها في الأصح) ; لأنه نماء ملكه (وسواء ملكه أم لا لا يلزمه بذل ما فضل عن حاجته) ولو لزرعه (لزرع) وشجر لغيره (ويجب) بلا عوض بذل ما كان فاضلا عن حاجته الناجزة، نعم محل التقييد بالناجزة إن كان ما يستخلف منه يكفيه لما يطرأ، ومحل وجوب البذل أيضا ما لم يأخذه ما لم في نحو إناء، فإن أخذه في إناء لم يجب البذل ولو بعوض؛ لأن الفرض أن لا ضرورة حينئذٍ (لماشية) إذا كان بقربه كلأ مباح ولم يجد صاحبها ماء آخر مباحا (على الصحيح) بأن يُمكّنه من سقيها منه حيث لم يضر زرعه ولا ماشيته، فإن اضر بذلك تمكينُهُ من سقيها مكَّنه من أخذ مائها أو سوقه إليها حيث لا ضرر على صاحب البئر؛ لحرمة الروح، ومحل الخلاف إن لم يوجد اضطرار وإلا وجب بذله لذي روح محترمة كآدمي وإن احتاجه لماشيته، وماشية وإن احتاجه لزرع. وجوّز ابن عبد السلام الشرب وسقي الدواب من نحو جدول مملوك لم يضر بمالكه؛ إقامة للإذن العرفي مقام اللفظي (والقناة المشتركة) بين جماعة لا يقدم فيها أعلى على أسفل ولا عكسه، بل (يقسم ماؤها) المملوك الجاري من نهر أو بئر قهرا عليهم إن تنازعوا وضاق لكن على وجهٍ لا يتقدم به شريك على شريك، وإنما يحصل ذلك (بنصب خشبة) مثلا مستو أعلاها وأسفلها بمحل مستو، وأُلحق بالخشبة ونحوها بناء جدار به ثقب محكمة بالجص (في عرض النهر) أي فم المجرى (فيها ثُقب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص) من القناة; لأنه طريق إلى استيفاء كلٍّ حقه، وعند تساوي الثقب وتفاوت الحقوق أو عكسه يأخذ كل بقدر حصته فإن جهل قدر الحصص قسم على قدر الأراضي; لأن الظاهر أن الشركة بحسب الملك. هذا إن اتفقوا على ملك كل منهم وإلا رجح بالقرينة والعادة المطردة في ذلك كما مر، و كل أرض أمكن سقيها من هذا النهر إذا رأينا لها ساقية منه ولم نجد لها شربا من موضع آخر حكمنا عند
стр. 1008
وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً
التنازع بأن لها شربا منه. وأفهم كلامهما أن ما عُدَّ لإجراء الماء فيه عند وجوده إلى أرض مملوكة دال على أن اليد فيه لصاحب الأرض التي يمكن سقيها منها سواء اتسع المجرى وقلَّت الأرض أو عكسه وسواء المرتفع والمنخفض. وليس لأحدهم أن يسقي بمائه أرضا له أخرى لا شرب لها منه سواء أحياها أم لا; لأنه يجعل لها رسم شرب لم يكن، ولو أراد إحياء موات وسقيه من هذا النهر فإن ضاق على السابقين منع؛ لأنهم استحقوا أراضيهم بمرافقها والماء من أعظم مرافقها وإلا منع من الإحياء والسقي. ولو زاد نصيب أحدهم من الماء على ري أرضه لم يلزمه بذله لشركائه بل له التصرف فيه كيف شاء (ولهم) أي الشركاء (القسمة مهايأة) مياومة مثلا كأن يسقي كل منهم يوما كسائر الأملاك المشتركة، ولهم الرجوع عن ذلك. وتتعين المهايأة إذا تعذر ما مر لبعد أرض بعضهم من المقسم، وتتعين نحو الخشبة إذا كانت القناة تارة يكثر ماؤها وتارة يقل فتمتنع المهايأة حينئذ. وليس لأحد الشركاء أن يحفر ساقية قبل المقسم; لأن حافة النهر مشتركة بينهم ولكل حرث أرضه وخفضها ورفعها وحينئذ يفرد كل أرضه بساقية يجري الماء فيها إليها ومؤنة ما يخص كلا عليه بخلاف عمارة النهر الأصلية فإنها على جميعهم بقدر الحصص، فإن عمرها بعضهم فزاد الماء لم يختص به; لأنه متبرع وإن كان إنما عمرها بعد امتناع الآخرين، ولصاحب السفل أن يحرث ويحفر في أرضه ما يدفع به ضررها من غير أن يضر العليا وليس للأعلى ذلك; لأنه به يأخذ أكثر من حقه، هذا إن كانا يشربان معا وإلا بأن كان شرب السفلى من ماء العليا فلا منع أي حيث لا ضرر، ومن ثم امتنع عليه أن يحدث في أرضه شجرا أو نحوه إن أضر بالسفلى؛ لحبسه الماء وأخذه منه فوق ما كان يعتاد قبل إحداث ما ذكر، ولصاحب السفلى إجراء الماء -المستحق لإجرائه- في العليا وإن أضر بنخلها أو زرعها ولا غرم عليه؛ لتقصير صاحبها بالزرع أو الغرس في المجرى المستحق للأسفل.
стр. 1009
كتاب الوقف
شَرْطُ الْوَاقِفِ صِحَّةُ عِبَارَتِهِ وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ. وَالمَوْقُوفِ دَوَامُ الِانْتِفَاعِ بِهِ
(كتاب الوقف)
هو لغة: الحبس ويرادفه التسبيل والتحبيس، وشرعا: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح. وأصله قوله ﷺ ((إذا مات المسلم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له))، وحمل العلماء الصدقة الجارية على الوقف دون نحو الوصية بالمنافع لندرتها.
وأركانه موقوف وموقوف عليه وصيغة وواقف، وبدأ به؛ لأنه الأصل فقال:
(شرط الواقف صحة عبارته) خرج الصبي والمجنون (وأهلية التبرع) في الحياة، فلا يصح من محجور عليه بسفه -وصحة نحو وصيته ولو بوقف داره؛ لارتفاع حجره بموته- ومكره ومكاتب ومفلس وولي. ويصح من مبعض (١) وكافر -ولو لمسجد وإن اعتقده غير قربة- وممن لم ير ولا يتخير إذا رأى ومن الأعمى.
(و) شرط (الموقوف) كونه عينا معينة مملوكة ملكا يقبل النقل (٢) يحصل منها مع بقاء عينها فائدة أو منفعة تصح إجارتها، فلا يصح وقف المنفعة وإن ملكها مؤبدا بالوصية، والملتزم في الذمة، وأَحَد عبديه، وما لا يملك ككلب -نعم يصح وقف الإمام نحو أراضي بيت المال على جهة ومعين بشرط أن يظهر له في ذلك مصلحة ; لأن تصرفه فيه منوط بها كولي اليتيم، ومن ثم لو رأى تمليك ذلك لهم جاز- وأم ولد ومكاتب وحمل وحده وذي منفعة لا يستأجر لها كآلة اللهو وطعام، نعم يصح وقف فحل للضراب وإن لم تجز إجارته له؛ إذ يغتفر في القربة ما لا يغتفر في المعاوضة. و (دوام الانتفاع) المذكور (به) المقصود منه ولو بالقوة بأن يبقى مدة تقصد بالاستئجار غالبا، فدخل وقف عين الموصى بمنفعته مدة والمأجور وإن طالت مدتهما ونحو الجحش الصغير والدراهم لتصاغ حليا فإنه يصح وإن لم يكن له منفعة
стр. 1010
لَا مَطْعُومٌ وَرَيْحَانٌ. وَيَصِحُّ وَقْفُ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ وَمُشَاعٍ لَا عَبْدٍ وَثَوْبٍ فِي الذِّمَّةِ. وَلَا وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ. وَكَذَا مُسْتَوْلَدَةٌ وَكَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَأَحَدُ عَبْدَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا فَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ،
حالا كالمغصوب ولو من عاجز عن انتزاعه وكذا وقف المدبر والمعلق عتقه بصفة، ثم إن عتقا بالموت ووجود الصفة بطل الوقف، وخرج ما لا يقصد كنقد للتزين به أو الاتجار فيه وصرف ربحه للفقراء مثلا، وكذا الوصية به لذلك وما لا يفيد نفعا كزمن لا يرجى برؤه (لا مطعومٌ) أي وقفه؛ لأن نفعه في إهلاكه (وريحان)؛ لسرعة فساده، ومن ثم كان هذا في محصود دون مزروع فيصح وقفه للشم والتنزه؛ لأنه يبقى مدة (ويصح وقف) نحو مسك وعنبر للشم بخلاف عود البخور؛ لأنه لا ينتفع به إلا باستهلاكه فإن انتفع بدوام شمه فهو كالعنبر، و (عقار) إجماعا (ومنقول)؛ للخبر الصحيح فيه، نعم لا يصح (١) وقفه مسجدا؛ لأن شرطه الثبات (ومشاع) وإن جهل قدر حصته أو صفتها؛ لأن عمر وقف أرضا بخيبر وكانت مشاعة، ولا يسري للباقي وإن وقف مسجدا وحينئذٍ تجب قسمته. ومر في مبحث خيار الإجارة أنه يتصور لنا مسجد تملك منفعته ويمتنع نحو اعتكاف وصلاة فيه من غير إذن مالك المنفعة (لا) وقف (عبد وثوب في الذمة)؛ لأن حقيقته إزالة ملك عن عين، نعم يجوز التزامه فيها بالنذر (ولا وقف حر نفسه)؛ لأن رقبته غير مملوكة له (وكذا مستولدة)؛ لأنها لعدم قبولها للنقل كالحر، ومثلها المكاتب أي كتابة صحيحة بخلاف ذي الكتابة الفاسدة؛ لأن المغلب فيه التعليق، ومر في المعلق صحة وقفه (وكلب معلم)؛ لأنه لا يملك والتقييد بمعلم لأجل الخلاف (وأحد عبديه في الأصح) كالبيع. (ولو وقف بناء أو غراسا في أرض مستأجرة) إجارة صحيحة أو فاسدة (٢) أو مستعارة مثلا (لهما فالأصح جوازه (٣))؛ لأنه مملوك ينتفع به مع بقاء عينه وإن كان معرضا للقلع باختيار مالك الأرض المؤجر أو المعير له؛ لأنه بعده وقف بحاله. والأرش اللازم للمالك باختياره قلعه يصرف في نقله لأرض أخرى إن
стр. 1011
فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ اُشْتُرِطَ إمْكَانُ تَمْلِيكِهِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ،
أمكن، وإلا فحكم الوقف باقٍ فيُشترى بنقض الموقوف عقارٌ أو جزؤه كنظائره ويضم إليه أرشه في ذلك فإن صار غير منتفع به ملكه الموقوف عليه (١). وخرج بنحو المستأجرة المغصوبة فلا يصح وقف ما فيها على قولٍ الأرجحُ خلافه (٢)، نعم يحرم وقف بيوت منى؛ لأنه لا يتصور بقاؤها (٣). ويصح أن يشترط الواقف أن تدفع أجرة الأرض المستأجرة للبناء والغراس من نفس ريع الموقوف إذا رضي المؤجر ببقائهما بها؛ لأن فيه عودا على الوقف بالبقاء المقصود للشارع (فإن وقف) على جهة فسيأتي أو (على معين) واحد أو (جمع اشترط) عدم المعصية وتعيينه، و (إمكان تمليكه) من الواقف حال الوقف بأن يوجد خارجا متأهلا للملك (٤)؛
لأن الوقف تمليك المنفعة (فلا يصح) الوقف على معدوم كعلى مسجد سيبنى أو على ولده ولا ولد له أو على فقراء أولاده ولا فقير فيهم أو على أن يطعم المساكين ريعه على رأس قبره أو قبر أبيه وإن علم، بخلاف ما لو وقف على من يقرأ على قبره بعد موته فمات ولم يعرف له قبر و الفرق أن القراءة على القبر مقصودة شرعا فصحت بشرط معرفته ولا كذلك الإطعام عليه على أنه يأتي تفصيل في مسألة القراءة على القبر (٥)، فإن كان له ولد أو فيهم فقير صح وصرف للحادث وجوده في الأولى أو فقره في الثانية؛ لصحته على المعدوم تبعا كوقفته على ولدي ثم على ولد ولدي ولا ولد ولد له، وكعلى مسجد كذا وكل مسجد سيبنى من تلك المحلة، ولا (على) أحد هذين، ولا على عمارة المسجد إذا لم يبينه بخلاف داري على من أراد سكناها من المسلمين، ولا على ميت (٦)، ولا على (جنين)؛ لأن الوقف
стр. 1012
وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ. وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ لَغَا، وَقِيلَ هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا. وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ لَا مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ
تسليط في الحال بخلاف الوصية. ولا يدخل أيضا في الوقف على أولاده بل يوقف فإن انفصل حيا ولم يسم الموجودين ولا ذكر عددهم دخل تبعا، ولا يستحق الجنين إلا من غلةِ ما بعد انفصاله (١) (ولا على العبد) ولو مدبرا وأم ولد (لنفسه)؛ لأنه ليس أهلا للملك، نعم إن وُقف العبدُ على جهة قربة كخدمة مسجد أو رباط صح الوقف عليه؛ لأن القصد تلك الجهة، ويصح على الجزء الحر من المبعض حتى لو وقف بعضه القن على بعضه الحر صح كالوصية له به، ويؤخذ من العلة أن الأوجه صحته على المكاتب كتابة صحيحة؛ لأنه يملك، ثم إن لم يقيد بالكتابة صرف له بعد العتق أيضا وإلا انقطع به. هذا كله إن لم يعجز وإلا بان بطلانه؛ لأنه منقطع الأول فيرجع عليه بما أخذه من غلته (فإن أطلق الوقف عليه) فإن كان له لم يصح؛ لأنه يقع للواقف، وإن كان لغيره (٢) (فهو وقف على سيده) كما لو وهب منه أو أوصى له به، والذي يقبل هنا العبد فيصح قبوله وإن نهاه سيده، ولا يصح القبول من السيد إن امتنع العبد من القبول (ولو أطلق الوقف على بهيمة) مملوكة (لغا)؛ لاستحالة ملكها، (وقيل هو موقوف على مالكها) كالعبد، والفرق أن العبد قابل لأن يملك بخلافها. وخرج بـ ((أطلق)) الوقف على علفها أو عليها بقصد مالكها، وبالمملوكة المسبلة في ثغر أو نحوه فيصح بخلاف غير المسبلة ونحو الوحوش والطيور المباحة؛ لأن هذه الجهة لا يقصد الوقف عليها عرفا، ومن ثم لَمَّا قصد حمام مكة بالوقف عليه عرفا كان المعتمد صحته عليه، أما المباحة المعينة فلا يصح عليها جزما (ويصح) الوقف ولو من مسلم (على ذمي) معين متحد أو متعدد كما يجوز التصدق عليه، نعم إن ظهر في تعيينه قصد معصية كالوقف على خادم كنيسة للتعبد لغا كالوقف على نحو حصرها، وكذا إن وقف عليه ما لا يملكه كقن مسلم ونحو مصحف.
ولو حارب ذمي صار الموقوف عليه كمنقطع الوسط أو الآخر، ويصح الوقف على الفاسق (لا مرتد وحربي)؛ لأن الوقف صدقة جارية ولا بقاء لهما، ويفرق بينهما وبين نحو الزاني المحصن
стр. 1013
وَنَفْسِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ فَبَاطِلٌ،
- وإن كانا دونه في الإهدار؛ إذ لا تمكن عصمته بحال بخلافهما- بأن في الوقف عليهما منابذة لعز الإسلام؛ لتمام معاندتهما له من كل وجه بخلافه، ويلحق بالحربي معاهد ومستأمن (١) (ونفسه في الأصح)؛ لتعذر تمليك الإنسان ملكه أو منافع ملكه لنفسه؛ لأنه حاصل ويمتنع تحصيل الحاصل، ومنه أن يشرط نحو قضاء دينه مما وقفه أو أن يشترط انتفاعه أو شربه أو مطالعته أو طبخه من بئر أو كوز أو كتاب أو قِدر وقفها على نحو فقراء به، بل يبطل أيضاً إن شرط أن يصلي في مسجد وقفه، نعم شرطه أن يضحي عنه منه صحيح أخذا من قول الماوردي وغيره بصحة شرط أن يحج عنه منه أي؛ لأنه لا يرجع له من ذلك إلا الثواب وهو لا يضر بل هو المقصود من الوقف. ولو وقف على الفقراء مثلا ثم صار فقيرا جاز له الأخذ منه وكذا لو كان فقيرا حال الوقف،. ويصح شرطه النظر لنفسه ولو بمقابل إن كان بقدر أجرة المثل فأقل. ومن حيل صحة الوقف على النفس أن يقف على أولاد أبيه ويذكر صفات نفسه، وأن يؤجره مدة طويلة ثم يقفه على الفقراء مثلا ثم يتصرف في الأجرة أو يستأجره من المستأجر وهو الأحوط؛ لينفرد باليد ويأمن خطر الدين على المستأجر وهاتان حيلتان؛ لانتفاعه بما وقفه لا لوقفه على نفسه، ومنها أن يرفعه إلى حاكم يرى صحته (٢))
(فإن وقف) مسلم أو ذمي (على جهة معصية كعمارة نحو الكنائس) -التي للتعبد أو ترميمها وإن مكناهم منه- أو قناديلها أو كتابة نحو التوراة وعلم محرم (فباطل)؛ لأنه إعانة على معصية، نعم لا نبطل ما فعله ذمي إلا إن ترافعوا إلينا وإن قضى به حاكمهم. أما نحو كنيسة لنزول المارة أو لسكنى قوم منهم -دون غيرهم- فيصح الوقف عليها وعلى نحو قناديلها أو إسراجها وإطعام من يأوي إليها منهم -لغير تعبد- لانتفاء المعصية؛ لأنها حينئذ رباط لا كنيسة كما يأتي في الوصية، ومن ثم جرى هنا جميع ما يأتي ثَم.
[فرع] يصح وقف المال على الأولاد الذكور دون الإناث وإن قصد الحرمان ، بل لا حرمة حينئذٍ.
стр. 1014
أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالمَسَاجِدِ، وَالمَدَارِسِ صَحَّ، أَوْ جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالْأَغْنِيَاءِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِلَفْظٍ. وَصَرِيحُهُ وَقَفْتُ كَذَا أَوْ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ، وَالتَّسْبِيلُ وَالتَّحْبِيسُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ،
(أو) على (جهة قربة) يمكن حصرها (كالفقراء) والمراد بهم هنا فقراء الزكاة، نعم المكتسب كفايته ولا مال له (١) يأخذ هنا (والعلماء) وهم حيث أطلقوا هنا أصحاب علوم الشرع كالوصية (٢) (والمساجد والمدارس) والكعبة والقناطر (٣) وتجهيز الموتى فيختص به من لا تركة له ولا منفق يلزمه إنفاقه (صح)؛ لعموم أدلة الوقف. وخرج بيمكن حصرها الوقف على جميع الناس فيلغو (٤) (أو) على (جهة لا يظهر فيها القربة كالأغنياء صح في الأصح) كما يجوز بل يسن الصدقة عليهم، ولو حصرهم كأغنياء أقاربه صح جزما (ولا يصح) الوقف من الناطق الذي لا يحسن الكتابة (إلا بلفظ) ولا يأتي فيه خلاف المعاطاة، فلو بنى بناء على هيئة مسجد أو مقبرة وأَذِنَ في إقامة الصلوات أو الدفن فيه لم يخرج بذلك عن ملكه بخلاف ما لو أذن في الاعتكاف فيه فإنه يصير بذلك مسجدا (٥)؛ لأن الاعتكاف يستلزم المسجدية بخلاف نحو الصلاة، نعم بناء المسجد في الموات تكفي فيه النية؛ لأنه ليس فيه إخراج الأرض المقصودة بالذات عن ملكه أي لا حقيقة ولا تقديرا حتى يحتاج إلى لفظ قوي يخرجه عنه، ويزول ملكه عن الآلة باستقرارها في محلها من البناء لا قبله (٦) إلا أن يقول هي للمسجد، ويلحق بالمسجد نحو المدارس والربط والبئر المحفورة للسبيل والبقعة المحياة مقبرة. ويصير الشارع في الموات وقفا بنية المستطرق وقفه شارعاً مع استطراقه له ولو مرة بخلاف ملكه الذي يريد جعله شارعا فلا بد فيه من اللفظ.
أما الأخرس فيصح بإشارته وأما الكاتب فيصح بكتابته مع النية (وصريحه) ما اشتق من لفظ الوقف نحو (وقفت كذا) على كذا (أو أرضي) أو أملاكي (موقوفة) أو وقف (عليه والتسبيل والتحبيس) أي ما اشتق منهما كأملاكي حبس عليه (صريحان على الصحيح) فيهما؛ لاشتهارهما شرعا وعرفا فيه
стр. 1015
وَلَوْ قَالَ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً أَوْ مَوْقُوفَةً أَوْ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ فَصَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ تَصَدَّقْتُ فَقَطْ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَإِنْ نَوَى إلَّا أَنْ يُضِيفَ إلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَيَنْوِيَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ حَرَّمْتُهُ أَوْ أَبَّدْتُهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا تَصِيرُ بِهِ مَسْجِدًا. وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُهُ
ولو قال تصدقت بكذا صدقة محرمة) أو مؤبدة (أو موقوفة) أو مسبلة أو محبسة أو صدقةَ حبسٍ أو حبس مُحَرَّم أو صدقة ثابتة أو بتلة أو لا تورث (أو لا تباع) أ (ولا توهب فصريح في الأصح)؛ لأن لفظ التصدق مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف (وقوله: تصدقت فقط ليس بصريح) في الوقف ولا كناية فلا يحصل به وقف (وإن نواه)؛ لتردده بين صدقة الفرض والنفل والوقف (إلا أن يضيفه إلى جهة عامة) كتصدقت بهذا على الفقراء (وينوي الوقف) فيصير كناية، ويحصل به الوقف؛ لظهور اللفظ حينئذ فيه بخلافه في المضاف إلى معين ولو جماعة فإنه لا يكون كناية وإن نواه إذ هو صريح في التمليك بلا عوض، فإن قبل وقبض ملكه وإلا فلا، نعم متى نوى به الوقف كان وقفا فيما بينه وبين الله تعالى (والأصح أن قوله حرَّمته أو أبَّدته ليس بصريح (١)) -بل كناية-؛ لأنه لا يستعمل مستقلا بل مؤكدا (وأن قوله جعلت البقعة مسجدا) من غير نية صريح فحينئذ (تصير به مسجدا)؛ لأن المسجد لا يكون إلا وقفا، فإن نوى به الوقف أو زاد لله صار مسجدا قطعا، ووقفته للاعتكاف صريح في المسجدية، وللصلاة صريح في مطلق الوقفية، وقوله: للصلاة كناية في المسجدية فإن نواها صار مسجدا وإلا صار وقفا على الصلاة وإن لم يكن مسجدا كالمدرسة (وأن الوقف على معين) واحد أو جماعة (يشترط) -والمعتمد أنه لا يشترط (٢) - (فيه قبوله) إن تأهل وإلا فقبول وليه عقب الإيجاب أو بلوغ الخبر (٣)
كالهبة، وعلى ما في المتن يشترط قبول من بعد البطن الأول لا قبول ورثة حائزين وقف عليهم مورثهم ما يفي به الثلث على قدر أنصبائهم فيصح ويلزم من جهتهم بمجرد اللفظ قهرا عليهم؛ لأن القصد من الوقف دوام الأجر للواقف فلم
стр. 1016
وَلَوْ رَدَّ بَطَلَ حَقُّهُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا. وَلَوْ قَالَ وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً فَبَاطِلٌ، وَلَوْ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي أَوْ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ فَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ الْوَقْفِ
يملك الوارث رده؛ إذ لا ضرر عليه فيه، ولا أثر هنا -أي في الوقف على ورثة حائزين- بعد وقفه على أولاده بقدر أنصبائهم لشرطه أنه بعدهم لأولاده الذكور دون أولاده الإناث. ولو وقف جميع أملاكه كذلك ولم يجيزوه نفذ في ثلث التركة قهرا عليهم كما تقرر. وخرج بالمعين الجهة العامة (١) وجهة التحرير كالمسجد فلا قبول فيه جزما. ولا يشترط قبول ناظر المسجد ما وقف عليه بخلاف ما وهب له (ولو رَدَّ) الموقوف عليه المعين البطن الأول أو من بعده جميعهم أو بعضهم الوقف (بطل حقه) منه (شرطنا القبول أم لا) كالوصية. وخرج بحقه أصل الوقف فإن كان الراد البطن الأول بطل عليهما أو من بعده فكمنقطع الوسط (٢)، ولا أثر للرد بعد القبول كعكسه فلو رجع الراد وقبل لم يستحق شيئا إن حكم حاكم برده وإلا استحق (٣)، ولا أثر هنا لرد من بعد الأول قبل دخول وقت استحقاقه كرد الوصية في حياة الموصي.
(و) لمَّا تمم الكلام على أركانه الأربعة شرع في ذكر شروطه وهي التأبيد والتنجيز وبيان المصرف والإلزام، فحينئذ (لو قال وقفت هذا) على الفقراء (سنة) مثلا (فباطل) وقفه لفساد الصيغة؛ لأن وضعه على التأبيد، نعم إن أشبه التحرير كجعلته مسجدا سنة صح (٤) مؤبدا. ولا أثر للتأقيت الصريح بما لا يحتمل بقاء الدنيا إليه -لأن القصد منه التأبيد لا حقيقة التأقيت- ولا لتأقيت الاستحقاق كعلى زيد سنة ثم على الفقراء أو إلا أن يلد لي ولد ولا للتأقيت الضمني في منقطع الآخر المذكور في قوله (ولو قال وقفت على أولادي أو على زيد ثم نسله) ونحوهما مما لا يدوم (ولم يزد) على ذلك (فالأظهر صحة الوقف)؛ لأن مقصوده القربة والدوام فإذا بين مصرفه ابتداء سهل إدامته على سبيل الخير.
стр. 1017
فَإِذَا انْقَرَضَ المَذْكُورُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَأَنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ المَذْكُورِ. وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي فَالمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ. أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَالمَذْهَبُ صِحَّتُهُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى وَقَفْتُ فَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ
(فإذا انقرض المذكور) ومثله ما لو لم يعرف أرباب الوقف (فالأظهر أنه يبقى وقفا)؛ لأن وضع الوقف الدوام كالعتق (و) الأظهر (أن مصرفه أقرب الناس) رحما لا إرثا فيقدم وجوبا ابن بنت على ابن عم، ولا يرجح عم على خال بل هما مستويان والمعتبر الفقراء دون الأغنياء منهم ولا يفضل الذكر (إلى الواقف) بنفسه أو بوكيله عن نفسه (يوم انقراض المذكور)؛ لأن الصدقة على الأقارب أفضل القربات فإذا تعذر الرد للواقف تعين أقربهم إليه، ولو فقدت أقاربه أو كانوا كلهم أغنياء أو قال ليصرف من غلته لفلان كذا وسكت عن باقيها صرفه الإمام في مصالح المسلمين. أما الإمام إذا وقف منقطع الآخر فيصرف للمصالح لا لأقاربه (ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على) من يقرأ على قبري أو على قبر أبي وأبوه حي -بخلاف وقفته الآن أو بعد موتي على من يقرأ على قبري بعد موتي فإنه وصية فإن خرج من الثلث أو أجيز وعرف قبره صح وإلا فلا- وكوقفته على (من سيولد لي) أو على مسجد سيبنى ثم على الفقراء مثلا (فالمذهب بطلانه)؛ لبطلان الأول لتعذر الصرف إليه حالا ومَنْ بعده فرع عنه، ولو لم يذكر بعد الأول مصرفا بطل قطعا؛ لأنه منقطع الأول والآخر، ولو قال وقفت على أولادي ومن سيولد لي على ما أفصله ففصله على الموجودين وجعل نصيب من مات منهم بلا عقب لمن سيولد له جاز وأعطي من ولد له نصيب من مات منهم بلا عقب فقط (أو) كان (منقطع الوسَط كوقفت على أولادي ثم) على عبد عمرو ثم الفقراء أو ثم على (رجل) منهم، وبه يعلم أنه لا يضر تردد في وصف أو شرط أو مصرف قامت قرينة قبله أو بعده على تعيينه؛ لأنه لا يتحقق الانقطاع إلا إن كان الإبهام من كل وجه (ثم) على (الفقراء فالمذهب صحته)؛ لوجود المصرف حالا ومآلا.
ومصرفه عند توسط الانقطاع كمصرف منقطع الآخر، ومحله إن أمكن معرفة أمد الانقطاع بأن كان معينا كالمثال الأول وإلا كرجل في المثال الثاني فلا أثر له (١) (ولو اقتصر على) قوله (وقفت) كذا ولم يذكر مصرفه أو ذكر مصرفا متعذرا كوقفت كذا على جماعة (فالأظهر بطلانه) وإن قال لله؛ لأن الوقف
стр. 1018
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ. وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الخِيَارِ بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤَجَّرَ اتُّبِعَ شَرْطُهُ،
يقتضي تمليك المنافع فإذا لم يعين متملكا بطل كالبيع ولأن جهالة المصرف كعلى من شئت ولم يعينه عند الوقف أو من شاء الله تبطله فعدمه أولى، ولو نوى المصرف واعترف به ظاهرا لم يصح؛ لأن النية إنما تؤثر مع لفظ يحتملها ولا لفظ هنا يدل على المصرف أصلا، ولذا لو قال في جماعة أو واحد (١) نويت معينا قبل (٢) (ولا يجوز) أي لا يحل ولا يصح (تعليقه (٣)) فيما لا يضاهي التحرير (كقوله إذا جاء زيد فقد وقفت) كذا على كذا؛ لأنه عقد يقتضي نقل الملك لله حالا، نعم يجوز تعليقه بالموت كإذا مت فداري وقف على كذا أو فقد وقفتها؛ إذ المعنى فاعلموا أني قد وقفتها بخلاف إذا مت وقفتها، والفرق أن الأول إنشاء تعليق والثاني تعليق إنشاء وهو باطل؛ لأنه وعد محض. وإذا علق بالموت كان كالوصية، ومن ثم لو عرضه على البيع كان رجوعا، ولو نجزه وعلق إعطاءه للموقوف عليه بالموت جاز كالوكالة، وعليه فهو كالوصية أيضا. أما ما يضاهي التحرير كإذا جاء رمضان فقد وقفت هذا مسجدا فإنه يصح؛ لأنه حينئذ كالعتق (ولو وقف) شيئا (بشرط الخيار) له أو لغيره في الرجوع فيه أو في بيعه متى شاء أو في تغيير شيء منه بوصف أو زيادة أو نقص أو نحو ذلك (بطل) الوقف (على الصحيح)؛ لما مر أنه كالبيع والهبة (والأصح أنه) أي الواقف لملكه -بخلاف الأتراك فإن شروطهم في أوقافهم لا يعمل بشيء منها؛ لأنهم أرقاء لبيت المال- (إذا وقف بشرط أن لا يؤجر) مطلقا أو إلا كذا كسنة أو شهر أو أن لا يؤجر من نحو متجوه (٤)، وكذا شرط أن الموقوف عليه يسكن وتكون العمارة عليه (اتبع) في غير حالة الضرورة (شرطه) كسائر شروطه التي لم تخالف الشرع وذلك؛ لما فيه من وجوه المصلحة.
أما ما خالف الشرع كشرط العزوبة في سكان المدرسة مثلا فلا يصح الشرط ولا الوقف (٥) كما لو وقف كافر على أولاده
стр. 1019
وَأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ المَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ اخْتَصَّ كَالمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ
إلا من يسلم منهم. وللموقوف عليه الإعارة إن منع من الإجارة ما لم يمنع منها أيضا، وإذا منع الموقوف عليهم الإجارة ولم يمكن سكناهم كلهم فيه معاً تهايؤا بحق السكنى ويقرع للابتداء، ونفقة الحيوان على من هو في نوبته. وخرج بغير حالة الضرورة ما لو لم يوجد غير مستأجر السنة الأولى وقد شرط أن لا يؤجر لإنسان أكثر من سنة أو أن الطالب لا يقيم أكثر من سنة ولم يوجد غيره في السنة الثانية فيهمل شرطه حينئذ؛ لأن الظاهر أنه لا يريد تعطيل وقفه، ولو انهدمت الدار المشروط أن لا تؤجر إلا كذا وأن لا يدخل عقد على عقد أو أن لا تؤجر ثانيا ما بقي من مدة الأولى شيء أو أشرفت على الانهدام بأن تعطل الانتفاع بها من الوجه الذي قصده الواقف كالسكنى ولم تمكن عمارتها إلا بإيجارها أكثر من ذلك فتؤجر بأجرة مثلها مراعىً فيها تعجيل الأجرة للمدة الطويلة؛ إذ يتسامح لأجل ذلك في الأجرة بما لا يتسامح به في إجارة كل سنة على حدتها، ويستظهر لتلك الأجرة بقدر ما بقي بالعمارة فقط مراعيا فيها مصلحة الوقف لا مصلحة المستحق (و) الأصح (أنه إذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة كالشافعية) وزاد إن انقرضوا فللمسلمين مثلا أو لم يزد شيئا (اختص) بهم فلا يصلي ولا يعتكف به غيرهم؛ رعاية لغرضه وإن كُرِه هذا الشرط. و من شغله بمتاعه لزمه أجرته وتصرف لمصالح الموقوف، نعم يجوز لغير أهله ما اعتيد فيها من نحو نوم بها وشرب وطهر من مائها ما لم ينقص الماء عن حاجة أهلها، وكذا كل شرط شهد العرف بتخصيصه (١). ولو انقرض من ذكرهم ولم يذكر بعدهم أحدا جاز انتفاع سائر المسلمين به؛ لأن الواقف لا يريد انقطاع وقفه ولا أحد من المسلمين أولى به من أحد (كالمدرسة والرباط) والمقبرة إذا خصصها بطائفة فإنها تختص بهم قطعا (٢)؛ لعود النفع هنا إليهم.
[فرع] لا يجوز وضع منبر بمسجد لقراءة قرآن أو علم فيبطل الوقف له وعليه ، ومحله إن (٣) ضيق على المصلين ولو في وقت وإلا جاز وضعه كحفر البئر وغرس الشجرة بل أولى؛
стр. 1020
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْأَصَحُّ المَنْصُوصُ أَنَّ نَصِيبَهُ يُصْرَفُ إلَى الْآخَرِ
لأن النفع هنا أعلى (ولو وقف على شخصين) كهذين (ثم الفقراء) مثلا (فمات أحدهما فالأصح المنصوص أن نصيبه يصرف إلى الآخر)؛ لأنه شرط في الانتقال للفقراء انقراضهما جميعا ولم يوجد وإذا امتنع الصرف إليهم بنصه تعين لمن ذكره قبلهم (١). ولو وقف على ولده ثم ورثته ثم الفقراء فمات ولده والواقف أحد ورثة الولد فله حصته من ابنه. وخرج بشخصين ما لو رتبهما كعلى زيد ثم عمرو ثم بكر فمات عمرو ثم زيد صرف لبكر ; لأن الصرف إليهم مشروط بانقراضه. ولو قال وقفت على أولادي فإذا انقرضوا أولادهم فعلى الفقراء كان منقطع الوسط ; لأنه لم يشرط لأولاد الأولاد شيئا وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم.
[فروع] جهلت مقادير معاليم وظائفه أو مستحقيه اتبع ناظره عادة من تقدمه وإن لم يعرف لهم عادة سوَّى بينهم إلا أن تطرد العادة الغالبة بتفاوت بينهم فيجتهد في التفاوت بينهم بالنسبة إليها ولا يقدم أرباب الشعائر منهم على غيرهم، هذا إن لم يكن الموقوف في يد غير الناظر وإلا صدق ذو اليد بيمينه في قدر حصة غيره، فإن لم يعرف مصرفه صرف لأقرباء الواقف نظير ما مر، ومن أقر بأنه لا حق له في هذا الوقف جاهلا بشرط الواقف الصريح في اختصاصه بالوقف فظهر شرط الواقف بخلافه لم يؤاخذ بإقراره وإلا أوخذ لتضمنه رد الوقف، ومع ذلك لا يثبت للمقر له إلا أن يكون الواقف شرطه له بعد انتقاله عن المقر، وتقبل دعواه جهله لشرط الواقف ورجوعه عن الإقرار المبطل لحقه ما لم يحكم حاكم به للمقر له. ولو وقف أرضا على قراء وجعل غلتها لهم فزادت عما كانت عليه في زمن الواقف استحقوا الزائد بنسبة أنصبائهم، ولو وقف دارا على زيد وعمرو على أن لزيد فيها النصف ولعمرو الثلث بطل الوقف في السدس المتبقي.