· أول كلمة في قصة صاحب يس، وجاء.
· وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىَ رَبّكَ مُوسَىَ أَنِ ائْتَ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١). ائْتَ (دليل الحركة).
· حجة الله علي الذي يموت في الظلمة غافلا: رجل ذهب إليه، قال تعالي: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٢)
· المقصد: أن تلتقي بالناس، تتكلم مع الناس، تجتهد علي الناس.
الوسيلة: أُخرج للناس، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
أُخرجت: وسيلة.
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر: مقصد.
فقدمت الوسيلة علي المقصد.
مثال لتوضيح أهمية الوسيلة: السفر ليس من أركان ولا واجبات الحج، ولكن واجبات الحج الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وكذلك السفر ليس من واجبات الحج ولكن حتى نتمكن من الحج .. وكذلك السفر ليس أمر من أمور الدعوة، الدعوة: قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
стр. 212
الْجَاهِلِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ﴾ (٢).
كذلك السفر والحركة ليست من واجبات الدعوة .. لكن المقصد، اعف عنه، احلم عليه رغبه، اقبل منه ما استعد أن يقوم به، ولكن قبل ذلك اذهب إليه.
· وسيلة الداعي: حركة القدم .. ووسيلة العلم: تُحرك القلم.
· في الجامعات نُحرك أقلامنا، نكتب، ونُكتب .. نقرأ ونُقرأ.
· لا يكون داعية حتى يتحرك في الدعوة.
· في التعليم العزة عند المعلم، يذهب إليه الطالب، ويقول علمني.
· وفي الدعوة: الداعي هو الذي يذهب إلي الناس، ويتذلل إليهم حتى تقبل منه دعوته.
· في التعليم: يُحسن الطالب الطلب، ويتودد إلي أستاذه، يا أستاذي علمني.
· أما في الدعوة: الداعي لا يقول للمدعو تعال اسمع جئتك من مكان بعيد، بل يتودد للمدعو يا أخي! يا حبيبي! ويتذلل إليه حتى يقبل.
· العلم يؤتى (المتعلم طالب وراغب).
· الداعي يذهبُ إلي أخيه، ففي الدعوة أنت أيها الداعي طالب والمدعو هو المطلوب.
· ما في أحوال مخالفه عند المعلم، فكل الطلاب يحترمونه .. فرسول الله ﷺ معلما لا يوضع علي رأسه سلي الجذور في التعليم .. بل يجلسون حوله ﷺ وكأن علي رؤوسهم الطير، احتراما وتوقيراً.
стр. 213
ولكن كيف الأحوال وهو يدعو:
قال تعالي: ﴿أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ (١).
وقال تعالي: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ (٢).
وقال تعالي: ﴿وَقَالُوا يَأَيّهَا الّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنّكَ لَمَجْنُونٌ َ﴾ (٣).
وقال تعالي: ﴿َقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ (٤).
وقال تعالي: ﴿َإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَىكَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَتّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهََذَا الّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرّحْمََنِ هُمْ كَافِرُونَ َ﴾ (٦).
وقال تعالى: ﴿وَهَمّتْ كُلّ أُمّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (٧).
فالداعي يمر بأحوال عددها، وأنواعها لا تنحصر، يُجَادل، يُشتم، يُضرب، يهان، يُستهزأ به، يؤذي بكل أنواع الأذية، ومع كل الأحوال يلتزم بالصبر
стр. 214
والسلوك الطيب، حتى تتم له التربية (١).
· تستطيع أن تكون معلما مع عزة نفس .. وتستطيع أن تكون مفتيا مع عزة نفس .. وتستطيع أن تكون قاضيا مع عزة نفس .. ولكن لا تستطيع أن تكون داعية إلا بإذلال نفسك .. فرسول الله ﷺ يوضع علي رأسه سلي الجزور في ميدان الدعوة إلي الله، ويضرب ويشتم، ويضرب أصحابه أمامه.
· لهذا في التعليم يحتاج الطالب إلي الهدايات حتى يثبت، لأن في تحصيل العلم يجلس سنوات يتعلم، فلا بد من هدايات الخضر ﵇ لموسى ﵇، حيثُ أمره بالصبر .. وكذلك علي المتعلم أن لا ينظر إلي عيوب معلمه، وأن يحترمه ويجله.
· وفي الدعوة يحتاج الداعي إلي الله، إلي الهدايات حتى يثبت، حتى ولو كان
стр. 215
سيد الخلق ﷺ يحتاج إلي الهدايات:
قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلا﴾ (٣) ً.
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لّهُمْ كَأَنّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوَاْ إِلاّ سَاعَةً مّن نّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٧).
стр. 216
وقال تعالى: ﴿َكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
فلا تستمر في الدعوة حتى تأخذ الهدايات فتذهب من حين لآخر إلي مركز الدعوة لتأخذ الهدايات، هدايات للخارجين .. هدايات للعائدين .. هدايات للقدماء .. هدايات للجدد .. هدايات لأهل الخدمة .. هدايات لأهل النصرة .. تذهب إلي الهند إلي الباكستان لتتعلم أصول الدعوة إلي الله ممن سبقوك في الجهد.
فإذا استغنيت عن الهدايات، ومشيت لوحدك، يصطادك الشيطان، وينحيك عن الطريق، ويجعلك تضجر، وتترك الدعوة .. يا لله! ثبتنا علي الجهد.
والقرآن مليء بالهدايات، اقرأ سورة يوسف، اقرأ قصة سيدنا موسي.
· الطالب يسمع هدايات من المعلم: كما سمع سيدنا موسي ﵇ من معلمه الخضر ﵇، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *َ وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٢).
· جهد المعلم علي عقل الطالب ليثريه بالمعلومات .. أحكام الطهارة، أحكام الوضوء.
· جهد الداعي علي قلب المدعو، يكرمه، يشوقه، يحلم عليه، يتودد إليه، يقوم الليل يدعو له. . حتي القلب يتحول مشاعره من الدنيا إلي الآخرة من المخلوق
стр. 217
إلي الخالق، من الأشياء والأسباب إلي الأعمال.
· لكن في جهد المعلم، عندما يُعلمني: كيف أتوضأ هل أضعها في قلبي؟ كيف أحج، هل أضعها في قلبي؟ يقول: هذه الكلمة محلها في الإعراب فاعل مرفوع بالضمة، هل أضعها في قلبي؟ كل هذه المعلومات محلها العقل.
· متي ينجح المعلم وتكون شخصيته قوية؟
تقول: يا طالب، كيف حال أستاذك؟ فيقول ما شاء الله عليه، يُعلمنا اللغة العربية، يُعلمنا النحو والصرف، يُعلمنا الفقه، يُعلمنا التفسير .. ولكن لو قلت له: يا طالب، كيف حال أستاذك في الإكرام؟ كيف حال أستاذك في قيام الليل؟ قال: إيش العلاقة بكرمه، ولا قيامه.
· قوة المعلم بقوة المعلومات ولو كنت بخيل تنجح في التعليم، لكن لاتستطيع أن ثؤثر علي قلبه إلا بقوة الصفات.
· وقوة الداعي حتى يؤثر في المدعو، بقوة صفاته لا بقوة معلوماته، المدعو ينظر كم عنه من الكرم؟ كم عنده من الحلم؟، كم عنده من الرحمة عليه؟ كم عنده من الصفح؟ كم عنده من الخوف عليه؟ كم عنده من حب الخير له؟ كم عنده من الهمَّ والشفقة عليه.
· ما تُعطيك قصة الداعي المعلومات، بل تُعطيك الصفات .. فقصة إبراهيم ﵇ تُبرز لك حلم إبراهيم ﵇ ﴿إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ﴾ (١) ... وقصة أيوب ﵇ تُبرز لك، صبره ﴿إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نّعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ﴾ (٢).
· قوة المعلم بقوة المعلومات ولو كنت بخيل تنجح في التعليم، لكن لا تستطيع أن تؤثر علي قلبه إلا بقوة الصفات.
стр. 218
· مُعلم ما عنده معلومات، مُعلم لغة عربية، ولكن ما يعرف الفاعل من المفعول به، ولكن كل يوم يقدم للطلاب الطعام والدجاج ويكرمهم، الطلاب يقولون يا أستاذ ما جئنا لنأكل دجاج، جئنا لنتعلم.
стр. 219
البيئة الإيمانية
قال تعالي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* ِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * يَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
يا الله أين النور؟
وكيف نلتمس هذا النور؟
وكيف نتعرف علي هذا النور؟
فيرشدنا إليه جلّ شأنه ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ليست في شوارع، وليست في دواوين، وليست في مقاهي.
стр. 220
أرشد الله إلى ثلاث بيئات تنور قلبك، وعندما نخرج نعيش هذه البيئات: بيئة مكانية ٠٠ وبيئة أعمال ٠٠ وبيئة اجتماعية.
قال الله تعالي: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ولم يقل في مساجد، لأن أول بيئة يعيشها المسلم تذكره بالله، هي بيئة البيوت، ثم بيئة المساجد.
قال ابن عباس ﵁ في قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾:هي بيوت المسلمين ومساجدهم.
إذا دخلت المسجد تذكرت الله، وإذا دخلت بيت مسلم فهو بيئة كاملة، وهكذا عندما دخل الناس في الدين أفواجاً.
وكان آخر دعاء لسيدنا نوح ﴿: ﵇ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١)
فأول مراكز دعوية هي بيوت المسلمين، يقول الله على لسان أهل الجنة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ (٢) ليس في مساجدنا مشفقين، بل في أهلنا.
فقد كون الصحابي بيئة في أهله يذكّر أهله، وأهله يذكّرونه، ليس يغفّل أهله، وأهله يغفّلونه.
هم كانوا ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ ونحن في أهلنا ضحّاكين، في أهلنا مزّاحين، تريد الصلاة اذهب للمسجد، تريد تتعلم اذهب للمدرسة، وبذلك فقدنا البيئات في
стр. 221
البيوت، فلو وضعت جهازا مسجلا جاسوسا في بيت من بيوت الصحابة ﵃، فإن كل ما يقال في بيت الصحابي، يصلح للنشر.
وهكذا الصحابة عاشوا في بيئة الدين، وكذلك عندما نخرج نعيش أربع وعشرون ساعة، لمدة أربعين يوما في بيئة الدين.
الصحابة ﵃ تعلموا أول ما تعلموا من رسول الله ﷺ يوما كيومه، فكرٌ كفكره، وهمٌّ كهمّه ٠٠ ونحن تعلمنا وضوءاً كوضوءه، وهو لا يستغرق دقيقتان، لكننا لم نتعلم يوم كيومه.
في بيوت الصحابة ﵃، ثلاثة عشرة سنة، وبيئة الإيمان في بيوت المسلمين، سيدنا عمر ﵁ عندما سمع أن أخته أسلمت أتى لبيتها لقتل زوجها، فلو وجد غناءً لغنّى معهم، ولكن حال دخوله البيت تأثر بالبيئة، فأخته تقرأ القرآن، فقد كانت أعمال الدين في البيت.
عندما نزلت ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ﴾ ليس معناها: أنهم كانوا في غفلة، بل كانوا في ذكر، ولكن تحثهم الآية على زيادة الذكر.
في كل بيت فيه حلقة التعليم، وهكذا البيت يعطي للأمة، فأحاديث كثيرة عن عائشة ﵂ عن رسول الله، فعطاء البيت مثل عطاء المسجد، وأعمال البيت مثل أعمال المسجد، فالبيت فيه الأعمال الكاملة كما في المسجد ٠٠ أما بيوتنا فلا تستطيع أن تقوم بأعمال الدين خمسة دقائق، فصار البيت خنجر في ظهر المسجد.
فعلينا أن نخرج لنصلح بيوتنا، ولو بالتدريج ٠٠ وهكذا أول بيئة كانت بيوت المسلمين، نزل جبريل والرسول في بيت خديجة، فالرسول يُذاكر مع خديجة، وبعد ذلك تنتقل المذاكرة إلى بيوت المسلمين، وبعد أربعة عشرة سنة انتقلت
стр. 222
نسخة من الأعمال إلى المسجد، فأصبحت أعمال المسجد، ونفس هذه الاعمال في البيت، فعندما يسمع الصحابي أعمال المسجد ينقلها إلى أهله في البيت.
في المسجد ذكر، وفي البيت ذكر، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىَ فِي بُيُوتِكُنّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (١) وهكذا ١٢٤ ألف مدرسة، في ١٢٤ألف بيت.
وهكذا بيئة البيت، وبيئة المسجد، تجعل المسلم يمشي في المجتمع ولا يتأثر، فصُنع المسلم في مساجد المسلمين وبيوت المسلمين.
فالسيارة مثلا تصنع في مكان صغير، ولكن تستخدم في كل العالم وهكذا المسلم يربى في البيت والمسجد، ولكن يتحرك في العالم أجمع، وهكذا مصنع الرجال البيت والمسجد.
فهذه البيئات تعلم الانضباط، فليس مكتوب فيها ممنوع التدخين، ولكن لا أحد يدخّن، وليس فيها غيبة، ولا فيها معصية.
هكذا عاش المسلم في بيته ٤ أعمال، وفي المسجد ٤ أعمال فتنور المجتمع كله.
قال تعالي: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فالرفع ليس ماديا فبناء من ٧٠ دوراً لا يساوي شيئا، ولكن خيمة أو بيت صغير يُذكر الله فيه تراه الملائكة كما ترى النجم، ففي الحديث: " البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتراءيا لأهل السماء كما
стр. 223
تراءيا (في المنتخب - يتراء يا) النجوم لأهل الأرض (١). إذن الرفع صفة للأعمال وليست صفة للأحجار.
فالمسجد وظيفته ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ فكل الاعمال ذكر لله .
وعندما نخرج في البيئة المكانية: وهي المسجد يحفظك الله من الشر، ويحفظك من سماع الغيبة والنميمة.
والبيئة هي بيئة الأعمال، وما هي الأعمال؟ أعمال الدعوة وهي متنوعة: زيارات، تعليم وتعلم، مذاكرات، قيام الليل، ذكر، يومياً نتجالس في الله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ، بأن طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً " رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ غريب (٢).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ " رواه مالك فيَّ الموطأ بإسناده الصحيح ((٣).
стр. 224
فبيئة الأعمال تتكون في الخروج.
والبيئة الثالثة: بيئة الأشخاص (رجال (فهذا تقي، وذاك تقي، في المسجد، وعندما يمشي في الشارع فهو غاض النظر عن المحرمات، وفي الليل تراه قائما لله ، وهكذا تكونت البيئة الاجتماعية.
وهكذا في البيئة المكانية، وبيئة الأعمال، نجلس فيها ونتعلم، وبعدها ننطلق إلى المجتمع، إلى الشوارع نؤثر ولا نتأثر، فنمشي إلى بيئات الغفلة، وأنت سيد الموقف تُسمعهم ولا تسمع منهم، ولكن لو كنت غير ذلك فسوف تسمع منهم ولا يسمعوا منك، فإن لم تكن لساناً كنت أُذناً.
فبيئة المسجد كمستشفى عام، وبيئة البيت كمستشفى خاص، وهكذا حظ نساء الصحابة أنهن كن يأتين المسجد ليسمعن عن رسول الله ﷺ ولكن حظ عائشة ﵂ أوفر فرواية الأحاديث عن عائشة عن رسول الله ﷺ كثيرة، لأن عناية الرسول ﷺ بعائشة ﵂ أكبر، وهو القائل ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. رواه الترمذي والدرامي عن عائشة (١).
فالبيت سرك، والمسجد علانيتك، ولا بد أن يكون لك بيئتان محميتان من الشر، فلا يدخل الشر بيتك، ولا يدخل مسجدك، فإن أتيت إلى البيت حُفظت، وإن أتيت إلى المسجد حُفظت أيضاً، بإذن الله تعالي.
******
стр. 225
خواطر إيمانية
حول سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ (١).
بهذه السورة العظيمة، فتح الله تبارك وتعالي كتابه العزيز، فهي فاتحة الخير، وفاتحة العز، وفاتحة النصر، وفاتحة البركة، وفاتحة الكرامة، وفاتحة الهداية، فكل شيء تريده أن تبدأ بالفاتحة (٢) ٠
فضل سورة الفاتحة:
أولا: عن أبي سعيد بن المعلَّى ﵁ قال: كنت أصلّي فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صلّيت، قال: فأتيته، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال: قلت يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ
стр. 226
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١)؟ ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن، قال: " نعم ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " أخرجه أحمد ورواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة (٢) "
ثانيا: وعن أُبيّ بن كعب رضي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين " رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن أُبي بن كعب " هذا لفظ النسائي. (٣)
ثالثا: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنّا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إنَّ سيّد الحي سليم أي لديغ وإنَّ نفرنا غُيَّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه ما كنا نأبنه: أي نعيبه أو نتهمه برقيه، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبناً، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن؟ أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيتُ إلاّ بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي أو نسأل ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال: وما كان يدريه أنها رُقْية؟ اقسموا واضربوا لي
стр. 227
بسهم " رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وفي بعض روايات مسلم أن أبا سعيد الخدري وهو الذي رقى ذلك اللديغ. (١)
رابعاً: وعن ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلي الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته " رواه مسلم والنسائي عن ابن عباس ". (٢) ومعنى قوله نقيضا أي صوتاً.
خامساً: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداجٌ - ثلاثاً - غير تمام فقيل لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ
стр. 228
أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) " رواه مسلم عن أبي هريرة " (١)
وعددها: سبع آيات، قال الله تعالي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ *لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)
في هذه الآيات يَمُنُّ الله بها، على نبيه وعلى كل من تَبِعه، أن جعل قرآنك الذي هو دستور حياتك، جعله في سبع آيات، اختصره، وأَوْجزه، وجعل أنواره في سبع آيات، وضعها في صدرك ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ فلولا الفاتحة، كيف نفهم القرآن، تقرأ البقرة، تقرأ آل عمران، تقرأ النساء، لا تعرف المقصد، ولا تعرف المنهاج، ولا تعرف كيف تقدم، وكيف تؤخر، فخير ما يفهمنا ويفسر لنا القرآن هي سورة الفاتحة.
بالقرآن نعرف الفاتحة، وكيف نعرف الفاتحة؟ إذا أردت أن تفهم المجمل، اقرأ المفصّل، وإذا أردت أن تفهم المفصّل، اقرأ المجمل، هي الفاتحة نقرؤها في الركعة الأولى وفي الثانية وهكذا مرةً بعد مرة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ سَهْلٌ حفظهما، ولهذا الله ما أوجب علينا حفظ جزء أو جزئين، فالفاتحة
стр. 229
ومعها سورة واحدة هذا واجب وجوبا عينيا، والباقي وجوب كفائي وسنّة، فالله أوجب علينا أن يكون القرآن دستور حياتنا، أفكارنا قرآنية، أعمالنا قرآنية، همومنا قرآنية - كان ﷺ خلقه القرآن -الجهد فرض عين، أما التلاوة فما كل الأمة تمتعت بتلاوة القرآن، ولكن كل الأمة تمتعت بتلاوة الفاتحة، ما كل الأمة حفظت القرآن، أشغل سيدنا خالد ﵁ جهد القتال عن حفظ القرآن فقد كان لا يحفظ السور الطويلة، ولكن كان يحفظ السور القصيرة، ما كان يحفظ، قوله تعالي: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ (١) لكن كان يشتغل في القتال وما كانت سُميّة ﵂ تحفظ قوله تعالي: ﴿ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). ولكن كانت تشتغل بالدعوة، ما كل الأمة حفظوا ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) ولكن كل الأمة غضت أبصارها.
تستطيع مع الفاتحة وسورة أو سورتين أن تكون صالحاً ومصلحاً، فمصدر الهداية القرآن والسنة، كيف القرآن والسنّة مصدر هداية؟ يعني جهد القرآن وجهد السنَّة مصدر هداية.
стр. 230
والسنَّة كم يجب أن نحفظ منها؟ كم حديث يجب حفظه من السنَّة؟ فبدون سنَّة لا نهتدي، وبدون قرآن لا نهتدي، فكم حديث يجب أن نحفظ؟ الجواب: ولا حديث فلا يجب حفظ حديث واحد وجوبا عينيا، فأكثر الصحابة لم يَرْوُوا ولا حديث، فسيدنا جعفر ابن عم النبي ﷺ لم يروي ولا حديث، فأول حياته هَاجَر إلى الحبشة، وابتعد عن النبي ﷺ ، ولم يسمعه، ولم يكن هناك كتب أو انترنت، ولمَّا رجع من الحبشة أرسله النبي ﷺ إلى غزوة مُؤتة فاستُشهِد ﵁، فلا يجب عليَّ حفظ، حديث النبي ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه (١) " ولكن وجب عليَّ إكرم الضيف لأني علمت أن من هديّ الرسول ﷺ إكرام الضيف، والمسلم وإن لم يحفظ حديث في حسن الجوار، إلا أنه وجب عليه حسن الجوار، لأنه عَلِمَ أنَّ من هَدْيِه ﷺ حُسْن الجوار فأحْسَنَ الجوار ٠٠ فإذاً المطلوب منا أن نتَعَلُّم جهد القرآن، وجهد السنة، وليس معني ذلك أننا نُحقر من يحفظ القرآن، والسنة النبوية المطهرة، وإلا فمن يحفظ علي الأمة دينها.
فكيف إذن نخشع في الصلاة، ونترقى في الصلاة، ونتقدم في الصلاة؟.
إذن نتَدَبَّر في صلاتنا، في كل صلاة نقول الله أكبر (ونتَدَبَّر) الله أكبر ونقرأ الفاتحة (ونَتَدَبَّر فيها).
ونحن في هذه الجلسة الكريمة، نتدبر الآيات السبع، حتى يُعِين تَدَبَّرها على الخشوع والخضوع والتوجه في صلاتنا،
الصلاة تُسَمَّى صلاة، وتسمى ركوع، وتسمى سجود، وتسمى الفاتحة وتسمى القرآن، (وقرآن الفجر) أي صلاة الفجر، قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 231
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (١) وقال تعالي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) معناه أن الصلة بالله تتحقق، بالقيام والركوع والسجود، ففي الحديث- قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي - هذا حديث قدسي يسمي الفاتحة صلاة، فما قال: قسمت الفاتحة لكن سمّى الصلاة بها لأنها أهَمُّ أركانها - فإذا قال عبدي: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الرب: حمدني عبدي، (تَذْكُرُه فيذكرك ويجيبك، فيقول حمدني عبدي، يذكرك بهذه الصفه أي عبدٌ حامدٌ)، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فأنت تتكلم وهو جل وعلا يتكلم، أنت تثني وهو يثني، وأنت تذكر وهو يذكر، فإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، (فلك يا الله العبادة، نعطيه العبادة ويعطينا النصرة والمعونة والمعيّة، فإياك نعبد: عليَّ، وإياك نستعين: أي منه العون،، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) " رواه مسلم عن أبي هريرة " (٣)
стр. 232
وتنتهي الفاتحة بالدعاء، أن يعطينا حياة الأنبياء، وحياة الدعاة، وحياة الصديقين، يا الله جنبنا طريق المغضوب عليهم (اليهود) والضالين (النصارى)، وهذا الدعاء لعبدي ولعبدي ما سأل.
وهكذا لعظمتها، وأهميتها، قال الله جل وعلا: قسمت الصلاة، ولم يقل الفاتحة.
هذه السورة وُضِعَتْ في الترتيب أول سورة في القرآن الكريم، فهي موجز للقرآن، فكما تُبْدَأ الأخبار بالموجز، ثمّ يأتي التفصيل، كذلك الفاتحة موجز القرآن كلّه، ثم يأتي التفصيل، فاقرأ البقرة وآل عمران والنساء والباقي كله تفصيل.
فالفاتحة لأنها فاتحة كل خير، ومن أسمائها الكافية تكفي قلبك نوراً، تكفي روحك، تكفيك لفهم حياتك، هي الكافية تكفيك في الدنيا والآخرة، وهي الشافية تشفيك، وهي الواقية تقيك، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، فهنا سُمِيَ الكل باسم الجزء ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، إلى هنا أنت الآن تُبَيّن عقيدتك، لمن هذه الحياة؟ مَنِ المعبود؟ هذه أهم صفات ربنا الألوهية والربوبية والرحمة والمالكية.
إذن ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ هذه عقيدة المسلم.
стр. 233
قوله تعالي: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) منهاجنا واعلم أن الحمد ثناء على
стр. 234
المحمود، ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقا، وهو: أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، وقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، فتقديره: قولوا: الحمد لله أربع وعشرين ساعة، ليس بالصلاة إياك نعبد، وخارج الصلاة افتح باب الهوى، فعندما تسلم تتحلل من الصلاة ولا تتحلل من العبودية فتنتقل من عبادة إلى عبادة، فمن عبادة الصلاة، إلى عبادة المشورة، إلى عبادة التعليم، والتعلم إلى عبادة الفقه، فلا يجوز التحلل من العبودية دقيقة واحدة.
стр. 235
فـ ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: منهاج الساعة الأولى صباحا، الساعة الأولى مساءً، الساعة الثانية صباحاً، الساعة الثانية مساء. إذن إياك نعبد يتعلم المسلم من دينه عبودية أربع وعشرين ساعة قبل أن يتعلم الصيام والحج يتعلم كيف يعبد ٢٤ ساعة عن طريق هذا الجهد المبارك.
﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مفتاح الدين، أول آية الحمد تثني على الرب، كما أثنى الرب على نفسه:
﴿للهِ ما فِي السّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ (١)،:
﴿ ... وَللهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٢).
﴿ ... تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)
﴿ ... تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ (٤)
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٥)
стр. 236
َ ﴿ ... تبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١)، هذه كلها آيات يُثني فيها ربنا على نفسه، وليس أنت الذي تثني عليه ٠٠ فكم الله يُمَجد نفسه، وكل آية في الفاتحة، مثل شباك صغير، نافذة صغيرة تطل بها على أنوار قرآنية عديدة.
كم حَمْدٌ في القرآن:
١) قال تعالي: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). محمود في ربوبيته.
٢) وقال تعالي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ (٣) محمود على شريعته، وتشريعه وكل أمر من أوامره تحمده عليه حتى يسعدك هذا الأمر.
٣) وقال تعالي: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ (٤) محمود على خلقه.
٤) قال تعالي: ﴿َقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٥) محمود في مالكيته.
٥) وقال تعالي: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦)
стр. 237
٦) وقال تعالي: ﴿َقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١)
٧) وقال تعالي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).
٨) وقال تعالي ﴿: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النا ر، محمود على قضائه.
وإذا دخل أهل النار النار محمود على عدله، فهذا أكمل عدله.
وإذا دخل أهل الجنة الجنة، محمود على فضله.
فدائما الثناء على الله، ودائما الحمد لله، ودائما راضٍ عن ربك، ولكن المطلوب هو يرضى عنك، إذا راح المال أنا راضٍ عنه فهذا ليبتليني، ويمتحنني وحتى يرقيني .. ولكن أحوالنا الآن السخط على الله، تسخط على الله، وترضى عن النفوس.
стр. 238
الحمد لله ترجع إلى الله لك الحمد ملء السموات ولك الحمد ملء الأرض وملء ما شئت من شاء بعد، يا الله أنت في كل لحظة وإلى الأبد، أهل الثناء والمجد.
فالذي عنده طاقة فالله يحب الحمد، وبدل أن توجهها لأبوك وأخوك ولعشيرتك، وَجِّه طاقة الحمد إلى الله، وطاقة الذم والسخط وَجِّهْهَا إلى نفسك، فكل لحظة ساخط على نفسه حامد لربه، ساخط على نفسه، لأنها ما قامت على حق العبودية كما ينبغي، فكل لحظة تسخط نفسك وما تسخط غيرك، وتحمد ربك (إني ظلمت نفسي) تسخط نفسك، (ولا أقسم بالنفس اللوامة) لوم نفسك ولا تلوم أحد، فاليوم الناس تلوم ربها، ويلوم كل شيء حوله، ولا يلوم نفسه، فمفتاح الدين لوم نفسك، واحمد ربك، احمده يحمدك، حامد محمود، ذاكر مذكور، والناسي منسي ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١). ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (٢). الحمد كل الحمد، استغراق لله.
وقوله تعالي: ﴿ِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: كل شيء في الكون مربوب بربوبية الله، فالله جل وعلا خالقه، ومربيه، فهو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي أحي، وهو الذي يميت، قال تعالي: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣).
стр. 239
فكل ذرة في الكون مربوبة فلا يمكن أن تضرك إلا بأمر من الله، ولا تنفعك إلا بأمر من الله (١).
صاحب المنزل (رب البيت أو رب الأسرة) يقدم لزوجته وأولاده الطعام والكسوة، ولا يزيد علي ذلك، فإنه لا يستطيع أن يُحرك معدته ولا معدة ولده، ولا يستطيع أن يُحرك قلبه ولا قلب ولده .. ولكن الله بقدرته وحده يُحرك كل جسم الإنسان.
وهذه الربوبية يتبعها ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ليبين لك أن كل شيء يُريده منك رب العزة فيه الرحمة لك أيها الإنسان الضعيف، فهو رحمان الدنيا والآخرة، ورحيمهما.
وهو رب العزة لقوله تعالي: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢). فالذي يُريد العزة فعليه بطاعة الله العزيز ٠٠ فالعزة مربوبة بربوبية الله ، وكذلك الذلة مربوبة بربوبية الله .
стр. 240
فلما علم الصحابة ﵃ أن كل شيء من قبل رب العزة ، وأن كل شيء متبوع بـ ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لم يخافوا من أي شيء يُصيبهم ٠٠ لم يخافوا الفقر، ولم يخافوا المرض، لم يخافوا العري، لم يخافوا من العدو.
فكان أحدهم يباتُ جوعان، وإذا سئل عن حاله، يقول: أنا في سعادة لويعلمُ بها الملوك وأبناء الملوك لحاربونا عليها بالسيوف.
وأصبحوا عريانين، من أجل الدين، ولكن سعداء بربهم الذي خلقهم، وأقامهم علي دينه.
ولم يخافوا من المرض لأنه مكفر للذنوب، فسيدنا أبو ذر ﵁ يقول: أحب ثلاث:
١) أحب الفقر تواضعا لربي.
٢) وأحب المرض تكفيرا لذنوبي.
٣) وأحب الموت للقاء ربي.
فالعدو الآن يخوفنا من غير الله ٠٠ ويجب علينا أن لا نخاف من غير الله ، لأن كل شيء من وراءه ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
أي العوالم كلها مربوبة والرب واحد، ربوبية وألوهية مبنية على الرحمة، رحيم في ألوهيته ورحيم في ربوبيته، رحيم إذا أَمَرَ، رحيم إذا نهى، رحيم إذا أعطي، رحيم إذا منع.
стр. 241
فهنا حسن الظن بالله ، فالطفل عندما يثق بأبيه، فإذا أبوه أخذ فلوسه يحسن الظن بأبيه، فأبي أخذ فلوسي حتى يخبئها، أمَّا غير أبيه فيجلس يبكي، فلهذا الطفل الصغير مطمئن بالرب المخلوق، فكيف الرب الخالق؟ كيف يريدك، أن تثق به.
وقوله تعالي: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وسمي هذا اليوم (يوم القيامة) بيوم الدين، لأنه في هذا اليوم لا يستطيع أحد من البشر، أو من الجن، أو من الملائكة، أن يدعي ملكية أي شيء ٠٠ لأن في ذلك اليوم، كما قال الله تعالي: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١).
ومن هنا يتذكر الإنسان أن أي عمل يعمله، ليوم الدين، وأن يكون يوم الدين نُصب عينيه، يُصلي ليوم الدين ٠٠ يصوم ليوم الدين ٠٠ يحج ليوم الدين ٠٠ يجاهد ليوم الدين ٠٠ يدعو الناس إلي الله ليوم الدين ٠٠ قال تعالي: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (٢).
ولا بد للمسلم أن يتذكر دائما في يومه، يوم الدين، فالله أخبر عن أحوال الأنبياء، أنهم لا تمر عليم لحظة إلا وهم يذكرون الآخرة، ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٣).
стр. 242
وسر القرآن كله في قوله تعالي: ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (١)﴾: هذا منهاجك، منهاج الحياة وبرنامج الحياة، فلا بد من العبادة
أولا، ثم الاستعانة، يا رب! منا العبادة ومنك العون، يقول أحد العلماء: ما أكثر الاستعانة، وقلة العبادة: (يا رب! انصرنا ٠٠ يا رب!: ارحمنا ٠٠ يا رب! اهدنا) ومع قلة العبادة، لا يستجاب الدعاء.
وما أكثر الطاعة وقلة العبادة ٠٠ وهل هناك فرق بين الطاعة والعبادة؟ قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٢).
فالطاعة مثلا تكون من الولد لوالده، يقول الوالد لولده: أعطيني كذا، فيعطيه ما أمره به، ويُعطيه وليس في قلبه خوف ولا خشوع، من والده، أنه سيتقبله منه أم لا ٠٠ ولله المثل الأعلي: الله طلب منا الصلاة، فصلينا بالجسد، وليس في قلوبنا خشوع ولا خضوع ولا انكسار، هل سيقبل الله منا
стр. 243
هذه الصلاة أم لا ٠٠ وهذا الفرق الذي بيننا وبين الصحابة ﴿﵃ َالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١).
تصدقت حتي يقول الناس أنك رجل كريم: هذه طاعة ولا تُسمي عبادة ٠٠ أعطيت الصدقة، ثم قمت بالمن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
فلا بد أن تُعطي الصدقة وتنكسر أمام الله بأن يقبلها منك، تقول يا رب! هذا المال مالك فاقبله مني ٠
وكل الأعمال علي ذالك من جهاد، ودعوة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وذكر وتلاوة للقرآن.
فإذا صحت الطاعة بالعبادة، كان هناك الطلب الصادق.
قوله تعالي: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ هذا المقصد مقصد حياة المسلم.
стр. 244
الذي يمشي في الدعوة يعيش، همَّ الأنبياء، وفكر الأنبياء علي مدار٢٤ساعة، والذي لا يعرف الدعوة يتعلم -صلّوا كما رأيتموني أصلي- عبودية ٥ دقائق ووضوءا كوضوئه عبودية دقيقة (والسلام عليكم).
نزلت هذه السوره وفيها ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قبل أن تفرض الصلوات الخمس، فهي من أوائل السور نزولا، الأمة تهتف ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وليس هناك صلاة ظهر أوعصر.
فـ ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: منهج جماعي، وليس إياك أعبد، تنفرد فقط بالعابد.
إياك أعبد هذا منهج العباد سابقا، يحمل فراشه ويمشي إلى الكهف، يعتكف ٢٠ سنة ينقطع، لا يعرف إخوانه، ولا يعرف أقربائه ولا أهل دينه، فيقول: (إياك أعبد) فينعزل وينطوي.
أمّا منهاج الأمة ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَضُمَّ جهدك لجهدي، فهذا يقوم بالخدمة٠٠ وهذا يقوم بالتعليم ٠٠ وهذا بالبيان، لكن كل هذه الأعمال مقصدها واحد هو كيف يحيى الدين.
فطاقات الأمة كالبنيان المرصوص، حجرٌ .. حجر، فكل الحَجَرِ صار بيتاً واحداً، ولكن البيت كم حجرٌ فيه؟ وهكذا المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص فأنت تُعلِّم وهذا يصلي وذاك يذكر والآخر يتجول وآخر بالدعاء ولكن كل هذه الأعمال تتكامل ولا تتخاصم، تشكل ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، لهذا لا يمكن عن طريق الصلاة نصلي ونقول ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونُوَحِد فكرهم، فـ ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لتوحيد
стр. 245
الفكر، فسبعين ألف مصلي لا يعرفون الدعوة وهم كتف بكتف والأفكار شتى ٠٠ ولكن داًعٍ هنا، وداعٍ في الصين تجدهم بفكر واحد.
كم مثل هذه الجلسات الآن في العالم، وكلها هدفٌ واحد، وفكرٌ واحد، فأستطيع أن أقول ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأنا لست وحدي في الدعوة فلي إخوانٌ، فأحب شئ إلى الله اللذين يقاتلون في سبيله صفا، كأنهم بنيان مرصوص، وليس هناك بنيان جسدي في القتال، هذا يَفِر، وهذا يَكِر، لكن كل المقاتلين في أيام النبي ﷺ كانوا أمة واحدة، تقاتل تحت راية واحدة، ومقصد واحد، وهو إعلاء كلمة الله، وهكذا البنيان الجسدي بنيان مرصوص، فكري بنيان مرصوص، روحي بنيان.
قوله: ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: عمل جماعي ومقصد جماعي.
وقوله: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أعطي العون لكل الأمة ليس معناها أَعِنِّي ولا تُعِن أخي، اهدنا: يارب! ثبِّت هذه الأمة على جهد نبيك، فأنت تدعو لنفسك ولسائر الأمة بالثبات على جهد النبي ﷺ ، اللهم اهدنا، واهدِ بنا.
وهكذا سورة الفاتحة ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ منهاج حياتنا، واهدنا أي للمقصد.
س: ما لفرق بين ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ واهدنا (المقصد)؟ أليست الهداية هي العبودية؟
ج: ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي يا الله خذ بأيدينا إلى أكمل عبودية، واهدنا: أي وفقنا إلى كمال العبودية، وثبتنا على الكمال، وزدنا كمالا، اهدنا، ففيه عبادة موجودة عندنا، وعبادة أخرى مطلوبة عند ربنا، عندنا مثلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
стр. 246
﴾ (١) وعندنا ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٢) وعندنا ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٣)، يارب خذ بأيدينا فتقول ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتطلب من الله الزيادة والترقي والثبات، ليس لنفسك فقط، بل حتى لا يبقى إنسان في الكون إلَّا ويركع لله ، فالهداية مقصد حياة المسلم.
يقول أحد الصالحين: وَدِدْتُ أن أُقَطع إرباً إرباَ ولا يُعصى الله في الأرض، فكأنه يقول ما رأيك لو تُقَطَع إربا إربا ويكون جميع الناس مهتدين لا يعصون الله، فهو مستعد لأي ثمن لتحقيق المقصد - أي الذي تضحي من أجله - وهو الهداية لنا وللناس كافة.
وآخر يقول: وَدِدْتُ لو تَغْلِي بِيَ المراجل (أي يوضع في القدر ويغلي به كطهي اللحم) ولا يعصى الله في الأرض.
فمن أجل هذا المقصد تقطعت نِعال الصحابة، ومن أجله جُرحوا وقُرِّحوا، وبسبب الصدق في التضحيه لهذا المقصد، أعطى الله الهداية لملايين من الناس يسبب جهدهم، ولأجل هذا المقصد خرجنا ثلاثة أيام بالصعوبة، ونقول: يا الله بسبب هذه الثلاثة أيام أعطي البشرية الهدايةً فهو مقصد عظيم، أعطيناه تضحية بسيطة، مقصد عظيم: ﴿اهدِنَا﴾، أعطيناه أيام قليلة.
يصلي المريض ويقول ﴿اهدِنَا﴾ ولا يقول اشفنا لأن الهداية مقصد عظيم والشفاء مطلوب، فالهداية مطلوبة، والشفاء مطلوب لكن الشفاء حاجتنا والهداية مقصد حياتنا٠٠ فلو مات الإنسان مريضا فالله يعطيه أجراً ويدخله الجنة٠٠
стр. 247
لكن لو مات المريض ضالأً، لم يكن يصلي وهو مريض فيدخل النار وما شفع مرضه له.
فالهداية مقصد حياة الشبعان ٠٠ ومقصد حياة الجائع٠٠ ومقصد حياة المريض ٠٠ مقصد حياة الصحيح ٠٠ ومقصد حياة الملك والمملوك، إذن اهدنا وحّدت مقصد الأمة، فالكل يقول ﴿اهدِنَا﴾.
لكن الآن الأمّة مقصدها ليس واحداً لأن ﴿اهدِنَا﴾ مقصد لفظي، فالجائع يقول: ﴿اهدِنَا﴾ وبقلبه يقول أطعمنا، والعُزَّاب لسانهم يقول ﴿اهدِنَا﴾ وقلوبهم تقول ياالله زوجنا، فالمقصد اللفظي لا يُوَحِّد، لكن عندما جماعة الدعوة خرجوا لاجتماع في بنجلاديش، ملايين الناس من ٢٠٠ جنسية، لكن كل واحد منهم مقصد حياته كيف الله ... يُنزل الهداية علي أمة الحبيب محمد ﷺ .
فنحن نجتهد لا ليكون ﴿اهدِنَا﴾ مقصد لساني لفظي، فمقصدك في قلبك لكن اللسان يعبر، فالمقاصد في القلوب ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ (١)، فلا يضاف المقصد إلى اللسان، مقصد اللسان، مقصد العين، لكن مقصد القلب، فأنت عندما تسافر إلى مكان ما، لا تقول أقصد بلد فلان ولكن مقصدك بقلبك، فكيف يكون مقصد ﴿اهدِنَا﴾ مقصد أربع وعشرين ساعة، ليس مقصد صلاة بل مقصد حياة، تدعو الله بالصلاة أن يعطيك الهداية.
و ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ منهاج حياة، لكن ﴿اهدِنَا﴾ مقصد حياة، والحياة بدون مقصد وبال قِلَّتُها أحسن منها، بدونها يقول الكافرُ يوم القيامة ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ لمن لم يحمل هذا المقصد، فبدون هذا المقصد، تكون حياة الحيوان أحسن من
стр. 248
حياة هذا الإنسان، لأن الحيوان قام بمقصده، لكن الإنسان أُعطي مقصداً، وما قام به، فالحيوان خلق ليكون حيوانا، أما أنت فخلقت لتكون إنساناً كاملاً حياتك مثل حياة الأنبياء.
قوله تعالي: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾
وحينئذ تأتي النصرة من الله ٠٠ ولكن إذا حصل تحول في القلوب، كانت الهزيمة، حتي ولو كان قائد الكتيبة محمد ﷺ كما في غزوة أُحد وحنين.
فالخطر في الطريق أنه طريق واحد، وليس فيه اعوجاج.
وإذا أردت أن تسير علي هذا الطريق، فلا بد لك من النظر في سيرة الذين نهجوه قبلك وكيف مشوا عليه قبلك.
لأن الذين سبقوك علي هذا الصراط، هم السبب في هدايتك ونجاحك.
فعندما يدخل أهل الجنة، الجنة، فكل فوج يدخل يُسلم علي الذين سبقوه، لأنهم كانوا السبب في نجاته، فاللاحق يسلم علي السابق.
وكذلك أهل الضلال في النار، قال تعالي: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
فكل فعل فعلوه، وكل أذي تحملوه، وكل نهج انتهجوه، فلا بد أن تسير علي ضربه.
وصراط من هذا؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾
قف مع هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فأول هدايتك من البشر هم الأنبياء والرسل، فيجب النظر في حياتهم، فانظر في حياة إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنّهُ كَانَ صِدّيقاً نّبِيّا ً﴾ (١). هذا الذي ربنا هداه، أقول يا رب! أنا أريد حياة مثل حياة إبراهيم ﵇، الحياة المملوءة بتقديم التضحيات من أجل الله تبارك وتعالي، أُلقي في النار من أجل الله تعالي، ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ً﴾ (٢) ٠٠ ترك زوجه في الصحراء من أجل الله ... قصصه كثيرة في القرآن تبين تضحيات إبراهيم من أجل هداية البشرية ٠٠فكل يوم أنت تطلب بنفسك يا الله أعطني جولات إبراهيم ﵇، وفكر إبراهيم ﵇، وأخلاق إبراهيم ﵇.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىَ إِنّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نّبِيّاً﴾ (٣).وكل يوم يا الله أعطني صبر موسى على الدعوة، كم تعب في دعوة بني إسرائيل ٠٠ وكم صبر عليهم؟!.
وانظر في حياة خاتمهم محمد ﷺ لقد أُلقي علي رأسه الشريف فرث الجذور وهو يصلي، فصبر وتحمل علي هذا الإيذاء، ولم ييأس، فيجب أن تتحمل كما تحمل وتتعب كما تعب، وتصبر كما صبر ٠٠ كُسرت رباعيته من أجل الدين، وشج وجهه من أجل الدين، ودميت قدماه من أجل الدين، وخرج من الطائف هائما علي وجهه فلم يستفق إلا بقرن الثعالب من أجل الدين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فإذا أردت الهداية فاجعل حياتك شبيهة بحياتهم.