قال: فأدلجنا سحراً فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها.
قال: مرحباً بالقوم، فقلنا: وبك، فقال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد ﷺ .
قال: وذاك الذي أقدمني، فاصطحبنا جميعاً حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا، فأخبر بنا رسول الله ﷺ فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ ، فلقيني أخي فقال: أسرع فإن رسول الله ﷺ قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق. فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: " تعال "، ثم قال رسول الله ﷺ : " الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير ". قلت: يا رسول الله! إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معانداً للحق فادعو الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله ﷺ : " الإسلام يجب ما كان قبله ". قلت: يا رسول الله على ذلك؟ قال: " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله ". قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ . قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. قال: والله ما كان رسول الله ﷺ يعدل بي أحداً من أصحابه فيما حزبه (١).
وفي ميدان القتال: يقول النبي ﷺ : " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ".
стр. 37
وفي البخاري: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذي الله ورسوله .... " (١)
٢٥) ميدان الدعوة: طول الحياة:
نوح ﵇ ٩٥٠ سنة .. موسي ﵇ ٨٠ سنة .. محمد ﷺ ٢٣.
ويقول ﷺ : " لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتي يُظهره الله أو أهلك في طلبه " (٢).
وميدان القتال: وقت قليل:
ففي غزوة بدر: يوم واحد (ودار القتال لبضع ساعات).
وفي غزوة أحد: يوم واحد (ودار القتال لمدة نصف يوم).
وفي غزوة الخندق: ٤٥ يوما.
وفي غزوة حنين: يوم واحد.
٢٦) في ميدان القتال: الغضب حق لله .. والتلطف في القتال فشل.
وفي ميدان الدعوة: ليس مطلوب الغضب ولا الغلظة في الدعوة.
٢٧) في القتال: حمل الكتائف (السلاح وغيره).
أما في الدعوة: حمل اللطائف.
стр. 38
٢٨) في القتال: قد يغلب المقاتل إذا جاءه من هو أقوي منه.
أما في الدعوة: لا يُغلب الداعي علي جهده، ولو كان في السجن، مثل: يوسف الصديق ﵇.
٢٩) الدعوة في كل مكان .. أما القتال فليس في أي مكان.
٣٠) الدعوة تكريم للبشرية .. والقتال ليس تكريم للبشرية.
٣١) الدعوة في كل الأحوال .. والقتال حسب الأحوال.
٣٢) في الدعوة المفتاح معك (يعني أنت الذي تبدأ بالكلام) .. أما في القتال ربما يبدأ العدو ويفرض عليك القتال.
٣٣) في الدعوة: دائما أنت مغلوب، والظلم من أجل الدين عزة، والظلم من أجل الدنيا ذلة.
أما في القتال: دائما تكون غالبا ومنتصرا (تتمني وتسعي لذلك).
٣٤) الدعوة: جهد نبوي (مكي ومدني)، أما القتال: جهد نبوي مدني.
٣٥) النبي ﷺ قبل الهدنة في صلح الحديبية، لمدة ١٠ سنوات، ولو وفوا بالعهد لوفي رسول الله ﷺ فكان فتح مكة بعدها بسنتين .. وفي الدعوة: لم يقبل النبي ﷺ الهدنة ولو لحظة واحدة.
٣٦) خطاب الدعوة: (يا بني إسرائيل .. يا بني أقم الصلاة .. وإلي عاد أخاهم هودا) .. فلو كان كافرا فأثناء الدعوة تقول له: يا أخي.
стр. 39
وفي القتال: لا يجوز الهوادة مع الكفار، ويقابل بأقبح الألفاظ، مثل: يا عدو الله .. وامصص بظر الللات.
مقارنة
بين جهد الدعوة وجهد العبادة
o العبادة أوقات محدودة.
أما جهد الدعوة: متواصل ليلا ونهارا طول الحياة.
o الخالق إذا استعملك رفع قيمتك، ويوفيك حقك، ويعطيك أكثر مما تعمل حتي يأجرك علي النية والذرة، وأحيانا يعطيك بغير حساب.
والمخلوق إذا استعملك رخصك وأذلك وأتعبك كثرا ولا يوفيك حقك.
o العبادة علي نهج النبي محمد ﷺ ٠٠ والدعوة علي نهج ١٢٤ ألف نبي ورسول.
o الاستخدام الكامل للأنبياء ١٠٠ % من جهد إلي جهد، ومن طاعة إلي طاعة،
стр. 40
قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىَ رَبّكَ فَارْغَبْ﴾ (١) يؤدي إلي الإخلاص، والإخلاص مدخل لإصلاح النفس، وفي قراءة ﴿فَرَغََّبْ﴾ الآخرين.
o نشوق غيرنا حتى نشتاق ٠٠ ونخوف غيرنا حتى نخاف.
o أول فقه في الدين: قبل فقه الصلاة والصيام والحج هو فقه الدعوة ٠٠ وجهد الدعوة قبل جهد الصلاة والصيام والحج.
o الصحابة ﵃ ثلاث عشر عاما، والله لهم: ﴿كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاة﴾ (٢) لتبسطوا أخلاقكم وأعمالكم الدعوية.
o ففرغ الله أبدان الصحابة لجهد الدعوة ١٣ عاما، وفرغ عقولهم لفقه الدعوة، وفرغ ألسنتهم لتلاوة قرآن الدعوة، ليتهيئوا لنيابة النبوة، قال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٣)
o فرغهم الله لفقه الدعوة قبل فقه الزواج والطلاق والميراث ٠٠ بعد ذلك كانت الأعمال في حياتهم بمزاج الدعوة إلي الله (داعٍ يصلي ٠٠ داعٍ يحج ٠٠ داعٍ يصوم ٠٠ داعٍ بقاتل في سبيل الله ) فالدعوة وفقه الدعوة هو الأساس حتى يترسخ اليقين علي الله وموعوداته.
o العبادات فيها رخص، فمثلا: كالقصر في صلاة المسافر٠٠ والمريض يصلي أحيانا وهو جالس أو نائم علي جنبه أو علي ظهره ٠٠الحج لمن استطاع إليه
стр. 41
سبيلا ٠٠ والزكاة لمن يملك النصاب٠٠ وفي الصوم يفطر المسافر ثم يقضي، والمريض المزمن يفطر ويفدي عن صومه، والمريض غير المزمن يفطر ثم يقضي بعد برءه من المرض.
o أما الدعوة: فليس فيها رخص، فلم يعذر الضعفاء، قال تعالى: ﴿لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ (١) فالله عذرهم عن القتال ٠٠ ولكن ما عذرهم عن الدعوة والنصح.
o كما أن الأساس ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وإلا تحدث كارثة ٠٠ وممكن التبديل والتغيير في الأدوار وفي النوافذ وفي الأبواب والحوائط ٠٠ كذلك فقه الدعوة هو الأساس.
o أساس جهد الدين: قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا النّبِيّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيرا﴾ (٢)
o عنوان رسالة النبي ﷺ : ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ﴾ (٣).
o بدأت دعوة كل نبي بمطالبة قومه بالعبادة: قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤).
o وأول مطلب للنبي ﷺ : من ينصرني؟ من يؤويني؟ من يمنعني حتى أبلغ
стр. 42
رسالة ربي وله الجنة؟ يطلب منهم أن يقوموا معه بجهد الدعوة إلي الله.
فأول مطلب هو الدعوة وليس العباد .. والنصرة حتى تقوم الأمة علي الجهد، ولكن عيسي ﵇ طلب النصرة من بني إسرائيل عندما أحس بالنهاية (الكفر)، قال تعالى: ﴿فَلَمّآ أَحَسّ عِيسَىَ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (١)
والنبي محمد ﷺ كان له حواريون مثل (طلحة والزبير ﵄ (٢) ً) ولكن لم يطلب منهم النصرة كما طلب عيسي ﵇ من الحواريين، فلو طلب من الحواريين فقط، فما كان لنا نصيب في التكليف، فالله كلف الأمة كلها بنصرة الدين، قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوَاْ أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنّصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَت طّآئِفَةٌ مّن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طّآئِفَةٌ فَأَيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَىَ عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٣).
o سُمي العباد في الأمم السابقة بالأولياء ٠٠ وسُمي الدعاة في أمة الحبيب محمد ﷺ بالأولياء.
o ما ذكر الله قصة في القرآن ليشيد بعبادتهم، بل يذكرهم بقوة دعوتهم:
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُوا
стр. 43
الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ (٣).
o قوة العابد في عزلته، حتى لا يشوش الناس عليه علاقته بالله ، يجلس في خلوته حتى تتجلي الأنوار في قلبه٠٠ لكن قوة الداعي في مخالطته للخلق، فيفرح بمخالطة القوم لدعوتهم.
o حكم فقهي: إنقاذ من يقع في الحريق أو في البئر مقدم علي العبادة (الصلاة) ٠٠ فلو كان الرجل فى صلاته واستمر فيها، فالأعمى سيسقط فى البئر أو في الحريق، ويكون المصلى آثماً، فالترتيب الصحيح هو أن يترك الصلاة، ثم يأخذ بيد الرجل ويبعده عن البئر ثم يرجع إلى صلاته.
o فقه الدين: هو فقه العبودية، كيف يعيش الإنسان ٢٤ ساعة تحت مظلة ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) .. يعيش ٢٤ ساعة يُعبد فكره، يُعبد همه، يُعبد أوقاته، يُعبد زوجته، يُعبد ماله.
стр. 44
o الإنسان يتكلم ٢٤ ساعة في فقه الدين، وهمه همَّ دنياه، وفكره فكر دنياه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١) عبَّدَ لسانه وما عبَّدَ قلبه، ما عبَّدَ همه، لذا يقول الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٢)
o في السنة الأولي من البعثة نزل منهاج الأمة: ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وما شرع الصيام والصوم والحج.
o كيف أفكارنا، وجوارحنا، تدخل في العبودية، عن طريق: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣).
o فقه العبودية: إذا تَتكلم .. تَمشي .. تَتحرك .. تَنام .. ُتفكر .. تَجلس .. تتعاون مع غيرك .. تُسافر .. ترتحل من مكان إلي مكان، من أجل ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾.
o الهداية: قال تعالي: ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٤). وقال تعالي: ﴿وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (٥) فالهداية هي العبادة، والعبادة هي الهداية.
стр. 45
o الله أثني علي عبودية الأنبياء، في القرآن: ﴿صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) فتعرف علي عبودية إبراهيم وموسي وعيسي ونوح ﵈، وتعرف علي عبودية صاحب يسن، فكل عبودية أثني الله عليها في القرآن جعلها مطمح حياتنا، وهي العبودية المرغوب فيها، عبادة: من ينصرني حى أبلغ رسالة ربي؟.
o كل مسلم أول شيء فعله، فتح بيته لإيواء دين الله ، لإيواء كلام الله، وكلام رسوله، وخرج لنصرته .. بالقعود ماذا تؤوي؟ بالقيل والقال!!!.
o أول ما علم موسي ﵇ أصحابه، علمهم الصلاة والصيام .. وأول ما علم نوح ﵇ أتباعه، علمهم الصلاة والصيام .. وأول ما علم رسول الله ﷺ أتباعه، علمهم جهده ودعوته.
o بسبب بركة ختم النبوة، أُعطيت الأمة من أول يوم أعظم عبودية، وهي عبودية همَّ إحياء الدين، بها يُصبح العبد من أعبد خلق الله تعالي.
o أعظم عبودية أن تضع عبادتك وعبادة من تحبهم، في ميزانك.
o يُصبح الرجل بالدعوة أمة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) لما تنوي أن تُحيي أمة، فأنت أمة.
o كُلفنا باستلام نيابة النبي ﷺ :
كان جهد الدعوة ينتقل من نبي إلي نبي، كلما مات نبي، خلفه نبي آخر في جهده، فخلف سيدنا إبراهيم ﵇ في جهده، إسحاق ويعقوب ﵉ .. ووهب لسيدنا زكريا ﵇، يحي ﵇، ليخلف أباه في جهده .. والنبي ﷺ أخذت
стр. 46
أبناءه صغاراً، لتقر عينه بأمته، تشتغل بهذا الجهد معه، وبعده.
هكذا كانت عبادة الدعوة إلي الله ، تنتقل من نبي إلي نبي، وببركة ختم النبوة، انتقلت من نبينا محمد ﷺ إلي أمته ﴿قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
وما أشرك الله سيدنا هارون مع سيدنا موسي ﵉، في الدعوة، إلا بعد إلحاح من سيدنا موسي ﵇ علي الله : ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * َويَسِّرْ لِي أَمْرِي *َ واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي*هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي*َكيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * َونَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * َقالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ (٢).
فأشرك الله سيدنا هارون ﵇ في أمره، وأشرك الله أمة محمد ﷺ كلها، في أمر محمد ﷺ .
o كانت أقدام موسي وهارون ﵉، تمشي إلي فرعون، وما في قدم إسرائيلي مشي في الدعوة، لكن أقدام الصحابة ﵃ مع أقدام النبي ﷺ .. وكان الثناء من الله علي الأنبياء فردي، لا يشمل أممهم، بل بين الله عيوب أممهم، وببركة جهد النبي ﷺ مجد الله صفات نبينا وصفات أمته.
o القرآن الكريم عندما يقول لنا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىَ إِنّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نّبِيّاً﴾ (٣) يأمرنا بإتباعه في الدعوة، والحذر من هفوات
стр. 47
أصحابه .. وببركة ختم النبوة، اقتدوا بمحمد وأصحابه.
o فقه العبادة، فقه مجمل في القرآن:
ففي الصلاة: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ﴾ (١).
وفي الصيام: قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ﴾ (٢).
وفي الزكاة: قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزّكَاةَ﴾ (٣).
وفي الحج: قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٤).
o أما فقه الدعوة: فهو فقه مفصل في القرآن، الله بينه لنا من أول نوح ﵇ حتى نبينا محمد ﷺ وصحابته ﵃، القرآن الكريم مليء بقصص الأنبياء عليهم السلام٠٠ وقيض الله لنا العلماء لحفظ سيرة النبي ﷺ وأصحابه الكرام.
o لو قرأت قول الله تعالي: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٥).
стр. 48
أي من ظلمة المعصية إلي نور الطاعة .. ولكن علي أي مذهب؟
ما ترك الله الدعوة لأي مذهب فقهي يفصلها ٠٠ وتولي تفصيلها بذاته من خلال كتابه وسيرة نبيه ﷺ وأصحابه ﵃.
o فقه العبادة مهم، وفقه الدعوة أهم٠٠ لذلك تولي الله تفصيل الأهم بذاته العلية، يفصل دعوة نوح ﵇ وصبره علي قومه مع طول مدة رسالته٠٠يفصل دعوة إبراهيم ﵇ وأخلاقه وحلمه ٠٠ فصل لنا دعوتهم وما فصل لنا عبادتهم.
o القرآن المكي كله يبين فقه ﴿:َ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ﴾ ولو فهمت الأمة هذا العلم، ما بقي واحد في الظلمة.
o الدعوة مفصلة في القرآن، والعبادة مجملة٠٠ المفصل الأمة جهلته، والمجمل الأمة فهمته ٠٠ مع أن الإنسان يفهم المجمل ولا يعذر في عدم فهم المفصل٠٠ والسبب واضح هو قوة الطلب علي المجمل، بالإضافة أن الشيطان جعل في قلوب الناس حساسية ضد جهد الدعوة لأنه يحاج إلي تضحيات.
o الأنبياء السابقين أقاموا أقوامهم علي جهد العبادة، ولم يقيموهم علي جهد الدعوة، سيدنا موسي ﵇ ما طلب من قومه أن يذهبوا معه إلي فرعون عليه اللعنة والرسول ﷺ كلف بدعوة فراعنة كثيرون، فكلف الأمة كلها بلواء الدعوة، قال تعالى: ﴿الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ
стр. 49
الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ما قال: آمنوا به وصلوا وصاموا.
o مولود يولد علي الجهد لا علي اللعب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ (٢).
ولكن النبي ﷺ الله وهب له أمته كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فأنت هبة ليس لأبيك ولا لأمك، ولكن هبة لنبيك محمد ﷺ ، فكن خير هبة لأحسن موهوب.
o الله طلب من الأمة النصرة للدين، قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوَاْ أَنصَارَ اللهِ﴾ (٤) في سورة الصف، لنكون صفا واحدا، في نصرة الدين والنداء لكل أهل الإيمان.
o القرآن المكي يأمرنا باتباع الأحسن، قال تعالى: ﴿وَاتّبِعُوَاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رّبّكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ (٥) جهد العبادة حسن، وجاء بعد جهد أحسن خلال ١٣ سنة٠
o قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَىَ يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ
стр. 50
سَبِيلاً﴾ (١) هذه الآية مكية والسبيل هو طريق الدعوة ٠٠ كما اتخذه أبو بكر وعمر ﵄، ولذا ندم الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو علي تأخرهم عن سلك طريق الدعوة مع النبي ﷺ من بداية الدعوة، وذلك حين حضر أناس باب عمر وفيه سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب والشيوخ من قريش ﵃ فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب وبلال وعمار ﵃، قال: وكان والله بدريا، وكان يحبهم وكان قد أوصي به، فقال أبو سفيان ما رأيت كاليوم قط أنه يؤذن لهذه العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل بن عمرو ﵁: وياله من رجل، ما كان أعقله، أيها القوم! إني والله! قد أري الذي في وجوهكم فإن كنتم غضابا فاغضبوا علي أنفسكم دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم أما والله! لما سبقوكم من الفضل فيما يرون أشد عليكم قوة من بابكم هذا الذي تنافسون عليه، ثم قال: إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون ولا سبيل لكم والله! إلي ما سبقوكم إليه فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسي الله أن يرزقكم الجهاد والشهادة، ثم نفض ثوبه فقام، فلحق بالشام. قال الحسن: صدق والله! لا يجعل الله عبدا أسرع إليه كعبد أبطا عنهم (٢).
o شريعة الإسلام شريعة: ﴿شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصّىَ بِهِ نُوحاً وَالّذِيَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىَ وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَلاَ تَتَفَرّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِيَ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ
стр. 51
وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (١).
وهي شريعة أولي العزم من الرسل، والله يبينها لنا حتي نسير عليها٠٠ ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ما كبر علي المشركين صلاتنا ولا صيامنا ولا حجنا، ولكن كبر عليهم دعوتنا.
﴿اللهُ يَجْتَبِيَ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وما ذكر الله الاجتباء إلا بعد الجهد، كما في قوله تعالي: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هََذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ﴾ (٢) الله اجتبي كل الأمة، فمطلوب مني أن أطلب وأسعى وأجتهد أن يقبل الله مني أن أكون من المجتبين.
o قال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) مجد ربه ساعة فالله من فوق عرشه مجده حتى قيام الساعة .. فما بالنا بالذي يمجد ربه آناء الليل وآناء النهار، وحتى نهاية عمره وهو يمجد ربه.
o عبادة الجهد أفضل من عبادة الزهد.
o زهد الصحابة كان بسبب انشغالهم بالجهد ٠٠ فكان من نتيجة ذلك قلت الأشياء عندهم٠٠ ولما فتحت الفتوحات لم ينشغلوا بها، بل خافوا منها، فعن
стр. 52
الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أُتي بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم ﵁، قال: فألقى إليه سواري كسري بن هرمز فجعلهما في يده، فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة، قال: الحمد لله! سواري كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج! ثم قال: اللهم! إني قد علمت أن رسولك ﷺ كان يحب أن يُصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلي عبادك، وزويت ذلك عنه نظرا منك له وخيارا، ثم قال: اللهم! إني قد علمت أن أبا بكر ﵁ كان يُحب أن يصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلي عبادك، فزويت ذلك عنه نظرا منك له وخيارا، اللهم! إني أعوذبك أن يكون هذا مكرا منك بعمر! ثم تلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنّمَا نُمِدّهُمْ بِهِ مِن مّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاّ يَشْعُرُونَ﴾ (١)(٢).
o زهد خالد بن الوليد ﵁ بسبب جهده، لأنه كان يعرض نفسه للشهادة كل وقت٠٠ ولكن الذي يحرم نفسه من الطيبات دون الجهد، ويخاف من الموت (الشهادة في سبيل الله) ليس بزاهد.
o لا توجد آية في القرآن تمدح الزهد، ولكن الآيات تمدح الجهد٠٠ والداعي عنده جهد الكسب وجهد الإنفاق ٠٠ أما الزاهد فلا كسب ولا إنفاق، بل جائع يدعو غيره للجوع.
o العبادة في حياة العابد كل من كل ٠٠ أما في حياة الداعي فهي جزء من كل.
o العبادة تعلق بالله (صلاة ٠٠ صوم ٠٠ ذكر ٠٠ قراءة قرآن ٠٠ ذكر) .. أما الدعوة تعلق وتخلق، ومعني التخلق: علاقة مخلوق بمخلوق.
الجولة تخلق، فكيف نجعل التعلق في التخلق ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ
стр. 53
وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
والعابد ما عنده التخلق لأنه أدار ظهره للخلق.
الداعي بالليل تعلق بالله .. وبالنهار تخلق (تأليف .. تعريف .. دعوة .. تكليف.
الداعي بالليل تملق، وبالنهار تخلق.
o في جهد الدعوة ممكن سفيه يتهكم عليك، فتحلم عليه، فتتعلم الصبر والعفو والإناة٠٠ أما العابد فقد أدار ظهره للخلق، فلا يحتك بالناس، فلا يتعلم الحلم ولا الصبر.
o الخطباء والوعاظ يقولون: شكر الله لحسن استماعكم٠٠ اللهم! بلغت، اللهم فاشهد٠٠ وكأن الدين لسان يتكلم وأذن تسمع.
أما الداعي يقول: ﴿يَاقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرّشَادِ﴾ (٢).
﴿ياَقَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣).
ما يقول: اسمعوني، ففي الآيتين ما يقولون اسمعوا المرسلين
o سبعين ألف عابد من بني إسرائيل ما ذكر الله قصة إيمانهم وعبادتهم، ولكن الذي قام منهم بالدعوة، ذكر الله قصته في القرآن،: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ
стр. 54
بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ (١) شرفه جهده ولم يشرفه نسبه٠٠ وبلال ﵁ لم يشرفه نسبه بل شرفه جهده، بعد أن كان يُسمي بلال العبد أصبح يُسمي سيدنا بلال، أصبح مؤذن الرسول، أصبح يجلس مع الأكابر النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعليَّ ﵃، الكل يعرف حقه، فيقول عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا.
o عُباد بني إسرائيل (٧٠ ألف) في عهد موسي، ماذا فعل الله بهم؟
قال الله تعالى: ﴿وَقَطّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ مُوسَىَ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاسٍ مّشْرَبَهُمْ وَظَلّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ كُلُوا مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلََكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢).
وبعد موسي ﵇:
قال تعالى: ﴿وَقَطّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَماً مّنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُون﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الاْرْضِ أُمَمًا﴾ قال أبو عبيدة: فرقناهم فرقا. قال ابن عباس: هم اليهود، ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة. وقال مقاتل: هم بنو إسرائيل. وقيل: معناه: شتات أمرهم وافتراق كلمتهم. ﴿مّنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ وهم
стр. 55
المؤمنون بعيسى ومحمد ﵉. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذالِكَ﴾ وهم الكفار. وقال ابن جرير: إنما كانوا على هذه الصفة قبل أن يبعث عيسى، وقبل ارتدادهم (١).
لما جاءت طرق التعبد فالعباد صاروا (أمما) أي شيعا وفرقا، وفرحوا بذلك، قال تعالى: ﴿مِنَ الّذِينَ فَرّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢).
فماذا فعل الله بهم؟
قال تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ فَرّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " رواه الترمذي (٤).
والآن بفضل الله بالدعوة ملايين الناس والفكر واحد والاتجاه والهدف واحد، والنية واحدة، بسبب الدعوة جمع الله قلوبهم.
o نور الإيمان في قلب الداعي أقوي من نور الشمس.
o هناك فرق بين يقين الداعي ويقين العابد٠٠ فالداعي كل يوم يزداد يقينه علي
стр. 56
الغيبيات، وهكذا كل الأنبياء ﵈.
o الأمة لما صارت عُباد زادت الفتن.
o صاحب الجهد يحفظ في مكان الفتنة، مثل: سيدنا لوط ﵇، قال: ﴿رَبّ نّجِنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُون﴾ (١). فقال الله تعالى: ﴿فَنَجّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (٢).
o أما العابد فيفتن في مكان العبادة، مثل:
١) بلعام بن باعوراء:
قال تعالي: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلََكِنّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَاهُ ءايَاتِنَا﴾ أنها العلم بكتب الله
стр. 57
عز وجل، والمشهور في التفسير أنه بلعام بن باعوراء، وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى ﵇ غزا البلد الذي هو فيه، وكانوا كفارا، وكان هو مجاب الدعوة، فقال ملكهم: ادع على موسى، فقال: إنه من أهل ديني ولا ينبغي لي أن أدعو عليه، فأمر الملك أن تنحت خشبة لصلبه، فلما رأى ذلك، خرج على أتان له ليدعو على موسى، فلما عاين عسكرهم، وقفت الأتان فضربها، فقالت: لم تضربني، وهذه نار تتوقد قد منعتني أن أمشي؟ فارجع، فرجع إلى الملك فأخبره، فقال: إما أن تدعو عليهم، وإما أن أصلبك، فدعا على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة، فاستجاب الله له، فوقع موسى وقومه في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعم، فقال: يا رب فكما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، فدعا الله أن ينزع منه الاسم الأعظم، فنزع منه. وقيل: إن بلعام أمر قومه أن يزينوا النساء ويرسلوهن في العسكر ليفشوا الزنا فيهم، فينصروا عليهم. وقيل: إن موسى قتله بعد ذلك. وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرعا، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإنكم إذا خرجتم لقتالهم، دعوت عليهم فهلكوا، فكان فيما شاء عندهم من الدنيا، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها، وكان نبيهم يوشع لا موسى.
قوله تعالى: ﴿ءايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: خرج من العلم بها.
قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه ولهذا قال (فكان من الغاوين) أي من الضالين الهالكين الحائرين البائرين وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاٌّرْضِ﴾ أي لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا ولحلنا بينه وبين المعصية بالآيات التي آتيناه إياها ﴿وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاٌّرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره من أولي
стр. 58
البصائر والنهى، قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، إذا مالوا عن العلم إلي الهوي وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته، وعلمه الاسم الأعظم، وخصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى، كان بعده عن الله أعظم، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبها بأخس الحيوانات وهو الكلب اللاهث (١).
٢) جريج العابد:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: “ لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلا عابدًا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه، فتعرضت له،
стр. 59
فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها. فحملت، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك. قال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت: “ اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع " فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها، قال: " ومروا بجارية وهم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث فقالت: مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟! قال: إن ذلك الرجل كان جبارًا فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها زنيت، ولم تزن وسرقت، ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها " متفق عليه (١).
١) برصيصا العابد:
ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيَءٌ مّنكَ إِنّيَ أَخَافُ اللهَ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) أن عابدا من
стр. 60
بني إسرائيل كان يقال له برصيصا تعبد في صومعة له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان، فجمع إبليس يوما مردة الشياطين، فقال: ألا أحد منكم يكفيني برصيصا؟ فقال الأبيض: وهو صاحب الأنبياء أنا أكفيكه، فانطلق على صفة الرهبان، وأتى صومعته، فناداه فلم يجبه وكان لا ينفتل عن صلاته، إلا في كل عشرة أيام، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام، فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا، اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة حسنة، فناداه ما حاجتك؟ فقال: إني أحببت أن أكون معك، أقتبس من عملك، وأتأدب بأدبك، ونجتمع على العبادة، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك ثم أقبل على صلاته، وأقبل الأبيض يصلي، فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما، ثم انفتل فرآه يصلي فلما رأى شدة اجتهاده، قال ما حاجتك؟ فأعاد عليه القول: فأذن له فصعد إليه، فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما، وربما زاد على ذلك، فلما رأى برصيصا اجتهاده أعجبه شأنه وتقاصرت إليه نفسه، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق عنك، فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي أرى فاشتد ذلك على برصيصا، وكره مفارقته، فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلي، فقال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلا، فأخاف أن يعلم الناس بهذا،
стр. 61
فيشغلوني عن العبادة فلم يزل به حتى علمه إياها، ثم انطلق إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل فانطلق الأبيض، فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه في صورة رجل متطبب فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا فأعالجه قالوا: نعم فقال لهم: إني لا أقوى على جنيه ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى فقالوا له: دلنا قال انطلقوا إلى برصيصا العابد فإن عنده اسم الله الأعظم، فانطلقوا إليه فدعا بتلك الكلمات، فذهب عنهم الشيطان، وكان الأبيض يفعل بالناس ذلك، ثم يرشدهم إلى برصيصا، فيعافون، فلما طال ذلك عليه انطلق إلى جارية من بنات ملوك بني إسرائيل، لها ثلاثة إخوة، فخنقها، ثم جاء إليهم في صورة متطبب، فقال أعالجها؟ قالوا: نعم. فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، قالوا: ومن هو؟ قال بريصصا، قالوا فكيف لنا أن يقبلها منا وهو أعظم شأنا من ذلك؟ اقال إن قبلها، وإلا فضعوها في صومعته، وقولوا له: هي أمانة عندك، فانطلقوا إليه فأبى عليهم، فوضعوها عنده. وفي بعض الروايات أنه قال: ضعوها في ذلك الغار، وهو غار إلى جنب صومعته، فوضعوها، فجاء الشيطان فقال له: انزل إليها فامسحها بيدك تعافى، وتنصرف إلى أهلها، فنزل، فلما دنا إلى باب الغار دخل الشيطان فيها، فإذا هي تركض، فسقطت عنها ثيابها، فنظر العابد إلى شيء لم ير مثله حسنا وجمالا، فلم يتمالك أن وقع عليها، وضرب على أذنه، فجعل يختلف إليها إلى أن حملت، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت، فهل لك أن تقتل هذه وتتوب؟ افأن سألوك عنها قلت: جاء شيطانها، فذهب بها، فلم يزل بها حتى قتلها، ودفنها، ثم رجع إلى صومعته، فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يسألون عنها، فقالوا: يا برصيصاا ما فعلت أختنا؟ قال: جاء شيطانها فذهب بها، ولم أطقه، فصدقوه، وانصرفوا. وفي بعض الروايات أنه قال: دعوت لها، فعافاها الله، ورجعت إليكم، فتفرقوا ينظرون لها أثرا، فلما أمسوا جاء الشيطان إلى كبيرهم في منامه، فقال: ويحك: إن
стр. 62
برصيصا فعل بأختك كذا وكذا. وإنه دفنها في موضع كذا من جبل كذا، فقال: هذا حلم، وبرصيصا خير من ذلك، فتتابع عليه ثلاث ليال، ولا يكترث، فانطلق إلى الأوسط كذلك، ثم إلى الأصغر مثل ذلك، فقال الأصغر لإخوته: لقد رأيت كذا وكذا، فقال الأوسط: وأنا والله، فقال الأكبر: وأنا والله، فأتوا برصيصا، فسألوه عنها: فقال: قد أعلمتكم بحالها، فكأنكم اتهمتموني، قالوا: لا والله، واستحيوا، وانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وكذا، وإن إزارها لخارج من التراب، فانطلقوا، فحفروا عنها، فرأوها، فقالوا: يا عدو الله لم قتلتها؟ اهبط. فهدموا صومعته، ثم أوثقوه، وجعلوا في عنقه حبلا، ثم قادوه إلى الملك فأقر على نفسه، وذلك أن الشطيان عرض له، فقال: تقتلها ثم تكابر، فاعترف، فأمر الملك بقتله وصلبه، فعرض له الأبيض، فقال: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، ويحك ما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها، أما استحييت من الله؟ األم يكفك ذلك حتى أقررت ففضحت نفسك وأشباهك بين الناس؟ افإن مت على هذه الحالة لم تفلح، ولا أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة حتى أنجيك، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك، قال: ما هي؟ قال: تسجد لي، فسجد له، فقال: هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك أن كفرت ﴿إِنّى بَرِاء مّنكَ﴾ ثم قتل. فضرب الله هذا المثل لليهود حين غرهم المنافقون، ثم أسلموهم (١).
стр. 63
وعن ابن عباس أنه قال: إن الشياطين قالوا يا سيدنا مالنا نراك تفرح بموت العالم ولا تفرح بموت العابد والعالم لا تصيب منه والعابد تصيب منه .. ؟ قال: فانطلقوا .. فانطلقوا إلى عابد فأتوه فى عبادته قالوا إنا نريد أن نسألك فانصرف. فقال ابليس: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا فى جوف بيضة .. ؟ فقال: لا أدرى. فقال: أترونه كفر فى ساعة.
ثم جاءوا إلى عالم فى حلقته يضحك أصحابه ويحدثهم فقالوا إنا نريد أن نسألك .. فقال سل: فقال: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا فى جوف بيضة .. ؟ قال: نعم. قالوا كيف ... ؟ قال: يقول كن فيكون. فقال ابليس: أترون ذاك لا يعدوا نفسه وهذا يفسد عليَّ عالماً كثيراً.
ورويت هذه الحكاية من وجه آخر:
أنهم سألوا العابد فقالوا: هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه فقال العابد: لا أدرى. فقالوا أترونه تنفعه عبادته مع جهله، وسألوا العالم عن ذلك فقال: هذه المسألة محال .. لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقاً وهو مثل نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقاً فلا يكون مثله بل كان عبداً من عبيده وخلقاً من خلقه. فقال أترون هذا يهدم فى ساعة ما أبنيه فى سنين (١).
стр. 64
وهكذا يوقع الشيطان العباد في الفتن والمعاصي ويخرجهم من الدين، ولكنه لا يستطيع أن يقترب من الداعي، لأن العابد منشغل بنفسه ومقبل على عبادة
ربه والعالم منشغل بمعرفة ربه ودعوة الخلق إليه.
o فصلاح عبودية العابد يفضل له الخلوة، وإذا خرج من الخلوة يتأثر بالفتن٠٠ ولكن لصلاح الداعي يفضل له الحركة في الدعوة، ولا يتأثر من الفتن، بل الفتن تقوي عبوديته.
o العابد ملذاته في عبادته .. والداعي يُضحي بملذاته لهداية غيره، فيجعل الله ملذاته في دعوته.
o العابد يحقر العاصي ويغضب عليه، فمزاجه غضبي خاصة مع العصاة٠٠ والداعي يتأسف ويحزن ويشفق ويرحم علي العصاة.
o بسمة الداعي في وجه العاصي، أحبُ إلي الله من بكاء العابد في سجوده٠٠ لأن بسمة الداعي في وجه العاصي لإنقاذه من النار، والعابد يبكي لإنقاذ نفسه.
o البكاء في وجه الناس ينفرهم، فمن صفات الداعي: بكاءً بالليل، بساما بالنهار.
o البسمة نهارا وجهراً .. والبكاء ليلا وسراً.
o نافلة الداعي خير من فريضة العابد، لأنها سببا لنشر الدين وهداية الخلق.
o بدء السلام نافلة، ورد السلام فرض .. ونافلة السلام خير من فريضة الرد .. الخير بالخير والبادئ أرحم.
o فالداعي استثمر السنة لإقامة الفرض٠٠ فلو استثمر فرض لأقام أفراد علي الحق .. فالصحابة ﵃ في فتح مكة أفطروا في نهار رمضان، فهم ضحوا بالفرض لإحياء آلاف وملايين الناس علي الإيمان والأعمال حتى قيام الساعة.
o الكفار يتأثرون بنور نافلة الداعي، مثل: آداب الطعام ٠٠ آداب النوم ٠٠ وإذا
стр. 65
تأثروا أسلموا ثم يأتي عندهم جميع الفرائض والسنن .. فاستثمار الفريضة يأتي بمليارات الفرائض.
o العابد مثل: مصباح يضيء في حجرة ٠٠ أما الداعي مثل الشمس تستنير بها الدنيا كلها.
o غبار الداعي وهو متحرك في الدعوة خير من مسك العابد، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١) ٠
وأرسل عبد الله بن المبارك، إلى: فضيل بن عياض، رسالة قال فيها:
يا عابد الحرمين لوأبصرتنا ... لعلمت أنك فى العبادة تلعبُ
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدماءنا تخضبُ
أو كان يتعب خيله فى باطلٍ ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
ريح العبير لكم ونحنُ ... عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيبُ
ولقد آتانا من فعال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذبُ
لا يستوى غبار خيل الله ... فى أنف امرئ ودخان نارٍ تلهب
وهذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
стр. 66
o وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. متفق عليه (١) هذا فم الصائم، فما بالنا بفم الداعي إلي الله ..
o الداعي عنده الإيثار وليس الاستئثار، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
o الداعي مثل: الذي يزرع شجرة المانجو ٠٠ والداعي مثل: الذي يشرب عصير المانجو.
فالذي يشرب يجد لذة بدنية ٠٠ أما الذي يزرع ويسقي الزرع، يجد لذة روحية، وهو أول من يجني ثمرة زرعه، فالداعي يستفيد من دعوته قبل استفادة المدعو.
o الأمة المسلمة، الله مدحها وهي تشرب الخمر في مكة٠٠ بأي شيء؟ إنها العبودية:
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرّحْمََنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما * وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً* وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذَابَ جَهَنّمَ إِنّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ (٣).
وصفهم بأنهم عباده ٠٠ الله يمجد أعظم عبودية حققتها أمة محمد ﷺ
стр. 67
٠٠ وفي ذلك الحين ما زالوا يشربون الخمر لأنها حُرمت في المدينة، وما صاموا رمضان لأن الصوم فرض في السنة الثانية للهجرة٠٠ وما حجوا لأن الحج فرض في السنة التاسعة للهجرة.
والله يخاطبهم: ﴿وَعِبَادُ الرّحْمََنِ﴾ فكانت فيهم العبودية الكاملة لله تعالي من أول يوم، بل من أول لحظة ٠٠ وتجلي ذلك عليهم عندما نزل عليهم ألوان العذاب، بسبب إسلامهم، ولم يتراجعوا عن عبوديتهم لله تعالي ٠٠ فمشقة القيام بالصلاة والصيام والزكاة والحج وتلاوة القرآن، لا يذكر بجانب العذاب الذي وقع عليهم، مثل الذي وقع علي (بلال وصهيب وعمار بن ياسر وأسرته وخباب والمقداد).
يا الله! أي عبودية أجمل من عبودية مجدها الله ﴿يَمْشُونَ﴾ فالمشي علي الأرض لتذكير الغافلين، هو عند الله أعظم عبودية بالنهار، كما أن أعظم عبودية لموسي ﵇ مشيه في النهار لدعوة فرعون ﴿اذْهَبْ إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ﴾ (١).
﴿يَمْشُونَ﴾ فعل يفيد الحال والاستقبال ٠٠ يعني هذا شأنهم، هذا مقصد حياتهم٠٠ عمل يومي وحتى الموت.
ما أجملها من صفات ﴿يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً﴾ يمشون علي الأرض
стр. 68
في لين وتواضع وسكينة ووقار، ولا يتبخترون في مشيتهم، مع ما يحملون (أعظم دين أنزله الله للبشرية، ويتحركون بهذه الصفات التي غيرت مجري حياتهم، لينشروا دين الله ، ومع ذلك لا يجهلون علي أحد إذا تعرض لهم بالإيذاء عندما يعرضون عليه الدعوة، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما﴾ استخدام القوة الخُلقية لإعلاء كلمة الله .
فهذه سيرتهم بالنهار، يتحملون أذي الخلق لهم عندما يدعونهم إلي الله .
أما سيرتهم بالليل: يشتغلون بالتملق (١) إلي الله أن ينزل رحمته عليهم وعلي عباده: ﴿وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً﴾ (٢).
стр. 69
﴿يِبِيتُونَ﴾: تفيد الاستمرار كل ليلة وحتى الموت.
الحركة الليلية بين يدي الله من أجل هداية الناس .. ليلك من أجل الناس ٠٠ ونهارك من أجل الناس ٠٠ وتحمل المشقة من أجل الناس.
قال العلماء: شرع الله قيام الليل لهذه الأمة، قبل أن يشرع الصلوات الخمس ٠٠ فما الحكمة من مشروعية قيام الليل، قبل مشروعية الصلوات الخمس؟
والحكمة من ذلك:
o أن أول مطلب لنبينا محمد ﷺ : من ينصرني؟ أي من يشتغل معيَّ بالدعوة إلي الله .. وربنا أعطانا عبودية الدعوة بكل مطالبها، ومن مطالبها: ﴿أدْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ ٠٠ وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ ٠٠خُذِ الْعَفْوَ ٠٠ اذْهَبْ ٠٠ يَمْشُونَ ٠٠ قُمْ فَأَنذِرْ ٠٠ قُمِ الْلّيْلَ﴾
والجاهل هنا من هو؟ أهو الجاهل بالزراعة؟ أم هو الجاهل بالصناعة أو التجارة؟
الجاهل: هو الذي ما عرف ربه ٠٠ الذي عظم المخلوق وما عظم الخالق ٠٠ الذي عظم الأموال ٠٠ وما عظم الأعمال ٠٠ عظم دنياه وما عظم آخرته ٠٠ هذا كافر، والله تبارك وتعالي هذا الجاهل: مجرم، ِ قال تعالي: ﴿إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * َإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * َإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى
стр. 70
الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (١).
قال تعالي: ﴿َلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (٢).
وسماه الله : جاهل حتى يأتي في قلوبنا الرحمة عليه ٠٠ ولذا كان ﷺ في أشد الأحوال عليه يقول: " اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ".
وبسبب جهل الناس هم ﴿يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً﴾ تواضعا لخلق الله يدعونهم إلي الله ، ويتعبون أبدانهم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما﴾ يُذلون أنفسهم من أجل هداية الناس، أما القعود فهو عزة للنفس مع راحة البدن (فيما يبدو وليس كذلك) مع تضييع دين الله.
يا سلام عزة نفس مع راحة البدن، مع تضييع دين الله ، وسيد الخلق محمد ﷺ يمشي إلي الطائف علي الأقدام ما استخدم الحمار ليركبه، حتى يتشرف بإتعاب بدنه في سبيل الله.
مشى ﷺ علي قدميه، وليست قدميك أعظم حرمة من قدميه٠٠ فمشي من مكة إلي الطائف ٠٠ هذا المشي لا يستطيع أكبر رياضي أن يتحمله.
لما وصل إلي الطائف ما كانت نهاية التعب، فلو استقبله أهل الطائف كما
стр. 71
استقبله أهل المدينة بدق الطبول، ويغنون: طلع البدر علينا ... فلو فعلوا ذلك فما كان تحقق كمال العبودية.
الله قدر عليه استقبال الطائف، قبل أن يقدر له استقبال المدينة، واحترامهم وحبهم له ٠٠فربنا يقدر الأحوال المخالفة علي الداعي حتى يُربيه أولا، وبعد ذلك تأتي الأحوال الموافقة له ٠٠ حتى الناس يعرفوا قدره وينتشر الدين.
فالأحوال المخالفة لك، والموافقة من أجل غيرك حتى يفهموا دين الله .
كيف استقبل أهل الطائف رسول الله ﷺ بعد التعب؟
استقبل أهل الطائف رسول الله ﷺ بشر استقبال، فعن عائشة ﵂ أنها قالت للنبى ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: " لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فنادانى فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فنادانى ملك الجبال، فسلم على ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربى إليك لتأمرنى بأمرك، فما شئت: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبى ﷺ : " بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ". متفق عليه (١).
أعجب وأجمل صفة عند العرب قبل الإسلام هي صفة الكرم، خاصة إكرام
стр. 72
الضيف، فهذا شاعرهم الجاهلي يفتخر بكلمة ما نستطيع أن نقولها نحنُ، يقول:
وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وليس لي شيمة مثلها لشيمة العبد
عبودية الخدمة لا عبودية الركوع والسجود.
فهؤلاء الذين تفاخروا بإكرام الضيف، وعُرفوا بالكرم، لسان حالهم، يقول: كل الضيفان يستحقوا الكرم، إلا هذا الضيف (محمد ﷺ سيد البشرية جمعاء) ٠٠وربنا شرفه بإذلال نفسه، لأن عزة النفس بإذلالها من أجل الله (١) وما يستطيع أحد أن يُعز نفسه بنفسه، فمصادر العزة منه لأنه (المعز ﷻ ).
معني العبودية:
هي غاية الحب مع غاية الذل .. فهل عندك قدرة علي أن تُذل نفسك (٢)؟
стр. 73
فالذي يذل نفسها من أجل الله ، فالله يُعزها بقدرته وحده، والذي يريد أن يُعز نفسه بنفسه فالله يُذلها بقدرته وحده، مثل فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١).
فالذي لا يتحرك ويظن أن أن هذه عزة، فقد خدع نفسه، لأنها عزة وهمية وليست حقيقية، والشيطان يضحك عليه.
стр. 74
كل أهل الطائف جاهلون والنبي ﷺ صبر عليهم حتى دخلوا في الإسلام، وخرج من ثقيف: محمد بن القاسم الذي كان سببا لنشر الإسلام في بلاد الهند، وهنالك قبره يشهد عليه.
الجاهل سبك، شتمك، ما عليك إلا أن تسامحه وتدعو له، وتقوم أمام الله في الليل وتقول: يارب! اجعل صبري عليه سببا لهدايته.
يتجولون ويتحركون في الدعوة، فإذا مرو باللغو، قال تعالى: ﴿وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرّوا بِاللّغْوِ مَرّوا كِراماً﴾ (١).
فأهل الجهد مشغولون بجهدهم ما عندهم وقت فراغ للرد علي أهل الباطل لانشغالهم بالحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).
مشغولين لأن الناس ستموت علي الكفر.
الداعي كل يوم يمشي ﴿يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً﴾ وكل يوم يمشى في الدعوة يجعل الله له نورا يمشي به ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ (٣).
o بدون النور يتخبط الإنسان في الظلمات.
стр. 75
فما هو النور؟
نور الإيمان ٠٠ نور العبادات ٠٠ نور جمال المعاملات ٠٠ نور جمال المعاشرات.
o نور العابد مثل مصباح البيت، يختبئ في مغارة، في مسجد، ينعزل عن الناس.
o مصادر الثروة عند الداعي:
١) المصدر الأول: أن تُعطي ما عندك للناس .. ولكن ماذا عندنا؟ العمر قليل ٠٠ والمال قليل ٠٠ والعلم قليل ٠٠ والتضحية قليل٠٠ فهذا المصدر من أضعف المصادر فما علينا إلا أن ننوي دعوة كل الناس، وندعو الله أن يهدي كل الناس، وننوي أن نُكرم كل الناس، فرب عمل صغير عظمته النية ٠٠ ورب عمل كبير صغرت النية.
٢) المصدر الثاني: السريرة الصالحة، فيخاطب الإنسان نفسه:
_ وددتُ لو أن عندي وادٍ من دقيق فأنفقه في سبيل الله.
_ وددتُ أن يكون بعدد كل شعره فى جسدى نفسٍ تقتلُ فى الله تعالي.
_ وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمى قرض بالمقاريض.
_ وددتُ لو أن الله هدي الخلق أجمعين.
_ وددت أن الله يحركني في العالم بالدعوة إلي الله.
_ وددت أن يرزقني الله صفات الأنبياء.
فيأتي عندنا الترقي في السيرة والسريرة.