(أي ليس شديد الالتحام): كالدُهن في الشعر، والدسم في الثريدة ونحوها، والشيءِ في التراب.
• (سوغ - سيغ):
﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
"السِوَاغ - ككتاب: ما أسغتَ به غُصّتك. ساغ الرجل الطعامَ يسوغه ويَسيغه وأساغه. وساغ الشرابُ والطعام في الحلق (قاصر): نزَل وسهُل مدخله في الحلق. وساكت به الأرض: ساخت ".
° المعنى المحوري مرور في مجرى جوفيّ بيسر ورقّة لتخلل ورطوبة: كما في الاستعمالات المذكورة. قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]. لا يكاد يبتلعه. ومنه: "شراب سائغ وأَسْوَغُ: عذْب " (لسهولة سوغه بسبب صفائه ولطف طعمه) ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر: ١٢]. ومن المرور الجوفي السهل قولهم: "سُغْ في الأرض ما وجدتَ مَساغًا، أي: ادخل فيها ما وجدتَ مَدْخلًا ".
وأما "سَوْغ الرجل وسَيْغه - بالفتح: الذي يُولَد على أثره لم يكن بينهما وَلد "فمن الأصل: كأن الأول فتح المجرى للثاني، أو أنّ الثاني أمرّ الأول وأنساه. كما قيل: "أَسْوَغَ الولد أخاه: وُلد معه ".
• (سغب):
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥].
ليس في التركيب إلا سَغب (فرح ونصر قاصر): جاع، والمسغبة المجاعة.
° المعنى المحوري هو الجوع، أي فراغ الجوف مما ينضم عليه عادة ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾.
стр. 1017
° معنى الفصل المعجمي (سغ): هو وجود رطب في الأثناء مع نفاذ فيها أو منها. ويتمثل ذلك في سغسغة الرأس بالدهن فيتخلل الشعر وينفذ منه الشعر - في (سغغ)، وفي مرور الطعام - بعد أن يصير رخوًا بالمضغ - في الحلق ثم المريء - في (سوغ - سيغ)، وفي فراغ الجوف - في (سغب) لأن ذلك الفراغ هو نتيجة ذهاب ما في المعدة والمصارين أي نفاذه أو ذهابه.
السين والفاء وما يثلثهما
• (سفف - سفسف):
"السَفْسَاف - بالفتح: ما دَقّ من التراب/ الترابُ الهابي/ ما يطير من غُبار الدقيق إذا نُخل والترابِ إذا أُثير. والسَفْسفة: انتخال الدقيق بالمُنْخُل ".
° المعنى المحوري مرور الدِقاق الجافة الهابية (من تراب الأرض ونحوه من دقيق الحَبّ) نافذةً من أثناءٍ أو مداخِلةً إياها بحدة أو قوة (١): كذلك التراب
стр. 1018
الهابي في الجو ويُستنشق. وكانتخال الدقيق؛ فتمُرّ ذراته من عيون المُنْخُل، ومنه: "سَفِفتُ الدواء والسَويق ونحوهما: قَمَحتُه أي أخذته غير ملتوت " (إذا كان مسحوقا جافا - أي دقاقًا كثيرةً جافة فهي غير ملتحمة ببلل أو نحوه.
ومن التداخل بدقة وحدّة: "سَفَفْت الخُوص وأسْففته: نَسَجْته بعضَه في بعض ". ومن ارتباط المعنى الأصلي بالأرض (مقر التراب الدقيق): "أسفّ الفحلُ: أمال رأسه للعَضِيض (العضّ)، والطائرُ: طار على وجه الأرض، والسحابةُ: دنت من الأرض (فالأرض ظرف، والاتجاه نحوها دخولٌ فيها، والحدّة تتمثل في أن الميل هو للشروع في العض، وفي حدة القرب من الأرض على غير المعتاد). ومن ذلك الارتباط بالأرض أيضًا مع التعامل في الدقاق أخذ التسفل المعنويّ فقالوا: "أَسَفّ: طَلَبَ الأمور الدنيئة/ تتبّع مَدَاقَّ الأمور. والسَفْسَاف: الرديءُ من كل شيء ".
стр. 1019
وأخيرًا فإن قولهم: "أسفَّ النظر: حدّده. وسَفيف أُذُنَى الذئب: حدتهما " (أي حدة سمعهما)، هما من النفاذ بدقة في الأثناء، أي نفاذ النظر، ونفاذ الصوت. وهما دقيقان. أي لطيفان غير مجسَّمَين.
• (سوف):
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]
"السافُ في البناء: كلّ صفٍّ من اللَبِن (فهو المِدماك). ساف الشيءَ يسُوفه، واستافه، وساوفه: شَمَّه. وساف الجملُ التربة: شَمَّها. قال:
يَبيتُ يَسُوف الخُورَ وَهْى رَواكدٌ ... كما سَاف أبكارَ الهِجان فَنِيقُ
(الخور: الكثيرات الرِيَب من النساء. والفنيقُ الفحل، يتشمم الأبكار ليطرقها). وأسافَ الخارزُ: أَثْأَى .. بأن تغلُظ الإشفى ويدِقّ السَيْر، فيتخرم، حتى تصير خُرزتان في موضع واحد ".
° المعنى المحوري سَحْبُ غليظٍ أو حادٍّ إلى الأثناء أو مدُّه فيها بقوة: كساف البناء، يؤتَي بلَبِناته وتُدْخَل فيه سطورًا ممتدة فتُعْليه، وكسَحْب الريح ذات الرائحة الحادة إلى الأنف (لا بد أنها تكون حادة، لأن الجمل والدليل يعرفان موقعهما في الصحراء بشم تراب بقعة الأرض التي هُما فيها)، وكما تنفذ الإشفى في الجلد بغلظ فتشقه. ومنه: "السواف - كسحاب وغراب: الموت في الناس والمال " (وباء حادّ يخالط فيجتاح).
أما "المسافة: بُعْد المفازة والطريق "، فأصل هذا اللفظ أن يعبّر عن مكان السَوْف أي الشم، حيث كان الدليل يشَمّ تراب الفلاة إذا بَعُد جدًّا؛ ليعلم: أعلى قَصْد هو أم جَور "ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى سموا البُعد مسافة ".
стр. 1020
والسحب إلى داخل الحيز حَوْزٌ. ومنه قالوا: "سوَّفته أمري - ض: ملّكته ".
وسوف كلمة "تنفيس أي تأخير " (للوقوع، معناها أن الأمر سيقع، أي يدخل حيز هذه الدنيا - وهي ظرف - بعد مدة، وذلك نقلًا من البعد المكاني إلى الزماني). وكل ما وقع من التركيب في القرآن هو (سوف) بهذا المعنى. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أخّر دعاءه إلى السَّحَر [قر ٩/ ٢٦٢] ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [في قر ٢٠/ ٩٥] يشفعني الله في أمتي حتى يقول الله سبحانه لي أرضيت يا محمد؟ فأقول يا رب رضيت ". ومن (سوف) استعملوا "التسويف "بمعنى: التأخير والمَطْل.
• (أسف):
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]
"الأرض الأَسيفة: الرقيقة التي لا تكاد تُنبت شيئًا/ البلد الذي لا يُنبت شيئًا. والأَسِيف: من لا يكاد يَسْمَن (المنجد)، والشيخ الفاني. وتأسَّفتْ يدُه: تشعَّثت ".
° المعنى المحوري جفافُ أثناءِ الشيء وذهابُ نحوِ البَلال منها: كالأرض التي لا تنبت - فقدت خيرها وخصوبتها، وكالذي لا يسمن، وكالشيخ الفاني. وتشعُّث اليد يكون من جفاف جلد باطنها فتخشُن وتتشقق.
وجفاف الجوف والأثناء يؤخذ منه حرقة الغضب والغيظ والحزن وما أشبه ذلك، مما فسّر به الأسف فكل ذلك من جفاف الباطن والأثناء، ويفسر الأسف في كل سياق بحسبه. "أَسِفَ (تعب): حَزِنَ حُزنًا بالغًا لفوات شيء ". ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] شديد الغضب. حزينًا [قر
стр. 1021
٧/ ٢٨٦]. ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] فهذا حزن بالغ لأنه لا يملك غيره، والغضب موقف القادر ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أغضبونا (أي أشد الغضب، فجف حظُّهم من الرحمة) - فأوقع الله بهم نقمته.
• (سفح):
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]
"السَفْح - بالفتح: عُرْض الجبل، وهو عُرْضه المضطجع حيث يُسْفَح فيه الماء. والسُفُوح: الصخور اللينة المتزلِّقة. و "إنه لمَسفُوح العنق، أي: طويله غليظه ""مسافح الوادي: مصابّه " [تاج].
° المعنى المحوري انحدار بقوة أو كثافة: كسفح الجبل الموصوف، وكتلك الصخور اللينة التي تُزْلق من يعلوها، وكمصابّ الوادي. والعنق المذكورة تكون كذلك. ومنه: "ناقة مسفوحة الإبط، أي: واسعة الإبط (الإبط غئور تحت الكتف، يُنْحدر منه إلى صندوق الصدر) وقريب من هذا قولهم: "جمل مسفوح الضلوع: ليس بكَزِّها " (فهي منحدرة ليست ناتئة).
والانحدار انصباب. ومنه: "سفَحَ الدمعَ: أرسله، والدمَ: صبّه/ سفكه، والماءَ: هراقه ". ومن هذا: "السِفاح والمسافحة: الزنا والفجور؛ لأن كل واحد منهما سفح مَنْيَتَه أي دَفَقَها بلا حرمة أباحت دفقها ": ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤ وكذا ما في ٢٥، المائدة ٥]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قال قر: "وهو الجاري الذي يسيل "أي من الذبيحة. وليس في القرآن من التركيب إلّا المسافحة، والدم المسفوح المذكوران.
وقولهم: "السَفيح: قِدْحٌ من قِداح الميسر لا نصيب له "أي هو مُهدَر، من
стр. 1022
السَفْح: الصبّ. لكن قولهم: "السفيح: الكساء الغليظ، والسَفيحان: جُوَالِقان كالخُرْج يُجعلان على البعير "، هما من الكثافة في المعنى المحوري. الكساء الغليظ كثيف، والجوالق يكدّس فيه.
• (سفر):
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨، ٣٩].
"سفر البيتَ (ضرب): كَنَسه. والمِسْفرة: المكنسة. وأصله الكشف. سفرت الريحُ الغيمَ عن وجه السماء: فرّقته وكَشَطته عن وجه السماء، والريحُ الترابَ والورَقَ: كنسته. السَفير: ما سقط من ورق الشجر وتحاتّ. انسفر مقدم رأسه من الشعر: إذا صار أَجْلَح ".
° المعنى المحوري كشف ظاهر الشيء أو أعلاه بزوال ما يعروه أو يغشاه كما في كنس أرض البيت، وكما في إزالة الريح الغيمَ والتراب والورق، وخلو منبت الشعر منه. ومن ذلك: "فرس سافر اللحم، أي: قليله (كأنه زال عنه)، والسَفْر - بالفتح: الأثر يبقى على جلد الإنسان " (كأنه أثر كشطٍ لبعض الجلد).
ومن ذلك السفَر وقد عرّفوه بأنه قطع المسافة. ويمكن أن يقال إنه مفارقة (إرادية) للمقر بابتعاد أو استرسال. وهذا القيد (بابتعاد أو استرسال) يؤخذ من كون المفارقة أو الزوال في الاستعمالات السابقة ليست قريبة العودة، كما في سقوط ورق الشجر والشعر، وزوال الكُناسة. ويؤخذ أيضًا من تعريفهم السفَر بأنه قطع المسافة، ومن قولهم: سافرت إلى بلد كذا. وما جاء في الحديث: "يا أهل البلد صلُّوا أربعًا فإنا سَفْرٌ "؛ فالبلاد لم تكن حينذاك متقاربة. ويعتبر ذلك بالسفر من مكة إلى الطائف أو إلى جدة مثلًا. فالمسافة البعيدة قَيْدٌ من صُلب معنى
стр. 1023
السفر. وتحديد الأئمة لها بنحو ٨٥ إلى ٩٠ كم له أصل صحيح في المعنى اللغوي للسفر. وللأزهري تعليلاتٌ لتسمية السفَر سفرًا يؤخذ منها هذا القيد، فمما علل به: "كَشْفُ قناعِ الكِنّ عن وجهه، ومنازلِ الحَضَر عن نفسه، ومنزلِ الخَفْض عن نفسه، وبروزُه إلى الفضاء "، وكذلك: "السَفَر يُسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم فيَظهر منها ما كان خافيًا ". وسُمي القوي على السفر من الناس والإبل مِسْفَرًا. ولا يمكن أن يكون ذلك بضعة أميال. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ونفي وجود الكاتب يؤكد كون مسافة السفر مسيرة نحو ثلاثة أيام في ذلك الزمن، أي نحو ٩٠ كم. ومن السَفَر سُميت بقرة الوحش مسافرة، وثور الوحش مسافرًا؛ لانطلاقهما في الصحراء بلا حدود، وسُميت الحَكَمة الحديدية التي توضع على أنف البعير مكان الحَكَمة من أنف الفرس: سِفارًا؛ لأنها كانت تُتخذ عند السفر الطويل. ومنه كذلك: السُفْرة - بالضم: طعام يُعَدّ للمسافر. ثم سُمي به الوعاء الجلدي الذي كان يُحمل فيه.
وتفرع من هذا السَفَرِ "السِفارة بين القوم المتعادين (المتباعدين) للإصلاح بينهم: سفَر بين القوم: ذهب إلى هؤلاء مرة ليعرف ما عندهم. ثم إلى الآخرين كذلك. والسفير: الرسول المصلح بين القوم ".
ومن الأصل: "السَفَر - بالتحريك: "بياض النهار "، فهو من انكشاف سواد الليل وظلامه، فقالوا: "سَفَر الصبحُ وأسفر: أضاء ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]. ويعبَّر به عن بياض النهار بعد مغيب الشمس حملًا على سَفَرِ الصبح وإسفاره.
وجاء من انكشاف سواد الليل وظلامه "سفرت المرأة نقابها: جلّته عن
стр. 1024
وجهها فهي سافرة "كما قالوا: سَفَر وجهُه حُسنًا وأسفَر: أشرَق ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]: مشرقة مضيئة.
ومن فرع الضوء والانكشاف استُعمل التركيب في الكتابة "لأنها تُبيّن الشيء وتوضِّحه "أي تبين ما يريد من الأمر الذي يكتبه وبخاصة إذا كان عملًا يراد تسجيله لا كلامًا ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أي كُتُبًا جمع سِفْر - بالكسر. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥، ١٦] جمع سافر وهو الكاتب. ويصلح أن يرجع استعمالُ "السَفْر "في "الكتابة "إلى المعنى الأصلي (الزوال)؛ حيث كانت الكتابة نقشًا، أي كشطًا، في سطوح الألواح والحجارة -[ينظر ل زبر]، والكشط كشف من الظاهر.
ومن الأصل، وهو استعمال طريف نادر، حديث الباقر ﵁ وعن آبائه، وصلى الله وسلم على جده: "تصدَّقْ بحَلال يدك وسَفْرها "- بالفتح. فهذا استعمال طريف، فالسَفْر هنا بمعنى كشط الظاهر كما هو أصل التعبير بالكسب والحرفة. والمراد: كَدُّ اليد.
والذي جاء من التركيب في القرآن هو (السفَر) الانتقال البعيد، وجمعه الأسفار، و (إسفار) الصبح والوجوه، و (السفَرة) الكاتبون و (الأسفار) الكتب. وهي واضحة في سياقاتها.
• (سفع):
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]
"يقال للأثافيّ: سُفْع وهي التي أُوقِدَ بينها النار فسوّدت صِفَاحها التي تلي النار. ويقال للحمامة المطوَّقة سَفْعاء، لسواد عِلَاطيها في عنقها. ونعجة سَفْعاء:
стр. 1025
اسودّ خدها وسائرها أبيض. وسُفَعُ الثور: نُقَط سود في وجهه. سَفَعَته النارُ والشمسُ والسَمُوم: لَفَحَته لفحًا يسيرًا؛ فغيّرت لون بَشَرته، وسَوَّدته ".
° المعنى المحوري لصوق ما له حدّة أو كثافة على ظاهر الشيء: كذلك السواد في صفحة حجارة الأثافيّ من أثر النار (وكذلك ما هو من أثر الشمس والسَموم)، وكالسواد في الخد والوجه بجوار البياض.
ومن اللصوق بحدّة بأعلى ظاهر الشيء قولهم: "سَفَع الطائرُ ضريبتَه وسافعها: لَطَمها بجناحه. وسَفَع وجهه بيده: لطمه، وسَفَع عنقَه: ضربها بكفه مبسوطة ". (كما تقول العامة الآن: لطعه أو لزقه قلما على وجهه، يعنون: لطمه).
ومن ذلك المعنى استُعمل في المسّ من الشيطان وما إليه لما في ذلك من حدّة. يقال: "به سَفْعةٌ من الشيطان، أي: مسّ - والسَفْعة: العين (أي الحسد) امرأة مسفوعة: بها سُفعة، أي: إصابة عين ".
ومن ذلك اللصوق بأعلى ظاهر الشيء استُعمل التركيب في الأخذ بأعلى ظاهر الشيء أو بطرَفٍ منه، فيقال: "سَفَع بناصية الفرس ليركبه. وسَفَع بيده، أي: أخذ بها " (ليقوده). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ فُسِّر في [قر ٢٠/ ١٣٥] بالأخذ بها، وعليه أبو عبيدة [٢/ ٣٠٤] من: سَفَع بيده: أخذ بها. وفُسِّر أيضًا بتسويدها كما في [ل، قر]. وكلاهما حقيقة أو كناية عن إذلاله كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وللنواصي عندهم شأن، فقد كانوا يقُصّون نواصي من يتمكنون منه من أعدائهم؛ لإذلالهم، وإثباتًا لتمكنهم منهم.
ومن اللصوق بظاهر الشيء استُعمل في عُرُوّ الظاهر: "السَفْع - بالفتح:
стр. 1026
الثوبُ (يعرو الظاهر)، وسُفُوع الجارية: ثيابُها، واستَفَع الرجلُ: لبس ثوبه واستفعت المرأة ثيابها: إذا لبستها - وأكثر ما يقال ذلك في الثياب المصبوغة "كأن المقصود المصبوغة بألوان فاقعة، وهذه حدّة.
• (سفك):
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]
"سفك الدمَ والدمعَ والماءَ: هَرَاقه ".
° المعنى المحوري إراقة المائع المحتبس في البدن بحدّة أو قوة: كسفك الدم والدمع. قال في [ل]: و "كأنه بالدم أخص " ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ومنه: "سَفَك الكلام: نشره ".
• (سفل):
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]
"سَفِلة البعير - كفرحة: قوائمُه، والسافلة: المَقْعدة والدُبُر، ومن الرمح: نصفه الذي يلي الزُج "سَفَل (قعد): نقيض علا. وسَفَلَ في الشيء: نزل من أعلاه إلي أسفله ".
° المعنى المحوري كون الشيء تحت غيره أو دونه متميزًا بذلك: كالقوائم من الجسم، وكالمقعدة، وكالنصف الأسفل من الرمح كانوا يجعلون الزجّ (قاعدة الرمح) إلى أسفل ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢]، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ومن معنويه: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]. وكذا ما في [التوبة ٤٠، والتين ٥] وسائر ما في القرآن من التركيب هو من السفول الحسّي.
стр. 1027
• (سفن):
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥]
"السَفَن - بالتحريك وكمِنْجَل: ما يُنحت به الشيء من قَدُوم أو نحوه. والسفَن - بالتحريك: حجر يُنحت به ويليَّن (= يَنعَّم)، وقطعة خَشْناء من جلدِ ضبٍّ أو جلد سمكة، يُسحج بها القِدْح حتى تذهب عنه آثار المِبراة. سَفَن الشيء (ضرب): قشره، وسَفَنت الريحُ التراب عن وجه الأرض ".
° المعنى المحوري النحت من ظاهر الشيء باتجاه باطنه للتسوية، أو لصنع فجوة في ذلك الظاهر: كنحت القدوم جِرْمَ الخشب، وتسوية ظاهر القِدْح بالسفَن (: السنفرة) وكشفِ التراب عن وجه الأرض.
ومنه: "السفينة؛ لأنها تقشر وجه الماء (تغوص فيه وتزيحه حين جريها). وعلى هذا فلفظ سفينة فعيل بمعنى فاعل، أو لأنها خشب نُحت وصُنع " [ل] (فتكون بمعنى مفعول) [ل] وهذا الأخير أقرب وأولى؛ إذ إن من السفن البدائية ما كان يُصنع بنحت فجوة مستطيلة في وَجْه من جذع شجرة؛ فيصير الجذع بذلك كالقارب يجلس راكبه في هذه الفجوة المستطيلة. ويسمى بالإنجليزية Canoe وقد كاد يقول هذا في [ل]، إذ قال: "ويكون (لفظ السفينة) مأخوذًا من السَفَن، وهو الفأس التي يَنحت بها النجّار "ثم قال: "والسَفَن - محركة: الفأس العظيمة/ قدوم تُقشَر به الأجذاع ". ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].
• (سفه):
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٧]
стр. 1028
"ثوب سَفِيه: لهله خفيف. وزمام سَفيه: خفيف. ورجل سافه: شديد العطش ".
° المعنى المحوري خفّة جرْم الشيء لفراغٍ أو جفاف يتخلل أثناءه: كالثوب السفيه، والزمام السفيه، والرجل السافه. ومنه: "سَفِهْتُ الماءَ والشرابَ (كفرح) سَفْهًا - بالفتح: إذا أكثرتَ شربه فلم تَرْو (استمر شعوره بفراغ جوفه من الماء). وتسفّهت الريحُ الغصون: حرّكتها واستخفتها. وسَفِهْت نصيبي (فرح): نسيتُه (فقدتُه من ذاكرتي، وهذا فراغ) ورجل سفيه: خفيف العقل فارغه " (كأنما أُفرغ رأسه من العقل) ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]. فارغو العقل ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] أي سَفِهَت نفسُه، أي أُفْرِغت من اللب، أو فَقَد نفسه. (الفعل هنا من بابي فرح وكرم).
واستُعمل السفه في الجهل. والجهل خفة وفراغ أيضًا مع جفاء، أخذًا من الجفاف في المعنى الأصلي. ومن تطبيقات هذا المعنى استعمالهُ في الشتم: "سافهه: شاتمه "، والشتم عيب بشيء: حقًّا أو باطلًا. وفيه جفاء وخفة.
وليس في القرآن من التركيب إلا ما هو بمعنى خفة العقل أو ضعفه.
° معنى الفصل المعجمي (سف): نفاذ دقاق جافة من أثناء مع ظهورها. ويتمثل ذلك - في (سفف) في مرور الدقيق من المنخل والغبار في أثناء الهواء، وفي (سوف) في شم الجمل والدليل تراب وجه الأرض، ونفاذ المدماك ممتدًّا في أثناء البناء، وفي (أسف) يتمثل في نفاذ الندى والخصوبة من الأرض أي خلوها منهما، وكذلك نفاذ السِمَن من البدن والرقة من جلد الكف. وفي (سفر) يتمثل في زوال ما يعرو وجه الأرض كنسًا أو سفَرًا، وفي (سفع) يتمثل في لصوق السواد ونحوه بظاهر الحجارة
стр. 1029
وريش الحمامة وخد النعجة، واللصوق رسوخ في الظاهر كالنفاذ فيه. وفي (سفك) يتمثل في إراقة المحتبس المائع كالدم والدمع ويلزمه الجفاف، وفي (سفل) يتمثل في القوائم ونحوها مما يرتكز عليه الشيء - وهي دقيقة بالنسبة للبدن، كأنما يرسخ في الأرض ليرتفع أعلاه. وفي (سفن) يتمثل في إزالة قدر من ظاهر الشيء حكّا كما يفعل السفَن ولا يكون ذلك إلا مع جفاف. والجفاف واضح في كل ما ذكر.
السين والقاف وما يثلثهما
• (سقق - سقسق):
"سَقّ العصفور، وسَقْسق الطائر: ذَرَق ".
° المعنى المحوري نفاذ الغليظ الذي يحشو الجوفَ أو العمقَ - منه (١).
стр. 1030
• (سقى):
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]
"السِقاء: القِرْبة للماء من جلد السَخْلة. والساقية: النهر الصغير. سَقَى الحيوانَ والنباتَ (رمى): أرواه، وسَقَى الثوبَ: أشربه صِبْغًا ".
° المعنى المحوري تحصيل الماء ونحوه من المائع في الجوف بإنفاذه إليه: كما في شُرب الماء، وسَقْى الثوب. والسِقاء أداة لذلك، والساقية تسقى الزرع. ومنه: السَقِيّ - فعيل: البَرْديّ لنباته في الماء أو قريبًا منه، والنخلُ الذي يُسْقَى بالسواني أي الدوالي. وكل استعمالات التركيب واضحة المأخذ من الأصل. ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦] قُرئ بفتح النون من: سَقَى يَسْقى، وبالضم من: أَسْقَى. تقول "لما كان من يدك إلى فيه سَقَيْتُه، فإذا جعلتَ له شِرْبًا أو عرضته لأن يشرب بفيه أو بزرعه/ أو دللته على الماء: أسقيتُه " [قر ١٠/ ١٢٣، ١/ ٤١٨]. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: ١٩] مصدر كالسَقْي وجاءت على هذه الصيغة لأنها التزام كالحِرفة. و "السقاية أيضًا: الإناء يسقى به/ الصاع والصواع بعينه "وهو على صيغة اسم الآلة لدوام السقي به ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾
стр. 1031
[الشمس: ١٣]: السُقْيا هو الاسم من سَقَى [ل، الوسيط] وقد فسرها [قر ٢٠/ ٧٨، ١٣/ ١٣١] بالشِرْب - بالكسر: أي حظِّها من الماء، وهو أدق، إذ هو مقتضى الصيغة، فهو الماء الذي تشربه، وهم قد نَفِسوا عليها حظَّها من الماء - لا مَبدأ الشُرْب. والاستسقاء: طلب السقيا ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ [البقرة: ٦٠]. وكل ما في القرآن من التركيب هو من سقى المائع ماء أو لبنا أو حميما والعياذ بالله وقد فرّقنا بين المراد بصيغها.
• (سوق):
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣]
"الساق: ما بين الركبة والقدم. وساقُ الشجرة: جِذعها. ساقَ الإبلَ وغيرها: حثّها - من الخلف - على السير. والسُوق - بالضم (قالوا سميت) لأن التجارة تُجلب إليها وتساق المبيعات نحوَها ".
° المعنى المحوري الدفع إلى الأمام أو إلى أعلى بقوة: فسَوْق الإبل ونحوها هو حثٌّ وحمل على الإسراع. والسُوق - بالضم: حيِّز يساق إليه ما يُعرض للبيع. والساق تَدفع القدم إلى الأمام، وجسمَ الشجرة إلى أعلى رَفعًا ونموًّا. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧].
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٩، ٣٠]. فسِّر التفاف الساق بالساق على حقيقته بالتفافهما كذلك ساعة الموت، أو في الكفن. كما فسِّر بالتقاء شدة الدنيا بشدة الآخرة [قر ١٩/ ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. يُكنى بكشف الساق عن الشدة التي تقتضي
стр. 1032
التشمير كما قالوا: ("وإن شمرت عن ساقها الحرب شمروا ") ("قد كشفت عن ساقها فشُدّوا ") ("في سنة قد كشفت عن ساقها ").
ولهذا فسِّرت الآية بيوم الشدة العظمى. كما فُسّرت بالأصل والحقيقة، أي يوم يُكشف عن الحقيقة [قر ١٨/ ٢٤٨]. ومما يؤيده لغويًّا التعبيرُ عن النفس بالساق: نُسب إلى عليّ كرّم الله وجهه - قولُه: " ... ولو تَلِفَتْ ساقي ": أي نَفْسي. ونفْس الإنسان هي لب حقيقته، أي قوامه، كأنها حاملته ودافعته إلى أعلى.
ومن السَوْق - بالفتح: "السِياق - ككتاب: المَهْر "؛ لأن العرب كانوا إذا تزوجوا ساقوا الإبل والغنم مَهرًا، لأنها كانت الغالب على أموالهم [ل]. و "السَيِّق - كسيّد - من السحاب: ما تسوقه الريحُ وليس فيه ماء. وساقة الجيش: مؤخِّرته (كأنهم يسوقون من تقدمهم). وكان ﷺ في مشيه "يَسُوق أصحابه "أي: يُقَدّمهم ويمشي خَلْفهم تواضعًا. ومن الدفع الذي في معنى السَوْق قولُهم: "ساق بنفسه: نَزَع عند الموت ". (يدفع بها لتخرُج كرهًا - حسب الظاهر). أما "السُوقة - بالضم: غير ذوي السلطان من الناس "، فهو من أنهم رَعيّة يساقون.
والذي جاء في القرآن من التركيب هو بمعنى السَوق ماضيه ومضارعه والمبني للمفعول منهما والمصدر الميمي (المساق) واسم الفاعل (سائق) و (ساقُ) الرجْل ومثناها وجمعها ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣] وكذا جمع ساق الشجر ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ثم جمع سُوق الشراء والبيع. وهي واضحة في سياقاتها.
• (وسق):
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧، ١٨]
стр. 1033
"الوَسْق - بالفتح والكسر: ستون صاعًا. وَسَقَت الناقة والشاة: حَمَلت وأغلقتْ رحمها على الماء. ووَسَقت النخلة: حَمَلت ". "كل شيء حَمَلْته فقد وَسَقْته "وأوسقتُ البعير: حَمَّلته ".
° المعنى المحوري حمل الشيء كَمّا عظيما بحوز وثيق: كالوَسْق وما فيه، والعين بمائها، والحمل في الرحم المذكورات، ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أي: ما ضَمّ في جوفه. ومن ذلك اتساق القمر. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: امتلأ واجتمع واستوى ليلة ثلاث عشرة إلى ست عشرة. (حيث يبدو استيفاؤه لدائرته تمام حوز).
ومن الكم العظيم المحوز استعملت في الكثرة أو الجماعة المترابطة معًا. "استَوْسَقَتْ الإبلُ: اجتمعت، واستوسق لك الأمرُ: أَمْكنك " (اجتمع لك). ومن هذا التجمع في ترابط: "الاتساق: الانتظام ". لأن "النظم "نفسه جمع في سِلْك.
• (سقر):
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]
"السَقْر - بالفتح: الدِبْس [ق] / عَسَل التمر ونحوه. ونخلة مِسْقار: يسيل سَقْرها. والساقور: حديدة تُحْمَى ويُكوى بها الحمار والحيوان. وسَقَرات الشمس - بالتحريك: شدة وَقْعها. وقد سَقَرته الشمس (نصر): لوَّحَته وآذت دماغة بحرّها/ أذابته. وأصابه منها ساقور ".
° المعنى المحوري ذوبان الغليظ الذي في جوف الشيء أو أثنائه بنفاذ الحرّ أو حدّة شديدة إليه: كسَيَلان عَسَل الرُطَب الذي أنضجَه الحرّ من تحت قشرته، وكذوبان الدماغ أو أثنائه في الرأس من حّرّ الشمس، وكحرّ الساقور يُكوَي به
стр. 1034
ليزيل مرضا، وسُميت جهنم سَقَر لأنها تذيب (أي بشدة حرّها) الأجسام والأرواح [ل ٣٧/ ١٩]. ولا التفات لزعم العجمة الذي أورده [ل] والمتوكِّلي.
ومن معنويّ الأصل: "السَقْر - بالفتح: القيادة على الحُرَم " (لتميّع رجولته وغَيرته، فالمصدر لمعنى المفعولية) والسقّار - كشدّاد: اللعّان (يصل أذاه إلى النفوس. أو كما تقول العامة: لسانه يقطر سمًّا).
• (سقط):
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]
"السقْط - مثلثة: الوَلَد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه. وسِقاط النخل - ككتاب: ما سَقَط بُسْره. وسقْط الزَنْد - مثلثة: ما يقع من النار حين يُقدح (الزند) ".
° المعنى المحوري هُوِيٌّ بقوة بعد انقطاع أو انفصال من حيّز كان يُمسك: كخروج الولد من البطن قبل أوانه، وكانقطاع البُسْر من عِذْقه هاويًا إلى الأرض، وكاندفاع الشرر والنار من الزَنْد.
ومنه يقال: "سَقَط من كذا إلى كذا أو عليه: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور: ٤٤]. ومن معنويّه: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]: انقطعوا من حيز العصمة، أو انغمسوا في الفتنة، كما ينغمس الهاوي من عَلٍ.
ومن الانقطاع وحده: "سَقْط الرمل - مثلثة، ومَسْقِطُه: حيث انقطع معظمه ".
стр. 1035
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] يقال للنادم المتحير: قد سُقط في يده .. ويقال أيضًا: أُسْقط. ومن قال: سَقَطَ في أيديهم، على بناء الفاعل، فالمعنى: سَقَط الندمُ في أيديهم. وذُكرت اليد لأن مباشرة الأشياء باليد غالبًا و ... اهـ[وانظر: قر ٧/ ٢٨٥، بحر ٤/ ٣٩١]. ولعل الأوضح أن يقال فيها: ولما انقطعت شبهاتهم في اتخاذ العجل، أي كسقْط الرمل حيث انقطع معظمه ورقّ وانتهى إلى طرفه، أو ولما وقع الحق وتجسم أمامهم.
وليس في القرآن من التركيب إلا السقوط المادّي، والمعنوي، و ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ وقد ذكرناهن.
• (سقف):
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]
"السَقْف - بالفتح: غِمَاء البيت. وسَقَائف جنبي البعير: أضلاعه، والسَقيفة خشبة عريضة طويلة تُوضع، يُلَفّ عليها البواري (الحصير المنسوج) فوق سطوح أهل البصرة [ل ٥٦/ ١٩]. والسقيفة: كلّ لوح عريض في بناء إذا ظهر من الحائط. والسقيفة: لوح السفينة ".
° المعنى المحوري غِماء يشرف على الجوف أو العمق الفارغ للشيء: كسقف البيت، والسقائف المذكورة، كلٌّ منها يشرف على تجويف. ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] ومنه: "على باب داره سقيفة [الأساس]. وتطلق السقيفة على كل ما سُقِف - أي زُوِّدَ بسقف كالصُفّة (الظُلّة أمام البيت)، وسقيفة بني ساعدة: ظُلّة كانت لهم ". ومن الأصل: "السقيفة: كل طريقة طويلة من الذهب والفضة ونحوهما من الجوهر
стр. 1036
(لامتدادها في الأرض (ينظر سوم، سيب، ذهب)، وكأن ما تحتها فراغ لعدم قيمته بالنسبة للذهب). ونعامة سقفاء: طويلة العنق (لامتداده معقوفًا). وكذلك: سَقِف الرجلُ (تعب): طال في انحناء ". (يلحظ بناء المطاوعة).
• (سقم):
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩].
"السَوْقَم - بالفتح: شجر عِظام له ثمرة مثل التين، وإذا كان أخضر فإنما هو حَجَرٌ صلابةً، فإذا أدرك اصفرّ شيئًا، ولان، وحلا حلاوةً شديدة. وسَقِم (تعب وكرم): طال مرضه ".
° المعنى المحوري جفاف جِرْم الشيء على غير المعتاد لوجود غليظ أو حادّ في باطنه: كثمر ذلك الشجر صُلْبًا كالحجر رغم خضرته. (قد تُعَدّ حلاوته الشديدة - بعد - حِدَّة) ومنه جفاف بدن السقيم؛ فطول المرض يكون من علة شديدة معضلة (أي لا تزول بسرعة) تسكُن الجسمَ وتجفّفه، أي تُذهب شحمه ولحمه. والعامة تعبّر أحيانًا عن النحيل أو النحيف البدن بأنه سقيم. ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]. فهذا سقم مادّي حقيقي، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وهذا سقم معنوي تقززا مما فيه قومه. [ينظر قر ١٥/ ٩٢ - ٩٣]. ومنه قول الراغب: مكان سقيم: إذا كان فيه خوف (سقيم هنا بمعنى مُسقِم، أي مقلق مُذهب للسكينة والراحة. وهذا جفاف وجفاء).
° معنى الفصل المعجمي (سق): نفاذ غليظ أو مهم من الجوف أو إليه. ويتمثل ذلك - في (سقق) في نفاذ ذرق الطائر من جوفه، وفي (سقى) في نفاذ الماء وهو بالغ الأهمية إلى الجوف، وفي (سوق) في القوة المحتواة في الباطن التي تدفع إلى الأمام أو إلى
стр. 1037
أعلى أي قوة الساق، والقوة من جنس الغلظ، وفي (وسق) في ضم الكثير واجتماعه في الحوزة وثيقا كوسوق الأتان والوسق الستين صاعا، وفي (سقر) في وصول الحدّة المذيبة إلى الباطن كسقر الدماغ والسقْر عسل التمر، وفي (سقط) في نزول الغليظ من الباطن بقوة كالسقْط الجنين الساقط من بطن أمه. وفي (سقف) في الغليظ الشديد الذي يقوم على تجوف الشيء من أعلاه أو جوانبه فيحمي جوفه كسقف البيت وسقائف جنبي البعير، وفي (سقم) يتمثل في الشدة التي في أثناء الجوف صلابة كما في ثمرة السوقم، أو مرضًا يطول كالسقم.
السين والكاف وما يثلثهما
• (سكك):
"السَكَك - محركة: صِغَرُ قُوفِ الأذن وضِيقُ الصِماخ. والنعامُ كلها سُكّ. وبئر سَكّ - بالفتح والضم: ضيقة الخرْق من أعلاها إلى أسفلها. والسُكّ - بالضم: جُحْر العقرب والعنكبوت ".
° المعنى المحوري تضايق بضبط شديد في المنفذ الممتد (المستقيم) (١):
стр. 1038
كالأذن الضيقة الصِماخ، وكالبئر الضيقة، وكلاهما ممتد. وجُحر العقرب والعنكبوت كذلك. ومن ذلك: السِكَّة: السطر المصطف من الشجر والنخيل (تضايق ما بين كل نخلة وتاليتها مع انضباط وامتداد). والسِكّة: الزُقّاق (لاصطفاف الدُور في جانبيه مع ضيقه كذلك)، والسِكّة: الطريق المستوي، وبه سُميت سِكَك البريد (مرسومة محددة فكانت مستقيمة منضبطة والمحدَّد ضيّق). وكذلك السِكّة النقدية (الاسطمبة) المنقوشة التي يُصب فيها الذهب والفضة الذائبان وتُسك عليهما، فينطبعان ويجمدان على ذلك دنانير أو دراهم. (لُحظ فيها ضيق فراغها وإحكامُها وأنها دائمة. امتداد زمني).
• (سكب):
﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٠ - ٣٢]
"السَكْبة - بالفتح [وفي الأساس: المِسْكبة بالميم المكسورة]: الدَبْرة (أي الجدول) العُلْيا التي منها تُسقَى الدِبار. والسَكْبة - بالفتح أيضًا: جُليدة رقيقة على جسم المولود تُقشر عنه. والإسكابة: قطعة من خشب تُدْخَل في خَرق الزِقّ لتضييقه عند الصَبّ أو لسدِّه لمنع السَكْب. وطَعْنةٌ أُسْكوب، وسحاب أُسْكوب ".
° المعنى المحوري جريان المائع أو الرِخو في مجرى دقيق بيسر وانضباط إلى مقره: كالسَكْبة تحمل الماء وتنقله إلى الدِبار، وجلدة المولود تجمع جسمه وتُزْلقه، وكذلك الإسكابة تجمع المُنْصَبّ وتجعله دقيقًا إلى مَصَبّه. ومنه: "سَكَبت العينُ الدمعَ. وسَكَبَ الماءَ فسَكَبَ هو: صبّه فانصب ". وقول أهل المدينة: اسكُب على
стр. 1039
يدي (من نحو إبريق). ثم أُطلق في الصبّ، يقال: ماء سَكْب وساكب وسَكُوب وسَيْكب وأُسْكوب: مُنْسكب أو مَسْكوب يجري على وَجْه الأرض من غير حفر ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾.
ومن معنويّ الأصل: "سُنّة - بضم ثم تضعيف - سَكْب، أي: لازمة " (جارية وملتزَمة).
• (سكت):
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]
"سكت الحرُّ: اشتد وركدت الريح. ورجموه حتى سكت، أي: مات. وسكت يسكت (قعد ونصر لازم): صَمَتَ/ قطع الكلام ".
° المعنى المحوري توقُّف ما يجري في الأثناء أو منها سكونًا أو انقطاعًا: كسكوت الحر وركود الريح (كما قالوا سَكَر ت الريح: سَكَنت بعد الهبوب، من السَكْر، (كما يقال: الجو مكتوم، وكانقطاع النفس والكلام). ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، أي احتبس وتوقف هبوبه عليه. وفسَّرها [قر ٧/ ٢٩٢] بسَكَن. وعَرَضَ تأويلًا بأن في الكلام قلبًا وأن الأصل سكت موسى عن الغضب أي توقف وهدأ. والعبارة القرآنية أبلغ بما لا حدّ له.
• (سكر):
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]
"السِكْر - بالكسر: السِدَاد الذي يُجْعَل سَدًّا للشَق وغيره، والمُسَنَّاةُ (أي سَدّ خزن الماء). وسَكَر الماءُ والريح (قعد - قاصر): سَكَن ولم يَجْر. سَكَر النهرَ (نصر): سدّ فاه. وكل شَقٍّ سُدّ فقد سُكِر وسكّره تسكيرًا: خنقه ".
стр. 1040
° المعنى المحوري سَدُّ الفتحة أو المنفذ الذي يجري منه المائعُ أو اللطيفُ فيحتبس أي يقف جريانه. كما في الاستعمالات المذكورة. ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]: غُطِّيَتْ وغُشِّيَتْ .. فحُبِست عن النظر [ل] أي توقف وصول الأشعة التي بها الرؤية.
ومنه: "سَكِر (فرح) سُكْرًا - بالضم وبضمتين وبالفتح: نقيضُ صَحَا (وقف جريان تفكيره، أو سُدّتْ منافذ إدراكه) فهو سَكْران وجمعه سَكْرَى وسُكارى. ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢]. "وسَكْرة الموت: غَشْيَتُه "من هذا ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. وشبيه بها في هذه الغشية ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] والسَكَر - بالتحريك: ما يُسْكِر كالخمر والنبيذ ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ونزلت قبل تحريم الخمر [قر ١٠/ ١٢٨]. وفيها إيماء إلى أن السَكَر ليس من الرزق الحسن.
والسُكّر - بضم فتشديد: عِنب يصيبُه المَرَق (مَرَق حَبُّ العنب مروقًا: انتثر من ريح أو غيره) فينتثر فلا يبقى في العنقود إلا أقله. (هذا الباقي محبوس أو حُبِسَتْ فيه الحلاوة) وهو أبيضُ رَطْب، صادق الحلاوة، عَذْب، من طرائف العنب، ويُزبَّب أيضًا [ل] وهذا مأخذ مناسب للسُكّر (الحلواء) ولا التفات لزعم تعريبه. وليس في القرآن من التركيب إلا (التسكير) و (السُكْر) و (السَكْرة) و (السَكَر)، وقد ذكرناها.
• (سكن):
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣]
стр. 1041
"السِكِّين: المُدْية. والسُكْن - بالضم: القوت ".
° المعنى المحوري استقرار في جوفِ حيِّز أو باطن: كالقُوت في الجوف، وكهمود ما يُذْبح بالسكين في مكانه: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١]. ومنه: "السَكَن (محركة وكمَقْعَد ومجلس): البيتُ والمنزلُ (يستقر الساكن في جوفه) والسَكْن - بالفتح: أَهل الدار (الساكنون). وسكن بالمكان (قعد): أقام " (استقر في جوفه)، ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]. ومنه: "السَكِنَة - كفرِحة: مَقَرُّ الرأس من العنق (استقرار). والسَكَن - محركة: النار " (الأقرب أن تسميتها بهذا لأنها تساعد على الاستقرار والإقامة، لأن بها يُعَدّ الطعام ويُستدفأ ويستضاء. وقد يُنظر إلى سكونها في الزَنْد وأنها تستخرج منه انظر: نور - ورى). ومنه: "سكن الحر والريح والبرد: هدأ وسكن " (فلا يتحرك) ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ [الشورى: ٣٣]. ومن هذا "السكون ضد الحركة ": ماديًّا: ما في [الأنعام: ١٣، ٩٦، المؤمنون ١٨ (إقرار في الأرض) الفرقان: ٤٥، النمل: ٨٦، القصص: ٧٢، معنويًّا: التوبة: ١٠٣، الأعراف: ١٨٩، الروم: ٢١].
"والسَكِينة: الدَعَةُ والوَقَار. سكن: هدأ ووَدعَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤ ومثله ما في ١٨، ٢٦، البقرة: ٢٤٨، التوبة: ٢٦، ٤٠]. وسَكَن الرجل وأسْكَن وتمسكن: صار مسكينًا " (كما يقال: تطامن وخَشَع، كأنه انخفض في جوف استقر فيه) ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١ ومثلها ما في آل عمران: ١١٢] (والمسكين من هذا، أى القارّ الصابر على ما هو فيه لا يجاهد للتخلص منه إما للتسليم لصاحب الأمر سبحانه، أو لسبب عنده. فهو
стр. 1042
مِفْعيل من: سَكَن، كالمِنْطيق. ولذا يقول الرسول ﷺ : "اللهم أَحْيني مسكينًا "أي مُخْبِتًا مطمئنًا. وقد استعاذ الرسول ﷺ من الفقر: فلا يكون الفقر من صلب معنى المسكنة. وقد يكون المسكين مُقلًّا أو مكثرًا، والأصل فيه شدة القرار ويصدق هذا بعدم التصرف والاحتيال). فمن المساكين الأغنياءِ ولكنهم ضعاف ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] ومن الفقراء ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أي لطلب الصدقة. ومن أجل أن المسكنة لا تحمل معنى الفقر ضرورة جاء التخصيص في قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ولم يجتمع الفقير والمسكين في آية واحدة إلا في آية الصدقات. ومما لا ينبغي إغفاله أن القرآن الكريم لم يذكر لفظ الفقير بين المتصدَّق عليهم عند الحض على الصدقة إلا في ثلاثة مواضع ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨، والبقرة: ٢٧١، والتوبة: ٦٠]، في حين أنه ذكر المسكين في تسعة عشر موضعًا، كما أن آية ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] تُثبت وقوع التسول من المساكين (وهذا من العجز وقلة الحيلة) ولم أجد مثل ذلك للفقير. الخلاصة أن الملحظ في المسكين هو شدة القرار للتسليم أو لقلة الحيلة والعجز ونحوهما، واليهود ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] وهم أكثر أهل الأرض مالًا؛ فليس الخلو من المال من أصل معنى المسكنة. وأما الفقير فهو أصلًا الخالي من المال، وقد تكون عنده صلابة السعي والكدح، وإن بقي في حاجة إلى الصدقة؛ لأن حاجاته أكثر مما يكسبه. أما المسكين ففيه استكانة واستسلام. وفي الحديث الشريف: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان،
стр. 1043
وإنما المسكين الذي لا يَسأل ولا يُفْطَن له فيُعْطَى [ل] فعدم السؤال في هذه الحال من المبالغة في العجْز وقلة الحيلة ".
والذي في القرآن من التركيب هو (السكّين)، و (السكون) ضد الحركة، و (السكينة)، و (المسكنة) وقد حصرناهن ولم يبق إلا كلمة (مسكين) وجمعها وهي واضحة. وسائر كلمات التركيب بمعنى السَكَن الاستقرار في المساكن وهي البيوت ونحوها.
° معنى الفصل المعجمي (سك): ضيق المنفذ ضيقًا شديدًا بحيث يكاد ينسدّ - كما يتمثل في ضيق صماخ أُذنُ الأسكّ وضيق خَرْق البئر السَكّ وجُحر العقرب - في (سكك)، وفي ضيق الإسكابة والسَكْبة الجُلَيدة التي تكسو الجنين تيسر نزوله من المنفذ الضيق - في (سكب)، وفي ضعف الريح حتى تتوقف وتسهم التاء في التعبير عن ذلك في (سكت)، وفي سكْر النهر الجاري فيتوقف جريان مائه في (سكر)، وفي همود الشيء واستقراره وتوقف حركته في (سكن).
السين واللام وما يثلثهما
• (سلل - سلسل - سلسبيل):
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]
"سَلَّ الشعرَ من العجين ونحوه. انسلَّ الرجلُ: انطلقَ في استخفاء. انسللت من بين يديه: مضيتُ وخرجْت بتأنٍّ وتدريج. المِسَلّة: مِخْيَط ضَخْم، والسَليل: طرائق اللحم الطوال تكون ممتدة مع الصُلْب، والنخاعُ (في فقرات الظهر). والسَليلة: الشعر يُنفش ثم يُطوَى ويُشَدّ طولًا، في طول ذراع، ثم تَسُلّ المرأةُ منه لتَغْزِل (وهذا المطويّ المشدود يُسمَّى أيضًا ضريبة). والسُّلّاءة - كتفّاحة: شوكة النخل ".
стр. 1044
° المعنى المحوري انسحاب الشيء من أثناءٍ، أو فيها، بطول ورفق أو لطف (١). كما تَسُلُّ المِسَلَّةُ الخيطَ في أثناء المَخِيط، وكالسَليل: طرائق لَحْم الصلب،
стр. 1045
وكالنُخاع في فِقَار الظهر - ولطفُه رقته وخفاؤه، وكخيط الشعر الممتد من الضريبة. والخروج بتأنٍّ وتدريج يطيل حَدَث الخروج ويلطفه. ونُظر في سُلّاءة النخل إلى امتدادها دقيقة مستوية وهي تنمو كذلك قليلًا قليلًا. ومنه: سَلَّ الشعر من العجين. وأما سَلُّ السيفِ من الغِمْد، أي إخراجُه منه، فإن قيد اللطف فيه يتمثل في الخفة والسرعة.
وقوله تعالى: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] يخرجون من بينهم متسحِّبين خِفْية. ومنه: "سَلَّ البعيرَ وغيرَه في جوف اليل: انْتزَعه من بين الإبل " (أي سَرِقَةً) وسلَّ وأَسَلّ واستلّ الشيءَ: سَرَقه ". والسَّلّة: شقوق في الأرض، وكذا في الحوض أو الخابية، يتسرب منها الماء، ومجرى الماء في الوادي/ وَسَطِ الوادي حيث يسيل معظم الماء. والسالّ: مكان وَطِئٌ وما حولَه مشرفٌ يجتمع إليه الماء/ مَسِيل ضيق في الوادي ".
و"السُلالة - كرُخامة: ما اسْتُلَّ من الشيء ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾: سُلَّتْ من كل تُرْبة. وكذلك: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] (هذا الماء خلاصة سُلّت من بين الصلب والترائب). والسُلالة: النَسْلُ منه، وكذا: السَليل: الولد
стр. 1046
حين يخرج من بطن أمه ".
ومنه "رجل سَلٌّ، وامرأة وشاةٌ سَلَّةٌ - بالفتح فيهن: سَقطت أسنانهم من الهَرم " (انسلّت متسِيبةً بسهولة من الهَرَم. والفعل الثلاثي لهذا مكسور عين المضارع قاصر). "والسل - بالضم والكسر وكصداع: داء يُهْزِل ويُضْنِي ويَقْتُل (يسُلّ الجسم والصحة).
ومن الأصل "السِلْسِلة من الرمل: رمل ينعقد بعضه على بعض وينقاد (أي يمتد طوليًّا). وكذا: سِلْسِلة الحديد: حِلَق من الحديد ونحوه (متماسكة تمتد طوليًّا) ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢].
ومن الأصل: "سليل الجنة: صافي شرابها .. سُلَّ حتى خَلَص/ الخالص الصافي من القذى والكدر فهو فعيل بمعنى مفعول. والسَلسَل والسَلْسَال - بالفتح، وكتُماضر: الماءُ العذْب الصافي، من ذلك. قال [في ل]: إذا شُرِب تسلسل في الحَلْق وسَهُل دخولُه فيه. وسلسبيلٌ: في غاية السلاسة فينْسَلّ في حُلوقهم "وأقول إن السلسبيل فيه - زيادة على غاية العذوبة والسلاسة والصفاء - أنه يُروِي شاربه ويغذوه فلا يعطش بعده - أي من البلال، [انظر: بلل]. وبهذا يتميز السلسبيل على غيره، فكم من صاف لا يُرْوى شاربه ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٨]. وفي ضوء هذا التحليل اللغوي والصوتي للسلسبيل، يتضح أن زعم تعريبه عن الفارسية كما جمع السيوطي في [المتوكِّليّ] لا سند له؛ فهي بأصواتها وبمعناها قريبة جدًّا من السَليل والسَّلْسل، وقد سبقا، وفيها من الزيادة ما يقابل صوتَ الباء الذي زادته.
والذي في القرآن من التركيب: (التسلُّل)، و (السُلالة)، و (السِلْسلة)،
стр. 1047
و (السلسبيل). وقد ذكرناهن.
• (سلو/ سلى):
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]
"اسْتَلَتْ الشاةُ: سَمِنت (ذُكرت في التركيبين الواوي واليائي). والسُلْوانة "بالضم: العسل، كالسَلوى " [ق].
° المعنى المحوري احتواء الشيء في أثنائه على ما له قوةٌ خاصة وفيه غَنَاء وكفاية: كالسمَن للشاة، فالشحم مصدر الطاقة لها ولآكل لحمها (ينظر الطِرْق، بالكسر، في [ل طرق] وفيه غناء لهما. وكذلك العسل إدام كامل يُغني عن غيره. ومنه: "أَسْلَى القومُ: أمِنُوا السبع " [ق] (لوجود حماية - مثلًا - تكفي أمر السبع). ومنه كذلك: "سَلَاه وسَلَا عنه: نسيه وذَهِل عن ذكره [تاج] (غَنِيَ عنه)، والسُلْوانة - بالضم: خَرَزة أو دواء تُؤخِّذ به المرأةُ رجلَها عمن عَشِقها؛ فيسلوها، أي يَغْنَي عنها.
و"السَلْوَى "في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ هى العسل. هذا هو المعروف في اللغة. أما تفسيره بالسُمَانَي فلا شاهد له إلا ما أوردوه.
وإني لتَعْرُونِي لذِكْرَاك هِزَّةٌ ... كما انتفَضَ السَلْواةُ بَلَّلَه القَطْر
وهو من شعر أبي صخر الهذلي. وقد استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك، والقطر، وشذور الذهب، وابن عقيل في شرحه للألفية. وهو فيها كلها (١): العُصْفُور - بدل السلواة؛ فلا شاهد في البيت على تفسير السَلْوَى
стр. 1048
بالسُمَانَي. وتأمل قول ابن دريد: "قال المفسرون: السلوى: السُمَاني - والسلوى عند العرب العَسَل ". وقول الأزهري: "السلوى طائر وهو في غير القرآن العسل ". وقول ابن سيده: السلوى: العَسَل " [ل سلو] وواضح أن اللغويين هنا ينكرون أن تكون كلمة سلوى تعني طائر السُمانَي، لكنهم يسلمون للمفسرين بما يفسرون به، وبخاصة إزاء رواياتهم الكثيرة في ذلك (١) كما أن اللغويين يعرفون أن السلوى هو عند العرب العسل. وانطباق الأصل على العسل ماديًّا واضح. وإذا كان التِيه هو سيناء - كما في التاريخ وجاءت به روايات تفسيرية (٢) فإنها جَبَلية، والجبال من مساكن النحل ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]. وقد قال أمية بن أبي الصلت في قصيدة له في القصة (٣): (عَسَلًا ناطفًا.) "وإن كانوا عرضوه تفسيرًا للمَنّ لا للسلوى. أما انطباق السَلْوى على السُمَانَي، فلا يبحث عنه إزاء إنكار أهل اللغة هذا المعنى صراحة، لأن القرآن عربي. [وانظر: قر ١/ ٤٥٨]. ولا ينبغي أن ننسى أن بني إسرائيل كانوا في التيه عقوبة لهم لتمردهم على الله ورسوله إليهم فيكفيهم ما يقوتهم: الكمأة والعسل.
هذا، والاستعمال الذي ذكر في تركيب "سلى "دون "سلو "هو: السَلَى: - بالقصر: الجِلْدة التي يكون فيها الولد من الناس والمواشي ". أي حين يولد. وتحقُّق المعنى المذكور في "سلو "هنا أيضًا واضح. وكأن الصيغة هنا للفاعلية (فَعَل - بالتحريك) فتلك الجلدة تحتوي الولد.
стр. 1049
• (سول):
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣]
"الأَسْوَل من السحاب: الذي في أسفله استرخاء ولُهدْبه إسبال. دلو سَوْلاء - بالفتح: ضخمة. قال: (سَوْلاْءُ مَسْكُ فارض نَهِيِّ) (مَسْك أي جلد، فارض أي بقرة كبيرة. نَهِيّ بالغة الكبر). "والسَوَل - محركة، والتسوُّل: استرخاء البطن/ استرخاء ما تحت السرة من البطن ".
° المعنى المحوري استرخاء بعض الشيء وتدلِّيه للينه مع احتوائه ثقيلًا: كسَوَلِ البطن، وكالدَلو، والسحاب الموصوف. ومنه: "سَوَّلَتْ له نفسه أمرًا - فُسِّر بزَيَّنَتْ له نفسه " (١) ومال ابن فارس وما في [ل] إلى أن الفعل مأخوذ من السُول - بالضم: الأُمْنِيَة - مخففة من السُؤْل المهموزة. وفسِّرت في [الوسيط] بالتحبيب والتسهيل. وبالنظر إلى الأصل الذي أصّلناه أقول إن اللفظ مأخوذ مما هنا - أي ليس من المهموزة، وأنه مبني على ما في الأصل من ثِقَل في الشيء (يجعله يسترخي)؛ فمعنى سوّلت: رجَّحت، أو عدّلت، أي جعلت ذلك عَدْلًا وحقًّا - كما أن العدالة أُخِذت من مُثاقلة العِدْل - بالكسر، وهو الثِقْل الذي له مقابل يثاقله فيوازنه [انظر: عدل]. ولذلك قالوا: "أنا سَويلك في هذا الأمر، أي عديلك ". فكذلك "سَوَّلَت: عَدَّلت "، والأصل ثَاقَلَتْ ووازَنَتْ، أي جعلته متوازنًا، أي عدلًا لا ظلم فيه. ثم إن النفس هكذا تفعل في مثل ما نحن بصدده،
стр. 1050
تقول هو يستحق كذا. وكذا قال إخوة يوسف: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] فاتهموا أباهم، ثم فعلوا ما ظنوه عدلًا لا ضلالًا، فقال أبوهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣]. وكذلك في المرة الأُخْرى هم الدين حكموا مسبَّقًا بشأن صُواع الملك، و ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] فهذا كان عدلًا عندهم. وقال أبوهم مرة ثانية: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣] أي صوّرته لكم عدلًا. فهذا تحرير أصل تفسيرهم "سَوّلت "بـ "زَيّنت "أي جعلته عَدْلًا لا انحراف فيه. وهذا أحكم مما في [بحر ٥/ ٢٧٨, ٢٩٠، ٨/ ٨٢] وليس في القرآن من التركيب إلا (سوّل له) فسرت بـ: زين له.
• (سيل):
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]
جاء في المصباح "السَيْل: معروف، وجمعه سيول، وهو مصدر في الأصل من سال الماء .. سيْلًا وسيَلانًا - بالتحريك: إذا طَغَى وجَرَى، ثم غَلب (السيلُ) في المجْتَمِع من (ماء) المطر الجاري في الأودية ". وفي [ل]: "السيل: الماء الكثير الجاري ".
° المعنى المحوري تسبُّب المائع بغزارة وفيضان من كثرته فيتجاوز امتدادُه حيّزَه المحدود: كسيل الماء يجري متجاوزًا موضعه: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] ومنه إسالة الجواهر الصلبة، أي إذابتها بحيث تتميع مادتها؛ فتجرى متجاوزةً حدود صُورتها ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢].
стр. 1051
ومن الامتداد (اللازم للتسيب) قالوا: "غُرّة سائلة: وهي التي استطالت وعرُضت في الجَبْهة وسالت على أرنبة الأنف حتى رَثَمَتْها ". والسَيَال - كسحاب: شجر سَبِط الأغصان (والعامة تقول عن الشعر الذي تسترسل خصله على الجبهة أو الصدغ إنه سايح أو سايل وهما بمعنى).
ومن ماديّ ذلك الامتداد: "سِيلان السكَّين والسيف ونحوهما - بالكسر: سِنْخُ قائمهما الذي يُدْخَل في النِصَاب "، حيث يبدو بانسحابه مستدقًّا من القائم العريض، كأنه ممتد منه أو سائل منه.
وليس في القرآن من التركيب إلا (السيل) و (إسالة) عين القطر.
• (وسل):
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].
"الوسيلة: الوُصْلة/ ما يُتَوَصَّل به إلى الشيء.
إذا غَفَل الواشون عدنا لوَصْلنا ... وعاد التصابي بيننا والوسائل [طب]
° المعنى المحوري شيء يُتَلطف (١) به للوصول إلى مطلوب أو القرب منه. كاتصال المحبين بعضهم ببعض بتلطف واحتيال: تَخَفًّ أو نحوه. ومنه الوسيلة: ما يُتَوصل به إلى الشيء ويُتَقَرب به. والواسل: الطالب الذي يطلب، والراغب إلى الله، بمعنى أنه ذو وُصْلة (٢) اهـ. واستُعمل اللفظ في الساعي إلى تحصيل الاتصال (فالوسيلة سبب ممتد بين هذا وذاك، والتوسل اجتهاد في تحصيل ذلك)
стр. 1052
توسَّل إليه بكذا: تقرب إليه بحُرْمة آصرةٍ تَعْطِفُه عليه. وقد وَسَّل فلانٌ إلى الله وسيلة - ض: إذا عَمِل عملًا تقرب به إليه. فالوسيلة: الوُصْلة والقربى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
وفي الحديث: "اللهم آت محمدًا ﷺ الوسيلة "، قالوا: المراد بها القرب، أو الشفاعة، وقيل: منزلة من منازل الجنة. وفي قول رؤبة: (وأنت لا تَنْهَرُ حظًّا واسِلا) قالوا: أي واجبًا. ولعل الأدق أنه المتصل أو الجاري، وهذا يعطي معنى اللزوم، وهي لا تصل بذلك إلى ثقل المعنى الكلي للوجوب. وليس في المعاجم وكتب الغريب والتفسير ما يخرج أو يزيد [وانظر: قر ٦/ ١٥٩].
• (سأل):
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]
"سألتُه الشيءَ والدرهم: استعطينُه إياه وكذلك: سأل المحتاج الناس: طلب منهم الصدقة ".
° المعنى المحوري استخراج ما في حوزة أخرى أي طَلَبُ تحصيله بَدفْع أو حثّ: كما تخرج الصدقة والدرهم من المسئول. وما السؤال إلا حَثٌّ ودفع من أجل هذا، أي استخراج واستنفاذ. قال تعالى: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦]. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦]. أي مُسْتَخْرَجًا نافذًا. وفي [قر ١٣/ ٩] رد هذا إلى السؤال, وقيل واجبًا. ومثله يقال في ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥]. ومن الاستخراج طلبًا: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. ثم استُعمل السؤال في طلب الكشف عن الشيء، أو عن حاله في
стр. 1053
النفس، أي عن عملها به، أو ما صُنِع به ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] , ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. والسُؤْل: ما سألتَه (من عطية أو أُمنية) (فُعْل بمعنى مفعول) ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] قال الزجاج لأن كُلًّا يطلب القوت ويسأله [ل]. وفي [قر ١٥/ ٣٤٣] عن الفراء واختاره طب: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. وقال آخرون (وفيه جفاء): سواء للسائلين ولغير السائلين. (أخذوه من التسوية). والذي أراه أخذًا من الأصل: لمن سأل, أي طلب واجتهد في استخراج تلك الأقوات. وهذا نظام الحياة.
خلاصة: معنى هذا التركيب هو الطلب: إما طلب شيء أي تحصيله أو طلب علم أي معلومة. فالذي جاء منه بمعنى طلب تحصيل شيء هو ما كان على الصيغ الآتية (سأل، سألتكم، سألتم، سألتموه، سألتموهن، سألها، سألوا، أسألك، أسألكم، نسألك، يسألك [النساء: ١٥٣]، يسألكم، يسألكموها، يسأله، (اسألوا ... وليسألوا)، يسألون، اسألوا [النساء: ٣٢] (سألتموهن ... فاسألوهن)، سئلوا) تساءلون [ينظر قر ٥/ ٤]، سؤلك، سؤال, سائل، السائلين [البقرة: ١٧٧].
وما عدا ما ذكر فهو سؤال علم أي طلب معلومة عن شيء. و ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣] يجوز فيها الأمران: عذر يصرف العذاب، أو سؤال
стр. 1054
حساب، أو ارتسام، أو أطماعا. [ينظر قر ١١/ ٢٧٥، بحر ٦/ ٢٧٨، ٢٧٩].
• (سلب):
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]
"السَلَب - كسَبَب: ما يأخذه أحد القِرْنَين في الحرب من قِرْنه مما يكون منه له ثيابٌ وسلاحٌ ودابة. سَلَبَ فلانًا: جرّده من ثيابه وسلاحه. والسَلَب - محركة: لحاء شجر معروف باليمن تُعْمَل منه الحِبَال. وشَجَر سُلُب - بضمتين: لا ورق عليه ".
° المعنى المحوري نزع بقوة لما يعلق ممتدًّا بحيّز آخر، ويلزمه تجرد الحيز الآخر: كسلْب القِرْن ما علق به ممتدًّا (لأنه ملكه) وهو في وضع المقهور، وكالتجريد من اللحاء وهو ممتد تصنع منه الحبال. وكالشجر المجرد من الورق الذي شأنه أن يكتسى به. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾.
ومن التجردّ قولهم: "ما أحسن سُلْبتها، أي: جُردتها "- بالضم فيهما، و "انسلبتِ الناقةُ: أسرعت في سيرها " (انتزعت نفسها من بين ما يحيط بها من الركائب بقوة اندفاعًا، والسرعة امتداد).
ومن الامتداد (مع التجرد): "كل طريق ممتد فهو أسلوب ". و "فرس سَلِبُ القوائم - ككتف: طويلهما، ورمح سَلِب - ككتف: طويل. ويقال: رجل سَلِب اليدين بالضرب - ككتف ". (كما يقال: يده طويلة). وكذا: "ثور سَلِبُ الطعن بالقرن ".
وأما "سَلِبت المرأة (فرح) وتسلّبت وسَلّبَت - ض: لبست السِلاب -
стр. 1055
ككتاب: ثياب الحداد، فهو من التجرد في الأصل؛ إذ الحداد تجرُّد من الزينة. وتلحظ صيغة المطاوعة.
• (سلح):
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]
"السلاح - ككتاب: اسم جامع لآلة الحرب، وخُصَّ به ما كان من الحديد، ويطلق على السيف وحده. والإسْليح: شجرة تغزُر عليها الإبل ".
° المعنى المحوري نفاذ بحدّة وامتداد: كالسيف يُنفَذ به في بدن العدو بامتداد. ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. وغزارة اللبن نفاذٌ بقوة وتوالٍ. ومنه: "سَلَح (فتح): راث " (نفاذ ما في الجوف من مادة حادة الوقع على الحس).
• (سلخ):
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
"سَلَخَ الإهاب (نصر وفتح): كشطه. وسَلَخَت الحية (فتح - قاصر)، وكذا كل دابة تنسري من جلدتها كاليُسْروع. السِلْخ - بالكسر: الجلد. وشاة سليخ: كُشط عنها جلدُها لا يزال ذلك اسمَها حتي يؤكلَ منها. والسَليخةُ: قضيب القوس إذا جُرَّدَت من لحائها ".
° المعنى المحوري نَزْع ما هو ملتصق محيط بظاهر الشيء فينكشف الشيء: كسلخ الجلد عن الشاة، وتجريد قضيب القوس من نحو القِشر. ومنه: "المِسْلاخ: النخلة التي ينتثر بُسْرها وهو أخضر ".
ومن مجازه: ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] ,