البُرود ". وكذلك قالوا: "السُدوس - بضم السين وفتحها: الطَيْلَسان الأخضر (والطَيْلَسان والطيْلَس ضرب من الأكسية. زاد في هامش اللسان أي أَسود واستشهد بقول المُرار: (فما أرى غيرَ المطى وظُلمةٍ كالطيلس).
"ويقال لكل ثوب أخضر سَدُوس ". وأخيرًا نعرف أن السَدَى هو الخيوط التي تمد طولًا عند حياكة الثوب وهو خلافُ اللُحْمة من الثوب فهو من أجزاء الثياب أيضًا. فلا غرابة في ضوء هذا أن يعبّر التركيب عربيًّا عن جنس من الثياب رقيقٍ أخضر أو أسود.
وثانيًا: قال في [ل سبل]: "السَبُّولة - كسبورة وتضم، وفي ق بالتخفيف) والسُنْبُلة (لاحظ وجود النون): الزَرْعة المائلة ". ثم قال: "والسَبَل: السُنْبل والنون زائدة. وبتطبيق مثل هذا في لفظ سندس نجد لفظة السندس تعود إلى السَدوس: الطيلسان الأخضر. فبالتنظير للتركيب اشتقاقيًّا نجد أنه القول بعروبته متوجه.
• (سنم):
﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧].
"سَنام الناقة والبعير - كسحاب: أعلى ظهوهما ".
° المعنى المحوري ارتفاع الناتئ في أعلى الشيء مُحَدَّبًا بضمِّه مادةً لطيفة: كسَنام الجمل ضخمًا ناتئًا بسبب كثرة ما فيه من شحم. ومنه: أَسْنَمَتْ النارُ (قاصر): عَظُم لهبها (اللهب لطيف ليس مادة كثيفة). والسَنَمة من النبات - بالتحريك: نَوْرُه (يكون في أعلاه وأطرافه وهو حَسَنُ المَرْأى لألوانه الزاهية). وسَنمَ الشيءُ (فرح): ارتفع على وجه الأرض. وسنَّمَ القبر - ض: رفعه وأعلاه
стр. 1087
عن وجه الأرض ولم يسطَّحه. وسَنَّم الوعاءَ: ملأه حتى صار فوقه كالسنام. والسَنيم: الشريف " (رِفْعَة) .. ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ فُسَّر في [قر ١٩/ ٢٦٦] بأنه شراب ينصبّ عليهم من عُلْو، وهو أشرف شراب في الجنة. وقيل عين تجري في الهواء بقدرة الله تعالى فتنصبّ في أوانيهم. وهناك رواية عن ابن عباس بالتفويض. فإذا تجاوزنا تحقيق عين المراد إلى ما يحتمله معنى الاسم أمكن أن يكون شرابًا لطيفًا قوي الأثر يُمزج به الرحيق. ليسُور في كل أقطار البَدَن بلذّته، كما قالوا: سَار الشرابُ في رأسه: دار وارتفع، وسَوْرةُ الشراب: حِدَّته/ تناوله للرأس " (ارتفاع). فهذا في وصف شراب أيضًا، كالخمر، فإذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]- أمكن أن نقارن بين هذه الأنواع من المزاج، مع تذكر أن المَزْجَ بالتسنيم والكافور والزنجبيل صُرِّحَ بأنه شراب المقربين والأبرار، وأنه ليس للتسنيم مسمى دنيوي معروف. فالمقصود التقريب.
• (سنه):
﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
"أرض بني فلان سَنةٌ، أي مجدبة. بلادٌ سِنينٌ: جَدْبة. سانهت النخلة: إذا حملتْ سنة ولم تحمل أخرى. سنة سَنهاء: لا نبات بها ولا مطر. سَنِه الطعامُ والشرابُ (تعب): تغير. السَنَهُ: التكرُّج " (تكرَّج الخبز: فسد وعلاه خضرة).
° المعنى المحوري امتداد مع خلو من الخير أو فسادٍ: كالسنة التي لا مطر فيها، والأرض التي لا خصوبة فيها، والنخلة التي ينقطع ثمرها سنة، والطعام والشراب الذي يتغير إلى فساد، ويكون ذلك عادة من بقائهما زمنًا ﴿فَانْظُرْ إِلَى
стр. 1088
طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
وقد اختلف اللغويون في لام كلمة (سنة): أهي هاء أم واو؟ ولكنهم اتفقوا على أن اللام حُذفت. قال في [ل]: "والسنة: الأزمة. وأصل السنة سَنْهَةٌ، بوزن جَبْهة، فحذفت لامها ونقلت حركتها إلى النون فبقيت سَنَة، لأنها من سَنَهتْ النخلة وتَسَنّهَتْ إذا أتى عليها السِنُون ". وقد جُمعت السنة على سَنَهات وصُغرت على سُنَيْهة.
وعلى هذا فُسِّرَت السنين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]- بالقحوط وهذا هو اللفظ الوحيد من بين مفردات التركيب القرآنية - الذي يقضي السياق بكونه بمعنى القحط. والمقصود ضرورة (زمن القحط)، لأن القحط لا يتبين إلا بمرور فصل من العام يُخلف فيه المطر والزرع معتاد حصولهما. فكلمة سنة معناها (زمن القحط)، ثم أطلق لفظ سنة عن قيد القحط واستُعمل بمعنى الزمن ثم الحول فحسب ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. وسائر مفردات التركيب القرآنية هي السنة بمعنى الحول، وجمعها.
ويتأتى صرفيًّا أن تكون واوية اللام وأن أصلها (سَنَوة)، بوزن ثمرة، ثم حُذفت الواو، كما حذفت الهاء، فإنها تجمع أيضًا على سنوات، وتصغر (أيضًا) على سُنيّة، وقالوا: تسَّنيتُ عنده وتسنَّهت أي أقمت عنده سنة، ويقال استأجرنا مسانهة ومساناة. ومأخذ كلمة سنة حيئذ من (سنو) أن السنة زمن ينفذ جديدًا بلطف من باطن الدهر أو الغيب - كما هو معنى تركيب (سنو) - ويكون
стр. 1089
تخصيص كلمة السنة بالجدب - كما فسرت في الآية - أنها بدأت من باب حذف الصفة ثم اشتهرت على ذلك.
° معنى الفصل المعجمي (سن): هو الامتداد من (أو فى) أثناء (أي نفاذها) مع حدّة أو دقة كما يتمثل في السن العظمية والسنان - في (سنن)، وفي سنْو الدلو من البئر وسَنْو السحاب المطر - في (سنو/ سنى)، وفي نفاذ خدر الوسن إلى الرأس - في (وسن) وكذلك نفاذ بخار البئر الآسنة إلى الرأس - في (أسن) وفي امتداد الصلابة ارتفاعا أو في أثناء السَنَد الجبل والسندان الحديدي - في (سند)، وفي امتداد الشحم وهو حادّ الأثر - كذلك في سنام الجمل في (سنم) وفي جفاف بطن الأرض والبلاد وعدم خصوبتها - في (سنه) أي امتدادها على فراغ.
السين والهاء وما يثلثهما
• (سهو):
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]
"السَهْوة - بالفتح: الأرض اللينة التربة، والكُوَّة بين الدارين، وبيتٌ على الماء (أي قريب من البئر) يستظلون به تَنْصُبه الأعراب، وبيت (داخل البيت) صغير منحدر في الأرض، سَمكُه مرتفع في السماء، شبيه بالخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع، والكُوَّة في الحائط، والحَجَلة أو شِبْهُ الحَجَلة (= الكِلّة = الناموسية المنصوبة)، وسترة تكون قدام فناء البيت، ربما أحاطت بالبيت شِبْهَ سور ".
° المعنى المحوري فراغ نافذ بين أشياء أو أثناء (١): كالكُوَّة بين الدارين
стр. 1090
ولين التربة إنما هو من تسيُّبها وتفكُّكها بفراغ ما بين ذراتها، وكالظُلة، وسهوة البيت؛ فإنما هي فراغات محاطة كأنها متخلَّلة.
ومن ذلك: "السَهْو والسَهْوة: نسيان الشيء والغفلة عنه (يذهب من خلال الذهن ولا يضبطه الذهن أو يُمسكه؛ فتخلو منه أثناؤه) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١٠, ١١]. وفي ضوء ما سبق يمكن أن نقول إن في السهو إهمالًا وتراخيًا في ضبط المسهوّ عنه وإمساكه في القلب؛ ولهذا فالساهي مسئول. وذم الساهين في الآيتين يحقق هذه الملاحظة. قال [قر في الآية الأولى ١٧/ ٣٤] أي لاهون غافلون. وأورد في الثانية [٢٠/ ٢١٢] حديثًا عن النبي ﷺ عن الساهين عن الصلاة أنهم "الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها تهاونًا بها ". وقال ابن الأثير: "السهو في الشيء: تَرْكه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم " [ل] (ولعله يقصد العلم به مع أمور أخرى تشغله عنه) ومردّ هذا الفرق إلى الحرفين "في "و "عن ".
стр. 1091
ومن الأصل: "السَهْوة من الإبل: الليّنة السير الوطيئة " (لينة كأن أثناءها إسفنجية). "والمساهاة: حسن المخالقة والعشرة. المساهاة في العشرة: ترك الاستقصاء " (أي ترك المحاسبة على أشياء عابرة كأنه يسهو عنها. والترك تخلية؛ فهو من باب الفراغ).
وأرى أن قولهم: "حَمَلَت المرأة سهوًا، أي حَبِلَتْ على حيض "، هو من التجاوز والتخطي الذي حدث والتعبير مخفف.
أما "السَهوة: الصخرة التي يقوم عليها الساقي في أعلى رأس البئر " (وهي طائية ليست من اللغة العامة) فيمكن أن تكون منقولة عن البيت الذي على الماء، أو تكون سُمّيت كذلك من كونها على رأس البئر (التي هي فجوة عظيمة عميقة) فكأنما لازمة لها.
• (سهر):
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَة﴾ [النازعات: ١٣, ١٤]
"ساهور عين الماء: أصلها ومنبع مائها. عين ساهرة: جارية. وناقة ساهرة العِرْق، وهو طول حَفْلِها وكثرةُ لبنها. والأسهران: عرقان .. للمَنِيّ، وعرقان في باطن أنف الحمار يسيلان دمًا أو ماء عند اغتلامه، وقيل: عرقان في العين ".
° المعنى المحوري استمرار عمل الشيء أو ما يتأتى منه بالنشاط المعتاد لحدّته: كجريان الماء من العين، واللبن من الناقة، والماء والدم من عِرْقَيْ الحمار. ومن ذلك: السهّر: عدم النوم "فهو استمرار لحال اليقظة ونشاط العين والبدن "رجل سَهّار: لا يغلبه النوم " (١).
стр. 1092
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ في [قر ١٩/ ١٩٩ - ٢٠٠] نحو عشرة أقوال: ثمانية منها تقول إنها أرض، وتختلف في وصفها والمراد بها. منها: أنها الفلاة، ووجه الأرض، وأرض بيضاء مستوية (والمؤدى متقارب لكن الأرض التي نعرفها مفعمة بالنشاط). والزمخشري في تفسيره [٣/ ٣٠٩] على هذا الرأي. وهو يتفق مع الأصل، والسياق يقود إلى أنها أرض المحشر كأرضنا، ونشاطها ما يجريه الله فيها حينئذ، وكفى بالمحشورين عليها شغلالها. وقول أبي كَبير الهذليّ:
يرتَدْنَ ساهرةً كأن جَمِيمها ... وعَميمها أسدافُ ليلٍ مظلمِ
حيث وصفها بأن لها جَميما - وهو النبت الكثير المجتمع الذي يغطي الأرض، وعميمًا - وهو النبت الطويل الملتف ينفي كون الساهرة فلاة، بل هي الأرض بنشاطها. ثم يبدلها الله إذا حشر الناس عليها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
• (سهل):
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ [الأعراف: ٧٤]
"السِهْل والسِهْلة - بالكسر: تراب كالرمل يجيء به الماء، والسَهْل من الأرض - بالفتح: نقيض الحَزْن، فهي المنخفضة المنبسطة، وهو من الأسماء التي أُجريت مجرى الظروف. وسَهْل الخدين: سائلهما غير مرتفع الوجنتين ".
° المعنى المحوري تسيُّب جسم الشيء ذرات وتميزُه عن غيره بذلك مع عدم تراكمه مرتفعًا (فلا هو صلب متماسك ولا هو متراكم): كذلك التراب، وتميزه أنه خلاف المعتاد؛ لأن مثله يتماسك. وكتلك الأرض، وكالخدين السهلين غير الناتئين كأنما لا عظم تحتهما. ومنه: إسهال البطن (حيث يكون المتجمع فيها
стр. 1093
متسيبًا غير شديد).
وتسيُّب جسم الشيء بالصفة المذكورة يُخْلِي التعامل معه جَسًّا أو جمعًا أو اعتمادًا إلخ من الجساوة والعوائق. ومن هنا أُخذ معنى السهولة: "سهّل الله الأمر - ض: حَمَل مئونته وخفّف عنا فيه. والتسهيل: التيسير ".
• (سهم):
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]
"سهم البيت: جائزهُ " (= عود خشبي متين طويل يُمدّ فوق الجدارين في وسط الحجرة، لِتُمَدّ العيدان القصيرة عليه). والسَهْم: القِدْح - بالكسر، وهو الذي يُرمى به عن القوس، ويقارَع به، ويُلعب به في الميسر. والسُهام - كغراب وسَحاب: الضُمْر وتغير اللون وذبول الشفتين. "سَهَم (كفتح وكرم والمصدر كغراب وقعود)، وسُهِم - للمفعول: ضَمُر ".
° المعنى المحوري ضمور الشيء ممتدًّا شديدًا (ذهبت رطوبته): كجائز البيت، وكالسهم، والضامر. ومن "السهم: القِدْح ""المساهمةُ والإسهام: الإقراع "، لأنهم كانوا يُجْرون القرعة بالسهام ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.
وقد كانوا يستعملون السهام في الميسر (انظر يسر) ثم سُمَّيَ ما يفوز به الفالِجُ: سهمَه، ثم كثُر حتى سُمي كل نصيب سَهْمًا [ل]؛ فيقال: سَهْم فلان، أي نصيبه. وقد كان الاقتراع بالسهام شائعًا، كما في الميسر، وكما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤، وقر ٤/ ٨٦ - ٨٧].
ومن "السَهْم القِدْح: "بُرْدٌ مُسَهَّم " (: فيه صور سهام). والسهم في المساحة
стр. 1094
ستة أذرع - كأنه في الأصل رميةُ سهمٍ، ثم رُبِّع في المساحة ".
° معنى الفصل المعجمي (سه): هو الفراغ المُتَخَلّل كما في السهوة الكوة والأرض اللينة التربة كلما شرحناها في (سهو)، وكما في النبع الدائم للماء من ساهور الماء - في (سهر) والماء مادة مائعة تقارب الفراغ أو الهواء في الخفة، وكما في السِهْل والسِهْلة بالكسر: التراب الذي كالرمل حيث يتخلل ذراتِه فراغٌ فيجعل مادته متسيبة كذلك، وكالسهم القِدْح حيث يُتَوَخَّى فيه أن يكون دقيقًا نحيلًا لينفذ من حلق الدروع إذا رُمِىَ به. ونحوله هذا من تخفيف مادته باقتطاع أَغْلَظه أى إقلال مادته فكأنه أُخْلِى وأُفْرِغَ من الغِلَظ، ومثل هذا السُهام: الضُمْر وتغير اللون فهو خُلُوُّ من قدر كبير من المادة - في (سهم).
стр. 1095
باب الشين
التراكيب الشينية
• (شوى):
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]
"الشَوَى - بالفتح مقصورًا: اليدان والرجلان وأطرافُ الأصابع وقِحْفُ الرأس، ورُذَالُ الإبلِ والغنم وصغارُها/ رُذَال المال ".
° المعنى المحوري أطراف الشيء، وحواشيه الظاهرة المنتشرة حوله - كاليدين إلخ للبدن ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]، وكتلك الصغار لجماعتها. والدقة بمعنى القلة تلزم من كون الشيء طرفًا أو حاشية لشيء. ومنه "الشُوَاية - الشين مثلثة: الشيءُ الصغير من الشيء الكبير كالقطعة من الشاة، وبقيةُ قوم أو مال هَلَك، كالشَوية - كبقيّة، ومن الإبل والغنم: رَدِيُّها، ومن الخبز: القُرْصُ منه، وكفَتًى: الهيّن من الأمر "كل شيء شَوَى ما سَلِمَ لك دينُك: أي هيّن ". وأشوى من عَشائه ومن الشيء: أَبْقَى (قليلًا)، وأَشْوَى الرامي: أخطأ مقتلَ الرمية " (أي فأصاب شواها فقط).
ومن ذلك المعنى المحوري: "شَوَيْتُ اللحم فانشوى " (وضعته على النار فأحرقت شَوَاه، أي ظاهره وحاشيته فقط، كما هي الحال عند الشيّ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ "وأشْوَى القمحُ: أَفْرَكَ وصَلَح أن يُشْوَى ".
стр. 1096
• (وشى):
﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]
"الحائك واشٍ يَشِي الثوبَ وَشْيًا أي نَسْجًا وتأليفًا. الوشْىُ في اللون خَلْطُ لَوْن بلون. الشِيَةُ: بياض في سواد أو سواد في بياض/ كل لون يخالف معظمَ لون الفرس وغيره. الوَشَاء: تناسل المال وكثرته. أوشت الأرض خرج أول نبتها ".
° المعنى المحوري زيادة دقيقة تنشأ من الشيء لطيفة لاصقة به، كبقع اللون التي تخالف لونَ جِلْد الفرس وغيره. ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ وكالأولاد الصغيرة للبهائم، وكالنبات أولَ ظهوره من الأرض نُكَتًا خضراء على وجه الأرض السوداء. ومن ذلك "تَوَشَّى فيه الشيبُ: ظهر "فهو نكت بياض في الشعر الأسود.
ومن مادي نشوء الدقاق من الشيء - أيضًا: "الواشيةُ: الكثيرة الولد - يقال ذلك في كل ما يلد. وَشَى بنو فلان: كثروا. ما وَشَتْ هذه الماشية عندي بشيء: ما ولدت ". ثم قالوا "أوشى المَعْدِن (وهو ما نسميه المَنْجَم): وُجد فيه شيء يسير من ذهب، والنخلةُ: خرج أول رُطَبها، والرجلُ: كثرت ماشيته ".
ومن مادّي ذلك أيضًا قالوا: "ائتشى العظمُ: جَبَر/ بَرَأَ من كَسْر كان به "فجبور كَسْر العظم يحدث بنُمُوّ (زيادة) فيه وفي مخّه وفي اللحم المحيط به. وقالوا "أوشَى الشيءَ: استخرجه برفق. استوْشَى الحديث: استخرجه بالبَحْث والمسألة. أَوْشَى: استخرج معنَى كلام أو شعر. أوشَى الفرسَ: أخذ ما عنده من الجري/ استخرج جَرْيه برَكْضِه/ بضَرْبِه جنبَه بَعقِبه. وكلّ ما دَعَوتَه وحَرّكتَه لترسله فقد استوشيته. أوْشاه: استحثّه بمِحْجَن أو كِلاب "فالاستخراج
стр. 1097
استنشاء. وفي الركض والضرب يكون اللطف هو كون الخارج طاقة خفية مختزنة).
وأخيرًا فمن نشوء اللطيف "أوشَي الشيءَ: عَلِمَه "من حيث إن العلم حصول صورة في الذهن مأخوذة من الشيء. لكنها خفية في الذهن.
ومن مجاز الأصل ذلك الاستعمال المشهور "وَشَي الكَذِبَ والحديثَ: رَقَمَه وصَوَّره. النمام يشي الكذب: يؤلفه ويلونه ويزينه. وشي به و شيًا ووشاية: نَمَّ به. وشى به إلى السلطان: سعى "فالوشاية فيها إضافات مكذوبة لنسج الكلام وتلفيقه وفيها تزيين لينطلي على المكذوب له. ويلحظ أن النمّ (الإيصال) ليس أصيلًا هنا، ولكنه مطلوب الواشي عادة.
• (شيأ):
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]
"المُشَيَّأ: مثل المؤبَّن. - كمعظَّم فيهما والأُبَنُ: العُقَدُ في العُود والعصا) والمشيَّأُ الخَلْقِ: المختلِفُ الخَلْق المُخَبَّلُه/ القبيحُ. شَيَّأ الله وجهه - ضْ: قَبَّحه ".
° المعنى المحوري نتوء متميزٍ صُلْب في ظاهر الشيءِ: كأُبَن العُود تَنْشأ منه منتبرة على ظاهره صُلبة. وكغِلَظ الملامح [انظر: قبح، حيث القبح أصله غِلَظ وتعقُّد في الملامح، ثم هم يرَوْن الأَسالة والرقَّةَ والنعومة من الجمال].
ويزيد ما سبق وضوحًا قول الجَعْدِيّ:
زَفيرَ المُتِمّ بالمشيَّأ طَرَّقَتْ ... بكاهله فمَا يَرِيمُ المَلاقيا
فهو يصف حالة ولادة المشَيَّأ من سَبيل أُمّه فهي تزفر أشد الزفير ليَخْرج، ولكنه لا يخرج ولا يَعْبُر حَلْقَة السّبِيل لعظم كاهله، وهو ما بين الكتفين، وعبّر به
стр. 1098
هنا عن الكتفين.
وتعقُّد الشيء لدرجة الصلابة شِدَّةٌ يتأتّى منها معنى القوة والقهر (القهر عَصْر وضغط من باب التعقد) ويلمح هذا في قوله عمرو بن كلثوم:
بأيّ مَشيئة عمروَ بنَ هندٍ ... تطيعُ بنا الوشاة وتزدرينا
فأنت تحس كأنه يريد أن يقول بأي قوة أو سلطة قهر، وكأنه ينفي سلطته عليهم.
فـ "الشيء "هو "الكائن "أو "الجسم "، أو "الموجود "بعبارة الراغب (١). وبذا فهي صالحة أن يعبَّر بها عن أي كائن. وبعبارة سيبويه لفظ "يقع على كل ما أُخِبرَ عنه "وهو "أعم العامّ ".
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]. أيْ: أيّ كائن أو موجود أكبر شهادة. وتركها طب كما هي [١١/ ٢٨٩]، وقال الزمخشري [١/ ٤٩٩]: أراد: قل: أيُّ شهيد، وقال [قر ٦/ ٣٩٩]: إن الشيءَ هنا واقع موقع اسم الله تعالى .. "ولله المثل الأعلى، وإنما يخاطبنا سبحانه على قدر عقولنا.
ومن ذلك الأصل "شاء يشاء: أراد " (٢) (اجتمعت نفسُه على الأمر أو تجمعت الرغبة في نفسه، كما يقال في قريب من هذا: (عزم) على كذا (والعزم شَدٌّ)، وكذا (عقد) النية على كذا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ
стр. 1099
يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩] [انظر تعليق قر ١٩/ ٢٤٣].
والتركيب رغم غزارة مفرداته التي في القرآن ليس فيه ما يخرج عن الفعل (شاء) ماضيه ومضارعه بمعنى (أراد)، وكلمة (شيء) وجمعها (أشياء).
الشين والباء وما يثلثهما
• (شبب):
"الشابّ: الفَتى. رجل شابّ وامرأة شابّة. والشَبَبُ - محركة: المُسِنّ من ثيران الوحش الذي انتهى أسنانُه وشَابُه (أي تَمّ). والشَبُّ - بالفتح: حَجَرٌ يُدْبَغ به الجلود. وشَبَّ النار: أوقدها. وهي تَشِبّ - بالكسر. وشَبَّةُ النار: اشتعالُها. والشَبُوب وككتاب: ما يوقَد به النار ".
° المعنى المحوري تجمُّع قوة الشيء وحدّتِه (١). كتمام بدن الشابِّ والشبَبِ وقوتهما، وكاشتعال النار بعد بدئها، فذلك غاية حدّتها وقوتها. والشَبّ (الحجرَ
стр. 1100
المعروف) تتركز فيه مادة حادّة تعرف في دبغ الجلد به فيزيل رطوبة باطنه وعَفَنه، ويجعله ملتئمًا جافًّا صالحًا للانتفاع به.
• (شوب):
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]
"الشَوْب -بالفتح: ما شُبْتَ بِه (العسلَ مثلًا) من ماء ولبن. والشِيَاب - ككتاب: اسم ما يُمزَج. والشوائب (ج شائبة): الأقذار والأدناس. شاب اللبنَ وغيره شَوْبا ".
° المعنى المحوري خلط شيء (غريب) عن آخر به، بحيث ينتشر في أثنانه متلازمَين: كاللبن في العسل. ومن ذلك الشوب لكن بما يستعاذ منه ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي على ما في بطونهم من الزقوم. ومنه: "شابَ: خدع، وكذَبَ (كما يقال: كلام فه دَخَل أو مدخول) وشاب عنه: دافع " (دخل بين الخصمين أو في الأمر للدفاع عنه).
• (شيب):
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]
"الشَيْب: بياضُ الشعر إذ يخالط سوادَه. شاب يشيب ".
° المعنى المحوري تحول سواد شعر الرأس إلى بياض تأثرًا بضعف الشيخوخة. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] كناية عن شدة ذلك اليوم، وقيل تشيب رءوسهم حقيقة من شدة الهول [بحر ٨/ ٣٥٧] أي أنه يشيّب الولدان من هوله. وهو
стр. 1101
حقيقة الاول. وهناك من قال إن الأطفال يبلغون في أوان الثيخوخة من طوله. وأقول إنه ليس يوم نمو. وهناك تخصيصات أخرى لا وجه لها.
• (شبه):
﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]
"الشِبْه -بالكسر، وبالتحريك: ضرب من النُحاس يُلقَى عليه (أي يخلط به) دَوَاءٌ فيه صفرة. والشبه -محركة: شجرة كثيرة الثوك تشبه السَمُرة - كذلك الضرب من النحاس يشبه الذهب ".
° المعنى المحوري مقاربةٌ في الشكل والملامح الظاهرية بين شيء وآخر: كذلك الضرب من النحاس يشبه الذهب، وكتلك الشجرة التي تشبه السمرة ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة ٢٥] متفق المنظر مختلف الطعوم. [بحر ٢/ ٣٩٦]. وبالشبه الظاهري يفسر كل ما لا نذكره هنا. ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان في الكفر [قر ٢/ ٩٢]، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] ألقى شبهه على غيره [قر ٤/ ١٠٠، ٦/ ٩]. فهذا في التشابه المقصود به معناه الحقيقي. ومنه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] فالمعنى أنه يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضًا [ينظر عن الآيتين قر ١٠/ ١٢ وفيه أمثلة].
وكذا قولهم "الشِبْه -بالكسر، وبالتحريك- والشَبِيه: المِثْل "والتعبير بالمماثلة فيه تجاوز، والمقصود التقارب الشديد في الملامح والسمات الظاهرية فيهما فحسب.
стр. 1102
أما في قوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فالمقصود لازم التشابه وهو الالتباس وعدم التمييز وعدم الفهم [ينظر بحر ٢/ ٣٩٦] وهذا يستدعي البحث عن معناه تفهما. لكن بعضه غير قريب فيكون قضده تعنتا. مثل أ) ما استأثر اللَّه بعلمه كقيام الساعة وطلوع الشمس من مغربها ب) المراد بفواتح السور (ألم، المر) إلخ. جـ) ما خفيت علته كأعداد الصلوات واختصاص الصوم برمضان دون شعبان مثلا. د) ما لا سبيل إلى معرفته كالوجه واليد بالنسبة للَّه والاستواء وسائر الكيفيات المجهولة. هـ) ما احتمل من التأويل أوجهًا. [ينظر بحر ٢/ ٣٩٦]. وليس في القرآن من التركيب ما يخرج عن معنى الشبه: التقارب في الشكل، أما المتشابه في [آل عمران ٧] فقد ذكرناه.
° معنى الفصل المعجمي (شب): هو تجمع (عن انتشار أو ضعف) مع تركز كما تتجمع قوة الشابّ والشَبَبَ -في (شبب)، وكما يخالط الشيء غيره فيمتزج به- في (شوب)، وكما ينتشر الشعر الأبيض في مكان الأسود وخلاله -في (شيب)، وكما يحمل الشيء مشابه من غيره تكثر وتنتشر فيه حتى يقال أنه مثله -في (شبه).
الشين والتاء وما يثلثهما
• (شتت):
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣]
"ثغر شَتِيت: مفرَّق مفلَّج ".
стр. 1103
° المعنى المحوري تفرق أفراد الشيء بمسافة واضحة بين كل منها والآخر (١) كالثغر المفلَّج. ومنه: "شتَّ شَعْبُهم (قاصر) وانشتَّ وتشتَّت: تفرق جمعهم " ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] (كلٌّ يشغله أمرُ نفسه، وإن جاوره غيره. أو على أحوال مختلفة في الصدور). ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] متفرقين، واحدهم شت [ل]. ومن التفرق يتأتى الاختلاف ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] (متفرقة ومختلفة). وشتان بينهما، و "شتان ما بين زيد وبين عمرو، وشتان ما بينهما: أي بَعُد ما بينهما. ومنه شتانَ ما زيدٌ وعمرو، أي: بَعُدَ ما بينهما.
• (شتوشتى):
﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢]
"الشَتَا - كفتى: الموضع الخَشِن. قال الأزهري: العرب تسمى القحط شتاء، لأن المجاعات أكثرُ ما تصيبهم في الشتاء إذا قلّ مطره واشتد برْده (٢) قال الحطيئة
стр. 1104
- فجعل الشتاء قحطًا:
إِذا نزل الشِتاءُ بدار قوم ... تجنب جارَ بيتهم الشتا
أراد بالشتاء المجاعة "اهـ. والعرب تجعل الشتاء مجاعة، لأن الناس يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع. . وبقال أَشْتَى القوم فهم مُشْتُون: إذا أصابتهم مجاعة ". وجاء في ل (صلب). . أن غالبَ الجدْب يكون في الشتاء.
° المعنى المحوري الجَدْبُ وهو جفاف وخلو من الخضرة والمرعى (ويلزمه التشتت). كالموضع الخشن، وكالحال في فصل الشتاء الذي صرحوا بأنه فصل الجدْب والمجاعة، ويصدق هذا قولُ طرفة: (نحن في المشتاة ندعو الجَفَلَى).
واختصاص الفصل الزمني المعروف باسم الشتاء جاء من أنه فَصْلُ الجَدْب وخلو الأرض من النبات والمرعى. وقد سموا شهري الشتاء الموافقين ديسمبر ويناير عند التسمية جُمَاديين، كما سمّوهما شِيبان ومِلْحان -بالكسر فيهما. "وهما شهرا قُماح، وهما أَشَدّا الشتاء بردًا؛ سُمِّيا بذلك (يعني شِيبان ومِلْحان) لبياض الأرض بما عليها من الصقيع " [المقاييس: شيب وينظر ل شيب، جمد، قمح] أي تشبيهًا ببياض الشيب والمِلْح. وفي [ل شهب] "سنة شهباء: كثيرة الثلج جَدْبة "وتأمل أيضًا قول [ل في شجر]: "فأما جِلُّ الشجر فعِظامه التي تبقي على الشتاء، وأما دِقُّ الشجر فتبقي له أَرُومة في الأرض في الشتاء وينبت في الربيع. والبقل لا يبقي له شيء في الشتاء، وإنما ينبت من الحِبة في الربيع "اهـ بتصرف ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، وفي التجارات [قر ٢٠/ ٢٠٥].
وفي [ل عن ابن الأثير] في تعليل جعل العرب الشتاء مجاعة أن الناس
стр. 1105
"يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع "في جن أن الأنب أنهم يتشتتون حينئذ لالتقاط ما قد يكون هنا أو هناك من كلأ لماشيتهم تقتات به. لا أن يلتزموا البيوت. وبه يُؤَؤَّل "الشَتْيان: جماعةُ الجراد، والخيل والركبان "حيث تكون متفرقة منتشرة رغم أنها جماعة -كما هو مشهور في وصف في الجراد، ويحمل الآخران عليه.
° معنى الفصل المعجمي (شت): هو التفرق كما في الثغر الشتيت المفلج الأسنان -في (شتت)، وكما في خلو الأرض من المرعن في فصل الشتاء -في (شتو) ويلزم عنه التفرق لطلب المرعى.
• (إنارة):
أ) لعله وضع مما ذكرناه في معالجة تركيب (شتو) أن فصل الشتاء عند العرب يتميز بالصقيع والبَرَد، والصقيع والبرد يحرقان أي يجففان ما يمكن أن يكون من الخضر على وجه الارض.
ب) فصول السنة عند العرب: الربيع الأول وهو عند العامة الخريف ويبدأ من ٣ سبتمبر (أيلول)، ثم الشتاء ويبدأ من ٣ ديسمبر كانون الأول، ثم الصيف وهو الربيع الآخر يبدأ من ٣ من مارس آذار ثم القيظ وهو عند العامة الصيف ويبدأ من ٤ يونيه حزيران. وأهل العراق يُمْطَرون في الشتاء كله ويُخْصِبون في الربيع الذي يتلو الشتاء، وأهل اليمن يُمْطَرون في القيظ ويخصون في الخريف الذي تسميه العرب الربيع الأول [ينظر ل ربع] ويلحظ أن تسميات الفصول عندنا توافق تسميات الفصول عند العراق.
стр. 1106
الشين والجيم وما يثلثهما
• (شجج):
"شجّ رأسه وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه، وشجّت السفينة البحر: خَرَقته وشقته ".
° المعنى المحوري فَتْح أو شَقٌّ في جِرْم غير صُلب (١): كشج الرأس والبحر.
• (شجر):
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]
"الشَجَر من النبات -محركة: ما قام على ساق. والشَجْر -بالفتح: مَفْتَح الفم ومَفْرَجه، ومن الرَحْل: ما بين الكَرَّين وهو الذي يلتهم ظهر البعير. (الرحْل كالبرذعة والشَجْر هو الفتحة التي بين جانبيها، والكرّ جانب من هذه الفتحة مغلف بجلد) والشَجْرة -بالفتح: النُقْطة الصغيرة في ذقن الغلام ".
° المعنى المحوري تفرع الشيء الملتئم أو المجتمع أي انفراجه إلى ناحيتين (أو أكثر) مع دوام على ذلك: كما يتفرع الشجر، وكشجْر الفم والرحْل، ونقطة ذقن الغلام ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. والدوام في شجر الرحْل
стр. 1107
والذقن واضح، وفي مفرج الفم أن فتحه يتكرر.
ومنه "شَجَر الشيءَ عن الشيء: نَحَّاء وجافاه " (فَتْح وفَصْل بينهما) "وإذا نزلت أغصانٌ أو ثوبٌ فرفعتَه وأَجْفَيتَه قلتَ شَجَرْتُه. وكل شيء اجتمع ثم فرّق بينه شيء فانفرق يقال له شُجِرَ -للمفعول، شَجَر بيتَه: عَمَده بعمود " (رفع السقف وجافاه عن أرض البيت وبيوت البادية من صوف أو وبر أو جلود.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] فسرها [طب ٨/ ٥١٨] بـ "ما اختلط بينهم من أمورهم فالتبسَ عليهم حُكْمُه اهـ. أقول كأن المعنى: في ما اختلفوا وتفرقت وتفرعت آراؤهم وتباينت اتجاهاتهم فيه. وليس في القرآن من التركيب إلا ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ و (الشجَر) ذلك النبات.
أما قولهم "اشتجرت الأصابع دخل بعضها في بعض، و "شجرناهم بالرماح: طعناهم بها حتى اشتبكت فيهم، وكل شيء يألف بعضه بعضًا فقد اشتبك واشتجر "فذلك كله من دخول كُلٍّ في شجْر الآخر -وصيغة افتعل للمطاوعة تؤدى ذلك.
° معنى الفصل المعجمى (شج): حدوث الشق أو الفتح في الجِرم أو وجوده فيه كما يتمثل في شج الرأس وشج السفينة الماء -في (شجج)، وفي تفرع الشجر وانفتاح شجر الفم -في (شجر).
стр. 1108
الشين والحاء وما يثلثهما
• (شحح - شحشح):
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩، التغابن: ١٦]
"أرض شَحَاح - كسحاب، وشَحْشَح: تَسِيل من أذْنى مَطْرة (أي لا تشرب الماء) وفلاة شَحْشَح: واسعةٌ بعيدةٌ مَحْلٌ لا نَبْتَ فيها ".
° المعنى المحوري تماسك ظاهر الشيء (العريض) شديدًا جافًّا لا ينفتح ولا ينفذ فيه أو منه شيء (١): كالأرض والفلاة الموصوفَتين. ومنه: زَنْد شَحَاح: لا يَرِى (لا تنفذ منه نار)، وإبل شَحائح: قليلاتُ الدَرّ [أساس] (عدمُ خروج شيء منها). ومن ذلك: "الشُح بالمال والمعروف ": إمساكُه والبخلُ به، بحيث لا يرسل من قبضته شيئًا منه ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩].
ومن ذلك الأصل "الشَحْشَح -بالفتح: المواظب على الشيء الجادّ فيه الماضي فيه، والغيور، والشجاع " (استمرارٌ ومضيٌّ مع جَفاف واشتداد بلا تراخ
стр. 1109
أو فتور) أقول ومن هذا: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] فالمعنى أنهم شِداد جُفَاةٌ غلاظ عليكم مع أنهم في غاية الخَوَر في ساعة الجِدّ. وبهذا تتضح المقابلة بين حالتيهم في الآية. أما الشُحّ بمعنى البخل، فقد وصفهم به في آخر الآية ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. وقد أُرْجِعَت الأُولى في [قر ١٤/ ١٥٢] إلى الشح بمعنى البخل أيضًا (والعامة تقول "شَحَّ فيه "بمعنى "عَبَسَ له وزجره ولم يَرِقّ له "وهذا جفاف وحدّة). وليس في القرآن من التركيب (شح النفس) و (أشحة) المذكوران.
هذا، وقد جاء في ل "أرض شَحاح - كسحاب: لا تسيل إلا من مطر كثير، وأرض شحشح كذلك "وهذا القصر غريب، لأنه يضاد ما ذكرناه قبلا. وأصله في الصحاح. فكأن التعبير بالقصر غير محكم.
• (شحم):
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]
"الشحم: جَوْهَر السِمَن. شَحُمَ الإنسانُ وغيرهُ (ككرم): صار ذا شحم. وشَحُمت الناقة (فرح وكرم): سَمِنَت بعد هُزال. شَحْمَة النخلة: الجُمّارة، وشَحْمَةُ الأرض: الكمأة ".
° المعنى المحوري مادة السِمَن التي تتجمع في البدن مع اللحم، وهو الشحم المعروف ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ وتشبيهًا به في البياض ولين الجِرم سُمِّيَتْ جُمّارة النخلة شَحْمة، والكَمْأة: شَحْمة الأرض.
والشحم حادّ؛ لأنه مادة حرارة البدن، والعرب كانوا يعرفون هذا [ينظر ل
стр. 1110
طرق] فتجريد المعنى الأصلي لهذا التركيب هو احتواء البدن أو الشيء على مادة (حادّة) يلتئم ظاهره عليها، ومن هنا يتأتى هذا الاستعمال الذي ورد "الشَحَمَ - محركة: البطر "لأن البطر حدّة في نفس البطِر؛ إذ هو حَقْر قيمة النعمة أو سوء استعمالها.
• (شحن):
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]
"الشَحْن: مَلْؤك السفينةَ وإتمامُك جَهازَها كلَّه. شَحَن السفينة، والبلد بالخيل (فتح): ملأهما. وسيوف مُشْحَنة: في أغمادها. وأشحن الصبيُّ: تهيأ للبكاء ".
° المعنى المحوري امتلاء جوف الشيء بكثير غليظ يُدفع فيه لا يدع فراغًا: كمَلْء السفينة، ومَلْء البلد بالخيل والأغماد بالسيوف ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. ومنه (الشِحْن -بالكسر: ما يَشحن السفينة، وعَلَفُ الدواب الذي يكفيها (يملأ جوفها) يومًا وليلة ".
ومن معنوىّ ذلك: "الشِحن -بالكسر: العداوة والحِقْد كالشَحْناء (امتلاء بغليظ)؛ شَحِنَ عليه " (تَعِبَ).
ومن الأصل "مَرّ يَشْحَنُهم: يطرُدُهم ويشُلّهم ويكسَؤُهم (السَوْق ونحوه دفع وجمع معًا في حيز الأمام) (ينظر: سوق وشلل).
° معنى الفصل المعجمي (شح): هو جفاف الجرم أو حِدّته مع عرض أو تجسم. ويتمثل ذلك في الأرض الشحاح والقلاة الشحشح: المحل التي لا نبت فيها -في (شحح)، وفي الشحم جوهر السِمَن وهو طبقة أو طبقات وله حدّة -في (شحم)، وفي امتلاء السفينة امتلاء تامًّا -في شحن.
стр. 1111
الشين والخاء وما يثلثهما
• (شخخ):
"شَخَّ الدَمُ: سال. والشخ -بالفتح: صَوْتُ الشُخْب (= اللبن الخارج خيطًا ممتدًّا بالحلب) إذا خرج من الضَرْع " (يُسْمع لانصبابه على اللبن المحلوب قبله في الوعاء صَوْتُ) - وشَخَّ ببوله: مَدَّ به وصوّت/ دفع/ لم يقدر على أن يحبسه فغلبه. . "
° المعنى المحوري اندفاع المائع المحتبس في الجوف أو الأثناء بقوة أو تصويت لانفراج منفذ له (١): نحو اللبن والدم والبول من منافذها تلك.
وقد جاء في [ل، تاج] "شَخْشَخَتْ الناقةُ: رفعت صدرها وهي باركة ". فإن صح أنه من هذا التركيب فقد يكون وجهه أن رفع صدرها عن الأرض يمثل فتح منفذ إلى مقرها. لكن أرجح أن الشين في هذه الكلمة مبدلة من جيم. فقد جاء في [تاج] (جخخ) "يقال جَخّ الرجل في صلاته إذا رفع بطنه وقيل. . فتح عضديه عن جنبيه في السجود "وجاء أيضًا فيه "جخ ببوله رمى به، وقيل "رغّى
стр. 1112
به حتى يخدّ به الأرض "فالمعاني متماثلة أو جدّ متقاربة ".
• (شيخ):
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧]
"الشيخ: الذي استبانت فيه السِنُّ، وظهر عليه الشَيْب. . من الخمسين إلى الثمانين ".
° المعنى المحوري في ضوء ما في تركيب (شخخ) يمكن أن يكون معنى هذا التركيب: جفاف البدن وذبول نضارته؛ لذهاب طَراءة الشباب وغَضاضته من أثنائه: كحال الشيخ ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وليس في القرآن من هذا التركيب إلا (شيخ) و (شيوخ). ومنه الشاخة: المعتدل (كأن المقصود: الضامر، والضمور درجة من جفاف البدن).
وأمّا قولهم: "شيّخ عليه - ض: عابه وفضحه "، فمن الأصل، كأن المقصود: ضعّفه، أي رماه بالضعف، أو أظهر عَواره، فالعَوَر والعَوَار فراغ.
• (شخص):
﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَار﴾ [إبراهيم: ٤٢]
"الشخْص -بالفتح: جماعةُ شَخْص الإنسان وغيره/ كلُّ جسم له ارتفاعٌ وظهور. والشخيص: العظيم الشخص. وقد شَخَص الشيءُ (كفتح) شخوصًا: انتبر، والجرحُ: وَرِمَ ".
° المعنى المحوري نتوء الشيء جِرمًا جسيمًا منتبرًا (على هيئة ما): كشخص الإنسان وغيره، وكشُخوص الشيء. ومن النتوء والانتبار - الارتفاع: "شَخَص السهمُ: عَلا الهدفَ. وشخَص ببصره عند الموت: رفعه فلم يَطْرِف
стр. 1113
(يرتفع سواد العين، ويكون لهذا وقع جسيم (ثقيل) على الحسّ) ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَار﴾ ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧].
ومنه: "الشُخوص: الذهاب والسير. يقال: شَخَصَ من بلد إلى بلد: ذهب، وقد أشخصتُه " (الذهاب انفصال كالنتوء والخروج، ويُبدى الجِرمَ مستقلًّا متجسمًا. ثم هم يقولون في معنى الذهاب: أصعد، وسما، وطلع. وكلها تحمل معنى الارتفاع والعامة تقول الآن للمسافر إلى بلد ما (طالع كذا) مما يعني أنّ الارتفاع يستعمل في السفر.
° معنى الفصل المعجمي (شخ): هو الجفاف مع التجسم كما يتمثل في لازم خروج المائع من البدن بقوة ودفع -في (شخخ)، وفي جفاف بدن الشيخ وذبول نضرته -في (شيخ)، وفي تجسم الشيء، مع ارتفاعه -في (شخص).
الشين والدال وما يثلثهما
• (شدد):
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: ٣٥]
"اشتد الحَبّ (الحنطة والشعير): قَوِى وصَلُبَ. وشَدَّ العُقْدَةَ (رد): أحكمها وأوثقها، وشدّ فلانًا: أوثقه. وشيء شديد: مُشتَدٌّ قَوِيٌّ. ورجل شديد: قوي. وشدَّ الشيء يَشِد -بالكسر ".
° المعنى المحوري صلابة الشيء لوثاقة أثنائه أو انضغاط بعضها ببعض عَقْدًا أو نحوه مع الجفاف وعدم الرخاوة (١) كصلابة الحَبّ، وكالشيء الشديد،
стр. 1114
وإيثاق العقدة. . .
فمن الشد: الإيثاق الحسّيّ: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]. ومن التوثيق والتقوية المعنوين: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠]: قويناه، ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١].
ومن الجفاف والصلابة يتأتى معنى بلوغ الشيء منتهاه في الجِدّ في بابه ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨]، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]: امنعهم من الإيمان/ قَسِّها واطبع عليها [قر ٨/ ٣٧٤] و "شدَّد الضربَ وكلَّ شيء: بالغ فيه. وشَدّ في العَدْو واشتد: عدا وأسرع. وشدّ النهار: ارتفع " (أي بلغ قوة حاله بارتفاع الشمس أو بلوغ ضوئه غايته فهذا استعمال لزومي). وكل ذلك يرجع إلى عدم الرخاوة أو الفتور).
ويتأتى أيضًا معنى الصعوبة "شِدّة العيش: شَظَفُه. الشدة: صُعُوبة الزمن ".
ومن هذا ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨].
والذي في القرآن من التركيب منه: شدة تقوية المُلك، والأَسر، والعضُد، والأَزْر، والوَثاق، وشدة (بناء) السموات، والملائكة، والبأس، والقُوَى، والحَرَس، ثم شدة واقعة: كشدة الحساب، والعقاب، والعذاب، والبطش،
стр. 1115
وأفعل التفضيل (أشد) أصيلًا (أشد العذاب) أو موصلًا (أشد حبًّا) (أشد قوة) ولا يخفى ما يدخل تحت أي من ذلك.
وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢ ومثلها كل (أشدكم) (أشده) (أشدهما)] قالوا إن كلمة "أشُدّ "جمعٌ واحدُه شِدة -بالكسر، أو شَدّ- بالفتح أو الكسر، وقيل جَمْع لا واحد له [ل ٢٢١ - ٢٢٢] ولعل في ذلك إشارة لجوانب بلوغ الإنسان أَشُدّه في الجسم والعقل وغيرها ".
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] فسِّر الشديد هنا بالبخيل -كما في قول طَرَفة بن العبد:
أَرى الموتَ يَعْتامُ الكرامَ ويَصطَفى ... عقيلةَ مالِ البَاخِل المتشدد
[ينظر رسالة الخطابي ضمن كتاب "ثلاث رسائل في إعجاز القرآن]) وذلك صحيح لغويًّا من حيث إن البخيل يتوثق ارتباطُ ما في حوزته من المال إليه توثقًا بالغًا؛ بحيث لا يفلت منها.
• (شيد):
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]
"الشِيدُ -بالكسر: كل ما طُلِيَ به الحائط. شاده يشيده: جَصَّصَه. وبناء مَشِيد: معمول بالشيد. وكل ما أُحْكِم من البناء فقد شُيّد ".
° المعنى المحوري شَدُّ نحوِ البناء بما ينتشر عليه فيُمسكه شديدًا: نحو الجِصّ. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. أما ما قالوه من: شيدت البناء - ض: طوَّلته "فهو من لازم الأصل؛ إذ لا يستطاع رفع البناء عاليًا إلا إذا كان شديد الأصل والأساس.
стр. 1116
° معنى الفصل المعجمي (شد): هو صلابة الشيء أو وثاقة بعضه ببعض كما في صلابة الحب وشدّ العقدة -في (شدد)، وكما في تماسك البناء ونحوه تماسكًا شديدًا بأثر الشِيد: الجص الجبس أو ما يشبهه في (شيد).
الشين والراء وما يثلثهما
• (شرر - شرشر):
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
"الشرر ما تطاير من النار. شرَّ اللحمَ والأَقِطَ، والثوبَ، والمِلْحَ: وضعه على خَصَفة (: نسيجه من خوص النخل) أو غيرها ليجف. الإشْرارة -بالكسر: ما يُبْسَط عليه/ خَصَفة/ صفيحة/ شُقة من شقق البيت يُشرّ أي يبسط عليها الأقط/ يجفَّف عليها القديد. شَرير البحر: ساحلُه. الشَرّانُ: شِبْهُ البعوض يغشى وجه الإنسان ولا يَعَض. شَرْشَر السكينَ: أحدها على الحجر ".
° المعنى المحوري انتشارٌ أو انبساطٌ مع حِدّة حقيقية أو ما هو من بابها (١)
стр. 1117
كالشرر يتطاير عن نار الحدَّاد وغيره بانتشثار -وهو من عين الحذة الي هي النار، وكبسط الأقط على شيء عريض في الشمس ليجف، وكذا شرائح اللحم، وكذا الثياب، والملح (المستخرج بجفاف المياه المالحة) ليجف والجفاف من الحدّة. وشرير البحر: ساحله ممتد على طوله أي منتشر وهو جاف -على الأقل بالنسبة لما مجاوره. والبعوض المذكور ينتشر على الوجه -وهذا انتشار وحدة معًا، وحدّ السكين ممتد وحادّ. ومن مادى هذا أيضًا "شراشر الذَنَب ذَياذِبه أي أطرافه "وشعره في الجانبين كالريش - فهي منتشرة وربما كانت حدته نجاسته، أو أن الدابة تُسْقِط به الذباب، و "شَرْشَرته الحية: عضته "فالسم ينتشر في اليدن ويقتل.
و"شرشر الشيءَ: قطّعه، وكل قطعة شِرْشرة -بالكسر "فكثرة عدد القطع
стр. 1118
انتشار وربما عدّ التقطيع حدة أو أن اللفظ مستعمل في جزء معناه. و "الشرشرة -بالكسر: عُشبة. . . تنبت متفسحة كأن أفناءها الحبالُ طُولًا. . . "فالانتشار واضح. . وقولهم "ألقى عليه شراشره "ليس معاها أثقاله فالأثقال لا مدخل لها في معنى التركيب، ولا أن الشراشر النفس والمحبة كما قيل، وإنما ما جاء في طرّة [ل] فسّر شراشر الأذناب بأطرافها، ثم قال "ثم كُنِي به عن الجملة كما يقال أخذه بأطرافه، ويمثل به لمن يتوجه للشيء بكليته، فيقال ألقى عليه شراشره كما قاله الأصمعي، كأنه لتهالكه طرح عليه نفسه بكلّيته. . . ومرادهم التوجه ظاهرًا وباطنًا "اهـ. فالتعبير مأخوذ من الانتشار أيضًا.
ومن صور الحدّة في المعنى الأصلي: "الشِرّة -بالكسر: النشاط. "لهذا القرآن شِرّة ": نشاط ورغبة. شِرّة الشباب: حرصه ونشاطه ".
ومما هو واضح المأخذ من الأصل قولهم "أشرّ الشيء: أظهره "فهو لازم النشر والبسط المذكور في الأمثلة.
وأشهر استعمالات التركيب "الشرّ: ضد الخير "وقد فُسِّرت بعض استعمالاته بما يبين ملامح معناه أو بعضها "الشرُّ: السوء ""شَرّ إنسانًا: عابَه ""عين شُرَّى فُعْلَى: أي خبيثة " (المقصود تصيب حسدًا). "المشارّة: المخاصمة المعاداة ". "الشُرّ -بالضم: العيب ""ما قلت ذلك لشُرّك -بالضم: أي لشيء تكرهه ""عين شُرَّى إذا نظرت إليك بالبغضاء ". فالشر -بالفتح يعبر عن السوء والمعابة والضُر وما يكرهه الإنسان ويبغضه. وهذا كله من الحِدّة في المعنى الأصلي. ومعنى الانتشار متحقق أيضًا لأنه إصابة آخرين وتعدٍّ إليهم. وهذا امتداد وانتشار. وفي (التوقيف) عرّف الشر بأنه "عدم ملاءمة الشيء للطبع "
стр. 1119
وعرّفه في (المصباح) بأنه "السوء والفساد "ويحتاج ما في (التوقيف) إلى تقييد عدم الملاءمة بكون ذلك في نظر الشرع.
والذي جاء في القرآن الكريم من مفردات التركيب هو (الشرّ) الذي عرّفناه آنفًا، و (الأشرار) جمع ذي الشرّ، و (شرَر) النار ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢] ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢].
• (شرى):
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]
"الشِريان -بالكسر: شجر من عِضاه الجبال زعموا أن عوده لا يكاد يعوجّ. الشِرْيانات: عروق دِقاق في جسد الإنسان وغيره، وهي العروق النابضة ومنبتها القلب. أَشْراء الحَرَم: نواحيه واحده: شَرى. شرى الفرات: ناحيته. الشَرَى: شيء يخرج على الجسد أحمر كهيئة الدراهم ".
° المعنى المحوري التماثل اعتدالًا أو مقدارًا أو وضعًا بالنسبة لشيء ما -كاعتدال الريان (الشجر الموصوف)، حيث يتماثل اتجاه أجزائه (المعوجُّ لكل جزء منه اتجاه)، وكتماثل الشريانات في توزيع الدم على أنحاء البدن، وكتماثل ذلك الطفح الجلدي في الشكل والقدر حيث يشبه الدراهم، وكتماثل نواحي الحرم في الحرمة، وناحية الفرات مع الأخرى. ومما صرح فيه بالتماثل "شَرْوَى الشيء: مثلُه -واوه من الياء، لأن الشيء إنما يُشْرَى بمثله، ولكنها قلبت واوا كما قلبت في تقوى ونحوه. يقال هذا شرْوَاه وشَرِيُّه "اهـ. (وجملة "لأن الشيء إلخ "متأثرة بالاستعمال المشهور للشراء مقابل البيع، لكن المماثلة أعم من ذلك) ففي
стр. 1120
"كلام عمر ﵁ في الصدقة: فلا يأخذ إلا تلك السن من شَرْوَى إبله أو قيمة عدل. أي من مثل إبله. الشَروَى: المثل. هذا شَرْوَى هذا أي مثله. وفي حديث عليّ كرم اللَّه وجهه: ادفعوا شَرْوَاها من الغنم. وقال شريح في رجل نزع في قوس فكسرها فقال: "له (أي لصاحب القوس التي انكسرت) شَرْواها ". أي مثل قوسه. وكان شريح يضمّن القصّار شرواه أي مثل الثوب الذي أخذه (ليغسله) وأهلكه ". وفي حديث النخعي "يبيع الرجلَ (أي يبيع له شيئًا) ويشترط الخلاص (كأن المقصود البراءة من العيوب) فقال "له الشَرْوَى "أي المثل (أي مثل المبيع إذا ظهر فيه عيب).
ومن مادّى ذلك التماثل أيضًا الاستمرار في حركة واحدة بعينها وعمل واحد أي تكراره "شَرِيَتْ عَيْنه بالدمع: لجّت وتابعت الهملان. شَرِىَ البرق شَرًى: لمع وقتابع لمعانه. يقال لزمام الناقة إذا تتابع حركاته لتحريكها رأسها في عَدْوها: قد شَرِىَ زمامها إذا كثر اضطرابه. فرس شَرِىٌّ: يستشري في سيره أي يلجّ ويمضي ويجدّ فيه بلا فتور ولا انكسار. استشرى في دِينه: لجّ فيه وتمادى وجدَّ وقوى واهتم "به. ومن ذلك التماثل أيضًا "الشَرْيَةُ: النخلةُ التي تنبت من النواة "فهي تَنْبُتُ نَخْلَةً كأمها. أما "الشَرْىُ: الحَنْظَل "فأرجح أنه سمي كذلك لشبهه الظاهري بالبطيخ أو باليقطين أو لكثرة ثمره مع تماثله وقولهم "إبل شرَاةٌ -كسراة: خيار "كأن المقصود بعضها كبعض في ذلك. وكذلك "الشَرَى بمنزلة الشَّوَى: رُذَال المال "أي مجموعة بعضها كبعض في السوء.
ومن هذه المماثلة جاء معنى الشِراء المشهور وذلك للمماثلة بين المشترَى وثمنه في القيمة، علمًا بأن هذه المعاملة بدأت مبادلة. ولهذا استعمل اللفظ في
стр. 1121
البيع وفي الشراء معًا، لأن الأمر يئول إلى (شيء بمثله) "شَرَى الشيء واشتراه سواء. وشرَاه واشتراه: باعه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (أي يبيعها) ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] فهذا بيع، والبائع إخوته أو الذين التقطوه من البئر [ينظر قر ٩/ ١٥٥] وكل ما جاء في القرآن الكريم من الفعل (شرى يشري) فالمراد به البيع، والفعل (اشترى - يشتري) يراد به الاشتراء بالمعنى المشهور أي أخذ السلعة ودفع الثمن ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] ومن مجازه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] ".
• (شور):
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]
"شار العسَل يشوره: استخرجه من الوقبة واجتناه. المَشار: الخلية يشتار مها. المَشاوِر: المحابض ج مِشْوَر وهو عُود يكون مع مُشتار العسل. الشَورة -بالفتح، والشارة: السِمَن. استشارت الإبل: لبست سِمَنًا وحُسنا. جاءت شِيارًا أي سِمانا حِسانا. المَشارة: الدَبْرة التي في المزرعة (= الجدول الذي بين الزرع لسقيه بالماء). أشار النارَ وشوّر بها: رَفَعها ".
° المعنى المحوري استخراج ما يحتويه الشيء من طيب أو مناسب قوي الأثر. كالعسل في الوقبة أو الخلية يُستخرج منها، وكاحتواء الإبل على شحم السِمَن وظهور ذلك السِمَن عليها، وكاحتواء الدَبْرة على الماء لسقي الزرع فينمو، وكتغذية النار بالوقود فيرتفع لهبها ويظهر. فهذا الارتفاع والظهور هو من باب الخروج.
стр. 1122
ومن استخراج المحتوى "اشتار الفحل الناقة: كَرَفها (تَشَمَّمَها) فنظر إليها ألاقح هي أم لا. والمستشير (من الجِمال): الذي يعرف الحائل من غيرها. (هو يعرف ذلك برائحتها. والحائل هي غير الحامل، وهي تقبل أن يطرقها الفحل) ومنه "الشَورة -بالفتح: الخَجْلة " (لظهور أمر مُكتنّ). ومن هذا أيضًا "شار الدابة يشورها: ركبها عند العرض على مشتريها/ أدبر بها وأَقْبل/ أجراها ليعرف قوتها "فهذا من إظهار ما عندها من القوة ونوع السَير.
ومن هذا "الاسشارة والشُورى "فهي استخراج الرأي في الأمر المعروض، وهذا أيضًا يُستمد من مذخور العقل والخِبْرة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وكذا ما في [الشورى: ٣٨] ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي حتى في هذا الأمر الخاص. ومن هذا "الإشارة بالكف والأصبع والعين "لأن الإشارة تعبير عن معنى في النفس ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] ومن ظهور الطيب المحتوى "الشارةُ والشُورة -بالضم: الحسن والهيئة واللباس/ الجمالُ والحسن. شيء مَشُور: مُزَيّن. شُرْته: زينته فهو مَشُور ".
وأخيرًا فمن ذلك "الشَوَار: متاع الرحْل والبيت " (في الداخل ويظهر) ثم يكنى به عن العورة. فيقال "شَوار الرجل والمرأة ". [كما تقول العامة (متاع) بإبدال الميم باء].
• (شرب):
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]
"شَرِب الماء وغيره شَربا وشُرْبا. الشراب ما شُرِب من أي نوع كان وعلى أي حال كان. المَشْرَبة: الموضع الذي يُشْرب منه كالمَشْرعة (أي من ضفة نهر أو
стр. 1123
نحوه) الشَرَبَة: كالحُويض يحفر حول النخلة والشجرة ويملأ ماء فيكون رِبّها فتتروى منه. كل شيء لا يُمْضغ فإنه يقال فيه يشرب ".
° المعنى المحوري سَحْب الماء أو اللطيف إلى الجوف أي مصّه وإنفاذه إلى الأثناء بقوة (من منفذ علوى). كشرب الماء وغيره. [وفي ل تصرفات كثيرة من شرب الماء والمائع مباشرة] ومن ذلك "الشَرَبَّة والمشْرَبة: أرض لينة لا يزال فيها نبت أخضر ريان وليس بها شجر تنبت العشب/ (أي هي ريا بالماء دائمًا). ومن مصّ المائع واللطيف "الثوبُ يَتَشرَّب الصِبْغ: يتنشفه: تشرّبَ الثوبُ العَرَق: نَشِفَه. أُشْرب الأبيضُ حُمرةً " (خالطته حمرة ونفذت في أثنائه فبان أثرها في البياض) "أُشْرِب الزرعُ الدقيق. شُرِّبَ السنبلُ الدقيقَ: صار فيه طُعم. شَرَّبَ قَصَبُ الزرع: إذا صار الماء فيه. أُشْرِبَ قلبُه كذا أي حَلّ محل الشراب أو اختلط به كما يختلط الصبغُ بالثوب. أُشْرِبَ قلبُه حبَّ فلانة أي خالط قلبَه ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أي حُبَّ العجل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ولا يجوز أن يكون العجل هو المُشْرَب، لأن العجل لا يشربه القلب " [ل]. و "الشوارب: مجاري الماء في الحلق " (هي عروق في العنق تَصَور بعض العرب أو اللغويين أن الماء يجري فيها. وربما قُصِد جريان الدم أو الصوت). ومن ذلك النفاذ "الشاربان: ما سال على الفم من الشعر (يكاد يدخل الفم أي ينقذ فيه)، ثم استعملوه في "ما طال من ناحية السَبَلة (أي طرف الشارب الذي يفتل إلى أعلى أو يُترك ليتدلى)، ربذلك سمى شاربَا السيف " (الإصبع الحديدية المعقوفة يمتد عرضا في آخر المقبض ليحجز اليد) "أَشْرَبَ البعيرَ والدابة الحبل: وضعه في عنقه " (أُنْفِذَ الرأسُ والعنق في الحبل). المَشرُبة -بضم الراء وفتحها:
стр. 1124
الغُرفة (ما يسمى الدور الثاني من المبنى السكني -أنفذت إلى أعلى ومعنى (النفاذ) يصلح دائمًا أن ينظر فيه إلى النفاذ في الشيء والنفاذ منه). و "ضائنة شَروب: تشتهي الفحل " (تشتهي أَنْ يُنْفَذ فيها).
ومن المعنوي: "الشَرْبُ: الفَهْم " (نفاذ المعنى إلى الذهن).
وقولهم "اشْرأبّ الرجل للشيء: مد عنقه إليه " (وقد ذكرت في هذا التركيب في [ل]، وهي من النفاذ إلى أعلى كما في المشربة الغرفة). بقى الكلام عما عُدّ تضادًّا. قالوا "أشْرَبْنا: رَوِيت إبلُنا، وأَشْربنا عَطِشنا أو عطشت إبلنا "فسره الأزهري: فروى رَجُل مُشْرِب: قد شَرِبَتْ إبله. رجل مُشْرِب: حان لإبله أن تَشْرب "فالصيغة لحيونة المعنى الأصلي ولا تضاد.
والذي جاء في القرآن من التركيب كلُّه من شرب الماء أو ما هو من بابه عدا آية [البقرة: ٩٣] التي ذكرناها. لكن هناك ما يوقف عنده من صِيَغ وغيرها ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦، كذلك المطففين: ٢٨] "قال الفراء: يَشْرب بها ويَشْربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يرْوَي بها وينْقَع. . . قال ومثله: فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلامًا حسنًا. وقيل المعنى يشربُها والباء زائدة. وقيل الباء بدل (من)، تقديره يشرب منها " [قر ١٩/ ١٢٦]. ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥، ومثلها ما في القمر: ٢٨]: أي حَظٌّ من الماء أي لكم شرب يوم ولها شرب يوم [قر ١٣/ ١٣١] والشرب -بالفتح وبالضم: المصدر ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أي كشربها، الهيم: الإبل العطاش التي لا تروي بالماء. [قر ١٧/ ٢١٥] "الشراب: ما يُشْرب من أي نوع على أي حال في كل شيء لا مضغ فيه " [متن] ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] وكذلك
стр. 1125
كل (شراب) أيًّا كان. وفي ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] هو العسل. و (المَشْرَب): الماء نفسه، ومكانه وهو شريعة الماء، والوجه الذي يُشْرَب منه، ومصدر للفعل ضرب. وجمعه مشارب ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] الراجح أنه هنا مكان الشرب أي العين الخاصة بهم. ينظر [قر/ ٤٢١].
• (شرح):
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]
"الشريحة: القطعة من اللحم المرققة. التصفيف نحو من الشرح، وهو ترقيق البَضعة من اللحم حتى يشفّ من رقته، ثم يُلقي على الجمر. كل ما فُتح من الجواهر (= الأجسام المادية) فقد شُرِح. . ومنه تشريح اللحم. والشَرْح: الافتضاض للأبكار ".
° المعنى المحوري شق ما هو كتلة متجمعة ثخينة أو تشقيقه حتى تصير كل قطعة منه رقيقة تكاد تَشٍفّ، نحو البَضْعة من اللحم الموصوفة. ويلزم ذلك الامتداد مع العِرَض كما في قولهم "شَرَح جاريته: سلقها على قفاها ثم غَشِيها ".
ومن ذلك "شرح فلان أمره أي أوضحه. شرح الشيء: فتحه وبينه. شَرَحْت الغامض إذا فسرته. والشرح: الفتح، والشرح البيان، والشرح الفَهم " (المقصود الإفهام). فالأمر قبل الشرح يكون مجتمعًا متداخلًا ملتبسًا بعضه ببعض كالكلتلة المتجمعة التي لا يُدْرَى باطها، وبالشرح يَتبين ويُفهَم. ومن ذلك "شرح اللَّه صَدره لقبول الخير فانشرح: وسعه لقبول الحق فاتسع ".