"البَرْق - بالفتح ذاك الذي يلمع في الغيم (ويقارن الرعد) معروف. والأَبْرَق والبُرقة - بالضم: غَلْظٌ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة.
بَرَق النجم (كنصر): طَلَع، وبَصرُه: تلألأ، (وكفرح ونصر): تحيّر حتى لا يطرِفَ، أو دَهِشَ فلم يبصر. وبَرَّق فلان عينيه - ض: أوسَعَهما ولَأْلَأ بهما من شدة النظر. وبَرِق السِقاء (كفرح): أصابه الحرّ فذاب زُبْده وتقطع فلم يجتمع ".
° المعنى المحوري هو: حدّة تبرز إلى الظاهر (بقوة أو اندفاع) من عمق ما يكتنفها: كلمعان البرق من جوف السحاب، وكالحجارة الموصوفة تخرج من الأرض حادّة، وكالنجم من الأفق لامعًا، ولمَعَانِ العين أو بياضها من بين جفنيها، وتسلُّطِ الحرارة على الزبد فيذوب ويبرق على ظاهر السقاء أو اللبن. (يلحظ أن صيغة فَعِل قرية من المبني للمفعول). ومنه: "بَرَقَت المرأة (نصر): تحسّنت وتزينت (زينةٌ حادَّة الوقع على الناظر تلفته). وبرّق فلان (ض): سافر بعيدًا (وكأنما اندفع من مقره فأبعد). وأَبْرَقَ الصيدَ: أثاره (فاندفع فارًّا بأقصى سرعته). فكل ذلك فيه حدة مندفعة من جوف أو مُكتَنَف: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، (وكل كلمات ﴿بَرْق﴾ هي بَرْق السحاب هذا). ومنه: "بَرَقَ الرجلُ الطعام (نصر): صبّ فيه الزيت، وابرُقوا الماءَ بزيت: صُبُّوا عليه زيتًا قليلًا - وبَرَقَ الأُدْمَ بالزيت والدَسَم: جعل فيه شيئًا يسيرًا. والبَرِيقة: طعام فيه لبن وماء يُبْرق بالسمن والإهالة ". كل ذلك إصابة أو تزويد بخارج من الجوف قويّ الأثر، وهو الزيت والدسم. وقوة أثره أنه قليل ولكن عنه تكون القوة (١)،
стр. 107
ويُصْلح ما يوضع فيه. ثم إن الزيت تتسع بقعته على الماء والطعام أكثر من حجمها، وكذا الدسم مع اللمعان. أما ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] فمعناه: فَزع وبُهت وتحير فلم يَطْرِفَ، وبرَق: لمع من شدة الشخوص فترةً لا يطرف [قر ١٩/ ٩٥ - ٩٦] وكلاهما فيه لمعان العين، ويتأتى عند الفزع العظيم للموت أو لقيام الساعة. ومن ذلك الإبريق: إناء له بلبل (قناة) يُصَبّ منها الشيء القوي الأثر كالخمر قليلًا قليلًا [انظر ل برق] تر الشواهد على استعمالهم الإبريق للخمر، وأنها كانت مثل الأباريق التي بأيدينا الوم في الشكل والمادة التي صنعت منها. ولم يكن صوغها على هذا الشكل إلا للتحكم في النازل منها بحيث يمكن صبُّ القليل منه - لحدة أثره، كما في بَرْق الطعام بزيت ونحوه مما سبق. زد على ذلك أن الخمر التي كانت تستعمل لها الأباريق توصف باللمعان والبريق كما قال أبو نواس:
فَعَلَتْ في البيت إذ مُزِجَتْ ... مثلَ فِعْل الصُبح فيه الظُلَم
ووزن إفعيل شائع في العربية (كإخريط وإبريج وإبريز ... الخ) ولا حاجة بعد ذلك إلى التماس أصل أجنبي عُرِّبَتْ عنه كلمة إبريق كما في [ق، ول، والمعرب ١٢٠] ... الخ) ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨].
- أما الإستبرق: الديباج الغليظ الخشن/ ما غلُظ من الحرير والإبْرَيْسم ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤ وكذا ما في الكهف: ٣١، الدخان: ٥٣، الإنسان: ٢١] فقد قالوا أصله استبره/ استروه/ استفره [ل (برق) والمعرب للجواليقي شاكر ٦٣، عبد الرحيم ١٠٨] وهذا قد يقبل، لكن للبحث فيه مجالًا:
стр. 108
(أ) فإن فيه البريق، وقد صغروه على "أُبيرق "وجمعوه على أبارق فأعادوه إلى البرق. (ب) والوزن ليس غريبًا مع قولهم: استبرق المكان: لمع بالبرق. وتكون السين والتاء للمبالغة، مثل قوله: (يستبرقُ الأُفُقُ الأقصى إذا ابتسمت).
ثم إنه قد جاءت أسماء كثيرة جدًّا على وزن الفعل كإثْمِد وأَفْكَل وينبُع ويَسْتَعُور (شجر تتخذ منه مساويك - كالفعل المسند يستقون).
ج - هذا وقد ألحق ابن فارس، في المقاييس، بكل باب فصلًا للألفاظ المركبة من مقاطع ذوات معان مُزجت في معنى جديد. فإذا أخذنا بذلك وجدنا أن السَتاه والسَتَى - كالفتى، والأُسْتِىّ - كجندي: تعني السَدَاة (ضد اللُحْمة) فكأن النسيج إذا مُزِجَ بما له بريق عنى ما يَبْرُقُ سَتاه أي ما ستاه من حرير أيضًا كالإستبرق. وهناك أيضًا (السِبْر: الهيأة الحسنة) و (السَرَق: الحرير) وهما تأتيان بالاستبرق أيضًا. لكني مع ذلك كله أترك الحكم لاقتناع الدارس.
• (برك):
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]
"الِبرْكة - بالكسر: مستنقَع الماء. والبَرْك - بالفتح، والِبرْكة - بالكسر: الصَدْر (للبعير). وابتركَت السحابةُ: اشتدَّ انْهلالُها/ أَلّحتْ بالمطر ... وابتركت السمماء وأَبْركتْ: دام مطرها ".
° المعنى المحوري هو: ثبات واستمرار مع لطف: كالماء الكثير (وهو لطيف) يخرج ويبقى أو يستمر في الِبرْكة، وصدر البعير يعتمد عليه البعير في بروكه وقيامه؛ فهو من الثبات. ومنه "بارك على التجارة (وعلى الشيء): واظب. ورجل مُبْتَرِك: معتمد على الشيء مُلِحّ " (يأخذ منه باستمرار). ومن ذلك "البَرَكة
стр. 109
- محركة: النماء والزيادة " (في الشيء والحال بحيث يبقى وتدوم منفعته أطول مدة فلا ينفد سريعًا فهي من الثبات). "طعام بَريك: مبارك ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠] (جعل فيها قِوام الحياة ماءً وهواءً وخيرات وكنوزًا لا ينقطع مدَدُها عن الإنسان رغم إلحاحه في استخراجها كالنباتات وثمارها والمعادن الخ)، ولبعض الأرضين بركة في طيبها لمن يقيم بها نَماء وأَمْنا. وبركات الله على بعض عباده اختصاص برعاية ونعم ظاهرة وباطنة. وبركة الزيتونة منافع زيتها العظيمة. وبركة الكتاب العزيز قيادته الخلق من الظلمات إلى النور. وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى البركة الذي ذكرناه.
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] أي على من في قرب النار وهو موسى تحية من الله تعالى لموسى عل نبينا وعليه السلام، أو كلمة النار تعني نور الله أيْ قُدِّسَ من في النُور وهو الله [ينظر قر ١٣/ ١٥٨]، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]: كَثُر خيرُه ودام. وكذا كل (تبارك الله. تبارك الذي) فهي تنويه بعطائه الدائم خلقًا ورَزْقا وربوبية وهدايةً. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] فسّر الاسم بالرحمن الذي ذكرت آلاؤه في السورة منذ أولها [قر ١٧/ ١٩٣] والعموم أولى. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، لتضاعف ثواب العمل فيه، فالبركة كثرة الخير [قر ٤/ ١٣٩] والأرض التي بارك الله فيها الشام وقيل مصر. ينظر عن كل ما ذكرنا هنا [بحر ٢/ ٥٤٦، ٤/ ٣٥٠, ٣٧٥, ٣٠٥, ٤٢٠].
ومن الثبات المادّيّ وما إليه "برك البعير: اسْتناخ (ثبت)، وكل شيء ثبت وأقام فقد بَرَك. وابتركوا في القتال: جَثَوا على الركب. والبَراكاءُ: الثبات في الحربِ، والجِدُّ. والبُركة - بالضم: الحَمالة " (شيء يُلْتَزمُ ويثبت على من التزمه).
стр. 110
• (برم):
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩]
"البريم: الحبل الذي جمع بين مفتولين ففُتِلا حبلًا واحدًا. والمُبْرَم من الثياب: المفتول الغزل طاقين. البريم: الحبل المفتول يكون فيه لونان، وربما شدته المرأة على وسطها وعضدها (وقد ينظم فيه خرز أو جوهر)، وقد يُعَلّق على الصبي تُدْفَع به العين. والبَريم (أيضًا): ثوبٌ فيه قَزّ وكَتّان، والماءُ الذي خالط غيره، والقطيع من الغنم يكون قيه ضَرْبان: من الضأن والمعز، وضوءُ الشمس مع بقية سواد الليل، والدمعُ مع الإثْمد، ... وكل شيئين اجتمعا واختلطا بريم ".
° المعنى المحوري لأْمُ شيئين (أو أشياء) معًا لأما شديدًا بحيث لا تتسيب ولا تنتشر: كالحبلين المفتولين حبلًا واحدًا، وكالثوب المفتول الغزل طاقين، وكالبريم بمعانيه المذكورة. وتتبين درجة اللأْم من الدقة (أعنى صِغَر الجرم) الواضحة في "البَرَم - بالتحريك: حبّ العنب إذا كان فوق الذرّ "وفي "بَرَمِة العُرْفُط: مثلُ زِرّ القميص أو أشفّ " (العُرفط شجرٌ وبَرَمته ثمرته).
ومن الجمع والاختلاط الذي هو من صور اللأْم: "بَريم القوْم: لفيفهم، والبريم: الجيش فيه أخلاط من الناس ".
ومن الصور الحسية الأخرى للَّأْم "البُرام - كرخام: القُراد " (يلصق بجلد البعير يكاد يلتحم به). "والبُرمة - بالضم: القِدْر مطلقًا، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف (يعني حجر البِرام) بالحجاز واليمن " (فهي تضم ما يُطبخ فيها ضمًا شديدًا ويختلط بعضه ببعض فيها اختلاطًا تامًا). ومما يبرز قيمة الطبخ في القِدْر أنهم كثيرًا ما كانوا يشتوون اللحم على النار مباشرة، ولهم في ذلك عدة
стр. 111
طرق (ينظر فقه اللغة للثعالبي باب ٢٤ فصل ٧).
ومن اللأم والالتئام وعدم التسيب أو التفكك والانتشار جاء "إبرام الأمر: إحكامه "بحيث لا يكون فيه خلل ولا انتقاض: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ جاء في [قر ١٦/ ١١٨] "قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي ﷺ في دار الندوة حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل (أن يشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه) فنزلت هذه الآية وقتل الله جميعهم ببدر " (فالمعنى أم أحكموا كيدًا فإنا محكمون لهم كيدًا).
ومن ذلك اللأم والالتئام بمعنى الانكفاء على النفس وعدم الانبساط قالوا: "البَرَم - محركة: الذي لا يدخل مع القوم في المَيْسِر (ويأكل معهم من لحمه)، ثم قالوا: "الأبرام: اللئام ". ثم قالوا: "البُرُم - بضمتين: القوم السيئو الأخلاق ".
ومن الكثافة اللازمة لالتئام أشياء واختلاطها قالوا: "بَرِم بالأمر (تعب): سئمه. أبرمه: أملّه وأضجره. المُبْرِم: الغثُّ الحديثِ/ الذي يحدث الناس بالأحاديث التي لا فائدة فيها ولا معنى لها/ الكَلّ على صاحبه لا نفع عنده ولا خير ". وأرى أن ذلك كله يرجع إلى معنى الثقل المأخوذ من الكثافة اللازمة للأصل.
• (بره - برهن):
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]
[ترجم في التهذيب للبرهان في بره. وكذلك فعل ل، ق ووضعوا برهن أيضًا في باب خاص].
"البَرَهْرَهَة: الجارية البيضاء. وبَرَهُها: تَرَارتها وبضاضتها، كأن الماء يجري
стр. 112
فيها من النَعْمة " (وعبارة ق في البَرَهْرَهة: "الشابّةُ الناعمة أو التي تُرْعَدُ رُطُوبَةً ونُعُومةً ").
° المعنى المحوري هو: امتلاء باطن البدن بلطيف يُصلحه ويُجمّل ظاهره: كما في امتلاء جسم الجارية بالنَعمة.
ومنه "بَرِه الرجل (كفرح): ثاب جسمه (امتلأ) بعد تغيّر من عِلّة. وأبره الرجلُ: غلب الناسَ وأتى بالعجائب ".
أقول ومن ذلك "البرهان: الحجة "؛ إذ به قِوام الدعوى وصُلوحها؛ لأنه يؤيدها فتقوى وتغلب، وبدونه تكون دعوى فارغة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] البرهان: الدليل الذي يوقع اليقين [قر ٢/ ٧٥] ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وتأمل قول الحق لموسى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢]، فواضح أن هاتين المعجزتين تؤيدان وتقويان بقوة نبوةَ موسى أمام فرعون. ولم يأت في القرآن من التركيب إلا (البرهان) بمعنى الحجة التي توقع اليقين. ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] أستريح إلى قول [قر ٩/ ١٧٠] "وبالجملة فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوى إيمانه وامتنع عن المعصية ".
° معنى الفصل المعجمي (بر): التجرد أو الانكشاف مع العِرَض أو الامتداد - كما يتمثل ذلك في انكشاف البَرّ منبسطًا - في (برر)، وقَشْر الطرَف ممتدًّا - في (برى)، وتسوية الظاهر وسلامته - في (برأ)، وبقاء الأرض البور بلا نبات - في (بور)،
стр. 113
والكشف والإزالة عمقًا - في (بأر)، ونعومة الوبر مع انبساطه على البدن - في (وبر)، وفي نصوع الظاهر لعدم تغطيه - في (برج)، وفي الزوال عن المكان - في (برح)، وفي التماسك كتلة عريضة مستوية - في (برد)، وفي بروز الشيء من بين ما يكتنفه - في (برز) (والاتصال في برزخ يمثل ذلك لكن عبرت الخاء عن كونه باطنيًّا)، وفي اللمعان المَرَضّي - في (برص)، وفي اللمعان الحادّ النافذ من العمق - في (برق)، وفي سعة صدر البعير والاستقرار - في (برك)، وفي امتداد الحبل مع شدة لأمه - في (برم)، وفي بضاضة البدن وبريقه - في (بره).
الباء والزاي وما يثلثهما
• (بزز - بزبز):
"بَزُّ النهر - بالفتح: آخرُه. والبَزْباز - بالفتح: قَصَبة من حديد على فم الكير ينفخ النار ".
° المعنى المحوري هو: نفاذ الشيء من مَضِيق يحصره بضغط وعَصْر (١): كما ينفذ الهواء من بَزْباز الكِير بدفع من الخلف وحصر في قصبة الكِير حتى لا ينتشر، وكالماء في آخر النهر الذي يضيق ويَدِقّ فيضغط الماء. ومنه "بُزْبُوز الحوض: صُنبوره، وبِزّ الإنسان: ثديه [تاج] (يَنفذ منه اللبن قليلًا قليلًا بمص كالعصر). ومن هذا: "البَزّ: الثياب " (الملبوسة أو التي تلبس فعلًا)، واستعملت في السلاح: الدرع والمغفر والسيف مجازًا للحماية كحماية الثيابِ الملبوسةِ لابسَها، كما يسمى السيف رداء وعطافا.
стр. 114
وأنا أعالج على أساس ما أطمئن إليه، وهو أن (البَزّ) يعني الملابس أي الثياب المخيطة حسب قدود اللابسين، أخذته من "البِزّة - بالكسر: الهيئة والشارة واللِبْسة. بِزّة حَسَنة: هيئة ولباس جيد "، ومن "بَزَّهُ ثيابه وابتزه منها: جَرَّده منها وغَلَبه عليها. ثم عُمّم هذا فقيل "ابتززتُ الشيء: استلبتُه. بَزَّ الشيء (رد): انتزعه " (أي بجفاء وقهر).
ومن النفاذ بضغط وقوة استُعمل في القوة والشدة، وفي السرعة "والبَزباز - بالفتح وكتماضر: السريع في السير. والبزبزة: الشدة في السوق ونحوه. بزبز الرجل: انهزم وفرّ " [تاج].
ومن الحصر والتضييق عُبّر به عن التدقيق والإحكام "يقال للشيء الذي قد أُجيدت صنعته: قد بَزْبَزْته ".
• (بزغ):
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]
"بزغت الشمس (قعد) بَزْغا وبزوغا: بدا منها طلوع أو طَلَعت وشَرَقت، وبَزَغ النجم والقمر: ابتدأ طلوعهما، وبَزَغ نابُ البعير: طَلعَ، وبَزَغ البَيْطار أشاعرَ الدابة: وخز ذلك المكان بمِبْضَع " (الأشعر: ما أحاط بالحافر، وبَزْغُه ليخرج الدم أو الصديد المتجمعُ تحته مسببًا عَرَج الدابة).
° المعنى المحوري نفاذ جرم حاد من بين ما يغيبه ببطء وضغط: كالشمس والنجم والقمر حين بدء طلوعها - وحدّتها قوة وقع أجرامها وقوة ضوئها، وكالناب، ونحو الدم - وغلظها صلابة الناب وألم خروجه، وألم تجمُّع الدم الفاسد وخروجه. ثم إن بروز كل مما ذكر قليلًا قليلًا يوحي بعسر الخروج
стр. 115
وضيق المنفذ كأنه يُعْتصَر، كما في النجم والشمس، وهو كذلك حقيقة في الناب والدم. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: ٧٨] فُسِّرَ البزوغ في [طب ١١/ ٤٨٦] بالطلوع. هكذا دون تقييد لكن وجود ﴿هَذَا أَكْبَر﴾ في السياق يدل على أن المقصود بالبزوغ هنا طلوع كل قرص الشمس (وكذا القمر) لا الحاجب فحسب - كما يؤخذ من [ل] وهو الأصل.
° معنى الفصل المعجمي (بز): نفاذ الشيء بضغط وعصر كما يتمثل في نفاذ الهواء مضغوطًا من قصبة الكير الحديدية - في (بزز)، ونفاذ قرص الشمس من المشرق ببطء يوحي بالضغط والعصر - في (بزغ).
الباء والسين وما يثلثهما
• (بسس - بسبس):
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]
"البسيسة: أن يُلَتَّ (أي يُخْلَط) السَويق - أو الدقيق أو الأَقِطُ المطحون - بالسمن أو بالزيت أو بالماء ثم يؤكل ولا يطبخ. والبَسّ أشد من اللتّ بلَلًا. والبسيسة: خبز يُجفَّف ويُدَق (ويبس) ويُشرب " [الأقط لبن رائب مطبوخ ومجفف، والسويق: دقيق الحن أو الشعير]. [كل ما لا يمضغ يمكن أن يُعبَّر عن تناوله بالشرب. ل شرب].
° المعنى المحوري هو: تسيب (كُثَب) الدقاق الجافة بتسريب مائع (سمن أو نحوه) بينها ييسر ابتلاعها (١): كما وصف. (لنا ملحظ هنا هو أن الأصل هو
стр. 116
تسيّب مادة الشيء ذرات دقيقة مهما كثفت أو كثرت مع جفافها. والتسيب هكذا يحقق تصور أن تصير هباء منبثًا. كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. فكأن الخلط بالسمن أو الزيت أو الماء هو لتيسير البلع لا لإحداث التسيب. وقد فسروا ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أيضًا بأنها "فُتَّتْ خُلِطت بالتُرْب "فتكون صيرورتها هباء مرحلة أخرى تالية.
وتسيب مادة الشيء يتأتى منه معنى الطواعية والانقياد والحركة الخفيفة، ومن هنا قالوا: "بَسَّ بالناقة وأبَسَّ بها: دعاها للحلب " (حاول إلانة صلابتها
стр. 117
بصوت لطيف)، وكذلك "بَسَسْتُ الناقة وأبْسَسْتُها: سُقْتُها سوقًا لطيفًا (السير حركة وانتقال فهو تسيب)، وبَسَسْتُ المالَ في البلاد فانبسّ: أرسلتُه فتفرق فيها، والرجلَ: طردتُه. وانبسّت الحيةُ: انسابت على وجه الأرض، والرجلُ: ذَهَب. وفي الحديث "يخرج قوم من المدينة ... يُبِسّون أي يَسِيحون في الأرض (وقد أُرجع البس بالناقة وإبساسها إلى قولهم لها بَسْ). "وبَسّ فلان لفلان من يتخبّر له خبره ويأتيه به: دَسَّه إليه " (كل ذلك من الحركة الخفيفة اللطيفة أو السريعة وهي صورة من التسيب). والبَسْبَسة: السِعاية بين الناس (دسٌّ بلطف أو خفاء وهما من باب واحد) والبَس باس - بالفتح - من النبات: الطيبُ الريح (ينتشر ريحه ويتسرب لطيفًا).
• (بأس):
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]
"البأساء في الأموال وهو الفقر ... والبؤس - بالضم: شدة الفقر (١) / الشدة والفقر، والبأساء: الجوع. والبائس: الرجل النازل به بلية أو عُدْم يُرْحَم لما به. وبَئِس (كتعب): اشتدت حاجته. والتباؤس: التفاقر " [ق].
° المعنى المحوري هو: حِدّةٌ أو جفافٌ يخالط الجوف أو الحوزة: كالفقر الشديد الذي عُبّر عنه بالعُدْمِ، وكالجوع بلذْعِهِ الجوف، وكحال معاناة الشدة. ثم إن هذه الحدّة قد تكون شدّة واقعة على الشيء كما في ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]: البأساء: الفقر/ الحاجة/
стр. 118
الجوع وكذلك كل ﴿الْبَأْسَاءِ﴾، ومنه صيغة المطاوعة ابتأس ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ [هود ٣٦، يوسف ٦٩]: فلا تغتم بهلاكهم أو بسوء فعلهم حتى تكون بائسًا أي حزينًا .. والابتئاس حزن في استكانة .. [قر ٩/ ٣٠ بتصرف] وقد يتصف بها الشيء متحققة فيه واقعة منه - كما في ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]: حين شدة القتال والحرب .. [طب ٣/ ٣٤٥، ٣٥٤] (الحرب والقتال حِدّة وجفاف وشدة بالغة).
ومن هنا أي من ذينك (الجفاف والحدّة) عُبَّر بها أيضًا عن الشدة بمعنى القوة "رجل بَئِس - كفرح، وشديد البأس: شجاع ". ومن هذا كان تعبير القرآن الكريم عن الحديد ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فإن ذرته هي أكثر الذرات التي نعرفها تماسكا. وله خواصّ طبيعية وكيمائية تجعل وصفه القرآني هذا إعجازيا [راجع خواصّ الحديد في أي مرجع علمي]، ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢]. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤]، وكل ما جاء في القرآن على صيغة ﴿بأس﴾ فهو من هذا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]: شديد [طب ١٣/ ٢٠٢]. ومن هنا فَسَّر بعضهم البأسَ بالحرب في قولة علىًّ كرم الله وجهه: " ... كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ "والفعل من هذا: بَؤُسَ (ككرم) بَأْسًا - بالفتح - فهو بئيس: شجاع (أو شديد).
ومن هذا: بِئسَ (ضِدُّ نِعْمَ) فهي تدل على الشقاء والفراغ من الخير كما أن نعم ضد ذلك .. ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وكذا كل ﴿بئس﴾ و ﴿بئسما﴾ في القرآن.
стр. 119
• (بسر):
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]
"بَسَرَ الحِبْنَ - بالكسر (أي الدُمَّل): نَكَأَه قبلَ وقته أي قَرَفَ عنه قشره قبل أن يتقيح، والسِقَاءَ: شرِبَ اللبنَ الذي فيه قبل أن يروب، والنهرَ: حفر فيه بئرا وهو جافّ. وتبسَّرَ: طَلَبَ النباتَ أي حفر عنه قبل أن يَخْرج ".
° المعنى المحوري طلب الشيء قبل تهيؤ ظروفه، أو استكراه الشيء على الانفتاح عما في باطنه قبل تَهَيُّئِه لذلك: كالقيح قبل نُضْج الدمل، وكالماء من النهر، واللبن من السقاء، والنبات من الأرض - على غير تهيؤ.
ومنه: "بَسَرَ الفحلُ الناقة وابتسرها: ضَرَبها على غير شهوة منها. وبَسَر النخلةَ: لقَّحَها قبل أوَانِ التلقيح، وبَسَر غريمه: تقاضاه قبل مَحِلّ المال، وحاجتَه: طلبها في غير أوانها أو غير موضعها ". ومنه "البُسْر - بالضم: الغَضّ من كل شيء (يؤخذ قبل أوان أخذه). ومنه "البُسْر: التمر قبل أن يُرطب وقد لَوّن (البلح الأحمر يعد عند العرب غير ناضج). ورجل بُسْر وامرأة بُسْرة - بالضم: شابان طريان. وابتسر الشيءَ: أخذه غَضًّا طريًّا. وكذا بَسَرتُ النباتَ: رعيتَه غضًّا طريّا وكنتَ أول من رعاه ".
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] قال أبو عبيدة [٢/ ٢٧٥]:
كرّه وجهه. واستشهد بقول تَوْبة: (وإعراضها عن حاجتي وبُسُورها)
فهذا مصدر صيغةٍ لازمة، وتأويلها إلى المعنى المحوري أنها كَرَّهت وجهها لعدم تهيُّئها للقائه. وهذا وإن أمكن في الآية على أساس تحيره في الأمر وعدم استعداده لمواجهة القوم، فإنه يمكن أن يفسر بأنه كوّن رأيًا قبل أن يحقق الأمر
стр. 120
ويتهيأ لاستخلاص رأي صحيح .. ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] كالحة كاسفة عابسة [قر ١٩/ ١١٠].
• (بسط):
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]
"أذن بَسْطاء: عريضة عظيمة. وأرض بَساط - كسحاب، وبسيطة: منبسطة مستوية لا نَبَل فيها (النَبَل: عِظام المَدَر والحجارة). البَسْط: نقيض القَبْض، وبَسَط الشيء: نشره. وبَسَط ذراعيه في الصلاة: فَرَشَهما على الأرض ".
° المعنى المحوري هو: تفلطح الشيء وانفراشه أو اتساعه (ومن هذا امتداده): كالأذن والأرض - المذكورتين ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الروم: ٤٨] , ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] (سعة في العلم، وطولًا وعرضًا في البدن). وكل ما في القرآن من البسط هو من الاتساع عدا الكنايات الآتية. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨]: مددتها بالعدوان، ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] , (: يمدوها بالضر والعدوان. ومثلها ما في [الممتحنة: ٢] والعامة تستعمل (مدّ يدَه عليه) كناية عن الضرب ونحوه. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، (كناية عن البخل ثم عن التبذير)، ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ [الرعد: ١٤] العرب تضرب لمن سعى في ما لا يدركه مثلًا بالقابض على الماء [قر/ ٣٠٠]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]: كناية عن الجود، والعطاء الذي شمل كل موجود ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ
стр. 121
شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] (أما البسيط: مقابل المركب فإن قُصِدَ عدم التعقد فهو من الظهور اللازم للانفراش والاتساع، ويتأتى أن يستعمل بمعنى السهل، وإن قصد به القِلّة، فمن دقة سُمْك ما يُبْسط. وأصله من بسط المطْوِى أو فطح الثخين وهذا استعمالٌ مُوَلد).
• (بسق):
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: ١٠، ١١]
"بَسَقَ النخلُ بُسُوقا: تَمَّ طولُه. وقالوا: بصق وبسق وبزق: واحد. وأَبسَقَت الناقةُ: أنزلت اللبن قبل الولادة بشهر أو أكثر فتُحْلَب ".
° المعنى المحوري هو: اندفاع الشيء نافذًا أو ممتدًا من عمقه بأقوى من المعتاد: كبسوق النخلة - ويلحظ وصفُ الطول بالتمام، والبُساق من الجوف فيخرج بدفع، واللبن الخارج قبل وقته.
• (بسل):
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: ٧٠]
"لَبَنٌ باسل: كريهُ الطعم حامض، وكذلك النبيذ إذا اشتد وحَمُض، وخَلٌّ باسل: طال تركه فأَخْلَف طعْمُه وتغير. البَسِيلة: عُلَيْقِمة (مرارة يسيرة) في طعم الشيء، والتُرْمُس (للعليقمة التي فيه). وبسَل اللحم (: تغير) ".
° المعنى المحوري هو: احتباس مع كراهة (= احتباس شيء كريه طعمًا أو رائحةً في أثناء الشيء): كالحموضة في اللبن والنبيذ، والمرارة في البسيلة، والتغير في الخل، وكالتغير في اللحم.
ومنه: "أَبْسَلَ نفسَه للموت، واستبْسَل: وطّن نفسه عليه/ طرح نفسه في
стр. 122
الحرب يريد أن يَقْتُل أو يُقتَل لا محالة (حبس نفسه في موطن كريه). وأبسلته: أسلمته للهلكة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: ٧٠] أُسْلِمُوا وارْتُهِنوا بجرائرهم "، كما يقال: أُخِذَ (أي أُمْسِك) بجُرْمه. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠]: تُسْلَم للهلاك والعذاب بعملها، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وكان عوف بن الأحوص رَهَنَ بنيه عند قوم - لما حَمَل ما كان لهم عند آخرين، وسعى هو للاصلاح بين الفريقين - فرهنهم بنيه ليثقوا في سعيه، وقال في ذلك: (وإبسالي بَنِيَّ بغير جُرْم ... بَعَوْناه)
يعني رهْنَه إياهم. وأما الزعم بأن كلمة بَسْل من المتضاد، وتعني الحرام مرة، وتعنى الحلال أخرى، استشهادًا بقول الأعشى: (أجارتكم بَسْلٌ علينا مُحرَّمٌ) أي شيء محرم، في حين أنها في قول ابن همام: (دَمِي إن أُحِلّتْ هذه لكمُ بَسْلُ) أي حلال لكم، فذلك الزعم باطل، وهي تعني في الموضعين رهنٌ. ففي الأول رهن محبوسة عنا، وفي الثاني رهن محبوس لكم؛ ولا تضاد.
ومن ماديّ المعنى المحوري: "البَسْل: نَخْل الشيء في المُنْخُل. ومنه كذلك: البَسْل: أخذ الشيء قليلًا قليلًا، وعُصَارة العُصْفُر والحناء. وأَبسَلَ البُسْرَ: طبخه وجففه ". فكل ذلك يتم بنوع من الحبس: في المنخل، أو بتحبسٍ، أو بالعَصْر والتجفيف لإمكان الاختزان، وهو حبس. "والبُسْلة - بالضم: أجرة الراقي خاصة " (نوع من الابتزاز فتُمْتَلك بكراهة).
ومن المعنى المحوري أيضًا: "بَسَل الرجلُ بُسُولا وهو باسل وبَسْل - بالفتح، وبسيل، وتبسّل: عَبَس من الغضب أو الشجاعة. وتبسَّل لي فلان: إذا رأيتَه كريه المنظر فظيع المَرآة " (حبس حدةٍ في الباطن) - "والباسل: الأسد،
стр. 123
والشجاع " (يعبّرون عن الشجاع بأن لحمه مر، والمرارة شدة وهي - في الأثناء - أصيلة في معنى التركيب). وقد تكون الشجاعة هنا صمودًا، وهو تحبُّس.
• (بسم)
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]
"بسم يبسِم بَسْمًا: إذا فتح شفتيه كالمكاشر "وجاء في [ل حوا] "الحُوَّاءة بَقْلة، وهي نوعان منها حُوّاء الكلاب، وهو من الذكور يَنْبت في الرِمْث خشنًا. قال (كما تبسَّم للحواءة الجَمل)، وذلك لأنه لا يقدر على قلعها حتى يكشر عن أنيابه للزوقها بالأرض "اهـ[البَقْل: الخَضِر كالجرجير والفجل، وذكوره ما غلظ منه وله مرارة، والرِمْث: مرعى له ملوحة] ..
° المعنى المحوري هو: كشر الشفتين عن الأسنان: كما وصف. ومن هذا استعمل وغلب في التبسم الذي "هو أقل الضحك وأحسنه "؛ لأنه يكون بفتح الشفتين قليلًا. ولأن حقيقته فتح الشفتين عن الأسنان قالوا "ابتسم السحاب عن البرق: انْكلّ عنه "وفي [تاج] "تبسم الطلع: تفلقت أطرافه .. ومن المجاز ما بَسَمْتُ في الشيء أي ما ذقته "اهـ.
° معنى الفصل المعجمي (بس) هو الجفاف (أو الجفاء) والحدّة في الأثناء كما يتمثل ذلك في تسيب دقاق البسيسة جافة - في (بسس)، وفي زيادة جفاف الأثناء في البأس والبؤس - في (بأس)، وفي غضوضة الثمر الذي لم ينضج - في (بسر)، وفي الضغط الواقع أو المتوقع على جرم الشيء حتى ينبسط - في (بسط)، وفي قوة النمو المذخورة في النبات وتندفع طولًا - في (بسق)، وفي مرارة أثناء الشيء - في (بسل)، وفي كشر الشفتين عن الأسنان والأنياب - في (بسم).
стр. 124
الباء والشين وما يثلثهما
• (بشش - بشبش):
"أَبَشَّت الأرضُ: التفَّ نبتها، أو أنبتت أول نباتها " [ق].
° المعنى المحوري هو: انتشارٌ وتفشٍّ لغض أو لطيف في ظاهر الجرم أو منه (١). كالنبت أول ما يخرج من سطح الأرض منتشرًا. ومنه: "البشاشة - كسحابة: طلاقة الوجه (انبساطُ أسارير الوجه انتشارٌ لها)، وقد بَشِشْتَ (بكسر العين). وتَبَشْبَشَ به: آنَسَه ".
• (بشر):
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]
"البَشَرة - محركة: أعلى جلدة الرأس والوجه والجسد من الإنسان وهي التي عليها الشعر/ أعلى جلدة الوجه والجسد من الإنسان. البشرة والبشر - بالتحريك: ظاهر جلد الإنسان. يقال لظاهر جلدة الرأس الذي ينبت فيه الشعَر: البَشَرةُ، والأدَمة، والشَوَاة ". وبَشَرة الأرض: البقلُ والعشْب وما ظهر من نباتها. والتباشير: طرائق ضوءِ الصبح في الليل. وقال عوف بن الأحوص - جاهلي - يصف ناره:
مُبَرَّزة لا يُجْعلُ السِتْر دُونَها ... إذا أُخمِد النيرانُ لاح بشيرها
[المفضليات القصيدة رقم ٣٦ والبيت رقم ٦].
стр. 125
° المعنى المحوري انتشار واسع على ظاهر الشيء: كانتشار جلد البدن على ظاهره، وانتشار الشعر على الجلد، وانتشار البقل والعشب والنبات على وجه الأرض، وانتشار ضوء الصبح على البسيطة وفي الأفق. والبشير في البيت هو الضوء المنتشر.
ومن ذلك أيضًا قولهم: "بَشَر الأديمَ وأبْشَره: قَشَر بَشَرته التي ينبت عليها الشعر، وبَشَر الجرادُ الأرض (نصر): قشرها وأكل ما عليها " (أي من النبات. والفعل فيهما لعمل الشيء أي إيجاده أو إبرازه أو للإصابة).
ومن البَشَرةِ (: ظاهرِ الجلد): المباشرةُ بين المرأة والرجل، قال [طب ٣/ ٥٠٤] "المباشرة: ملاقاة بَشَرة ببشرة .. وكنَى الله بقوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] عن الجماع "اهـ ومن ذلك: "باشر الأمر: وَلِيه بنفسه "كأنه - لعدم الواسطة - يماسّه.
ومن المعنى المحوري: "البَشَر: الخَلْقُ/ الإنسانُ " (لأنه سلالة انبثت من آدم وانتشروا حتى صاروا أكثر ما على الأرض أو من أكثر ما عليها): ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١]. وعند الراغب أنه سُمِّي كذلك "لظهور جلده (أي خلوه) من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر ". اهـ. وما قلته أصدق ملحظًا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] قال الزمخشري: (إذا) للمفاجأة وتقديره ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين في الأرض، كقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] ". [الكشاف العلمية ٣/ ٤٥٧]. يعني: ثم ها أنتم بشر تنتشرون، يعجّبهم ويلفتهم إلى
стр. 126
أمور: الأصل الترابي لهم وقد صاروا بشرًا سويًّا عاقلًا ناطقًا، والتزايد الذي لا يكاد يوقف أو يحدّ حيث بلغوا الآن عدة مليارات من البشر مع أن أصلهم فردان: أبونا آدم وأمنا حواء. والأحياء الأخرى لا يبقى منها إلا ما يريد البشر بقاءه. فهذا التزايد هو سر تسمية البشر بشرًا. وكل ما في القرآن من كلمة (بشر) فهي بمعنى بني آدم هذا.
ومن المعنى المحوري: البِشْرُ - بالكسر: الطلاقةُ: بَشَرته بمولود، وبالأمر - مخففة ومضعفة، فبَشِرَ (كفرح) وأبْشَر واسْتَبشَر وتَبَشّر: فَرِح وسُرَّ (فظهر ذلك عل وجهه بانبساط أساريره، كما يعبّر عن قريب من ذلك بالبشاشة وبسط الوجه أي هو من الانتشار الظاهري: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] , ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]. وقد خصه [طب ١/ ٣٨٣، ٢/ ٢٩٣] بالخير، ثم عممه فيهما [في: ٣/ ٢٢١]. والمعنى المحوري يرجح التخصيص لما فيه من بسط الوجه، أما التبشير بالشر فهو من التهكم. وكل ما في التركيب - عدا المباشرة وكلمة، (بَشَر) - فهو من التبشير. ثم ما كان من أمر الفعل (بَشّر - ض - خاصة) فهو للخير أو الشرّ حسب السياق - على ما ذكرنا الآن، وجاء ماضيه المبني المجهول للتبشير بالأنثى. أما (أبشر) و (استبشر) وما اشتق منهما ومن المضاعف، وكذلك (بُشْرًا) و (بُشْرَى) فكلها في القرآن للبشارة بخير.
° معنى الفصل المعجمي (بش): التفشي الظاهر كما يتمثل في انتشار النبت أول ما يخرج - على وجه الأرض - في (بشش)، وفي تزايد الآدميين (البشر) على وجه الأرض حتى أصبحوا الآن بضعة بلايين من الناس، وهم في تزايد مستمر. وسائر الأحياء في تناقص - في (بشر).
стр. 127
الباء والصاد وما يثلثهما
• (بصص - بصبص):
"البَصيصُ: البريقُ. والبَصَّاصة: العين لأنها تَبِصّ. بَصّ الشيءُ يَبِصّ - بكسر عينه: بَرَق وتلألأ ولمع. وبَصّ كذلك: أضاء. وبَصَّصَ الجِرْو، وبَصْبَص: فتح عَيْنيه. وبَصْبَصَت البراعيمُ: تفتَّحتْ أَكِمَّة الرياض، والشجرُ: تفتح للإيراق ".
° المعنى المحوري هو انبعاث بريقٍ أو شيء. جديد من مصدره أو ما كان يحتويه بقوة (١): كالبريق، والتلألؤ، والزهور، وجوهرة العين.
• (بصر):
﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]
"البَصَر - محركة: العين حِسُّ العين. والبَصْرة - بالفتح: الطين العَلِكُ/ العَلِك الجيد الذي فيه حَصًى، وأرض حجارتها جصّ/ كأنها جبل من جصّ. وفي الشاة بُصْرة - بالضم - من لَبن: أي أَثَرٌ قليل يُبْصِره الناظر إليه، (كذا). وبُصْر الجِلْد، والسماءِ, والأَرْضِ بالضم: غِلَظها/ سُمْكها - وغَلَب في جِلْد الوجه. والبَصْر - بالفتح: أن تُضَمَّ حاشيتا أديمين فيُخْرَزا، كما تُخاط حاشيتا الثوبين. والباصر: الملفق بين شُقَّتَين أو خِرْقتين ".
стр. 128
° المعنى المحوري هو: إمساكٌ أو التقاطٌ في أثناء المتجمع أو الممتد: كحس الرؤية في مُقْلة العين مع التقاط (صور) الأشياء أي رؤيتها وتحصيلها، وكالحصى في الطين العَلِك أو عرق التماسك الساري في الطين العَلِك والجصّ (١)، وكاللبن القليل يبقى في ضرع الشاة - فبقاؤه هذا كأنه امتساك في الضرع، وكقوة التماسك الساريةِ في الجلود. وسَرَيانِ خَيْط الخَرْز في الأديمين لجمعهما بإمساك بعضهما ببعض. ولعل هذا ما لحظ في "البصيرة: الشُّقة التى من قُطن أو غيره يعلقها الرجل على باب رحله، والتي تكون بين شُقَّتَي البيت ". ومنه "ثوبٌ جَيّدُ البُصْر - بالضم: قَوِيٌّ وَثِيجٌ (ثخين ومتين). والبَصيرةُ: الدِرْع، وكل مأ لُبِسَ جُنَّةً. والباصَرُ - كهاجَر: قَتَبٌ صغير مستدير " (فارغ الوَسَط للسنام)، (ينفذ اللابسُ في الدرع والجُنّةِ، والسنامُ في القَتَب. وحِفْظُ اللابس والراكب إمساك لهما). و "البصيرةُ: دم من الرميّة يستدير على الأرض " (تُتَّخَذ دلالة توصّل إلى مكان الرمية - وهذا الْتِقاطٌ وتوصيلٌ لحقيقة. (ويعبّر بالبصيرة عن دم القتل أخذًا من بصيرة الرمية).
ومنه: "بَصَره بسيفه: قطعه، وأُمِر به فبُصِر رأسُه أي قُطع - للمفعول. والفعل هنا للإصابة، أي إصابة الكتلة المتجمعة أو عمل الكتلة من قولهم: "بُصْر
стр. 129
كل شيء - بالضم: غِلَظه "فالبَصْر: القَطْع يَفْصِل من المبصور كتلةً كما في بَصْر الرأس.
ومن البصَر (: حِسّ الرؤية) جاءت استعمالات التركيب في القرآن الكريم بهذا المعنى ومشتقاته ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨, ٣٩] ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] أي مضيئة تمكّن من الإبصار. ومما هو بمعنى حسّ الرؤية بالعين هذا وما أخذ منه مباشرة كل كلمات (بَصَر) وجمعها (أبصار)، والفعل (بَصُر)، و (أَبْصَرَ) ومضارعاهما، والفعل (يُبَصّر)، والصفات (مُبْصِر)، (مبصِرة)، (بصير) - على ما يليق به تعالى إذا كان هو الموصوف، وصيغة التعجب (أبصِرْ).
• ولما في البصر من الرؤية والكشف جاء "البصيرة: نظر القلب/ الفطنة "، فهي رؤية قلبية ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]: على معرفة وبيّنة ويقين، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] هو البصير كما تقول: أنت حجة على نفسك/ شاهدٌ [قر ١٩/ ٩٩]. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤]: آيات وبينات يُبْصَر بها ويُستَدَلّ، جمعُ بصيرة وهي الدلالة [قر ٧/ ٥٧] ومثلها كل (بصائر) في القرآن. ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً﴾ [ق: ٧، ٨] في [قر ١٧/ ٦] أنها تعني: جعلنا ذلك تبصرةً لندُلَّ به على كمال قدرتنا أي تبصيرًا وتنبيهًا. ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]: آتيناه الناقة آية مبصرة، أي تمكنهم من الإِبصار والاهتداء، لوضوح المعجزة فيها غاية الوضوح.
стр. 130
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥, ٦]: فستعلم ويعلمون [قر ١٨/ ٢٢٩] (والعلم من رؤية القلب). ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]: يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرته [قر ١٧/ ٤٠]. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] "وأبصِرْهم وما يُقْضَى عليهم من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة، فسوف يبصرونك وما يقضي لك من النصر والتأييد والثواب في العاقبة " [الكشاف ٤/ ٦٥]. وقال عن ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] تأكيد لوقوع الميعاد إلى تأكيد. وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معًا عن التقييد بالمفعول وأنه يبصر، وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرّة وأنواع المساءة. ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]: قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين [قر ١٣/ ٣٤٤] أي أنهم ضلوا عنادًا رغم علمهم.
• (بصل):
﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]
"البصل: معروف ":
° المعنى المحوري هو: تجمع النامي في كُرَةٍ ذات حَرافة: كالبصل ...
° معنى الفصل المعجمي (بص): نفاذ شيء قوي (أو حادّ) في (أو من) أثناء الشيء كما يتمثل ذلك في بصيص العين - في (بصص)، وفي شعاع التقاط المرئيات وكذلك عرق التماسك في أثناء البُصْر - في (بصر)، والحرافة - في (بصل).
стр. 131
الباء والضاد وما يثلثهما
• (بضض):
"أمرأة باضّة وبَضّة وبَضِيضة وبَضَاض - كسحاب: تارّة ناعمةٌ مكتنزةُ اللحم في نَصَاعَة لَوْن. ورَكِيٌّ بَضُوض: قليلة الماء. بَضَّ الحِبْسُ يَبِضُّ - بالكسر: جَعَل ماؤُه يخرجُ قليلًا قليلًا. وبَضَّت العَينُ: دَمَعَتْ، والحجَرُ ونحوهُ: نَشَع منه الماءُ شِبْهَ العَرَق، والماءُ: سال قليلا قليلًا ". (الحِبْس: خزان الماء).
° المعنى المحوري اكتناز الباطن برقيق ينضح على الظاهر نصاعة أو رقة (١): كما يكتنز بدن المرأة الموصوفة بالشحم ويبدو على ظاهره نصاعة، وكما يتجمع الماء: حقيقة في الحِبْس، وتوهما بسبب خروجه رشْحًا في العين والحجر.
أما قولهم "رَكِىٌّ بَضوض: قليلة الماء، وبضّ الماءُ: سال قليلا قليلا "فمن استعمال اللفظ في جزء معناه، وهو نضح ما بالباطن على الظاهر، فالنضح يخرج الماء به قليلًا قليلًا.
• (بيض):
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]
"بيضة الطائر: معروفة. وبيضة الدار: وَسَطها. وبيضة القوم: ساحتهم.
стр. 132
أرض بيضاء: لا نبات فيها. بياض الجلد: ما لا شعر عليه، بياض الأرض: ما لا عِمارة فيه. وبيّضَ الإناءَ والسقاء - ض: ملأه ".
° المعنى المحوري هو: احتباسٌ في الباطن لما شأنه النفاذ إلى الظاهر فيكون الظاهر مجرّدا (ويلزم من تجرده لمعانه). كالبيضة في جوفها الفرخ مع تجرد ظاهرها، وكبيضة الدار مقصورة على أهلها، وكحبس ما يملأ الإناء فيه وما شأنه أن ينبت من الأرض والجلد مع تجرد ظاهرهن. ونُظر في "بياض الأرض "إلى تجرده.
ومن اللمعان اللازم للتجرد - مع الاعتداد بالتجرد نفسه أيضًا - أُخذ معنى البياض: اللون المعروف. ويؤيد صحة هذا الأخذ:
أ) أن السواد الذي هو ضد البياض مأخوذ من الكثافة (السَواد: الشخص. السواد: العدد الكثير من الناس، وعامتهم، وهم الجمهور الأعظم، وجماعة النخل والشجر).
ب) أنهم عبروا عن الجائحة بما معناه التجريد كما عبروا عنها بالبياض "القَرْعاء:
الشديدة من شدائد الدهر. أنزل الله به قَرْعاء وقارعة ومُقْرِعة، وأنزل الله به
بيضاء ومبيّضه وهي المصيبة التي لا تدع مالًا ولا غيره ". [تاج سود، قرع].
فمن البياض اللون ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. وكل ما في القرآن من التركيب هو من بياض اللون هذا - ما عدا كلمة (بَيْض) في التشبيه الآتي بعد. وفي ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] "إنما هو سواد الليل وبياض النهار "عنه ﷺ [قر ٢/ ٣١٩] أي بدء بياض النهار وهو الفجر. ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:
стр. 133
٤٦] خمر الجنّة أشدّ بياضًا من اللبن [قر ١٥/ ٧٨].
ومن التشبيه بالبيض في الصيانة والرقة قال تعالى عن الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩].
أما قولهم: "باض الحر: اشتد "فهو من احتباس الهواء والحرارة. وقولهم: "باض بالمكان: أقام به "هو من الاحتباس في المكان - كما هو واضح.
• (بضع):
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢ - ٤]
"البَضْعة من اللحم - بالفتح: قطعة مجتمعة. ودابة كثيرة البَضيع وهو ما ينماز من لحم الفخذ ".
° المعنى المحوري هو: فِلَذ اللحم ونحوها مما يتجمع في قطع رخوة: كقطعة اللحم، وكعُكَن الفخذ ونحوها.
ومنه: "بَضَعْت الجُرْح: شققته (أصبت اللحم المجتمع، أو شققت وجعلت اللحم بَضْعة أي قطعة). والباضعة من الشجاج: التي تقطع الجلد وتشق اللحم (تبضعه بعد الجِلد) ". ومنه: "ملك فلان بُضْع فلانة أي عُقْدة نكاحها (البُضْع بالضم: كناية عن عضو المرأة)، و "باضع المرأة: عاشرها ".
ومنه: "البِضاعة: القطعة من المال/ طائفة من مالك تبعثها للتجارة " (فهي قطعة، كما سموها سِلعة مع كون السلعة: كالعُقْدّة تخرج في الجسد، أو زيادة في البدن تكون من حمصة إلى بطيخة): ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف: ١٩]، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨]. وسائر كلمة (بضاعة) في سورة يوسف والبَضْع
стр. 134
- بالكسر والفتح - من العدد: ما بين الثلاثة إلى العشرة (مجموعة/ كتلة) ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢ وكذا ما في الروم ٤] , "ومرّ بِضع من الليل: وقت (قِطْعة). والبضيع: الجزيرة في البحر " (قطعة متميزة). وليس في القرآن من التركيب إلا (البِضع) و (بضاعة) بالمعنى المذكور لكل منهما.
ولما في الأصل من انفصال الشيء الرخو قالوا: "جَبْهَتُه تَبْضَع وتَتبَضَّع: تسيل عرقًا (تتفتح أو تتفلق عن العرق) والبَضِيع: العَرق " (الذي يتفتح الجلد عنه).
° معنى الفصل المعجمي (بض) التجمع الرخو باكتناز ونصوع كما يتمثل في كون المرأة بضة - في (بضض)، وفي البيض والبياض - في (ببض)، وفي عُكَن الفخذ ونحوها من فلذ اللحم - في (بضع).
الباء والطاء وما يثلثهما
• (بطط):
"بَطّ الدُمَّلَ والخُرَاج ونحوهما: شقه. بطَّ الوَرَمَ. (وأما البطّ: الطائر الداجن المعروف، فقالوا: إنه معرّب، وعربيته الإِوزّ).
° المعنى المحوري الشق عن المتجمع الرخو لإفراغه (١): كبطّ الدُمَّل والورم.
стр. 135
• (بطأ):
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]
"بَطُوء في مشيه (ككرم) وأبطأ وتباطأ، وهو ضد الإسراع ".
° المعنى المحوري هو: ثِقَل حركة الشيء وانتقاله. وكأنما أصلُ ذلك ثقل جرمه من ضخامة.
ومنه: "بطّأ عليه بالأمر - ض، وأبطأ به: أخّره ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، من بَطّأ - ض، بمعنى: بَطُؤ: أي ليتثاقلنَّ وليتخلفنَّ عن الجهاد، أو مر بَطّأ غيرَه، أي عوّقه [أبو السعود ٢/ ٢٠٠].
• (بطر):
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]
"قال الطرماح: (كبزغ البِيَطْر الثَقْفِ رَهْصَ الكَوَادِنِ)
وقال النابغة (في ثَوْر طعن كلبًا بقَرنه):
شكَّ الفريصةَ بالمِدْرَى فأنفذها ... طَعْنَ المُبَيْطِر إذ يَشْفِى من العَضَد
[البِيطْر والمبيطِر هو البيطار طبيب الدواب. الفريصة: عضلة بين الجنب أو الثدي والكتف. والمِدْرَي: القرن. والرَهْص المقصود به هنا وَرَم العضُد من تجمع صديد أو نحوه فيه. والكَوْدَن: الفرس الهجين، والبغل، والبِرذَوْن الثقيل ... والعَضَد - محركة: داء يأخذ الإبل في أَعْضَادها فتُبَطّ - أي يشق العضُد ليخرج ذلك الماء والصديد. وذلك الشقّ هو
стр. 136
البزْغ] وأورد [ل] (في تمم):
وصُلْبٌ تميمٌ يَبْهَرُ اللِبدَ جَوْزُه ... إذا ما تَمَطّى في الحِزَام تَبَطّرا
قال: "أي يضيق اللِّبْدُ عنه ". وفي (بطر) قال: "بَطَرَ الشيءَ (ضرب ونصر): شقّه "فتبطُّر الحزام: تفتقه وتمزقه. والبَطْر: الشق عن تجمع صديدي في البدن].
° المعنى المحوري هو: تجمع مادة فاسدة في الباطن أو الأثناء فيشقُّ عنها: كما في إخراج الماء الذي في باطن الحافر وهو فاسد، وكذلك المادة الفاسدة في العَضُد. وكما يتمزق الحزام (هذا جزء المعنى). ومنه: "إذا جارى البعيرُ القَطوفُ (: القصير الخطو) بعيرا وَساعَ الخطو فقصُرت خُطاه عن مباراته قالوا: إن هذا الوَساع قد "أبطرَ القَطُوفَ ذَرْعَه، أي حَمَله على أكثر من طوقه "أي أهدر قوته. والأصل أن الطاقة المختزنة عد القطوف أدنى من أن تعادل طاقة الوساع. ويقال لكل من أرهق إنسانًا فحمّله فوق ما يُطيقه: "قد أَبْطَرَهُ ذَرعَه " (أي ضيّع واستهلك قوَّته). ومن ذلك: "ذهب دمه بِطْرًا - بالكسر والفتح - أي هَدَرا. ومنه: "بَطَرُ النعمة: قلةُ احتمالها والطغيانُ بها وعدمُ شكرها ". فهو في ضوء ما سبق فساد النفس إزاء تلقى النعمة، ببخس قيمتها، أو بالإفساد بها فتُهْدَر، بل تكون وبالًا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] في [قر ١٣/ ٣٠٠] "البَطَر: الطغيان بالنعمة .. وقيل معنى بَطِرت: جَهِلت. فالمعنى جَهِلت شُكْرَ معيشتها " (أي فاستعملتها في الفساد، فأهدرتها وقوله جهلت: ليس دقيقا). وقد قال الرسول ﷺ : "الكِبْرُ بَطَر الحق " (أي رفضه تَعَظُّما أو أَنَفَةً، مما يعني عدم تقدير قيمته أو اعتداده بلا قيمة).
стр. 137
• (بطش):
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]
"الرِكَابُ تبَطَّشُ بأحمالها تَبَطُّشًا: تزحف بها لا تكاد تتحرك ".
° المعنى المحوري هو: الثقَل الشديد أو الضغطُ الشديد للشيء حتى يكادُ يسحق ما تحته: كما تكاد الأحمال تفعل بالرِكَاب. ومنه: البَطْش: التناول بشدة عند الصَّوْلة، والأخْذُ الشديد في كل شيء بَطْش ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]. و "عاد "الذين تصفهم هذه الآية هم القائلون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يحتمل أنها قيام الساعة لأنها خاتمة بَطَشاتِه (تعالى) في الدنيا [قر ١٦/ ١٣٤]. ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر: ٣٦]: خوفهم لوطٌ عقوبتنا وأخذنا إياهم بالعذاب [قر ١٧/ ١٤٤]. وكل ما في القرآن من البطش فهو بمعنى الأخذ الشديد - صولةً أو عقوبة.
• (بطل):
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]
"البَطَلُ - محركة: الشجاع ".
° المعنى المحوري هو: اختزان قوة عظيمة: كما يتمثل في البطل الذي يواجه الأعداء والشدائد صامدًا. ومن هذا جاء: "بَطَلَ الأجير (كقعد) بَطالة - كسَحابة ورسالة: تعطّل " (كأنه جمَّدَ أو اخْتزَن قُوَّتَه لم يبذلها في عَمَلٍ). واختزان الشيء وعدم استعماله في أمر ظاهر واضح يُبْدي كأنه غير موجود أصلا. ومن هنا جاء استعمال التركيب في الهدر وما لا قيمة له: "بَطَل الشيءُ (قعد، وأيضًا بُطْلا وبُطْلانا - بالضمة): ذهب ضياعًا وخُسْرًا فهو باطل " (أُهْدِرَ ولم يُنْتَفَعْ به).
стр. 138
ثم من هذا: "بَطِلَ في حديثه (كتعب) وأَبْطَلَ: هَزَل (قول فيه معنى غير صحيح وغير مفيد) والباطل: ضد الحق ": ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨]: (لم يُفد فأُهْدِرَ ولم يعط الثمرة التي رَجَوْها)، ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]: (لا تُهدروها)، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]: (كُتَلًا جامدة عبثا بلا غاية من وراء خلقها، بل لنقيم عالما تتجلى فيه قيُّومِيَّتنا وجلالنا وجمالنا، ولتستخرجوا منه الدلائل والآيات على وجود البارئ وصفاته). "والمُبْطِل: الذي يأتي بالباطل " ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] يقصد المشركين من آبائهم [ينظر قر ٧/ ٣١٦]. وكل ما ذُكر في القرآن من هذا التركيب فهو بمعنى المُهْدَر؛ لأنه غير صحيح أو غير نافع.
• (بطن):
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]
"البَطْن - بالفتح من الإنسان وسائر الحيوان: معروف، ومن كل شيء: جَوْفُه. وبَطْن الأرض وباطنها: ما غمَض منها واطمأن/ الداخلُ منها ".
° المعنى المحوري هو: التعبير عن الجوف الداخلي للشيء حيث يَخْفَى فيه ما يدخل إليه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩]. و "بَطَنَ الشيءُ: خَفِىَ " (كأنه في بَطْن): ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] الذي لا تناله الحواس. وفُسّر (الباطن) أيضًا بأنه يعلم ما خفي (ينفذ علمه إليه). ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي خفي ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
стр. 139
[لقمان: ٢٠] (النعم الباطنة لا تحصى كثيرة منها راحة البال، والتوفيق للرَشَد في الفكر والتصرف، وصحة العقيدة ..). "ويِطانة الثوب: ضد ظِهارته ": ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]. ومن مجاز هذا: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] أي مقربين يعرفون دخائل أموركم. و "باطنة الكُورة (= المدينة): وَسَطُها " ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]. ويقال: "بَطَنْتُ الوادي: دخلته (الوادي كالبطن كأنك دخلت بطنه). وبَطَنت هذا الأمرَ: عرفت باطنه ". وليس في التركيب إلا (البطن) وجمعها (بطون)، و (البطانة) وحمعها (بطائن)، و ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ وقد ذكرناهن. وسائر ما في القرآن منه فعلًا أو غيره فهو بمعنى الخفاء.
° معنى الفصل المعجمي (بط): التجمع باكتناز ورخاوة مع نوع من القطع أو ما يناسبه - كما يتمثل في بطّ الدمّل - في (بطط)، وفي الثقل وتعوق الحركة - في (بطأ)، وفي تجمع المادة الرخوة الفاسدة مع الشق عنها - في (بطر)، وفي التجمع الثقيل الساحق - في (بطش)، وفي تجمع القوة مع نوع من التوقف - في (بطل)، وفي تجمع رخو الجوف في وسطه - في (بطن).
الباء والعين وما يثلثهما
• (بعع - بعبع):
"ألقت السُحُب بَعَاعها - كسحاب: ماءها وثِقَل مطرها. وفي الحديث: أخذها (أي الخمرَ) فَبَعَّها في البطحاء: صبَّها. وبعَّ السحابُ: أَلَحّ بمطره، والمطرُ من السحاب: خرج. والبَعْبعةُ: تتابعُ الكلام في عَجَلة. والبَعْبَع - بالفتح فيهما: حكاية صوت الماء المتدارك إذا خرج من إنائه ".
стр. 140
° المعنى المحوري هو: خروج الماء ونحوه مما يضمه بغزارة (١): كالمطر والخمر ... والماءِ الخارج من الإناء.
ومن ذلك: البعبعة: الفِرار من الزحف - لخواء القلب جبنًا - كقوله تعالى:
﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. وقال حسان: (فأنتَ مجوَّفٌ نَخِبٌ هواءُ)
ومنه أيضًا: البعابعة: الصعاليك (فارغو الحوزة لذهاب مالهم).
• (بيع):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]
"باع الشيءَ: أخرجه من مِلْكه بعِوَض. وباعه من غيره: اشتراه ".
° المعنى المحوري هو: انتقال ما في الحوزة - بجِرْمِهِ كلِّه - إلى حوزة أخرى: وهذا ينطبق على البيع المعهود وعلى الشراء المعهود؛ ولذا قالوا إن الكلمة
стр. 141
من الأضداد، ولا تضاد على الحقيقة: إذ الأساس إخراج ما في الحوزة، وهذا يتحقق في البيع والشراء معًا؛ إذ الفرق بينهما اعتباري: فإذا اعتُبر المُخرَج ثمنًا فهذا شراء، وإذا اعتُبر سلعة فهذا بيع. وعبارة الراغب هنا: "البيع: إعطاء المُثْمَن وأخذ الثَّمَن، والشراء إعطاء المن وأخذ المُثْمَن، ويقال للبيع الشراء، وللشراء البيع بحسب ما يُتصور من الثَمَن والمُثْمَن ". فإذا أضفنا أن البيع والشراء نشآ أولًا مبادلةً ومعاوضةَ سِلعة بسلعة، وأن النقود التي استُعملت في البيع والشراء نشأت متأخرة = تبيَّن سلامةُ تحديد معنى التركيب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والمبايعة صفقة تُبذل فيها الطاعةُ مقابلَ الرعايةِ والأمنِ، أو ثوابِ الله وفضْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. وأما "ابتاع الشيء: اشتراه " [المعجم الكبير] فهو من الأصل ولكن صيغة افتعل للاتخاذ قلبت المعنى. وبِيعَة النصارى - بالكسر: مكانُ بذل الطاعة من القلب، أو بيع النفس لله، كما كانت فرقة "الشُراة "تسمى نفسها. ودلالة الصيغة عل المكان كدلالة الحِلّة - بالكسر - عليه. وليس في القرآن من التركيب إلا (البيع) و (المبايعة) و (البيعة) كل بمعناه الذي ذكرناه.
• (بعث):
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
"بعثه من نومه فانبعث: أيقظه وأهَبَّه. وبَعَثَ البعيرَ فانبعث: حلَّ عقاله فأرسله، أو كان باركًا فهاجه وأثاره. وانْبَعث في السير: أسرع ".
° المعنى المحوري هو: إثارة (الحيّ) من مكان يلزمه بقوة فيندفع ناهضًا أو
стр. 142
مبتعدًا: كبعث النائم والبعير. ومن ذلك: (أ) بَعْثُ الموتى من القبور: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. وهو في كل القرآن بهذا المعنى - عدا ما في الفقرات التالية:
(ب) إنهاض رسول أو نبيّ، أو ملك، أو حَكَم، أو نقيب ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] , ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] , ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، ومنه ما في [البقرة ١٢٩، ٢٤٦، آل عمران ١٦٤، النساء ٣٥، المائدة ١٢, ٣١، التوبة ٤٦، يونس ٧٤، ٧٥: النحل ٣٦، ٨٤، ٨٩، الإسراء ١٥، ٩٤، الفرقان ٤١، ٥١، الشعراء ٣٦، القصص ٥٩، غافر ٤٠، الجمعة ٢].
(ج) والبَعْثُ: الإثارة والدفع نحو عمل شيء ما ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء: ٥] , ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢].
(د) بعث إنهاض بعد موت مؤقت أو نوم أو نحوه [البقرة ٥٦، ٢٥٩، الأنعام ٦٠, الكهف ١٢, ١٩].
والبعث في آية الرأس هو إقامة ربنا رسوله ﷺ في ذلك المقام العظيم، يوم القيامة للشفاعة العظمى، أو شفاعته ﷺ لأمته خاصة، أو أنه ﷺ أول مَدْعُوّ، أو عامٌّ في كل مقام حميد. والأول أقوى. وهناك خاص أتفق مع الرافضين له [ينظر بحر ٦/ ٧٠ - ٧١].
стр. 143
• (بعثر):
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]
"بعثرت التراب: قلّبته، والمتاعَ: قلته وفرَّقته وبدّدته، والحوضَ: هدمته وجعلت أسفله أعلاه ".
° المعنى المحوري هو تفريق الشيء المستقر أو تقليبه بلا نظام: كبعثرة التراب والمتاع والحوض بمعانيها المذكورة. ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]: أثير؛ فخرجوا على أحوال مختلفة. وكذلك بعثرة القبور نفسها فهو قلبها وإخراج من فيها.
• (بعد):
﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤]
"البُعْد - بالضم: خلافُ القرب: بَعُد الرجل - بضم العين وبكسرها، وتباعد، وأبعده غيره، وباعده، وبعّده - ض ".
° المعنى المحوري مفارقة جرم الشيء آخر معيّنًا بمسافة ممتدة تحجزه عن ملاقاته: ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢] , ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. ومثلها مما هو مستعمل للبعد المكاني (بعيد) [في هود ٨٣، ٨٩ الفرقان ١٢، ق ٣١، آل عمران ٣٠] , وللبعد الزماني [الأنبياء ١٠٩، النمل ٢٢، المعارج ٦]، وللكناية بالبعد المكاني عن عدم الإمكان [سبأ ٥٢, ٥٣, فصلت ٤٤؛ وكذلك ق ٣]، ولنفي الوقوع في النار [الأنبياء ١٠١]. كما صف بها الإيغال في الضلال، ونحوه من المفارقة على غير
стр. 144
رَشَد: ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣].
• ومن المفارقة بمسافة ممتدة تحجز عن اللقاء استعملت في الهلاك بلفظ (بَعِدَ) في [هود ٩٥] وبلفظ (بُعْد) في كل ما وردت فيه عدا [الزخرف: ٣٨].
ومن بعد المكان عبَّرت عن بعد العلاقة والصلة في القرابة بين الناس.
ومن الترتيب الطبيعي بين الأشياء المتباعدة، بأن يُدرَك أو يُرَى أحدها متأخرًا عن الآخر، في المرور بهما سيرًا، أو نحوه، عبّرت (بَعْدَ) عن الظرفية المكانية، ثم الزمانية. [مكان أو توقيت قال بينهما مسافة] وبهذا جاءت كل (بَعْدَ) ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه على وعرفوا مواضعه [التي أرادها الله ، وبين أحكامه]. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] أي بعد حديث الله، وقيل بعد قرآنه. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أي من بعد أن أضله الله [قر ٦/ ٨١، ١٦/ ١٥٨، ١٦٩] ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] أي بعد نُصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين [كشاف ٤/ ٥٥٤]. ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أي بعد ما عُدّ له من المثالب والنقائص [كشاف ٤/ ٥٧٥]. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] ذكر بعض أهل العلم أن (بعد) في موضع (مع) كأنه قال: والأرض مع ذلك دحاها كما قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [قر ١٩/ ٢٠٥]. والأَوْلى تفسير (بعد ذلك) أي بعد خلق السماء وما فعل فيها ﴿دَحَاهَا﴾ أي بسطها يعني الأرض. أي أنه تعالى خلق الأرض، ثم السماء، ثم
стр. 145
دحا الأرض [بحر ٨/ ٤١٤] وقال بهذا أيضًا مجاهد وغيره من المفسرين [ينظر قر ١/ ٢٥٥، وكذا بحر ٧/ ٤٦٥ عن فصلت ٩ - ١٢] وتقسيم خلق الأرض في آيات (سورة فُصّلت) إلى مرحلتين، ثم جمعها مع السماء في الخطاب بعد ذلك يوجه تلخيص أبي حيان. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] زبور داود، والذكر التوراة أو اللوح المحفوظ [بحر ٦/ ٣١٨، قر ١١/ ٣٤٩].
• (بعر):
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥]
"البَعْر - بالفتح وبالتحريك: رَجِيع ذَوَات الخُفّ والظِّلْف من الإبل والشاء وبَقَر الوحش إلا البقرة الأهلية، والأرنبُ تَبْعَر أيضًا ". "باعرت الشاة والناقة إلى حالبها: أسرعت ".
° المعنى المحوري هو: مفارقة للجوف أو الحيز مع تميّز (أو انتظام) وتوال: كما يخرج البَعْر كُرَاتٍ متواليةً منتظمة. ومنه أنه يقال لكل من "الجمل والناقة: بعير "إذا أَجْذعا (أي دخلا في السنة الخامسة)، لُحظ فيهما السير بهم وبأحمالهم بخُطّا واسعة تبديها سعتها متئدةً ومنتظمة رتيبة. والسير يُنظر إليه عندهم على أنه بذل لما في الجوف من قوة مذخورة. ويؤكد ما قلنا من أن سر تسمية البعير هو أنه كان وسيلة السفر والحمل عندهم قولهم: "باعرت الشاة والناقة إلى حالبها: أسرَعت " (وهذا سير)، وتسميتُهم كلَّ ما يحمل بعيرًا. والمراد بالبعير في: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] الحمار "لأن إخوة يوسف كانوا بأرض كنعان، ولَيس هناك إبل، وإنما كانوا يمتارون على الحمير " [ل]. ومن المعنى كذلك: (البَعْر - بالفتح: الفقر التام الدائم (استفراغ ما في الحوزة تمامًا. وما في الحوزة كما في الجوف).