من الأضداد، ولا تضاد على الحقيقة: إذ الأساس إخراج ما في الحوزة، وهذا يتحقق في البيع والشراء معًا؛ إذ الفرق بينهما اعتباري: فإذا اعتُبر المُخرَج ثمنًا فهذا شراء، وإذا اعتُبر سلعة فهذا بيع. وعبارة الراغب هنا: "البيع: إعطاء المُثْمَن وأخذ الثَّمَن، والشراء إعطاء المن وأخذ المُثْمَن، ويقال للبيع الشراء، وللشراء البيع بحسب ما يُتصور من الثَمَن والمُثْمَن ". فإذا أضفنا أن البيع والشراء نشآ أولًا مبادلةً ومعاوضةَ سِلعة بسلعة، وأن النقود التي استُعملت في البيع والشراء نشأت متأخرة = تبيَّن سلامةُ تحديد معنى التركيب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والمبايعة صفقة تُبذل فيها الطاعةُ مقابلَ الرعايةِ والأمنِ، أو ثوابِ الله وفضْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. وأما "ابتاع الشيء: اشتراه " [المعجم الكبير] فهو من الأصل ولكن صيغة افتعل للاتخاذ قلبت المعنى. وبِيعَة النصارى - بالكسر: مكانُ بذل الطاعة من القلب، أو بيع النفس لله، كما كانت فرقة "الشُراة "تسمى نفسها. ودلالة الصيغة عل المكان كدلالة الحِلّة - بالكسر - عليه. وليس في القرآن من التركيب إلا (البيع) و (المبايعة) و (البيعة) كل بمعناه الذي ذكرناه.
• (بعث):
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
"بعثه من نومه فانبعث: أيقظه وأهَبَّه. وبَعَثَ البعيرَ فانبعث: حلَّ عقاله فأرسله، أو كان باركًا فهاجه وأثاره. وانْبَعث في السير: أسرع ".
° المعنى المحوري هو: إثارة (الحيّ) من مكان يلزمه بقوة فيندفع ناهضًا أو
стр. 142
مبتعدًا: كبعث النائم والبعير. ومن ذلك: (أ) بَعْثُ الموتى من القبور: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. وهو في كل القرآن بهذا المعنى - عدا ما في الفقرات التالية:
(ب) إنهاض رسول أو نبيّ، أو ملك، أو حَكَم، أو نقيب ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] , ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] , ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، ومنه ما في [البقرة ١٢٩، ٢٤٦، آل عمران ١٦٤، النساء ٣٥، المائدة ١٢, ٣١، التوبة ٤٦، يونس ٧٤، ٧٥: النحل ٣٦، ٨٤، ٨٩، الإسراء ١٥، ٩٤، الفرقان ٤١، ٥١، الشعراء ٣٦، القصص ٥٩، غافر ٤٠، الجمعة ٢].
(ج) والبَعْثُ: الإثارة والدفع نحو عمل شيء ما ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء: ٥] , ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢].
(د) بعث إنهاض بعد موت مؤقت أو نوم أو نحوه [البقرة ٥٦، ٢٥٩، الأنعام ٦٠, الكهف ١٢, ١٩].
والبعث في آية الرأس هو إقامة ربنا رسوله ﷺ في ذلك المقام العظيم، يوم القيامة للشفاعة العظمى، أو شفاعته ﷺ لأمته خاصة، أو أنه ﷺ أول مَدْعُوّ، أو عامٌّ في كل مقام حميد. والأول أقوى. وهناك خاص أتفق مع الرافضين له [ينظر بحر ٦/ ٧٠ - ٧١].
стр. 143
• (بعثر):
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]
"بعثرت التراب: قلّبته، والمتاعَ: قلته وفرَّقته وبدّدته، والحوضَ: هدمته وجعلت أسفله أعلاه ".
° المعنى المحوري هو تفريق الشيء المستقر أو تقليبه بلا نظام: كبعثرة التراب والمتاع والحوض بمعانيها المذكورة. ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]: أثير؛ فخرجوا على أحوال مختلفة. وكذلك بعثرة القبور نفسها فهو قلبها وإخراج من فيها.
• (بعد):
﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤]
"البُعْد - بالضم: خلافُ القرب: بَعُد الرجل - بضم العين وبكسرها، وتباعد، وأبعده غيره، وباعده، وبعّده - ض ".
° المعنى المحوري مفارقة جرم الشيء آخر معيّنًا بمسافة ممتدة تحجزه عن ملاقاته: ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢] , ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. ومثلها مما هو مستعمل للبعد المكاني (بعيد) [في هود ٨٣، ٨٩ الفرقان ١٢، ق ٣١، آل عمران ٣٠] , وللبعد الزماني [الأنبياء ١٠٩، النمل ٢٢، المعارج ٦]، وللكناية بالبعد المكاني عن عدم الإمكان [سبأ ٥٢, ٥٣, فصلت ٤٤؛ وكذلك ق ٣]، ولنفي الوقوع في النار [الأنبياء ١٠١]. كما صف بها الإيغال في الضلال، ونحوه من المفارقة على غير
стр. 144
رَشَد: ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣].
• ومن المفارقة بمسافة ممتدة تحجز عن اللقاء استعملت في الهلاك بلفظ (بَعِدَ) في [هود ٩٥] وبلفظ (بُعْد) في كل ما وردت فيه عدا [الزخرف: ٣٨].
ومن بعد المكان عبَّرت عن بعد العلاقة والصلة في القرابة بين الناس.
ومن الترتيب الطبيعي بين الأشياء المتباعدة، بأن يُدرَك أو يُرَى أحدها متأخرًا عن الآخر، في المرور بهما سيرًا، أو نحوه، عبّرت (بَعْدَ) عن الظرفية المكانية، ثم الزمانية. [مكان أو توقيت قال بينهما مسافة] وبهذا جاءت كل (بَعْدَ) ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه على وعرفوا مواضعه [التي أرادها الله ، وبين أحكامه]. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] أي بعد حديث الله، وقيل بعد قرآنه. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أي من بعد أن أضله الله [قر ٦/ ٨١، ١٦/ ١٥٨، ١٦٩] ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] أي بعد نُصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين [كشاف ٤/ ٥٥٤]. ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أي بعد ما عُدّ له من المثالب والنقائص [كشاف ٤/ ٥٧٥]. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] ذكر بعض أهل العلم أن (بعد) في موضع (مع) كأنه قال: والأرض مع ذلك دحاها كما قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [قر ١٩/ ٢٠٥]. والأَوْلى تفسير (بعد ذلك) أي بعد خلق السماء وما فعل فيها ﴿دَحَاهَا﴾ أي بسطها يعني الأرض. أي أنه تعالى خلق الأرض، ثم السماء، ثم
стр. 145
دحا الأرض [بحر ٨/ ٤١٤] وقال بهذا أيضًا مجاهد وغيره من المفسرين [ينظر قر ١/ ٢٥٥، وكذا بحر ٧/ ٤٦٥ عن فصلت ٩ - ١٢] وتقسيم خلق الأرض في آيات (سورة فُصّلت) إلى مرحلتين، ثم جمعها مع السماء في الخطاب بعد ذلك يوجه تلخيص أبي حيان. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] زبور داود، والذكر التوراة أو اللوح المحفوظ [بحر ٦/ ٣١٨، قر ١١/ ٣٤٩].
• (بعر):
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥]
"البَعْر - بالفتح وبالتحريك: رَجِيع ذَوَات الخُفّ والظِّلْف من الإبل والشاء وبَقَر الوحش إلا البقرة الأهلية، والأرنبُ تَبْعَر أيضًا ". "باعرت الشاة والناقة إلى حالبها: أسرعت ".
° المعنى المحوري هو: مفارقة للجوف أو الحيز مع تميّز (أو انتظام) وتوال: كما يخرج البَعْر كُرَاتٍ متواليةً منتظمة. ومنه أنه يقال لكل من "الجمل والناقة: بعير "إذا أَجْذعا (أي دخلا في السنة الخامسة)، لُحظ فيهما السير بهم وبأحمالهم بخُطّا واسعة تبديها سعتها متئدةً ومنتظمة رتيبة. والسير يُنظر إليه عندهم على أنه بذل لما في الجوف من قوة مذخورة. ويؤكد ما قلنا من أن سر تسمية البعير هو أنه كان وسيلة السفر والحمل عندهم قولهم: "باعرت الشاة والناقة إلى حالبها: أسرَعت " (وهذا سير)، وتسميتُهم كلَّ ما يحمل بعيرًا. والمراد بالبعير في: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] الحمار "لأن إخوة يوسف كانوا بأرض كنعان، ولَيس هناك إبل، وإنما كانوا يمتارون على الحمير " [ل]. ومن المعنى كذلك: (البَعْر - بالفتح: الفقر التام الدائم (استفراغ ما في الحوزة تمامًا. وما في الحوزة كما في الجوف).
стр. 146
• (بعض):
﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
"البَعُوض: البَقّ. بَعَضَه البَعُوض: عَضّه وآذاه " (بامتصاص بعض دمه).
° المعنى المحوري هو: أخذ (: اقتطاع) جزء مما يحتويه الشيء: كما يفعل البق (يمص الدم). ومنه: بَعْضُ الشيء: طائفة منه (كأنه جزء أو كتلة منه ذات جرم): ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
وفي آية الرأس قال [طب ٧/ ٤٨٩] "بعضكم أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم مِنْ بَعْضٍ في النُصْرة والملة والدين. وحُكْم جميعِكم في ما أنا بكم فاعلٌ على حُكْم أحدِكم في أني لا أضيع عمل ذكر منكم ولا أنثى "اهـ. أقول: لما كان الجنس البشري فريقين ذكورًا وإناثًا، فالذكور بعضُه، والإناث بعضه، فالذكور من الإناث، والإناث من الذكور، فالوعد يشمل كل أفراد البشر بلا استثناء ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] وهو ما خلا عن أمارة صحيحة أو سبب ظاهر [بحر ٨/ ١١٣]. وكل ما في القرآن من التركيب هو (بعض) بمعنى: جزء من شيء أو فريق من جماعة، وكلمة (بعوضة). وهي تستعمل لضرب من الذباب (يلسع)، وللبق، ولما نسميه في مصر الناموس. وكلها مما يمصّ الدم.
• (بعل):
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الصافات: ١٢٥، ١٢٦].
"البَعْل من النخل - بالفتح: ما شَرِب بعُروقه من الماءِ الذي تحتَ الأرض من غَيْر سَقْى أو ماء مطر ".
° المعنى المحوري هو: استقلالُ الشيء في تحصيل ما بِهِ قِوامُه مَصًّا: كما
стр. 147
يمتص النخل الماءَ من الأرض بعروقه. ومنه: "بَعْل النخل: التي تُلْقَح فتَحْمِل " (كأن المقصود أنها التي لا تحتاج مزيد عناية بعد الإلقاح).
ومن ذلك الاستقلال أُخِذ معنى السيادة (فهو معنى لزومي)، وبه سمي زوج المرأة بَعْلًا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. ومن هذا: "البعال والتبعل: الجماع وملاعبة الرجل أهله " (ممارسة الزوجية). كذلك منه: "بَعْل الشيء: ربُّه ومالكه. وبَعْلٌ والبَعْل: صنم (سمى بذلك لأنه - في زعمهم - ربهم ومالكهم): ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ ...﴾ [الصافات: ١٢٥, ١٢٦]. وبَعَلَ عليه (منع): أبى (اعتز واستعصى - استقلالا وسيادة). وليس في القرآن من التركيب إلا البعل: صنم، والزوج وجمعه بعولة.
ومن ذلك (مع أثر صيغة فَعِل للمطاوعة، وهي كالمفعولية): بَعِل بالأمر (كتعب): دَهِش وفَرِق وبَرِم فلم يدر ما يصنع (مُلِكَ، كما يقال: أُخِذَ: إذا دَهِش) أي أخذه الأمر واستغرقه. وكذلك: البَعِلة - كفرحة: التي لا تحسن لبس الثياب (مذهولة). وقولهم: هو بَعْل على أهله - بالفتح: ثِقْل عليهم (كأنه من الامتصاص في الأصل أي هو عالة عليهم يمتص معاشه منهم).
° معنى الفصل المعجمي (بع): تجمع مائع أو متسيب (ومنه المتهيئ للحركة) في حيّز يخرج منه: كما يتمثل في الماء الذي يبعه السحاب - في (بعع)، والسِلعة التي في حوزة صاحبها وتخرج منها - في (بيع)، والبعير البارك قبل أن يبعث - في (بعث)، والأشياء الكثيرة قبل أن تخرج متفرقة بلا نظام في (بعثر)، وفي الشيء قبل أن يحتبس بسعة المفارقة في (بعد)، وفي البعير من حيث استعداده للسفر به - في (بعر)، والشيء القابل للانفصال في (بعض)، والماء الباطن الذي ينجذب إلى عروق النخل - في (بعل).
стр. 148
الباء والغين وما يثلثهما
• (بغغ - بغبغ):
"بئر بُغْبُغ - بالضم، وبُغَيبِغ: كثير الماء قريب الرِشَاء. والبُغَيْبِغ - مصغرًا: التَيْس من الظباء إذا كان سمينًا. والبُغّ - بالضم: الجمل الصغير " [الرشاء: حبل الدلو].
° المعنى المحوري هو: فوران الشيء أو امتلاؤه بما هو غَضّ له حدة ما (١): كالماء القريب الرشاء، وحِدَّتُه غَزارته بحيث يصل إلى حافة البئر. وكالجمل الصغير (الناشئ حديثًا)، وهو غَضّ، وحدته قوته (الكامنة). وكذلك تيس الظباء السمين، وحدتُه سِمَنه. ومنه: بَغَّ الدَّمُ: هاج، فهو مائع، وحِدَّتُه هياجه.
• (بغو - بغى):
﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]
стр. 149
"البَغْوة - بالفتح: الطلعةُ حين تنشقّ فتخرُجُ بيضاءَ رَطْبة/ الثمرةُ قبل أن تَنْضَج/ قبل أن يستحكم يُبْسها. البَغْو والبَغوة: كل شجرٍ غضّ ثمرُهُ أخضرُ صغيرٌ لم يبلغ ".
° المعنى المحوري هو: تزايد الشيء نموًّا وقوةً أو توصّلا لاكتمال حاله: كالبغو الموصوف، فهو في طور النمو ليبلغ الاكتمال. ومنه: البَغِيّة - كهدية: الطليعةُ التي تكون قبل ورود الجيش (فهي تُهيِّئُ وتُمهد لبلوغ الجيش مأربه).
ومن التزايد اتجاهًا وتهيؤًا لاكتمال الحال جاء معنى الطلب لأنه ازدياد: "بَغَى الشيءَ يبغيه: طلبه ". وبه جاءت كل صيغتي (ابتغى)، (ابتغاء)، ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وكذلك صيغة (بَغَى) التي ليست لمعنى التجاوز. "بَغَى الضالّةَ والحاجة وكذلك ابتغى الشيء وتبغّاه واستبْغاه. والبُغْية - بالكسر والضم: الحاجة المَبْغِيّة ": ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ومن الطلب "بَغَت الأَمَةُ: عَهَرَت وزَنَت ". فهذا الأمر لا يكون إلا بقبولها - على الأقل، والرضا في باب الشهوة كالطلب، وقد يكون بسعيها حقيقة ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] (فالتي تريد التحصن ستقاوم فلا يجوز إكراهها. أما التي لا تريد التحصن فإنه لا يُستطاع منعها إلا بالحبس، وحبسها يُهْدر ما اقتُنِيت لأجله).
ومن مطاوعة الطلب: التأتي والتيسّر: "انبغى له الشيء: تسهَّل وتيسر (أن يصل إليه) ما يصلح له ": ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]: (لا حاجة به إلى ذلك، ولا يليق به،
стр. 150
هو سبحانه منزه عن هذا).
ومن التزايد جاء معنى التجاوز، لأنه تعدٍّ وتزيّد: "بغى عليهم: عَدَل عن الحق واستطال " (التعدي تزيد وتخطٍّ توصلا إلى نيل ما لا يُستحق). و "بَغَى الوالي: ظَلَم. وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء بَغْى " (كأن الأصل أن البغي لا يكون إلا عند التجاوز في استيفاء حق ما): وبه جاء كل لفظ (بَغَى)، (بَغْى)، (باغٍ) عدا ما أسلفنا من بغى التي للطلب. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠].
أما قولهم: "دَفْعنا بَغْىَ السماء خلْفَنا: أي شدتها ومُعْظم مطرها "فذلك من التزايد، كأنه كان يزداد ليبلغ أقصاه. ومعنى دفعوه خلفهم أنهم مروا واجتازوا المنطقة التي كان المطر يتزايد فيها فصارت خلفهم.
• (بغت):
﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]
"يقال: هو لا يأمن بَغَتَات العدُوّ، أي: فَجَآته. وبَغَتَهُ الأمر: فَجِئه "
° المعنى المحوري هو: المفاجأة بشديد أو مكروه: كنزول العدوّ، أو أمر مكروه، فجأة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]. والضمير في آية الرأس للساعة أيضًا. وليس في القرآن من التركيب إلا كلمة (بغتة) بالمعنى المذكور.
стр. 151
• (بغض):
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١]
"البُغْض - بالضم، والبِغْضة - بالكسر: نقيض الحب ".
° المعنى المحوري هو: احتواء القلب على مشاعر غليظة (من باب الكره والعداوة): ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] وليس في القرآن من التركيب إلا كلمة ﴿الْبَغْضَاءُ﴾.
• (بغل):
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]
"البغل: دابة متولدة من الحمار والفرس. نكح فيهم فبَغَلهم - مخففة ومضعفة: هَجّن أولادهم. وتزوج فلان فلانة فبغل أولادها: إذا كان فيهم هُجْنة ".
° المعنى المحوري هو: اختلاط سلالة الحي بسلالة جنس أغلظ منه فيبقى أثره فيها: كما في البغل، وكذلك شوب الأولاد بهجنة من جفاء جنس الأب. ومن ذلك: التبغيل من مشى الإبل: مَشى فيه اختلاف واختلاط بين الهَمْلَجة (مشى فيه سهولة) والعَنَق (سير مُسْبَطِرّ أي إسراع).
° معنى الفصل المعجمي (بغ): الامتلاء بما له حدّة: كما في السِمَن وكثرة الماء - في (بغغ)، وفي غضاضة (البَغْوة) وتزايدها في سبيل النضج - في (بغو - بغي) وهذه قوة نمو من باب الحدة، وفي وقع المفاجأة عند عدم التوقع - في (البغت)، وفي مشاعر الكراهة - في (البغض)، وفي غرابة الخروج عن الجنس السوي المعتاد - في (البغل).
стр. 152
الباء والقاف وما يثلثهما
• (بقق - بقبق):
"البَقّ: البَعُوضُ أو العِظامُ منه. وبقَّ النبتُ: طَلَعَ، والمرأةُ: كثُر أولادُها، والسماءُ: كثُر مطرها وتتابَع وجاءت بمطر شديد. وبقَّ الرجلُ: كثُر كلامُه، كأبقَّ وبَقْبَقَ، وهو مِبَقّ وبَقَاق - كسحاب، وَبقْبَاق: كثيرُ الكلام ".
° المعنى المحوري هو: خروج ما في الجوف أو استخراجه بقوة: كثرة أو اتساع (١): كما تكون البَقَّة منتفخةً لكثرة ما تَمَصّ من دَم. والأولادُ الكثيرون، والمطرُ الكثير الشديد، والكلامُ الكثير، كل ذلك كان محتوى في الجوف حقيقةً أو تصورًا. ومنه يقال: بَقَّ عِيَابَهُ، ومالَه: فَرَّقَهُ. (وبَسَطَ الخيْرَ لنا وبَقّهْ): أوسع من العطية. والبَقَاقُ - كسحاب: أسقاط ما في البيت من المتاع (محتواة في جوفه).
стр. 153
• (بقو - بقى):
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]
"المُبْقِيات - بضم فسكون: الأماكن التي تُبْقِى ما فيها من مناقع الماء ولا تشربه، ومن الخيل: التي يَبْقى جَرْيها بعد انقطاع جرى الخيل ".
° المعنى المحوري هو: دوام وجود الشيء في الجوف لا يفنى: كالماء في المبقيات، وكالقوة في مُبْقِيات الخيل. ومنه: "بقِىَ الرجلُ زمانًا طويلًا (كرضى): عاش " (ظل موجودًا على الأرض وهي ظرف كالجوف). ومن هذا قولهم للعدو إذا غَلَبَ عليهم: "البَقِيَّةَ أي: أَبْقُوا علينا ولا تستأصلونا (دعونا موجودين)، واستبقى الرجلَ وأبقى عليه: وجب عليه قتل فعفا عنه. وإذا أعطيت شيئًا وحَبَسْتَ بعضَه قلتَ: استبْقيت بعضه ". وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى دوام وجود الشيء أي عدم فنائه: إما في ذاته، وإما لأنه كان ضمن جمع من شيء، فذهب بعض الشيء أو أكثره، وبقي هو.
• وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] أي أولو تمييز وفهم [ل]، أي أولو عقل ولب، وهما في جوف الجسم (اللب والمخ كذلك) وكأن سبب هذا التعبير أن أغلب أهل تلك القرون كانوا محرومين من التمييز لغلبة الهوى والتقليد عليهم. ومن ذلك أيضًا ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] أي ثوابه المدَّخَرُ لكم عنده . ومن ذلك: "بقَوْت الشيء وبَقَيْته: نظرتُ إليه. بَقَاه بعينه بَقَاوَةً: نظر إليه "فالنظر بالعين، وجوهرة العين جرم غليظ سميك في جوف حِجَاجها، فالفعل أُخِذ من صفتها هذه إصابةً بها - كما يقولون: عانه وفَأَسَه. ويقال "ابقُهُ - بضم
стр. 154
القاف - بَقْوَتك مالكَ وبَقَاوتك مالك - بالفتح - أي احفَظْه حِفْظَك مالك ". (فالحفظ إبق اء للشيء في الحوزة سالمًا، أو هو من النظر السابق).
ومن البقاء (بمعنى عدم الفناء) ما في آية الرأس، وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم: ٥٠، ٥١]، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] المراد بها والله أعلم "كل عمل صالح يبقى ثوابه " [ل] ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]: لا يزال من ولده من يوحّد الله. [ل].
• (أبق):
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]
"الأَبَق - محركة: الكَتّان. تَأَبّقَت الناقةُ: حَبَستْ لبنها ".
° المعنى المحوري هو: حَبْسٌ مكروهٌ في حيّز أو جوف شيء: كاللبن في جوف الناقة وحبسه شديد (يضرّها ويضير أصحابها). والكَتّان يَحبس ويُمسك ما يُشَدّ به، إذ كانوا يصنعون منه الحبال قال الأعشى: (قد أُحكِمَتْ حَكَماتِ الِقدّ والأَبَقا). ومنه:
ألَا قالت بهانِ ولم تَأَبّقْ ... كَبِرْتَ ولا يليطُ بك النعيمُ
أي لم تستَخْف (أي لم تُوَارِ ذلك وتحبسه في جوف أو لم تَقُلْهُ في خِفْية). ومنه: "أَبَق العبدُ وغيرُه: استَخْفَى ثم ذهب ": ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (الاستخفاء يكون بالدخول في حيزٍ ما يستره أي الاحتباس فيه)، "وتأبَّق: استتر واحتبس ".
стр. 155
• (بقر):
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]
"البَقَرُ الأَهليُّ والوَحْشيّ: معروف. وناقة بقير: شُقّ بَطْنُها عن ولدها أيَّ شَقّ. والبَقِيرُ: المهرُ يولد في مَاسِكَة أو سَلى يُشقُّ عنه (والذي يولد في غير ماسكة ولا سَلَّى يُسَمَّى سَليلا)، وبُرْدٌ (= قطعة ثوب) يشق وتلقيه المرأةٌ في عُنُقها من غير كُمَّيْن ولا جَيْب. والمُبَقِّرُ (فاعل من بقّر - ض): الذي يَخُطّ في الأرض دارةً قَدْرَ حافر الفَرَس وتُدْعى تلك الدارةُ البَقْرة - بالفتح. وفي الحديث: "فأمر ببَقَرة من نحاس فأُحْمِيت .. قال الحافظ أبو موسى ربما كان قِدْرًا كبيرة واسعة، فسماها بَقَرة مأخوذًا من التبقر: التوسع، أو كان شيئًا يَسَع بَقَرة تامة بتوابلها فسميت بذلك "اهـ. وفي قول ابن الأعرابي: "فجاءَت فإذا البيتُ مَبْقُور .. أي منتشرٌ عَيْبَتُه " (العَيبة وعاء من أَدَم يكون فيها المتاع والثياب/ ينقل فيها الزرع المحصود إلى الجرين، وعِكْمُه الذي فيه طعامُه وكلّ ما فيه). "وقد بقّر القوم - ض أي: حَفَروا واتخذوا الركايا. وقالوا: عليه بَقَرة من عيال ومال أي: جماعة، وجاء يجُرّ بَقَرة أي: عيالًا ".
° المعنى المحوري هو: انفتاح جوف الشيء عما فيه باتساع: كالدارات، والركايا، والبيت المبقور، وجوف الناقة البقير، وبَقَرة النحاس، والبقير (الذي يُلبَس) مشقوقٌ في منتصفه فتحة ينفذ منها الرأس. والبقير (ذاك المولود) مبقور عنه. والعيال والمال في الحوزة مع كثرتهم وكون العيال (الأولاد) خارجين من بطن أمهم وصلب أبيهم، ثم اتُّسِع فشملت كلمة بَقَرة مالَ الرجل أيضًا.
أما البَقَرة المعروفة فسميت كذلك لاتساع جوفها بالنسبة إلى الجوازئ من
стр. 156
الظباء. ويمكن أن تكون علة تسمية الأهلية كذلك بَقْرَها الأرْضَ، أي حرثها إياها. وقد وُصفت البقرة في القرآن الكريم بأنها تثير الأرض ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]- ثم حُملت الوحشية الجازئة على الأهلية اتساعًا لشبهها بها. وليس في القرآن من التركيب إلا (بقرة) و (بقر) و (بقرات) بمعنى هذا الجنس من الأنعام.
ومن ذلك المعنى المحوري قالوا: "بَقَرْتُ بطنَه: شققتُه وفتحته. وبقَرتُ الحديث: فتَحته وكشَفته ". ومن الاتساع: "بَيْقَرَ الرجل: خرج من أرض إلى أرض/ نزل الحَضَر وأقامَ هناكَ وترك قومَه بالبادية " (الخروج إخلاء حوزة. والإبعاد اتساع). "والبَيْقَرَةُ: إسراعٌ يطأطِئ الرجل فيه رأسَه. وتَبَقَّرَ في الأهل والمال والعِلْم: توسَّع. ومحمد بن علي بن الحسين ﵃ هو الباقر: بَقَر العِلْم وعَرَف أصلَه واستنبَطَ فَرْعَه وتَبَقَّر في العلم ".
ومن ملحظ الخلو (مع صيغة المطاوعة في الاستعمال الأول) "بَقِر كَلْبُ (الصيد) (تعب): رأى بَقَر الوحش التي ينبغي أن يصيدها فتحير - كما يقال غَزِلَ إذا رأى الغَزال فلهِيَ (ولم يحاول صيده)، وكذا "بَقِر: أَعْيا وحَسِر، وبيقر أيضًا: شك (تحير)، مات (خلا بدنه من الروح). وبيقر في ماله: أسرع فيه وأفسده (أخرجه تبذيرًا). وبَيْقَر: حرص على جمع المال ومنعه " (من إحساس بفراغ الحوزة، أي خوف الفقر - كأنه من لازم المعنى).
• (بقع):
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠].
"غُرابٌ أَبْقع: فيه سَوَادٌ وبَياض. وذَوْدٌ بُقْع الذُرَى أي بِيضُ الأسنمة. ويقال
стр. 157
للأبرص: الأَبْقع. والبقيع: موضع فيه أُروم شَجَر من ضروب شتى " (= أصول شجر مقطوع مستوية بالأرض).
° المعنى المحوري ظهور مساحات محددة الاتساع تتميز بحدةٍ في ظاهر نافذة إليه: كذلك اللون المخالف، وحدّته لمعانه ومخالفته لما جاوره، وكتلك الأروم وهي غليظة. ومنه: "أرض بَقِعة - كفرحة: نَبْتُها متقطِّع/ فيها بُقَعٌ من نَبْت أي نُبَذ. والبُقْعة - بالضم والفتح: قطعة من الأرض على غير هيئة التي بجنبها " (متميزة واضحة). ومنه ما في آية الرأس. ثم قد تُطلق تعميمًا على كل قطعه من الأرض. أما قولهم: "ما أدرى أين بَقَعَ، أى: ذهب "، وكذلك: "انْبَقَعَ: ذهب مسرعًا وعدا "، فإما أنها من نفاذ البقعة إلى الظاهر، وإما أنها من الذهاب إلى (بقعة) ما.
• (بقل):
﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]
"البَقْل: ما كان يَنْبُت في بَذْرِه ولا ينبت في أَرُومة ثابتة، وليس من دِقّ الشجر ولا جِلّهِ، وإذا رُعِى لم يبق له سوق. أبقل الشجرُ: خرج في أعراضه مثلُ أظفار الطير وأعيُنِ الجراد قبل أن يستبين وَرَقهُ وذلك إذا دنا أيامُ الربيع وجرى فيه الماء. بَقَل وجهُ الغلام: نبتت لحيته. وبَقَل نابُ البعير: طَلَعَ ".
° المعنى المحوري هو: نباتٌ (أو شيء ينبت) ضَعيفا في ظاهر شيء: كالشعر، والناب، وكما ينفذ النبت من الأرض، والوَرَقُ من أعراض الشجر (ممتدًا وممسكًا بما خرج منه). [وفي فقه اللغة لأستاذنا الدكتور إبراهيم نجا (ص ٨٤): من أمثلة البقل: البرسيم، والحشيش والحِمْحم، والرُغْل، والنَجيل
стр. 158
(وكلها مرعى للأغنام)، والرجلة، والخس، والجزر، والجِرجير. اهـ ملخصا] (وكلها أصلًا مما ينبت من بذور جِدّ دقيقة وليس يُقصد منها حَصَادُها أو اجتثاثها بل أوراقها. وبها يفسر مما في آية الرأس).
° معنى الفصل المعجمي (بق): تميز ما في عمق الشيء وتعلق الأحداث به بقوة: كدم البدن الذي يمتصه البعوض، والنبت الذي ينبت من بذور في باطن الأرض - في (بقق)، واستمرار الشيء في الحيّز - في (بقو بقى)، والذي كان في الجوف فخرج - في (بقر)، والذي أوجد اللمعان واضحًا - في (بقع)، وأصل ما نبت مستقلًّا مميزًا - في (بقل).
الباء والكاف وما يثلثهما
• (بكك - بكبك):
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
"البَكْبَاك - بالفتح: القصير جدًّا إذا مشى تَدَحْرج من قِصَره. والبُكُك - بضمتين: الأحداث الأشداء. بَكَّهُ: زاحمه، وتباكّ القوم: تزاحموا. والبَكْبَكة: طرحُ بعض الشيء. وتباكّ: تراكم ".
° المعنى المحوري هو: ضغط يؤدي إلى تداخل جرم الشيء وانضغاطه بعضه في بعض (١): كما في المزاحمة، والقصيرُ يُتَوَهّم أنه مضغوط، كما عبروا عنه بالمتكاكئ.
стр. 159
ومن ذلك: "بَكَّ الرجلُ: خَشُن بدنُه شجاعةً " (هذا الاستعمال اللازم غريب، لكن يتأتى قبوله باعتبار أن الشجاع كالمصمت المدكوك ليس فيه خور)، وافتَقَر (انسحق بالشدة). ومنه: بَكّه: خَرَقَه (كأنه ضغطه بشدة حتى خرق جرمه)، وفلانًا: رَدَّ نخوته ووضَعَه (دَكَّه - كَبَسه)، وعنقَهُ: دقها. و "بكّة "يطلق هذا الاسم على مكة المكرمة، أو ما بين جَبَلَيْها، أو المَطاف، للزحام، أو لدق أعناق الجبابرة: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. وأرى أنه أطلق على ما بين جبليها حيث يبدو موضعُها وكأنه دُكَّ دَكًّا عن مستوى ما حوله، أو لمكانة زمزم منها؛ إذ نشأت بهَزْمَة (أي بَكّة) من جناح الملَك. والقصة معروفة.
• (بكى):
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]
"البَكَى - كالفتى: نَبْت أو شَجَر، واحدته كفتاة، إذا قُطِعَتْ هُرِيقَتْ لبنا أبيض ".
° المعنى المحوري هو: خروج المائع من جوف الشيء قليلًا قليلًا بنحو الاعتصار كما لو كان عن اكتناز وضغط شديدين: (كلمة "هريقت "هنا تعبر عن القوة النسبية لخروج ذلك اللبن على غير المعتاد لا عن أنه ينهمر) كخروج ذلك السائل خلال قطع البَكَاة. ومنه: "بكت عينه تبكي: خرجت دموعها (تتجمع الدمعة تسربًا من بين الجفن والبصر كالمعتَصَرة ثم تسيل) وإنما يكون
стр. 160
عن ألم شديد محتبس في النفس، ويعلل حينئذ بأن فيه تنفيسًا عن النفس.
والذي ورد في القرآن من هذا التركيب هو كله من البكاء: ذَرْف الدمع. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] و (بكيا) جمع باك. وقوله تعالى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] في [قر ١٦/ ١٤٠] حديث "أن للمؤمن بابًا في السماء ينزل منه رزقه وبابًا يصعد منه عمله، فإذا مات فقداه فبكيا عليه "يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملًا صالحًا تبكي عليهم لأجله، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك]. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] المقصود حقيقتهما، أو هو كناية عن السرور بالضحك، وعن الحزن بالبكاء [بحر ٨/ ١٦٥] أي هو سبحانه الذي يأتي بأسبابهما.
• (بكر):
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]
"باكورة الثمرة: أولها مجيئًا وإدراكًا. والباكورة: أولُ الفاكهة، وأول كل شيء. وبِكْرُ أبويه: أَوَّلُ ولد يولد لهما، وبِكْر كل شيء أوله ".
° المعنى المحوري هو: صدور شيء من أصله (بعد زمن خال من الصدور) بحيث يكون أوّلًا لما يصدر بعده من جنسه: كالولد من أبويه لأول مرة، وكما تخرج الثمرة من شجرتها لأول مرة مطلقًا أو في عامها. ومنه: البَكَرة - بالفتح والتحريك: تلك التي يُستقى بها من البئر فتُخْرج الماء من العمق (والعمق يوازي الامتناع السابق لصدور الباكورة)، ثم إن البَكَرة تتيح دوام إمكان إخراج الماء من عمق البئر أي استرسال ذلك. ومنه: "البُكرة - بالضم: الغُدْوة " (أولُ النهار حيث يخرج أول الضوء من عمق الظلام ثم يسترسل
стр. 161
مستمرًا ومتزايدًا): ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨]، ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] ومثلها كل (بُكْرَة) في القرآن. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] مصدر أبكر، ومثلها ما في [آل عمران: ٤١] وما فيه البكرة أو الإبكار ومقابلهما يصلح للتوقيت بهما، وللتعميم. ومن هذا عُمّم التبكير في المبادرة والإسراع، و "كل من أسرع إلى شيء فقد بكّر إليه "- ض.
ومن ذلك المعنى: "البِكْر - بالكسر من النساء: الجارية التي لم تُفْتَضّ (تُباشَرُ لأول مرة): ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] ومثلها ما في [الواقعة: ٣٦]، "بقرة بِكْر: لم تحمل " ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] (الفارض: المسنّة. فهي بينهما)، وأيضًا "التي ولدت بطنًا واحدًا (تلد لأول مرة) وبِكْرُها - بالكسر: وَلَدُها " (أول ولد). (وكل من ذلك يتلوه ما هو من جنسه).
ثم استعمل في الصغير نقلًا من حداثة صدور الجنس من مصدره إلى حداثة الصادر نفسه "الفَتِيّ من الإِبل بِكْر. وأبكار النخل: أفتاؤها/ صغارها ". ويتأتى أن تكون البكر من النساء من هذا أيضًا.
• (بكم):
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]
"شخص أبكم وبكيم. البَكَمُ (مصدر): الخَرَس، وقيل: هو أن يولد الإنسان لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر ".
° المعنى المحوري هو: انسداد أعلى الشيء على ما يمتلئ به جوفه فلا ينفُذُ منه شيء (بك للامتلاء والازدحام، والميم للضم والإغلاق): وهذا يصدق على كلا التعريفين السابقين، ولكن بالنظر إلى ما في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]
стр. 162
حيث جاء مع البكم بما يعني انسداد الأذن خاصة، وبما يعني انسداد العين خاصة، نجد أن البَكَم إنما يعني ما هو من قبيل انسداد الفم خاصة، أي الخَرَس. ويؤيد هذا أيضًا قولهم: "رجل بَكِيءٌ: قليل الكلام ". فالفصل قوي الصلة بحبس الكلام. ولم يأت في القرآن من التركيب إلا (الأبكم) وجمعه (بُكْم).
° معنى الفصل المعجمي (بك): الانضغاط والاندكاك بدقة أو حدّة: كما في البكّ: المزاحمة - في (بكك)، وكما في ما يشبه العصر الذي يتولد عنه مائع قليل - في (بكى)، وكما في بدء وجود الشيء أي تكونه صغيرًا كأنه مضغوط قبل أن يتزايد مسترسلًا - في (بكر)، وكما في انضمام أثناء الشيء على ما فيها فلا تتفتح في (بكم).
الباء واللام وما يثلثهما
• (بلل - بلبل):
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
"البَذْر والبُلَل - كصرد: واحد. يقال: بَلُّوا الأرضَ: إذا بَذَروها بالبُلَل. ويقال للإنسان إذا حَسُنت حاله بعد هُزال: قد ابتل وتبلّل. وقد بَلَّ فلان من مرضه وأبَلّ واسْتَبَلّ: بَرَأ. البُلْبُل - بالضم: قَناةُ الكوز، والهَوْدَجُ للحرائر ".
° المعنى المحوري هو: تحصل لطيف في الأثناء بتمكن (١): كالبَذْر في جَوْف
стр. 163
الأرض يَبْقَى وينبُتُ فيَظلّ عالقًا، وكالشحْم والسِمَن في الجوف، وكالماء في بُلْبُل الكوز لا يتسيب ولا يتبعثر، وكالحُرّة في الهودج يضمها. (ومنه البُلْبُلة التي تُعلّق في عنق الحمار ونحوه فيها حصاة). ومن ذلك: حديث لقمان: "ما شيء أَبَلّ للجسم من اللَهْو. والمعنى: ما شيء أشدّ تصحيحًا وموافقة للجسم منه " (أي يملأ البدن رِيًّا، والمقصود الانشغال عما يغمّ النفس بما لا يخالف الشرع).
والحصول في الأثناء إمساك وامتساك فيها، وله صور كثيرة: "الأبلّ: الرجل المَطُول الذي يَمْنَعُ (يمسك) ما عندَه من حُقوق الناس بالحَلِف ". "وأَبَلّ الرجل: امتنع وغلب (تماسك). والمُبِلّ - بضم فكسر: الذي يُعْييك أن يتابعك على ما تريد (مستعص متماسك). وصفاة بَلّاء: ملساء (ويكون ذلك من شدة اكتناز جِرمها وتماسكه) والأبلُّ: الرجل الشديد الخصومة " (انظر لدد).
ومن صريح ذلك قول ابن الأنباري في شرح قول طرفة:
إذا ابتدر القومُ السلاحَ وجدتَنِي ... منيعًا إذا بَلَّتْ بقائِمِه يدي
: "أي عَلِقَتْ بقائمه يدي وظَفِرَتْ به يقال: بَلِلتُ به: ظَفِرتُ به " [شرح
стр. 164
القصائد السبع الطوال ٢١٦] أي صار في يدك. وبَلَّ إنسانًا وبل به (كفَرّ ومَلّ): لزمه وداوم على صحبته. ومنه: "البَلَل - محركة: النُدُوّة (علوق الماء أو النَدَى بأثناء الشيء، وقد كان طيُّ السقاء على بُلولته مما يكفل بقاء تماسكه وعدم تشقُّقه جفافًا). والبَليلة: ريح فيها مَطْرة ضعيفة أو نَدّى (تحمله في أثنائها)، والِبلَال - ككتاب: كل ما يُبَلّ به الحلق من الماء واللبن ". وقولهم: "بلِّ رحمه: وصلها "هو من هذا البلل: النداوة على المثل.
و"بل "التي للإضراب هي بمعنى الحَبْس، أي إيقاف الأمر إبطالًا أو انتقالًا ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦]. [وينظر معجم حروف المعاني ٢/ ٤٩٧].
• (بلو - بلى):
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]
"البَلِيَّة: الناقة تُعْقَل عند قَبْر صاحبها (في حفرة مشدودةَ الرأس إلى الخلف) فلا تُعْلَفُ حتى تموت. وناقة بِلْوُ سَفَر وبِلْىُ سَفَر - بالكسر: أبلاها السفَر (كذا وإنما المقصود أنها دائمة الأسفار بدليل قولهم: هو بِلْىٌ وبِلْوٌ من أبلاء المال، أي قيّم عليه، وبِلْىُ شرٍّ وبِلْوُه: قوِيٌّ عليه ".
° المعنى المحوري هو: شدة تحُوز الشيء - أو حَوْز الشيء بشدة - لمدى طويل: (ويلزمه بيان حال الشيء الذي حِيزَ في شدة): كالناقة المُبْلاة للمنون أي المحبوسة له بتلك الصورة، والدائمة السفر (كما يفهم من قولهم ذاك). ومنه: مع بيان الحال "ابتلاه الله: اختبره (كأنما اختبر صبره وتحمُّلَه الاحتباسَ والبقاءَ على وضع شديد) ويقال أيضًا: بَلَوْته: امتحنته ". ومن هذا "البلاء: الاختبار والمحنة والغم ". وقد جاء التعريض لشدة مع لازمها، وهو تبيُّن الحال، صريحًا في آيات
стр. 165
كثيرة ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]،. ومع اعتداد النعم هي أيضًا شدائد أي مجال اختبار من حيث إنها تستوجب شكرًا وحسن استعمال يؤدَّيان أو لا يؤَدَّيان، يتبين أن الفعل (بلا يبلو) جاء في القرآن الكريم للشدة ولازمها الاختبار معا، أو للشدة فقط أو للاختبار ولازمه العلم. فللشدة فقط، (عقوبة): ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وللعلم فقط: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. وسائر ما في التركيب من الفعل (بلا يبلو) أو الاسم (بلاء) أو اسم الفاعل (مبتلى) فهو بمعنى الشدة مع الاختبار (تبيُّن الحال) ويُحتاج في بعضها إلى بعض التأمل.
• ومن ماديّ المعنى المحوري قولهم: "بَلِىَ الثوب " (كرضى)، ولا يكون ذلك إلا عن طول استعمال مع امتهان - كما سموها: "ثياب المَهْنة "ويلحظ أثر الصيغة.
هذا وقد فسر [طب ٢/ ٤٨] قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] بالنعمة. وقد ذُكِرَتْ بعدَ نِعَم كثيرة عدَّدَها الله على بني إسرائيل. ثم رد [طب] استعمالات الجذر كلَّها إلى الاختبار مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وكذلك في ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: أي اختبره، كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] [طب ٣/ ٧]. وأرى أن المعنى المحوري الذي حددناه أدق، لأن من الاستعمالات ما ليس اختبارًا، كما هو واضح في: الناقة البلية، وبِلْوِ السفر، وبِلْو المال. وإنما المعنى وقوع في حيزِ شدةٍ أو في حيزٍ مع شدة. وهي في آية [البقرة: ١٢٤] التكليف،
стр. 166
فالتكليف فيه مشقة أداء العمل المكلَّف به، والمسئولية عن الأداء، وإحسان الأداء أمام العزيز سبحانه. ثم يترتب على تنفيذ التكليف بيان الحال. وقد سبق الراغب بكثير من هذا.
أما "بلى "التي هي "جواب استفهامٍ معقودٍ بالجحد توجب ما يقال لك " [ق]، فهي من معنى الوقوع في حيز يحبس حبسًا قويًّا دائمًا. والحبس هنا واقع على المنفى بعد الاستفهام، كما يعبَّر الآن بإيقاف الأمر، أو تعليقه، أو تجميده، وكلها بمعنى الحبس. وذلك يؤدي معنى النفي، ونفي النفي إثبات؛ فهي لإثبات ما نفى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وكل (بلى) في القرآن فهي ردٌّ أو نفيٌ لإنكار أو نفي. وفي قوله تعالى ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] قال [بحر ٧/ ٤١٩] "ولما كان قوله ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: ٥٧] وجوابه متضمنًا نفي الهداية كأنه قال: ما هداني الله: قيل له ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ مرشدة لك (فكذّبْتَ بها). [وينظر معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ٢/ ٥٠٢].
• (بول):
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]
"البالة: القارورة، والجراب، ووعاء الطِيب. والبول - بالفتح: ذلك الذي يخرج من القُبُل ".
° المعنى المحوري هو: احتواء مادة لطيفة في الباطن تخرج أو يظهر أثرها: كتلك الأوعية تختزن ما يوضع فيها ويُخرَج، وكالبول وهو مائع مختزن يخرج، والقارورة يظهر ما في باطنها. ومنه: البال: الذي يُعتَمَل به في أرض الزرع (المسحاة) (يجمع التراب لتدفن البذور في باطنه لتنبت كأنه بمعنى اسم الفاعل). والبالة: عصا فيها زُجّ تكون مع صيادي البصرة يصيدون بها السمك يرمونه بها
стр. 167
(تنشب في السمك - وهو لطيف خفي في الماء - فتخرجه).
ومن ذلك: "البال: النفس، والقلب (كما يسمى لُبًّا وحِجْرا). والبال: الحال التي تكترث بها " (١) أي التي تتعلق بأمور جوهرية (تُشغَل بها وتحتويك): ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في الدين والتسليط في الدنيا [الكشاف ٣/ ١٢٧]، (وفي ل: حالهم في الدنيا). "وكل أمر ذي بال .. "أي ذي قيمة في باطنه: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]: سأله عن حال النسوة ... ليجدّ في التفتيش عن حقيقة القصة [الكشاف ٢/ ١٤١]، أي ما حقيقة أمرهن مع يوسف، والحقيقة باطنة مستقرة. وكذلك: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١] أي ما حقيقة أمرها وأخبارها. وكذلك: ما بالك تفعل: ما حقيقة أمرك في هذا الذي تفعله؟ لم تفعله؟ والبال: الاكتراث (الهم الذي يشغل النفس بالأمر).
• (وبل):
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]
"الوَبِيل والمَوْبِل - كمجلس: العصا الغليظة الضخمة. والوَبيل كذلك: خشبةُ القصّار التي يَدُقّ بها الثياب بعد الغَسْل، وخشبة يُضْرَبُ بها الناقوس. والوبيل والوبيلة والإبَالة - كإفادة، والمَوْبِلة - كمنزِلة: الحُزمة من الحَطَب. والوابلة: طَرفُ العَضُد في الكتف وطرَف الفَخِذ في الوَرِك. وقيل: الوابلتان: ما التفّ من لحم الفَخِذين في الوركين ".
стр. 168
° المعنى المحوري هو: غلظ الجرم مع امتداد ما - أو غلظ ما يتعلق به: كالعصا الغليظة الضخمة، وخشبة القصار - وهي كذلك، وكطرف العضد والفخذ وهما ممتلئان مكتنزان - ويلزم ذلك المعنى الثقلُ الشديد.
ومن ذلك المعنى: "الوَبْل - بالفتح والوابل: المطرُ الشديدُ الضخمُ القَطْرِ (والمطر يبدو في نزوله كأنه ممتد): ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. ومثل ذلك ما في [البقرة: ٢٦٤] والوابلة: نسل الإبل والغنم " (ناتجة منها أي ممتدة فتكثر وتجتمع، والاجتماع من باب الغلظ؛ لأنه كِبَر حَجْم).
ومن الثقل المعنويّ: "أرض وَبِلة - كفرِحة: وَبِئة وَخِمة. وماء وَبيل ووَبِئ: وَخِيم غيرُ مرئ. وقيل: هو الثقيلُ الغليظُ جدًّا (وفي قر: طعامٌ وَبيل: ثقيل). ومنه: "الوَبَلة - بالتحريك: الثِقَل والوخامة مثل الأَبَلة. والوبال - كسحاب: الشدة والثقل ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]: ثِقْله ووِزْره، ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]: عقوبةَ ذنبه ... وأصل الوَبال: الشدة في المكروه. ومثله ما في [الحشر: ١٥، والتغابن: ٥] هكذا رأى [طب ١١/ ٤٧] وقريب منه ما قال [قر ٦/ ٣١٧]. والأدق في ضوء الأصل أن يقال: ليُحسّ أو يدرك ثِقَل ما اقترف أو وخامته. فالأمر هنا تكفير عن معصية بَهدْى بالغ الكعبة أو كفارةٍ طعامِ مساكين أو عَدْلِ ذلك صيامًا، وهي قُرُبات فيها معاناة أو تكلف وثِقَل، ولكنها محمودة العاقبة، وليست عقوبة صرفة تقارن بأخذ فرعون ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ في [المزمل: ١٦]. ومن المعنى كذلك: "ضرب وبيل: شديد " (ثقيل). "ووَبَل الصيدَ وَبْلا وهو الغَتُّ وشدةُ الطرد " (حتى يثقُل ويعجِز).
стр. 169
وأما قولهم: "للشاة وَبَلة شديدة - محركة أي شهوة للفحل. وقد استوْبَلَت الغنم "فهي من الغلظ، أو الثقل، كأن ذلك استحمال.
• (أبل):
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]
"الإِبل - بكسرة وبكسرتين: جِنسُ الجِمَال، والسحابُ الذي يحمل الماء. وقد أَبَلَت الإبل (قعد وكسمع وضرب): جَزَأَتْ بالرُطْب عن الماء. وبَعير أَبِلٌ - ككتف: لَحيم. وتأبيل الإبل: تسمينها ".
° المعنى المحوري هو: احتواء باطن الشيء على غضًّ أو لطيف كثير: كالماء في جوف إبل السحاب والجِمال، إذ الجِمال أطولُ الأنعام والدوابِّ رِيًّا؛ لأنها تصبر عن الماء ثمانية عشر يومًا (١)، كما هو معروف، لذا فُضّلت في التنقل في الصحراء. وكانوا إذا أعوزهم الماء في السفر يبقرون بطونها ليأخذوا الماء من أجوافها. فإذا توقعوا ذلك قبل السفر سَقَوْها ماءً كثيرًا على سبيل الاختزان [ينظر تاريخ طب ٣/ ٤٠٩ و ٤١٥ - ٤١٦]: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. ومنه "أبَل العُشْبُ أُبُولا: طال فاستمكنت منه الإبل " (كذا) والمقصود طال بقاؤه بالأرض مع رِيِّه وما تغذوه به الأرض فكَبِر وطال جرمه. و "أَبَلت الإِبل أبولا: أقامت بالمكان " (لزمت حَوْزته فسَمِنت وكثُرت، ثم هي من أشهر النعم عندهم).
ومن الكثرة المحتواة في حوزةٍ: "الإبَالة - كرسالة: الحُزْمة الكبيرة من
стр. 170
الحطب " (تجمع وتماسك)، (وكإِجَّانة ويخفف وسِكِّيت وعِجَّوْل ودينار): "القطعة من الطير والخيل والإبل " (كثرة وتلازم)، والأبابيل جمعُها: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، والحُزْمة من الحشيش كالأبيلة. "ناقة أَبِلَةٌ: مباركة في الولد " (في بطنها كثير). و "الأَبلة - كفَرِحَة: الطَلِبَة "والحاجة (يراد ضمها واحتواؤها).
ومثلُ أُبُول الإِبل أي اجْتِزائها بالرُطْب عن الماء: "أَبَلَ الرجل عن امرأته: امتنع عن غشيانها، كتأبّل " (اختزن أو أمسك ماءه). ومن هذا: "الأبيل: الراهب ". (لا يتزوج).
أما "الأبلة - بالتحريك أو الفتح: الثِقَلُ والوخامةُ، كالأَبَل "- محركة - (كأنما من رخاوة في الجوف تسبب الفتور)، والإثمُ (وهو ثقل كالوِزْر). والإِبْلة - بالكسر: العَدَاوة " (كالحقد في القلب)، فمع أن الثقل لازم "للكثرة المحتواة "التي جاءت في المعنى المحوري، فإن الأشبه أنها من (وبل)، بإبدال الواو همزة.
• (بلد):
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]
"الأَبْلَدُ من الرجال: الذي ليس بمقْرُون الحاجبين. والبَلْدة - بالفتح: ما بين الحاجبين غير المقرونين/ نقاوة ما بين الحاجبين - وتضم، وراحةُ الكف، وثُغْرة النحر وما حولها، ومنزلة من منازل القمر خَلاءٌ لا نجوم فيها. والبَلَد - محركة: ما لم يُحْفَر من الأرض ولم يُوقَد فيه، والأَثرُ في الجسد (من حرق أو نحوه)، وقد بلّد السحاب - ض: لم يُمْطِر، والفرسُ: لم يَسْبِق، والإنسانُ: لم يجُد. ورجل أبلد: غليظ الخَلْق ".
° المعنى المحوري هو: إصماتُ ظاهرٍ متسعٍ بحيث يحتبس فيه (أي لا ينفذ
стр. 171
منه) ما يُتَوقَّع أو يُعتاد نفاذه: كتلك البقع الخالية من الشَعَر بين الحاجبين، وراحة الكف، وثُغْرةِ النحر، وخُلُوِّ منزلة القمر تلك. وكذلك الأرض التي لم تُحْفَر لم تُفْتح أي تُشَق ويُنفَذْ منها، وأثر الحَرق والجَرْح لا ينفُذ منه شَعَر. وكالمطر الذي لا يخرج من السحاب، والفرس الذي لم يَنفُذ من بين غيره، والإنسان الذي لم يبذل ويُخرِج شيئًا من ماله، والغليظ الخَلْق لا يكاد يُخْتَرق (أو هذا من إصمات الظاهر).
ومن ذلك "البلد - محركة: كل موضع متحيز من الأرض عامر أو غامر (تحيّزه كأن عليه حاجزًا يحبس). وأرى أن أصل البلد المسكون أنه مساحة خالية متميزة تُتَّخذ للإقامة، والإقامة احتباس وقد جاء "البَلَد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ". وقد بَلَد بالمكان (قعد): أقام به ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] هو مكة بلد الله الحرام، ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]: لبقعة من الأرض أو قُطْر ميت، ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]: قُطْر أو مدينة. وبمثل هذا المعنى جاء سائر ما ذكر من (بلد) و (بلدة) في القرآن ووصفها بـ (طيب) أو (ميت) يخصصها بقطر أي أرض من شأنها كذا. وجمعها (بلاد) هو للمدن والقرى ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٨] والأقطار ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] وكذا ما في [غافر ٤، ق ٣٦]. ومن هذا: "البَلَد: القبر " (حيز لا يغادره صاحبه).
ومن ذلك المعنى البلادة: "رجل بليد وقد بلُد (ككرم): إذا لم يكن ذكيًّا (الذكاء حدة فكر ونفاذ)، والبليد من الإبل: الذي لا ينشِّطه تحريك " (لا يجعله يُنْفِذ شيئًا، والسير إنفاذ لمذخور القوة في الباطن).
стр. 172
• (بلس):
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]
"البَلَس - محركة: ثمر التين إذا أدرك، واحدته بتاء، وبضمتين: العَدَسُ، وهو البُلْسُن أيضًا. والبَلَسان: شجر له دهن حار يتنافس فيه " [تاج].
° المعنى المحوري هو: اشتمال باطن الشيء على حدَّة لا تظهر: كما تحتوي ثمرة التين على حُبَيبات دقيقة صُلْبة في جَوفها، وكما تحتوي جُبَّة العَدَس على حبته الصلبة الدقيقة، وكما يحتوي حب البَلَسان على دُهْن حارٍّ خَفِيٍّ فيه، وهذه الحرارة حدة تناسب الخشونة والصلابة.
ومنه: "أبلَسَتْ الناقةُ: لم تَرغُ من شدة الضَبَعة، أي الشهوة للقاح، والناقةُ مِبْلاس " (فالشهوة الشديدة تسبب لها نوعًا من الألم الحادّ أو التوتُّر ينتشر في باطنها فلا ترغو). ومنه أيضًا: "أبلس الرجل: سكت غمًّا، أو حُزنًا، أو يأسًا وحيرة، أو ندمًا، أو لانقطاع حجته .. " (فالحزن وغيره من المشاعر الحادة القاسية التي تعتمل في جوفه تمنعه من الكلام يأسًا من جدواه). وهذا كما يقولون: سكت على مَضَض، أي على حُرقة وألم لاذع في الجوف .. وربما قيل في هذا: "ضَمِدَ ": ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ومثلها ما في [المؤمنون: ٧٧]، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٨, ٤٩] ففي كل ذلك هناك حُرْقة في الجوف تحسُّرًا أو ندمًا أو يأسًا. وفي الآية الأخيرة يجوز أن تكون الحرقة حقيقيةً من شدة
стр. 173
الجفاف، كما قالوا: عام الرَمادة، من الرَماد: دُقَاق الفَحْم من حُراقة النار.
بقى من هذا الجذر كلمة إبليس وهي عند الكثيرين معرَّبة [الجواليقي شاكر ٧١، ف عبد الرحيم ١٢٢)، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ١٨٥] لكننا نتبين بوضوح أن اللفظ والتسمية هي من المعنى الذي ذكرناه: فقد ذكر القرآن الكريم إبليس في مواضع ذكره (أَحَدَ عَشَر موضعًا) - عارضًا إباءه السجود لآدم استكبارًا لأنه - في زعمه - خير من آدم، إذ هو خُلِق من نار وآدمُ من طين. ولما لُعن وطُرد قال: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] فهذه طبائع مخلوق يُكنّ في طويته فسادًا وكفرًا بعصيانه ربه - وهذه محادّة وخشونة، ويكنّ كِبْرًا وهو غلظ ومشاعر حادّة نحو غيره، وحِقدًا جعله يُقسم أن يغوي ذرية آدم، والحقد غلّ وحرارةُ جوف. ثم إنه لقى من جزاء تكبره ما أمضّه وأحرق قلبه غيظًا ومزيد حقد وعجرًا - وهذا تأويل اسمه على الفاعلية والمفعولية معًا. وعلى الوجهين فاللفظ مأخوذ بوضوح من المعنى الذي ذكرنا.
وهنا وجه آخر لتسميته قد يكون أوجه مما سبق وهو أنه مسمىَّ بعمله وهو الوسوسة، وهي الكلام الخفيّ، وحديث النفس، والحديث إلى النفس "وسوس في صدره الشيطان: حدّثه في نفسه "والتركيب أصيل في التعبير عن عدم التصويت وعدم إظهار صوت كما في "أبلس الرجل، وأبلست الناقة "وقد ذكرناهما.
بقى من ركائز القائلين إن اللفظ معرّب أنه ورد في القرآن ممنوعًا من الصرف، ولا علة لذلك مع العَلَمية إلّا العُجمة - على دعواهم. وهذا مردود بأن العَلَمية وحدها تكفي علّةً لمنع الصرف عند كثيرين؛ لأن للعَلَمية من القوة ما ليس لغيرها، ولورود السماع (أي سياع منع العَلَم من الصرف لعلة العَلَمية
стр. 174
وحدها) في العَلَمية دون غيرها. ثم إنهم قالوا في جواز منع المصروف أربعة مذاهب أحدها الجواز مطلقًا ... والرابع جواز ذلك في العَلَم خاصة [شرح الأشموني وحاشية الصبان جـ ٣/ ٢٧٦]، ثم عللوا منع الصرف بثقل الاسم الممنوع من الصرف، وأن منعه يخففه [المصدر السابق ص ٢٢٧ الحاشية] حيث وصف الذي لا ينصرف بالثقيل [وص ٢٢٩/ الشرح] حيث قال إن المفرد الجامد النكرة/ كرجل وفرس/ خفيف فاحتمل زيادة التنوين. والذي يُشْبه الفِعلَ ثَقُل ثِقَله فلم يَدْخله التنوين. وأيضًا [ص ٢٣٧/ الحاشية]، حيث قال إن فائدة منع العَلَم المعدول تخفيف اللفظ وتمحضه للعلمية). ولذلك قال [طب ١/ ٥١٠] تُرِك إجراؤُه (يقصد صَرْفه) استثقالًا، إذ كان اسمًا لا نظير له من أساء العرب (يقصد أنه نادر لا أنه منقطع النظير فسيأتي أن له نظائر) فشبهتْه العرب بأسماء العجم التي لا تُجْرَى اهـ. ونظير إبليس في المنع استثقالًا قولهم: نار إجْبيرَ - غير مصروفة، وهي نار الحُباحِب [ل جبر ١٨٦/ ١٢]. ثم إن للكلمة من حيث صيغتها نظائر في العربية مثل إبريق، وإبريج (الممخضة)، وإجفيل (: الجبان، والظليم ينفر من كل شيء، والقوس البعيدة السهم)، وإخريط (نبات من الحَمْض يُغْسل به)، وإبريز (الخالص من الذهب) وغيرهن .. فليست هناك أية حجة قائمة لزاعمي تعريب لفظ إبليس. ويضاف الآن أنه يؤخذ مما أورده د. ف. عبد الرحيم في تحقيقه لمعرب الجواليقي أن للكلمة صيغة سريانية غير مبدوءه بحرف (د) وهو نفس الحال في العربية، في حين أن ما يُدَّعَي أنه الأصل اليوناني مبدوء بالدال وكذلك الحال في أربع لغات أوربية. فهذا وجه جديد لإضعاف ادعاء تعريب الكلمة، ثم إذا كانت في السريانية فهي من المشترك السامي (= الأعرابي = الجزري). والعربية أصل الساميات (: الأعرابيات = الجزريات).
стр. 175
• (بلع):
﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤]
"البَلُوع: الشراب. والبُلْعَة - بالضم من الشراب: كالجُرْعة. والبالوعة - وكسَبّورة: بئر تحفر وَسط الدار ويُضيَّق رأسُها يجرى فيها المطر. بَلِع الشيء (كسمع) جَرَعه، وبلِعَ الطعامَ وابتلعه: لم يمضغه " (أي بلعه دون مضع).
° المعنى المحوري هو: جذب الشيء إلى الجوف بقوة: كما وُصِف: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: ٤٤]. ومنه: البُلَعَة - كهمزة: ثُقْب البَكَرة (الذي يَبْلَع المِحْوَر). والمَبْلَعُ والبُلْعُم والبُلْعوم - بالضم فيهما: مَجْرَى الطعام وموضعُ الابتلاع من الحلق.
• (بلغ):
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]
"بَلَغْت المكان: وصلت إليه، والتَبْلِغَةُ: حَبْل يُوصَل به الرِشاء إلى الكَرَب " [الرشاء هو الحبل الذي يُرْبط في الدلو ليُنْزَل به إلى البئر ثم يُرْفع به إلى أعلى، وأعلى الدلو خشبة أفقية مثبتة في فتحته، يربطون فيها حبلًا يسمَّى الكَرَب، وهم يربطون الرشاء في هذا الكرَبَ. فإذا قصر الرشاء وصلوه بحبل يسمى التبلغة، وربطوا التبلغة في الكَرَب]: والتبلغة أيضَا: "سير يُدْرَج (يلف) على السِيَة - أي طرف القوس المربوط فيه الوتر، حيث انتهى طَرَفُ الوتر - ثلاث مرات أو أربعًا، لكي يثبت الوتر. بلغ النبتُ: انتهى (أي تم نموه)، والنخلةُ وغيرها: حان إدراك ثمرها، والغلامُ: أدرك/ أحتلم، وكذا الجارية ".
стр. 176
° المعنى المحوري هو: وصول الشيء إلى غاية له: مكان أو شيء أو مَدًى مقصود: كالوصول إلى المكان وكتبلغة الدلو، أما تبلغة الوتر فهم عدُّوا تثبيت الوتر في مكانه تبليغا له؛ لأنه بدونها يتقلص وكوصول النبت والنخلة إلى غايتهما، والغلام والجارية إلى طور الرجولة وكمال الأنوثة. فمن الوصول إلى المكان: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٦, وكذلك ما في ٩٠، ٩٣، ٦٠، ٦١، البقرة: ١٩٦، المائدة: ٩٥، التوبة: ٦، الرعد: ١٤، النحل: ٧، الأحزاب: ١، غافر: ٣٦، الفتح: ٢٥، الواقعة: ٨٣، القيامة: ٢٦].
ومنه الوصول إلى زمن أو مستوى عمري معين: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤]، ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩]، وكذلك سائر ما في القرآن من التركيب عدا ما سبق وعدا ما هو من تبليغ القرآن والرسالة مثل ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ومن هذا ما في [المائدة ٦٧، الأعراف ٦٢، ٦٨، ٧٩، ٩٣، هود: ٥٧، الأحزاب: ٣٩، الأحقاف: ٢٣، الجن: ٢٨] وكذلك كلمة (بلاغ) فالمقصود بها تبليغ الرسالة. ونقف عند ما لم نضمنه ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] فكل منهن بلوغ أي وصول إلى قدْر ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] أي لتنالوها. و "بالغ: اجتهد ولم يُقَصِّر (ليصل إلى المقصود، كأن الصيغة للمحاولة) والبلاغ - كسَحاب: الكفاية (التي تُبَلِّغ) والبُلغة - بالضم: ما يُتَبلَّغ به من العيش (توصيل مؤقت) وقد "تبلغ بكذا: اكتفى به " (ليصل). ويقول من سمع خَبَرًا لا يعجبه: "اللهم سَمْعا لا بَلْغا "- بالفتح - أي نَسْمَعُ به ولا يَتِمّ " (أي لا يبلغنا/ لا ينالنا): ﴿قُلْ
стр. 177
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]: التامة الغالبة التي تَبهَتكم، ذلك أن الله حكى عنهم في الآية السابقة لهذه ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ويترجح لدىّ أنهم يقصدون بهذا أن يقولوا إنك يا محمد تقول إن الله بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير، فعلى ذلك فلو شاء ما أشركنا ولا حرّمنا ما لم يُحرِّمه. وكأنهم يحتجون على النبي ﷺ بما في القرآن الكريم من أنه سبحانه ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] و ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾، ثم يستظهرون بما هم فيه من الإمهال، وأنه تعالى لو شاء غَيْرَ ما هم عليه لما تركهم على تلك الحال. فرد عليهم سبحانه بأنهم بموقفهم هذا مكذِّبون معرّضون لأن ينزل بهم ما نزل بأمثالهم من قبل. ثم طالبهم بأن يأتوا بعِلْم يشهد بأن الله اضطرهم أن يشركوا وأن يحرّموا ما لم يُحرّم، ثم قرر أن موقفهم مبني على ظن وفرض وتخمين "استنتاج غلط "فالله حجته هي الغالبة. وحقيقةً أنه ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] لكنه سبحانه زوّد بالعقل، وأرسل الرسل وأيدهم بمعجزات تُطَمْئن أقوامهم على صدق كونهم مرسلين، وبينت الرسل العقائد الصحيحة والشرائع والحدود التي ارتضاها، وعلّق الثواب والعقاب على ما اختاره كلٌّ. فالتذرع بالمشيئة تسوّر وجزف. وعلم الله الأزلي كَشْفٌ لا قَهْر: [يراجع ابن عطية ٥/ ٣٨٦، قر ٧/ ١٢٨، والبحر ٤/ ٢٤٨].
والقول البليغ هو الذي يُوصِّل المعاني المرادة إلى القلوب بكمال حال: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣].
стр. 178
وقولهم: رجل بِلْغ - بالكسر أي: خبيث "هو من الوصول، فالمقصود أنه يبلغ ما يريد بأي وسيلة وإن لم تكن مقبولة.
° معنى الفصل المعجمي (بل): الحصول في الأثناء بتمكن: كالبذر في الأرض - في (بلل)، وكالاحتباس على شدة - في (بلوبلى)، وكالمائع في الباطن - في (بول)، وتجسم القطر - في (وبل)، واختزان الماء - في (أبل)، وخصوبة الأرض التي تحبس فيها - في (بلد)، وعجم التين فيه - في (بلس)، والشيء الذي يُسْحب إلى الجوف - في (بلع)، والشيء الذي يصل إلى الحيّز أو المقرّ في (بلغ).
الباء والنون وما يثلثهما
• (بنن - بنبن):
﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]
"البِنّ - بالكسر: الطِرْق من الشَحْم (شريحة منه). والبَنان - كسحاب: الأصابعُ، وقيل: أطرافها، واحدتها: بَنانة. والبَنانة - كسحابة ورُخامة: الروضة المُعْشِبة. والبَنَّة - بالفتح: ريحُ مرابض الغَنم والظِباء والبَقر، والريحُ الطيبة كرائحة التفاح ونحوها، والمنتنة ".
° المعنى المحوري هو: امتداد الشيء اللطيف من أصله أو فيه (١): كطِرْق
стр. 179
الشحم، وهو ممتد في البدن لاصق به، وهو خَفِيٌّ؛ لأنه في باطن البَدَن. وكطَرَف الإِصْبع يبدو امتدادًا لأصله مع لطف هذا الامتداد؛ حيث لا يظهر الفاصل بين الأنامل (وهذا يؤيد مَنْ رأي أن البنان هو الأطراف)، ومنه ما في آية الرأس، وما في [الأنفال: ١٢]. وكذلك الحال في امتداد العشب من الروضة. وكنفاذ الرائحة وانتشارها (امتدادًا) مما هي ناشئة منه كالمَرْبِض والتفاح، وهو امتداد خفيّ؛ إذ لا يرى للرائحة جِرْم.
ومن امتداد الشيء في أصله أي بقائه فيه زمنًا: بَنَنْتُ بالمكان: أقمتُ به. وكذلك: أَبْنَنْت. ورأيت حيًّا مُبِنًّا بمكان كذا - بضم فكسر: أي مقيمًا. والتبنين: التثبيت. وقال أعرابي لشريح حين خَشِىَ أن يَعْجَل شريح بالحكم عليه: "تَبَنَّن "أي تثبَّتْ.
• (بنو/ بنى):
﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١].
"البَوانى: قوائم الناقة، وأضلاع الزَور. وبُنَيّات الطريق: الطُرُق الصغار تتشعب من الجادّة. وجارية بَناة اللحم: مَبْنية ... بَنَى الطعامُ بَدَنه: سَمَّنه، ولحمَه: أنبته ".
° المعنى المحوري هو: زيادة قوية تنشأ للشيء فتقيمه وتنصبه أو تعظمه وتمد جرمه: كالقوائم للبدن، وكأضلاع الصدر له، وكشُعَب الجادّة؛ فوجود الطرق الصغار المتشعبة من الجادّة يعظمها ويمدّ وجودها واتساعها، وكالسِمَن واللحم يَنبتان من الجسم ويمدّان جرمه. ومنه: "البِناء: ما بنيته "وهو إنشاء
стр. 180
ونصب لجدران وبيوت وإقامتها على أساس: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨]، ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢].
وقد ورد بناء السماء في القرآن الكريم سبع مرات، غير بناء الصرح والغرف، من ثنتين وعشرين استعمالًا في البناء؛ وذلك لما في البناء من ارتفاع واضح؛ ولذا جاء في [ل] "بَنا في الشرف يَبْنو "كأنه يعني: ارتفع.
ومن هذا التركيب ومعناه: الابن (وأصله بَنَو أو بَنَى) إذ هو امتداد لأبيه ناشئ منه يمد ذريته ويقيمها: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، والبنت: أصلها بِنْو أو بِنْي - بالكسر - أبدلوا من واوها أو يائها تاء (١).
والذي جاء في القرآن الكريم من التركيب هو كله من أحد معنيين: البناء المقام بجدران أو عَمَد أو ما هو ممن قبيله، والابن: الولد مذكرًا أو مؤنثًا والجمع والمصغر منه. وسيَاق كل منهما يعيّنه بلا لبس.
• (بون - بين):
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [ابقرة: ٢٥٦]
"البِينُ - بالكسر: القِطعة من الأرض قدرُ مَدّ البصر، والبانُ شجر يسمو ويطول في استواء مثلَ نبات الأَثْل. والبِوَان - ككتاب وغُراب: عمود من أعمدة الخباء ".
° المعنى المحوري هو: امتداد بين طرفين أو جانبين مع فصل كبير أو