ما ذكر ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥، ٦]: غبارًا منتشرًا. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] أي فرّق ونشر (وكلمة دابة تجمع الحيوان كله ومنه الطير) [قر ٢/ ١٩٦ بتصرف]، ومثلها ما في [لقمان ١٠، الشورى ٢٩، الجاثية ٤]. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]: فرّق ونشر في الأرض [قر ٥/ ٢] , وكأن كثيرًا صفة مؤكدة، فإن الكثرة من لوازم النشر في المعنى الأصلي. ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]: كثيرة منتشرة. والبَثّ: الحزن والغم والمرض الشديد المجتمع في النفس الذي (يضطر صاحبه من شدته إلى أن) يُفْضِي به إلى أصحابه. وهذا (الإفضاء) بث ونشر (والعامة تقول: فضفض). ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]: "حقيقة البث في اللغة: ما يَرِدُ على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها. وهو من بثثته، أي فرّقته، فسُميت المصيبة بثًّا مجازًا "اهـ[قر ٩/ ٢٥١]. والخلاصة أن البثّ هنا هو الحزن المبثوث. وهو يشكو إلى الله، أي يرفع هذا الأمر أي سببه، أو أنه يشكو إلى الله أنه يبث ولا يستطيع أن يكظم، كأنما يطلب المعونة على الكظم.
стр. 72
الباء والجيم وما يثلثهما
• (بجج - بجبج):
"رَمْل بَجْباج - بالفتح: مجتمع ضخم. والبَجْباج - بالفتح، وبهاء: السمين المضطرب اللحم. ورجل بُجَابج - كعُلابِط: بادنٌ. وتبجبج لحمه: كثر واسترخى. والبَجَج - محركة: سَعة العين وضِخَمُها. والبَجّة - بالفتح: بثرة في العين ".
° المعنى المحوري هو: تفتق أثناء الشيء، أو تفتحها واتساعها؛ فيضخم ويكون رخوًا هَشًّا (١): كالرمل المتجمع تجمعًا ضخمًا (وهو متسيب لا يتماسك)، وكالسِمَن الموصوف. ومنه: "انْبجَّت الماشيةُ من الكلأ: فَتَقها السِمَن عن العشب فأوسع خواصرها ". وسَعة العين تكون باتساع مَشَقّ الجفنين؛ فتبرز الحدَقة، والعين رخوة. ومن ذلك المعنى: "بَجّ الجُرحَ والقَرحة (رد): شقها. وكذا بجّ المزادة. وبَجَّهُ: طَعَنه فخالطت الطعنة جوفه ".
• (بجس):
﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]
"ماء بَجِيس: سائل. البَجْسُ (مصدر): انشقاقٌ في قِربة أو حَجَر أو أرض ينبع منه الماء، فإن لم ينبع فليس بانبجاس. بَجَسْتُ الماء (ضرب ونصر) فانبجَسَ:
стр. 73
فَجَرته فانفجر. وبجَسَ الماءُ بنفسه وانبجس وتبجّس: تفجر ".
° المعنى المحوري هو: تفجر سائل بقوة من شيء كثيف الجرم: كالأرض، والقِرْبة، والحَجَر ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠].
° معنى الفصل المعجمي (بج) (١): التضخم الرخو، كما يتمثل ذلك في البَجْباج: السمين المضطرب اللحم - في (بجج)، وفي تجمع الماء في القِربة - في (بجس).
الباء والحاء وما يثلثهما
• (بحح - بحبح):
"بُحْبوحة المَحَلَّة والدار - بالضم: وَسَطُهما. وبَحْبَاحِ - مبنية على الكسر: كلمةٌ تنبئ عن نفاد الشيء وفنائه. وقال أعراب في امرأة ضَرَبها الطَّلْق: تركتها تَبَحْبَحُ على أيدي القوابل (القابلة: الداية). وتَبَحْبَحَ الحَيا: اتّسع الغيثُ وتمكن من الأرض ". بُحَّ الرجل - للمفعول: أخذته بُحّة - بالضم - وخشونة وغلظ في صوته فهو أبحّ. كِسْرٌ أَبَح: كثير المخ (الكسْر: جزء مكسور من قصبة عظم ساق أو ساعد إلخ).
° المعنى المحوري فراغ الشيء أو تفرغه مما يُشغَل به عادةً أو توقعًا (٢):
стр. 74
كبحبوحة الدار والمحلة فهي فارغة خالية من البناء الذي يشغل به ما حولها من الدار. وكلمة بَحْباحِ تعني النفاد، وهو فراغ. والولادة تفريغ للحمل، وكثرة الغيث واتساعه هو إفراغ السحب ماءها. والبُحّة كأنها انقطاع للصوت المعتادِ صدوره، أي فراغ. والكِسر الأبح: الكثير المخ منقطعُ الصوت المعتاد خروجه عندما لا يكون فيه مخ. فقَصَبةُ العظم الخالية من المخ تصوت إذا قُرِعَت).
• (بحث):
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]
"البَحُوث من الإبل: التي إذا سارت بحثت التراب بأخفافها أُخُرًا، أي ترمي بالتراب إلى خلفها. والبَحْث - بالفتح: المَعْدِن يُبْحَث فيه عن الذهب والفضة، والحيةُ العظيمة لأنها تبحث التراب. وفي تفسير مَثَل "كباحثة عن حَتفها بِظِلْفها "قالوا: إن "شاة بحثت عن سكين في التراب بظلفها، ثم ذُبِحت به ".
° المعنى المحوري فحص التراب المتراكم ونحوه وإخراجه نثرًا متفرقًا: كبحث التراب في ما سبق. ومنه ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١] في آية الرأس.
ويلزم من بحث التراب - أي كشفه - أن يظهر ما تحته؛ ومن هنا استُعمل التركيب في التفتيش الحسي، ثم المعنوي، عن شيء أو خبر. قال [في ق]: "الفتش والتفتيش: طلَبٌ في بحث ". هذا، ويُلحظ تقييدهم تسمية الحية بَحْثًا بأنها
стр. 75
عظيمة. فكأنهم ميزوها بأنّ أثر زحفها في الرمل ونحوه يكون عظيمًا، كأن أحدًا سحا منه التراب، أي بحثه، في حين أن غيرها يكون أثره خفيًّا لدقته وخفته.
• (بحر):
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠]
[اختلف اللغويون في أصل مسمى لفظ البحر: أهو الشق العظيم الذي فيه الماء، أم الماء نفسه؟ ثم أهو ما كان ماؤه ملحًا، أم يشمل ما كان ملحًا وما كان عذبًا؟ وليس هناك دليل يحسم أمر الجزئية الأخيرة].
والذي أرجحه أن العرب كانوا يستعملون لفظ البحر للشق العظيم المنبسط المملوء ماء: مِلحًا أو عذبا كدجلة والنيل. وفي الصحاح: "البحر: خلاف البرّ "، وقال الأزهري: "كل نهر لا ينقطع ماؤه، مثل دجلة والنيل وما أشبههما من الأنهار العذبة الكبار، فهي بحار "، لكن سياق أكثر ما في القرآن من (البحر) يصدق في الملح أكثر؛ من حيث إنه مَضِلَّة يحتاج إلى هداية وفُلك الخ. ومن هذا استعماله في العمق الذي يستنقع فيه الماء: "البَحْرة: الأَوقة (رَكِيّة واسعة عمقها نحو قامتين) يستنقع فيها الماء. أَبحرت الأرضُ: كثرت مناقع الماء فيها ". ثم استعمل في الشق، أو الفجوة العظيمة بلا ماء "البَحْرة: الأرض والبلدة. بَحْرتنا: بلدتنا "ومن هذا "البَحْر: عُمق الرحم. ومنه قيل للدم الخالص الحُمرةِ: باحِرٌ وبَحْراني "؛ لأنه من هذا العمق.
° المعنى المحوري هو: شَقٌّ عظيم، أو فَجْوة عظيمة، في جرم شديد، تَشْغلها مادة مسترسلة الحركة: كالبحر، وهو شق عظيم يلزمه ماؤه الملح (واستعمل في ذي الماء العَذْب عندما يُشبه ذا الماء المِلْح في السَعة وكثرة الماء).
стр. 76
والأرض والبلدة ظَرْفٌ (فراغ يمكن أن يُشْغَل) لأهلها، وكشق الأُذُن الواسع الدائم. ومن ذلك الأصل "البَحَر - محركة: السُّلّ. رجل بَحِير وبَحِر - كتَعِب: مسلولٌ ذاهب اللحم ". يُلْحَظ ذهاب لحمه، أي فراغ بدنه منه شيئًا بعد شيء، كما هو الشأن في المسلول (وذلك استرسال - أي توال - للإفراغ). ومن الأصل: "الباحر: الأحمق الكذاب " (لفراغ العقل أو القول مما يعتد به - كما نقول عما لا نصدقه: كلام فارغ). ثم قالوا من البحر المعروف "بَحِرَ (كتعبَ): رأى البحرَ ففَرِقَ ودَهِشَ ".
فمن البحر ضد البر: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] فسرت بالماءين الملح والعذب [ل مرج]. وأما البَحِيرة فالناقة التي يشقون أُذُنها على ما تبين قبلُ، وتُعْفَى من الركوب والذبح إلخ؛ لأنها ولدت خمسة أبطن آخرها ذَكَر ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] (وانظر الأقوال الأخرى في البحيرة: [طب] ١١/ ١١٩ وما بعدها] وليس في التركيب إلا (البحر) و (البَحيرة).
° معنى الفصل المعجمي (بح): هو الشق والإفراغ، كما يتمثل في فراغ بحبوحة الدار - في (بحح)، وفراغ المكان الذي بُحِث - في (بحث)، وشق البحر - في (بحر).
الباء والخاء وما يثلثهما
• (بخخ - بخبخ):
"رجل بَخْباخ - بالفتح: إذا استرخى بطنه واتسع جلده. وقد تبخبخ لحمه: صوّت (كذا) من هُزال بعد السمَن ".
стр. 77
° المعنى المحوري هو: عِظَم ظاهر الشيء مع تخلخله وذهاب الحدّة أو الغلظ من أثنائه (١): وذلك كذهاب (نفاد) الشحم من بَدَن من كان سمينًا.
ومن ذلك: "تبخبخ الحَرُّ: سكن (ذهبت حِدّتُه)، والغَنَمُ: سَكَنَتْ حيث كانت (ذهبت حدّة نشاطها)، وبَخّ الرجلُ: سَكن من غضبه، والبَخّ: الرجل السَّرِيّ " (كأنه عظيم لكن بلا حِدّة أو غلظة). ومن ذلك قولهم عند الإعجاب: "بَخٍ: أي عَظُم الأمر وفَخُم " (حسب ما عُلِم). وأما "بَخْبَخَة البعير: هديرٌ يملأ الفم شقشقتُه، وبَخَّ الرجلُ في نومه: غَطّ كبخبج "فيترجح لدى أنها حكاية صوتية، برغم أن خروج الشقشقة والصوت الغليظ إفراغ للأثناء.
• (بخس):
﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]
"الأَباخِسُ: الأصابع. والبَخْس من الزرع - بالفتح: ما لم يُسْقَ بماء عِدّ .. إنما سقاه ماءُ السماء. وبخّس المخ (= نخاع العظام) تبخيسًا: دَخل في السُلامَى والعَين فذهبَ، وهو آخر ما يبقى. والبَخيسُ من ذي الخفّ: اللحم الداخل في خُفّه ".
стр. 78
° المعنى المحوري هو: نقص في الأثناء (لنفاذ ما كان، أو ما العادة أن يكون فيها) مع امتداد: كالأصابع تمتد دقيقةً من الكف، وكالزرع يمتد غيرَ ريّان لعدم سَقْيه، وكالمخ الداخل في السُلامَى والعين تقلُّصًا من موضعه، وكموضع اللحم الداخل في الخُفّ.
ومن هذا النقص في الأثناء: "بَخْسُ الكيل والميزان: نقصُه، وثَمَن بَخْس: دون ما يجب " (ناقص) ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥، هود: ٨٥، الشعراء: ١٨٣]، ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] ومثلها في معنى البخس ما في [البقرة ٢٨٢، الجن ١٣].
• (بخع):
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]
"بَخَعْتُ الرَكِيّة (منع): حفرتها حتى ظهر ماؤها، وبَخَعْتُ الأرضَ بالزراعة: نهكتهَا وتابعت حراثتها ولم تُجِمَّها عامًا. وفي قول أم المؤمنين عائشة في عمر ﵄: بَخَعَ الأرضَ فقاءَت أُكُلَها ". (الأُكُل: ثمر النَخْل والشَجر، وكل مأكول فهو أُكُل).
° المعنى المحوري هو: استفراغ قوة الشيء أو قوامه الغض الذي في باطنه منه بقوة: كاستخراج ماء الركية بالمبالغة في الحفر، وكما في بَخْع الأرض (إنهاكها) بمتابعة زرعها دون إجمام. ومنه: "بخعَ الذبيحةَ: بالغ في ذبحها " .. (فخرج بذلك أقصى دمها ونفْسها). ومنه "بخَعَ نفْسَه غمًّا " (استهلك مُنَّتَه الباطنة) ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]: مُخْرجُها أشد الاستخراج وقاتلُها أسفًا على عدم إيمانهم. ومثلها ما في [الشعراء: ٣]. "وبَخَع له بحقه: أَقَرَّ
стр. 79
به وخضع له " (أخرجه) وكذا: "بَخَعَ له بالطاعة ". (أذهب ما في باطنه من الإباء والصلابة).
• (بخل):
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨]
"البُخل: ضد الكَرَم. بخل (كفر: وكرم) بُخلًا - بالضم والتحريك ".
° المعنى المحوري هو: إمساكُ ما يُتَطلب ويمكن إخراجه - أي عَدَمُ إرساله: كالبخل بالمستحَقّ. وهذا معنى قول أبي هلال: "البُخْل: مَنْع الحق "وقول الراغب: البخل: إمساك المقتنيات عما لا يحق حبسُها عنه ". (واللام تعطي معنى التعلق والإمساك فكونت المعنى رغم ما في "بخ "من معنى خروج ما في الجوف) وعبارة (قر ٤/ ٢٨٢) "منع الإنسان الحق الواجب عليه " ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٦] أي بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمِنوا والتزموا [قر ٨/ ٢١٢] وليس في القرآن من التركيب إلا (البخل) بهذا المعنى المشهور.
° معنى الفصل المعجمي (بخ) التخلخل والنقص كما يتمثل ذلك في البطن المسترخي المتسع الجلد - في (بخخ)، وفي دقة جرم الأباخس الممتدة، وكذا في خروج ماء الركية الذي هو قوامها، ونَهْك نَعْمة الأرض وخصوبتها - في (بخس)، ولا بد أن إحساس (البخيل) بأن ما يراد منه أن يخرجه سيَنْقُصه هو الذي يدفعه إلى البخل به أي تعلق نفسه به فلا يخرجه.
стр. 80
الباء والدال وما يثلثهما
• (بدد - بدبد):
"البِدَادان في القَتَب - الواحد ككتاب: شِبْهُ مِخْلاتين تُحْشَيان وتُشَدَّان بالخيوط إلى ظَلِفَات القَتَب وأَحْنائه - تحت الخشب - لئلا يُدْبِرَ الخشبُ البعيرَ. وهما أيضًا البِدّان، الواحدُ بِدٌّ - بالكسر. والبَدَدُ - محركة - في الناس: تباعد ما بين الفخذين من كثرة لحمهما. رجل أَبَدّ وأمرأة بداء: كثيرة لحم الفخدين. والبَدِيدة: المفازة الواسعة ".
° المعنى المحوري هو: تفريقٌ ممتدٌ أو إبعادٌ دائم يلزمه حدوث فراغ (١): كما
стр. 81
يُبْعد البِدادان الظَلِفاتِ عن بدن البعير، وكما في البَدَد والبادَّين حيث يتباعد الفخذان بعضُهما عن بعض عند المشْي من كثرة لحمهما. والبديدةٌ فراغٌ ممتد، أي مفارقة ممتدة.
وهناك استعمالات أخرى بمعنى التفريق أو المفارقة والمباعدة، قالوا: "بَدَّدَ - ض: نَعَس وهو قاعدٌ لا يرقد " (مفارقة ومجافاة للفراش)، "أَبَدَّ يده إلى الأرض فأخذ منها شيئًا (مدها فأبعد المد)، وأبدَّ نظره: مَدَّه. كذلك "، "كان يُبِدُّ ضبعيه في السجود (من أَبَدّ): أي يجافيهما. والتبديد: التفريق (بعثرة، وعبر به عن لازمه وهو الإتلاف والتضييع).
والتفريق يلزمه انفراد كل مما تفرق. ومن هنا "استبد بالأمر: انفرد به دون غيره "والسين والتاء للاجتهاد في تحصيل ذلك.
وقولهم: "لا بُدَّ من ذلك: لا فراق منه " (أي هو لازم لا يُتَخَلَّى عنه - كقولهم في الملازمة والاستمرار: ما زال وما انفك وما برح. فعبروا عن الملازمة بنفي الزوال والمفارقة) "والبديدة: الداهية " (تُفَرق - وتجتاح فتُفْرِغ).
أما قولهم: "البَدّ: التعب. بدّد - ض: أَغْيا وكَلّ "فهو: إما من فراغ القوة، وإما من التوقف عن العمل (كَلالًا) وهو فراغ، وصيغة فعّل هنا بمعنى تفعّل - كبيّن بمعنى تبين [ينظر ل بين، وتسهيل ابن مالك ١٩٨].
стр. 82
• (بدو):
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]
"بَدْوَتا الوادي - بالفتح: جانباه. البادية: اسم للأرض التي لا حَضَر فيها. وإذا خرج الناس من الحَضَر إلى المراعي في الصحاري قيل قد بَدَوْا، والاسم البَدْو إذا بَرَد الزمان ظعنوا عن أَعْداد المياه وبَدَوْا طلَبًا للقرب من الكلأ، فالقوم حينئذ بادية بعدما كانوا حاضرة وهي مباديهم "وهي المناجع "والقوم بواد جمع بادية ".
° المعنى المحوري هو بروز بقوة أو تجسم مع امتداد وجَوْز: كجانبي الوادي يبرزان جسيمين قويين ممتدين ويحوزان ماء المطر، وكالبادية ببروزها (ظهورها القوي) وامتدادها، وبما تحوي من الكلأ والمناجع. جاء في [تاج] "سمِّيت بادية لبروزها وظهورها ".
وكلمة (بَدْو) بالفتح مصدر للفعل بَدَا، واسم لمكان البَدْو (أي للبادية)، وللمتصفين بالبداوة [تاج] ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] أي ساكن البادية، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب: ٢٠] يتمنون أن لو كانوا في البادية مع الأعراب (أي بعيدين عن المشاركة في المعركة) حذرًا من القتل وتربصًا للدوائر [قر ١٤/ ١٥٤] وسائر ما في القرآن من التركيب هو من البروز والظهور: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] , ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] [قر ١٤/ ١٩٤]: قيل أعلمه بأن زيدا سيطلقها .. " ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
стр. 83
وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة: ٤] (أي ليس إلا المجاهرة بالعداوة دون مداراة) ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] أي في ظاهره (أي بوضوح بلا حاجة إلى إعمال فكر في أمرهم - على ما زعموا). وفسرها الزجّاج في [ل] على أن مقصود الكافرين بيان حال المتَّبِعين أي اتبعوك ظاهرًا وباطنهم على خلافك - زعموا. ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (أي برزَ لهم ذلك الرأيُ وظهرَ على ما سواه). ويقال "رجُل ذو بَدَوات أي ذو آراء تظهر له " (أي دون غيره، وهي غير متوقعة. فهذا وذاك قوة بروز).
• (بيد):
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥]
"البَيْداء: المَفَازةُ المستويةُ يجرى فيها الخيلُ/ المكانُ المستوي المُشْرفُ/ قليلةُ الشجرِ جَرْداء/ تَقُودُ اليومَ ونصفَ اليوم وأقل (= أي تمتد بحيث تسير فيها الإبل فلا تقطعها إلا في يوم أو نصف يوم) وإشرافها شيء قليل لا تَراها إلا غَليظةً صُلْبةً لا تكونُ إلا في أرضِ طين. بادَ الشيء: انقطع وذهب/ هلك ".
° المعنى المحوري هو: خلو البراح الواسع الممتد مما ينبت في مثله مع جلادة ظاهره: كالمفازة الصُلْبة الغليظة الشديدة التماسك، لأنها طينية لا رملية. ومنه: "بادت الشمس بُيُودا: غَرَبت "لخلاء الأفق منها. وفي الحديث: "فإذا نزلوا بالبيداء - أرض بين مكة والمدينة - شرفهما الله تعالى - بعث الله جبريل فيقول بِيدِي بهم - وفي رواية أبِيدِيهم - فتخْسِف بهم " (تبلعهم فيصير ما كانوا يشغلونه
стр. 84
من الأرض براحًا خاليًا).
ومن خلو الأرض مما ينبت فيها عادة: "باد الشيء: هلك " (فَنِى وانقطع) ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَ بَدًا﴾ [ الكهف: ٣٥] أي أن يهلك شجرها.
ومن المعنى المذكور: (بَيْدَ)، في مثل الحديث الشريف "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد "عليه أفضل الصلاة والسلام. قالوا: بمعنى "غير أني "، فهذا كأن معناه - أخذًا من معنى التركيب - بَلْهَ أي دع ذلك، فهذه الغيرية والترك تؤخذ من الخلاء (وكأن حصيلة هذا ترجع إلى أن أفصحيته ﷺ مصدرها رباني، أي مع توفر المصدر القَبَلي، لكنه ﷺ لا يَعتدّ به، كما قال ﷺ "أدبني ربي فأحسن تأديبي "، وكما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن عساكر في تاريخه "كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل ﵇ فحفّظنيها فحفظتها " [ينظر المزهر ١/ ٣٥]. وقيل معنى بيد أنّ: "على أن "، فتكون من معنى الجمع، وهذا أبعد تأويلًا؛ ولذا قالوا: الأول أعلى [ل].
• (بدأ):
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]
"البَدِئ: البئرُ التي حُفِرَتْ في الإسلام حديثةً وليست بعادِيّة (العاديّ: القديم جدًّا كأنه منسوب إلى قوم عاد) ". بُدِئ الرجل - للمفعول: خَرَج به بَثْرٌ شِبْهُ الجُدَرِيّ، أو حُصِبَ. أبدأ الصبيُّ: خرجت أسنانه بعد سقوطها ".
° المعنى المحوري هو: ظهور الشيء أو تكونه لأول مرة: كالبئر المستحدثة، وكذلك البَثْر الذي يظهر جديدًا على الجلد، وأسنان الصبي التي تخرج بعد سقوط الأولى هي الأسنان الدائمة، وكأن نباتها بدءٌ آخر؛ ولذا عبروا
стр. 85
بـ (أبدأ) دون (بدأ)، كان المعنى: صار صاحب بدء حقيقي للأسنان.
ومن الظهور أو التكون لأول مرة جاء معنيان للبدء: الأول: إنشاء الشيء أي إيجاده لأول مرة ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١]، ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. وكل ما جاء في القرآن من التركيب هو من معنى الإيجاد هذا، ويستعمل فيه (بدأ) و (أبدأ) وذلك عدا ما أتى بالمعنى الآخر الآتي.
والآخر: هو كونُ الشيء أَوَّلَ فعل الفاعل في أَمْر ما ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]، أو سبقُه آخرَ في أمر ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]. وقوله تعالى ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] في [قر ١٤/ ٣١٣] "ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى: أي شيء. أي جاء الحق فأي شيء بقى للباطل حتى يعيده ويبدئه؟ أي فلم يبق له شيء. اهـ.
ومما في الأوّلية من معنى السبق والتقدم قالوا: "البَدْءُ: السيد/ السيد الأول في السيادة. والثُنْيانُ: الذي يليه في السؤدد ". وقولهما البَدْءُ: الشابّ المستجاد الرأي المستشار "تشبيه بالسيادة أو هو صورة منها.
ومن الجدّة التي في إنشاء الشيء لأول مرة جاء معنى العجب: "جاء بأمر بدئٍ أي عجيب. والبدئُ: الأمرُ البديع، وأبدأ الرجل: إذا جاء به "وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].
стр. 86
• (أبد):
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]
"الأوابد: جمع آبدَة، وهي البهيمة التي قد توحّشَتْ ونَفَرت من الإنْس. أَبَدت البهيمة (جلس وقعد): تَوَحَّشَت ". (أي كما لوْ نَدّ بعيرٌ من صاحبه وشَرَد إلى الصحراء، ولم يُقْدَر على إعادته؛ فعاش مع الوحوش أي الحيوانات غير الأليفة التي تعيش في البيداء).
° المعنى المحوري هو: البقاء الدائم أو الإقامة الدائمة بلا حدَّ مع عدم الأُلفة أي الأُنس: كما هو واضح في الاستعمال المذكور. ونقصد بالحدّ المنفي الحدّ المكاني؛ فالصحراء لا حدود لها. وقد ذكر الأصمعي معنى زمنيًا يضاف إلى الحدّ المكانيّ وليس بديلًا له. فقال: "لم يمت وحْشِيٌّ حتفَ أنفه قط إنما موته عن آفة "وقد قالوا من الأوابد "تَأَبّد المنزلُ: أقفر وأَلِفَتْه الوحوش ".
ومن صور البقاء الدائم زمانيًّا "الإِبِد - بكسرتين: الجوارح (أي الكواسب) من المال: الأَمَة والفَرَس والأَتان، يُنْتَجْن (= يلدْن) كلَّ عام (توالد متصل، وكل جيل يلد جيلًا بعده، وهكذا).
ومن انتفاء الحد الزمني: "الأَبَد - محركة: الدهر أو آخر الدهر (فهو ظرف زمني للدوام بلا حدود) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [النساء: ٥٧] أي إقامة دائمة لازمة بلا مفارقة، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] أي في أي وقت وبأي حال. وكل ما في القرآن الكريم من هذا التركيب هو هذا الظرف (أبدا) بمعناه هذا.
وهنا صورة اقتُصِر فيها على جزء المعنى وهو التوحش: (عدم الألفة): "أَبِدَ
стр. 87
الرجلُ: توحش "، وفي [تاج] "تَأَبَّد الرجل: طالت عُزْبَتُه "، فهذا يفسر ما قبله لأن العُزْبة انفراد وانعدام ألفة. ومن هذا الباب "تأبَّد الوجْه: كَلِفَ ونَمِشَ " [تاج] فغرابة صورة الوجه هكذا مُوحشة.
وأما "أَبِدَ عليه (تعب): غَضِب "فهو كذلك من عَدَم الأُلفة في المعنى المحوري، فعدم الألفة نُفُور ورفض يشمل صورة الغضب.
• (بدر):
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
"البَدْرُ: القمرُ إذا امتلأ. وبادِرَةُ النبات: رأسُه أولَ ما ينفطر عنه، وبادِرَة السيف: شَباته (: حدّ طرَفه/ حدّه). والبادِرة من الإنسان وغيره: اللَّحْمة التي بين المَنْكِب والعُنُق. وغلام بَدْر: ممتلئ ".
° المعنى المحوري هو: زيادة في جرم الشيء وسبقٌ يبلغ به كمال حاله: كما في بادرةِ النبات (مرحلة نُمُوٍّ. والعامة تسميها السَبَّاقة)، والبَدْرِ الذي تزايد حتى تم، ورِقّة بادرة السيف (منسحبة كأنها سائلة منه سابقة مسترسلة، وبها يبلغ كماله)، وكذا بادرة الإنسان ناتئة بين الكتف والعنق، فهذه زيادة وسبق.
ومن السبْق (لتحصيل الكمال أو النفع): بَدَرْتُ إلى الشيء وبادرت إليه: أسرعت ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] أي (مسارعين قبل أن يكبروا). وتبادر القومُ: أسرعوا. وابتدروا السلاح: تبادروا إلى أخذه. ومنه: البادرة من الكلام: التي تسبق من الإنسان في الغضبِ، والبديهةُ. وناقة بَدْرِية: بَدَرَت أمُّها الإبلَ في النتاج؛ فجاءت بها في أول الزمان ".
ومن المعنى المحوري: "بَدْرُ القوم: سيدهم (لتقدمه عليهم كما يسمى:
стр. 88
البدْء). والبدرة: مَسْك السَخْلة إذا فُطِم (١): (إما باعتبار أن الفطام تمام وزيادة، وإما باعتبار ما يوضع في هذا المَسْك من اللبن أو الدراهم، وهو كثير، كأنه أكثر مبلغ أو أكمل مبلغ). والبَيْدَر: كُدْس القمح (هو كمال أو مرحلة إليه)، أو الموضع الذي يُدْرس فيه ويُذَرَّى " (وهي مراحلُ نحوَ كمال حاله).
وبدر: موضع معروف شرفه الله تعالى بنصر المسلمين فيه ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
• (بدع):
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]
"البديع: حَبْل ابتُدِئ فَتْلُه، ولم يكن حَبْلًا فنُكِث ثم غُزِل ثم أُعِيد فتلُه. سِقاء بديع: جديد. باع الرَكيّة (منع): استنبطها وأحدثها ".
° المعنى المحوري هو: إنشاء الشيء جديدًا على غير أصل سَبَق: كالحبل الذي لم يكن مفتولًا قبل ذلك، والسقاء الجديد، والركية المُحْدَثة. ومنه عُدّ كل مُحْدَث بدعة. "وفلان بِدْعٌ في هذا الأمر - بالكسر: أي أَوَّلُ ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] (سبقني رسل دعَوا إلى الله مثلي، فكذبهم أقوامهم كما تكذبونني، والله هو الشاهد والحَكَم). "وبَدَع الشيءَ (منع) وابتدَعهُ: أنشأه وبدأه " ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] (أما عن معنى
стр. 89
البدعة في الشرع "فما كان في خلافِ (أي ضد) ما أمر الله به ورسوله ﷺ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو رسوله فهو في حيز المدح " [ل]. وأضرب لذلك مثلًا: ذكر الله فإنه يدخل بهيئاته تحت الأمر بذكر الله ذكرًا كثيرًا. وقد جاء في نحو عشرين آية، منها [الأحزاب ٤١]). "والبديع من أسماء الله بمعنى مُبْدِع الأشياء ومُحْدِثها لا عن مثال سابق " ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]. ووصفوا مَنْ بَلَغ الغاية في صفة ما خيرًا أو شرًّا بأنه بِدْعٌ أو بديع كأنه أول من كان كذلك (١).
ومن الأصل: "أبْدَع بالسفر والحج: عزم عليه " (استحدث هذا الأمر وهذه العَزْمة)، و "أَبْدع يمينًا: أوجَبَها " (استحدثها).
ومن ذلك المعنى المحوري تمامًا: "أَبْدَعَت الإِبلُ - للفاعل: كَلَّتْ أو عَطِبت وأُبْدِعَت - للمفعول: بَرَكت في الطريق من هُزال أو داء أو كلال " (وصححوا أنه لا يكون إبداعُها إلا بظَلْع وهو كالعرج، فهو حادث جَدّ لها، كأنه أمر غريب لا يُتَوَقَّع أو لم يكن من عادتها، ثم استُعمل اللفظ في كل داء وكلال). ومن هذا: "أُبْدِعَ بالرجل - للمفعول، وأَبدَعَ: كَلَّتْ راحلتُه أو عَطِبت وبقى مُنقَطَعًا به وحَسِر عليه ظهره " (أي صار ذا راحلة حدث لها حادث). ومن مجاز ذلك: "أَبْدَعَت حجتُه: بَطَلت ".
• (بدل - بأدل):
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]
"البَأْدلة: لحمة بين الإبط والثَنْدُوَة (ثَدْي الرجل). والبَدّال: الذي ليس له
стр. 90
مال إلا بقدر ما يشتري به شيئًا فإذا باعه اشترى به بَدَلًا منه. تبادَلًا ثوبيهما. وبادلتُه السلعةَ: إذا أعطيتَه شَرْوى ما أخذتَ منه كاستبدلته ".
° المعنى المحوري هو: حلول شيء محل شيء (وجود هذا لاختفاء ذاك): كما في عمل البَدَّال، وفي تبادل الثوبين، وشراء السلعة. أما البأدلة فهي سمينة تُعوّض فراغ الإبط وتختفي إذا امتلأ عند رفع الذراع مثلًا. فمن ذلك الإحلال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] (والباء تدخل على المتروك في الأعم الأغلب).
واستُعمل في مجرد تغيير الشيء عما كان عليه إلى وضع جديد غير الأول ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] قيل لهم قولوا حطة فقالوا حنطة [قر ١/ ٤١١، ٤١٥]. ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر في تكذيبهم محمدًا ﷺ [قر ٩/ ٣٦٤]، وقريب منه ما في البقرة ٢١١]. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] لا خلف لوعده [قر ٨/ ٥٩] ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]: لا نقض لحكمه ولا خلف لوعده [قر ٦/ ٤١٧]. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] البَدَل - محركة وبالكسر: البديل.
стр. 91
• (بدن):
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]
"بَدَن الإنسان - محركة: جَسَدُه .. ما سوى الرأس والشَّوَى. ورجَلٌ بادِن ومبدَّن - كمعظَّم: سمينٌ جسيم. والمِبْدان - كمنحار: الشَّكورُ السريع السِّمَن ".
° المعنى المحوري كتلة عُظْم الحيّ التي تتفرع منها أطرافه وتمتد: كجِذْع الإنسان، وسِمَنِ الجسم "بَدُنَ الرجل (كقعد وكرم): ضَخُم وسَمِن ". ومنه: البَدَن - محركة: الدِّرْع القصيرة على قدر الجسد (يملؤها الجسم وتمتد منها أطرافه، أو سُمِّيَتْ باسم ملبوسها للمجاورة). ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]: بدِرْعك، أو بجسمك أي بلا روح. ومن الامتلاء: "بدّن الرجل - ض: كبِر وأَسَنّ. والبَدَن - محركة: الوَعِل المُسِنّ " (تراكم زمني يلزمه عادة عِظَم الجسم). ومن ذلك المعنى: "البَدَنة: ناقة أو بقرة تُنحَر بمكة ج بُدْن - بالضم " (لعله لُحظ في تسميتها أنهم كانوا يستسمنونها، أو أن المقصود من تقديمها بَدَنُها (فالبَدَنة: ذات البَدَن ناقة أو بقرة) ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
° معنى الفصل المعجمي (بد): هو الفراغ والخلو الذي يلزم التفريق أي الفصل بين الأشياه: كما يتمثل في البَدَد وما يلزمه من مسافة بين الفخذين - في (بدد)، وفي امتداد البرّية ظاهرة كالخالية - في (بدو)، وفي وجود الشيء لأول مرة أي بعد خلو منه (بدأ)، وفي البراح الواسع الخالي في (بيد)، وفي البقاء أو الانطلاق بلا حدّ أي في خلاء مطلق - في (أبد)، وفي قوة السبق إلى الوجود بعد خلاء - في (بدر)، وفي وجود المستحدث ليبقى - في (بدع)، وفي كون البدل يحل محل المبدل منه أي بعد الخلو منه في (بدل)، وفي تجسم البدن بِشَغْل فراغه - في (بدن).
стр. 92
الباء والذال وما يثلثهما
• (بذذ):
"تمرٌ بذٌّ - بالفتح: متفرق لا يلزَق بعضه ببعض. ورجل باذّ الهيئة وبذّ الهيئة: رثُّها شَعِثٌ ".
° المعنى المحوري هو: عدم اتّساق الشيء بعضِه مع بعض بتماسكه (١): كالتمر الذي لا يلتزق بعضه ببعض. والأصل أو الأنسب عندهم أن يلتزق. ومن "رجل بَذُّ الهيئة وباذّ الهيئة: رَثُّها شَعِثٌ "حيث المفروض أن يُرجَّل الشَعرُ، وتُهندَمَ الملابس.
وأما "بذهم: فاقهم أو غلبهم "فكأن أصلها نتأ عنهم لم يجانسهم، ثم غلب في التفوق. أو هو تميز مأخوذ من التفرق.
• (بذر):
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]
"البَذْر - بالفتح: ما عُزِل من الحبوب للزراعة، وبالفتح والضم: أولُ ما يخرج من الزرعِ والبَقْلِ والنباتِ لا يزال ذلك اسمه ما دام على ورقتين. بَذَرْت الحب: نثرته ".
стр. 93
° المعنى المحوري هو: نثر الدقاق المتجمعة او انتشارها وتفرقها منشورة على الأرض: كبَذْر الحب، وكالزرع الموصوف يخرج متفرقًا، والحب يخرج متفرقًا من اليد عند بذره. ومن ذلك "بَذَر الشيء: فرّقه. وبذّر ماله تبذيرًا: فرّقه وأفسده وأنفقه في السَّرَف (ومنه ما في آية الرأس). ورجل بَيْذارة: يبذّر ماله. وبَذُور (وكحَذِر): يذيع الأسرار ولا يكتم سرًا. ولو بَذَّرْتَ فلانًا لوجدته رجلًا: لو جَرَّبته زاد في [الأساس]: وقسّمت أحواله "أي لو نثرْت أموره ونظرت في كل منها.
° معنى الفصل المعجمي (بذ): تفرق الرخو الدقيق: كما يتمثل في تفرق التمر - في (بذذ)، ونثر الحب وتفرق الزرع - في (بذر).
الباء والراء وما يثلثهما
• (برر):
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]
"البَرّ: خلافُ البحر/ خرج فلان بَرًّا إذا خرج إلى البرّ والصحراء. البَرّية: الصحراء نسبت إلى البرّ، والبَرّية من الأَرِضِين: خلاف الريفيّة، والبَرُّ: نقيضُ الكِنِّ المَتْنُ الظاهر ".
° المعنى المحوري انبساطٌ عظيم مع تجرد أو انكشاف وجفاف ما (١):
стр. 94
كالبَرّ - بالفتح - بصفاته المذكورة. ومنها أن "البَرّ خلافُ الريف ". والريف هو
стр. 95
ما قارب الماء من الأَرضِين، فالبَرّ يتصف بالجفاف وأنه "نقيض الكِنّ "فهو يتصف بالانكشاف. ومنه: البر - بالضم: الحنطة. ويسمى بُرًّا بعدما ينضج ويجف ويُذرّى، فإنه عندئذ يكون مجرَّدًا من قشره ويغلب عليه اسم (الطعام) أما قبل التجرد فهو قمح. جاء في [ل قمح]: "القمح: البُرّ حين يجري الدقيق في السنبل "أي قبل أن يتم امتلاؤه وجفافه وتصلبه.
أما البِرّ - بالكسر - فإنه فسّر بالطاعة والخير. والطاعة تؤخذ من انبساط البَرّ؛ لأن الطاعة انقياد، والانقياد من الامتداد والانبساط بلا توقف ولا عَقَبات. ولذا يقال: "بَرَّتْ سِلعته: إذا نَفَقت "ونَفاق السِلْعة ذهابها هنا وهناك بأن يشتريها الناس. هذا، والخير يرجع أصل معناه إلى السهولة والرخاوة المتمثلة في اليسر (أو الطاعة) وعدم التعقد؛ فهر يؤخذ من الانبساط أيضًا. فمن البِرّ الصلة والإحسان والنفع المتسع ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وكذا كل (البِرّ) في القرآن الكريم. فمن بِر الوالدين: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤]. والله هو البَرّ: المستجيب لحاجات عباده (يفيض عليهم عطاياه التي تيسر حيواتهم، كما أنه تعالى يكشف عنهم ران ذنوبهم وأثقالها ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
وهناك نوع من البِرّ - بالكسر أيضًا - يغلب فيه جانب التجرد والخلوص من الغلظ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] (أي بِر من خاف الله فلم يرتكب المعاصي أي تجرد منها وأُخلِص) ومنه ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤] (أي تجنبوا ذلك حتى تكونوا أبرارًا). "والأبرار كثيرًا ما يخص بالأولياء والزهّاد والعبّاد "هؤلاء مجردّون من المعاصي
стр. 96
مبرّءون منها ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. وكذا كل (الأبرار) و (بررة) في [عبس: ١٦] وهم الملائكة. ومن هذا التجرد "البيع المبرور: الذي لا شبهة فيه ولا كذب ولا خيانة " (خالص غير مشوب). أما قولهم في بعيرٍ إنه "أبرَّ على أصحابه أي استصعب عليهم وغَلَبهم "فذلك من الانبساط مع جفاف؛ لأن معنى الاستصعاب أن يركب رأسه فلا يتوقف ولا ينقاد لهم كأنما ذهب في البَرّ.
• (برو - برى):
﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]
"البرى - كالفتى: التراب. بَرَى العُودَ والقلم والقِدْحَ (رمى): نَحَته، وبرى المطرُ الأرضَ: قَشَرها ".
° المعنى المحوري هو: تسوية الشيء بقَشْر ما يعرو ظاهره: كالبَرْى وهو نَحْت العود أو طَرَفِه، وكالتراب وهو منحوت من سطح الأرض دقيقًا (فهو فَعَل بمعنى مفعول). ومنه " .. بَرَيتُ البعير: حَسَرْته وأذهبت لحمه (أي من كثرة السفر كأنما قَشَرته). وبعير ذو بُراية - كرخامة: ذو بقاء على السير (ما يزال عنده ما يُبْرَى ويُستخرج منه). وبَرَى له (رمى) وانْبَرَى: عَرَض له (قام كاشفًا عن نفسه أو سويا أي مُنادًّا). وباراه: عارضه " (وقد قيل إن أصله المنافسة في البَرْى ثم عمم).
أما البريّة: "الخَلْق "فهي من برأ - بالهمز - وستأتي وذكرناها هنا رعاية لما قد يتبادر ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
وأما البُرَة - ككرة: كل حَلْقة من سِوار وقُرْط وخَلخال. فلامها واو؛ إذ قالوا بُرْوة أيضًا، ولعل سر تسميتها هو دقتها لكن على هيئة الحلقة خاصة. والحلقة تشمل ما بداخلها. فالكلمة واوية اللام تعبيرًا عن هذا.
стр. 97
• (برأ):
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]
"البُرْأة - بالضم: قُتْرة الصائد التي يكمن فيها (١). والبريء: الصحيح الجسم والعقل المُتَفَصِّى من القبائح المتنحى عن الباطل. بَرِئ المريض من المرض: شُفِىَ وتخلص مما به ".
° المعنى المحوري هو: سلامة الحي وخلوصه مما يكتنفه أو ينقصه: كما تغطي البُرأةُ الصائدَ فيَسْلَم مما حوله. وكما يَبْرأ المريض من علته ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩] ومنه التَفَصِّى والخلوص أو التخليص من الدَّيْن والعَيْب، والتهمة، وكل ما يظنُّ أنه شرّ: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦]، ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩].
ومن خلوص الشيء سالمًا من بين ما يكتنفه يأتي معنى الخَلْق؛ لأنه استخلاصٌ أيًّا كان المستخلَص. ومنه ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] نخلقها. والظاهر أن الضمير يعود على المصيبة [بحر ٨/ ٢٢٤] ومنه: "برأ الله الخلق: خلقهم " (متميزًا بعضهم من بعض أنواعًا بل وأفرادًا. والتميز خلوص وعدم التباس)، "والله سبحانه البارئ " ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾،
стр. 98
﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦، ٧] (أي الخليقة) وكل ما في القرآن من التركيب - عدا ما في هذه الفقرة - فهو بمعنى التفصّي المذكور في الفقرة الأولى.
• (بور):
﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]
"البُور - بالضم: الأرض التي لم تُزْرَع، والمَعامِى وأَغْفال الأرض. ومنازل بُور - بالضم: لا شيء فيها. بارت السوقُ والبِياعاتُ: كسَدت، بَوَار الأيِّم: كسادُها/ أن تبقى في بيتها لا يخطبها خاطب ".
° المعنى المحوري هو: توقف الشيء عن حصول جدواه رغم توافر هذه الجدوى فيه: كما يتمثل ذلك في الأرض التي لا تُزْرع، والمنازل التي لا تُسْكن، والسلع التي لا تُباع، والأيّم التي لا تخطب. ويلزم ذلك انقطاع خيرية الشيء وكونه هدرًا كأنه لا وجود له. ومن هنا قال الجوهري: "البُور: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه "اهـ قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وكذلك ما في [الفرقان: ١٨]، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]: دار الهلاك. ومن ذلك "بَوَار العمل: بطلانه "أي ضَياعه بلا تأثير ولا قيمة فهو هَدَر ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] (أي لن تذهب هَدَرًا بل لها عند الله أطيبُ المثوبة). أما قولهم: "بار الفحل الناقة: جعل يتشممها لينظر: ألاقِحٌ هي أم لا "، و "بار ما عند فلان: اختبره "فالأشبه أن كليهما من بأر (بالهمز)؛ لأن معناها صريح في الوصول إلى عمق الشيء.
стр. 99
• (بأر):
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]
"البئر: القليب. ويقال لإرَةِ النار: بُؤْرة. وبَأَرْتُ (منع): حفرت بؤرة يطبخ فيها ". (الإرَةُ: حُفرة كانوا يوقدون النار فيها حتى لا تبعثرها الريح).
° المعنى المحوري هو: حَفْر في ظاهر الأرض ممتد إلى جوفها: كالبئر والبُؤْرة ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]. ومنه "بأر الشيءَ وابتأره: خَبَأَه وادّخره " (كأنما في بئر). ومنه ما ذُكر في (بور) "بار ما عند فلان: اختبره، وبار الفحلُ الناقة: جعل يَتَشَمَّمُها لينظر ألاقح هي أم لا "فهما من النفاذ إلى العمق.
• (وبر):
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]
"الوبر - محركة: صُوف الإبل والأرانب ونحوها. قالوا وكذلك وَبَر السّمُّور والثعلب والفَنَك ".
° المعنى المحوري تغطَّى ظاهر الشيء بأجرام دقيقة ناعمة كالشعر تنفذ منه مسترسلة: كالوَبَر على الجلد ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ [النحل: ٨٠]. ومن ملحظ التغطية في المعنى المحوري: "وَبَّروا آثارهم - ض: عَفَّوْها ومَحَوْها. ووَبّر فلان الأمرَ عَلَى فلان: عَمَّاه ".
• (برج):
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]
"تباريجُ النبت: أزاهيرُه. والإبْرِيج: المِمْخضة. والبَرَج - محركة: تباعد ما بين الحاجبين، وسَعَة العين/ سَعَة بياض العين وعِظَم المُقْلة وحُسْن الحدقة ... ".
стр. 100
° المعنى المحوري هو: بروزُ ناصعٍ قويٍّ من بين ما يكتنفه في ظاهر الشيء: كالأزهار وهي لفائف أوراق ذات لون ناصع متميز تَنْبت من جرم الشجرة، وكالزُبْد وهو كثيف ذو حدّة ينفذ من أثناء اللبن بواسطة المِمْخَضَة، وكما بين الحاجبين، وهو مساحة واسعة بَلْجاء (خالية من الشعر)، وكبياضِ العَيْنِ الواسِع. والعينُ بارزة من بين الجفنين. وكل ذلك مكتنَف بما يخالفه: الزهرُ بالورق، والزُبْد باللبن، وما بين الحاجبين بهما، والعين بالجفون.
ومنه "تبرجت المرأة: أبدت محاسنَ جيدها ووجهَها أظهرت محاسنها وجسمها للرجال " (أجزاء واسعة ناصعة من عنقها وأعلى صدرها تكشف عنها الثوب) ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ , ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]
"وبروج السماء "أيضًا من هذا؛ إذ هي مساحات واسعة من حزام فضائيّ مُتَوهَّم ذات بياض أو خالية مكشوفة، ينزل فيها القمر والشمس [ينظر معجم الوسيط] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] ومثلها ما في [الفجر: ١٦، الفرقان: ٦١]. والبروج كذلك: البيوت التي تبني على أركان سور القصر والمدينة. قال في [تاج] وقيل لها بروج لظهورها وبياضها وارتفاعها ". وهو مناسب.
وكذلك البروج (: الحصون) ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وكذلك: "البوارج: السّفُن الكبار "، ولا بد أنها تبدو على وجه الماء غريبة تلفت بضخامتها وارتفاعها، فهي من الظهور (١).
стр. 101
• (برح):
﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]
"البوارح من الرياح: الشدائدُ التي تحمل التراب في شِدّة الهَبَوات. وبَرَاحِ - كقطامِ: اسم للشمس، وأرضٌ بَراحٌ - كسحاب: متسعة لا زرع فيها ولا عُمْران ".
° المعنى المحوري هو: زوال الشيء من مقره باتساع مع جفاف أو شدة: كانتقال التراب وهو جافّ من مكانه بقوة الريح في مساحة عريضة، وكانتقال قرص الشمس وهو دائم الحركة من حيث يبدو لاصقًا بالسماء. والأرض البراح خالية كأنما زال عنها ما كان - أو ما شأنه أن - يشغلها (فَعال بمعنى مفعول). ومنه: "البارحُ من الطير والوحش: ما مر من يمينك إلى يسارك فلا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف " (ويغلب عدم إصابته والحِرمان فوات خير أي زوال له مع جفاف) - ومن هذا المعنى: بَرِح مكانه (كتعب): زال عنه ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] (لن أفارقها)، ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠] (لا أفارق أو أزول عما أنا عليه من السير)، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] (لا يتركون العكوف عليه أي سيظلون عاكفين). "والبارحةُ: الليلةُ التي قد مضت. وَبرَّح الله عني: فَرَّج " (كشف وأزال الكرب).
ومن زوال الشيء من أثناء مستقره بجفاف وشدةٍ: التبريح في نَهْى النبي ﷺ عن "التبريح "، وهو قتل السَوْء مثل أن يُلقَى السمك على النار حيًّا، ففيه إذهاب الحياة من بدن الحيّ بقسوة. "وبرّح به فلان، وأبرح: آذاه بإلحاح المشقة " (استهلكه).
стр. 102
ومن ذلك: "تباريح الشوق: تَوَهُّجُه. وضرب مُبرِّح: شاقٌّ شديد (مهلك). والبُرَحاء - كنفساء: شدة الحُمَّى وغيرها " (تُهلك أو تكاد - والإهلاك إزالة).
ويقال لمن يخطئ عند الرمي: "بَرْحَى " (كأنما يَعنُون: أَفْلتَ السهمُ الرمِيَّة - أو بَطَلَت الرَمْية، أو يعنون: هلاكًا لك).
وأما "بُرْحَة الشيء - بالضم: خِيارُه. يقال للبعير هو بُرْحَة من البُرَح: من خيارها "فهو من الزوال، كأن البُرْحة هو ما انكشف عنه غيره، فهو ما انتُقِىَ منه. "وأَبْرَحَ فلانٌ رجُلًا: إذا فَضَّلْته في ذلك "أي فارق غيره تفوقًا في هذه الصفة.
• (برد):
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]
"البَرَدُ - محرّكة: حبُّ الغمام، والبُرْدَة - بالضم: كساء يُلتَحف به كساء مربَّع أسود فيه صِغَرٌ تلبسه الأعراب ".
° المعنى المحوري هو: تقلّص (١) الشيء (المتسيب) فيتداخل أو يتجمد فلا يمتد: كما يتماسك الماء فيتجمد في حَبَّ الغمام ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]. وكالبُرْدة تُنسَج من خيوط متسيبة، وهي متقلصة أي قليلة الطول والعرض فقد شُبِّهت بالمنديل، ووُصِفَت بالصغر، كما وُصفت بأنها مُرَبَّعة غير ممتدة. (وقد ذكروا أن البُرْد مُخطط/ شَمْلة مخططة/ من بُرود العَصْب والوَشْى. ولم يذكروا قِصَره كما ذكروا قِصَر البُردة، فلعله اجتزاء أو تطور، أو أن تقلّصه أقل من تقلّص البُردة).
стр. 103
ومن الجمود وعدم الامتداد: "البَرَدَةُ - محركة: التُخَمَة (حيث يتجمد الطعام في المعدة فلا ينهضم ولا يتصرف). و "بَرَدَ لي على فلان حَقٌ: ثبت، ولي عليه ألفٌ بَارد: ثابت، والبَرْدُ - بالفتح: النوم. وضُرِب حتى بَرَدَ: حتى مات. وبَرَدَ: ضَعُف وفتر عن هُزال أو مَرَض. وبَرَدَ في أيديهم: أُسْلِم لا يُفْدَى ولا يُطْلَب ولا يُطْلق " (كل ذلك من الثبات أو الجمود وعدم الامتداد والتسبب والحركة). ويمكن أن يكون منه: "البريد: ما بين كل منزلين "مسافةٌ محدودة لتيسير الاتصال والإيصال (وهو تداخل)، والرسولُ على دواب البريد (تطور بالانتقال) لكنهم قالوا إنه معرّب. ينظر: [تاج] (برد)] (١).
ومن المعنى المحوري: "البَرْد - بالفتح: ضد الحر "إذ هو يجعل الأجسام تتجمد وتتداخل بعكس الحر: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩]، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] فُسِّر البردُ بالنوم، وببَرْد الشراب وغيره [قر ١٩/ ١٨٠] وكلٌّ صحيح.
أما بَرْد الحديد (ونحوه): سَحْله ونَحْتُه، فهو من ذاك؛ لأنه معالجة الشيء الخشن (كالمتشعب) بالحك ونحوه حتى يستوي. واستواؤه يبدي تماسكه وتقلّص جرمه.
• (برز):
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]
"الذهبُ الإبريز: الخالص. والبَرَاز - كسحاب - من الأرض: الفضاءُ
стр. 104
البعيد الواسع ليس به خَمَر من شجر أو غيره ". "إذا تسابقت الخيل قيل لسابقها: قد بَرّز عليها ".
° المعنى المحوري هو: خلوص الشيء أو ظهوره ظهورًا قويًّا، أي نفاذه من بين ما يكتنفه بجَهد وقوة: كما يخلص الذهب مما هو شديد الامتزاج به (حال كونه تبرًا) بتعَمُّل، والفرس من بين الخيل بجُهد، والأرض من بين ما حولها مع سعتها وخلوصها من الخَمَر. ومن هذا بَرَز الرجل: إذا خرج إلى تلك الأرض البراز أي أَبْعَد ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] كأن المعنى لدُفعوا إلى الخروج إليها. ومثلها ما في [البقرة: ٢٥٠]. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]: أُخِرجوا من القُبُور مع ملحظ الضيق، ومثلها ما في [إبراهيم: ٤٨، غافر: ١٦]، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٨١]، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]: كُشِفت وأظهرت، ومثلها ما في [النازعات: ٣٦]، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. وما لا ينضح فيه قيد (الجهد) في الاستعمالات الأخيرة فهو من إسقاطه.
• (برزخ):
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]
قالوا عن البرزخ: هو ما بين كل شيئين، أو الحاجز بين الشيئين كالبرزخ ما بين الدنيا والآخرة قبل الحشر، أي من الموت إلى البعث. وفسروه في الآية بالحاجز، ولا نوافقهم؛ لأن الحاجز يمنع الاتصال.
وبالنظر إلى ما سبق في (برز) من دلالتها على خلوص الشيء من بين ما يكتنفه، ولسماح الخاء صوتيًّا بهذا الخلوص مع إضافة أن الخاء تعبر عن شيء من التخلخل يتحرر أن:
° المعنى المحوري مَعْبَر باطنيٌّ جوفي من خلال حاجز بين أشياء. وواضح
стр. 105
أن الموت وفترة القبر توصل إلى يوم البعث، والروحُ فيها تنعم أو تُعذَّب ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. وكذلك الحاجز بين البحرين (الماءينْ المِلح والعذب) وَهْمِىّ إذ العذب من (وإلى) المِلح. وقد فسر ابن جُريج البحرين بالملح والعذب. ومفهوم كلام قتادة ومجاهد وابن زيد أنهما يلتقيان ولا يبغي أحدهما على الآخر (١)، أي لا يحوله إلى جنسه.
• (برص):
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]
"البُرْصة - بالضم: فَتْق في الغيم يُرَى منه أديمُ السماء، والبُلَّوقة - بضمتين وتضعيف اللام، وهي أمكنة من الرمل بيض ولا تنبت شيئًا. والبَرَص - محركة: داء وهو بياض يقع في الجسد ".
° المعنى المحوري هو: وَضَحٌ قوي البياض في أديم الشيء أي ظاهره العريض: كالجزء من أديم السماء الذي يظهر من بين الفتق في الغيم. وكتلك الأمكنة الرملية البيضاء المكشوفة لخلوها من النبت، وكذلك البرص ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].
• (برق):
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٧، ١٨]
стр. 106
"البَرْق - بالفتح ذاك الذي يلمع في الغيم (ويقارن الرعد) معروف. والأَبْرَق والبُرقة - بالضم: غَلْظٌ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة.
بَرَق النجم (كنصر): طَلَع، وبَصرُه: تلألأ، (وكفرح ونصر): تحيّر حتى لا يطرِفَ، أو دَهِشَ فلم يبصر. وبَرَّق فلان عينيه - ض: أوسَعَهما ولَأْلَأ بهما من شدة النظر. وبَرِق السِقاء (كفرح): أصابه الحرّ فذاب زُبْده وتقطع فلم يجتمع ".
° المعنى المحوري هو: حدّة تبرز إلى الظاهر (بقوة أو اندفاع) من عمق ما يكتنفها: كلمعان البرق من جوف السحاب، وكالحجارة الموصوفة تخرج من الأرض حادّة، وكالنجم من الأفق لامعًا، ولمَعَانِ العين أو بياضها من بين جفنيها، وتسلُّطِ الحرارة على الزبد فيذوب ويبرق على ظاهر السقاء أو اللبن. (يلحظ أن صيغة فَعِل قرية من المبني للمفعول). ومنه: "بَرَقَت المرأة (نصر): تحسّنت وتزينت (زينةٌ حادَّة الوقع على الناظر تلفته). وبرّق فلان (ض): سافر بعيدًا (وكأنما اندفع من مقره فأبعد). وأَبْرَقَ الصيدَ: أثاره (فاندفع فارًّا بأقصى سرعته). فكل ذلك فيه حدة مندفعة من جوف أو مُكتَنَف: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، (وكل كلمات ﴿بَرْق﴾ هي بَرْق السحاب هذا). ومنه: "بَرَقَ الرجلُ الطعام (نصر): صبّ فيه الزيت، وابرُقوا الماءَ بزيت: صُبُّوا عليه زيتًا قليلًا - وبَرَقَ الأُدْمَ بالزيت والدَسَم: جعل فيه شيئًا يسيرًا. والبَرِيقة: طعام فيه لبن وماء يُبْرق بالسمن والإهالة ". كل ذلك إصابة أو تزويد بخارج من الجوف قويّ الأثر، وهو الزيت والدسم. وقوة أثره أنه قليل ولكن عنه تكون القوة (١)،
стр. 107
ويُصْلح ما يوضع فيه. ثم إن الزيت تتسع بقعته على الماء والطعام أكثر من حجمها، وكذا الدسم مع اللمعان. أما ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] فمعناه: فَزع وبُهت وتحير فلم يَطْرِفَ، وبرَق: لمع من شدة الشخوص فترةً لا يطرف [قر ١٩/ ٩٥ - ٩٦] وكلاهما فيه لمعان العين، ويتأتى عند الفزع العظيم للموت أو لقيام الساعة. ومن ذلك الإبريق: إناء له بلبل (قناة) يُصَبّ منها الشيء القوي الأثر كالخمر قليلًا قليلًا [انظر ل برق] تر الشواهد على استعمالهم الإبريق للخمر، وأنها كانت مثل الأباريق التي بأيدينا الوم في الشكل والمادة التي صنعت منها. ولم يكن صوغها على هذا الشكل إلا للتحكم في النازل منها بحيث يمكن صبُّ القليل منه - لحدة أثره، كما في بَرْق الطعام بزيت ونحوه مما سبق. زد على ذلك أن الخمر التي كانت تستعمل لها الأباريق توصف باللمعان والبريق كما قال أبو نواس:
فَعَلَتْ في البيت إذ مُزِجَتْ ... مثلَ فِعْل الصُبح فيه الظُلَم
ووزن إفعيل شائع في العربية (كإخريط وإبريج وإبريز ... الخ) ولا حاجة بعد ذلك إلى التماس أصل أجنبي عُرِّبَتْ عنه كلمة إبريق كما في [ق، ول، والمعرب ١٢٠] ... الخ) ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨].
- أما الإستبرق: الديباج الغليظ الخشن/ ما غلُظ من الحرير والإبْرَيْسم ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤ وكذا ما في الكهف: ٣١، الدخان: ٥٣، الإنسان: ٢١] فقد قالوا أصله استبره/ استروه/ استفره [ل (برق) والمعرب للجواليقي شاكر ٦٣، عبد الرحيم ١٠٨] وهذا قد يقبل، لكن للبحث فيه مجالًا:
стр. 108
(أ) فإن فيه البريق، وقد صغروه على "أُبيرق "وجمعوه على أبارق فأعادوه إلى البرق. (ب) والوزن ليس غريبًا مع قولهم: استبرق المكان: لمع بالبرق. وتكون السين والتاء للمبالغة، مثل قوله: (يستبرقُ الأُفُقُ الأقصى إذا ابتسمت).
ثم إنه قد جاءت أسماء كثيرة جدًّا على وزن الفعل كإثْمِد وأَفْكَل وينبُع ويَسْتَعُور (شجر تتخذ منه مساويك - كالفعل المسند يستقون).
ج - هذا وقد ألحق ابن فارس، في المقاييس، بكل باب فصلًا للألفاظ المركبة من مقاطع ذوات معان مُزجت في معنى جديد. فإذا أخذنا بذلك وجدنا أن السَتاه والسَتَى - كالفتى، والأُسْتِىّ - كجندي: تعني السَدَاة (ضد اللُحْمة) فكأن النسيج إذا مُزِجَ بما له بريق عنى ما يَبْرُقُ سَتاه أي ما ستاه من حرير أيضًا كالإستبرق. وهناك أيضًا (السِبْر: الهيأة الحسنة) و (السَرَق: الحرير) وهما تأتيان بالاستبرق أيضًا. لكني مع ذلك كله أترك الحكم لاقتناع الدارس.
• (برك):
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]
"الِبرْكة - بالكسر: مستنقَع الماء. والبَرْك - بالفتح، والِبرْكة - بالكسر: الصَدْر (للبعير). وابتركَت السحابةُ: اشتدَّ انْهلالُها/ أَلّحتْ بالمطر ... وابتركت السمماء وأَبْركتْ: دام مطرها ".
° المعنى المحوري هو: ثبات واستمرار مع لطف: كالماء الكثير (وهو لطيف) يخرج ويبقى أو يستمر في الِبرْكة، وصدر البعير يعتمد عليه البعير في بروكه وقيامه؛ فهو من الثبات. ومنه "بارك على التجارة (وعلى الشيء): واظب. ورجل مُبْتَرِك: معتمد على الشيء مُلِحّ " (يأخذ منه باستمرار). ومن ذلك "البَرَكة
стр. 109
- محركة: النماء والزيادة " (في الشيء والحال بحيث يبقى وتدوم منفعته أطول مدة فلا ينفد سريعًا فهي من الثبات). "طعام بَريك: مبارك ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠] (جعل فيها قِوام الحياة ماءً وهواءً وخيرات وكنوزًا لا ينقطع مدَدُها عن الإنسان رغم إلحاحه في استخراجها كالنباتات وثمارها والمعادن الخ)، ولبعض الأرضين بركة في طيبها لمن يقيم بها نَماء وأَمْنا. وبركات الله على بعض عباده اختصاص برعاية ونعم ظاهرة وباطنة. وبركة الزيتونة منافع زيتها العظيمة. وبركة الكتاب العزيز قيادته الخلق من الظلمات إلى النور. وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى البركة الذي ذكرناه.
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] أي على من في قرب النار وهو موسى تحية من الله تعالى لموسى عل نبينا وعليه السلام، أو كلمة النار تعني نور الله أيْ قُدِّسَ من في النُور وهو الله [ينظر قر ١٣/ ١٥٨]، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]: كَثُر خيرُه ودام. وكذا كل (تبارك الله. تبارك الذي) فهي تنويه بعطائه الدائم خلقًا ورَزْقا وربوبية وهدايةً. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] فسّر الاسم بالرحمن الذي ذكرت آلاؤه في السورة منذ أولها [قر ١٧/ ١٩٣] والعموم أولى. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، لتضاعف ثواب العمل فيه، فالبركة كثرة الخير [قر ٤/ ١٣٩] والأرض التي بارك الله فيها الشام وقيل مصر. ينظر عن كل ما ذكرنا هنا [بحر ٢/ ٥٤٦، ٤/ ٣٥٠, ٣٧٥, ٣٠٥, ٤٢٠].
ومن الثبات المادّيّ وما إليه "برك البعير: اسْتناخ (ثبت)، وكل شيء ثبت وأقام فقد بَرَك. وابتركوا في القتال: جَثَوا على الركب. والبَراكاءُ: الثبات في الحربِ، والجِدُّ. والبُركة - بالضم: الحَمالة " (شيء يُلْتَزمُ ويثبت على من التزمه).
стр. 110
• (برم):
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩]
"البريم: الحبل الذي جمع بين مفتولين ففُتِلا حبلًا واحدًا. والمُبْرَم من الثياب: المفتول الغزل طاقين. البريم: الحبل المفتول يكون فيه لونان، وربما شدته المرأة على وسطها وعضدها (وقد ينظم فيه خرز أو جوهر)، وقد يُعَلّق على الصبي تُدْفَع به العين. والبَريم (أيضًا): ثوبٌ فيه قَزّ وكَتّان، والماءُ الذي خالط غيره، والقطيع من الغنم يكون قيه ضَرْبان: من الضأن والمعز، وضوءُ الشمس مع بقية سواد الليل، والدمعُ مع الإثْمد، ... وكل شيئين اجتمعا واختلطا بريم ".
° المعنى المحوري لأْمُ شيئين (أو أشياء) معًا لأما شديدًا بحيث لا تتسيب ولا تنتشر: كالحبلين المفتولين حبلًا واحدًا، وكالثوب المفتول الغزل طاقين، وكالبريم بمعانيه المذكورة. وتتبين درجة اللأْم من الدقة (أعنى صِغَر الجرم) الواضحة في "البَرَم - بالتحريك: حبّ العنب إذا كان فوق الذرّ "وفي "بَرَمِة العُرْفُط: مثلُ زِرّ القميص أو أشفّ " (العُرفط شجرٌ وبَرَمته ثمرته).
ومن الجمع والاختلاط الذي هو من صور اللأْم: "بَريم القوْم: لفيفهم، والبريم: الجيش فيه أخلاط من الناس ".
ومن الصور الحسية الأخرى للَّأْم "البُرام - كرخام: القُراد " (يلصق بجلد البعير يكاد يلتحم به). "والبُرمة - بالضم: القِدْر مطلقًا، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف (يعني حجر البِرام) بالحجاز واليمن " (فهي تضم ما يُطبخ فيها ضمًا شديدًا ويختلط بعضه ببعض فيها اختلاطًا تامًا). ومما يبرز قيمة الطبخ في القِدْر أنهم كثيرًا ما كانوا يشتوون اللحم على النار مباشرة، ولهم في ذلك عدة