ومن ذلك الأصل: "الشِقّ من الجبل -بالكسر: الناحية منه "، ومنه كذلك: "شقَّ الأمرُ عليه: ثقُل " (كأنما استنفد نِصْف طاقته فلم يبق إلا ما يتماسك به البدن). ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] ومثلها ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ في [الرعد: ٣٤] مع فرق عظيم في النوع والدرجة. والاسم - الشِق -بالكسر والفتح ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]. وجعله في [ل] من الشِق -بالكسر: (نصف الشيء) كأنه قد ذَهَب بنصف أنفُسكم حتى بلغتموه. والشقة -بالضم والكسر: بُعْدُ مَسِيرٍ إلى الأرض البعيدة (وهو انشقاق معنوي إذ هو انفصال بابتعاد). ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢]. والشِقاق: الخلاف؛ كأن كلًّا ينشق عن الآخر إلى ناحية أو شِقٍّ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]. (والصيغة هنا للمبالغة، لأن الخلاف من جانبهم هم مع معاودة وتكرار، وكذلك كل ما كان سياقُه مشاقةً للَّه ورسوله، وهو كل (شاقّ) و (يشاقّ) وما كان بصيغة المصدر (شِقاق). أما قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] فهو خلاف ومباعدة من الطرفين. وسائره الراجح أو الصحيح أنه مشاقة اللَّه ورسوله). و "شِقّ الرجُل -بالكسر وشقيقُه: أخوه " (كأنهما شِقّان لشيء أو من شيء واحد).
• (شقو):
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]
"شاقَي الجملُ جِمالًا صابرات: صابَرها مشيًا " (١) "والمشاقاة: المعالجة في
стр. 1157
الحرب وغيرها. وفي [تاج]: "شاقاه: عالجه في الحرب ونحوها. وقال بعضهم قد يوضع الشقاء موضع التعب. نحو شَقِيت في كذا. وكل شَقَاوة تعب وليس كل تعب شقاوة. فالتعب أعم من الشقاوة. . . وأشقى من رائض مُهْر أي أتعب " (١) (المُهر = الفرس الفَتِيّ، وهو في أول أمره لا يقبل أن يُرْكَب، ويحتاج إلى ترويض كثير فيه مشقة بالغة، لأنه يُسْقِطُ مُرَوِّضَه ويتمرد عليه كثيرًا).
° المعنى المحوري التعب البدنيّ المستدعِى لأقصى الطاقة مشيًا أو مصارعة ومغالبة بَدَنية، أو ترويضًا لذي قوة وعنف -كما في الاستعمالات التي ذكرناها. ومن ذلك "المشاقاة: المعاصرة (من العَصْر الضغط الشديد)، وهي شبيهة بالمصارعة والمقاواة " [في ل المعاشرة بالشين المعجمة وهو تحريف] ومنه "الشَقاء: الدة والعُسْرة (تستهلك أقصى الجهد) شقِىَ (تعب) شقاءً وشَقاوة وشَقْوة -بالفتح والكسر فيهما، وقد استُعمِل اللفظ في التعب البدني الشديد في الدنيا- كما في ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ وكذلك ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ٢، ١١٧].
وبه عبِّر أيضًا عن العذاب وسوء المصير والعياذ باللَّه تعالى كما في ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥، وكذا ما في ١٠٦، والأعلى: ١١، الليل: ١٥، الشمس: ١٢]، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] لكن في [قر ١١/ ١١٣] أن هذا دعاء بولد يؤنسه. وكلام آخر مثله. وكلاهما مخالف للسياق ومقام النبوة،
стр. 1158
فالأقرب أنه استشعار للوجل. وفي ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] في [قر ١١/ ١٠٣]: خائبًا من الخير عاقًّا، عاصيًا لربه اهـ. وكلٌّ مناسبٌ: الأول صورة من الشقاء، والأخيران من أسباب الشقاء في الآخرة، أو فيها وفي الدنيا معًا. وفي ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك [قر ١١/ ٧٧].
° معنى الفصل المعجمي (شق): هو صدْع الشيء أو ما هو بمعنى الصدع -كما في شَقّ العود والحائط والزُجاج- في (شقق)، وكما في استدعاء أقصى الطاقة وشغلها بحيث لا يبقى ما يزيد على مجرد تماسك البدن كما في الشقاء في ترويض المهر في (شقو)، رما (شقى) إلا صيغة مطاوعة (لشقو).
الشين والكاف وما يثلثهما
• (شكك):
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٤]
"شَكَّه بالرمح والسهم ونحوهما: انْتَظَمه، وقيل لا يكون الانتظام شَكًّا إلا أن يَجمع بين شيئين بسهم أو رمح أو نحو. والشاكّ في السلاح هو اللابس السلاحِ التامّ. شكّ في سلاحه: لَبِسَه تامًّا فلم يَدع منه شيئًا. والشكائك من الهوادج ما شُكَّ من عيدانها التي يُثّبَّتُ بها بعضُها في بعض. والشَكُّ: اللزوم واللصوق. وقال أبو دَهْبل الجُمَحيّ: ﴿دِرعي دِلاصٌ شَكُّها شَكٌّ عَجَبْ﴾ وشُكَّتَ على المرأة المرجومة ثيابُها، أي جُمِعت عليها ولُفَّتْ لئلا تنكشف، كأنها نُظِمت وزُرَّتْ عليها بشَوْكةٍ أو خِلَال. شَكَّ الحية بالرمح، أي خَزَقها وانتظمها
стр. 1159
به. وكلُّ شيء أدخلتَه في شيء فقد شككتَه ".
° المعنى المحوري انتظام (أكثر من) شيء معًا خَزقًا (١) ونفاذًا فيها بما يُشْبه جَمْعَها إلصاقًا -كما ينتظم الرمحُ والسهمُ أكثَر من شيء، وكما يدخل الشاكّ في درعه ومِغْفره، وكما تدخل عيدان الهودج بعضها في بعض، وكذلك حلقات الدرع بعضها في بعض، وكذلك المرأة في ثيابها. ومنه: "الشِكُّ -بالكسر: الخُلّة التي تُلْبَس ظهور السِّيَتَين (سِيَة القوس نِصْفُها المنحني قليلًا من وسطها إلى طرفها. فلها سيتان) وقد وُجّه تسمية خَزْق السهم والرمح شيئًا واحدًا شكًّا بأن العود يَخْتَرقه وَينْفُذ منه: فيصير في كل جهة من الشيء جانب من العود " (٢).
ومن ملحظ التماسك والاجتماع لصوقًا أو كاللصوق، قالوا: "الشَك:
стр. 1160
لصوق العَضُد بالجنب. بعير شاكّ: أصابه ذلك. شك البعير: ظَلِع ظَلَعًا خفيفًا ظَلِعَ وغَمَز (قبض رجله ولم يَبْسطها توقيًا لألم يحس به إذا بسطها) والشكيكة: الفِرْقة من الناس. وشَكّ القومُ بيوتهم: إذا جعلوها على طريقة واحدة ونَظْم واحد، وضربوا بيوتهم شِكاكًا، أي صفًّا واحدًا ".
ومن معنويه "رَحِمٌ شاكّة أي قريبة وقد شكّت: اتصلت. والشُكَك: الأدعياء (ملصقون). والعامة تعبر عن تماسك الأسمنت بعضه في بعض وهو في أكياسه، أي قبل استعماله، بأنه "شك "، وهو استعمال صحيح.
ومن ذلك الأصل: "الشك الذي هو ضد اليقين، وقد عُرِّف بأنه الوقوف أو التردد بين نقيضين أو طرفين لا يترجّح أحدُهما عند الشاك " (١). وخلاصة معناه أنه اجتماع أمرين أو أمور يتردد بينها الشاكّ. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧] وكل ما في القرآن من التركيب هو كلمة (شك) بهذا المعنى.
• (شكو):
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]
"المشكاة -بالكسر: كل كَوَّة غير نافذة. والشَكوة -بالفتح: وعاء كالدلو أو القِرْبة/ مَسْك (: جلد) السَخْلة ما دام يرضع (فإذا فُطم فمَسْكه البَدْرة، فإذا أجذع فمَسْكه السِقاء) وهو للبن ".
° المعنى المحوري غُثورٌ أو فجوة محدودة الحجم في جدار أو نحوه: كالكَوَّة الموصوفة ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وكالقِرْبة من جِلد السَخْلة التي
стр. 1161
تَرضع (أي هى صغيرة فتكون القربة منها صغيرة أي ضيقة).
ومنه "الشكو والشكوى -بالفتح فيهما: المرضُ (عيب في موضع عن البدن. (والعيب نقص كالفَجْوة، أخذًا عن العَيْبة: وعاء عن جلد) والعامة تصف الحيوان المريض عند بيعه بأنه معيوب) و "قد شكا الرجلُ المرضَ وتشكّى واشتكى. ومنه: شكا الرجلُ أمرَه (أحسّ بألم أو نقصِ مطلوبٍ له فعبّر عنه) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وشكوت فلانًا: أخبرتَ عنه بسوء فعله بك (عَبَّرت عن ألمك مما فَعَل بك) ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] و "أشكاه: فعل به ما يُجوجه إلى الشكوى، فالهمزة للتعدية. وأشكاه: أعتبه وأزال عنه ما يشكيه " (وحقيقته عندي قَبِل شكواه، أو اعترف بأنه صاحب حق في الشكوى، فهي من جعل الشيء ذا أصله. ويلزم ذلك أن يزيل عنه ما يشكو منه، وهذا تفسير ما قيل عن تضاد).
• (شوك):
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]
"شَوْك النبات معروف. وشوكة العقرب: إبرته. وشاك لحيا البعير: طالت أنيابه ".
° المعنى المحوري نفاذ دقيق حادٍّ في ما ناله: كالشوك والأنياب. ومنه "حُلّة شَوْكاء: عليها خشونة الجِدّة (الزِئبِر)، وشُكت الرجلَ أَشُوكه: أدخلت الشوكة في رجله ". ومنه على المثل "الشَوْكة: السلاح أو حِدّته (ينفذ في أبدان المحاربين)، ورجل شاكي السلاح وشائكه: ذو شوكة وحَدٍّ في سلاحه ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، أي غيرَ ذات الحِدّة، فذات
стр. 1162
الشوكة هي مواجهة الكفار في حرب، وهي التي تكسر حِدّتهم وترهبهم.
• (شكر):
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]
"الشَكُور من الدوابّ: الذي يَسْمن على قِلّة العَلَف (أي يسمن من علف قليل) شَكَرت الدابة (قعد): كفاها القليلُ من العَلَف وغيره. والشَكِرَة -كفرحة- من الحلائب: التي أصابت حَظًّا من بَقل أو مَرْعًى فتغزُرُ عليه بعد قِلّة لبن. وضَرَّة شَكْرَى: ملأى من اللبن. وشَكِرَت الناقةُ، والضَرْعُ (فرح): امتلأَ باللبن، والسحابة: امتلأت، والشجرةُ: خرج منها الشكير، وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها ".
° المعنى المحوري امتلاء جوف الشيء برخو طيب وظهورُه عليه ولو كان رافده قليلًا: كما تسمن الدابة بالعلف القليل، والضَرّة الشَكْرى باللبن، وكالشكير حَوْل الشجرة من أصلها، والخُوص حول السعف، والزغب والشعر الخفيف. ومنه: شَكِير الإبل: صِغارها. واشْتَكَرت السماء: جَدّ مطرها. ومنه: الشَكْر -بالفتح: فرج المرأة (المقصود بالتسمية اللحمة الرابية فوقه كما يُسَمَّى بُضعًا -بالضم).
ومن معنوى الأصل: "الشُكْر: عِرفانُ الإحسانِ لصاحبه ونَشْرُه " (إظهاره)؛ إذ هو تعبير عن امتلاء النفس ورضاها بما قُدّم لها من خير، ونجوع هذا الخير فيها. والعامة تستعمل هنا "أثمر فيه المعروف ". ثم إن ضده الجحود، وهو جفافُ باطنٍ. وتأمل ما ورد من قولهم: شَكَر باللَّه (قعد. .)، وكأنها تعني أصلًا: شَبع بنعمة اللَّه -ثم قيل شكر للَّه. ثم أُطلق الفعل عن حرف الجر، فعُدِّي
стр. 1163
بنفسه، واستُعمل الشُكر في الإخبار عن الشِبَع بنعمة اللَّه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. هذا، وكل ما في القرآن من التركيب هو من شكر النعمة هذا، لكن ورد فيه وصف المولى بأنه (شاكر) ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧، و (شكور) في [فاطر: ٣٠، الشورى: ٢٣، التغابن: ١٧، وأيضًا ما في الإسراء: ١٩، والإنسان: ٢٢] جاء في [قر ٢/ ١٨٣] "وشُكر اللَّه للعبد إثابته [إياه] على الطاعة ". ولو قال رضاه عنه لكان أقرب إلى المعنى الأصلي، لأن الرضا كالشكر في أصل معناه رخاوة الباطن. والشكر يزيد عن الرضا -في هذه الجزئية- معنى الظهور. والإثابة تالية للرضا [وينظر بحر ١/ ٣٥٥].
• (شكس):
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]
"مَحَلَّة شَكِسٌ - ككَتِف: ضَيِّقةٌ. ورجُلٌ شَكِسٌ: بخيل ".
° المعنى المحوري ضغط الحيِّز على ما فيه فيمسكه شديدًا: كالمكان الضيق. والبخيل لا يُخْرج إلا بضيق وتقتير ومنه: "الرجل الشَكُسُ (كنَدُس وكَتِف): السيِّئ الخُلُق في المبايعة وغيرها (كزٌّ غيرُ سمْح) وقد شَكِسَ (فرح). ومنه: "تشاكس الرجلان: تضادّا (ضاقت نفس كلٍّ منهما بالآخر) ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متضايقون متضادون/ عسرون مختلفون " [ل].
• (شكل):
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]
"الشِكَال - ككِتَاب: العِقَال، ووَثاقٌ بين اليد والرِجْل، وبين الحَقَب والتصدير لئلا يُلِحَّ الحقَبُ على ثيل البعير فيَحْقَبَ أي يحتبِس بوله. والأشكل من
стр. 1164
الإبل والغنم الذي يخلط سوادَه حُمْرةٌ أو غُبْرة. ومن سائر الأشياء: ما فيه بياض وحمرة قد اختلطا. شَكَل الفرس والدابةَ والطائرَ (نصر) وشكّلها - ض: شدّ قوائمها بحبل "، (الحَقَب: حزام يُشَدُّ به الرحْل في حَقْو البعير أي خَصره، والتصدير حزام في صدره، والثيل وعاه قضيبه).
° المعنى المحوري اجتماع شيئين مختلفين أو ارتباطهما معًا بتميز: كارتباط بعض القوائم إلى بعضها بشكل متميز (يدٌ مع رجل - لا يدان ولا رجلان)، والحمرة بالبياض أو السواد معًا وحزام المصدر بحزام الحقو). ومن شَكْل الدابة: "شَكَلْت الكتابَ (نصر): قيَّدته بالإعراب (ويمكن أن يكون نُظر في تسميته شكلًا إلى أن الشكل بدأ نقاطًا بمداد يختلف لونه عن لون كتابة المصحف [ينظر: المقنع للدانى دهمان/ ١٢٦]. ونباتُ الأَشْكَل عيدانُ شجرته أنصافُها شديدة الصفرة، وأنصافها الأخرى سوداء ". ومن الأصل: "شاكِلةُ الفرس: الذي بين عَرْض الخاصرة والثَفِنَه، وهو موْصل الفخذ في الساق ". ومنه أيضًا: "شِكْل المِرأة -بالكسر والفتح: وهو تدللها بالكلام والحركات (فيه تنوُّع؛ إذ تبدى النِفار وهي راغبة، تقصد بذلك جذْب الرجل إليها). و "الأَشكَل والشَكْلَاء: الحاجة " (يَعْلَقُها ويسعى لضمّها، أي هي من الجمع). و "الشواكل من الطرق: ما انْشَعَب عن الطريق الأعظم " (مرتبطة به) ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] (كما يقال: على حَسَب مذهبه). ومنه "الشَكل -بالفتح والكسر: الشِبْه والمِثْل (للترابط بينهما بالشَبَه. والمثلان يختلطان) [انظر: شبه]، ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨]- و "تشاكل الشيئان وشاكل كلٌّ منهما صاحبه. وشَكْل الشيء -بالفتح: صورتُه المحسوسَة والمتوهَّمة " (خطوط
стр. 1165
وملامح تجتمع وتتلاقى على هيئة خاصة فتكوِّن صورةً متميزة). و "شكَّل الشيءَ - ض: صوّره، وتشكّل: تصوّر. وأشْكَل الأمرُ: التبس " (تشابكت عناصره وتداخلت؛ فلم يتميز بعضُه من بعض).
° معنى الفصل المعجمي (شك): هو دخول شيء في غيره أو نفاذه فيه بحدة أو قوة، ويلزمه الجمع - كما ينفذ السهم في الرمية والمحاربُ في درعه -في (شكك)، وكالمشكاة والشكوة كلٌّ فجوة مُعَدَّة لوضع شيء فيها -في (شكو)، وكنفاذ الشوكة في المَشُوك -في (شوك)، وكأكل الدابة الشكور القليلَ من العَلَف فينجعُ فيه ويظهرُ أثرُه عليه -في (شكر)، وكضيق المحلّ بما دخل فيه ليمسكه بقوة -في (شكس)، وكجمع الشِكال والشكل شيئين معًا -في (شكل).
الشين والميم وما يثلثهما
• (شمم):
"جبل أَشَمّ: طويل الرأس. والشمَمُ في الأنف: ارتفاع القصبة وحُسنها واستواء أعلاها وانتصابُ الأرنبة ".
° المعنى المحوري انسحاب الشيء المتسع (المنتشر) إلى أعلى مستدقًّا (١):
стр. 1166
كتجمع رأس الجبل الطويل وأصلُه عريض منفَرِش. وكالأنف الأشم يرتفع وَيدِقّ أعلاه ملتئمًا وأصله عريض منفرج نسبيًّا.
ومن سحب المنفرش المنتشر جاء الشَمُّ إذ هو جَذْب ما سَطَع وانتشر من رائحة الشيء إلى الأنف "شَمِمْتُ الطِيبَ: أدنيته من أنفك لتجتذب رائحته ". ومن الأصل: "الإشمام في خَفْض البنت: قطع طرف النَواة فقط؛ فهو يبدي البُضْع مسنَّم الأعلى مجتمعًا مكتنزًا غير منتشر (أي بعد قطع ما امتد، أي انتشر، خارجًا ظاهرًا). "والمُ شامَّ ة المقاربة والدنو من العَدُوّ أو من شخص بلطف " (تجمع تقاربٍ بلطف).
• (شأم):
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد: ١٩]
"الشأمة: الشامَةُ/ الخالُ. والشُؤْم من الإِبل: السُود ".
° المعنى المحوري كثافة تعتري الظاهر متركزة عليه كالخال وكالسواد.
ومن الكثافة اليد الشؤمى، لأن بها مع اليد اليمنى يمكن أن يضم الشخص ويجمع كمًّا كثيفًا لا يتمكن منه باليمنى وحدها. والشَأْم (= القُطْر) سمي أيضًا من هذه الكثافة والتجمع نظرًا للسكان أو للزراعة، كما سُمي العراق سوادًا
стр. 1167
[انظر: سود] حفظهما اللَّه تعالى. وقال في [ق]: لأن أرضها شاماتٌ بيض وحمر وسود.
وأما الشؤم ضد اليُمْن فهو من معنوى ذلك لأن به تستشعر النفس وقوع مكروه فيغشاها غمّ وكَرْبٌ (كثافة) لذلك ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]. والأمر في الآخرة يتجاوز الكرب النفْسيّ بما لا حدود له.
• (شمت):
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]
"الشوامت: قوائم نحو الثور الوحشي. وشاهده قول النابغة في معلقة:
فارتاعَ من صَوْتِ كَلَّابٍ فباتَ له ... طوعَ الشوامت مِنْ خَوْفٍ ومِنْ صَرَد
يريد الشاعر أن يصف ناقته بالسرعة ويشبهها في ذلك بهذا الثور الوحشي الذي أحس صوت كَلّاب (الكلّاب صيّاد الظباء ونحوها بكلابه)؛ فأطلق قوائمه للريح [انظر: شرح المعلقات للزوزني ص ١٩٨] وقد روى تفسيرُها بالقوائم عن الخليل. وقد قالوا: "لا ترك اللَّه له شامتة: أي قائمة " (تشكك الراغب وابن فارس في تفسير الشوامت بالقوائم).
و"الاشتمات: أولُ السِمَن. وإبل مُشْتَمِتَه: إذا كانت كذلك ".
° المعنى المحوري تَقَوِّي البدن قليلًا أو انتباره كذلك بحادّ قليل أو خفيّ يتربى فيه فيسوي ظاهره ويقويه. كالسِمَن وهو مادة حادّة لأنه مصدر حرارة البدن [ينظر ل طرق] ثم هو قليلٌ يؤدي أثرَه بخفاء، ومن أثره الانتبارُ والقوة المحدودان.
(ويتأتى أن تفسر الشوامت بالقوائم لأنها تنبر البدن أي تنصُبه، لكن
стр. 1168
القواتم ترفع بأكثر مما يناسب أول السمن. وقد ينظر إلى القوائم على أنها هي قليلة السمن). ومن ذلك المعنى "شماتة الأعداء: فَرَحهم ببلية تنزل بمن يعادون "أي مع سلامتهم هم من تلك البلية. فهو إحساس بالقوة خفيّ يناظر السِمَن القليل، لإصابة الأعداء مع سلامتهم هم ". ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾.
وتشميت العاطس خلاصته دعاء بالعافية والسلامة - والعافية قوة. وهذا أقرب من تفسيره بالدعاء بألا يكون في حالة يُشْمَتُ فيها به.
وقولهم "خرجوا في غزاة فقفلوا شماتي -كحيارى، ومتشمتين أي خائبين "هو من قلة القوة في المعنى الأصلي -مع جفائها.
• (شمخ):
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]
"جبل شامخ وشمَّاخ -كشداد: طويل في السماء/ شاهق. شَمَخ الجبل: علا وارتفع ".
° المعنى المحوري ارتفاعٌ خارق للأفق مع رُسوخ الأصل. كالجبل الشامخ ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ ومنه: "شَمَخَ بأنفه: ارتفع وتكبر ".
• (شمز - شمأز):
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]
قال عمرو بن كلثوم في معلقته [شرح السبع الطوال ٤٠٤. وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد] (١).
стр. 1169
فإن قناتَنَا يا عمروُ أعْيَت ... عَلَى الأعداءِ قبلَك أن تلينا
إذا عَضَّ الثِقافُ بها اشْمَأزّت ... ووَلَّتهُم عَشَوْزَنَةً زَبُونَا
عَشَوْزَنَةً إذا غُمِزت أرَنَّت ... تَدُقُّ قَفَا المثقِّفِ والجبينا
(عَشَوزنة: صُلبة. غُمزت: ضغطت بالثقاف أو غيره لثَنْيها حسب ما يراد. زَبون: دفّاعة، أَرَنّت: صَدَرَ عنها رنين صوت دقيق حادّ. تدق قفا المثقف والجبينا أي أنها ترتد بقوة واندفاع بعد الغمز وتصيب قَفَاه أو جبينه. وهذا تصوير لاشمئزاز القناة المذكور في البيت السابق).
° المعنى المحوري ابتعادٌ باندفاع شديد إِثْر محاولة الثَنْي، وذلك بسبب الصلابة: كاشمئزاز تلك القناة الذي صوره البيت الأخير عقب غَمْزها، أي محاولة ثَنْي جزء منها عن وضعه (وليس في ل استعمال حسي).
ومن معنوى ذلك: "اشمأزّ: ذُعِر من الشيء/ نَفَرت نفسه منه لكراهته. وبه يفسَّر انقباضُ القلب، وقد ذُكر في [ل]. وبهذا أيضًا ينبغي أن يفسَّر قوله فيه: "اشمأزّ: انقبض واجتمع بعضه إلى بعض "فالمقصود التقبض الذي به يتباعد نفورًا ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: نفرت نفورا شديدا.
• (شمس):
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]
"الشمس تلك المضيئة. والشَمُوس من الدواب: النَفُور الذي لا يستقر لشغْبه وحِدّته. وقد شَمَست (قعد): شَرَدَتْ وجَمَحَت ومَنَعَتْ ظَهْرها. والشَمُوس من النساء: التي لا تطالع الرجال ولا تُطْمعهم ".
° المعنى المحوري حِدّةٌ بالغة تتركز في الشيء تَنْفذُ منه وتَظْهَر من كثْرتها:
стр. 1170
كالشمس بحرارتها المتركزة فيها وأشعتها الحادة التي تنبعث منها ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وليس في القرآن من التركيب إلا الشمس هذه المعروفة وقد قيل إن الشمس في قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] المراد بها أُمّه أو خالته [قر: ٩/ ١٢١]. وكالشَمُوس من الدواب فيها حدّة في ذاتها وفي سلوكها مع الراكب، كان بها حَرَارةً وحُمُوًّا. وكذلك الشَمُوس من النساء. "والخمرُ شَمُوسٌ (لها حرارة وحدّة في الجوف) ورَجُل شَمُوس: صعب الخُلُق. وشامَسَه: عاداه وعانده (كما يقال حادّه) وقد شَمِس لي (كفرح): بدت عَدَاوته فلم يقدر على كَتْمها: وتشَمَّسَ: بخل " (البخل جفاف يناسب الحدة).
ومن الأصل: "الشَمْسُ: قلادة الكلب (تُمْسِك الحِدّة وتحبسها)، والشمس كذلك مِعْلاقُ القِلادة في العنق " (تمسك الجواهر النفيسة الدقيقة).
• (شمل):
﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]
"الشِمال - ككتاب: شِبْهُ مِخْلاة يُغَشَّى بها ضَرْع الشاة أو العنز إذا ثَقُل، وكذلك النَخْلةُ إذا شُدَّتْ أعْذَاقها بقِطَع الأكْسية لئلا تَنْفُضَ حَمْلها "أي يتناثر ثمرها). "شَمَل الشاة والناقة (نصر وضرب) علّق عليها الشِمال. وشَمَل النخلة كذلك. واشتمل بالثوب: أداره على جسده كلِّه حتى لا تخرج منه يده ".
° المعنى المحوري إحاطةُ ما يُخشَى انتشارُه بما يلتفّ حوله وبضمه معًا قائمًا: كالضَرْع بالمخلاة، والجسم بالثوب. ومنه "شَمَل القوم (كفتح): جَمَعهم، وشَمَلهم أمرٌ: عمّهم. واشتمل عليه الأمرُ: أحاط به ". ومنه: "الشَمْألة: قُتْرة
стр. 1171
الصائد؛ لأنها تُخْفِى من يستتر بها ". ومنه: "اشتملت الرحم على الولد؛ تَضَمَّنتْه ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣ وكذا ما في ١٤٤] وشَمِلَت الناقة (فرح): لَقِحَت (ففي بطنها جنين تحيط به). ومنه الشِمَال - ككتاب: كُلُّ قَبْضة من الزرع يَقْبِض عليها الحاصد. والشِمال: اليد اليسرى (لأنها تمكّن مع اليمنى من احتواء الشيء والتفاف اليدين حوله) ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] فهذه اليد المقابلة لليمنى. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧]. فهذه وسائر ما في القرآن من (شمال) و (شمائل) تعني الجهة المقابلة للجهة اليمنى.
أما "الشَمَلة والشَمَل -بالتحريك فيهما: القليلُ يبقى على النخلة من حَمْلها "، فهو من عدم الانتشار في الأصل؛ لأنها بقيت ممسكة. و "شَمَل الرجلُ: أسرع وشمّر " (فهذا من جمع ثيابه أو نفسه).
ومنه "ريح الشَمال "- كسحاب (لأنها تشمل النفوس وتلفها بلطفها ورقتها [انظر: نهاية الأرب ١/ ٩٧]، أو لأنها تهب من جهة شِمال القبلة. ومنه "الشِمال - ككتاب: خليقَة الرجل (كأنها طبيعته المختزنة فيه). والشَمُول: الخمر "؛ (لقوة الإسكار فيها التي بها تستولي على السكران).
° معنى الفصل المعجمي (شم): جمع ما هو منتشر منسحبًا إلى أعلى كشَمّ الرائحة المنتشرة في الهواء بدخولها في الأنف، وكالجبل الأشم الطويل الرأس -في (شمم)، وكتجمع كافة الشامة سوادًا -في (شأم)، وكالسِمَن الساري في البدن فإنه ينير البدن وإن كان قليلًا في (شمت)، وكاجتماع قاعدة الجبل فيطول رأسه في السماء -في (شمخ)، وكتجمع حرارة الشمس فيها مع وجودها في أعلى الأفق -في (شمس)، وكما يجمع الشِمال الضرع والنخلة، والبدن إلى أعلى -في (شمل).
стр. 1172
الشين والنون وما يثلثهما
• (شنن - شنشن):
"الشَنّ والشَنَّةُ -بالفتح فيهما: القِرْبة الخلَق، وكذلك: السِقَاء الخلَق من كل آنية صُنِعت من جِلْد. وقد شَنَّ الجَمَلُ من العطش يَشِنّ: يَبِس. وشَنَّتِ القِرْبةُ: يَبِسَت. والتشنُّن: التشَنُّجُ واليُبْس في جلد الإنسان/ تَغَضُّنُه عند الهَرَم. وذئب شَنُون: جائع. والشَنُون: المهزول من الدواب. والشَانّة من المسايل: كالرَحَبة/ التي تَصُبّ في الأودية من المكان الغليظ ".
° المعنى المحوري تسرب المائع ونحوه من الأثناء التي تضمه منتشرًا لضعف تلك الأثناء عن حَجْزه (١): كالقِرْبة الخَلَق يتسرب منها الماء كذلك، وكذهاب الماء من بدن الجمل العطشان، وكذهاب الندى من جلد الهَرِم، والسِمَن والطعام من المهزول والجائع. والمكانُ الغليظ يسيل منه الماء متفرقًا. ومنه "التشنين: قَطَرانُ الماءِ من الشَنَّةِ شَيْئًا بعد شيء. وشنُّ الماء على المحموم: أن
стр. 1173
يُرَشّ عليه الماءُ رَشًّا متفرقًا ".
ولعزة الماء عندهم وانتشار نفاذه هكذا من القِربة عدّوا ذلك انصبابًا وصبًّا وشبهوا به؛ فقالوا: "شَنَّ عليه درعَه: صبَّها " (أَيْ لَبِسها. والدرع مكونة من حِلَق دقيقة كثيرة تشمل البدن، فهي تشبه الشَنّ: صبَّ الماء). "وشَنَّ عليهم الغارة: صبَّها وبثّها وفرّقَها من كل وجه " (انتشار). ومن هذا مع ملاحظة رقة الماء قالوا: "شَنّ بسَلْحه: رمى به رقيقًا ".
أما "الشِنْشِنة -بالكسر: الطبيعة والخليقة والسجيّة "، فمن نفاذ المختزن في الباطن المغروز فيه بتفرق وانتشار، وقام تكرار الممارسة مقامَ التفشي والانتشار.
• (شنأ):
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
"المَشْنَأ -بالفتح: القبيح الوجه القبيح المنظر وإن كان محببًا. وشوانئ المال: ما لا يُضَنّ به. وشنَأ إلِيه حقَّه: اعطاه إياه وتبرأ منه ".
° المعنى المحوري دفعٌ من الحيّز أو ردٌّ عنه بقوة لكراهة الحوز أو عدم استحقاقه: كدفع ما لا يضن به، ودفع الحق مع التبرؤ، وكردّ النفْس، أي عدم
قبولها القبيحَ المنظر، وهو رد معنويّ. ومن هذا الدفع المعنوي استُعمل في
الكراهة والبغض؛ لأنهما عدم قبول: (شَنئَ الشيءَ: أبْغضه ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، أي بُغْضُهم. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي مُبْغِضَك ".
وأُطلق أيضًا في مطلق التباعد من الشيء (دفعًا له من الحوزة): "الشَنُوءة: التقزز من الشيء، وهو التباعد من الأدناس. الرجل الشَنوءة: الذي يتقزز من الشيء " (المصدر يضم ويفتح).
стр. 1174
• (شأن):
﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
"الشُئون (ج شأن): عُروق يجري فيها الدمع من الرأس إلى العين، ومواصل قبائل الرأس/ نمائم في الجمجمة (نتوءات صغيرة متوالية بينها فجوات تكون في حافة كلٍّ من قبائل الرأس -وهي الأطباق العظمية، وتتداخل معًا فتكوّن الجمجمة) / شبه لحام من النحاس يكون بين تلك القبائل، وعروق من التراب في شقوق الجبال يُغرس فيها النخل و/ ينبت فيها (شجر) النَبْع ".
° المعنى المحوري فُروع أو شُعَب دقيقة تمتد في أثناءٍ أو منها -مع وصل أو توصل: كعروق الدمع في الرأس وكمواصل القبائل بين العظام، وكعروق التراب في شقوق الجبال. ومنه: "شَأَنَ خَبَرهَ: عَلِمه " (كأنه سَبَره أي تغلغل فعرف ما فيه). ومنه: "الشأْن: الخَطْب والأمر والحال (شعبة من الأمور الخاصّة أو الجارية تنشأ): ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]. وكل (شأن) في القرآن فهو بهذا المعنى. أما ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنه تعالى لا يزال يُنشيء ويفني ويغير أحوالا ويبدي من أمور خلقه ما شاء [ينظر روح المعاني ٢٧/ ١١٠، بحر ٨/ ١٩١].
° معنى الفصل المعجمي (شن): انتشار دقاق من أثناء الشيء كتسرب الماء ونحوه من أثناء الشنّ: القِرْبة الخَلَق -في (شنن). وكما في المشَنْأ القبيح الوجه تنتشر منه نتوءات تقبحه (وتركيب قبح يعبر عن نتوء عظام البدن) -في (شنأ)، وكما في شئون قبائل الرأس وهي امتدادات عظمية دققة متفرقة من حافَة كل قبيلة تدخل في فراغات تقابلها في حافَة القبيلة الأخرى -في (شأن).
стр. 1175
الشين والهاء وما يثلثهما
• (شهو - شهى):
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]
"شَهِى الشيءَ (كالنوم والنساء والطعام) بكسر الهاء، وشَهَاه يَشهاه شَهْوةً واشتهاه وتشَهّاه: رَغِبَ فيه وأحبه ".
° المعنى المحوري رغبة حادّة في مرغوب بَدَنيٍّ (من احساس بالخلوّ منه) (١) ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١] وشهوة أهل الجنة قبول نفوسهم ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١]. ثم يُعَمَّم ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] الرجوع إلى الدنيا أو قبول الإيمان بعد نزول العذاب.
• (شهب):
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧]
стр. 1176
"الشِهاب: العود الذي فيه نار/ أصل خشبة أو عود فيها نار ساطعة "الشُهْبة -بالضم: بياض يصدعه سوادٌ في خِلاله/ بياض غلب على السواد. فرس أشهب وعَنْبر أشهب. واشهابّ رأسه: غلبه بياضُه. والشَهاب - كسحاب: اللبن الضَيَاح/ الذي ثلثاه ماءٌ وثُلُثُه لَبَن ".
° المعنى المحوري حدّة نار أو بريق تنتشر في أعلى الشيء دون أسفله مع صفاء أو خفة ما. كلهب الشعلة في رأس العود واللهب أبيض صاف، وكبياض الأشهب، والضَيَاح وهو أبيض خفيف الكثافة. فمن العود الذي فيه نار ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] ومنه "الشِهاب: شبه الكوكب الذي ينقض بالليل "على إثر الشيطان كشهاب النار ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، ومنه "الشُهُب الدَرَاريّ. وهي نجومٌ سبعة "تحوي ضوءًا قويًّا نفاذًا. "والكتيبة الشَهْباء "نُظر فيها إلى بريق السلاح يعُمُّها.
وقالوا: "سنة شهباء: مجدبة بيضاءُ من الجدب لا يُرى فيها خُضْرة (الفراغ من جنس الصفاء، والنبت والخضرة سواد وكثافة) وقد ردّوها إلى بياض الثلج وعدم النبات (والبرد يَحُسُّ النبات؛ يُحرقه فيفنيه - ينظر: حسس). ثم قالوا: "يوم أشهب: ذو ريح باردة ". وهذا من ارتباط شُهْبة الثلج بالبرْد. أما "الشَوْهَب: القَنْفُذ "فتسميته هذه لحدّته المادية التي تعلوه وهي شوكه الذي يقتل به الحية، وحدته المعنوية وهي أنه لا ينام [ينظر ل قنفذ].
• (شهد):
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]
"الشَهد -بالضم والفتح: العَسَل ما دام يُعْصَر من شَمعه. والشاهد: الذي يخرج مع الولد كأنه مخاط. وأشهد الغلامُ: أَمْذَى وأدرك ".
стр. 1177
° المعنى المحوري وجود شيء ذي قيمة في الحيّز بتمكن: كالشُهد الذي لم يُعْصَر، وكذلك المُخَاط في البطن وله أثره في إزلاق الوليد، والمَذِيّ في الصُلب.
والوجود في الحيّز حضور فيه يلزمه معاينة ما يجري فيه: "شَهِد المجلسَ: حضره (المجلس ظَرْفٌ) والشاهد والشهيد: الحاضر ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي في الشهر أي كان حاضرا غير مسافر. وبالحضور يفسَّر ما في [البقرة: ١٨٥، المائدة: ١١٣، يونس: ٦١، الكهف: ٥١، الأنبياء: ٦١، الحج: ٢٨، النور: ٢، النمل: ٣٢، ٤٩، الصافات: ١٥٠، الزخرف: ١٩، المدثر: ١٣، البروج: ٧]. وكل صفة شهيد مسندة إلى اللَّه ، [البقرة: ١٣٣، النساء: ٧٢، الأنعام: ١٤٤، هود: ١٠٣، الإسراء: ٧٨، مريم: ٣٧]، وكل (الشهادة) في ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [عشرة مواضع منها الأنعام: ٧٣] وفي ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] قال: يشهدون عملهم أو كتابته [قر ١٩/ ٢٦٤].
كما يلزم من المعاينة العلمُ، قال في [بحر ٢/ ٤١٩: "وأصل شَهِدَ: حَضَرَ، ثم صُرّفت الكلمة في أداء ما تقرر علمه في النفس بأي وجه تَقَرَّر من حضور أو غيره ". "شَهِد الحادث: عاينه [الوسيط]. وشهد الشاهد عئد الحاكم: بيّن ما يعلم وأظهره، والشهادة: الإخبار بما عَلِمه (مما رآه إذْ حَضَر) ﴿وَوَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] يفسرها ما في [يس: ٦٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] (يشهد ﷺ بتبليغه أمته، وعلى أعمالهم إذ تُعرض عليه أولًا بأول) وكل ما عدا ما سبق وما يأتي فهو من أداء الشهادة بما رُئى أو عُلم. وبعضه يتأتى أو قيل فيه بالحضور والأداء مثل [البقرة: ٨٤] وفي [آل عمران: ٩٩] ﴿وَأَنْتُمْ
стр. 1178
شُهَدَاءُ﴾] قال: عقلاء أو شهداء على ما في التوراة [قر ٤/ ١٥٥]. والشهيد في أسماء اللَّه : الحاضر. . الذي لا يغيب عن علمه شيء ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] وكل وصف للَّه بذلك فأصله الحضور، ومنه إلى العلم، وفي بعضه ما يترتب على العلم من الحُكْم أو البيان أو القضاء المعبَّر عنها بالشهادة حسب مقتضى السياق. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]: شهد بصنعته التي لا يقدر عليها غيره، وبا أُوْحيَ من آياته الناطقة بالتوحيد (وتشريعاته المقررة للحق والعدل والخير) والملائكةُ بإقرارهم وبتقريرهم للرسل، والرسل لأولي العلم. (قائمًا) حال من اسم اللَّه تعالى، فهو وحده القائم بالقسط المطلق ومقرره لخلقه [ينظر بحر ٢/ ٤١٩ - ٤٢٣]. ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] وشهادته تعالى بما أنزله إليه إثباته بإظهار المعجزات [بحر ٣/ ٤١٥]. والشهيد: من قُتِل مجاهدًا في سبيل اللَّه؛ لأن ملائكته شهود له بالجنة، وقيل لأنه حيّ لم يمت كأنه شاهد حاضر. . . وقيل غير ذلك، فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول على اختلاف التأويل [ل، قر ٤/ ٢١٨] ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وكذا ما في [النساء: ٦٩].
• (شهر):
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
"الشهر: الهلال إذا أهلّ. شَهَر فلان سيفه (فتح): سلّه من غِمْده [الوسيط] وشهّره - ض: انتضاه فرفعه على الناس ".
° المعنى المحوري ظهور الشيء أقصى ظهور لبروزه من جوف كان يحجبه:
стр. 1179
كالهلال في الأفق، والسيف من الجراب مع رفعه على الناس. وبالهلال سُمّي الشهر (جزء السنة) لأنه به يبدأ. وقد لاحظ ابن فارس اتفاق العرب والعجم على تسمية الشهر باسم الهلال في لغتهم. وهو ملحظ جيد إن صح ما فيه من تعميم. ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ويشتق منه (أَشهَر) و (شَاهَر). والذي في القرآن من هذا التركيب هو الشهر: المدة الزمنية المعروفة ومثناه وجمعه.
ومن أقصى الظهور المذكور: "شَهَر الأمر (فتح): أظهره وأعلنه. وشهّر به - ض: أذاع عنه السوء "بأن أعلن عن قبيح نسب إليه (بالحق أو بالباطل).
• (شهق):
﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا [الملك: ٧]
"جبل شاهق: طويل عالٍ. وشَهَق البناءُ والجبلُ ونحوها (فتح): عظُم ارتفاعه [الوسيط]. والشهيق: ردّ النفس: شَهِق (كفرح): جَذَب الهواءَ إلى صدره ".
° المعنى المحوري نفاذ الشيء مجتمعًا بحدّة إلى عمق خال: كهواء. الشهيق يدخل مجتمعًا إلى عمق الجوف، والجبل الشاهق يطعن بارتفاعه في جوف الأفق. ويُطلق الشهيق على الصوت المصاحب لجذب النفس كما قالوا في "شهيق الحمار آخر صوته أو نهيقه. وشهيق المكروب: أنينه الشديد المرتفع جدًا. . . " ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. والشَهْقة: كالصيحة، شَهِقَ شَهْقةً فمات ".
° معنى الفصل المعجمي (شه): هو وجود فراغ ما -كالذي في نفْس ذي الشهوة من فقد ما يشتهيه -في (شهو شهى)، وخفة لهب الشهاب وكذا البياض -فالسواد كثافة -في (شهب)، والفراغ الدي يشغله العسل في قرصه، وكذلك وجود شاهد في حيز الواقعة -في (شهد)، وظهور الهلال في الأفق الخالى وكذلك الإعلان عن مجهول -في (شهر)، واختراق رأس الجبل الأقق، وسحب الهواء إلى المصدر الخالي بقوة -في (شهق).
стр. 1180
باب الصاد
التراكيب الصادية
• (صيص):
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]
"صياصي البقر: قرونُها واحدها صِيصة، وصي صيَة -بالكسر، وتشدَّد ياؤها الأخيرة. والصِيص من ثمر النخل: الذي لا يَشتدّ نَواه أو لا يكونُ له نَوى أصلًا. والصِيصاء: حب الحنظل الذي ليس في جوفه لب ".
° المعنى المحوري صلابة ظاهر الشيء مع فراغ باطنه: كصياصي البقر، والصِيص، والصِيصاء. ومنه الصياصي: الحصون، وكلُّ شيء امتُنع به وتُحُصِّن فهو صيصة -بالكسر (بناء محصن الظاهر خالي الجوف). ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
• (وصى):
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]
"الوَصَي -كفَتَي وكغَنِيّ: جرائد النخل التي يُحْزَم بها، وقيل هي من الفسيل خاصّة وفلاة واصبة: تتصل بفلاة أخرى. وأرض واصية: متصلة النبات. وقد وَصَى النبتُ: اتصل وكثر [الأساس]. ووَصَت الأرضُ تَصي: يصل نباتها بعضه ببعضه. والوَصِيّ -كغَنِيّ: النباتُ الملتف ".
стр. 1181
° المعنى المحوري التزام الأشياء بعضها بعضا كالمحزوم بالجريد والنبات الملتف، وكالمتصل بعضه ببعض منه إذ هو متضام. ومن هذا الالتزام جاء معنى الإيجاب في الوصية فهي عهد وتكليف وإلزام. ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. أي يفرض عليكم ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١ وكذلك ١٥٢، و ١٥٣] وبهذا المعنى يفسر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. أي فريضةً، إذ كان ذلك حقًّا واجبًا لهن غير معلق بالتوصية من الأزواج [طب ٥/ ٢٥٢]. وهذا الملحظ يغنى عن تأولهم في الآية ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ. . . وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]. قال طب: أي عهدًا من اللَّه إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم [٨/ ٦٨ وأيضًا ٨/ ٣٠].
هذا وقد قالوا إن (الوَصِيّ) هو المُوصَي -اسما فاعل ومفعول، وإنها من الأضداد. وأساس ذلك أن صيغة (فعيل) تصلح لاسمي الفاعل والمفعول، فهو من سعة مجال الصيغة ولا تضاد في المعنى الأصلي للتركيب.
وليس في القرآن من التركيب إلا الوصية (والفعل واسم الفاعل منها) بالمعنى الذي ذكرناه.
стр. 1182
الصاد والباء وما يثلثهما
• (صبب - صبصب):
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٤]
"الصُبَّةَ -بالضم: ما صُبّ من طعامٍ (: بُرّ) وغَيْرِه مجتمعًا. والصَبُوبْ الحَدُور. والصَبَب/ محركة: تَصَوُّبُ نهر أو طريق يكون في حَدُور. صبّ في الوادي: انحدر، صب الماء ونحوه: أراقه ".
° المعنى المحوري حَدْرُ المائع (ونحوه من المتسيب) من أعلى إلى أسفل بقوة أو دفع (١) ويلزمه الاختراقُ (بقوة الانحدار) والتجمعُ والثباتُ رسوخًا بقوة
стр. 1183
الانصباب: كصَبّ الماءِ والبُرّ، وكانحدار المتحرك إلى الوادي المنخفض والصَبُوبُ يُنْحَدَرُ منه. وفي الأثر "جَعَل ﷺ يَرْفَعُ يَدَه إلى السماء ثم يَصُبُّها عليّ " ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾، ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣].
والصبّ بقوة نفاذٌ إلى المصبوب فيه بقوة فَعُبِّر به عن المخالطة (الضارة) "صَبّ ذؤالةُ على غنم فلان إذا عاث فيها ". ومن معنوي الانحدار "التَصَبْصُبُ: شِدّة الخلاف (أي المخالفة كلٌّ يمثل صُبَّة كما سيأتي)، والجُرْأة " (اندفاع بثقل كالانحدار).
ويلزم ذلك الأصلَ التجمعُ، أخذًا من الصبِّ، إذ يتأتى منه تراكُم المصبوب، وقد صَرَّح به في قوله "مجتمعا ". ومن هذا قالوا "الصُبَّة -بالضم: الجماعة من الناس، والقطعةُ من الإبل والشاء، والقطعةُ من الخيل ".
كما يلزم من وصول المنحدر إلى المقر بقوة أو ارتطام أن يثبت في المقر كاللاصق به. ومن هذا اللصوق "الصبيب: شجر يشبه السذاب يُختضب به/ السناءُ الذي تُختَضَبُ به اللِحَى كالحِنّاء، والجليدُ، وقالوا "صُباصب كتماضر أي
стр. 1184
غليظ شديد " (وحقيقته أنه متداخل بعضه في بعض). والصبيب أيضًا طرف السيف أي آخرُ ما يبلغ سِيلانه (السِيلان طرف حديدة السيف من عند مقبضه يغرز في المقبض فيُمتَسك فيه). وقولهم "صَبّ فلان يَصَبّ (ب فرح) إذا عَشِق "هو من اللصوق كما أن الحُبّ من اللزوم.
أما قولهم - (الصُبَّةُ -بالضم، والصُبابة - كرخامة: بقيةُ الماء واللبن في الإناء "فهي من الأصل بمعونة الصيغة أي بقية ما انصبّ أو ما شأنه أن يُصَبّ وكذا قولهم. "تَصَبْصَبَ الليلُ: ذَهَب إلا قليلًا ". هو انصبابُ ذَهاب، وكذا "صَبْصَبَ الشيءَ: مَحَقّه، وصُبّ الرجل -للمفعول: مُحِقَ ".
• (صبو):
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]
"الصَبِيُّ من السيف: ما دون الظُبَةِ قليلًا (الظبة هي طرفه الدقيق) / عَيْرُه الناتئ في وَسَطه. ومىَ القَدَم رأسُه/ ما بين حِمارتها إلى الأصابع (حِمَارة القدم أعلى وَسَط ظَهْره ".
° المعنى المحوري انحدارٌ أو ميلٌ متدرج إلى أسفل -كما دون الظُبَة ينحدر مستدِقًّا إليها، والعَيْر ينحدر إلى الجانبين، وصَبِيّ القَدَم إلى الأصابع.
ومن ذلك "الصبي: الولدُ من لَدُن يُولَدُ إلى أن يُفْطَم (لصغر بدنه بالنسبة للبالغين فهو منخفض كالمنحدر، أو لميله كما قال ابن جنى [الخصائص ٢/ ١١٨ - ١١٩] أي تعلقه بالأشياء ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. ومنه "صَبَت النخلة: مالت إلى الفُحَّال البعيد منها، والراعيةُ: أمالَتْ رأسَها فوضعته في المَرْعَى. وصَابَى رمحَه: أمال صَدْر سِنانه إلى الأرض للطَعْن
стр. 1185
به. وصَبَا إلى المراة (وكرضى): مال ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] والصَبَا - كالفتى: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار تستقبل السحابَ (بعد ما تُشْخصه ريح الدَبور) فتُوزِعُه بعضَه عل بعض حتى يصير كِسْفًا واحدًا (فهذا جمع تكديس وركْم من أعلى إلى أسفل وهو من باب الحَدْر) والصَبوة: جَهْلة الفُتُوَّة واللَهْو ". . (ميل وانحدار عن الجادة).
• (صوب، صيب):
﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]
"الصَوْب -بالفتح: المطر. والصُوبَة -بالضم: الجَمَاعَةُ من الطعام، والكُدْسَة من الحنطة وغيرها. أصابت السماءُ الأرضَ: جادَتْها. وصابَ الماءَ وصَوَّبه: صَبَّه وأراقه. وصابَ المطرُ: انصبّ، ومنازل عن عُلْو إلى سُفْل فقد صاب يَصُوب وأصاب ضِد أَصْعد. وصاب السهمُ الهدفَ يَصيبه ويَصوبه، وكذا أصابه، وأصاب السهمُ القرطاسَ: لم يخطئ ".
° المعنى المحوري هُوِيّ إلى شيء مع موافقته أي الوقوع (الاصطدام) به: كالمطر في الأرض، والبُرّ إلى ما سبق صَبَّه أو إلى الأرض فيصير كُدْسًا، والسهمِ إلى الهدف. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] الصيّب سحاب فيه صَوْبٌ أي مطر. ومن ذلك "صَوَّبَ رأسَه، ورأسَ الخشبة، ويدَه، والإناءَ: خفضها ".
ومن معنوى ذلك: "الصواب: ضد الخطأ "، لأنه موافقة الحق أو المراد، كما سُمّي سَدَادا ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] ومن هذا. "هو من صُوَّابة قومه وصُيّابتهم: صميمهم وخالصهم وخيارهم، والصُيّابة: الخيار من كل شيء " (موافقة المراد). ومن الأصل: "أصاب: أراد " (الإرادة ميل إلى الشيء وهُوِى لنيله): ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
стр. 1186
ومن الأصل "الإصابة: النزول بالشيء واللحاق به خيرًا كان النازل أو شرًّا ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ثم كثر في الشر. فالصابة والمُصيبة والمُصابة -بالضم، وكمَعونة: مما أصابهم به الدهرُ، كما قيل النازلة ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦]. والذي جاء في القرآن من التركيب: (الصواب) ضد الباطل والخطأ، و (الصيّب) المطر و (أصاب) أراد، ثم الحَدَث الذي يَنْزل بالإنسان خيرًا أو شرًّا. وقد مثلنا لكلٍّ والسياقات تعيّنها بوضوح. أما كلمة (مصيبة) فلم تستعمل في القرآن إلا في التعبير عما يعده الإنسان شرًّا.
ومن الموافقة للشيء والوقوع به جاء معنى النَيْل منه (كأن الأصل: بالهُوِيّ إليه، فهو مَعْنًى لزوميّ) فقيل "المِصْوبة -اسم آلة: المِغْرَفة، ويقال أصاب من المال وغيره: أخذ وتناول ". و "الصَوبُ شجر "ومن التكدس أو التركز اللازم للهُوِيّ "الصُوية: الكدسة من الحنطة، والصاب: شجر مرّ، أو عصارة الصَبِر " (تركز المرارة).
• (وصب):
﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]
"وَصَبَ الشحْمُ: دام. وأوصبت الناقةُ الشحمَ: ثَبَتَ شَحْمُها وكانت مع ذلك باقية السِمَن ".
° المعنى المحوري دوام بقاء الحادّ الذي يحتويه الشيء فيه. كالشحم في البدن. ومنه فلاة "واصبة: لا غاية لها من بُعدها (متلاحمة متماسكة لا تنتهي وهي فلاة أي جافة = حِدَّة). ووصَبَ على الأمر -كوعد: وَاظَب عليه (جِدٌّ وهو من جنس الحدّة)، وأوصب: دام ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] له الطاعة
стр. 1187
والإخلاص دائمًا " [قر ١٠/ ١١٤]. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]: لازم لا يفارق "ووَصَب في ماله وعلى ماله (كوعد): لَزِمَه وأحسن القيام عليه. وأوصبوا على الشيء: ثابروا " (المثابرة دوام).
ومن ذلك أيضًا "الوَصَبُ - محركة: دوام المرض والوجع ولُزُومه/ التعب والفتور في البدن. وجد توصيبًا أي فُتُورًا " (حدّة لأنها من جنس المرض).
• (صبأ):
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]
"صَبَأ نابُ ذي الخُفِّ والظِلْفِ والحافِر (كفتح)؛ طَلَع حَدُّه وخرج، وسِنٌّ الغلام: طَلَعَت، والنجمُ والقمرُ: طلع وبرز ".
° المعنى المحوري خروج الشيء أو نفاذه بصلابة وحِدّةٍ من بين الأثناء التي كانت تضمه -كالناب والسن من اللِثة، وكالنجم والقمر من الأفق.
ومن النفاذ المادّي من بين الأثناء استُعمل في الخروج من حيز معنوي. "صبأ (فتح وككرُم) صبوءًا: خرج من دين إلى دين آخر. وكان الكفار يقولون في مَن أسلم: صَبَأ ".
ومن هذا "الصابئة: قوم يزعمون أنهم على دين نوح "-لخروجهم على الأديان المعروفة: الإسلام والوثنية واليهودية والمسيحية [وانظر الكلمة في معجم ألفاظ القرآن للمجمع]. ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [ومثلها ما في البقرة: ٦٢، الحج: ١٧].
• (صبح):
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٨ - ١٩]
"الصبح: أول النهار، والفجرُ. والأصبح من الشعر: الذي يخالطه بياضٌ
стр. 1188
بحمرة أيًّا كان. والصَبَح -بالتحريك: بريق الحديد " (ونحوه).
° المعنى المحوري ضوء أو بياض ينتشر بقوة فيغلب ما يصادفه من ظلام أو سواد. كالبريق من الحديد والشعر الأبيض بين غيره، وكالصبح بعد الظلام ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]، ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. وقد اشتق من الصبح الكثير. ومما اشتق منه "أصبح دخل في الصباح. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]، ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ﴾ [القمر: ٣٨]. (استقبلهم -أي نزل عليهم- في الصباح).
ومن الضوء وهو من جنس البياض "المِصْبح -بالكسر: المِسْرجة والمِصباح: السراج (آلة الإضاءة) ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
ومن عُرُوّ البياض السواد جاء معنى الصيرورة والتحول، لمّا كان الإصباح يأتي بعد فترة الليل التي يغشى ظلامُها الكونَ ويُوحِي بالتغير في أثنائه، والإصباح نفسه تغير عن ظلام الليل فقيل "أصبح: صار " ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١].
والذي ارتبط من التركيب بالصبح أول النهار حقيقة هو كل كلمات (صُبح)، (صباح)، (إصباح)، (مصبحين)، (صَبّحهم)، (تصبحون) في [الروم: ١٧]. وسائر الفعل [أصبح] ومضارعه يحتمل معنى التحول. وليس في القرآن من التركيب عدا ذلك إلا (مصباح) وجمعه (مصابيح).
стр. 1189
• (صبر):
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]
"الصُبْرة -بالضم: كُدْسُ الطعام (البُرّ ونحوه)، والطعامُ المنخول بشيء شبيه بالسَرَنْد (غربال واسع العيون) (يتكدس الطعام تحته)، وما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضُه فوق بعض، والحجارةُ الغليظة المجتمعة. والصَبِيرُ: الجبل، وسحاب أبيض متكاثف. والصَبْرة -بالفتح: ما تَلَبّد في الحوض من البول والسِرْقين والبعْر. والصَبَر -بالتحريك: الجَمَد (الماء الجامد الثلج) [ق]. والصِبَارة -كقلادة: صِمام القارورة ".
° المعنى المحوري تراكم الشيء أو تكدسه مع تزايده أو دوامه على حالته. ككدس الطعام، وكَوْمة الحجارة، والجبل، والسحاب المتكاثف، والدِمْن، والجَمَد وما في القارورة. ومنه "صَبر البُرَّ (ونحوه من الطعام) والقَرَظ (ضرب): كَوَّمه صُبْرَة، والصَبَّارة -كزمّارة: الأرض الغليظة المشرفة (ارتفاع كالتكدس) لا نبت فيها. ونبات الصَبِر -ككتف لحظ فيه ثخانة أوراقه وكثرة الماء تراكمه وثباته فيه. (وربما نظر إلى أن عصارته تديم بقاء البدن أي تمنع تحلله. وكان العرب يعرفون بعض ذلك على الأقل وهو أن الصاب الذي هو عصارة الصبر يُحِدّ العين فلا تسترخي ولا تنام [ينظر ل صوب] وقوله (كأن عينَيَّ فيها الصاب مذبوح).
ومن ملحظ الثبات والاستمرار أخذًا من التراكم "صَبَره عن الشيء: حَبَسه (فبقى ثابتًا على حاله مستمرًّا)، وعلى القتل: أمسكه ونَصَبَه عليه، وصَبَره: أحلفه يمين صَبْر -وهي التي يمسكه الحاكم عليها حتى يحلف، ولَزِمه ". وحقيقة كل ذلك إثبات الشخص في مكان ليُقتَل، أو يَحلِف، أو لئلا يذهب إلى الشي. كما
стр. 1190
قيل صَبَره: أوْثَقَه " (أثبته).
ومنه "الصَبْر: نقيضُ الجَزَع "وحقيقتُه الثباتُ للمصيبة أو المشقة والتماسك والاستمرار في ما هو فيه، وعدم الانقطاع أو الزوال عنه. ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ١٥٣] أي بالثبات على ما أنتم عليه من الإيمان " ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِي﴾ [البقرة: ١٥٥]. وكل ما في القرآن من هذا التركيب فهو بمعنى الثبات عند الشدة أو المجاهدة. هذا "والصَبُور في أسماء اللَّه الذي لا يعاجل العصاةَ بالانتقام. وهو من أبنية المبالغة ومعناه قريب من معنى الحليم. والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم " [ل]. ومنه "صَبَر به (كنصر): كَفَل. وهو به صَبِير: كفيل زعيم " (كأنه ثَبَت ووقَف سَنَدًا له -تأمل "الصَبِيرُ: السحابُ الأبيضُ الذي يصبُر بعضُه فوقَ بعض دَرَجًا " [١٠٨/ ٢٥] (أي يثبت داعمًا بعضه بعضا).
• (صبع):
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]
ليس في التركيب إلا "الإصبع "وما اشتق منها.
° المعنى المحوري امتداد دقيق لطيف من جرم كبير أو غليظ كالإصبع من الكف والقدم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧ ومثله ما في البقرة: ١٩].
• (صبغ):
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]
"الصَبَغ -محركة: أن يبيضَّ ذَنب الفرس كلُّه أو أطرافُه. والصَبْغاء من الضأن: البيضاءُ طرَف الذنَب وسائرُها أسود. والصِبْغ -بالكسر وككتاب: ما
стр. 1191
يصطبغ به من الإدام. وما يُصْبَغ به وتُلَوَّن به الثيابُ كالصِبغة -بالكسر ".
° المعنى المحوري تَطَلِّى طَرَفِ الشيءِ بلونٍ أو مادّة يَنْغَمِس فيها يخالف ما عليه أصله أو سائرُه. كلَوْن الذَنَب (وهو متدلٍّ) المخالِف، وكصَبْغ الثياب والخُبز. ومنه "صَبَغَتْ الناقةُ مشافرَها في الماء: غَمَسَتْها، وصَبَغ يده في الماء. وصَبَغ اللقمة: دَهَنَها وغَمَسها. ﴿وَتَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وفي الحديث "فيُصْبَغ في النار صَبْغة أي يُغْمَس كما يُغْمَس الثوبُ في الصِبْغ ". و "صَبْغُ النصارَى أولادَهم في الماء: غَمْسُهم إياهُمْ فيه ". وفي [قر ٢/ ١٤٤] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ دينُ اللَّه. وأصلُ ذلك أن النصارى كانوا يَصبُغون أولادهم في ماء المعمودية تطهيرًا، ويقولون الآن صار نصرانيًّا حقًّا. فردّ اللَّه تعالى ذلك عليهم بأن قال ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي صِبْغة اللَّه أحسن صِبغة وهي الإسلام، فسمي الدين صبغة استعارة ومجازًا "اهـ. بتصرف. ذلك أن الآية رد على ما قالوا ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٥ - ١٣٨].
° معنى الفصل المعجمي (صب): هو الحدْر أو الامتداد إلى أسفل بقوة -كما يتمثل في صب الطعام (= البُرّ) والماء -في (صبب)، وفي انحدار صبيّ السيف ما يجاور
стр. 1192
عَيْرَه وعَيْرَ القدم -في (صبو صبي)، وفي انحدار المطر -في (صوب)، وفي دوام الشحم والعمل والاستمرار الدوام لازم للانحدار -في (وصب)، وفي اندفاع الناب والسن حتى يبرز -والاندفاع بقوة هو من لوازم الانحدار أيضًا ثم إن الصبّ نفاذ إلى أسفل والصبوء نفاذ إلى أعلى -في (صبأ)، وفي انفجار ضوء الصبح من ظلام الليل -وهو نوع من لوازم الانحدار بقوة كما أنه نفاذ أيضًا -في (صبح)، وفي التداخل والثبات وهو من لوازم الصبّ من قوة التكدس كصُبرة الطعام والصُبْرة والصبَر الجمَد -في (صبر)، وفي اندفاع الإصبع من الكف -في (صبع)، وفي غمس اللقمة في الإدام -في (صبغ).
الصاد والتاء وما يثلثهما
• (صتت):
"الصَتُّ: شِبْه الصدْم والدفْع بقهر، وقيل هو الضرب باليد والدفع. وصتّه بالعصا: ضربه بها ".
° المعنى المحوري وقْع بحدة وغلَظ على غير رِخْو (١) كالضرب باليد والعصا وكالدفع. ومنه الصتيت الصوت والجلبة كأنه صوتُ وقع مثل ذلك.
стр. 1193
• (صوت):
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]
"الصَوْت: الجرْسُ معروف. صات يَصُوت ويصات صَوْتًا وأصات وصوَت به -كلُّه: نادَى. والصائت: الصائح. رجل صيّت وصياتٌ: شديد الصوت. كانوا يكرهون الصوت عند القتال: هو أن ينادي بعضهم بعضًا أو يفعل أحدهم فعلًا له أثر فيصيح ويُعَرّف بنفسه على طريق الفخر والعُجْب. المُنْصات: القويم القامة. وقد انصات الرجل إذا استوت قامته بعد انحناء كأنه اقتبل شبابه ". والصِيت -بالكسر: المطرقة، والصائغ، والصَيْقل [ق] (الصَقْل: جِلاءُ السيوف، وتضميرُ الخيل بإذهاب ترهُّلها).
° المعنى المحوري امتداد الشيء قويًّا مستقيمًا لصدوره بضغط أو وقوع ضفط عليه -كما تفعل المطرقة في الحديد والذهب: مَمُدُّه شَريحةَ دقيقة السُمك مستقيمة، وذلك قبل تشكيله. (فكلمة (صِيت) هنا على وزن (فِعل) بالكسر بمعنى اسم الفاعل)، وكما يستقيم بدن الرجل بعد انحناء كأنما طُرِق وَسَطه فاعتدل قِوامه. والصَوْت من هذا فهو زمير الجهر. والأصل في معنى الصوت أنه المرتفع منه بدليل تفسيره بالنداء (وهو ضد النِجاء)، وبالصياح، وبالدعاء -وكلها أصوات عالية لا تصدر إلا بدفع أي ضغط قوي- وبه يفهم قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] [ورفع الصوت مذموم. ينظر ل فدد]. ولأن الأصل في المعنى اللغوي للصوت أن يكون عاليًا، ووقوع هذا في الكلام مع النبي ﷺ ينافي توقيره، لذا نُهينا عن ذلك ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
стр. 1194
لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
ومن إسماع الصوت وانتشاره حينئذ هنا وهنا قيل "الصِيت -بالكسر: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس دون القبيح "وتخصيصه بالجميل يرجع لغلبة استعمال العرب إياه، وربما كان لمعنى (الاستقامة) أثر في ذلك.
والاستقامة مع الامتداد يؤخذ منها الاستجابة لأنها جريان ونفاذ على ما يراد "انصات للأمر: إذا استقام/ أجاب وأقبل ".
° معنى الفصل المعجمي (صت): الصدم والطرق وما بمعناهما من الضغط الشديد كالصتّ بالعصا -في (صتت) وكالطرق بالمطرقة ورفع الصوت بضغط وهو أيضًا شديد الوقع على السمع مقارنة بالنفَس أو بالصمت -في (صوت).
الصاد والحاء وما يثلثهما
• (صحح - صحصح):
"صَحَاح الطريق - كسحاب: ما اشتدّ منه ولم يَسْهُلْ ولم يُوطَأ والصَحِيح والصَحْصَاح والصَحْصَحَان -بالفتح فيهن: ما استوى من الأرض وجُرِد. الصحصح -بالفتح: الأرض الجرداء المستوية ذات حصى صغار/ ليس بها شيء ولا شَجَرٌ ولا قرارٌ للماء. . والصحراء أشد استواء منها ".
° المعنى المحوري كون الشيء متماسكًا على ما ينبغي من حاله عِرَضًا وجفافًا دون تشقُّقٍ أو نحوه (١): كالأرض والطريق المذكورين يتميزان بالتماسك
стр. 1195
والجفاف وبعض الاستواء. والمهم أنه ليس فيها تسيب أو رخاوة كما هو واضح.
ومنه "الصحة خلاف السَقَم، وذهاب المرض "، لأنها تماسك وسلامة وخلو من الضعف (الرخاوة).
• (صوح - صيح):
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]
"الصَوْحُ -بالفتح والضم: وَجْهُ الجبل القائمُ كأنه حائط. وصُوْحًا الوادي -بالضم: حائطاه. صَاحَ العنقود: استتم خروجه من أَكِمّته وهو غَضّ. انصاح النبات: خرج زَهْرُه ونَوْرُه من أَكمامه ".
° المعنى المحوري بلوغ الشيء أقصى غايته نفاذًا من العمق ارتفاعًا أو نموًّا مع قوة أو جفاف. كوجه الجبل الموصوف وحائطي الوادي. وخروجُ العقود كاملًا هو ارتفاع إلى أقصى نموه.
ومنه "الصياح: الصوت الشديد. وصيّح - ض: صَوّت بأقصى طاقته، يكون ذلك في الناس وغيرهم، (صوت يخرج ممتدًا من الجوف بالغًا غاية الشدّة). ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣]، هذا عن ثمود، وكذا ما في [القمر: ١٣]، وفي [الأعراف: ٧٨]