° معنى الفصل المعجمي (صع): هو التسيب والتفرق لما شأنه أن يتجمع أو يتماسك كما في الصعصعة: النبت الذي يُسْتَمْشَى به وكذهاب الإبل صعاصع أي نادّة متفرقة في وجوه شتى -في (صعع)، وكالصاعة: البقعة الجرداء يكرو فيها الغلام بكرته، أو أديم يبسط لندف الصوف والقطن عليه، وهي في كلٍّ بقعةٌ واسعة، وهذه السعة لازمة للتفرق -في (صوع صيع)، وكالطريق الصاعد وهو سبيل للتفرق -في (صعد) ولكنه تفرق إلى أعلى، وكعرض الوجه أو الخدّ من حيث إن هذا هو الذي يُبْرَز ويواجَه به الناس - والعِرَض امتداد هو صورة للتفرق -في (صعر) وكصَعَق الركيّة انقياضها وانهيارها - فهذا من تسيب بنائها -في (صعق).
الصاد والغين وما يثلثهما
• (صغصغ):
"صَغْصغ ثريدَه: روّاه دسمًا، ورأسَه بالدهن كذلك ".
° المعنى المحوري تخلل أثناء الشيء بما له رقة فيلين مع كثافة (١) كالدهن والدسم.
стр. 1227
• (صغو صغى):
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]
"صِغْو الدلو -بالكسر: ما تَثَنَّى من جوانبه. صغا الرجل إذا مال على أحد شِقَّيْه أو انحنَى في قوسه. وصَغَت الشمس والنجوم: مالت للغروب. وصَغَيْت إلبه برأسي كسَعَيت وصَغَوت كدعوت وصَغِيت كرضيت: مِلْت. وأصغى الإناء: أماله وحَرَفه على جنبه ليجتمع ما فيه ".
° المعنى المحوري ميل الشيء عن اتجاه الارتفاع إلى جانب. كثنيات الدلو، وميل الرجُل أو انحنائه وميل الشمس والرأس. ومنه أيضًا "أصْغَت الناقة: أمالت رأسها إلى الرجل حين يَشُدّ عليها الرحل كأنها تستمع شيئًا (كذا) وأصغيت إلى فلان: ملت بسمعك نحوه ".
ومن الميل المعنوي ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]: لتميل منغمسة في زخرف القول الذي توحيه الشياطين والفعل معطوف على المفعول لأجله (غرورا) قبلها [انظر قر ٧/ ٦٩، بحر ٤/ ٢١٠ - ٢١١] ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالت عن الصواب [بحر ٨/ ٢٨٦].
ومنه على المثل "أصغى حظّه: نَقَصه " (كأنما قلل سَمْكه).
• (صغر):
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]
"الصغير: خلاف الكبير. وصغُرت الشمس (ككرم): مالت للغروب ".
° المعنى المحوري انخفاض جرم الشيء أي هبوط سَمْكه. كصغير كل شيء (بالنسبة لكبيره) وكميل الشمس للغروب بعد ارتفاعها وشموخها. ﴿وَقُلْ رَبِّ
стр. 1228
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
ومنه على المثل "الصَغار - كسحاب: الذل والمهانة. والصاغر: الصغير قدره، والراضي بالذل والضيم " ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وبمعنى صِغَر القَدْر هذا كل ما كان على صيغة (صاغر)، وكذا ما في ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وما عدا ذلك فهو من الصغر الحقيقي سنًّا أو حَجْما.
° معنى الفصل المعجمي (صغ): هو بين الأثناء -كما يتمثل في الثريدة المروّاة دسمًا والرأس المرواة دهنًا -في (صغغ)، وكما في صِغْو الدلو ما تثنى من جوانبه (والتثني لين) وميل الشمس والرأس لين لأن الانتصاب إلى أعلى صلابة -في (صغو/ صغى)، وكما في صغير السن إذ هو عادة رخو البدن -في (صغر) ولتلك الرخاوة عبر بالصغر عن الذل إذ هو ضعف ورخاوة وهوان.
الصاد والفاء وما يثلثهما
• (صفف - صفصف):
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]
"الصَفُّ: السَطْر المستوي من كل شيء - معروف. صَفَفْت القوم: أقمتهم في الحرب صفّا. صَفّت الطير في السماء: (بسطت) أجنحتها ولم تحركها. الصَفيف: أن يُشَرّح اللحم فيُوَسَّع مثلَ الرُغْفان، التصفيف أن تعرّض البَضعةُ حتى تَرِقَّ فتراها تَشِفّ شفيفًا. أرض صَفْصَف: ملساءُ مستوية/ الفلاة ".
стр. 1229
° المعنى المحوري امتدادُ أشياء سطرًا مستعرضًا مستويًا رقيقًا (أي غير كثيف أو غليظ) (١) كالصفّ من الناس والشجر مثلًا يمتد مستعرضًا أمام الناظر دقيقًا (صف الحرب مثلًا يكون عرْضيًّا لا طوليًّا وبذا فهو دقيق ليس كثيفًا. وهذا واضح في صف الطير أجنحتها وفي الصفيف من اللحم).
أما الفلاة فسميت صَفْصفًا من الخلو المأخوذ من الرقة وعدم الكثافة. وكذلك شجر الصفصاف فإنه لا ثمر له، وكذلك الصُفَّة -بالضم: من البنيان شبه البهو
стр. 1230
الواسع الطويل (= العالي) السَمْك "فهي تبدو مجرد فراغ كبير له سقف ما.
والذي ورد في القرآن الكريم: الصفُّ بمعناه اللغويّ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١ وكذا ما في الملك: ١٩] (المقصود: باسطات أجنحتها وهي طائرة لا ترفرف بها، فتكون حينئذ كشريحة ممتدة مستوية)، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. صَفَّتْ قوائمَها (وأُوقِفت كذلك للنحر) ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] هذه الكلمة تعني هنا: جميعا، متّحدي الغاية، متحدِّين، عليكم مهابة [بعض ذلك في بحر ٦/ ٢٣٩] ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] (ملساء مستوية خالية) وكل ذلك نُعرَف كيفيته. لكن ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وكذا ما في [النبأ: ٣٨] فالصف معروف، الكيف مجهول. والأمر أقرب من هذا في [الطور: ٢٠، الغاشية: ١٥] وفي ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] يُحتاج إلى بيان المراد: الملائكة، أو من يصفّ من بني آدم في قتال، أو طاعة، أو الطير [ينظر بحر ٧/ ٣٣٧].
ومنه "ناقة صَفو ف: تَصُف يديها عند الحلب. وصَفَّت فهي صَفوف أيضًا: جَمَعت بين مِحْلبين أو ثلاثة في حلبة واحدة (تُحْلَبُ صَفًّا من المحالب).
• (صفو):
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]
"الصفا: العريض من الحجارة الأملسُ، وكذلك الصَفْوان والصَفْواء. والصفاء: نقيض الكدَر. صفا الشراب والشيء يصفو. والمِصفاةُ: الراووق ".
стр. 1231
° المعنى المحوري خلوّ الشيء من الخشونة والكدر وما إليهما -كما في ملاسة الصفا ونقاء ما يصفَّي من الكدورة والشوائب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقد لاحظت أن حجر الصفا له بعض الشفافية. فهي سر تسميته ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥].
ومن ذلك "أصفاه بكذا: أعطاه الصفوة (= النقيّ الجيد) من الشيء ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠ ومثلها ما في الزخرف: ١٦]. والصَفِىّ - فعيل: ما اختاره الرئيس من المغنم لنفسه (استخلاص أو استحسان) ثم عُمِّم على الجيّد المختار كالناقة الكثيرة الحَمْل، والناقة الكثيرة اللبن. "واستصفى الشيء واصطفاه: اختاره كأنه أخذه لأنه أصفَى جِنْسه أو أجوده. والمصطفى ﷺ صفوة اللَّه من خلقه ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وهو ﷺ أكرم آل إبراهيم ﵈. وبمعنى اصطفى المذكور كل (اصطفى) ومضارعها واسم المفعول منها.
ومن ذلك الصفاء -بمعنى الخلو من مادة غليظة لكن نافعة: "أصفى الرجلُ: أنفدت النساء ماء صلبه، والدجاجة: انقطع بيضها ".
• (صوف):
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]
"الصوف للغنم كالشَعَر للمعز، والوبرِ للإبل. كبْش أصْوَف وصَوِف -كفرح، وصُوفاني؛ كثيرُ الصوف. وتسمى زَغَبات القفا صُوفةَ القفا ".
° المعنى المحوري الصوف المعروف = ما ينبت على جلد الغنم كأدق
стр. 1232
الشعر بأكثف ما يكونُ فيعمّ جلدها مكونًا طبقة كثيفة متداخلة الأثناء. وليس في التركيب غيره وما يُحْمَل عليه. ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] "وصوف البحر: شيء على شكل هذا الصوف الحيواني. والصوفانة -بالضم: بقلة معروفة وهي زَغْباء قصيرة. وصوّف الكرمُ - ض: بَدَتْ نواميه بعد الصرام ". (تشبيه).
"والصُّوفة كل من وَلى شيئًا من عمل البيت (الحرام). وصُوفة: أبو حي من مضر. . كانوا يخدمون الكعبة في الجاهلية ويجيزون الحاج في الجاهلية أي يفيضون بهم ". "قال ابن بري وكانت الإجازة بالحج إليهم في الجاهلية، وكانت العرب إذا حجّت وحضرت عرفة لا تدفع منها حتى يَدفع بها صوفة، وكذلك لا ينفرون من مِنا حتى تنفر صوفة، فإذا أبطأت بهم قالوا أجيزي صوفة "أقول أولًا هذا عَلَم لا نعرف ظروف تسمته بهذا الاسم، وثانيًا لعل هذا أصل استعمال لفظ الصوفي فيكون بما عُرف به من النزوع الديني البحت من أعرق الألفاظ وجودًا ودلالة.
فإذا تجاوزنا هذا الرأي يكون الصوفي منسوبًا إلى لبس أثواب الصوف، وهي حينذاك خشنة فهي ملبس المتقشفين والزهاد. وقد جعل الصديق ﵁ التألم من خشونة أرقّ أنواعه فِراشا -مثلا لما سوف يبلغه ترف المسلمين عندما تفتح عليهم الدنيا [حديثه في كامل المبرد - الدالي ١/ ١١]. وهذا أصل مادّي علميّ.
• (صيف):
﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢]
"الصَيْف من الأزمنة. ويؤخذ مما جاء في [ل ربع] أن الصيف عند العرب هو
стр. 1233
ما يسمونه الربيع الآخِر وهو يقع في شهور مارس وإبريل ومايو -أي هو ما نسميه الآن الربيع، ويقع بعد فصل الشتاء. وقد جاء في هذا التركيب "صاف السهم عن الهدف: عَدَل. والمَصِيف المعْوَجُّ من مجاري الماء. وأصله من صاف إذا عادل. وصاف الفحل عن طَروقته: عدل عن ضرابها. صاف أبو بكر عن أبي بردة. وأصافه اللَّه عني أي نَحّاه. وأصاف اللَّه عني شر فلان أي صرفه وعدل به ".
° المعنى المحوري عدول الشيء عن الوجه المفترض جريانه عليه اطرادًا -أي تحوله عن ذلك الوجه. كعدول السهم عن الهدف، ومجرى الماء عن استقامته. أما الصَيْف الفصل الزمني فيمكن النظر إليه من معنى العدول والتحول على أنه أول الدورة الزمنية حيث إنه يجيء بعد الشتاء المسبوق بالخريف. فالخريف فيه خَرْف الثمار أي جنيها، والشتاء فصل الجدب وبه تنتهي الدورة. ثم تبدأ الدورة بفصل الصيف وفيه ازدهار الزرع. ويمكن أن تكون تسميته من عدول حاله عن حال الفصل الذي سبقه ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.
• (وصف):
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]
"غلام وصيف: شابٌّ، والأنثى وصيفة. وقد أوصف: تم قَدُّه. وقد وصُف ككرم: بلغ الخدمة. وَصَف المهرُ: جاد مشيه/ توجه لحسن السير ".
° المعنى المحوري اتخاذُ الشيء هيأته التامة مع رقة أي استواء أو جَودة حال وخُلُوّ من الغلظ -كمن يَشِبّ تام القدّ حَسَن الخدمة وكالمهر الجيد المشي: وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، أي تهيئون أو تلفّقون من الهيئات المسوّاة أيَّ تسويةٍ وتهيئةٍ وإن كانت كاذبة ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ
стр. 1234
الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢] (تهيِّئ وتسوِّي)، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]: أي كذِبَهم وافتراءهم [قر ٧/ ٩٦] أي الترتيب الكاذب المهيأ المسوَّي ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. يُهيئون ويُسَوّون وينسبون إليه تعالى. وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى تسوية هيأة أو نسبتها أي نسبة حال أو وضع معين نسبةً باطلة.
والصفة حِلْية الشيء من هذا لأنها تبين هيأته وتُصوِّره. وكأن الأصل أن الصفة حلية الشيء الجيد الصفة المهيأ المسوّي، ثم عممها الاستعمال في مطلق الوصف.
• (صفح):
﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]
"الصفائح حجارة رقاق عراض. صُفْح السيف -بالفتح والضم: عَرْضه. وصَفْحتاه: وجهاه. والصَفْحَتان: الخدان. وصَفْحَتا العنق: جانباه. وصَفْحَتا الورق: وجهاه اللذان يُكتبان. ووجه كل شيء عريض صفيحةً. وصَفْحا كل شيء: جانباه ".
° المعنى المحوري الجانب العريض المنبسط من جرم الشيء. كالحجارة العِراض، وعرض السيف، والورق، وكجانب العنق وكالخدين. ومنه "صَفَحْته وأصْفَحته بالسيف: ضربته به مُصْفَحا أي بعُرضه دون حدّه ". ومنه "التصفيح: التصفيق من ضَرْب صفحة الكف على صفحة الكف الأخرى، والمصافحة من
стр. 1235
التقاء صُفْحَىْ الكفين [ل] و "صفح عنه: أعرض عن ذنبه "كأنه قد وَلّاه صفحته وصُفْحه -بالضم أي عرضه وجانبه ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] إعراضا وإهمالًا لكم [الخولى] وسائر ما في القرآن من التركيب فهو من الصفح العفو كذلك.
ومن ذلك "صَفَحَه عن حاجته وأصْفَحه. وصَفَحَ السائلَ: وأصفحه: ردّه ومنعه " (كأنما ولاه صفحة لا ينفذ منها -انظر صد، وصَفَحْت الإبل على الحوض: أمررتها عليه (كأنك أريتها صَفْحته، وعكس ابن فارس). وكذا صَفَحْت القومَ: عَرَضْتهم واحدًا واحدًا، وصَفَحْت ورق المصحف " (من النظر في صفحات الوجوه والكتاب).
وأما "صَفَحْته: أعطيته، وسقيته أيّ شراب "فهو من الأصل كأنك أنلته صَفْحًا أي جانبًا من الشيء.
• (صفد):
﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]
"الصَفَد -بالفتح وكسبب وكتاب: حَبْل يوثق به أو غُلّ. صَفَده (ضرب) وصُفُودا، وصَفّده - ض: أوثقه وشدّه وقيّده في الحديد وغيره، ويكون من نسع أو قِدٍّ. ونُهِي عن صلاة الصافِد وهو أن يَقْرن بين قدميه معًا كأنهما في قيد ".
° المعنى المحوري شَدُّ أشياءَ ممتدة وضمُّها بعضِها إلى بعضِ بقوة. كرجلَيْ المقيد تنضمان بشدة نافذتين من القيد. ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. وأما أَصْفَده بمعنى أعطاه فهي من هذا الأصل بمعنى أعطاه ما به يَشْتَدّ ويتماسك، أو قوّاه. ويجوز أن تكون من باب أَسَره بفضله.
стр. 1236
• (صفر):
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]
"الصِفْر - مثلثة: الشيء الخالي. وقد صَفِر الإناء من الطعام والشراب، والوطب من اللبن صَفَرًا وصُفورا: خلا ".
° المعنى المحوري خلو باطن الشيء. كما في الاستعمالات المذكورة. ومنه "صِفْر الحساب (فراغ. وما زال يرسم حلقة مفرغة في كتابة المغاربة، وعنهم أخذ الأوربيون رسم الصفر واسمه). وأَصْفَرَ البيتَ: أخْلاه. وسُمِّىَ شهرُ صَفر كذلك لخلو بيوتهم من الزاد، أو منهم لخروجهم في طَلَب الزاد أو لإصفارهم المواضع التي يمتارون منها أو يغزونها فيه [ل ١٣٣/ ٩] (أي صادفت تسمية الشهر موسمًا كانت حالهم فيه كذلك حينما سمَّوا الشهور). و "الصفراء الجرادة إذا خلت من البيض. وأصفر الرجل: افتقر. والصِفْريت كعِفْريت: الفقير. والصَفَّارة هنة جوفاء يصفِر فيها الغلام للحمَام ويُصْفَر فيها بالحمار ليشرب " (فيخرج الهواء).
ومن خلو الجوف في الإنسان والحيوان وما يماثله في النبات جاءت دلالة التركيب على صُفْرَة اللون (أ) "فالصَفَر -محركا: الجوع، والصفَر كذلك في ما تزعم العرب حية في البطن تعض الإنسان إذا جاع واللذع الذي يجده عند الجوع من عضه. والصَفَر - كسبب وغراب: دُود يكون في البطن وشراسيف الأضلاع فيصفرّ عنه الإنسان جدًّا "فواضح أنهم يعتبرون الصفرة مظهر ذلك الداء الذي هو الجوع أو لذعه أو أثره. وتأمل كذلك: "الصُفَار - كصداع: الماء الأصفر الذي يصيب البطن وهو السِقْى -بالكسر، وقد صُفِر- للمفعول مخففًا. قال
стр. 1237
قوم هو مأخوذ من الصَفَر -محركًا: الجوع. ورجل مصفور ومُصَفَّر- كمعظّم: جائع. وقيل مأخوذ من الصَفَر -محركًا: حيّات البطن. وفي الحديث نهى في الأضاحي عن المَصْفُورة والمُصْفَرَة - كمكرمة. فسرت المصفورة بالمستأصلة الأذن "وقيل هي المهزولة لخلوها من السِمَن. وقيل لها مُصَفَّرة كمعظمة لأنها كأنها خلت من الشحم واللحم. والفلاحون يجعلون سبب يُسْر انتسال شعر البهائم إنما هو الهُزَال أو الغش (فساد البطن) ويميل لونه حينئذ إلى الصُفْرة (لقلة غذائه من جذوره)، ويقولون إن الشعر (كَبْرَتَ) أي صار كالكِبرْيت لونًا، وهو أصفر.
(ب) واقترنت الصفرة بذبول النبات أيضًا وذلك مشاهد. وقال في [ل طرق ٩١] "والقصبة إذا قُطِعَتْ رَطْبة فأَخَذَت تيبس رأيت فيها طرائق قد اصفرّت "وقال هنا "والصُفَارة - كخراشة من النبات: ما ذَوَى (ذهب ماؤه فذبُل) فتغير إلى الصُفْرة. والصُفَار - كغراب: يَبِيس البُهْمَى ". وفي القرآن الكريم ربط بين الهيج -وهو ذهاب طراءة النبات أي جفافُه، والاصفرار ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الزمر: ٢١، والحديد: ٢٠] وكذلك من هذا الارتباط "الصُفْرية -بالضم كالمنسوبة: تمرة يمامية تُجَفَّفُ بُسْرا وهي صفراء فإذا جَفّت ففُرِكت انفركت ويحلَّى بها السويق فتفوق موقع السكَّر " (ولا يفرك التمر إلا إذا كان رقيق اللحم خاليَ الجوف من الطراءة. فاقترنت الصفرة بخلو الجوف أيضًا. ومن هذا الاقتران في الإنسان والحيوان والنبات عبر التركيب عن صُفرة اللون. ومنه ما في آيتي الزمر والحديد. ومنه ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١] اصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على يبسه،
стр. 1238
واصفرار السحاب يدل على أنه لا يمطر، واصفرار الريح يدل على أنها لا تلقح. والضمير في (فرأوه) للريح أو للنبات. والآية مع ما قبلها تصور تقلبهم ومسارعتهم إلى الجحود والكفر من أول شِدّة [ينظر قر ١٤/ ٤٥، بحر ٧/ ١٧٤] وأضيف أن استعمال (ظلوا) هنا يشير إلى ضحالة إيمانهم وأنهم ممن يعبد اللَّه على حرف. و "الصُفْر -بالضم: النحاس الجيد "هو من صُفْرة اللون لأنه يتميز بذلك.
• (صفن):
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١]
"الصَفَن -محركة: جِلْدُ الأنثيين. وبالضم: خريطة (= كيس) من أَدَم للراعي، فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه. . . وربما استَقَوْا بها الماء. والصافِنُ: عِرْقٌ ضخم في باطن الساق حتى يدخل الفخذ ينغمس في الذراع في عصب الوظيف. والصَفْن والصَفْنة -بالفتح: الشِقْشِقَة. كيس يبرزه الجمل من شدقه عندما يرغو) وصفن الطائرُ الحشيشَ والورَق (ضرب) وصفّنه - ض: نَضّده لفراخه. والصَفَن -بالتحريك: ما نضّده من ذلك. وصَفَن ثيابه في سَرْجه إذا جمعها فيه ".
° المعنى المحوري جمع أشياء مع التنسيق والتوازن بينها في نحو الكيس جمعًا تامًا. كالأنثيين في الصَفَن، وطعام الراعي وزناده في الصُفْن الذي يستقون به أيضًا. وكالدم الجاري في العرق الضخم في الساق والذراع، وكالحشيش والورق المتجمع في العش، وكالشقشقة في الفم. ومنه "صَفَنَتْ الدابة صفونًا: قامت على ثلاث وثَنَت سُنْبك طرف الرابع (قيام بدن الحصان كله على ثلاث
стр. 1239
قوائم جمع مع توازن وهذا الصفون تشتهر به الخيل) ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. ومنه "تصافن القوم الماء: اقتسموه بالحصص. . على حصاة يلقونها في الإناء يُصَب فيه من الماء بقدر ما يغمر الحصاة فيُعطاه كل رجل منهم " (حصص كثيرة توزع بالتنسيق والوازن واحدة بعد الأخرى).
° معنى الفصل المعجمي (صف): هو الرقة مع الخلوص من الغلظ تجمعًا جاسيًا أو تثنيا -كما في الصف: السطر المستوي من كل شيء (من الشجر مثلًا) - في (صفف)، وفي الصفا: العريض الأملس المستوي من الحجارة -في (صفو)، وكالصوف وهو شعر دقيق (انظر إلى دقته أو إلى أن الشأن جزُّه) -في (صوف)، وفي التنحي والعدول عن حال الفصل السابق، لأنه خلو، أو للخلو من مطر الشتاء -في (صيف). وكرقة الحسن وتمام القدّ وجودة المشي -في (وصف)، وكالحجارة العراض الرقاق في (صفح)، وكالاصطفاف -في (صفد) بصرف النظر عن التقييد لأن الذي يعبر عنه هو الدال، وكالخلو وكذلك الصفرة اللون كلاهما رقة -في (صفر)، أما الخلو فلعدم الكثافة وأما الصفرة فلأنه لونه يسر الناظرين وهو لون الذهب، وكالخريطة الخالية والشقشقة والتنضيد وكلاهما رقة -في (صفن).
الصاد والكاف وما يثلثهما
• (صكك):
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]
"الأصَكّ الذي أسنانه وأضراسُه كلها ملتصقة ".
стр. 1240
° المعنى المحوري التصاقُ صِلابٍ دقيقة أو التقاؤها مع توال وشدة (١) كحال أسنان الأصك. ومنه "بعيرٌ مصكوك ومُصَكّك كمعظَّم: مضروب باللحم كأن اللحم صُكّ أي شُكّ فيه (تراكم اللحم التصاق متوال) ومنه الصَكّ: الضرب الشديد بالشيء العريض " (الالتقاء بعِرَض وشدة كالالتصاق) ﴿. . . فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ ومن الأصل "الصكك -محركة: تقارب ركبتي الظليم والبعير والإنسان فيحتكان عند المشي أو العَدْو " (التقاء متوال بشدة) وكذلك الأمر في العرقوبين.
الصاد واللام وما يثلثهما
• (صلل - صلصل):
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]
"الصَلْصال -بالفتح: الطين اليابس الذي يَصِلُّ من يبسه. الصَلَّة -بالفتح: الجلد اليابس قبل الدباغ، والأرض الصُلبة/ اليابسة. وكل ما جف من طين أو فخار فقد صل صليلًا. صلَّ السقاءُ: يبس، والإبلُ: يبست أمعاؤها من العطش صَلَّ اللحم صُلولا: أَنتن مطبوخًا كان أو نِيئًا، والماءُ: أَجِن. الصِلُّ -بالكسر: الحية التي إذا نهشت قتلت من ساعتها ".
° المعنى المحوري تماسكٌ أو امتساكٌ في الأثناء بامتداد مع دقة جِرم أو ورقةٍ
стр. 1241
وحدّة أَثَر (١). كتماسك أثناء الصلصال عند جفافه -مع تصويته، وكذلك جفاف الجلد والأرض وأمعاء الإبل الموصوفات -وكلها يحدث بعد زمن، وكاللحم والماء الموصوفين، ولا يُنتن اللحم ولا يأجن الماء إلا من بقائهما أمدًا طويلًا بلا تبريد -وهذا امتساك زمني. والحية الموصوفة تختزن السم أمدًا طويلًا فيتركز فإذا نهشت قتلت من ساعتها. وكلٌّ دقيقُ الجِرم (قلة)، والأثر الحادّ: الصليل والسمّ.
فمن الصلصال الطين اليابس قوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] وكل (صلصال) فهو كذلك.
стр. 1242
فأما "الصُلْصُلة -بالضم وبالفتح: بقية الماء في الحوض والإداوة وغيرها من الآنية، وكذلك البقيةُ من الدهن والزيت "فكونها بقية دقةٌ (قِلّة)، وبقاؤها امتساك يمتدّ أمدًا طويلًا؛ لأن الشأن أن الكثير الذي كان وبقيت هي منه إنما ذَهَبَ شيئًا بعد شيء حتى بقيت هي. ومن هذا الصُلصُل -بالضم: القدَح الصغير " (يُكال به قليل بعد قليل أي ما يشبه البقايا).
وأما قولهم "صلَلْنا الحَبَّ المختلط بالتراب: صَبَبْنا فيه ماءً فعزَلْنا كلًّا على حياله، وصل الشرابَ: صفْاه "فالتصفية والتنقية خلوصٌ يُبقى الشيء النقيّ بعضه مع بعض، وهذا إبقاء وإمساك. مع قلة هذا الباقي بالنسبة لأصله.
وأخيرًا فإن قولهم "صل اللجام (والجرس والحديد) وصلصل: امتد صوته، وفرس صَلْصَال -بالفتح: حادّ الصوت دقيقه. الصَلصلة: صفاء صوت الرعد. يقال للحمار الوحشي الحاد الصوت صالّ وصلصال "فهذا كله من الحدّة الرقيقة لأن الصوت لا يحبسّ.
• (صلو - صلى):
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]
في [تهذيب اللغة] "صلَّيت العصا تصلية - ض: إذا أَدَرْتها على النار لتقوّمها "وفي [الصحاح] "صلى عصاه على النار - ض: ليّنها وقوّمها. وفي [ل] "أَصْلَت الناقة: إذا وقع ولدها في صَلاها وقرب نِتاجها. أَصْلَت الفرس: إذا استرخى صَلَواها، وذلك إذا قرب نتاجها. وفي التهذيب عن الزجاج "وقال أهل اللغة في الصلاة إنها من الصلوين وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، وأول مَوْصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفَا العُصْعُص. وجاء في [ل حبب]
стр. 1243
"أَنْشد الليث:
كأن صلا جهيزة حين قامت ... حَبابُ الماء يتبع الحبابا
(والحباب فُسِّر بالموج الذي كأنه دَرَجٌ في حَدَبة. والصلا: العجيزة. وينظر أصل العبارة في [تهذيب اللغة حبب، وفي [تاج]. والصَلاية: كل حجر عريض/ مُدُقً الطيب).
° المعنى المحوري لين أثناء الشيء أو رخاوتها من الداخل مع تماسك ما فيمكن التصرف فيه: كتليين العصا بتعريضها للنار فيمكن بذلك تقويمها إن كانت معوجّة، ويمكن أيضًا ثَنْي طرفها ليكون مَقْبِضًا لها. وكرخاوة الصَلَوين فيتيحان تحريك الناقة ونحوِها ذنبَها إلى الجانبين، وكالعجيزة التي تشبه حَدَبة الموجة بانتبارها مع رخاوتها (وأرى أن دقة تفسير "أَصْلَت الفرسُ "هو: صار لها صَلًا أي تجمع رخو ذو تماسكِ ما حول حيائها). والصلاية: الحجر العريض (الأملس) وسيلة لدَقّ الطيب على الحجر العريض، فيلين أي يَنْعُم ويمكن التطيب به. وقد جاء أن من معاني الصلاية: الجبهة. وجاء في [تاج] أن ذلك تشبيه -أي بالحجر العريض (الأملس). كما جاء أن من معاني الصلاية "شريحة خشنة غيظة من القف ". وأقول إن هذا من الشبيه بالحجر العريض أيضًا، فإن الشريحة بين ما حولها تشبه الحجر العريض في الصلابة والغلظ مع العِرَض في كلٍّ. والملاسة نسبية تتحقق بالخلو من كتل الحجارة ونحوها.
ومن رخاوة الأثناء: "المِصلاة -بالكسر: شرك ينصب لصيد الطير وغيرها "وذلك بأن يوضع داخل الشرك حبٌّ أو لحمٌ إلخ مما يحبه الصيد (وهذه هي الرخاوة في الأثناء) فيدخل الشرك فيصاد ومن هذا استعمل في إيقاع الشخص
стр. 1244
في هلكة بحيلة). وعبارة الأزهري "صلَيت فلانًا: إذا عملت له في أمر تريد أن تَمْحَلَ به وتوقعه في هلكة "وعبارة الزمخشري "صلَيْتُ بفلان: إذا سوّيت عليه منصوبة لتوقعه "وعبارة [تاج مع ق] "ومن المجاز صَلَى فلانًا صَلْيًا: داراه أو خاتله، وقيل: خدعه "اهـ.
وبالعَوْد إلى التليين بالنار نجدهم قالوا "صَلَى اللحم بالنار (رمى): شواه "واللين هنا متمثل في طيب اللحم بالشيء وذهاب فجاجته التي تمنع أكله نِيئًا. وكذا قالوا: "صَلَى ظهره بالنار (رمى): أدفأه "فهذا مجرد تقريب الظهر من النار ليدفأ ويلين. والاصطلاء الاستدفاء ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧]. وكل ذلك طيب أثناء -أي من الرخاوة في المعنى الأصلي.
وتخلصوا من قيد التطييب في تسليط النار على ظاهر الشيء إنضاجا أو تليينا فقالوا "صَلَى اللحمَ في النار (رمى) وأصلاه وصَلّاه - ض: ألقاه للإحراق، وصَلىَ بالنار وصليها (تعب) صَليًا -بالفتح وصُلِيًّا- فُعول، واصطلى بها وتصلاها ": احترق بها/ قاسي حرها " ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]، ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤]، ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١]، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]. واحتمال التطييب بالإحراق يعلمه اللَّه تعالى.
ومن لين الأثناء والرخاوة مجازًا بمعنى خشوع الباطن استعملت في الدعاء الذي هو تضرع لاستنزال الرضا أو الفضل، وهذا هو الذي جعلوه الأصل في تسمية الصلاة ذات الركوع أعني: الدعاء. قال [طب ١/ ٢٤٣]: إن المصلِّى متعرضٌ تعرّضَ الداعي. وقد استعمل اللفظ بمعنى الدعاء وحده كثيرًا، ومنه الحديث. ". . . وإن كان صائمًا فليصل "أي فليدع أي لأرباب الطعام. وبمعنى الدعاء
стр. 1245
استعملها الأعشى في صلاة الخمار على دن الخمر. ﴿وصلّى على دَنّها وارْتسم﴾
وكذا هي في قوله: ﴿عليكِ مثلُ الذي صليت﴾ أي دَعَوت (ولا يتأتى أن يقصد الأعشى بالصلاة الركوع ونحوه، لأنه لم يسلم)، وبهذا يفهم أن الصلاة من اللَّه على عباده هي إنزال الرحمة والبركات -كما يُقصد بالدعاء ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ في [قر ١٤/ ١٩٨]- فصلاة اللَّه على العبد هي رحمته له وبركته عليه. . وصلاة الملائكة دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال تعالى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وأقول إن هذه الآية تعبر عن فضل ورعاية من اللَّه لهذه الأمة لا يحاط به. وهو يفسّر كيف بقى الإسلام إلى الآن وإلى يوم القيامة إن شاء اللَّه برغم عداء الغرب ومحاربة كل حكومات العالم للإسلام. هذا مع عظيم شيوع حفظ القرآن وازدهار الجانب الروحي بالعلماء والأولياء، وانتشار الإسلام في شعوبٍ تحاربه، وغير هذا مما لا يفصّل إلا في كتب. وكل هذا بفضل صلاة اللَّه وملائكته على هذه الأمة، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. ﷺ . وفي [تاج] فائدة نفيسة منها أن معنى صلاتنا على النبي ﷺ : اللهم عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته ".
فلمعنى الدعاء والضراعة استُعْملت في أهم صور التضرع والإخبات للَّه وهي الصلاة ذات الركوع والسجود ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقد سبق الإمام ابن فارس بالقول باشتقاق الصلاة من صَلّيت العود: لّينته لأن المصلي يلين بالخشوع. ولكن لكثرة الاجتهادات في
стр. 1246
المأخذ الاشتقاقي للصلاة (نحو سبعة أو أكثر في [تاج] وحده) وأن أكثرها فيه تكلف، ولإجمال كلام ابن فارس وانغماره، وأنه في المجمل لا المقاييس = غاب وجُهل، وقد هُديت له بشواهد أصّلَته دون تكلف. فهو الصحيح والحمد للَّه.
ومن الأصل "الصلاةُ: المْعَبَدُ " (سُمي المكان باسم ما يقع فيه) كما قالوا سميت مِنَي لما يُمْنَى فيها من الدماء أي يراق. فالكلمة عربية أصلًا وصيغة ولا معنى لزعم تعريبها الذي ورد في ل والمتوكلي/ وتوقف إزاءه الخولي ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَ وَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]. والذي جاء في القرآن من التركيب معنيان الصلاة الدعاء والعبادة المعروفة، وصُلِيّ النار وتصليتها والعياذ باللَّه. وسياق كل منهما متميز.
أما "المُصَلِّى من الخيل: الذي مجيء بعد السابق "فأرى أنه من الرخاوة التي هي درجة من الضعف. فالسابق الصُلْب هو المجلّي، وهذا المتراخي عنه هو المصلي. وقد قالوا إنه وصف بذلك لأن رأسه يكون عند صلَوَىْ المُجَلِّي ".
• (وصل):
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد: ٢١]
"الوَصيلة: الأرض الواسعة البعيدة كأنها وُصِلَت بأخرى. والوِصْلانِ -بالكسر: العَجُز والفخذ. والأَوْصال: المفاصل. والمَوْصِل -كمنزل: مَعْقِد الحبل في الحبْل ".
° المعنى المحوري اشتباك شيء بشيء أي ضم شيء إلى شيء حتى يعلَقه (١). كالأرض الممتدة والأوصال يمتد بها الجسم. . . ومنه "وَصَل الشيءَ
стр. 1247
بالشيء (وعد) ووَصَّله ض: لأَمَهُ. واتصل الشيءُ بالشيء لم ينقطع " (امتد) "وَصَل حَبْلَه ووَ اصَلَ ه " ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] كصلة الرحم بمد الأسباب معهم ومثلها ما في [البقرة: ٢٧، الرعد: ٢١، ٢٥]. ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]. (مَدَدْناه بالمتابعة). "وقد وصلَ الشيءُ إلى الشيء (قاصر) وتوصل إليه: انتهى إليه وبَلَغه " (امتد إليه) ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠] هذا وصول حقيقى أو كنائي ومثله ما في [الأنعام: ١٣٦، هود: ٨١، القصص: ٣٥] ووَصَلَ الرجُلُ: اتصل بقوم وانتسب إليهم ". وبه قيل في ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] وأنكره [طب ٩/ ٢٠] مفسرًا الوصول بالدخول فيها لا مجرد الانتساب. "والوَصِيلة من الشاء: التي وَلَدت سبعة أبطن عَنَاقين عناقين. فإذا ولدت في السابع ذكرًا ذُبِح وأكل منه الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تُرِكت في الغنم، وإن كانت ذكرًا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يُذْبح، وكان لحمها حرامًا على النساء " ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
ومن الأصل "وصله: أعطاه "كما يقال أمدَّه بكذا "والوَصِيلة: العمارةُ والخِصْب لأنها تصل الناس بعضهم ببعض " [المقاييس] فيقيمون ولا يتفرقون.
• (أصل):
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]
"أَصْل الشجرة (جِذْرها). وقد استأصَلَتْ الشجرةُ: نبَتَتْ وثَبَتَ أصلُها. وأصْلُ الجبل وأصْلُ الحائط: قاعدتاهما [الأساس والمفردات]. والأَصَلة -محركة: حَيَّة قصيرة. . . ضَخْمة عظيمة - لها رجل واحدة تقوم عليها وتُساور
стр. 1248
الإنسان/ لها قائمة تخط بها في الأرض " [ل ١٧/ ٨].
° المعنى المحوري امتداد في العمق يقوم عليه الشيء ويمتد منه إلى الأعلى. كقاعدتي الجبل والحائط لهما، وجذرِ الشجرة لها، وتلك الأصلة لها قائمة تقوم عليها. ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. ومن ذاك "أَصْلُ كل شيء: أسفلُه " (يقوم عليه) ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]. ومن هذا: "أصُل الشيء - ككرُم: صار ذا أصل. وقد استأصلَتْ الشجرة (قاصر): ثبت أصلها. واستأصله: قَلَعه من أصله. . ونخل أصِيل بالأرض: هوَ بها لا يزال (امتداد في عمق الزمن). وقَطْعٌ أصيل: مستأصِل (يقطع الأصل)، وجاءوا بأَصِيلتهم أي بأجمعهم (بجذورهم) والأَصِيل: العَشِيّ/ من العصر إلى المغرب "باعتبار أنه أول دخول زمن الليل ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وسائر ما في القرآن من التركيب هو (الأصيل) بمعناه هذا، وجمعه (الآصال). وأما "أَصِلَ الماءُ (تعب): تغير طعمه وريحُه من حَمْأة فيه "فهو من امتداده، أي طول بقائه وثباته، كما في الأصل.
• (صلب):
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧]
"الصُلْب -بالضم: الشديد من الحجارة أشدُّها صلابة. والصُلْب -بالضم، وكسُكًر: عظمٌ من لَدُن الكاهل إلى العَجْب الظَهْرُ. ومكان صُلْب -بالضم، وكسَبب: غليظٌ حَجِر. صَلُب الشيء (كرم) فهو صَليب -بالضم، وكسُكّر: شديد ".
стр. 1249
° المعنى المحوري شدة الشيء بمعنى تماسكه الشديد مع امتداده. كالحجارة المذكورة والظَهر. فمن الصُلْب الظهر ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. وجمعه أصلاب ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومنه الصَلْب: القِتْلَةُ المعروفة لأنها تتم بشد المصلوب على شيء منصوب ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]. وسائر ما في القرآن من التركيب فهو من الصَلْب بهذا المعنى. ومنه "الصليب: وَدَكُ العظام " (حَشْوُ العظام الصُلْبة) و "صَلَبَ العظامَ (نصر) طبخها واستخرج وَدَكها (إصابة) وصَلَبَتْه الشمس: أحرقته "كذلك.
ومن معنويه "صَلُب على المال (كرُم): شحّ به (كما قالوا شديد)، والصالبُ من الحمى: الحارّة " (شديدةٌ غيرُ هادئة).
• (صلح):
﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨]
"أصْلَحَ الشيءَ: أقامه بعد فساد. وصَلَح الشيء (كنصر ومنع وكرم) صلاحًا وصلوحًا: ضدُّ فسد. وفي المصباح "الصُلْح -بالضم: التوفيق. أصلحت بين القوم: وفّقت. أَصْلَح: أتى بالصلاح وهو الخير والصواب، وفي الأمر مصلحة أي خير ".
° المعنى المحوري سلامةُ (جسم) الشيء أي التئامه على حاله الأصلية تامً النّفع والخير الذي أُوجِد أو أريد له: يؤخذ ذلك من إصلاح الفاسد من الأشياء، وأن التوفيق لأمٌ والتئام. ومن معنوى ذلك "الصُلْح: السِلْم. وتصالح القومُ، وأصلحَ ما بينهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
стр. 1250
[الحجرات ٩]. ومن الصلاح: السلامة من الخطايا المعوقة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ. . .﴾ [الرعد: ٢٣] أي مع من لهم أعمال صالحة من آبائهم وإن لم تبلغ قدر أعمالهم [ينظر قر ٩/ ٣١١٢] ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، فهذا توفيق، وهكذا كل (أصلح بَيْنَ). ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩] أتى بالصلاح وهو الخير والصواب وهو هنا (أي في حق من سرق -كما في الآية السابقة) التنصل من التبعة برد الشيء المسروق إن أمكن، أو بالاستحلال منه، أو بإنفاقه في سبيل اللَّه إن جُهِل صاحب المسروق [ينظر بحر ٣/ ٤٩٥]، وفي ضوئه يفسّر كل (أصلح) القاصر بما يناسبه. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] [ينظر بحر ١/ ١٩٧] في توجيه ادعائهم هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] (لا يصلحه أي لا ينجحه (لا يوفقه) بوقوع الأثر المقصود به، أخذته مما في [قر ٨/ ٣٦٨]. ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] كانت عاقرا فجعلت وَلودًا أو سيئة الخُلُق فجعلها حسنة الخُلُق [قر ١١/ ٣٣٦] ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] أمور دنياهم أو أمور دينهم [ينظر قر ١٦/ ٢٢٤]، وفي ضوئه يفسّر كل (أصلح) المتعدي بما يناسبه. ومما سبق نقول إن العمل الصالح هو الذي يتفق ويلتئم مع ما يطلبه الشرع أو يرضاه. وبه تفسر كل (الصالحات). والصالح من عباد اللَّه هو الذي تتفق أعماله مع ما يطلبه الشرع أو يرضاه، وبه يفسر كل (صالح) مطلق أي غير معين في القرآن الكريم.
• (صلد):
﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]
стр. 1251
"حَجَر صَلْد -بالفتح، وصَلُود: صُلْبٌ أَمْلَس. والصِلْداء -بالكسر وبتاء: الأرضُ الغليظةُ الصُلْبة. وجبين، ورأس، وحافر صَلْد. ومكان صَلْد: لا يُنْبت. وأصلادُ الجبين: الموضعُ الذي لا شَعَر عليه ".
° المعنى المحوري تصلب الشيء تمام الصلابة مع ملاسة سَطْحه بحيث لا ينفذ منه شيء - كالحجر والأرض الموصوفين، والأجزاء الموصوفة ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: صُلْبًا أملس أي لا شيء عليه - تمثيلًا لمن ينفق ماله رئاء الناس، لا يبقى له أيُّ ثواب لنفقته. ومنه "صَلَد الزَنْد: صَوَّتَ ولم يُور "كما قالوا في ضده ثَقَب.
صَلَدَت زِنادُك يا يزيد وطالما ... ثَقَبَتْ زنادُك للضَريكِ المُرْمل
"وفرس صَلُودٌ: بطيء الإلقاح. وناقةٌ صَلُود، ومِصْلاد: بَكِيئة، ورجل صَلْدٌ: بخيل جدًا. وصَلَدَ السائلَ (ضرب): لم يعطه شيئًا ". كل هذا عدم نفاذ شيء أو ثمرة.
ومن الأصل "صَلَدَ بيديه مثل صَفَق سواء " (من التقاء الصَلْدين العريضين).
وجاء "صَلَدَتْ صَلْعَتُه: بَرَقت "وكذلك العُودُ المقشورُ واللبنُ يَصْلِدُ أي يبرقان -من أن الصُلْبَ الأملسَ يبرق فهو على التشبيه.
° معنى الفصل المعجمي (صل): هو التماسك الدقيق مع لُطفٍ ما في الأثناء كما يتمثل في تماسك الصلصال عند جفافه وكذلك صليله -في (صلل)، وكتماسك الأثناء مع رخاوتها (لا تسيبها) -في (صلو صلي)، وكما في اتصال الأرض والنبت من خصوبة الأثناء -في (وصل)، وكما يمتسك الأصل الشيء فيقيمه -في (أصل)، وكسريان التماسك في أثناء الشيء الصلب -في (صلب)، وكالتئام جسم الشئ مع امتساكه نفعه وخيره -في (صلح)، وكاشتداد أثناء الشيء لا ينفذ منها شيء في (صلد).
стр. 1252
الصاد والميم وما يثلثهما
• (صمم - صمصم):
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]
"قَنَاة صَمَّاء: مكتنز جوفها. وحَجَرٌ أَصَمّ: صُلْب. والصَميم: العظم به قِوامُ العُضْو كصَميم الوظيف والرأس. والصِمْصِمَة -بالكسر-: الأَكَمَة الغليظة التي كادت حجارتُها تكون منتصبة. وصِمام القارورة - ككتاب: سِدادها الذي يُدْخَل في فمها. والصَمَّاءُ من الأرض: الغليظة. والصَمَّان - وبالتأنيث: أرض صُلْبة ذات حجارة إلى جنب رَمْل ".
° المعنى المحوري انسداد سُموم الشيء بالنفاذ فيها بغلظ واستواء ظاهره بذلك، ويلزمه اشتداده (١): كالقناة الصماء، وعمل صمام القارورة، وكالأكمة
стр. 1253
الغليظة والحجر الأصم. ومنه "الصَمَم (فرح) انسداد الأذن وثِقَل السمع ". ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١]، ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ [هود: ٢٤]. وكل ما في القرآن من التركيب فهو من الصَمَم بهذا المعنى. ومنه "صَمَّم: أي عَضَّ ونَيَّبَ فلم يُرْسِل ما عَضّ (لدخول أنيابه في المعضوض كأنها نفذت في سمومه فبَقِيَتْ). ومنه "التصميم: المُضِيّ في الأَمْر (نفاذ بقوة بلا إرسال) وسَيْفٌ صَمْصَام -بالفتح، وبتاء: صارم لا ينثني/ قاطع (ينفذ بلا توقف). ورجل صَمَم -كحسن وصِمْصِم- بالكسر. . .: مُصَمّمٌ شديدٌ صُلْب. والصَمْصَم -بالفتح: البخيلُ النهايةُ في البُخْل (كل ذلك من شدة اكتناز باطن الجرم وامتلائه فلا فراغ ولا منفذ). "وهو من صميم قومه. وصميم كل شيء: خالصه " (كاللب والشيء الذي في الجوف) "والصِمْصِمَة -بالكسر: الجماعةُ من الناس كالزِمْزمة " (تجمع وتماسك كالاشتداد ".
• (صوم):
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]
"الصوم: شجر على شكل شخص الإنسان. . . له هُدْبٌ كالأثل ولا تَنْتَشِر أَفْنانه. وبَكَرَة صائمة: إذا قَامَت فلم تَدُرْ (تصمَّغت في محورها). ومَصَامُ الفرس ومَصَامَتُه: مَقَامُه ومَوقفُه. صامَ الفرس فهو صائم أي قائم على قوائمه الأربع بلا حَفًى. والصَوْمُ: قيام بلا عمل (هذا يفسره ما قبله). واستصام: قام ".
° المعنى المحوري توقف أو وقوف وقيام عن الحركة والامتداد المعتاد - كجِرم شجر الصوم ملتئم لا يتفرع وكأنه أَجْرد، وكالبَكَرة المذكورة لا يدور فيها
стр. 1254
مِحْورَها وكالفرس لا ينتقل من مكانه. والشأنُ في الجميع خلافُ ذلك. ومنه "صامت الريح: رَكَدتْ، والشمسُ: قامَتْ عند منتصف الظهيرة ولم تبرح مكانها (في ظاهر الأمر لهم) والصوْم. عُرّة النعام " (كتلة واحدة ليس كبعر الإبل والغنم) ومنه "الصوم: البِيعة " (موقوفة؟ أو ساكنة صامتة؟).
ومنها "الصوم: الإمساك (أي التوقف) عن الأكل والشرب (وأضاف الشرع الإمساك عن الجماع)، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومنه الصوم عن الكلام. ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ١٢٦].
• (صمت):
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]
"الصامت من اللبن: الخاثر. والمُصْمَت - كمُكْرَم: الذي لا جوف له ".
° المعنى المحوري احتشاء أثناء الشيء فلا ينفذ منه شيء. كاللبن الخاثر فخُثُورته من تركّز مادته بلا تَخَلْخل - حسب ما نحسّه فهو متماسك غير متسيب، وكالشيء المصمت. ومنه "صمت (قعد): سَكَت " (كأنه مصمت متماسك الأثناء لا ينفذ ما فيه) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.
ومنه "الصُمَات - كصداع: سرعة العطش في الناس والدواب (لجفاف الجوف من طراوة الماه فكأنه يابس متماسك)، ثوب مُصْمَتٌ من خَزٍّ، والمصمت: البهيمُ " (لون واحد أيَّ لون كان. فالنكتة من لونٍ آخر انقطاع كالفراغ) وحَلْيٌ مُصْمَت لا يخالطه غيره " (لم يدخل عليها جميعها غيرها فكأنها مصمته لا (فراغ) في أثنائها لغيرها).
ومنه "بات على صِمات أمر - ككتاب -أي معتزمًا عليه. والصِمات
стр. 1255
القصد ". (فذلك من عقد العزم في الباطن على الشيء فهو ممتلئ النفس به).
• (صمد):
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]
أ) الصَمْد -بالفتح: المكان المرتفع الغليظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جَبَلًا/ ما دقّ من غَلْظ الجبل واطمأنّ ونبَتَ فيه الشجر. الصَمدة -بالفتح: صَخْرة رأسية في الأرض، وربما ارتفعت شيئًا. والمُصَوْمد: الغليظ المشرف [تاج]. وبناء مُصْمَد - كمُكرَم: مُعَلَّى. والصَمَد -بالتحريك: الرفيع من كل شيء ".
ب) والصِماد - ككتاب: سِدادُ القارورة وهو غيرُ العِفَاص. والصَمْدة -بالفتح وبالتحريك: الناقة المتعيطة التي حُمِل عليها ولم تَلْقح، والمصمَّد - كمعظم: الشيء الصُلْب ما فيه خور. والصَمَد -بالتحريك: المُصْمَتُ الذى لا جوف له.
° المعنى المحوري ارتفاع مقارب مع غِلَظ ومع اكْتناز الأثناء أي إصماتها. كما يتمثل ذلك في مجموعة الاستعمالات: (أ)، وكما يتمثل إصمات الجوف خاصة في مجموعة الاستعمالات (ب) - مع استحضار أن اكتناز جوف الشيء والتكدس فيه يلزمه ارتفاعه حيث لا خور في أثنائه يؤدي إلى خفض ارتفاعه بدَكِّهِ مثلًا. ومن الارتفاع قيل (الصَمدُ -بالفتح: النَصْبُ (أي نَصْب الشيء قائمًا كبيت الصوف والجِلد -مثلًا). ومما تمثل فيه معنى إصمات الجوف: "الصَمَد -بالتحريك: الرجل الذي لا يعطش ولا يجوع في الحرب. وأما صِمَاد الرأس: ما يلُفّه الإنسان على رأسه من خرقة أو مِنديل أو ثوب دون العمامة - فهو محمول على صِماد القارورة وهو صمامها الذي يدخل في فمها من حيث إنه (شَدٌّ) للرأس كما نقول، كما أنه يقي العمامة أن ينفذ إليها عَرَق الرأس، كما أن
стр. 1256
صِمَاد القارورة يمنع نفاذ ما فيها.
والارتفاع المقارب يعني البلوغ إلى مستوى المواجهة أو أعلى "لا يبلغُ أن يكونَ جبلًا ". وقد فُسّر "الصمد "في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بـ "المقصود/ الذي يُصْمَد إليه في الحاجات "وهذا المعنى يؤخذ من كون الشيء مرتفعًا في المواجهة فيكون متَّجَها إليه وهذا هو معنى القصد.
وفسر أيضًا بـ "الدائم الباقي الذي لم يَزَلْ ولا يزَال "ويؤخذ هذا من معنى الثبات الذي يتمثل في رسوخ المكان المرتفع الذي يضبه الجبل، وفي الصخرة الراسية، كما يؤخذ من تركلز المادة واحتباسها في جوف تلك المرتفعات، وفي سد القارورة والناقة المتعيطة (حسب تصورهم) ومن الشيء الصُلب والمصمت.
وفسر بالذي لم يلد ولم يولد. وهذا يؤخذ من إصمات الجوف بمعنى اكتنازه بما فيه، مع احتباسه فيه، فلا ينفذ منه شيء كما هو واضح في استعمالات المجموعة (ب) وهو متحقق أيضًا في استعمالات مجموعة الارتفاع، لأن ارتفاع ما هو ثابت على الأرض يكون بتجمع المادة فيه وتراكمها محتبسة غير مبعثرة فيرتفع.
وذُكِرت معان أخرى "السيد الذي انتهى سُؤْدده في أنواع الشرف والسُؤدُد "-وهذا قد يؤخذ من الارتفاع. "وبالمستغنى عن كل أحد "وهذا يؤخذ من الاكتناز، وبالذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (١) وهذا لا أصل اشتقاقيًّا له. فالمعاني الأُولى الثلاثة قوية واللفظ بهذا من جوامع الكلم
стр. 1257
المفردة. وترتيبها في القوة: الثالث، ويلزم منه الثاني، ويلزم منهما الأول.
• (صمع):
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ [الحج: ٤٠]
"قناةٌ صَمعاءُ الكعوب: مكتنزة الجوف صُلْبةٌ لطيفةُ العُقَد. بَقْلَة صمعاء: مرتوية مكتنزة ".
° المعنى المحوري أن ينضمّ في الشيء ما شأنه أن ينتبر أو يتفرع منه. كالقناة اللطيفة العُقَد ليستْ عُقَدها ناتئة بغلظ كالمعتاد، وكالبقلة الممتلئة رِبًّا. ومن مادّيّ ذلك أيضًا "الصَمَع (فرح): أن تَصْغُر الأذن بلا تَطَرّف وتلصَقَ بالرأس (فيبدو الرأس متضامًّا مستويًا لا تنتأ منه أطراف). وامرأة صَمْعاء الكعبين (الكعب هو ما يسمَّى بَزّ الرجْل): لطيفتهما مستويتُهما. وقوائمُ الثور الوحشي صُمْع الكعوب (ليس فيها نتوء). وتصمَّع ريشُ السَهم: رُمِىَ به فتلطخ بالدم وانضَمَّ "فلصِق بالسهم لم ينتشر حوله.
ومن المعنوي: "قَلبٌ أصمعُ: ذكِىّ متوقدٌ فطِنٌ (كما نقول الآن: ركّز) وصَمِعٌ - ككتف: أي شجاع ليس بليدّا ". (مجتمع/ شديد).
و"الصَومَعة من البناء سميت لتلطيف أعلاها. وكذا صَوْمعة الثريد: جُثَّته وذِرْوته. وصَومَعة النصارى من هذا لأنها دقيقة الرأس متضامة فتضام رأس كل منها هو سر تسميتها ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾. ولا أدري على أي أساس زعموا أن الصومعة معربة وتابعهم العلامة الخولي.
ومن تضام الظاهر بلا تشعب قيل "الأصمع: السيف القاطع (صُلْبٌ قويٌّ مستوى الظاهر فهو ينفذ بخفة) وصَمِعَ (فرح): إذا رَكِبَ رأسَه فمضَى غير
стр. 1258
مكترث " (لأنه لا يتفرع بالاتجاه هنا وهنا).
° معنى الفصل العجمي (صم): هو انسداد مسامّ الشيء مع صلابة فلا ينفذ فيه أو منه شيء -كما في القناة الصماء: المكتنز جوفها والحجر الأصم- في (صمم)، وكما في شجر الصوم لا يخرج منه ورق ولا فروع، والبكرة الصائمة التي لا تدور والصيام المعروف لا يدخل فيه شيء إلى الجوف -في (صوم)، وكما في الشيء المصمت الذي لا جوف له والشخص الصامت لا ينفذ منه كلام -في (صمت)، وكما في الصمْد المكان الغليظ المرتفع لا يبلغ أن يكون جبلًا، والصَمْدة الصخرة الراسية في الأرض -في (صمد)، وكما في القناة الصمعاء التي هي مع اكتناز جوفها لطيفة العقدة، والصمعاء الكعبين اللطيفتهما المستويتهما (أي أنهما غير ناتئين كما تنتأ الكعوب عادة) -في (صمع) وكالصومعة من البناء المجموعة الأعلي أيضًا.
الصاد والنون وما يثلثهما
• (صنن):
"الصَنّ -بالفتح: زبيلٌ كبيرٌ مثل السَلة المُطبَقة يُجْعل فيها الطعام والخبز. وأَصَنَّت الناقة: تأخَّر وِلَادها فوقع رِجْل الوَلَد في صَلاها دَفَعَ وَلَدُها بكُراعه ورأسه في خَوْرانِها. وأصنَّ اللحمُ: أنتن. والصِنَّةُ -بالكسر وكصداع: رائحةُ المغابِن ومَعاطِفِ الجَسَد (الإبط ونحوه) وقد أَصَنّ ".
° المعنى المحوري احتواءٌ في الجوف متمكّن أو دائم (على غلظ) (١)
стр. 1259
كاحتواء الزبيل ما فيه والغلظ كثرته، وكالولد في صَلا الناقة - والغِلَظ أن هذا ليس مكانه، وإنْتان اللحم إنما هو من طول اختزانه (بلا تبريد)، وصُنان المغابن من طول احتوائها على العرق بلا تنظيف. ومن ذلك الأصل: "أصَنَّ فلان: امتلأ غضبًا/ شَمَخ بأنفه كبرًا " (الغضب والكبر غلظ يمتلئ بهما الجوف) وكذلك "المُصِنّ: الساكت " (يكتم كلامًا في نفسه).
• (صنو):
﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤].
"إذا كانت نخلتان أو ثلاثٌ أو أكثرُ أصلُها واحدٌ فكل واحد منها صِنْو -بالكسر، والجمع: صِنْوانٌ. رَكِيّتان صنوانِ: متجاورتان إذا تقاربتا ونبَعَتا من عَيْن واحدة ".
° المعنى المحوري تعدد التفرع من أصل واحد كالنخلات من أصل واحد والركِيّتَيْن من عين واحدة ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: مجتمع ومتفرق. ومنه "فلان صنو فلان: أخوه " (نفذا من أصل واحد) "وعمُّ الرجل صِنْوُ أبيه "كذلك
стр. 1260
ومنه "الصاني: الملازم للخدمة " (كأنه جزء من المخدوم أو فرع) و "الصِنَا - كرضا ويمد: الرَمَادُ والوَسَخ (متولد أو متفرع) وأخذتُ الشيءَ بصِنايته أي بجميعه " (بفروعه).
ومما يُشْبه معنى التفرع جاء "الصُنَيّ -مصغرا: "شِعْبٌ صغير يسيل فيه الماء بين جبلين "وهو مما قالوا فيه "الصَنْو -بالفتح: الغَوْرُ الخسيس بين الجَبَلين/ الماءُ القليل بينَ الجبلين ".
• (صنع):
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
"الصِنعْ -بالكسر: السَفُّود تُنْظَم فيه قِطَع اللحم، والمصانع: أَحْباس تُتَّخَذُ للماء. . . يُجْمَع فيها ماء المطر. صَنَع فلان فَرَسَه: قامَ بعَلَفه وتَسْمينه. وقَوْمٌ صَناعِية - ككراهية: يَصْنَعُون المال ويُسَمِّنُونه. وصَنَع جَاريته: رَبَّاها. وصُنِعَتْ -للمفعول: أُحْسِنَ إليها حَتّى سَمِنت " [ق].
° المعنى المحوري جَمْع أو تحصيل في هيأة جديدة (أو تعظيم نَفْسِ الهيأة) بتدبير واحتيال أو إحكام. كما ينتظم السفُّود قطع اللحم، وكما يَجْمع المَصْنَع الماء وكالتسمين. ومنه "صَنَع الشيء: عَمِلَه "-وفي هذا التعبير عن معنى الصنع تسامح لأنه ليس كل عمل جمعًا أو تعظيمًا، كما أنه ليس في كل عمل احتيال أو تدبير، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩]. ففي كل ذلك تدبير واحتيال، و "المصانعة: الرشوة (حيلة للحصول على شيء) والمصانعُ: مواضعُ تعزل للنحل منتبذة عن البيوت
стр. 1261
والقرى " (للنحل)، والحصونُ، وما يصنعه الناس من الأبنية والآبار. ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. فسرت في [قر ١٣/ ١٢٣] بالمنازل، والحصون، والقصور، ومحابس المياه. والأخير هو المشهور. وكلها فيها تدبير وإحكام ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه ٣٩] تُرَبَّى. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] جعلتك مقر الإكمال والإحسان [بحر ٦/ ٢٢٧، ٢٢٨].
• (صنم):
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]
"الصَنَمَة -محركة: قَصَبَة الريش كُلِّها [ق]. والصَنِمَة - كفرحة: اللبَن الخبيثُ الطعم والرائحة ".
° المعنى المحوري جمع الشيء أو أخذه أمورًا دقاقًا أو خفية -مع استواء الظاهر- كقصبة الريش حولها جناحان من الشعر، وكاللبن الموصوف تمتد منه رائحته الخبيثة ويذاق فيه طعمه الخبيث وهما خفيان، والظاهر مستو.
ومن ذلك: "الصَنَم -محركة: قُوّة العَبْد وهو صَنِم "- ككتف. (القوة إمكانية لا تبرز إلا عند العمل). وأما "الصنمَ -بالتحريك: ما اتُّخِذ إلهًا من دون اللَّه. . . يُنْحَت من خشب ويصاغ من فضة ونحاس "فلعله سُمِّي كذلك لما توهَّم فيه عابدوه من قوى خفية ليس لها ظواهر تدل عليها. ثم إن اللغويين اختلفوا في الفرق بين الصنم والوثن: فمنهم من سَوَّى بينهما: الجوهري [تاج]، وفي [طب الأنعام ٧٤] أنها مصوّران. ومنهم من رأي أن المصوّر صنم وغير المصور وَثَن (الفهري وابن عرفة وشرح الدلائل)، ومن نص على كون الوثن مصوّرا [ينظر فيهما تاج]. ومنهم من رأي أن الصنم صورة بلا جثة (رسم على الحائط مثلا)، والوَثَن ما كان له جثة من خشب أو فضة أو حجر ينحت ويعبد. ومنهم من
стр. 1262
جعل الوثن المنصوب أي الذي له جثة صَنَمًا.
ويترجح لدي أن الصَنَم مصور فهذا أدْعَى إلى توهم سِرٍّ فيه، كما أن اعتبار اللفظ المصاقب للصنم، وهو السنام، يرجح أنه جثة منصوبة. أما الوثن فإن احتواء الكلمة على الفصل المعبر عن التكثير (ثن) يرجح أن المعتبر فيه أنه شريك أو ثانٍ (أي تعدد المعبود) تعالى اللَّه عن ذلك. فملحظ الوثن أنه شريك، وملحظ الصنم أنه جثة مصورة منصوبة، فيمكن أن نقول إن الوثن أعم من الصنم. أما دعوى تعريب الصنم التي ذُكرت في ل وغيره، فلا أساس لها، كما وضح مما سبق.
° الفصل المعجمي (صن): هو الاحتواء في الجوف أو الإمساك في الأثناء بتمكن أو دوام كالصَنّ: الزبيل الكبير الذي يجعل (أي يخزن) فيه الطعام والخبز، وكما يُصِنّ اللحم أي ينتن من طول بقائه غير مبرد -في (صنن)، وكما يحتوي الأصل من النخل علي قوة وخصوبة عظيمة فتخرج منه نخلتان أو ثلاث أو أكثر لا نخلة واحدة -في (صنو)، وكما يحتوي السفّود علي عدة قطع من اللحم بتمكن، وكذلك مصنع الماء خزّانه -في (صنع)، وكما تمسك قصبة الريش بشعرها النابت منها إمساكًا قويًا، وكذلك اللبن الخبيث الطعم والرائحة إنما يكون كذلك لبقائه مدة طويلة غير مبرد -في (صنم).
الصاد والهاء وما يثلثهما
• (صهر):
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
"صَهَرَ الشحم ونحوه (فتح): أذابه. والصُهَارة - كرخامة: ما ذاب منه ".
стр. 1263
° المعنى المحوري تميع الجامد المتماسك وذوبانه (بحرارة تبلغ ذلك) (١) كصَهْر الشحم ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠].
ومنه "اصطهر الحرباءُ واصهار: تلألأ ظهره من شدة حر الشمس، وقد صهره الحر وصَهَرته الشمس: اشتد وقعها عليه " (حتى تكاد تذيبه أو لأن لمعانه يبديه ذائبًا). ومن التميع أو الذوبان وحده قيل "ما بالبعير صُهارة -كرخامة أي نِقْي "وهو مُخّ قَصَب العِظام، سمي بذلك لكونه كذلك أو صيرورته. وقالوا "صَهَر خُبْزه: أَدَمه بالصُهارة، وصهر رأسه دَهَنه بها ".
ولما كان صَهْر الأشياء يذيبها فتخلتط بعضها ببعض عُبِّر بالتركيب عن شدة القرب والمخالطة. ومنه في بناء مسجد قُبَاء "فيَصْهَر الحجر العظيم إلى بطنه: يدنيه ويقربه " (فالذي مجمل حجرًا عظيمًا ضَامًّا إياه إلى بطنه لابد أن يضغط عليه كثيرًا إلى بطنه ليتحمل الجسم مع اليدين ثقل الحجر وهذه مخالطة قوية جدًا) كما يقال "صَهَرْتُ الشيءَ: خَلَطته [قر ١٣/ ٦٠] وصَهَرَه وأصْهره: قَرَّبه وأَدْناه "ومن هنا أُخذ "الصِهْر وهو ما كان من خُلطة تشبه القرابة يُحْدِثها التزويج " [ل] يقال "صاهرت القوم، وفيهم: تَزَوَّجْت فيهم. وأَصْهَرْت بهم وإليهم صرت فيهم صِهرًا أو جارًا متحرمًا بهم. والصهر -بالكسر: زَوْج بنتِ الرجل أو أختِه ". والجاري هو شدة قرب الرجل ومخالطته لأهل امرأته. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فُسّر الماء بالنطفة [قر ١٣/ ٥٩] وعرّفوا النسب بأنه خلط الماءين. والدقيق ما جاء في (نسب) من أنه القرابة في
стр. 1264
الآباء "أي البنوة والأبوة وهي ثمرة خلط الماءين.
وقد أورد في المتوكلي أن الصهر معربة عن البربرية وحكاها الخولي وتوقف إزاءها. ثم ساق زعمًا آخر بأن الصهر فارسي معرب عن شوهر أي زوج البنت. وارتاح إلى ذلك. وبهذه المزاعم سلبوا التركيب بمعنييه عروبته. ونحن بحسب منهجنا لا نجد أدنى ما يشكك في عروبة الكلمة.
فالصَهْر إذابة الشحم وغيره بتعريضه للحرارة الشديدة. والمصاهرة ذوبان واختلاط، ونحن نرى واقعا أن المصاهرة الناجحة يكاد الصهر (= زوج البنت) ينتمي فيها الي أسرة زوجته.
* * *
стр. 1265
باب الضاء
التراكيب الضادية
• (ضوأ):
﴿. . . يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]
"الضَوْء -بالفتح والضم- النور. ضاء السراجُ والنارُ، وضاء الأُفقُ بنوره ﷺ ، وأضاء: استنار ".
° المعنى المحوري أشعةٌ تنفُذ من شيء وتنتشرُ فتزيلُ كثافة الظلام والإعتام. كالضوء: النور - وهو لطيف حادّ ينفذ من النار ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
كأن كلمة الضياء هنا تعنِي -بمساعدة صيغة فِعَال المعبرة عن الآلية- مصدرًا للضوء، أي شيئًا يضيء، وأما القمر فهو ذو نور، وليس في اللفظ ما يدل على أنه مصدر ذاتي له - بعكس الشمس، ففي الضوء ملحظ الصدور بقوة وصيغته للآلية كما قلنا. ولهذا اقترن الضياء بالنار في ما ورد من شواهد تجمعهما. ويؤيد هذا أن الشمس -دون القمر- وُصِفت في القرآن بأنها سراج ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣].
أما "ضَاءَ عن كذا بمعنى عدل وحاد عنه "فهي -إن صحت- تتأتي من